عقيدة الإيمان باليوم الآخر
وآثرها في إصلاح المجتمع
د. عبدالمجيد بن محمد الوعلان
стр. 2
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨].
أما بعد:
فإن عقيدة الإيمان باليوم الآخر من قضايا العقيدة الأساسية التي جاء بها الإسلام، والتي يقوم عليها بناء هذه العقيدة بعد قضية وحدانية الله. والتي لا يقوم هذا الدين عقيدة وتصوراً وخلقاً وسلوكاً وشريعة ونظاماً إلا عليها وبها.
إن الحياة الحقيقة في الإسلام تمتد في الزمان فتشمل الفترة المحدودة التي يشهدها الإنسان - فترة الحياة الدنيا - وفترة الحياة الآخرة التي يمتد مداها أبد الآبدين.
(ولما كان الارتباط بين حياتنا هذه وحياتنا الآخرة وثيقاً، إذ كانت هذه الحياة بمثابة الحرث والزرع، وكانت الآخرة بمثابة الجني والحصاد، كان لابد للإنسان من أن يعلم عن حياته الآخرة ما يدعوه للاستعداد لها، وإقامة حياته الدنيا على النمط الذي يحقق له في الآخرة خيراً وفضلاً.
ولما كانت الآخرة غيب لا يستطيع أصحاب العقول الثاقبة، والقلوب المبصرة اختراق حجبها فضلاً عمن دونهم، فإن الله تعالى تولى إخبارهم عن مسارهم في رحلتهم بعد الحياة، وعن مصيرهم المحتوم، ومزج الحديث عن الحياة الآخرة بالحديث عن هذه الحياة مزجاً يجعلهما متداخلين، تحقيقاً لإصلاح النفوس وتقويمها، في عالم تدأب فيه مخلوقات كثيرة بشرية وجنية على العمل لإضلال العباد وإبعادهم عن جادة الصواب) (١).
وتأتي أهمية هذا البحث في هذا الوقت الذي انشغل فيه كثير من الناس بالدنيا وما فيها من المتاع فنسوا اليوم الآخر. وأخذ فيه بعض الكتاب يشككون في ظهور ما أخبر به القرآن وما أخبر به الرسول ﷺ ، أو يصرفون النصوص عن ظاهرها، أو يؤلونها ويحكّمون عقولهم فيها، بل وصل الحال ببعضهم إلى تكذيب كثير مما يجري في الآخرة مما صحت به الأخبار، وعمدتهم في ذلك مقاييس عقلية لو دققوا النظر فيها لتبين فسادها، ولو تعمقوا في علوم الآخرة لبان لهم أن الآخرة غير الدنيا، وأن مقاييس وموازين الآخرة مخالفة لما عليه الحال في الدنيا.
стр. 3
وكذلك فإن هذا البحث دعوة للإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر، وتصديق لما أخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٤]، ﷺ .
وهو أيضاً دعوة للتأهب لما بعد الموت، فإن الأجل قريب، والإنسان لا يعلم مصيره بعد الموت، إما إلى الجنة وإما إلى النار قال تعالى: ﴿(٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٤١].
نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة، وأن يعيذنا من النار.
стр. 4
خطة البحث:
يشتمل هذا البحث على مقدمه، وتمهيد، وأربعة فصول، وخاتمة.
- أما المقدمة: فتشتمل على أهمية هذا الموضوع، وخطته.
- وأما التمهيد: فتحدثت فيه عن الأطوار التي يمر بها الإنسان. وهذه الأطوار هي:
١ - الطور الأول: حياته وهو جنين.
٢ - الطور الثاني: حياته الدنيا.
٣ - الطور الثالث: حياته وهو في البرزخ.
٤ - الطور الرابع: حياته في الآخرة.
- وأما الفصل الأول: الإيمان باليوم الآخر: فيشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تحدثت فيه عن أهمية الإيمان باليوم الآخر وأنه أصل من أصول الدين. وعن الحقائق التي يشتملها الإيمان باليوم الآخر. وعن معنى الإيمان في اللغة والشرع.
المبحث الثاني: وتحدثت فيه عن أسماء اليوم الآخر وذكرت الأدلة على ذلك، وسبب كثرة أسماء اليوم الآخر.
المبحث الثالث: وتحدثت فيه عن علاقة الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالغيب: وبينت فيه ارتباط الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالغيب، وأن الإيمان باليوم الآخر هو إيمان بالغيب.
- وأما الفصل الثاني: أشراط الساعة، ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: الساعة وأمارتها: وبينت فيه أقسام أشراط الساعة وأنها تنقسم إلى قسمين:
١ - أشراط الساعة الصغرى.
٢ - أشراط الساعة الكبرى.
وأن أشراط الساعة الصغرى منها ما وقع ومنها ما لم يقع.
المبحث الثاني: تحدثت فيه عن أشراط الساعة الصغرى.
المبحث الثالث: تحدثت فيه عن المهدي؛ وذلك لأن ظهوره يسبق ظهور أشراط الساعة الكبرى. وبينت مكان خروجه.
المبحث الرابع: تحدثت فيه عن أشراط الساعة الكبرى.
- وأما الفصل الثالث: الحقائق التي يشتملها الإيمان باليوم الآخر: فيشتمل على تسعة مباحث:
المبحث الأول: البعث، وتحدثت فيه عن معنى البعث، وما المراد منه، والأدلة عليه، وطرق القرآن في تقرير المعاد، وشبهة المنكرين للبعث والرد عليهم.
وتحدثت عن الحشر واختلاف أحوال الناس فيه، وعن الأرض التي يحشر عليها العباد وأنها غير
стр. 5
أرضنا هذه. ثم ذكرت شيئاً من أهوال يوم القيامة.
المبحث الثاني: دنو الشمس من الخلائق، تحدثت فيه عن دنو الشمس من الخلائق، وحال الناس عند حدوث ذلك.
المبحث الثالث: محاسبة الخلائق على أعمالهم، وتحدثت فيه عن محاسبة الخلق، وأن محاسبة المؤمن محاسبة فضل وکرم وإنعام، وأن محاسبة الكافر غير ذلك.
المبحث الرابع: الميزان، وتحدثت فيه عن معناه، وعن اعتقاد أهل السنة والجماعة فيه، وبينت أن الذي يوزن هو العامل والأعمال والصحائف وأن العبرة في الثقل والخفة بالأعمال.
المبحث الخامس: نشر الكتب، وتحدثت فيه عن نشر الكتب، وأن من الناس من يأخذ كتابه بيمينه وهم المؤمنون، وأن منهم من يأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره وهم الكافرون.
المبحث السادس: الحوض، وتحدثت فيه عن معناه، وعن اعتقاد أهل السنة والجماعة فيه، ومتى يكون، وأنه للمؤمنين فقط.
المبحث السابع: الشفاعة، وتحدثت فيه عن الشفاعة وأنواعها وأن منها ما هو خاص بالنبي ﷺ ، ومنها ما تكون عامة، له ولسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ثم ذكرت شروط الشفاعة المقبولة.
المبحث الثامن: الصراط، وتحدثت فيه عن معناه، وعن اعتقاد أهل السنة والجماعة فيه، وعن كيفية مرور الناس عليه.
المبحث التاسع: دخول الجنة أو النار، وتحدثت فيه عن نهاية المطاف يوم القيامة، وأن المصير إما إلى الجنة، وإما إلى النار.
وبينت فيه أن الجنة والنار مخلوقتان، موجودتان، لا تفنيان، ولا تبيدان.
- وأما الفصل الرابع: آثار الإيمان باليوم الآخر في إصلاح المجتمع، وتحدثت فيه عن أثر الإيمان باليوم الآخر، وبينت الفرق بين من يؤمن باليوم الآخر وبين من لا يؤمن باليوم الآخر.
الخاتمة: وتحدثت فيها عن أهم النتائج التي توصلت اليها.
فهرس المصادر والمراجع.
فهرس الموضوعات.
стр. 6
تمهيد: الأطوار التي يمر الإنسان بها من الحياة
يمر الإنسان في أربعة أطوار من الحياة (١):
١ - الطور الأول: حياته وهو جنين:
فالجنين في بطن أمه كائن حي، يحس ويتحرك، ويتألم وينمو ويمرض ويصح ... إلى أن يقضي فيه الزمن المعين الذي قدر له.
ثم ينقل إلى هذه الحياة طفلاً ضعيفاً كما نراه، قال تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥].
٢ - الطور الثاني: حياته الدنيا:
ثم ينتقل من ضيق الرحم، إلى هذه الحياة الفسيحة، فيحيا فيها حياة لا شبه بينها وبين حياته وهو في الطور الأول في بطن أمه. فقد أصبح يتغذى من فمه، ويبصر بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويبطش بيديه، ويمشي على رجليه.
حتى إذا بلغ أشده واستوي، منحه الله عقلاً، وأتاه علماً، وبقي في هذه الدنيا إلى أجله المحتوم ... ثم يموت.
والموت هو القيامة الصغرى فكل من مات فقد قامت قيامته، وحان حينه، عن عائشة ﵂ قالت: كان رجال من الأعراب يأتون النبي ﷺ فيسألونه عن الساعة، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: «إن يعش هذا، لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم» (٢).
قال ابن كثير (٣): (والمراد انخرام قرنهم ودخولهم في عالم الآخرة، فإن كل من مات فقد دخل في حكم الآخرة، وبعض الناس يقول: من مات فقد قامت قيامته، وهذا الكلام بهذا المعنى صحيح) (٤).
стр. 7
وإذا حان الأجل وشارفت حياة الإنسان على المغيب أرسل الله رسل الموت لسل الروح المدبرة للجسد والحركة له، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام:٦١]، وملائكة الموت تأتي المؤمن في صورة حسنة جميلة، وتأتي الكافر والمنافق في صورة مخيفة.
وما يحدث للميت حال موته لا نشاهده ولا نراه، وإن كنا نرى آثاره، وقد حدثنا ربنا ﵎ عن حال المحتضر فقال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٥]، والمتحدث عنه في الآية الروح عندما تبلغ الحلقوم في حال الاحتضار، ومن حوله ينظرون إلى ما يعانيه من سكرات الموت، وإن كانوا لا يرون الملائكة التي تَسُلُ روحه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ [الأنعام:٦١]، وقال في الآية الآخرة: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠] والتي تبلغ التراقي هي الروح، والتراقي جمع ترقوه وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق (١).
وقد صرح القرآن بأن الملائكة تبشر المؤمن بالمغفرة من الله والرضوان، وتبشر الكافر بسخط الله وغضبه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [سورة فصلت:٣٠ - ٣٢]. وهذا التنزل كما قال طائفة من أئمة التفسير منهم مجاهد (٢) إنما يكون حال الاحتضار (٣).
أما الكفرة الفجرة فإن الملائكة تتنزل عليهم بنقيض ذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ
стр. 8
كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سورة الأنفال:٥٠ - ٥١].
قال ابن كثير ﵀: (وإن كان هذا في وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر، بل قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .. ) (١).
وللموت سكرات يلاقيها كل إنسان حين الاحتضار، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ [ق:١٩].
وقد عانى النبي ﷺ من هذه السكرات، ففي مرضه ﷺ كان بين يديه ركوة من ماء أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه، ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» (٢)، وتقول عائشة ﵂ في مرض رسول الله ﷺ : «ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ﷺ » (٣).
ثم إذا نزعت الروح صعد بها إلى السماء، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها»، قال حماد (٤): "فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك، قال: "ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه ، ثم يقول: انطلقوا به إلى أخر الأجل"، قال: "وإن الكافر إذا خرجت روحه - قال حماد وذكر من نتنها، وذكر لعنا ويقول أهل السماء: روح خبيثة من قبل الأرض، قال فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل (٥).
وهذان الطوران نراهما بأعيننا وندرك الفرق الشاسع بينهما.
стр. 9
٣ - الطور الثالث: حياته وهو في البرزخ:
فإذا مات انتقل من هذه الحياة، إلى حياة برزخية، تنفصل فيها الروح عن الجسد، ويتنعم فيها أو يعذب. قال الله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [سورة غافر: ٤٥ - ٤٦] [غافر: ٤٥ - ٤٦]. ومر النبي ﷺ بقبرين فقال: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لايستتر من بوله» (١).
والبرزخ: هو أول عالم من عوالم الآخرة.
والبرزخ في كلام العرب الحاجز بين الشيئين، قال تعالى: ﴿أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان: ٥٣]، أي حاجزاً.
وفي الشرع: الدار التي تعقب الموت إلى البعث، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ [سورة المؤمنون: ١٠٠]. قال مجاهد: هو ما بين الموت والبعث (٢).
(وأول شيء يكون بعد الموت فتنة القبر فإن الناس يفتنون - أي يختبرون - في قبورهم فما من إنسان يموت سواء دفن في الأرض، أو رمي في البحر، أو أكلته السباع، أو ذرته الرياح، إلا ويفتن هذه الفتنة فيسأل عن ثلاثة أمور: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ .
فأما المؤمن فيقول ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي، وحينئذ يفسح له في قبره مد البصر، ويفرش له فراش من الجنة ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها.
أما إذا كان كافراً أو منافقاً فإنه إذا سئل من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين - الإنس والجن - ولو سمعها لصعق (٣)) (٤).
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت
стр. 10
فيؤمنون بفتنة القبر و بعذاب القبر ونعيمه (١).
يقول شارح الطحاوية: (وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له بهذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول بل إن الشرع قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عودة الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد اليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا) (٢).
قال تعالى: ﴿يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [سورة النحل:٣١ - ٣٢]. ووجه الدلالة في هذه الآية على نعيم القبر قوله: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ﴾ حال توفيهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، وهم وإن كانوا لم يدخلوا الجنة التي عرضها السموات والأرض لكن دخلوا القبر الذي فيه نعيم الجنة.
(وقد وردت إشارات في القرآن تدل على عذاب القبر، وقد ترجم البخاري (٣) في كتاب الجنائز لعذاب القبر، فقال: باب ما جاء في عذاب القبر، وساق في الترجمة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [سورة الأنعام:٩٣]، وقوله تعالى ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١]، وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [سورة غافر:٤٥ - ٤٦].
стр. 11
عن عائشة ﵂: أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة الرسول ﷺ عن عذاب القبر، فقال: «نعم، عذاب القبر حق»، قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى إلا تعوذ من عذاب القبر (١).
وعن عبدالله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي: إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (٢).
والعذاب في القبر على الروح في الأصل وربما يتصل بالبدن، ومع ذلك فإن كونه على الروح لا يعني أن البدن لا يناله منه شيء بل لابد أن يناله من هذا العذاب أو النعيم شيء وإن كان غير مباشر. واعلم أن العذاب والنعيم في القبر على عكس العذاب أو النعيم في الدنيا، فإن العذاب أو النعيم في الدنيا على البدن، وتتأثر به الروح، وفي البرزخ يكون النعيم أو العذاب على الروح، ويتأثر به البدن (٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٤): "العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح منفردة عن البدن" (٥).
٤ - الطور الرابع: حياته في الآخرة:
ثم تقوم الساعة، ويبعث الناس ويحشرون ويحاسبون على أعمالهم: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [سورة هود: ١٠٥ - ١٠٨] [هود: ١٠٥ - ١٠٨].
والله تعالى حين أخبرنا بما يستقبلنا من الطورين الأخيرين ومهد للإيمان بهما بالطورين الأولين اللذين نراهما بأعيننا وهما: حياتنا ونحن أجنة في بطون أمهاتنا، وحياتنا هذه في الدنيا. فالخالق العظيم القادر الذي
стр. 12
جعل هذا التفاوت العجيب بين هذين الطورين من أطوار الحياة قادر أن يجعل التباين أكبر والتفاوت أعظم بين حياتنا هذه وحياتنا في البرزخ ثم بينها وبين حياتنا في الآخرة دار النعيم المقيم أو العذاب الأليم.
فلا ينبغي أن يعظم علينا حين يخبرنا النبي ﷺ أن أهل الجنة يتنعمون فيها ويأكلون ويشربون ولا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون وأنهم مخلدون في هذا النعيم لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم .. وأن أهل النار يعذبون فيها كلما نضجت جلودهم بدلهم القوي القدير جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب خالدين فيه ... إلى غير ذلك.
وسيأتي الكلام - إن شاء الله تعالى - عن الآخرة وبعض ما فيها من أهوال حتى دخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار.
стр. 13
الفصل الأول الإيمان باليوم الآخر
المبحث الأول: أهمية الإيمان باليوم الآخر:
الإيمان بيوم القيامة أصل من الأصول، لا يتم الإيمان إلا به ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقد ساق القرآن ضروباً متنوعة من الأساليب البيانية الراقية كي يؤكد وقوعها في نفوس العباد قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ [الرعد: ٢].
ففي بعض المواضع يكون الحديث عنها خبراً مجرداً، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [الروم: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [النور: ٦٤].
ومرة يؤكد وقوعها بـ"إن"، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥]، ومرة بـ"إن" واللام، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحِجر: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ [العنكبوت: ٥].
وفي بعض المواضع ينفي الريب والشك عن وقوعها، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ [غافر: ٥٩].
وفي بعض الآيات يقسم الله تعالى على أنها آتية واقعة مرة بنفسه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧]، ومرة بمخلوقاته العظيمة، قال تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [سورة الذاريات: ١ - ٦].
وفي بعض المواضع يأمر رسوله ﷺ في مجال الحجج والخصام بالإقسام بربه مؤكداً وقوعها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
وفي بعض الآيات يخبر بأنها حق: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾
стр. 14
[سورة فاطر:٥]، ومن تتبع طريقة القرآن في تأكيد الإخبار بها تحصل عنده أنواع كثيرة (١).
والإيمان أمره عظيم؛ إذ هو الأساس الذي تبنى عليه السعادة في الدنيا والآخرة، فهو من أعظم مراتب الدين، فإن جبريل لما جاء إلى النبي ﷺ في حضرة أصحابه سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان: «فقال يا محمد: أخبرني عن الإسلام، قال الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلاً»
- ففسر الإسلام على أنه الإتيان بهذه الأركان الخمسة: الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت- «قال: صدقت فأخبرني عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله أو أن تؤمن بالقدر خيره وشره» - ففسر الإيمان على أنه الإيمان بهذه الأركان الستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره - «قال أخبرني عن الإحسان قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٢)، فبين أن الإحسان ركن واحد هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فهذه هي مراتب الدين الثلاث: الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، وكل مرتبة لها أركان.
والركن في اللغة: بالضم الجانب الأقوى والأمر العظيم (٣)، (فركن الشيء: جانبه الذي يقوم عليه، فركن البيت هو جانبه الذي يقوم عليه، فالإيمان يقوم على هذه الأركان الستة فإذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمناً به لأنه فقد ركنا من أركان الإيمان.
стр. 15
فالإيمان لا يقوم إلا على أركانه كما لا يقوم البنيان إلا على أركانه، وهذه الأركان الستة مذكورة في القرآن الكريم، تارة تذكر جميعاً وتارة يذكر بعضها، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] ذكر - جل وعلا- في هذه الآية خمسة أركان من أركان الإيمان، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] ذكر منها أربعة، وتارة يذكر منها اثنين: الإيمان بالله واليوم الآخر قال جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:٦٢]. وأما - الإيمان بالقدر فقد ذكره في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر:٤٩]، وفي قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان:٢] (١).
ومن الأدلة على وجوب الإيمان باليوم الآخر قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون:١١٥]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام:٦٢]، وقال تعالى: ﴿(٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨].
والإيمان باليوم الآخر يشتمل على مجموعة من الحقائق وردت في الكتاب والسنة، فلزم الإيمان بها جميعاً، ومنها: فتنة القبر وعذابه ونعيمه، والساعة وأمارتها، والبعث والحشر والحساب وما يتبعه من ثواب وعقاب والصراط والجنة والنار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمة: (ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به ﷺ مما يكون بعد الموت ... ) (٢).
(وهذا ضابط جامع يدخل فيه الإيمان بالنصوص الواردة في حالة الاحتضار وفي القبر والقيامة والجنة والنار وجميع ما احتوت عليه من التفاصيل ... ) (٣).
стр. 16
وقبل أن نتحدث عن هذه النقاط نقدم مقدمة نوضح فيها بعض الأمور التي تتعلق بالإيمان باليوم الآخر، منها: تعريف الإيمان في اللغة والشرع، وتعريف اليوم الآخر، وسبب تسميته بذلك، وأسماءه، ومدة هذا اليوم، وعلاقة الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالغيب.
فالإيمان في اللغة: هو التصديق، وفي لسان العرب: الإيمان بمعنى التصديق ضده التكذيب، يقال: أمن به قوم، وكذب به قوم (١).
قال الراغب الأصبهاني (٢) ﵀: "أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف " (٣).
والإيمان مصدر آمن يؤمن إيماناً فهو مؤمن (٤)، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية (٥)، وهو من الأمن ضد الخوف (٦).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تعريفه للإيمان: " .. فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو الإقرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والإنقياد" (٧).
قال الشيخ ابن عثيمين (٨): (الإيمان في اللغة الإقرار بالشيء عن تصديق به. إذاً فالإيمان يتضمن معنى زائداً على مجرد التصديق، وهو الإقرار والاعتراف المستلزم للقبول للأخبار والإذعان للأحكام) (٩).
وفي الشرع: (قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان) (١٠).
واليوم الآخر هو يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء. وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده
стр. 17
حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم (١)، ولتأخره عن الدنيا (٢).
ومدة هذا اليوم الذ يحاسب الناس فيه خمسين ألف سنة ثم يُرى سبيلهم إما إلى جنه وإما إلى نار، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿(٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله علية وسلم-: «ما من صاحب ذهب ولا فضه لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (٣) .. الحديث.
قال ابن عباس –﵄: ﴿إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: يوم القيامة، وإسناده صحيح (٤).
стр. 18
المبحث الثاني: أسماء اليوم الآخر (١)
سمى الله ذلك اليوم الذي يحل فيه الدمار بهذا العالم ثم يعقبه فيه البعث والنشور للجزاء والحساب بأسماء كثيرة، وقد اعتنى جمع من أهل العلم بذكر هذه الأسماء، وقد عدها بعض العلماء فبلغت ثمانين اسماً كما يقول ابن حجر ﵀ (٢).
وأشهر هذه الأسماء ما يلي:
١ - يوم القيامة: ورد هذا الاسم في سبعين آية من آيات كتاب الله، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧].
٢ - اليوم الآخر: قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وأحياناً يسميه بالآخرة أو الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ﴾ [القصص: ٨٣].
٣ - الساعة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١].
٤ - يوم البعث: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥] .. الآية.
٥ - يوم الخروج: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾
стр. 19
[ق:٤٢].
٦ - القارعة: قال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾ [سورة القارعة:١ - ٣].
٧ - يوم الفصل: قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ [الصافات:٢١].
٨ - يوم الدين: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾ [الصافات:٢٠].
٩ - الصاخة: قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾ [عبس:٣٣].
١٠ - الطامة الكبرى: قال تعالى: ﴿(٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات:٣٤].
١١ - يوم الحسرة: قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ [مريم:٣٩].
١٢ - الغاشية: قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية:١].
١٣ - يوم الخلود: قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ [ق:٣٤].
١٤ - يوم الحساب: قال تعالى: ﴿يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص:٢٦].
١٠ - الواقعة: قال تعالى: ﴿(٧٨) إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١].
١٦ - يوم الوعيد: قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ [ق:٢٠].
١٧ - يوم الآزفة: قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨].
١٨ - يوم الجمع: قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى:٧].
١٩ - الحاقة: قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٢].
стр. 20
٢٠ - يوم التلاق: قال تعالى: ﴿(١٤) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر:١٥].
٢١ - يوم التناد: قال تعالى: مخبرا عن نصيحة مؤمن آل فرعون لقومه: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ [سورة غافر:٣٢].
٢٢ - يوم التغابن: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩].
هذه هي أشهر أسماء اليوم الآخر، يقول القرطبي (١) في السر في كثرة أسماء اليوم الآخر: (وكل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكثرت أسماؤه وهذا جميع كلام العرب ألا ترى أن السيف لما عظم عندهم موضعه وتأكد نفعه لديهم وموقعه جمعوا له خمسمائة اسم وله نظائر، فالقيامة لما عظم أمرها وكثرت أهوالها سماها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة) (٢).
стр. 21
المبحث الثالث: علاقة الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالغيب
الإيمان باليوم الآخر هو إيمان بالغيب؛ لأن أحداً لم يشهده بنفسه؛ وإنما أخبرنا به الله عن طريق رسله الكرام، فسبيله هو النقل الصحيح مما جاء في الكتاب والسنة. ولكن الله الذي أخبرنا عن اليوم الآخر وأوجب علينا الإيمان به وجعله ركن من أركان الإيمان قد أودع الفطرة البشرية القدرة على الإيمان بالغيب وميّز الإنسان بهذا الأمر من بين ما ميّزه به وكرمه وفضله.
إن الحيوان يعيش في حدود ما تدركه الحواس فحسب وعالمه محصور في ذلك النطاق.
ولكن الله كرّم الإنسان فلم يحصره في حدود ما تدركه حواسه فحسب وإنما فسح أفاقه ووسعها ومنحه تلك الخاصية، وهي القدرة على الإيمان بما لا تدركه الحواس، فأصبحت نفسه أرحب وأعمق من الحيوان وأصبحت آفاقه أوسع وأعلى.
والله كرّم الإنسان وأراد له الرفعة وجعل الإيمان بالغيب أبرز صفات المتقين، قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [سورة البقرة: ١ - ٣].
إن الإيمان باليوم الآخر قائم على الإيمان بالغيب، ولكنه ليس الإيمان الأعمى بغير دليل، فمن صفات "عباد الرحمن": ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان: ٧٣]. إنما هو الإيمان بالحق الذي تدل عليه الدلائل ولو لم تدركه الحواس).
نعم إن الإيمان بالغيب أمر لازم من أجل الإيمان بالله واليوم الآخر ولذلك أبرزه القرآن في مقدمة صفات المؤمنين.
فالله وصف المؤمنين في مواضع كثيرة من القرآن بأنهم الذين يؤمنون بالغيب، فجعل هذه الصفة قاعدة من قواعد الإيمان الأساسية، قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [سورة البقرة: ١ - ٥].
والإيمان بالآخرة كذلك هو إيمان بالغيب، فالساعة بالقياس إلى البشر غيب وما يكون فيها من بعث وحساب وثواب و عقاب كله غيب يؤمن به المؤمن تصديقاً لخبر الله سبحانه.
(إن كثير من أمور الدين وعقائده وأحكامه إنما هي إيمان بالغيب، فالله بالنسبة لنا غيب، والحياة البرزخية والحياة الآخرة بمقدماتها وبموجوداتها كلها غيب من قيام الساعة إلى البعث والنشور إلى الحساب والميزان وكتابة أعمال الإنسان والصراط والجنة والنار ... الخ، كل هذا غيب يجب الإيمان به.
وما أن يعود الإنسان إلى لحظة من لحظات التأمل الفكري ويقظة الوجدان حتى يجد نفسه يسبح بخياله في عالم الغيب الذي منه خرج أو في عالم الغيب الذي يحيط بجنباته نفسه وبالكون من حوله وبالغيب الذي ينتظره وإليه يصير.
فالغيب يحيط به من كل جانب: في المبدأ، وفي المصير، وفيما بين المبدأ والمصير) (١).
стр. 22
الفصل الثاني: أشراط الساعة
المبحث الأول: الساعة وأماراتها
من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالساعة، وهي الساعة التي تنتهي فيها الحياة الدنيا بجميع أوضاعها وتبدأ بالقيامة بكل أهوالها. (و لما كان من العقائد التي يجب الإيمان بها: اليوم الآخر وما فيه من ثواب و عقاب، ولما كان نظر الإنسان قد لا يعدو هذه الحياة وما فيها من متاع فينسي اليوم الآخر ولا يعمل له، جعل الله بين يدي الساعة أمارات تدل على تحققها وأنها ستقع حتماً حتى لا يخامر الناس أدنى شك فيها ولا يفتنهم شيء عنها.
فمن المعلوم أن الصادق المصدوق ﷺ إذا ذكر من أشراطها شيئاً ورأى الناس وقوع ذلك الشيء علموا يقيناً أن الساعة آتية لاريب فيها، فيعملوا لها ويستعدوا لذلك اليوم ويتزودوا بالصالحات قبل فوات الأوان وانقضاء الأجل المحدود، قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [سورة الزمر: ٥٦ - ٥٨]) (١).
أقسام أشراط الساعة:
تنقسم أشراط الساعة إلى قسمين (٢):
١ - أشراط صغرى: وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد كقبض العلم، وظهور الجهل، وشرب الخمر، والتطاول في البنيان ... ونحوها، وقد يظهر بعضها مصاحباً للأشراط الكبرى أو بعدها.
٢ - أشراط كبرى: وهي الأمور العظام التي تظهر قرب قيام الساعة، وتكون غير معتادة الوقوع، كظهور الدجال، ونزول عيسى ﵇، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها.
وقد قسم العلماء أشراط الساعة من حيث ظهورها إلى ثلاثة أقسام:
١ - قسم ظهر وانقضى.
٢ - قسم ظهر ولا زال يتتابع ويكثر.
٣ - قسم لم يظهر إلى الآن.
فأما القسمان الأولان فهما من أشراط الساعة الصغرى، وأما القسم الثالث فيشترك فيه الأشراط الكبرى وبعض الأشراط الصغرى.
стр. 23
المبحث الثاني: أشراط الساعة الصغرى (١)
ونعني بها العلامات التي وقعت وانقضت ولن يتكرر وقوعها والتي لم تقع بعد. وهي كثيرة وسنذكر بعضا منها:
١ - بعثة النبي ﷺ -:
أخبر ﷺ أن بعثته دليل على قرب قيام الساعة وأنه نبي الساعة، عن سهل
﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت انا والساعة كهاتين» ويشير بإصبعيه فيمدهما (٢)، وفي رواية لمسلم: «وضم السبابة والوسطى» (٣).
فأول أشراط الساعة بعثة النبي ﷺ فهو النبي الأخير فلا يليه نبي آخر، وإنما تليه القيامة كما يلي السبابة الوسطى، وليس بينهم إصبع أخرى أو يفصل إحداهما الأخرى (٤).
٢ - موت النبي ﷺ -:
من أشراط الساعة موت النبي ﷺ ففي الحديث عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً» (٥).
٣ - فتح بيت المقدس:
من أشراط الساعة فتح بيت المقدس، ففي الحديث عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اعدد ستاً بين يدي الساعة: ... -فذكر منها- فتح بيت المقدس» (٦).
وفي عهد عمر بن الخطاب ﵁ تم فتح بيت المقدس سنة ست عشرة من الهجرة كما ذهب إلى ذلك أئمة السير، فقد ذهب عمر رضي الله بنفسه وصالح أهلها وفتحها وطهرها من اليهود والنصارى، وبنى بها مسجداً في قبلة بيت المقدس (٧).
٤ - طاعون عمواس (٨):
стр. 24
جاء في حديث عوف بن مالك السابق قوله ﷺ : «اعدد ستاً بين يدي الساعة: ... -فذكر منها- ثم موتان (١) يأخذ فيك كقعاص (٢) الغنم» (٣).
قال ابن حجر: (يقال إن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر وكان ذلك بعد فتح المقدس) (٤).
٥ - استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقة، ويدعى إليه الرجل فيقول لا أرب لي فيه» (٥).
فقد تحقق كثير مما أخبرنا به الصادق المصدوق ﷺ فكثر المال في عهد الصحابة ﵃ بسبب ما وقع من الفتوح، واقتسموا أموال الفرس والروم، وفاض المال في عهد عمر بن عبدالعزيز ﵀، فكان الرجل يعرض المال للصدقة فلا يجد من يقبله.
وسيكثر المال في آخر الزمان حتى يعرض الرجل ماله فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي فيه، وهذا -والله اعلم - إشارة إلى ما سيقع في زمن المهدي وعيسى ﵇ (٦) من كثرة الأموال وإخراج الأرض لبركتها وكنوزها.
٦ - ظهور الفتن:
وقد أخبر ﷺ أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة التي يلتبس فيها الحق بالباطل، فتزلزل الإيمان حتى يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، كلما ظهرت فتنة قال المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف ويظهر غيرها فيقول: هذه هذه.
ولا تزال الفتن تظهر إلى أن تقوم الساعة، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (٧).
стр. 25
٧ - ظهور مدّعي النبوة:
ومن العلامات التي ظهرت، خروج الكذابين الذين يدّعون النبوة، وهم قريب من ثلاثين كذاباً، وقد خرج بعضهم في الزمن النبوي وفي عهد الصحابة ولا يزالون يظهرون.
وليس التحديد في الأحاديث مرادا به كل من ادعى النبوة مطلقاً فإنهم كثير لا يحصون وإنما المراد من قامت له شوكة وبدت له شبهة وكثر أتباعه واشتهر بين الناس (١). في الصحيحين عن أبي هريرة
﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله» (٢).
٨ - انتشار الأمن:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف إلا ضلال الطريق» (٣).
وهذا وقع في زمن الصحابة ﵄ وذلك حينما عم الإسلام والعدل البلاد التي فتحها المسلمون. وسيكون ذلك في زمن المهدي وعيسى ﵇ حينما يعم العدل مكان الجور والظلم.
٩ - ظهور نار الحجاز:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تُضيءُ أعناق الإبل ببصرى (٤)» (٥).
قال النووي (٦) ﵀: (وقد خرجت في زماننا سنة أربع وخمسين وست مئة وكانت ناراً عظيمة من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان وأخبرني من حضرها من أهل المدينة، أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها ومن بعدهم في وصفها، وهذه النار ليست هي النار التي تخرج في آخر الزمان تحشر الناس إلى محشرهم) (٧).
١٠ - قتال الترك:
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك،
стр. 26
قوماً وجوههم كالمَجَانّ (١) المُطْرَقَة (٢) يلبسون الشعر ويمشون في الشعر» (٣).
وقد وقع الأمر كما، أخبر الرسول ﷺ فقد قاتل المسلمون الترك أكثر من مرة.
فقد قاتل المسلمون الترك من عصر الصحابة ﵃، وذلك في أول خلافة بني أمية في عهد معاوية ﵁.
ويقول النووي ﵀ في التتار الذين اجتاحوا العالم الإسلامي: (وقد وجدوا في زماننا -أي الترك- الذين تحدث عنهم الرسول ﷺ هكذا .... جميع صفاتهم التي ذكرها رسول الله ﷺ : صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر، فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرات، وقتالهم الآن، ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة للمسلمين في أمرهم، وأمر غيرهم، وسائر أحوالهم، وإدامة اللطف بهم والحماية وصلى الله وسلم على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي) (٤).
١١ - قتال العجم (٥):
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزاً (٦) أو كرمان (٧) من الأعاجم، حمر الوجوه فطس الأنوف صغار الأعين كأن وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر (٨)».
١٢ - ضياع الأمانة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة» قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة» (٩).
١٣ - قبض العلم وظهور الجهل:
ومن أشراطها قبض العلم وفشو الجهل، في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله -
стр. 27
صلى الله عليه وسلم-: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا» (١).
وقبض العلم يكون بقبض العلماء، عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا؟ فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٢).
١٤ - كثرة الشُرط وأعوان الظلمة:
عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يكون في هذه الأمة في آخر الزمان رجال معهم سياط كأنها أذناب البقر يغدون في سخط الله ويروحون في غضبه» (٣). وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ... » (٤).
١٥ - انتشار الزنا:
ومن العلامات التي ظهرت فشو الزنا وكثرته بين الناس فقد أخبر النبي ﷺ بأن ذلك من أشراط الساعة. ففي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله
ﷺ : «إن من أشراط الساعة ... - فذكر منها- ويظهر الزنا» (٥).
١٦ - انتشار الربا:
ومنها ظهور الربا وانتشاره بين الناس وعدم المبالاة بأكل الحرام ففي الحديث عن ابن مسعود
﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بين يدي الساعة يظهر الربا» (٦).
١٧ - ظهور المعازف واستحلالها:
عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ». قيل ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: «إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر» (٧).
١٨ - كثرة شرب الخمر واستحلالها:
روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أشراط الساعة ... -وذكر منها- ويشرب الخمر» (٨).
ومنها ما رواه ابن ماجه عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : «يشرب ناس من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه» (٩).
١٩ - زخرفة المساجد والتباهي بها:
عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهي الناس في المساجد» (١٠).
٢٠ - التطاول في البنيان:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان» (١١).
٢١ - ولادة الأمةُ ربتها:
جاء في حديث جبريل الطويل قوله ﷺ : «وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها (١٢)». وفي رواية لمسلم: «إذا ولدت الأمة ربها» (١٣).
٢٢ - كثرة القتل:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا وما الهرج يا رسول الله؟ قال القتل القتل .. » (١٤).
٢٣ - تقارب الزمان:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة .... حتى يتقارب الزمان» (١٥).
стр. 28
٢٤ - تقارب الأسواق:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ويكثر الكذب وتتقارب الأسواق» (١).
٢٥ - ظهور الشرك في هذه الأمة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تضطرب الياتُ نساء دوس حول ذي الخلصة» (٢)، وذو الخلصة: طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية.
٢٦ - ظهور الفحش وقطيعة الرحم وسوء الجوار:
روى الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة» (٣).
٢٧ - تشبب المشيخة:
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة» (٤).
٢٨ - كثرة الشح:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يتقارب الزمان وينقص العمل ويلقى الشح» (٥).
٢٩ - كثرة التجارة:
روى الإمام أحمد عن عبدالله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشوا التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة» (٦).
٣٠ - كثرة الزلازل:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة ... حتى تكثر الزلازل .. » (٧).
٣١ - ظهور الخسف والمسخ والقذف:
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف»
стр. 29
قالت: قلت يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا ظهر الخبث» (١).
٣٢ - ذهاب الصالحين:
عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يأخذ شِريطَتَه (٢) من أهل الأرض فيبقى عجاج (٣) لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً» (٤).
٣٣ - ارتفاع الأسافل:
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : «إنها ستأتي على الناس سنون خدّاعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويُخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة (٥)، قيل وما الرويبضة؟ قال السفيه يتكلم في أمر العامة» (٦).
٣٤ - أن تكون التحية للمعرفة:
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل على الرجل لا يسلم عليه إلا للمعرفة» (٧).
٣٥ - التماس العلم عند الأصاغر:
عن أبي أمية الجمحي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من أشراط الساعة ثلاثاً: إحداهن أن يلتمس العلم عند الأصاغر ... » (٨).
٣٦ - ظهور الكاسيات العاريات:
عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج (٩) كأشباه الرحال (١٠) ينزلون على أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهم كأسنمة
стр. 30
البخت العجاف (١)؛ العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم» (٢).
٣٧ - صدق رؤيا المؤمن:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءاً من النبوة» هذا لفظ مسلم (٣).
٣٨ - كثرة الكتابة وانتشارها:
جاء في حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن بين يدي الساعة ... ظهور القلم (٤)» والمراد بظهور القلم - والله أعلم - ظهور الكتابة (٥) وانتشارها.
٣٩ - التهاون بالسنن التي رغب فيها الإسلام:
عن ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: «إن من أشراط الساعة أن يمر الرجل بالمسجد لا يصلى فيه ركعتين» (٦).
٤٠ - انتفاخ الأهلة:
عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة» (٧).
٤١ - كثرة الكذب وعدم التثبت في نقل الأخبار:
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «سيكون في أخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم» (٨).
стр. 31
٤٢ - كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق:
جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قوله ﷺ : «إن بين يدي الساعة ... شهادة الزور وكتمان شهادة الحق .. » (١).
٤٣ - كثرةُ النساء وقلة الرجال:
عن أنس ﵁ قال لأحدثكم حديثاً لا يحدثكم أحد بعدي، سمعت رسول الله ﷺ : «من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل ويظهر الزنا وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» (٢).
٤٤ - كثرة موت الفجاءة:
عن أنس بن مالك ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «إن من أمارات الساعة ... يظهر موت الفجأة» (٣).
стр. 32
٤٥ - وقوع التناكر بين الناس:
عن حذيفة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الساعة! فقال: «علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ولكن أخبركم بمشارطها وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهرجاً»، قالوا يا رسول الله! الفتنة قد عرفناها فالهرج ما هو؟ قال: «بلسان الحبشة: القتل، ويلقي بين الناس التناكر فلا يكاد أحد أن يعرف أحداً» (١).
٤٦ - عود أرض العرب مروجاً وأنهاراً:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً (٢) وأنهاراً» (٣).
٤٧ - كثرة المطر وقلة النبات:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطراً لَا تُكِنُّ (٤) منه بيوت المدر ولا تكن منه إلا بيوت الشعر» (٥).
٤٨ - جسر الفرات (٦) عن جبل من ذهب:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم، لعلي أكون أنا الذي أنجو» (٧).
стр. 33
٤٩ - كلام السباع والجمادات للإنس:
عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء ذئب إلى راعي الغنم فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى انتزعها منه قال فصعد الذئب على تل فأقعي (١) واستذفر (٢)، فقال عمدت إلى رزق رزقنيه الله انتزعته مني، فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئبا يتكلم! قال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم - وكان الرجل يهودياً - فجاء الرجل إلى النبي ﷺ وَخَبره فَصَدَّقَهُ النبي ﷺ ثم قال النبي ﷺ : «إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله بعده» (٣).
٥٠ - تمني الموت من شدة البلاء:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه» (٤).
٥١ - كثرة الروم وقتالهم المسلمين:
قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو: أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ » (٥).
وجاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اعدد ستاً بين يدي الساعة ... - فذكر منها - ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية (٦) تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً (٧)».
стр. 34
٥٢ - فتح القسطنطينية:
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ » قالوا: نعم يا رسول الله، قال: «لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق فإذا جاؤوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط أحد جانبيها»، قال ثور (١) - أحد رواة الحديث - لا أعلمة إلا قال الذي في البحر، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء فيرجعون» (٢).
٥٣ - خروج القحطاني:
روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاة» (٣).
٥٤ - قتال اليهود:
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبدالله: هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد (٤) فإنه من شجر اليهود» (٥).
٥٥ - نفي المدينة لشرارها ثم خرابها آخر الزمان:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج منهم أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيراً منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد» (٦).
стр. 35
وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي - يريد عوافي السباع والطير - وآخر من يحشر راعيان من مزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشاً حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما» (١).
٥٦ - بعث الريح الطبية لقبض أرواح المؤمنين:
جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل في قصة الدجال ونزول عيسى ﵇ وخروج يأجوج ومأجوج: «إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت أباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة» (٢).
٥٧ - استحلال البيت الحرام وهدم الكعبة:
روى الإمام أحمد بسنده عن سعيد بن سمعان قال سمعت أبا هريرة يخبر أبا قتادة أن رسول الله
ﷺ قال: «يبايع لرجل ما بين الركن والمقام، ولن يستحل البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا يسأل عن ملكة العرب، ثم تأتي الحبشة فيخربونه خراباً لا يعمر بعده أبداً، وهم الذين يستخرجون كنزه» (٣).
стр. 36
المبحث الثالث: المهدي (١)
قبل ذكر هذه العلامات العشر الكبرى نتحدث عن المهدي لأن ظهوره يكون سابقاً لهذه العلامات، فهو الذي يجتمع عليه المؤمنون لقتال الدجال ثم ينزل عيسى ﵇ ويصلي خلفه.
في آخر الزمان يخرج رجل من أهل البيت يؤيد الله به الدين يملك سبع سنين يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وتنعم الأمة في عهده نعمة عظيمة، تخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويعطى المال بغير عدد.
وهذا الرجل اسمه كاسم رسول الله ﷺ واسم أبيه كاسم أبي النبي ﷺ فيكون اسمه محمد أو أحمد بن عبدالله وهو من ذرية فاطمة بنت رسول الله ﷺ ثم من ولد الحسن بن علي ﵃ وصفته الواردة أنه أجلى الجبهة (٢) أقني (٣) الأنف) (٤).
مكان خروجه:
يكون ظهور المهدي من قبل المشرق فقد جاء في الحديث عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئاً لا أحفظه-، فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي» (٥).
قال ابن كثير (إن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق ويبايع له عند البيت كما دل على ذلك بعض الأحاديث) (٦).
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانية -يعني حجة-» (٧).
стр. 37
المبحث الرابع: أشراط الساعة الكبرى (١)
هناك علامات كبرى تدل على قرب قيام الساعة، فإذا ظهرت كانت الساعة على إثرها، في صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر. فقال ما تذاكرون؟ قالوا نذكر الساعة قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وأخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (٢).
والآيات الكبرى متتابعة في وقوعها، لا يكاد يفصل بينها فاصل زمني، وهي تشبه في تتابعها إذا وقعت العقد إذا انقطع سلكه الذي ينتظم حباته، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأمارات خرزات منظومات في سلك فإن يقطع السلك يتبع بعضها بعضاً» (٣).
وقد أخبر الرسول ﷺ أن وقوع الحرب الكبرى بين المسلمين والروم التي سماها الملحمة ستكون أولاً، ثم تفتح القسطنطينية، ثم يخرج الدجال، روى معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال» (٤).
وبعد خروج الدجال ينزل عيسى ﵇ ويقتل الدجال ثم يخرج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى ﵇ ويهلكهم الله في زمنه والترتيب إلى هنا واضح.
أما بقية الآيات فإن ترتيبها ليس واضحاً تماماً، نعم خروج الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض وخروج النار التي تحشر الناس تكون بعد خروج الدجال ونزول عيسى ﵇ وخروج يأجوج ومأجوج، ولكن أيها يسبق الآخر، أعني طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وحشر النار للناس.
إن الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة صريح في أن خروج النار التي تحشر الناس من اليمن هي آخر الآيات فقد ذكر الرسول ﷺ الآيات العشر الكبرى وقال في الآية العاشرة وهي النار: «وآخر ذلك نار تخرج من أرض اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (٥).
стр. 38
وتبقى ست آيات طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة والدخان والخسوف الثلاثة.
أما طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة فتكونان بعد نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال وإهلاك يأجوج ومأجوج في عهده وبعد فساد الناس ودروس الإسلام وقبل خروج النار التي تحشر الناس؛ ولكن أيهما أسبق خروج الشمس أم خروج الدابة؟ ذلك ما لا يمكن الجزم به بسبب عدم جزم الرسول ﷺ بذلك، ففي حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس من ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً» (١).
ولا يجوز الاستدلال بهذا الحديث على أن طلوع الشمس من مغربها يكون قبل خروج الدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج لقوله: «أول الآيات خروجاً طلوع الشمس» .. الحديث.
(فالذي يترجح من الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض وينتهي ذلك بموت عيسى ﵇، وأن طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير العالم العلوي وينتهي ذلك بقيام الساعة ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من مغربها) (٢). والله أعلم.
و الذي يظهر أن طلوع الشمس من مغربها يسبق خروج الدابة ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه.
أما بقية الآيات وهي الخسوف الثلاثة والدخان - فلا ندري ما ترتيبها في الآيات العظام، فلم نر من النصوص الصحيحة ما يحدد ذلك والله أعلم بحقيقته (٣).
أشراط الساعة الكبرى:
١ - المسيح الدجال:
فتنة الدجال تقع في آخر الزمان وهي إحدى أشراط الساعة الكبرى، وفتنته من أعظم الفتن التي تمر على البشرية عبر تاريخها. من أجل ذلك فإن جميع الأنبياء حذروا أقوامهم من فتنته، ولكن رسولنا
ﷺ كان أكثر تحذيراً لأمته منه.
ففي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمر ﵄، قال: قام رسول الله صلى الله عليه في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: «إني لأنذركموه، وما من نبي قبلي إلا وقد أنذر قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، إنه أعور وإن الله ليس بأعور ... » (٤).
وسمي الدجال مسيحاً لأن عينه الواحدة ممسوحة، والمسيح: هو الذي لا يبقى على أحد شقي وجهه عين
стр. 39
ولا حاجب إلا استوى، وقيل لأنه يمسح الأرض، أما عيسى بن مريم فسمي به؛ لأنه لا يمسح بيده ذا عاهة إلا بري - بإذن الله - وقيل غير ذلك) (١). وقد جاء في الحديث: «إن الدجال ممسوح العين» (٢). وسمي دجالاً (لأنه يغطي الحق بباطله، ويقال: دجل البعير بالقطران إذا غطاه، والإناء بالذهب إذا طلاه ... وقال ابن دريد: سمي الدجال، لأنه يغطي الحق بالكذب، وقيل لضربه نواحي الأرض، ... وقيل: بل قيل ذلك، لأنه يغطي الأرض) (٣).
صفة الدجال:
الدجال رجل من بني آدم، له صفات كثيرة جاءت بها الأحاديث، لتعريف الناس به، وتحذيرهم من شره، حتى إذا خرج، عرفه المؤمنون فلا يفتنون به، بل يكونون على علم بصفاته التي أخبر بها الصادق ﷺ وهذه الصفات تميزه عن غيره من الناس، فلا يغتر به إلا الجاهل الذي سبقت عليه الشقوة، نسأل الله العافية.
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا نائم أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر ينطف - أو يهراق - رأسه ماء، قلت من هذا؟ قالوا: ابن مريم، ثم ذهبت التفت، فإذا رجل جسيم، أحمر، جعد الرأس، أعور العين، كأن عينه عنبة طافية، قالوا: هذا الدجال أقرب الناس به شبهاً ابن قطن» رجل من بني خزاعة (٤).
وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما بُعِثَ نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب كافر» (٥).
ويخرج الدجال من المشرق من بلاد فارسية يقال لها: خراسان، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ : «أن الدجال يخرج من أرض بالشرق، يقال لها: خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة» (٦).
وقد سأل الصحابة الرسول ﷺ عن المدة التي يمكثها الدجال في الأرض، فقالوا: وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم»، قلنا يا رسول الله: فذاك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره» (٧).
стр. 40
وقد حمى الله مكة والمدينة من الدجال، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق» (١).
وأكثر أتباع الدجال اليهود والنساء، عن عثمان بن أبي العاص ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أكثر أتباع الدجال اليهود والنساء» (٢).
ابن صياد والدجال:
ابن صياد رجل من يهود المدينة، اسمه صاف كان شبيهاً بالدجال في كثير من صفاته. وقد تضاربت أقوال العلماء في شأنه وهل هو المسيح الدجال أو لا؟ ولهذا فقد اجتهد الحافظ ابن حجر في التوفيق بين الأحاديث المختلفة، فقال: (أقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال: أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقاً، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها) (٣)، والله أعلم.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (الصحيح أن ابن صياد ليس هو الدجال الذي يبعث في آخر الزمان، وإنما هو دجال من الدجاجلة يشبه الكهان في تخرصه، وتخمينه، ولكنه ليس هو الدجال الذي يبعث يوم تقوم الساعة، فيقتله عيسى بن مريم ﵊ (٤).
٢ - نزول عيسى ﵇ -:
صفته ﵇ جاءت بها الروايات منها ما رواه أبو هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلة أسري بي لقيت موسى ... فنعته إلى أن قال: ولقيت عيسى ... فنعته فقال: ربعة، أحمر، كأنما خرج من ديماس - يعني: الحَمَّامَ -» (٥).