← Баляга

Баляга · id 514

نصرة الثائر على المثل السائر

الصفدي

Полный текст (97 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكتبت بقدوم ركاب مولانا السلطان خلد الله ملكه من الحجاز الشريف سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة لمولانا ملك الأمراء بالشام المحروس أعز الله أنصاره: ضاعف الله نعمة الجناب العالي وسره بما عطر الوجود من أنباء سلطانه، وأبهجه بعود مليكه بعد بلوغ أوطاره إلى أوطانه، وملأ سمعه بما ملأ قلب الإسلام فرحا حتى فاض قليبه مسرة بغير أشطانه. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تطوى على سلام يتعوذ البدر بكماله من نقصانه، وتنشر عن ثناء رقص الحمام بأسجاعه أعطاف أغصانه، وتوضح لعلمه الكريم أنه سطرناها بعد ورود ركابنا الشريف إلى مستقر ملكه بقلعة الجبل التي حللنا مغناها، وضوأنا بنير وجهنا الشريف أفقها وقد كانت كالألفاظ المبهمة فلما حللناها ظهر معناها، ووردناها وهي أشد شوقا إلينا من الرياض الذاوية إلى الغمام، وأعظم كلفا من المشوق بنسمات الحمى وسجعات الحمام، وأكثر تطلا من الساري في الظلام إلى طلعة البدر التمام، فزينا سماءها، وجلينا ظلماءها وبللنا غلة أشواقها، وفككنا يد الوحشة التي أخذت بأطواقها. هذا والظفر نزيل جناب جنائبنا، والنصر خادم ركاب ركائبنا، والسعود سائرة بين أيدينا، والوجود، بالتأييد من سائر الجهات ينادينا، والبروق قد بعثت في الآفاق ملطفات البشائر مخلقة، والأولياء قد حفت بركابنا فما قصرت عنها سوابق نعمنا لما رأيناها محلفة. وقد قضينا بحمد الله ومنه مناسك الحج، ورفعنا صوتنا بالنداء وأكفنا بالندى فرأى الناس كيف يكون العج، والغيث كيف يكون الثج، ونفحنا من سرانا بنار البرق وفحمة الدجى في ضرم، وعطفنا من مكة شرفها الله إلى المدينة أعزها الله فما سرنا من حرم إلا إلى حرم. فنلنا بفضل الله تعالى ما أميناه وأملناه، وأدينا الأمانة للشوق في التملي بالحجرة الشريفة كما حملناه، وشافهنا ذلك المقام الشريف بالسلام عند الوصول إلى السول، وخلونا به فما كان بيننا وبين الرسول رسول، فالجناب العالي يأخذ حظه من هذه البشرى التي ابتهج بها الإسلام، وترنحت لها أعطاف المنابر وعددت هباتها أنامل الأعلام، ونطقت بمحامدها حتى أفواه المحابر بألسنه الأقلام. ولا يكلف الرعايا في هذه البشرى شيئاً لتكون القربة بريئة من الشوائب، خلية من المعائب، فإن الصواعق تكدر جود السحائب، والملل ينغص وصل الحبائب. والله يبقى الجناب لهناء نسمعه نغماته المطربة، وثناء تترنح له أعطاف الطروس وتترنم له ألسنة الأقلام في أيدي الكتبة المعربة بمنه وكرمه. وغالب ما أنشئه أنا إنما آتي به ملزوما، وخطبة هذا الكتاب ملزومة. قال في اللزوم أيضاً: وقد ورد للعرب شيء من ذلك، فمما جاء منه قول بعضهم في أبيات الحماسة: إن التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوىً لها وساق الأبيات المشهورة. أقول: ليس من اللزوم هذا في شيء، وإنما القافية اللام والهاء صلة. ألا ترى أنه لو قال في بعض قوافيها: أقرها أو أصمها لما جاز ذلك. وهذا النوع كثير في شعر العرب وليس هو من اللزوم كقول كثير عزة: خليليّ هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم انزلا حيث حلّت وهي قصيدة طويلة، القافية فيها اللام، وأبيات الحماسة التي لعمرو بن معد يكرب: ولما رأيت الخيل زورا كأنّها ... جدال زرعٍ أرسلت فاسبطرّت الأبيات. القافية فيها الراء. على أن ابن الأثير جعلها من باب اللزوم، وهذا أقرب إلى اللزوم من الأول. ولو أورد هذه وادعى أنها من اللزوم لكان له بعض شبهة. فإن أبا تمام وغيره يرون أن القافية هنا التاء. ونظم أبو تمام قصيدة تائية على هذا. وهي: نسائلها أيّ المواطن حلّت ... وأيّ ديارٍ أوطنتها وأيّت وكذلك تائية شرف الدين بن الفارض نظم السلوك، والأخرى القصيرة، والمحققون لا يجيزون ذلك ويعيبونه. وأبيات سلمى بن ربيعة شاعر الحماسة: حلّت تماضر غربةً فاحتلّت ... فلجا وأهلك باللّوى فالحلّت أبيات طويلة لم يجعل رويها غير اللام. وكذلك قول سليمان بن قتبة العدوي من شعراء الحماسة: مررت على أبيات آل محمدٍ ... فلم أرها كعهدها يوم حلّت وفي الحماسة من هذا النوع كثير. أما أبيات الحماسة: وحربٍ يضجّ القوم من نفيانها ... ضجيج الجمال الجلّة الدّبرات

стр. 37

فإنها من باب اللزوم، أما التي أوردها ابن الأثير فلا. قال: وقد ذكر بعضهم في هذا النوع ما ورد في أبيات الحماسة. وهو: وفيشةٍ ليست كهذي الفيش. ثم ساق الأبيات وقال: وليس هذا من باب اللزوم. وأخذ يستدل على صحة دعواه، إما بما مغلط فيه، وإما بما خفي الصواب فيه عليه. وأقول: إن هذه الأبيات من باب اللزوم، بدليل أنه لو قال فيها حوش لجاز. وأما استدلاله بعرش وطيش فلا يسلم له. والواو والياء تقعان ردفا قبل الروي كما تقول: قصور وقصير، وكسور وكسير. وهو أشهر وأظهر من أن يستشهد له بشيء. قال في اللزوم أيضاً: واعلم أنه إذا صغرت الكلمة الأخيرة من الشعر، أو من فواصل الكلام المنثور، فإن ذلك ملحق باللزوم ثم أورد قول الشاعر: عزّ على ليلى بذي سدير ... سوء مبيتي ليلة الغمير وساقها إلى آخرها. أقول: ليس ذلك من اللزوم، فإن طمرا وظهرا وصدرا، وسحرا ومطرا وقمرا، إذا كان جميع ألفاظها مبكرا فلا لزوم فيها. نعم لو كانت القوافي التي ذكرها، قميرا وغميرا وعميرا وجميرا وسميرا ونميرا، لعد ذلك من اللزوم لوجود الميم. فإن الناظم لا يتكلف لمثل ما أورده ولا يلزم نفسه شيئاً، بل كل قافية رائية أو غير بائية يجوز تصغيرها. ومن عجائب هذا الرجل ﵀ أنه يعد مثل هذا لزوما ثم إنه يقول بعد سطرين: وربما وقع بعض الجهال في هذا الموضع فأدخل فيه ما ليس منه. كقوله تعالى: " إن المتقين في جنّات ونعيم. فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ". وهذا لا يدخل في باب اللزوم، لأن الأصل فيه، نعم وجحيم. والياء هي من حروف المد واللين. أقول: من المطبوع قول القائل: لو أراد الله خيرا ... وصلاحا لمحبّه نقلت رقة خدي ... هـ إلى قسوة قلبه وكذا هذا الرجل، لو وفقه الله في هذا المقام، كان كلامه هنا قد نقله إلى ما ذكره من التصغير، وقال: إن الياء هنا للتصغير فلا عبرة بها لأن الأصل: سدر وغمر في سدير وغمير. على أنني أضعت هذين البيتين اللذين أوردتهما هنا متمثلا، فإنهما أشرف من كذا. وما يقال هنا إلا: فديتك لا تزني ولا تتصدقي. وأما الآيات الكريمة التي أوردها فإنها من باب اللزوم. فإنه يجوز في السجع أن يقال: سموم وحميم فيجمع بين الواو والياء كما تقدم. وأما جحيم ونعيم وحميم فإنه من باب اللزوم وقد خبط في هذا الباب كما خبط في التجنيس. على أن لزوم ما لا يلزم والتجنيس من واضح البديع ومن اشتغل بذلك تنبه لهما في المبادىء لوضوحهما. وعجبت لابن أبي الحديد كونه ما تنبه لهذه الأشياء. لفظة خود متى تكون حسنة أو قبيحة قال في النوع السادس في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها، بعدما ذكر لفظ خود وأنها: في الاسم الذي هو خود حسنة رائقة، وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن رائقة. ثم أورد قول أبي تمام. وإلى بني عبد الكريم تواهقت ... رتك النعام رأى الطريق فخوّدا وبيت الحماسة: أقول لنفسي حين خوّد رألها ... رويدك لمّا تشفقي حين مشفق ثم إنه حكم للأولى بالثقل والسماجة، وللثانية بالخفة والحسن. واحتج لهذه بأنها وردت هنا على حكم المجاز، وهناك على حكم الحقيقة. أقول: ما أكثر تحكم هذا الرجل ودعاويه بلا مستند. وإن كان، فهو أوهن من بيت أسس على شفا جرف هار. وذلك أنه من أول الكتاب إلى آخره، يستدل على أن عذوبة اللفظة وحسنها أمر يرجع إلى تركيب أحرفها ولذة موقعها في السمع، وأن ذلك أمر يشهد له الحس. فيقال له: إذا كان الأمر كذلك، فلا اعتبار هنا بالمعنى، ولو أن المعنى يؤثر في اللفظ عذوبة لكانت هركولة للمرأة المرتجة الأطراف والأرداف عذبةً، ولو أثر المعنى في اللفظ ركة، لكانت لفظة سعير وحيف ثقيلة في السمع. ولما لم تكن العذوبة والثقالة يتعلقان بالمعنى علمنا أنا لمعنى لا عبرة به في الفصاحة. فحينئذ قوله: إن خود في الأول ثقيل لكون حقيقة وفي الثاني حسن لكونه مجازا، دعوى مجردة، لأن الخاء والواو المشددة والدال لم يتغير لها صيغة ولا بناء في الموضعين. والمجاز والحقيقة أمران معنويان لا علاقة لهما باللفظ.

стр. 38

ويقال له: أنت قلت: إن الذي تكلفه النحاة من التعديلات واه لا يثبت على محك النظر، أفهذا التعليل الذي أوردته قوي ثابت على محك النظر، ليس فيه مغمز ولا قدح. أهذا طعن من يشفي غليلا ... وإقدام امرىءٍ عاب الرجالا! هل كلمة الإمة بالكسر فصيحة قال أيضاً في هذا الفصل، وقد ذكر الإمة بكسر الهمزة: ورأيت صاحب كتاب الفصيح وقد ذكرها فيما اختاره من الألفاظ الفصيحة. ويا ليت شعري ما الذي رآه من فصاحتها. ثم زاد في الحط عليه وأكثر من ذلك. أقول: إن أبا العباس ثعلبا ﵀ ما ذكر ذلك إلا التزاما بورودها لأجل الباب الذي عقده لذلك. فقال: باب المكسور أوله، والمضموم باختلاف المعنى فاضطر لذكرها وذكر أمثالها في هذا الباب: من الخطبة والصفر والرحلة والعشر. التزاما بورود ما جاء في ذلك. وقد يكون المكسور أعذب، وقد يكون المضموم أعذب وأئمة اللغة إذا قالوا فصيح ما يريدون به العذوبة والحسن ولا بد، وإنما يريدون به كثرة الاستعمال، والعذوبة قد تجيء بعد ذلك ضمنا وتبعا. ولهذا تسمعهم يقولون اللغة الصحى في زئبق، وزئبر الثوب الهمز دون التسهيل، وإن كان التسهيل أخف وأعذب من الهمز فالأفصح الهمز. وكذا قولهم السمع بتحريك الميم أفصح من السكون، والحس يشهد بأن التسكين أخف وأحسن. فكل عذب فصيح ولا ينعكس. قال في ذلك أيضاً: وكذلك فعل بفتح الفاء وضم العين فليس له إلا اسم واحد أيضاً وهو فعيل، ولا يقع فيه اختلاف إلا ما شذ. لكن فعل بفتح الفاء وكسر العين يقع في اسم فاعله الاختلاف استحسانا واستقباحا لأن له ثلاثة أوزان نحو فاعل وفعل وفعلان، تقول منه: حمد فهو حامد وحمدان. أقول: إن فعلا بضم العين، ليس فاعله مقصورا على فعيل بل قد يأتي على فعال. نحو جبن فهو جبان، وحصنت المرأة فهي حصان. وقد يأتي على فعل بتحريك العين، نحو بطل فهو بطل وحسن فهو حسن. وقد يجيء على فعال بضم الفاء نحو فرت الماء فهو فرات، وضخم الشيء فهو ضخام، وشجع فهو شجاع. وقد يجيء على فعول نحو حصرت الناقة فيه حصور، وعزت فهي عزوز. وقد يجيء على فاعل نحو حمض اللبن فهو حامض. وقد يجيء على فعل نحو غمر الرجل إذا لم يجرب الأمور فهو غمر، وصلب الشيء فهو صلب. وقد يجيء على فعل نحو ندس الرجل فهو ندس ويقظ فهو يقظ. وقد يجىء على فعل بسكون العين كقولك: ضخم فهو ضخم، وسهل فهو سهل، وصعب فهو صعب، وشهم فهو شهم. أما إذا كان من أفعال السجايا كظرف وشرف وعظم وكبر، فإن اسم فاعله على وزن فعيل تقول في ذلك: ظريف وشريف وعظيم وكبير. وأما فعل بكسر العين، فإنه أطلق العبارة وادعى أن فاعله يجيء على ثلاثة أوزان فاعل وفعل وفعلان والقاعدة في ذلك أن الفعل لا يخلو من ثلاث صيغ: فعل بفتح العين كضرب وفعل بكسر العين كعلم وفعل بضم العين كظرف. أما الأول، فاسم فاعله مطرد القياس على فاعل كضرب فهو ضارب، وذهب فهو ذاهب، وغلب فهو غالب، ونقص فهو ناقص، وكمل فهو كامل. وأما الثاني وهو فعل بكسر العين فاسم فاعله على فاعل مسموع، لا يتعدى بذلك النقل، وليس للقياس في ذلك مدخل. كقولك: أمن فهو آمن، وسلم فهو سالم، وسخط فهو ساخط ورضي فهو راض. فأما اطراد اسم فاعل فعل على فعل، فهو إذا كان لازما غير متعد، وهو فعل العرض الذي هو غير مستقر، كقولك: فرح فهو فرح، وغرث فهو غرث، وبطن فهو بطن، وأشر فهو أشر، فهذا مطرد. وإذا كان متعديا كما ذكره ابن الأثير في حمد فلا يطرد فاعله على فعل أما حمد فما سمعته قط. وأظن ابن خالويه في كتاب ليس قال: ليس في الأسماء ما بني على ثلاثة أسماء مثل: رحم فهو راحم ورحيم ورحمان، إلا سلم فهو سالم وسليم وسلمان، وندم فهو نادم ونديم وندمان. وقيل: إنه ادعى مثل هذا في مجلس سيف الدولة بن حمدان، وذكرت هذه القاعدة وابن خالويه حاضر. فقال: قد بقيت واحدة من نسب الأمير وهي حمد فهو حامد وحميد وحمدان، وهذه من محاسن ابن خالويه. ولو كان في فاعلها حمد لذكر في ذلك الوقت. فإن كان فعل من أفعال الألوان والخلق، فاسم فاعله على أفعل نحو عور فهو أعور وحول فهو أحول، وجهر فهو أجهر، وكدر فهو أكدر. وكذا خضر وسود وصفر، كلما كان من الألوان فاسم فاعله أفعل.

стр. 39

وأما إذا كان فعل للامتداء وحرارة البطن فهو فعلان بسكون العين مثل: شبع فهو شبعان، وعطش فهو عطشان، وصدي فهو صديان، وروي فهو ريان وسكر فهو سكران. وأما الثالث فهو فعل بضم العين. فقد تقدم الكلام على اسم فاعله. فهذه القاعدة في أبنية أسماء الفاعلين من الصيغ الثلاثة، لا ما ادعاه وأطلقه. حول المعاظلة اللفظية قال في المعاظلة اللفظية: ومن ذلك بعضهم: وفبر حربٍ في مكانٍ قفر ... وليس قرب قبر حربٍ قبر فهذه القافات والراءات كأنها سلسلة في تتابعها، ولا خفاء بما في ذلك من الثقل. وهكذا ورد قول الحريري في مقاماته فقال: وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه أقول: أما البيت الذي ذكره أولا فهو معذور فيه، وكل أرباب المعاني والبيان ذكروه ونصوا عليه ولم يقرنوه بقول الحريري. وهذا من تعسفه وتعنته. فإن البيت الذي للحريري ما فيه غير كثرة الجناس، وهذه صناعة فكيف يعدها عيبا. وإن كان كذلك فكل جناس تردد في بيت أو فقرة يكون معاظلة على رأيه وليس كذلك. ولو لمح السر في ثقل ذلك البيت، لما قرنه بقول الحريري. وسبب الثقل في ذلك البيت، ما هو تكرار الحروف ولا بد فإن ذلك جزء علة، وإنما هو تقديم الحروف بعضا على بعض، مع التكرار في قوله: قرب قبر. حتى إن هذا البيت اشتهر بأن الأذكياء يمتحنون بإنشاده ثلاث مرات متواليات على نفس واحد، فما يكاد يسلم أحد من التخبيط فيه. والسبب في ذلك تقديم بعض الحروف على بعض وتأخيرها. وليس هذا مخصوصا بهذا البيت، بل بكل ما ترددت حروفه متقدمة ومتأخرة. وهذا ابن سناء الملك من أرق المتأخرين شعرا وألطفهم قد جاء له مثل هذا في قوله: وصفتك واللاّحي يعاند بالعذل ... فكنت أبا ذرٍ وكان أبا جهل له شاهدا زورٍ من النهي والنّهى ... عليك ومن عينيك لي شاهدا عدل حبيبة هذا القلب من قبل خلقه ... يحبك قلبي قبل خلقك بل قبلي انظر البيتين المتقدمين ما أرفهما وما أثقل هذا الثالث، وما سببه غير تقديم الحروف تارة، وتأخيرها تارة في قبلي وقلبي، وقلب وقبل. وأما بيت الحريري فما فيه غير تردد حروف جناسه، والتقديم والتأخير معدومان فيه. ألا ترى أن العين قبل الفاء في المرتين والعين قبل الراء والراء قبل الفاء في المرتين وهذا ظاهر. وهذا شرف الدين ابن الفارض ﵀ في تائيته يأتي بالجناس في البيت كثيراً مرددا كقوله: أيا زاجرا حمر الأوراك تارك ال ... موارك من أكوارها كالأريكة وليس فيه من التعاظل والثقل على اللسان ما في قوله: ولا حلم لي في حمل ما فيك نالني ... يؤدي لحمدي أو لمدح مودّتي وعاد دعاوي القيل والقال وانج من ... عوادي دعاوي صدقها قصد سمعة وكلّفتها لا بل كفلت قيامها ... بتكليفها حتى كفلت بكلفتي وما السبب في ذلك غير تقديم الحروف في هذا تارة، وتأخيرها تارة، وسردها على الترتيب في الأول من غير تقديم وتأخير فاعرف ذلك. وأنا ما أنكر أن كثرة التجنيس المتردد في البيت أو الفقرة لا يخلو من ثقل ما، وإنما شاححته في كونه جعل قول الحريري من باب البيت الذي كأنه رقى العقرب، أو بعض العزائم الروحانية، وقد أكثر الناس من الاستشهاد به وصار في قلق الألفاظ مثلا. وتقعير الألفاظ معلوم وقد ذكره الناس. من ذلك أن عيسى بن عمر النحوي أو أبا علقمة النحوي سقط عن حماره وأغمي عليه، فلما أفاق ورأى اجتماع الناس عليه، قال: ما لكم تكأكأتم عليّ تكأكؤ على ذي جنة، افرنقعوا عني يرحمكم الله فقال بعضهم: دعوه فإن عفريته يتكلم بالهندية. ومن ذلك خبر أم الهيثم مع المرأة التي شكت إليها ألما في ظهرها، فسألتها عن السبب فقالت: كنت وحمى بدكة، فحضرت مأدبةً، فأكلت حيزبة من فراص هلعة فاعترتني زلخة. فقالت لها أم الهيثم: إنك لذات خزعبلات وقد قال رسول الله ﷺ : إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون المتشدقون. هذه الألفاظ كلها يراد بها المتنطعون في الكلام. فالثرثار من قولهم عين ثرثارة إذا كثر ماؤها، والمتفيهق من تفيهق الغدير إذا امتلأ، والمتشدق الذي يفتح شدقيه. من أنواع المعاظلة

стр. 40

قال في المعاظلة: القسم الخامس من المعاظلة أن ترد صفات متعددة على نحو واحد. كقول أبي تمام وأنشد له أبياتا منها: تامكه نهده مداخله ... ملمومه محزئلّه أجده ثم قال: وهذا البيت من المعاظلة التي قلع الأضراس دونها. أقول: ليس ثقل البيت من تعدد الصفات، وإنما هو من قوله تامكه ومحزئله، وليس في تعدد الصفات نفسها ثقل ولا معاظلة إذا وردت بألفاظ عذبة، كما تقول إذا وصفت قواما: قويمه، أهيفه، ناعمه، لدنه، ريانه. فإن حذفت الهاء زاد حسنا. ومثل ذلك قول القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان. قسما بوجهك وهو بدرٌ طالعٌ ... وبليل طرتك التي كالغيهب وبقامةٍ لك كالقضيب ركبت في ... أخاطرها في الحب أصعد مركب ويطيب مبسمك الشهي البارد ال ... عذب النمير اللؤلؤي الأشنب ومما قلته في هذا النوع: قسما بناضر قدك اللدن القوي ... م الأهيف المتعطف الرّيان وبجفني الدامي القريح الهامع ال ... هامي الملث الهاطل الهتّان مالي على ذل الجفا صبرٌ ولا ... جلدٌ يساعدني على الهجران والحس يحكم بيننا وبين من يدعي أن هذا من باب المعاظلة اللفظية. وأما بيت أبي تمام فإنه من قصيدة جاء فيها مثله بيتان وهما: مارنه لدنه مثقّفه ... عرّاصه في الأكفّ مسحسحه مطّرده ثم قال: مسفّه ثرّه مسححه ... وابله مستهلّه برده قال وقد أورد قول أبي الطيب: فلا يبّرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم رد التعصب وبلغني عن أبي العلاء أنه كان يتعصب لأبي الطيب، حتى إنه كان يسميه الشاعر ويسمي غيره من الشعراء باسمه. وزاد ابن الأثير في ذم المعري وقال: إن الله قد جمع له بين العمى في البصر والبصيرة. أقول: إن المعري معذور في تفضيل المتنبي على غيره، وليس هو ببدع في ترجيحه على غيره من الشعراء فأكثر الناس على هذا المذهب. وما المعري ولا غيره ممن رجحه يعتقد أنه معصوم لا يقع في الخطأ. وإنما الرجل إذا أجاد لم يلحقه أحد، وما له عندي نظير غير القاضي الفاضل رحمه الله تعالى، فإن الفاضل هكذا ينحط في بعض الأوقات إلى الحضيض، ثم يثب وثبة تكون الثريا لها ثرى، ويدع من اتبع أثره وقفا خطاه وقد رجع القهقرى. كقوله: وخواطري كليلة، وتصرفاتي قليلة، وحميتي كما يعرفها، والخلطة تخليط، فإن سمع سيدنا بابن شفة عني فهو لقيط. وكذلك أبو الطيب، بينا تراه على عادة الشعراء من متوسط وردي، حتى يأتي بجيد ترك الناس ينفضون غبار سبقه من هواديهم، وجلس على أسرة الأفق مطمئنا والشعراء يهيمون في واديهم. كما قال: فذي الدار أخدع من مومسٍ ... وأمكر من كفة الحابل ثم أردفه بقوله: تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل وكما قال يرثي والدة سيف الدولة: أتتهنّ المصيبة غافلات ... ودمع الحزن في دمع الدلال ثم قال: وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ... ولا التذكير فخر للهلال وكما قال منها: رأيتك في الذين أرى مملوكا ... كأنك مستقيمٌ في محال ثم أردفه بقوله: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال وكما قال في رثاء ابن سيف الدولة: بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل ... فهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي ثم أردفه: كأنك أبصرت الذي بي وخفته ... إذا متّ فاخترت الحمام على الثكل وكما قال: ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليبٌ وأهل الأعصر الأول ثم أردفه بقوله: خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زجل وكما قال: نلومك يا عليّ لغير ذنبٍ ... لأنك قد زريت على العباد ثم يقول بعد ذا: كأنّ الهام في الهيجا عيونٌ ... وقد طبعت سيوفك من رقاد وقد صنعت الأسنّة من همومٍ ... فما يخطرن إلا في فؤاد وهذان البيتان وإن عدت سرقاتهما فما فيها ما له هذه الديباجة ولا فيه هذه الطلاوة. وكما قال:

стр. 41

وشبه الشيء منجذبٌ إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطّغام ثم يردفه بقوله: ولو لم يعل إلا ذو محلٍّ ... تعالى الجيش وانحطّ القتام وكما قال: أذمّ إلى هذا الزمان أهيله ... فأعلمهم فدمٌ وأحزمهم وغد ثم يردفهما بقوله: ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له ما من صداقته بدّ قيل إنه لما ادعى النبوة قيل له: ما معجزك؟ فقال: قولي ومن نكد الدنيا.. البيت وكما قال: ستبكي شجوها فرسي ومهري ... صفائح دمعها ماء الجسوم ثم يقول بعد هذا: وكم من عائبٍ قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السّقيم وكما قال: صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من شأنه ما عنانا ثم يقول: وإذا لم يكن من الموت بدٌ ... فمن العجز أن تكون جبانا وكما قال: نتاج رأيك في وقتٍ على عجلٍ ... كلفظ حرفٍ وعاه سامعٌ فهم ثم يقول: صدمتهم بخميس أنت غرته ... وسمهريّته في وجهه غمم فكان أثبت ما فيه جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم وكما قال: وإنما يبلغ الإنسان طاقته ... ما كلّ ماشيةٍ بالرجل شملال ثم يقول: ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما قاته، وفضول العيش أشغال وهذا البيت فيه ثلاثة أمثال. وكما قال: عجبت لمن له قدٌ وحدٌ ... وينبو نبوة القصم الكهام ثم يقول: ولم أر في عيوب الناس شيئاً ... كنقص القادرين على التمام وكما قال: ذريني أنل ما لا ينال من العلا ... فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل ثم يقول: تريدين لقيان المعالي رخيصةً ... ولا بدّ دون الشّهد من إبر النحل وكما قال: أبا شجاعٍ بفارسٍ عضد الد ... ولة فنّاخسرو شهنشاها أساميا لم تزده معرفةً ... وإنما لذةً ذكرناها فهذا يسير من كثير، وقليل من غزير. ولكن هذا القدر كاف في الدلالة على ماله من الجيد، فانظر إلى انحطاطه وارتفاعه. ولكن أين ارتفاعه. وهذان الرجلان قد سار ذكرهما وثبت أمرهما وأسكرت الألباب خمرهما. وفي تعبٍ من يحسد الشمس ضوءها ... ويزعم أن يأتي لها بضريب فالقاضي الفاضل ﵀ انفرد بالترسل، وانفرد المتنبي بالشعر مع مالهما من الانحطاط، ولكن انحطاط المتنبي أوضع وأشنع. ولو أن الناس إذا رأوا جوادا بخل في وقت، أو شجاعا فر في وقت، أو صانعا ماهرا قصر في وقت، يرمونهم بالعيب ويطعنون عليهم ولا يعدون لهم إحسانا، لما كان في الوجود جواد ولا شجاع ولا صانع ماهر ولا خطيب بليغ ولا شاعر مجيد. وإنما العبرة بالأغلب والأكثر، والقليل معفو عنه، لأن العصمة لا تشترط إلا للمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه. وللمعري بيتان يفضل فيهما أبا الطيب على أبي تمام وهما: ما حبيبٌ إلا أديبٌ ولكن ... ما أراه يقارب المتنبي ذا المعاني الغرائب اللائي أسهرن ... جفوني دهرا وتيّمن قلبي ولما فرغ أبو العلاء من تصنيف كتاب اللامع العزيزي في شرح ديوان أبي الطيب وقرىء عليه، أخذ الجماعة في وصفه. فقال: كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ الغيب إذ يقول: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم وقيل: إن المعري كان إذا خلا ممن لا يثق إليه قال: ناولوني معجز أحمد، يعني ديوان أبي الطيب وإذا كان في غير الخلوة يقول: الشاعر. وهذا شبيه بما يحكى عن أفلاطون من أنه كان إذا جلس للناس، واستدعي منه الكلام قال: اصبروا حتى يحضر الناس، أو ربما قال: حتى يحضر العقل. يريد أرسطو. وكان يسمي ديوان أبي تمام ذكرى حبيب ويسمي ديوان البحتري عبث الوليد. وهذا يحتمل المدح والذم. أما المدح فلأن عبث الوليد حلو على القلوب. وأما الذم فلأن العبث من حيث هو مذموم عند العقلاء. ويسمي ديوان ابن هانىء المغربي رحى تطحن قرونا ولعمري إن أبا العلاء المعري ما أنصف ابن هانىء في هذه التسمية. أليس هو الذي يقول في القصيدة الرائية:

стр. 42

وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر ومنها لا يأكل السرحان شلو طعينهم ... مما عليه من القنا المتكسر وبعض الناس يمغلط في هذا البيت ويقول: هو بالذم أشبه منه بالمدح، لأنه وصفهم بأنهم لكثرة ما يجتمعون على الواحد من أعدائهم، يكسرون القنا في الطعان عليه حتى يقتلوه، فيجتمع عليه من الرماح المكسرة ما يمنع السرحان من أكله وليس الأمر كذلك، لأن الطعين المراد به أنه من الممدوحين أنفسهم، والمعنى: أنه إذا مات منهم طعين لا يموت إلا بعد أن يجتمع عليه من الأعداء خلق كثير. فالطعين من الممدوحين لا من عدوهم وهذا في غاية المدح. أليس له تلك القصيدة الفائية، وما فيها من تشبيه الكواكب حتى انتهى إلى ذكر السهى فقال: كأنّ سهاها عاشقٌ بين عوّدٍ ... فآونةً يبدو وآونة يخفى وهي مشهورة وكلها جيد. أليس له القصيدة الدالية التي أولها: إمسحوا عن ناظري كحل السّهاد ... وانفضوا عن مضجعي شوك القتاد أو خذوا مني ما أبقيتم ... لا أحب الجسم مسلوب الفؤاد ومنها في وصف الدروع: كل رقراق الحواشي فوقه ... كعيونٍ من أفاعٍ أو جراد فعلى الأجساد وقدٌ من سنا ... وعلى الماذيّ صبغٌ من جساد أليس له الفائية الأخرى التي يقول فيها: ولقد هززت غصونها بثمارها ... وهصرتهنّ مهفهفا فمهفهفا فرددتها من راحتيه مرّةً ... وشربتها من مقلتيه قرقفا ما كان أفتكني لو اخترطت يدي ... من ناظريك على رقيبك مرهفا أليس له القصيدة الكافية التي أولها: فتكات طرفك أم سيوف أبيك ... وكؤوس خمرك أم مراشف فيك أجلاد مرهفةٍ وفتك محاجرٍ ... لا أنت راحمةٌ ولا أهلوك منها: منعوك من سنة الكرى وسروا فلو ... عثروا بطيفٍ طارقٍ ظنّوك ودعوك نشوى ما سقوك مدامةً ... لما تمايل عطفك اتّهموك وله أشياء مليحة. وأما تخلصاته فمن أحسن ما يكون ولكن المعري تحامل عليه. وأما أبو الطيب فمن سعادته أنه شرح ديوانه ما يقارب الأربعين فاضلا. منهم الواحدي وحسبك ومنهم الإمام فخر الدين، وللشيخ تاج الدين الكندي ﵀ حواش على ديوانه أحسن من حواشي الأصداغ في هوامش الوجنات، تشتمل على فوائد جمة وقواعد مهمة، من غريب لغة واعراب ومعنى ليس لها نظير. وقد سردت من شرح ديوانه في ترجمته في كتاب الوافي بالوفيات. وقال الوزير المغربي في كتاب أدب الخواص وقد قال: المتنبي، وإخواننا المغاربة يقولون المتنبه. قلت أنا: وهذا تحريف حسن من المغاربة، وما يليق أن يطلق عليه المتنبي. وكان الشيخ تاج الدين يروي لأبي الطيب بيتين يتصل سندهما به وليسا في ديوانه وهما: أبعين مفتقرٍ إليك نظرتني ... فأهنتني وقذفتني من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنني ... أنزلت آمالي بغير الخالق وعلى الجملة فقد رزق أبو الطيب من السعادة في شعره ما لم يرزقه غيره. وممن عابه وحط عليه الصاحب بن عباد في كراريس لطيفة، ومنهم ابن وكيع في المنصف وقال ابن شرف القيرواني في أبكار الأفكار وهو أجور من سدوم. والوحيد المغربي حط عليه وعلى ابن جني حطا بالغا ومنهم الحاتمي في رسيلة لطيفة، ورسالة أخرى أملاها الحاتمي في معايبه، وهي مجلدة لطيفة، وله الموازنة بينه وبين أبي تمام وللجرجاني ﵀ كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، ما خلا فيها من التمالي عليه، ومنهم الناصح ابن الدهان في رسالة سماها الرسالة السعيدية في المآخذ الكندية. وقال رسول الله ﷺ : لو كان الإنسان كالقدح، لقال الناس ولولا. وما لمن يعيب جيده جواب إلا ما قاله هو في وصف قصديته: بذي الغباوة من انشادها صمم ... كما تضر رياح الورد بالجعل حول وصل همزة القطع وقطع همزة الوصل قال في المعاظلة اللفظية أيضاً: ومن هذا القسم وصل همزة القطع وهو محسوب من جائزات الشعر التي لا تجوز في الكلام المنثور، وكذلك قطع همزة الوصل. ثم أورد قول أبي تمام:

стр. 43

فأصبح يلقاني الزمان من آجله ... بإعظلام مولود ورأفة والد أقول: أما قطع همزة الوصل فإنه معذور فيها إذا عدها عيبا، وهي عندي كمد المقصور في القبح. ووصل همزة القطع أراها كمد المقصور وهي أحسن. وذلك أنك تنقل الأثقل إلى الأخف فيهما بخلاف ذينك فإنك تنقل الأخف إلى الأثقل. وأما جعله قول أبي تمام من أجله مما لا يجوز إلا في الشعر فقط، فليس الأمر كذلك، وهذا من باب النقل، وقراء التجويد يعرفون ذلك ولا يسمونه وصل الهمز، بل نقل الحركة من المتحرك إلى الساكن كقوله تعالى " ولوَ انهم صبروا " فإن واو لو ساكنه، فإذا أرادوا النقل نقلوا حركة الهمزة التي تليها إليها. قالوا: " ولوَ انهم " وهذا مشهور ظاهر لا ينكر. وقرأوا قوله تعالى: " منَ اجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل " بنقل حركة الهمزة إلى النون في من وهذا مثل قول أبي تمام. وإذا كان هذه القاعدة مطردة في القرآن جميعه من أوله إلى آخره، كيف يمنعه ويجعله من ضرورات الشعر والمعاظلة في الألفاظ. نعم يقبح في مثل قول المتنبي: يوسّطه المافوز كلّ يومٍ ... طلاب الطالبين لا الإنتظار وقوله أيضاً: وشدة الظن لا الاستدلال فإنه وإن كان على القاعدة فإنه مستثقل كما تراه. ؟ الصناعة المعنوية قال في المقالة الثانية في الصناعة المعنوية وقد ذكر حكم اليونان وعلومهم إن أبا نواس ومسلم بن الوليد وأبا تمام والبحتري وأبا الطيب وغيرهم كعبد الحميد وابن العميد والصابي لم يتعلموا من كتب اليونان شيئاً وجاؤوا بما جاؤوا به ثم إنه مثل بنفسه وإنه لم يراع ذلك وجاء بما جاء به، وادعى هنا ما ادعاه لنفسه. أقول: إنني ما المشاحة هنا إلا في حكمه أن هؤلاء ما اشتغلوا بشيء من ذلك. فأقول له: من أين عملت هذا حتى تحكم به؟ أما دعواك لنفسك فما أعارضك فيها، لأن الناس أخبر بنفوسهم، وأما أبو نواس فقد قيل: إنه كان يشتغل بالفقه حتى قيل فيه: أبو نواس فقيه غلب عليه الشعر، والشافعي شاعر غلب عليه الفقه. ومع ذلك فلم يظهر عنه فقه، كما لم يظهر عنه اشتغال بعلوم اليونان. وعدم الدليل لا يدل على عدم المدلول. على أنه كان في زمن الرشيد والأمين والمأمون، وهذه العلوم اشتهرت في أيامهم، خصوصا في زمن المأمون، فإنه رتب الذهب لمن يحل كتب اليونان من اليونانية إلى العربية مثل حنين بن إسحق، وابن بختيشوع وغيرهما. ألا ترى أبا نواس قال: فقل لمن يدّعي في العلم فلسفةً ... حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء فإن قلت: هذا مما يدل على رفضه لهذه العلوم وتركه إياها، قلت إنما قال هذا في سياق أبيات يغري فيها بالسكر ودفع الخمار بالخمر والإدمان لذلك، والانهماك في اللذات ومواصلة الشراب ومجالس الأنس، حتى انتهى إلى قومه هذا البيت ردا على القائلين بالحكمة، وأن الأخذ من الشراب كثيراً محرم عقلا، وأن الاكثار من ذلك مضر من حيث الطب. فأخذ يسفه الحكيم في رأيه ويقول: حفظت شيئاً من الحكمة، وغابت عنك أشياء في إدمان الشراب من اللذاذات والابتهاج على عادة الشعراء في الإغراء. ثم إنه قال فيها: لا تحظر العفو ان كنت امرءا حرجا ... فإنّ حظركه بالدين ازراء وهذا على عادة الشعراء في مجونهم، وإنما أبو نواس أكثر من الشعر فدون عنه، ولم يضع هو تلك العلوم شيئاً، لا جرم أنه لم يظهر عنه شيء. وقول أبي نواس: أباح العراقي النبيذ وشربه ... وقال: حرامان المدامة والسكر وقال الحجازي: الشرابان واحدٌ ... فحلّت لنا من بين قوليهما الخمر سآخذ من قوليهما طرفيهما ... وأشربها لا فارق الوازر الوزر فمن أنعم النظر في هذه الأبيات، علم أن أبا نواس كان منطقيا، فإن استنتاجه حل الخمر في مقدمتي كلام الفقيه العراقي والحجازي يدل على ذلك. وهذا على عادة مجاز الشعر وإلا فالصحيح حرمة الخمر. هل صح اطلاع بعض الشعراء والكتاب على حكم اليونان وعلومهم وأما أبو الطيب فقد قال: أنا وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري، وكلام هذين الشاعرين يدل على أنهما ما عريا عن شيء من علوم الفلسفة. خصوصا المتنبي والحاتمية تدل على أنه كان ينظر في كلاما قوم. ألا ترى قوله يمدح ابن العميد:

стр. 44

من مبلغ الأعراب أني بعدها ... جالست رسطاليس والإسكندرا وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متبديا متملكا متحضرا وهذا بعيد أن يصدر ممن لم ينظر في كتب القوم. وقال المعري وقد أورد لأبي الطيب قوله: إلف هذا الهواء أوقع في الأن ... فس أن الحمام مر المذاق والأسى قبل فرقة الروح عجزٌ ... والأسى لا يكون بعد الفراق هذان البيتان يفضلان كتابا من كتب اليونان، لتناهيهما في الصدق وحسن النظر، ولو لم يكن له سواهما، لكفاه ذلك شرفا. وأما ابن العميد فقد قال ابن خلكان رحمه الله تعالى في ترجمته: وكان متوسعا في علوم الفلسفة والنجوم. قلت: والبيتان الرائيان المذكوران لأبي الطيب في مدحه يؤيدان ما قاله ابن خلكان. وأقول: أليس هو بصاحب الصاحب بن عباد، وقد كان من رجالات المعتزلة، وله في أصولهم مصنف. ومن المستحيل أن معتزليا لا ينظر في كتب الفلسفة. وأما ابن أبي الحديد، فقد أجابه عن دعواه أن الإنسان لا يحتاج إلى المنطق ولا إلى هذه العلوم، في الفلك الدائر. والصحيح أنه من جهل شيئاً عاداه. شاهد الحال ودوره في استخراج المعاني قال في هذا: ومما يعين على استخراج المعاني شاهد الحال. أقول: ما أنكر أن مشاهدة الحال في الخارج تعين على تصور المعاني، إلا أن استنباط المعاني لا يفتقر فيه إلى المشاهدة، وقد جاء في الوجود جماعة من العميان الذين لم يشاهدوا الصور في الخارج، وأتوا بالتشبيهات البديعة، مثل بشار بن برد حيث قال. كأن مثار النّفع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه ومثل أبي العلاء المعري حيث يقول: ولاح هلالٌ مثل نونٍ أجادها ... بذوب النّضار الكاتب ابن هلال وحيث يقول: ليلتي هذه عروسٌ من الزّن ... ج عليها قلائدٌ من جمان وسهيلٌ كوجنة الحبّ في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان ثم شاب الدّجى وخاف من الهج ... ر فغطى المشيب بالزعفران وله أشياء كثيرة من التشبيه الغريب. ومثل أبي البقاء العكبري حيث يقول: وغديرٍ رقت حواشيه حتى ... بان في قعره الذي كان ساخا وكأن الطيور إذ وردته ... من صفا مائه تزق فراخا وما أحلى قول أبي طاهر حيدر في مثل هذا: وضاحيةٍ وردت بها غديرا ... يقدّر من صفاء الماء أرضا كأنّ الوحش حيث تغب فيه ... يقبل بعضها للشوق بعضا ومثل جماعة تقدموا من الأضراء كأبي العيناء وابن سيده صاحب المحكم، والشاطبي ﵀، وغير هؤلاء ممن أتى بالغرائب، ولم يستعينوا بحاسة البصر. فإن قلت: إن هؤلاء إن كانوا ما رأوا ولا شاهدوا، فقد سمعوا ما قاله غيرهم، وشبهوا كما شبه غيرهم. قلت: ما نازعتك في ذلك، وإنما أردت أن التشبيه لا يفتقر إلى الصورة الخارجة. فإن الناظم قد يتصور المعنى في ذهنه من عير أن يشاهده في الخارج، ويولد المعنى من معنى آخر. كقول ابن المعتز. وأرى الثريّا في السماء كأنها ... قدمٌ تبدّت من ثياب حداد فإنه ولد هذا المعنى من قول الآخر: كأن كؤوس الشّرب والليل مظلمٌ ... وجوه عذارى في ملاحف سود وكما قال ابن الذروي وقد ذكر أهل النوبة في مدح صلاح الدين: سودٌ وتحمرّ الظبى حولها ... كأعين الرّمد بدت للأساه أو لا فسمرٌ تنتحيها القنا ... مثل دنانٍ بزلت للسّقاه فإنه ولد هذا المعنى الأول من قول الأرجاني: وكأنّ كلّ شقيقةٍ محمرةٍ ... كحلت محاجرها بأحمر قان عينٌ لإنسان وقد رمدت فما ... يبدو لرامقها سوى الإنسان وولد المعنى الثاني من قول أبي العلاء المعري في تشبيه البرق: إذا ما اهتاج أحمر مستطيرا ... حسبت الليل زنجيا جريحا ولعمري لقد تصرف في هذا التشبيه الثاني تصرفا حسنا. وكما ولدت أنا من قول الحصري: الناس كالأرض ومنها هم ... من خشن اللمس ومن ليّن مروٌ تشكّى الرجل منه الأذى ... وإثمدٌ يجعل في الأعين فنقلته إلى معنى المتنبي المشهور وقلت:

стр. 45

مولى تفرع من كرامٍ وجههم ... وبنانهم للمجتلي والمجتني سادوا الأنام علا وهم من جنسهم ... ومن الحجارة إثمدٌ في الأعين وولدت أيضاً من قول بعض العرب: كأنّ هلاله مرآة قينٍ ... لها شطرٌ يلوح من الغلاف فقلت في العذار: قلت إذ قيل لي تسلّ فهذا ... صدغه قد دجا وكان ينير هي مرآة خده غاب منها ... في غلاف العذار شيءٌ يسير أو يعكس المعنى إلى ضده وهو في التشبيه كثير، لأن التشبيه واقع بين طرفين، شبيه ومشبه به. فإذا شبهت النجوم بالشرار جاز أن تشبه الشرار بالنجوم، وإذا شبهت البرق بالسيف، جاز أن تشبه السيف بالبرق، وإذا شبهت الهلال بالقلامة، جاز أن تشبه القلامة بالهلال. قال ابن المعتز: ولاح ضوء هلالٍ كاد يفضحنا ... مثل القلامة إذ قدّت من الظفر وعكس ذلك سعد الدين ابن عربي فقال في مليح قلم أظافره: أبعدت ظفرك وهو بعضك فالذي ... يهواك أجدر بالبعاد الأطول فأجابني: أتظنني قلمتها ... عن حاجةٍ، لا بل لمعنىً عنّ لي لأريك يا من بالهلال يقيسني ... أنّ الهلال قلامةٌ من أنملي وما أحسن قول الحسن بن إبراهيم النطري في المقص والأنامل والقلامات والأظفار: ما عاملٌ يحكي إذا استعملته ... وأعانه خمسٌ بهنّ يدور صقرا يصيد أهلّةً يلمعن من ... أعلى بدورٍ تحتهنّ بحور وعكست أنا قول بعضهم في الورد: كأنّ احمرار الورد والطلّ فوقه ... خدودٌ توالى فوقها الدمع بالوكف فقلت من أبيات: أقسمت ما سجعت ورق الحمائم في ... روضٍ على مثل عطفيها ولا صدحت وكلما اعتدلت بالميل قامتها ... رأيتها فوق حسن الغصن قد رجحت وما اكتسى خدّها من لؤلؤٍ عرقا ... لكنها وردةٌ بالطل قدر رشحت وعكست أيضاً التشبيه الوارد في قوله تعالى " وهي تجري بهم في موج كالجبال " فقلت: قد ركبّنا على البريد لمصرٍ ... بحر رملٍ عجاجه عجّاج فعكسنا التشبيه لما جرينا ... في جبالٍ كأنها أمواج ومثل هذا يسمى غلبة الفرع على الأصل، كما إذا شبهت العرجون بالهلال، والغصن بالقد، والنرجس بالعيون، والليل بالشعر والصبح بالثغر. وهو مشهور. فضل المتنبي في لاميته في خيمة سيف الدولة قال بعدما أورد أبيات المتنبي في الخيمة التي أولها: أينفع في الخيمة العذّل وقد ساق منها خمسة عشر بيتا: وهذه الأبيات قد اشتملت على معان عديدة، وكفى بالمتنبي فضلا أن يأتي بمثلها. أقول: أين هذا الكلام في حق المتنبي من الكلام عند إيراد قوله: فلا تبرم الأقدار ما هو حالل ... البيت والإزراء والطعن على المعري لتفضيله إياه. هل أبدع أبو نواس في أبياته تدار علينا الراح في عسجدية قال بعدما أورد أبيات أبي نواس: تجار علينا الراح في عسجديةٍ ... الأبيات الثلاثة. وقد أكثر العلماء من وصف هذه الأبيات وهذا المعنى، وقولهم فيه إنه معنى مبتدع. ويحكى عن الجاحظ أنه قال: ما زال الشعراء يتناقلون المعاني قديما وحديثا إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه. وما أعلم أنا ما أقول لهؤلاء سوى أن أقول: قد تجاوزتم حد الإكثار، ومن الأمثال السائرة: بدون هذا يباع الحمار. وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة لا هذا المعنى. فإنه كبير كلفة فيه. لأن أبا نواس رأى كأسا من الذهب ذات تصاوير فحكاها في شعره. والذي عندي في هذا، أنه من المعاني المشاهدة، فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماء يسيرا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها قليلا بقدر القلانس التي على رؤوسها وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر.

стр. 46

أقول: كفى بهذا الرجل ﵀ أن يقول مثل هذا، وما أعرف كتابا من أمهات كتب الأدب مثل الروضة للمبرد والذخيرة لابن بسام وزهر الآداب للحصري إلا وقد تضمن ذكر هذه الأبيات والثناء عليها. وحسبك بكلام يثني عليه أبو عثمان عمرو الجاحظ، وهو من أحذق أئمة الأدب، وأعرفهم بما يقول، وأبصرهم بمدارك العقول، وقوله في مثل هذا حجة، وما قرره في الأبيات هو المحجة. وما أحسن قول القاضي الفاضل: وأما الجاحظ ﵀ فما منا معاشر الكتاب إلا من دخل من كتبه الحارة، وشن الغارة، وخرج وعلى الكتف منها كاره. وقد أولع الفاضل ﵀ بذكره في ترسله، وذكر تصانيفه، ولو لم يكن له في كتب الأدب إلا كتاب البيان والتبيين لكفاه ذلك فخرا. ويقال: مما فضل الله به أمة محمد ﷺ على غيرها من الأمم، عمر بن الخطاب ﵁ بسياسته، والحسن البصري بعلمه، والجاحظ ببيانه. ويحكى عنه أنه قال: دخلت ديوان المكاتبات ببغداد، فرأيت قوما قد صقلوا ثيابهم، وصفوا عمائمهم، ووشوا طرزهم. ثم اختبرتهم، فوجدتهم كما قال الله تعالى: " فأما الزَّبد فيذهبُ جُفاء " ظواهر نظيفة، وبواطن سخيفة " فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون " ومن أجوبته ما يحكى عنه أنه اجتمع بالجماز في مجلس بالبصرة. فقال له الجماز: كم نارا في اللغة؟ فقال: نار الحرب، ونار الشجر، ونار الحباحب، ونار المعدة، والنار المعروفة. فقال له: تركت أبلغ النيران. قال: وما هي. قال: نار حر أمك التي كلما ألقي فيها فوج سألتها خزنتها. فقال الجاحظ: أما نار أمي فقد قضيت أن لها خزانا، الشأن في حر أمك التي يقال لها: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد. والجاحظ أشهر من أن يذكر بمحاسن وأنا أحكي ما قاله الجاحظ. فإن ابن الأثير ﵀ روج المقال. والذي نقله أئمة الأدب عنه أنه قال: وجدنا المعاني تقلب، ويؤخذ بعضها من بعض، إلا قول عنترة في الذباب: وخلا الذباب بها فليس ببارحٍ ... غردا كفعل الشارب المترنم هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المنكبّ على الزّناد الأجذم وقول أبي نواس في تصاوير الكأس: تدار علينا الراح في عسجدية ... وأنشد الأبيات انتهى. قال ابن بسام في الذخيرة وقد ذكر أن أبا نواس ولد هذا المعنى من قول امرىء القيس: فلما استطابوا صبّ في الصحن نصفه ... وشجّت بماءٍ غير طرقٍ ولا كدر فجعل الشراب والماء نصفين لقوة الشراب، فتسلق عليه أبو نواس وأخفاه بما شغل به الكلام من ذكره الصور المنقوشة، إلا أنها سرقة مليحة. وكرر أبو نواس هذا المعنى عجبا به في مواضع. كقوله: بنينا على كسرى سماء مدامةٍ ... مكلّلةً حافاتها بنجوم فلو ردّ في كسرى بن ساسان روحه ... إذن لاصطفانا دون كل نديم وأخذه الناشىء فولد معنى زائدا عليه فقال: في كأسها صورٌ تظنّ لحسنها ... عربا برزن من الحجال وغيدا وإذا المزاج أثارها فتنمنمت ... ذهبا ودرا توأما وفريدا فكأنهنّ لبسن ذاك مجاسدا ... وجعلن ذا لنحورهنّ عقودا وقال ابن المعتز: وكأسٍ من زجاج فيه أسدٌ ... فرائسهنّ ألباب الرجال وألم بهذا ابن بطال البطليوسي فقال: وغابٍ من الأكواس فيها ضراغمٌ ... من الرّاح، ألباب الرجال فريسها قرعت بها سنّ الهموم فأقلعت ... وقد كاد يسطو بالفؤاد رسيسها وقال أبو تمام ابن رباح: وكاسٍ بدا كسرى بها في قرارةٍ ... غريقا، ولكن في خليجٍ من الخمر وما صوّرته فارسٌ عبثا به ... ولكنّهم جاؤوا بأخفى من السحر أشاروا بما دانوا له في حياته ... فنومي إليه بالسجود ولا ندري هذا ما أورده ابن بسام في معنى الكأس المنقوشة. ولا بأس بإيراد ما جاء في ذلك للشعراء المتأخرين، من ذلك قول ابن سناء الملك. ما الدرّ إلا ذا الحبا ... ب وإنني بالدر أدرى شعري وشعرى في السما ... ء وفي كؤوسك ألف شعرى منّت عليك ولا كما ... منّت على أشلاء كسرى

стр. 47

الخلق لما عاش قد ... سجدوا له طوعا وقسرا والكل لما مات قد ... سجدوا له في الكأس سكرا ولا يخفى على ذي اللب أن هذا مأخوذ من قول أبي تمام بن رباح وقد تقدم وهو أحسن من هذا. وقوله أيضاً: ألا إنّ شرّاب المدام هم الناس ... وغيرهم فيهم جنونٌ ووسواس فيا ليت أني مثل كسرى مصورٌ ... فليس يزال الدّهر في كفه كاس وهذا مأخوذ من قول أبي فراس. وسيأتي فيما بعد. وقوله أيضاً وهو في غاية الحسن: شربنا على هذا وذاك مدامةً ... بدت كالعقيق الرطب والذهب الرّخص أعيد لنا في كأسها شخص قيصرٍ ... وكسرى، فكادت تبعث الروح في الشخص قياصرةٌ في قصر كسرى وربما ... مجنّا فقلنا بل مساكين في خص وقول ابن قلاقس الإسكندري: لو لم يصبها الماء حين توقدت ... بيد المدير لخفت أن يتسعّرا وبنيتها قصرا سقيت براحتي ... كسرى أنوشروان فيه وقيصرا وقوله أيضاً أنهكت جسمها السنين فلولا ... عرفها لم يكن بها ذا اعتراف فاحني في الكأس جسم كسرى براحٍ ... تبعث الروح منه في الأعطاف وقول ابن سناء الملك الذي تقدم أكمل في الحسن. وقوله أيضاً: بزجاجةٍ دارت وفي جنباتها ... كسرى أنوشروان في إيوانه خلعت على عطفيه خلعة قهوةٍ ... وسلبتها فغدوت في سلطانه يعني أنه لبسها بشربه لها فغدا في سلطانه، لما يجده السكران من العزة. كما قال المنخل شاعر الحماسة: وإذا سكرت فإنني ... ربّ الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني ... ربّ الشّويهة والبعير وقول ابن الذروي: ومصوّرٍ نازعت في ... هـ على المدامة قيصرا وسلبت منه متوّجا ... حتى رجعت مسوّرا ومضيت من عقيانه ... ولجينه أغنى الورى وقول ابن قلاقس أيضاً: وزجاجةٍ حيّاك منها قيصرٌ ... وكأنما هو في جوانب قصره ما ألبسته الراح ثوبا مذهبا ... إلا وقلده الحباب بدرّه وهذا مأخوذ من قول الناشىء، وقد تقدم. وما أحسن قول أبي فراس. أغمام ما يدريك كيف قتالنا ... والخيل تحت النقع كالأشباح نطفو ونرسب في الدماء كأننا ... صور الفوارس في كؤوس الراح ومما اتفق لي وفيه تورية: كؤوس المدام تحب الصفا ... فكن لتصاويرها مبطلا ودعها سواذج من نقشها ... فأحسن ما ذهّبت بالطّلا وقلت أيضاً مضمنا البيت المشهور، واهتدمت منه ما اهتدمت ليطابق المعنى الذي تخيلته: ومشمولةٍ قد هام كسرى بكأسها ... فأضحى ينادي وهو فيها مصوّر وقفت لشوقي من وراء زجاجةٍ ... إلى الراح من فرط الصابة أنظر وأما قول عنترة في الذباب، فقد زعم مشايخ الأدب أنه من التشبيهات العقم. وقد أخذه ابن الرومي فقال: وأذكى نسيم الروض ريعان ظله ... وغنّى مغنّي الطير فيه فرجّعا وغرد ربعيّ الذباب خلاله ... كما حثحثت النّدمان صنجا مشرّعا فكانت أرانين الذباب هناكم ... على شدوات الطير ضربا موقّعا وقال ابن عبدون: ساروا ومسك الدياجي غير منهوب ... وطرّرة الشرق غفلٌ دون تذهيب على ربى لم يزل شادي الذباب بها ... يلقي بآنق ملفوظٍ ومضروب وقد أخذه من قول المثقب العبدي يذكر الناقة: وتستمع الذباب إذا تغنّى ... كتغريد الحمام على الغصون وقول الأقيشر: وقد تقوم على رأسي منعّمةٌ ... لها إذا طربت من صوتها غنج فترفع الصوت أحيانا وتخفضه ... كما يطنّ ذباب الروضة الهزج وقد أخذ ابن عبدون قوله من قول الأخطل في وصف ثور وحشي. وهو: فردا يغنيّه ذبان الرياض ... كما غنّى الغواة بصنجٍ عند أسوار وقال أبو بكر بن سعد البطليوسي: كأنّ أهازيج الذباب أساقفٌ ... لها من أزاهير الرياض محاريب

стр. 48

ولم يجسر أحد على هذا المعنى قبل عنترة. غير أن ذا الرّمة نقل معنى الصفة إلى الجندب فقال: كأن رجليه رجلا مقطفٍ عجلٍ ... إذا تجاذب من برديه ترنيم وقال السلامي في زنبور وأحسن: ولابس لونٍ واحدٍ وهو طائرٌ ... ملونة أبراده وهو واقع أغرّ محشّى الطيلسان مديجٍ ... وسود المنايا في حشاه ودائع إذا حك أعلى رأسه فكأنما ... بسالفتيه من يديه جوامع بدا فارسي الزيّ يعقد خصره ... ومئزره التبري أصفر فاقع يرجّع ألحان الغريض ومعبدٍ ... ويسقي كؤوسا ملؤها السمّ ناقع قوله: إذا حك أعلى رأسه.. البيت، من قول مسلم بن الوليد: فغطّت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأساري أثقلتها الجوامع نقل السلامي هذا المعنى إلى الزنبور لما ولده من هنا، وشارك عنترة في الصفة مشاركة خفية. وكذا يكون التخيل الشعري الصحيح. وما أحلى قول بعض الشعراء: فعل الأديب إذا خلا بهمومه ... فعل الذباب يرنّ عند فراغه فتراه يفرك راحتيه ندامةً ... منه ويتبعها بلطم دماغه لم أورد هذه المقاطيع في الكأس المصورة والذباب وأكثرت منها إلا لأن هذا الموضع من محزات الأدب وغريب المعاني. ولعل هذا القدر ما اجتمع لأحد فيهما. وأما قوله بدون هذا يباع الحمار، أصل هذا المثل أن رجلا أراد أن يشتري حمارا من آخر يدعى أبا يسار، فجعل يصفه ويبالغ فيه إلى أن قال: تصيد به النعام معقولا فقال له: شاكه أبا يسار، بدون ذا ينفق الحمار. وشاكه معناه قارب أي لا تغل. قال: وكذلك ورد قوله. يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم فاسقني البكر التي اعتجرت ... بخمار الشيب في الرّحم وهذا معنى مخترع لم يسبق إليه، وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني التي تستخرج من غير شاهد حال مصورة. وساق حكاية جرت في حضرة الرشيد في استخراج معناه، وهي مشهورة. أقول: وأبو نواس ممن له المعاني التي ظاهرها سهل وباطنها مشكل في غاية الدقة، كقوله: أما ترى الشمس حلّت الحملا ... وطاب وزن الزمان واعتدلا وغنت الطير بعد عجمتها ... واستوفت الراح حولها كملا محل الإشكال فيه واستوفت الراح حولها. قالوا: من حين عصير الراح، إلى أن تحل الشمس الحمل ما يكون غير ستة أشهر أو ما حولها، فكونه يدعي أن الراح استوفت الحول كاملا غير صحيح، والحول اثنا عشر شهرا. الجواب من وجوه: أحدها وهو أقواها، أن الضمير في حولها لا يعود على الراح، وإنما يعود على الشمس. كأنه قال: واستوفت الراح حول الشمس كاملا. وثانيهما، أن المراد بالحول هنا إنما هو الغاية والتمام، والمعنى: استوفت الراح بلوغها وصلاحها لأن تستعمل وترشف. وفي هذه المدة ينتهي صلاح الخمرة، وكل شيء بلغ غاية تطلب منه، فقد استوفى حوله. كأنه من: حال عن هيئته إلى هيئة أخرى. وهذا الذي يفهم من كلامه. وكذا قوله: ظلت حميّا الكأس تبسطنا ... حتى تهتّك بيننا الستر في مجلسٍ ضحك السرور به ... عن ناجذيه، وحلّت الخمر ذكروا في هذا أربعة أوجه: أحدها أن طيب المكان وكمال السرور، أباح حرمتها على عادة الشعراء في مبالغاتهم ثانيها أن يكون آلى على نفسه أن لا يتناول الخمر إلا بعد اجتماعه بمحبوبه، فكان الاجتماع مخرجا من يمينه. كقول امرىء القيس: حلّت لي الخمر وكنت امرءا ... عن شربها في شغلٍ شاغل ثالثها يريد بحلت نزلت، من الحلول في المكان. رابعها: يريد أنهم استحلوها بدخولهم في السكر وذهول عقلهم وكنت وقفت بالديار المصرية على جزء فيه كلام لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب على قول الشاعر. بيضٌ مفارقنا تغلي مراجلنا ... نأسو بأموالنا آثار أيدينا وقد ذكر في قوله: بيض مفارقنا مئتي وجه وثلاثة أوجه، في احتمال معنى هاتين اللفظتين. وقد وجدت لأبي الحسن الطوسي الفقيه بيتين، يسأل عن معنى الثاني منهما: وهما: منّينني حينا فلما ... أن مللت من التمني عرّضن لي بالوصل حتى ... قلت قد، أعرضن عني

стр. 49

الإشكال فيه أنه كيف يعرضن له بالوصل، وهو يدعي أنهن أعرضن عنه. والمعرض لا يعرض بالوصل. والجواب: أن قد هنا بمعنى حسب، وذلك أحد مواردها. كقول أبي تمام: قدك اتّئب أربيت في الغلواء. أي: حسبك. والمعنى: منينني زمانا إلى أن مللت، ثم عرضن لي بالوصال حتى إذا قلت هذا حسبي، أعرضن عني. واتفق لي فيما قلت بيتان، ثانيهما مشكل، وهما: قال وقد أبصر دمعي دما ... هذا وما رعتك بالبين فقلت: لما فنيت أدمعي ... بكيت بالدمع بلا عين الإشكال في ذلك أنه: كيف يعترف بأن دموعه فنيت ونفدت، ثم يقول بعد ذلك: بكيت بالدمع بلا عين. وكيف يتفق البكاء بلا عين.؟ والجواب: أنه قال أولا إنه أبصره وقد بكى دما فأنكر عليه ذلك، فقال لما نفدت الدموع ولم يبق لي دمع، بكيت بالدم. والعين هنا إنما يراد بها أحد حروف الهجاء أخت العين المعجمة، لا العين التي هي الجارحة من الإنسان حاسة البصر، فإن الدمع إذا حذفت منه العين كان دما. هل يمكن إبداع معنى من معنى غير مبتدع قال: واعلم أنه قد يستخرج من المعنى الذي ليس بمبتدع معنى مبتدع فمن ذلك قول الشاعر المعروف بابن السراج في الفهد: تنافس الليل فيه والنهار معا ... فمقمّصاه بجلبابٍ من المقل وليس هذا من المعاني الغريبة، ولكنه تشبيه حسن واقع في موقعه، وقد جاء بعده شاعر من أهل الموصل يقال له ابن مسنهر، فاستخرج من هذا البيت معنى غريبا فقال: ونقّطته حباءً كي يسالمها ... من المنايا نعاج الرمل بالحدق أقول: أول أبيات ابن السراج: شثن البراثن في فيه وفي يده ... ما للقواضب والعسّالة الذبل والشمس مذ لقبوا بالغزالة لم ... تطلع لخيفته إلا على وجل وما أدري معنى قوله: استخرج منه معنى غريبا: أي غريب أتى به الثاني؟ والمعنى الغريب هو أن بياض الفهد وسواده يشبه العيون. هذا هو روح هذا المعنى، وأما أن الليل والنهار تنافسا فيه، وأن النعاج سالمته ونقطته، ليس بكثير أمر. أما انتزاع معنى غريب من معنى آخر، فكقول مسلم بن الوليد: تظلّم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاّما انتزعه من قول أبي نواس: بحّ صوت المال مما ... منك يدعو ويصيح فقول مسلم أفصح ومعناه أبلغ. وقد اتفقت لي انتزاعات معان من معان هي دونها غريبة. من ذلك قول بيليك القبجاقي المعري في الأترج. وأترجّةٍ جاءت إليك هديةً ... فشبهت منها الريح ريح حبيب إذا نظرت عيني إليها تمثلت ... بكف مريضٍ مدها لحبيب انتزعت منه معنى آخر فقلت: أيا حسن أترجٍ يلوح لناظري ... عليه من الأوراق خضر الغلائل حكى مستهاما غيّر البين حاله ... وقد عدّ أيام الجفا بالأنامل ومن ذلك قول شهاب الدين التلعفري: جريت بحمراء الكميت إلى الشقرا ... مفر الهوى طيبا وأعرضت عن مقرا انتزعت منه معنى آخر فقلت: وحمراء لمّا ترشفتها ... جنيت المسرّة فيما جنيت ونلت المسرات دون الورى ... لأني سبقتهم بالكميت ومن ذلك قول مهيار الديلمي: هل السابق العجلان يملك أمره ... فما كل سير اليعملات وخيد رويدا بأخفاف المطايا فإنما ... تداس جباهٌ في الثرى وخدود انتزعت منه معنى آخر فقلت: أضحى نسيم دمشق حياها الحيا ... يمشي الهوينا في ظلال حماها وكأنه من مائها وهضابها ... ما داس إلا أعينا وجباها ومن ذلك قول ابن التلمساني: ساقٍ يريني قلبه قسوةً ... وكلّ ساقٍ قلبه قاس انتزعت منه معنى آخر فقلت: قلب الدنّ من أحبّ فأضحت ... نفحة الندّ من حميّاه تهدى قال لي اعجب فقلت غير عجيبٍ ... كلّ دنٍ قلبته كان ندّا ومن أحسن ما وقفت عليه في الفهد قول القائل: ومتصفٍ بالفتك عند اكتسابه ... على ظفره شبه الدماء ونابه كأنّ مهاة الفلك لما انتهى به ... مداه إلى سرب المها وانتهابه

стр. 50

رمته بشهب الجو خوف انتقامه ... فأطفأها في عسجدٍ من إهابه مناقشة نموذج من إنشاء ابن الأثير قال: ومما ذكرته في فصل من كتاب منازلة بلد، فذكرت القتال بالمنجنيق فقلت: فنزلنا بمرأى منه ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع، ونصبت المنجنيقات فأنشأت سحبا صعبة القياد، مختصة بالربا دون الوهاد. فلم تزل تقذف جلامد السور بوبل من جلمودها، وتفجؤه برعودها قبل بروقها وبروق السحب قبل رعودها، حتى غادرت الحزن منه سهلا، والعامر بلقعا محلا. وفي هذا معنيان غريبان: أحدهما أن هذه السحب تخص الربا دون الوهاد، والآخر أن رعودها قبل بروقها. أقول: ما أدري معنى قوله في تشبيه الغبار بأنه سحب صعبة القياد ما هو؟ وكونه ادعى أن تخصيص السحب بالربا دون الوهاد أمر غريب. في هذا تعسف، وبعض السحب تسقي الوهاد دون الربا، وبعضها بالعكس، هذا أمر محسوس. فهي إذا سقت الربا وجفت الوهاد، كانت بالربا مخصوصة وبالعكس. وما أحسن قول أبي العلاء المعري: ولو أن السحاب همى بعقل ... لما أروى مع النخل القتادا ولو أعطى على قدر المعالي ... سقى الهضبات واجتنب الوهادا وكذا دعواه في أن البروق في السحب قبل الرعود أمر غير لازم، فإن البروق قد ترى بعد الرعود وإن كانت في الغالب تكون قبل. ولا بأس بإيراد شيء من كلام القاضي الفاضل رحمه الله تعالى هنا في ذكر المنجنيق. فمن ذلك: وكتب الخادم والمنجنيقات قد سكنت سبابتها المسلمة، وكان عدم التسليم لموادعة البلد المستسلمة. ومنه: والحصار مستمر على صفد وقد نصب عليها من المنجنيقات غلاظا شدادا جامعة لأوصاف الزبانية، ونحن في الليل والنهار لا نسمع إلا الواحدة والثانية، والله ينجح الثالثة في عبدة الثلاثة، والبلدة عقدة وسعادة السلطان نفاثات في العقد، ما أصغى إلى الآن للمنجنيق عطفها، ولا رغم من البروج أنفها. ومن ذلك: فما خطفوا الخطفة حتى اتبعهم شهاب ثاقب، ولا قذفوا أنفسهم في الخندق حتى قذفتهم السيوف من كل جانب، ولا أقدموا على سماء المنجنيقات لأنها قد زينت من المقاتلة بزينة الكواكب. ومن ذلك: بعد نصب منجنيقات ترمي بأحجار متناوبة النوائب، وإذا اتبعتها الحبال مودعة خيلت أنها كواكب ذوات نوائب، وبعد أن حذرهم خطاب الخطوب من اللجاج، وبعد أن هزت النقوب أعطاف الجدران وتساقط ثمر الأبراج. ومن ذلك: وأنا نازل على عين يصم السمع هديرها، فوق جبال يقمر العين صبيرها، تحت سماء قد رابني منها الغداة سفورها، أمامي قتال يدير كأس المنون فيها مديرها، وورائي حجار المنجنيقات التي إذا رأت نقطها حروف البروج محيت سطورها. ومن ذلك: وجثا المنجنيق يحاكمها، ولسان حبله يخاصمها، والخادم تحت المنجنيق الإسلامي يعرض الوجه لمنجنيق الفرنج، وينقل قطع الستائر نقل قطع الشطرنج، حيث التراس بياذق والجفاتي رخاخ، وحيث القلاع صيد والحجارة حب والمنجنيقات فخاخ. ومن ذلك: وضايقوا عكا بأبراج خشبية ضربت مع الأبراج الحجرية المصاف، وتقدموا بمنجنيقات محاربة لله ورسوله فقطعت أيديها وأرجلها من خلاف. ومن ذلك: وفي الثغرب مجانيق لا يعطل راتبها، ولا يرصد ضاربها، أكبرها ما قتل المقاتل شدخا، وأيسرها ما جعل بيذق الهام رخا. ومن ذلك: وقد كنا نزلنا على هذه المدينة فأردنا توقير ثغرها، وتوفيرها عن نقبها وثغرها، فلم كان ثاني يوم الأضحى وقد بلغ منا الصبر إلى غاية من لا لوم عليه في التقرب بنحرها، وقضى بأن يتل تلها للجبين، وأن لا يأخذها بالأمان بل يأخذها باليمين، فأضجعتها المجانيق وذبحتها النقوب، وجرت منها دماء في الحال أوجبت من أبرجتها الجنوب. ومن إنشاء شيخنا القاضي شهاب الدين محمود ﵀ من قصيدة نظمها في فتح المرقب: وأمطرتها المجانيق التي نشأت ... ولم يكن قبلها يهمي به المطر وكان للكسر منها كلما صنعوا ... من جنسها ولأيدي الهدم ما عمروا كأنها ومجانيق الفرنج لها ... فرائس الأسد إذ أظفارها الظفر وكم شكى الحصن ما يلقى فما اكترثت ... يا قلبها أحديدٌ أنت أم حجر ومن كتاب كتبه القاضي تاج الدين أحمد بن الأثير في هذا الفتح أيضاً:

стр. 51

والمنجنيقات تفوق إليهم سهام قسيها، ويخيل إليهم ساعية إليهم بحبالها وعصيها، وهي في الحصون من ألد الخصوم، وإذا أمت حصنا حكم بأنه ليس بإمام معصوم، ومتى امترى خلق في آلات الفتوح لم يكن فيها أحد من الممترين، وإذا نزلت بساحة قوم فساء صباح المنذرين، تدعى إلى الوغى فتكلم، وما أقيمت صلاة حرب عند حصن إلا كان ذلك الحصن ممن يسجد ويسلم. قال ابن الساعاتي: ومتى يحاول بلدةً لم يثنه ... حشد الجيوش بها ولا بعد المدى هتمت مجانقه ثنايا سورها ... فرأيت ذاك الثغر ثغرا أدردا نماذج من إنشاء ابن الأثير يدعي فيها التقدم قال: ومن ذلك ما وصفت فيه نزول العدو على حصار بلد من بلاد المكتوب عنه وكان ذلك في زمن الشتاء، فسقط على العدو ثلج كثير صار به محصورا. فقلت: وقد عاجلته قتال البروق قبل البيارق، وأحاط به الثلج فصار خنادق تحول بينه وبين الخنادق. والشتاء قد لقي عسكره من البرد بعسكره، والسماء قد قابلته بأغبر وجهها لا بأخضره، والأرض كأنها قرصة النفي وعسى أن تكون أرض محشره ثم أخذ في ذكر اختراع المعنى من الحديث النبوي وهو إنكم تحشرون على أرض بيضاء كفرصة النقي يريد: الخبزة البيضاء. ودندن لذلك وطنطن. أقول: العجب منه كونه يدون هذه الأشياء ويجمعها ويوردها، ويخطب عقيب كل واحدة منها خطبة لنفسه، يدعي فيها أن البلاغة في غيره مجاز وفي كلامه حقيقة، وأنه جاء بعقود الدرر وجاء غيره بجزعة ولا يرضى أن يقول بعقيقة. وقد أوردت كتابا للقاضي الفاضل فيما تقدم أصدره من بعرين، ذكر فيه الأمطار والثلوج والخيام وأتي فيه بمحاسن ما لابن الأثير بها يدان، ولا يدور على قطبها لكاتب فرقدان. ومن كلام القاضي الفاضل: فأما الثلوج التي وصلها ذلك البيان فأججها، بل أهداها إلى الصدور التي هي بيوت نار الشوق فأثلجها. فقد تمثلت البلاد وكأنما نشر المولى عليها عرضه، وسرني أن سر ذلك الفضاء فضه، وأراني النجوم في هذه السنة وقد ناصحت في خصبها فنزلت بأنفسها، وبرزت ظاهرة في النهار بجواريها وخنسها، وأجدر بها أن تكون سنةً تغسل وضر الكفر بصابون ثلجها، وتبشر العزمة الناصرية من هذه الرغوة بما تحتها من صريح فلجها. ومن ذلك: وإن يكشف الله قناع الشك، تكن أحق منزلة بالترك، فلن ترى إلا محشر الحشرات بل محسر الحسرات، يومها بالهم والثلج أبلق، والمنفق فيها يقلب كفيه على ما أنفق. ومن رسالة كتبها القاضي محيي الدين بن قرناص إلى القاضي تاج الدين ابن الأثير: وعندما سطرها متهجما، كان وجه الأفق بالغيم متجهما، وثغر حماة بالثلج متبسما، وقد ظهر عليها السكون، حيث شابت منها القرون، وكان المملوك مشرفا على مكان أحيط بثمر، والدوح يقلب كفيه على ما أنفق من عمره، وقد تزهد فتجرد من حرير أوراقه ولبس قطن زهره، فلا ترى إلا أشجارا قائمة على أصولها وكروما خاوية العروش، وسقيط ثلج كالفراش المبثوث وجبال غيوم كالعهن المنفوش. ومن جواب القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر عن هذه الرسالة: وكان توجهنا إذ ذاك حين اكتست الجبال بالثلوج، وأحاطت بنا الأنواء من كل جانب إحاطة ما لها من فروج، بفصل فتحت فيه السماء أبوابها بما ليس لجمله عن تلك المواطن فصول، ولا لخضاب الجليد الدابغ أديم الثرى المتجلد من نصول. فعدنا إلى جهة حمص وإن لم يعجبنا العام، وقلنا كل ذلك مغتفر في جنب ما أشارته مصلحة الإسلام، الشاملة منهم للخاص والعام، واستقبلنا تلك النواحي المتناوحة، والمنازل المتنائية على المراحل المتنازحة، برقة جلود تتجالد على الجليد، وأوجه تواجه من تلك الظهور ما ورود حياض المنون به إليها أقرب من حبل الوريد، كم التفت الشمس بقارا من قرها بفروة سنجاب من الغمام، وكم غمضت عينها عمن لم تطعم جفونه بتهويم ولا تطمع بمنام، وكم سبك الزمهرير فضة ثلوجها فصحت عند السبك، وكم خبر من امرىء القيس أنشد عند النبك قفا نبك. هذا والزميتا قد مدت على البلاد والعباد ملاءتها الرحيضة، وأضحت بها الأنفس قتيلة لا مريضة، كأنها وخط المشيب على المفارق، أو رمل أبيض قد ذر على سطور تلك المهارق. وللقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى في القطيفة عدة مفاطيع يصف بردها. منها قوله: هذي القطيّفة الّتي ... لا تشتهى عقلا ونقلا

стр. 52

خشيت ببردٍ يابسٍ ... فلأجل ذاك الحشو تقلى وقوله أيضاً: على ذم القطيّفة اجتمعنا ... وإن حشيت ببردٍ قد تكرر وقد أضحى عليها للزميتا ... بياضٌ مثلما قد ذرّ سكّر ولم يكن المكفّن غير شخصٍ ... يكون إلى نواحيها مسيّر وأبيات شهاب الدين الشاغوري مشهورة في الثلج. وهي: قد أخمد الجمر في كانون حين قدح ... وأجمد الخمر في كانون كل قدح يا جبة الزبداني أنت مسفرةٌ ... عن حسن وجهٍ إذا وجه الزمان كلح فالثلج قطنٌ عليك السحب تندفه ... والجو يحلجه والقوس قوس قزح ومن هذا قول أبي الفضل الكاتب: وأطربنا غيمٌ يمازح شمسه ... فتستر طورا بالسحاب وتكسف ترى قزحا في الجو يفتح قوسه ... مكبا على قطنٍ من الثلج يندف قيل إن الثلج وقع مرة في بغداد، فقال بعض شعراء ذلك العصر: يا صدور العراق لم نر ثلجا ... قبلها حلّ في نواحي العراق إنما عمّ ظلمكم سائر النا ... س فشابت ذوائب الآفاق ومما اتفق لي في ذلك: تبا لها من بلدةٍ لا أرى ... فيها مقامي واضح النهج لأنّها في وجه سكانها ... وأهلها تبصق بالثلج الحسن في أبيات ابن بقي بأبي غزال غازلته مقلتي قال وقد أورد في محاسن المعاني قول القائل: بأبي غزالٌ غازلته مقلتي ... بين العذيب وبين شطّي بارقٍ ... الأبيات. وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى، ولقد خفت معانيه على القلوب حتى كادت ترقص رقصا، والبيت الأخير هو الموصوف بالإبداع، وبه وبأمثاله أقرت الأبصار بفضل الأسماع.... أقول: هذه الأبيات لابن بقي، وأوردها ابن الأبار في تحفة القادم ثم قال: وقد نسب بعض أهل عصرنا ابن بقي إلى الجفاء في قوله: أبعدته عن مهجة تشتاقه ... ولو قال: أبعدت عنه أضالعا تشتاقه، لكان أحسن. ثم أورد بعد ذلك لأبي الحكم جعفر بن يحيى بن عتال الداني: حبّك لذّ بكل معنى ... إلى كرى ملت أو سهاد إن كان لا بد من رقادٍ ... فأضلعي هاك عن وساد ونم على خفقها هدوّا ... كالطفل في نهنه المهاد ولما وقفت أنا على ما ذكره ابن الأبار من الإيراد على ابن بقي، وأبيات ابن العتال خطر لي أن يكون ذلك نظما. فنظمت ذلك على روي ابن بقي ووزنه: أبعدته من بعد ما زحزحته ... ما أنت عند ذوي الغرام بعاشق هذا يدل الناس منك على الجفا ... إذ ليس هذا فعل صبٍ وامق إن شئت قل أبعدت عنه أضالعي ... ليكون فعل المستهام الصادق أو قل فبات على اضطراب جوانحي ... كالطفل مضطجعا بمهد خافق فانظر إلى ما استحسنه ومدحه وفضله كيف أورد الناس عليه وعابوه، ولعمري إنه نقد حسن ومأخذ دقيق وإيراد متوجه. وأما خفق الفؤاد واضطرابه من المحب، فللمتأخرين فيه مقاصد لطيفة المغزى. من ذلك قول الحظيري الوراق: يقول لي حين وافى ... قد نلت ما ترتجيه فما لقلبك قد جا ... ء خفقه يعتريه فقلت وصلك عرسٌ ... والقلب يرقص فيه وقول.... لا تنكروا خفقان قلبٍ ... جاء الحبيب إليه زائر ما تلك إلا داره ... دقت له فيها بشائر وقول ابن سناء الملك: أما والله لولا خوف سخطك ... لهان عليّ ما ألقى برهطك ملكت الخافقين فتهت عجبا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك وقول أبي الوليد بن الجنان الشاطبي: وأبيك لم يخفق جناني إنما ... طربا بأيام العقيق يصفّق لا يدّعي فيه الفؤاد خفوقه ... فوشاح من أهوى لعمري أخفق وقول الآخر: ملك القرط والفؤاد فحقا ... إن تسمّى بمالك الخافقين واحد الحسن في الورى ثاني الغص ... ن إذا ماس ثالث القمرين وقول البدر يوسف بن لولو الذهبي: وأحوى فاتر الأجفان ألمى ... رشيقٍ قده رخص البنان

стр. 53

تملّك قرطه والقلب مني ... فصار له بذاك الخافقان وقول ابن سناء الملك من مرثية: أوسعت فيك الدهر عتبا مؤلما ... فأجابني بالبهت والبهتان قلبي يحاسبه على إجرامه ... ويعدها بأنامل الخفقان وما أحسن قول القاضي الفاضل أيضا: وقد خفقت راياته فكأنها ... أنامل في عمر العدو تحاسبه وقول معين الدين بن تولوا: لم أنسه إذ قال أين تحلّني ... حذرا عليّ من الخيال الطارق فأجبته: قلبي فقال تعجبا: ... أرأيت عمرك ساكنا في خافق وهو مأخوذ من قول: وسكنت قلبا خافقا ... يا ساكنا في غير ساكن وما أحسن قول السراج الوراق: يا ساكنا قلبي ذكرتك قبله ... أرأيت قبلي من بدا بالساكن وجعلته وقفا عليك وقد غدا ... متحركا بخلاف قلب الآمن وقول شمس الدين محمد بن التلمساني: يا ساكنا قلبي المعنّى ... وليس فيه سواه ثان لأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان هذا المعنى، رأيت جماعة من أهل العصر قد لهجوا به واستحسنوه، وهو فاسد، وذلك أن القلب وعاء للساكنين، والظرف غير المظروف، والقاعدة ان الساكنين إذا التقيا كسر الثاني منهما، وإذا كسر قلبه فليس بعجيب لأنه غير الساكنين وليس واحدا منهما، فما لإنكاره عليه معنى، فتأمل ذلك يظهر فساده. ومن معنى قول معين الدين بن تولوا قول ابن سناء الملك، ولكنه سلك به مسكا آخر حيث قال: من كل محتكم الأجفان يخرجنا ... من أرض سلوتنا في الحب ساحره يأوي إلى خافق القلب الشجيّ به ... فاعجب لمن وكره في الحب طائره وقوله: يا طائر الحسن الذي وكره ... قد حلّ من قلبي في طائر وقوله أيضا: وطائر حسنٍ طار قلبي بحسنه ... فيا عجبا من طائرٍ وكر طائر ومن هذا قول ابن قلاقس وقد وصف المركب: ونحن في منزلٍ يسري بساكنه ... فاسمع حديث مقيمٍ بيته غاد ومما قلته في خفقان القلب: لما رقدت أتى خيالك بغتةً ... فغدا فؤادي خافقا يتموّج لو أنّ صحبي شاهدوني في الكرى ... والقلب يرقص في الخيال تفرجوا ومن قولي أيضا: حسبي الذي ألقاه فيك من الجفا ... وعلى الصحيح فبعض ذاك كفاني فانظر إلى قلبي إذا قابلته ... يا غصن كيف يطير بالخفقان أحسن ما قيل في الخمر وكأسها قال: وكذلك جاء قول بعض المغاربة في الخمر وكأسها، وهو: ثقلت زجاجاتٌ أتتنا فرّغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح خفّت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخفّ بالأرواح وهذا معنى مبتدع، أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر سكرا، ويرق كما رقت لطفا ويفوح كما فاحت نشرا. أقول: هما لأبي علي إدريس اليماني، وأصل المعنى لابن المعتز حيث قال: وزنّا الكأس فارغةً وملأى ... فكان الوزن بينهما سواء ولكنه زاده مبالغة، وهي أن الكؤوس استفادت بالخمر خفة، ثم إنه أراد لذلك مثالا في الخارج فلم يجده إلا في الروح والجسم. ومثل هذا قول الخوارزمي: رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا ... لزاما وإن أعسرت زرت لماما فما أنت إلا البدر إن قلّ ضوءه ... أغبّ وإن زاد الضياء أقاما أخذ المعنى في الأصل من قول إبراهيم بن العباس الصولي في ابن الزيات: يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا ولما أراد أن يضرب لذلك مثالاُ في الخارج، لم يجده إلا في القمر وضوئه. وهكذا حال إدريس اليماني مع ابن المعتز. ولابن حميدس هذا المعنى بعينه، فإنه قال: وكاس نشوان فيها الشمس بازغةٌ ... باتت تديم إلى الإصباح لثم فمه تخفّ ملأى وتعطي الثقل فارغةً ... كالجسم عند وجود الروح أو عدمه وقال أيضاً: جسامٌ تجمّع شربه لذاتنا ... وعقولنا بالسكر منه تبدّد ويخف ملآنا ويثقل فارغا ... كالجسم يعدم روحه أو يوجد

стр. 54

على أن ابن حمديس أتى بالمعنى كاملا في بيت واحد، وإدريس اليماني إنما أتى به في بيتين. ولكن نظم إدريس أعلق بالقلب، وأوقع في النفس، وأعذب في السمع. وقريب من هذا المعنى قول أبي العلاء المعري في اللزوميات: لم يكن الدنّ غير نكرٍ ... سلافة الراح عرّفته كآدمٍ صيغ من ترابٍ ... ونفخة الروح شرفته وكلاهما تسلق على هذا المعنى، ونقله إلى الثقل والخفة، وإلا فهو هو. وعلى ذكر الخفة في الخمر والطيران، فما أحلى قول أبي الحسين الفكيك: بكرٌ خطابٌ إذا ما الماء خالطها ... أبدت لنا زبدا في سورة الغضب كادت تطير نفارا حين واقعها ... لولا شبابيك ما صاغت من الحبب نماذج من إنشاء ابن الأثير يدعي فيها السمو قال: وقد جاءني في الكلام المنثور شيء من هذا الضرب، وسأذكر ههنا منه نبذة. فمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة فقلت: ألبس من الحسن أنضر لباس، وخلق من طينة غير طينة الناس، وكما زاد حسنا فكذلك زاد طيبا، واتفقت فيه الأهواء حتى صار إلى كل قلب حبيبا، فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، ولو مر على اللينوفر ليلا لتفتحت أحداقه. أقول: أي غريب في هذه المعاني، وأي إبداع حتى يثبته ويتعجب له ويروقه. أما الأول فمأخوذ من قول: ربيب ملكٍ كأنّ الله صوّره ... مسكا، وقدّر إنشاء الورى طينا ولا يخفى أن هذا أمدح وأحسن. وأما الثاني، فمأخوذ من قول البحتري: أفرغت في الزجاج من كل قلبٍ ... فهي محبوبةٌ إلى كل نفس وقول ابن لنكك. عصرت من دم القلوب فما تب ... صر إلا تعلقت بالقلوب وأما قوله فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، فأي مزية لهذا الموصوف بهذه الصفة والورد ما زال عطرا، سواء صافحه زنجي أو غيره، وهذا من باب تحصيل الحاصل. ولو قال: فلو صافح الأثل تضوع منه نشر البان، ولو مر على اللينوفر في الليل لأيقظ طرفه الوسنان لكان أحسن. فإن الورد لو صافحه أبو الأسود الدؤلي أبو عبد الملك بن مروان، لكان طيب العرف، والمدح إنما يكون بأن الإنسان يكسب الطيب ما ليس له طيب ويفيد الحسن ما لم يكن معروفا بحسن. ألا ترى أنهم عابوا على كثير عزة قوله: وما روضةٌ بالحزن طيبة الثرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها بأطيب من أردان عزة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها وقيل له: لو كانت هذه أمة زنجية ووقود نارها مندل رطب، لطاب ريحها وتعطر ردنها. وهلا قلت كما قال امرؤ القيس. ألم تر أني كلما جئت طارقا ... وجدت لها طيبا وإن لم تطيّب ولهذا استحسنوا قول القائل: وريحها أطيب من طيبها ... والطيب فيه المسك والعنبر فانظر إلى هذا الشاعر لما أثبت أنها تتطيب جعل ريحها أطيب منه. وبالغ بشار بن برد في قوله: وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب الطيب على ريح البصل لكن هجن هذا المعنى بذكر البصل. ويحكى أن بعض الشيعة أنشد أبا مجالد قول السيد الحميري: أقسم بالله وآياته ... والمرء عمّا قال مسؤول أنّ عليّ بن أبي طالبٍ ... على الهدى والبر مجبول ذاك الذي سلّم في ليلةٍ ... عليه ميكالٌ وجبريل ميكال في ألفٍ وجبريل في ... ألفٍ ويتلوهم سرافيل في يوم بدرٍ بددا كلهم ... كأنهم طيرٌ أبابيل فقال له أبو مجالد: يا هذا إن الشاعر لم يمدح صاحبك، وإنما هجاه في موضعين أحدهما أنه زعم أن عليا كرم الله وجهه مجبول على البر والهدى، ومن جبل على أمر لم يمدح عليه، لأنه لم يكسبه بسعيه. وثانيهما أنه ادعى أن أيد في حروبه بالملائكة، ولا فضيله له حينئذ في الظفر، لأن أبا حية النميري لو أيد بهؤلاء لقهر الأعداء. ذكر ذلك أبو عمر الزاهد في كتاب الياقوته فثبت بمثل هذا أن لا مدح في قوله: لو صافح الورد لتعطرت أوراقه. ويؤيد هذا أنه تنبه لهذا في السجعة الثانية فقال: ولو مر على اللينوفر ليلا لتفتحت أحداقه فاحترز بالليل لأنه في النهار يكون مفتوح الأوراق. ومن طريف ما جاء للشعراء في اللينوفر قول الخبز أرزي:

стр. 55

خاف الملال إذا طالت إقامته ... فصار يظهر أحيانا ويحتجب كأنه حين يبدو من مطالعه ... صبٌ يقبّل حبّا وهو يرتقب وذكرت هنا قول بعض المتأخرين في زر ورد. سبقت إليك من الحدائق وردةٌ ... وأتتك قبل أوانها تطفيلا طمعت بلثمك إذ رأتك فجمّعت ... فمها إليك كطالبٍ تقبيلا وهذا من محاسن التضمين الذي نقل عن أصله، لأن المتنبي قال في الناقة من جملة قصيدته: ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالبٍ تقبيلا على أنه أخذه من ابن بابك، وإنما حسن ذلك التضمين. فإن ابن بابك قال: وافى الشتاء فبز النور بهجته ... فعل المشيب بشعر الّلمّة الرّجل وردٌ تفتح ثم ارتدّ مجتمعا ... كما تجمّعت الأفواه للقبل وما أحسن قول مجير الدين محمد بن تميم في اللينوفر: غدا اللينوفر المصفرّ يحكي ... النّجوم فلا يغادرها شبيها تغوص العين فيه إذا تجلّى ... النّهار وفي الظلام يغوص فيها وقد استخدم العين هنا في معنين: أولهما العين الباصرة، والثاني العين الجارية وقول ابن حمديس الصقلي: اشرب على بركة لينوفرٍ ... مصفرة الأوراق خضراء كأنما أزهارها أخرجت ... ألسنة النار من الماء وما ألطف قول التنوخي من جملة أبيات: ألف المياه مشاكلا بلطافةٍ ... حتى يفارق شكله لم يصبر فيقوم طورا ثم يرفع رأسه ... بتخنّثٍ وتأودٍ وتكسّر وكأنه في الماء صاحب مذهبٍ ... أغراه وسواسٌ بأن لم يطهر وقول الآخر: كأن لينوفرها عاشقٌ ... نهاره يرقب وجه الحبيب حتى إذا الليل بدا سجفه ... وانصرف المحبوب نحو الكئيب غمّض عينيه عسى أن يرى ... في النوم من فاز به عن قريب وبالغ الآخر في الظرف حين قال: وكأنه إذ غاب وقت مسائه ... في الماء واحتجبت نضارة قده صبٌّ يهدده الحبيب بهجره ... ظلما فغرّق نفسه من وجده وقال الوجيه ابن الذروي يهجو اللينوفر المصري: ولينوفرٍ أبدى لنا باطنا له ... مع الظاهر المخضر جمرة عندم فشبهته لما قصدت هجاءه ... بكاسات حجّامٍ بها لوثة الدم نموذج من إنشاء ابن الأثير في ذم الشيب يدعي فيه الإبداع قال: ومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب فقلت: والشيب إعدام لا يسار، وظلم لا أنوان، وهو الموت الأول الذي يصلي نارا من الهم أشد وقودا من النار، ولئن قال قوم إنه جلالة فإنهم دقوا به وما جلوا، وأفتوا في وصفه بغير علم فضلوا وأضلوا، وما أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا. ون عجائب شأنه أنه المملول الذي يشفق من بعده، والخلق الذي يكره نزع بدره، ولما فقد الشباب كان عنه عوضا ولا عوض عنه في فقده. أقول: إنه أخذ بعد فراغه من هذا الفصل في الدندنة على العادة، وأن المعنى الذي ابتدعه هو تشبيه الشيب بآلة الحرث، وقد شبه الناس الشيب بأشياء منها اشتعال النار، وقد نطق القرآن العظيم به في قوله تعالى " واشتعل الرأس شيبا ". وقال الأرجاني: قد أشعل الشيب رأسي المبلا عجلا ... والشمع عند اشتعال الرأس ينسبك فإن يكن راعها من لونه يققٌ ... فطالما راقها من لونه حلك ومنها تشبيه بالصبح، قال: وقالوا انتبه من رقدة اللهو والصبا ... فقد لاح صبحٌ في دجاك عجيب فقلت: أخلاّني دعوني ولذّتي ... فإن الكرى عند الصباح يطيب ومنها تشبيهه بالنجوم، قال:.... ومنها تشبيهه بالتبسم. قال أبو تمام: رأت تبسّمه فاهتاج هائجها ... وقال لاعجها للعبرة انسكبي فلا يؤرّقك إيماض القتير به ... فإنّ ذاك ابتسام الرأي والأدب ومنها تشبيهه بالحبب. قال.... ومنها تشبيهه بالغبار قال ابن المعتز: صدّت شرير وأزمعت هجري ... وضعت ضمائرها إلى الغدر قالت كبت وشبت قلت لها ... هذا غبار وقائع الدهر

стр. 56

ومنها تشبيهه بالسيف، قال: أنا إن نزعت عن الغواية والصبا ... فلطالما استهوتني الآثام أصبو سيفٌ للمشيب مجرّدٌ ... وقلت نورٌ بدا على قضبه ومنها تشبيهه بالزهر. قال الغزي: تألق الشيب فاعتذرت له ... وقلت نورٌ بدا على قضبه كأن ثغر الحبيب ركّب في ... مفارقي ما أضاء من شنبه ومنها تشبيهه بالبوم والقطاة كقول الشافعي ﵁ في أبياته التي منها: أيا بومةً قد عششت فوق هامتي ... على الرغم مني حين طار غرابها وقال الغزي: قطاةً في الهداية كان شيبي ... وإن سمّته نقبته غرابا وشبهه السراج الوارق بالقرطم، وإنما حسن ذلك لأنه رحمه الله تعالى كان أشقر. فقال. ذهب العصفر مني ... وبدا قرطم شيبي والتي قد ملكت رق ... بي ردّتني بعيبي وقيل لأعرابي عن الشيب: ما هذا البياض الذي في رأسك؟ فقال زبدة مخضتها الأيام وفضة سبكتها التجارب. وما أحسن قول القاضي الفاضل ﵀. إليك بعد انقضاء اللهو واللعب ... عني فلم أر بي ما يقتضي أربي والعمر كالكأس والأيام تمزجه ... والشيب فيه قذىً في موضع الحبب وشبه بأشياء مناسبة غير هذه، ولم أر لأحد تشبيهه بآلة الحرث، وأي مناسبة بين آلة الحرث والشيب وما وجه الشبه وليس هذا من باب تشبيه المحسوس بالمحسوس، ولا من باب المحسوس بالمعقول، وما أدري ما هو، وأما تشبيه الهرم بالحرث نفسه فجائز وأما قوله اعدام لا يسار، فمأخوذ من قول المتنبي: وقد أراني الشباب الروح في بدني ... وقد أراني المشيب الروح في بدلي وأما قوله ظلام لا أنوار، فمأخوذ من قول أبي تمام: له منظرٌ في العين أبيض ناصعٌ ... ولكنه في القلب أسود أسفع وقول أبي الطيب: ابعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم وما أحسن قول الغزي: كيف لا ينفر الظباء من الشي ... ب ومن عادة الظباء النفور أبيضٌ مظلمٌ وكل بياضٍ ... في سوى العين والمفارق نور وأما قوله: وهو الموت الأول.. السجعة، قال محمود الوراق: الشيب إحدى الميتتين. وقال غيره: الشيب غمام قطر الغموم. وأما قوله: ولئن قال قوم إنه جلالة.. السجعة، فذكرت به قول بعض المتأخرين: وقالوا شباب المرء لهوٌ وغرّةٌ ... ومن خلفه شيب الوقار ولا ريب وأي وقارٍ لامرىءٍ عرّي الصبا ... وقدّامه شيبٌ ومن خلفه شيب وأما قوله: وهو المملول الذي يشفق من بعده، فمأخوذ من قول مسلم ابن الوليد وقول مسلم في غاية الحسن: الشيب كرهٌ وكره أن يفارقني ... اعجب بشيءٍ على البغضاء مودود يمضي الشباب فيأتي بعده بدلٌ ... والشيب يذهب مفقودا بمفقود قيل: إن المنذر بن أبي سبرة نظر إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع فقال له: ما أصبرك على هذا القميص؟ فقال: رب مملول لا يستطاع فراقه. فبعث إليه تختا من ثياب. ونظر سليمان بن وهب في المرآة فرأى الشيب فقال: عيب لا عدمناه وقد جاء في ترسل الفاضل ذكر الشيب فقال: فمن يطلع شرف السبعين يهبط إلى الحضيض، ومن يعمر العمر الطويل يقع في الطويل العريض وأيام المشيب كلها بيض، وما نحن ممن يصوم الأيام البيض. وما ألطف قول ابن المعتز: أيا نفس قد أثقلتني بذنوبي ... أيا نفس كفي عن هواك وتوبي وكيف التصابي بعد أن ذهب الصبا ... وقد ملّ مقراضي عتاب مشيبي وما أحلى قول: ألا يا ساريا في بطن قفرٍ ... ليقطع في الفلا وعرا وسهلا قطعت نقا المشيب وبنت عنه ... وما بعد النقا إلا المصلّى ولبعض الشعراء: ولما رأيت الشيب راءً بعارضي ... تيقنت أنّ الوصل لي منك واصل ربما يفهم من هذا البيت غير ما قصده الناظم، فيتوهم أنه يظن أن الشيب سبب لوصاله وهو على خلاف المعهود من كلام الشعراء، فإنهم ما زالوا يقولون إن الشيب سبب نفار الغواني عن المحبين. وما أحسن قول خالد الكاتب في هذا:

стр. 57

لما رأت شيبا ألمّ بمفرقي ... صدّت صدود مفارقٍ متجمّل وجعلت أطلب وصلها بتذللٍ ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي والشاعر إنما أراد هذا المعنى المعهود، فإن واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة، كان يلثغ في الراء لثغة قبيحة، وكان يتجنب الراء في كلامه، ولا تكاد تسمع منه كلمة فيها راء ويقال إنه امتحن ليقرأ أول سورة براءة فقرأ من غير فكر ولا روية: عهد من الله ونبيه إلى الذين عاهدتم من الفاسقي، فسيحوا في البسيطة هلالين هلالين. وبلغه أن بشار بن برد هجاه، فقال غير مفكر: أما آن لهذا الأعمى الملحد المكنى بأبي معاذ من يقتله. أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضطجعه ثم لا يكون إلا سدوسيا أو عقيليا. فقال الأعمى ولم يقل الضرير، وقال الملحد ولم يقل الكافر، وقال أبو معاذ ولم يقل بشار بن برد ولا المرعي، وقال الغيلة ولم يقل الغدر، وقال الغالية ولم يقل المغيرية ولا المنصورية، وقال بعثث ولم يقل سيرت، وقال يبعج ولم يقل يبقر، وقال مضطجعه ولم يقل فراشه، وأراد بذكر عقيل وسدوس ما كان بشار بن برد يذكره من الاعتزاز إليهما. وقال فيه بعض الشعراء يمدحه: ويجعل البرّ قمحا في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر ولم يطق مطرا والقول يعجله ... فجاء بالغيث إشفاقا من المطر فلهذا قال الشاعر ذلك البيت. وشبه الوصل بواصل، وشبه الشيب بالراء. مراده أنه يجفوه جفاء واصل الراء. وقال آخر فأحسن: أعد لثغةً لو أن واصل حاضرٌ ... ليسمعها ما أسقط الراء واصل وقال الرمادي في مليح ألثغ. لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا ... الهجر يجمعنا فنحن سواء فإذا خلوت كتبتها في راحتي ... وقعدت منتحبا أنا والراء وقال الأرجاني: هجر الراء واصل بن عطاءٍ ... في خطاب الوري من الخطباء وأنا سوف أهجر القاف والرا ... ء مع الضاد من حروف الهجاء مناقشة نموذج من إنشاء ابن الأثير قال: وكذلك كتبت إلى بعض الأصحاب كتابا من هذا الجنس، أهزل معه فقلت: ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي، فإني لم أسمه إلا لتحرم به الأضحية في يوم الأضاحي، ولا شك أن سيدنا معدود في جملة الأنعام، غير أنه من ذوات القرون والقرون عدة في الخصام. أقول: أي معنى هذا حتى يتبجح به وقول: وهذا معنى ابتدعته ولم أسمعه لأحد قبلي. ولو أنه اقتصر على السجعتين الأوليين لكان ذلك أحسن من أن يفسر معناهما فيما بعد ولقد أذهب رونق التنديب والتندير، بما أتى به من التفسير. وقد قيل إن من شرط التنديب أن لا يكون خفيا ولا صريحا ولكن بين بين. ألا ترى إلى قول السراج الوراق فيمن ينعت بالصفي: حالت حوادث بيني ... بين الصفيّ وبيني فلا أموت إلى أن ... أرى الصفيّ بعيني ما أحلاه. ولو قال: فلا أموت إلى أن اراه صفيا أو بعين واحدة، يعني أعور ما كان له هذه الطلاوة، ولا فيه هذا الحسن الواقع من القلب. أو لو أخذ يفسره فيما بعد ويشرح ما رمزه، ذهبت منه هذه الحلاوة. وانظر ما أحسن قول الجزار أبي الحسين رحمه الله تعالى: لو يقنص الجزار أرواح العدى ... في يوم عيدك كنت أول قانص لكنهم أمنوا مداي لنقصهم ... إنّ الضحية لا تكون بناقص وقوله أيضاً: نصحتك فاسمع من نصيحة عاشقٍ ... وإني على ما قلته لأمين من الرأي أن لا توقع الحرب بيننا ... فإني جزارٌ وأنت سمين ولو قال: ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي بين البرية، فإني لم اسمه إلا لكي تحرم به الأضحية، لكان أحسن. فإن قوله: الأضحية في يوم الأضاحي من باب قولك: العيد في يوم العيد، والصيام في يوم الصيام. ومن المعلوم أن الضحايا لا تطلق إلا على ما ذبح أيام التشريق، وما ذبح في غير ذلك من الذبائح لا يطلق عليه ذلك. وكذلك صلاة الجمعة لا تطلق إلا على الصلاة المعروفة في الوقت المخصوص، ومتى كانت صلاة في غير ذلك الوقت فلا تكون جمعة. نموذج من إنشاء ابن الأثير يدعي فيه الإبداع

стр. 58

قال في فصل ذكر فيه هدية رطب لبعض ملوك الشام: ولما استقلت به الطريق أنشا الحسد لغيره من الفواكه أربا، وما منها إلا من قال يا ليتني كنت رطبا. أقول أي فصاحة لهذه العبارة، وأي بلاغة على هذا المعنى الذي لا طائل تحته وأين هذا من قول أبي الحسين الجزار: قلت لما سكب السا ... قي على الأرض الشرابا غيرةً مني عليه ... ليتني كنت ترابا فإن هذا أتى بلفظ القرآن العظيم، فكان له في السمع وقع وفي القلب حلاوة، ولو كان قوله ليتني كنت رطبا بعض آية أو بعض بيت أو بعض مثل أو معنى متداولا في شيء، فنقله إلى هذا، لكان حسنا. ومن كلام القاضي الفاضل رحمه الله تعالى في جواب الخليفة: ورد الكتاب المشتمل على ما أبان عنوان النية وإن كان كتابا، وأقر النعمة وإن علا وكان سحابا، المقتضي حد الطاعة ولتلك القدم الشريفة يقول المؤمن ليتني كنت ترابا. ثم إن ابن الأثير قال: وما منها إلا من قال. فأجرى من على ما لا يعقل. وهي لا تكون إلا لمن يعقل. والفواكه لا تعقل. ولو قال: وما منها نوع إلا قال، لخلص من ذلك. وقد يعتذر له بأنه لما نزل أنواع الفاكهة منزلة العاقلين في القول، أطلق من عليها. كقوله تعالى: فقال لها وللأرض، ائتيا طوعا أو كرها، قالتا أتنا طائعين. وهذا الجمع الذي يعرب بالحروف لا يكون إلا للعاقلين. ولكنه لما نزلهما منزلة العاقلين في القول والطاعة، أعطاهما جمع العاقلين. والجواب: ليس هذا من هذا، والفرق بين الآية الكريمة وبين كلامه، أنه في الآية الكريمة أطلق ذلك لما تقدم قولهما. فأشعر بأنهما تنزلا منزلة العاقلين. وأما ابن الأثير فإنه أطلق من على ما لا يعقل من أول وهلة فلم يحسن. وبمثل هذا خلص المتنبي من إيراد ابن وكيع وغيره عليه، في قوله: وكل ما قد خلق الل ... هـ وما لم يخلق محتقرٌ في همّتي ... كشعرةٍ في مفرقي قالوا: وفيما خلق الله تعالى، الأنبياء والرسل والملائكة. وهذا يقتضي تكفيره ويدل على زندقته. والجواب على المتنبي أنه إنما قال وكل ما ولم يقل وكل من فإن ما لما لا يعقل على الصحيح وبهذا يخرج عنه الرسل ومن شرف قدرهم وارتفع مقامهم عن هذا، والملائكة صلوات الله عليهم وسلامه. وكذا أورد بعض الجاهلين في قوله تعالى: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصَب جهنّم ". فقال: وممن عبد المسيح، ولم يدر المثكل أن ما في قوله تعالى " وما تعبدون " لما لا يعقل. فيتناول الأصنام والكواكب وغير ذلك، ويخرج المسيح ﵇ من ذلك. مناقشة رسالة لابن الأثير من عاشق إلى معشوق قال: ومن ذلك وقعة كلفني بعض أصدقائي إملاءها عليه، وهي رقة من عاشق إلى معشوق ثم أخذ ف سردها وهي طويلة افتتحها بقول القائل: وإذا قيل من تحبّ تخطا ... ك لساني وأنت في القلب ذاكا فلما رأيته قد صدر الرسالة ببيت أبي تمام قلت: لعل هذا البارق تكون وراءه سقيا، ويتمسك بهذه الطليعة في اللطف على عادة مخاطبة العشاق وخضوعهم وذل سؤالهم في طلب الوصال أو شكوى الهجر أو رقة العتاب في إخلاف الوعد أو الميل إلى الضد، فإنه إن كانت الرقة واللطافة والاستكانة خلقت لشيء، فما أرى أحدا أولى بها من العشاق في هذه المقامات وما أحلى قول القائل: يدير من كفّه مداما ... ألذ من غفلة الرقيب كأنها إذ صفت وزفّت ... شكوى محبّ إلى حبيب

стр. 59

فما كان إلا أن قال بعد ذلك البيت: يا من لا أسميه ولا أكنيه، وأذكر غيره وهو الذي أعنيه لا تكن ممن أوتي ملك الملاحة فلم ينظر إلى زواله، وعرف مكانه من القلوب فجار في إدلاله، ولا تغتر بقول من رأى الحسن للإساءة ماحيا، واعلم أن اللاحي يقول: كفى بالتذلل لاحيا، وكثيرا ما يزول العشق بجنايات الصدود، والزيادة في الحد نقص في المحدود. وقد قيل: إن الحسن عليه زكاة كزكاة المال، وليست زكاته عند علماء المحبة إلا عبارة عن الوصال، وهذه صدقة تقسم على أربابها، ولا ينتظر أن يحول الحول في إيجابها، فهي مستمرة على تجدد الأيام، والمستحقون لها قسم واحد ولا يقال إنهم ثمانية أقسام، وهؤلاء هم المخصوصون بفك الرقاب، ورقبة العشق أشد أسرا من رقبة تتحرر بالكتاب. فاخرج يا مولاي من هذا الحق الواجب، وإلا فتأت لطالب منىً وأي مطالب، ولا تقل هذا غريم أكثر عد الليالي في مطله، وأعده والمواعيد زاد لمثله، فهذه سلعة قد عاملتني بها مرة ساخرا ومرة ساحرا، ومن الأقوال السائرة إن الغر تجعله التجربة ماهرا، ولعمري إن ممارسة الحب تجدد لصاحبه علما، وتبصرةً وإن كان كما يقال أعمى، وقد كذب القائل: عرّصن للذي تحبّ بحب ... ثم دعه يروضه إبليس فإن كانت الرياضة كما قيل لإبليس فما أراه صنعا في الذي صنع، وأراك استعصيت عليه استعصاء القارح وأنت جذع، ولا شك أنك تهدم ما يشيده من البناء، وأنك مستثنى في جملة من دخل في حكم الاستثناء، وأنا الآن له عائب، وعليه عاتب. فأين نفاثاته التي هي أخدع من الحبائل، وأين قوله لآتينهم عن الأيمان والشمائل، وأين جنوده المسترقة ما في السماء، التي تجري منهم مجرى الدماء. وكل هذا قد بطل عندي خبره، كما بطل عندي أثره، فإن أدركته النخوة بأني استهزأت بتصديق أفعاله، فليحلل معقول حاجتي هذه حتى أعلم أنه قادر على حل عقاله، وإلا فليخف راسه، وليمح وسواسه، وإن كان له عرش على البحر فليقوض من عرشه، وليعلم أن السحر ليس في عقده ونفثه ولكنه في الأصفر ونقشه، وها أنذا قد بعثت بما يجعل العزم محلولا والود مبذولا، وما أقول إلا أني بعثت معشوقا إلى معشوق، وكلاهما محله من القلب بل القلب من حبها مخلوق، وما أكرمه وهو وسيلة إلى مثله، وحسنه من حسنه وإن لم يكن شكله من شكله، وما وصفه واصف إلا كان ما رآه منه فوق ما رواه، ومن أغرب أوصفاه وأحسنها أنه لم ير ذو وجهين وجيها سواه، ولا جرم أنه إذا سفر في أمر تلطف في فتح أبوابه، وتناول وعره فبدله بسهمه وبعده فبدله باقترابه، ولو بعثت غيره لخفت أن لا يكون في سفارته صادقا، وأنه كان يمضي سفيرا ويعود عاشقا، فليس على الحسن أمانه، وفي مثله تعذر الخيانة، ولا لوم على العقول إذا نسيت هناك عزيمة رشدها، ورأت ما لا يحتمله كاهل جهدها، ومن ذا الذي يقوى درعه على تلك السهام، أو يروم النجاة منها وقد حيل بينه وبين المرام، وهذا الذي منعني إلا أن أرسل كيسا أو كتابا، فأحدهما يكون في السفارة محسنا والآخر على السر حجابا، والسلام إن شاء الله تعالى. أقول: إنه لما فرغ من هذه الرسالة، أخذ على العادة في تفريط كلامه لما ابتدعه من ذكر الزكاة ووصف الدينار بمعنى الحديث، وأن الذي اتفق له لم يظفر به الحريري ولا سبق إليه وأقول: إنني ما سمعت ولا رأيت ولا أسمع ولا أرى بمن راسل محبوبه بمثل هذه الأشياء، وتهدد بأن العشق يزول بالصدود، والزيادة في الحد نقص في المحدود، وأن الوصال زكاة تجب عليك ولا تقل إنها في العام بل في كل وقت، فأخرج من هذا الحق الواجب عليك، ولا تقل إني غريم هين الطلب، فكم تسخر بي، فما أنا كما كنت والتجربة تجعل الغر ماهرا، ولكن المحب أعمى ثم أخذ في ذم إبليس وتأنيبه وتوبيخه، وأنه ليس بصاحب الوسوسة والإغواء والسحر إنما هو للدينار، وها أنا قد جهزت شيئاً من ذلك، وما بقي بعد أن أجهز المعشوق إلى المعشوق شيء. ثم أخذ يصف الدينار. نعم هذه العبارة والتهديد تصلح أن تكون في حق عدو خرج من الصداقة إلى العداوة أو متول أكثر الظلم والفساد في البلاد والعباد، ولم يفده الإنذار ولا التحذير، أو عبد خرج عن طاعة مولاه ولم يخف سلطانه.

стр. 60

وما أظن هذا المعشوق إلا أنه كان قد عزم على زيارة هذا العاشق، فعارضه في الطريق الرسول بهذا الكتاب والدينار، فلما وقف عليها ورأى هذا الإنعام والمانة به عليه، كر راجعا بعد إن سب الرسول ومزق ثيابه، ونتف ذقنه وبصق في وجهه ولعن من أرسله، ومزق الرقعة شذر ومذر، وداس فتات الرقعة برجليه وقال ما عنده من العجر والبجر، وتفضل في حق كاتب الرسالة بما يستحقه، ورمى بالدينار الذي أرسله في الهواء. على أنه يكون في ذلك مختصرا، وأنه سكت عن ظلمه ولم يكن منتصرا. أما وقف هذا على شعر المتيمين من العرب الذين خاطبوا أحبابهم وتوسلوا في طلب الوصال، وتلطفوا في طلب الرضا والمساعدة على الهوى. أكذا قال قيس بن ذريح وعبد الله بن العجلان النهدي وعروة بن حزام وأبو ذؤيب وقيس المجنون وجميل بثينه وكثير عزة. أكذا تغزل عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد والعباس بن الأحنف. أما سمع قول أبي الطيب: زيدي أذىً مهجتي أزدك هوى ... فاجهل الناس عاشقٌ حاقد وقول أبي فراس: أساء فزادته الإساءة حظوةً ... حبيبٌ على ما كان منه حبيب يعدّ عليّ الواشيان ذنوبه ... ومن أين للوجه الجميل ذنوب وقول الآخر. لئن ساءني أن نلتني بمساءةٍ ... لقد سرّني أني خطرت ببالك وقول الآخر: ويدلّ هجركم على ... أني خطرت ببالكم أما سمع قول المعري: لغيري زكاةٌ من جمالٍ فإن تكن ... زكاة جمالٍ فاذكري ابن سبيل ما أحلى قول: فاذكري ابن سبيل إن أخرجت زكاة جمالك، لم يأمرها بصرفها إليه ولا أوجبها عليها بل قال: إن كان شيء، فاذكري ابن السبيل المستحق. ومن هذا قول كثير عزة: لئن كان يهدى برد أنيابها العلى ... لأفقر مني إنني لفقير على أن معناه مشكل إذا تأملته حتى التأمل، وليس هذا مكان الكلام عليه. وما ألطف ابن سناء الملك في قوله: وغانيةٍ لم تعد عشرين حجةً ... أقول لها قولا لديه صواب عليك زكاةٌ فاجعليها وصالنا ... فعمرك في العشرين وهي نصاب وقول ناصر الدين بن النقيب: لقد وجبت عليك زكاة حسنٍ ... وفيه كمثل ما في المال حق فلا تعدل به عني فاني ... لمصرفه الفقير المستحق أما سمع بقول جميل بن معمر العذري. لا خير في الحب وقفا لا تحركه ... عوارض اليأس أو يعتاده الطمع لو كان صبرها أو عندها جزعي ... لكنت أعرف ما آتي وما أدع وقول أبي الطيب: وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه ... وفي الهجر، فهو الدهر يخشى ويتّقي وقول كشاجم: لولا اطراد الصيد لم تك لذةٌ ... فتطاردي لي بالوصال قليلا هذا الشراب أخو الحياة وما له ... من لذةٍ حتى يصيب غليلا وقول العباس بن الأحنف: وأحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروّع بالهجران فيه وبالعتب إذا لم يكن في الحب سخطٌ ولا رضىً ... فأين حلاوات الرسائل والكتب وقول علية بنت المهدي: وضع الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج ليس يستحسن في شرع الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج أما سمع بقول محمد بن بشير الخارجي: ولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علقٌ بقلبي من هواك قديم يبقى على ريب الزمان وصرفه ... وعلى جفائك إنه لكريم وما أحسن قول العباس بن الأحنف حين عنف أحبابه على المطل بالوصل: كأن لم يكن بيني وبينكم هوى ... ولم يك موصولا بحبلكم حبلي وإني لأستحيي لكم من محدّثٍ ... يحدث عنكم بالملالة والمطل حكى الشبلي رحمه الله تعالى قال: رأيت يوم جمعة معتوها عند جامع الرصافة قائما عريان وهو يقول: أنا مجنون الله، أنا مجنون الله، فقلت: لم لا تدخل الجامع وتتوارى وتصلي؟ فأنشد يقول: يقولون زرنا واقض واجب حقنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عني إذا أبصروا حالي ولم يأنفوا لها ... ولم يأنفوا منها أنفت لهم مني

стр. 61

قلت أنا: وهذا نوع آخر غير هذا الذي نحن فيه، وطرق الجد غير طرق المزاح ومما قلت أنا: وإذا تهتّك في الهوى سري غدا ... وتحدثت بصبابتي السمّار أو قيل ذا المسكين أصل جنونه ... سحر العيون وما له أنصار أيحل في شرع الهوى هذا ومن ... أفتى بأنّ دم المحب جبار وعلمت أن هواك أصل بليّتي ... فعلى صدودك لا عليّ العار أما سمع بما قنع به المحبون مثل جميل حيث يقول: وإني لراضٍ منك يا بثن بالذي ... لو أيقنه الواشي لقرّت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد حتى يسأم الوعد ماطله وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله وجحدر حيث يقول: أليس الليل يجمع أمّ عمروٍ ... وإيانا فذاك بنا تدان وتنظر للهلال كما أراه ... ويعلوهها النهار كما علاني والآخر حيث يقول: إلى الطائر النسر انظري كل ليلةٍ ... فإني إليه بالعشية ناظر عسى يلتقي طرفي وطرفك عنده ... فنشكو جميعاً ما تجنّ الضمائر وأبي العلاء المعري حيث يقول: لاقاك في العام الذي ولّى ولم ... يسألك إلا قبلةً في القابل إن البخيل إذا تمد له المدى ... في الجود هان عليه بذل النائل وأما ذكره إبليس واستصراخه به وحثه على وسواسه وتزيين الباطل له، فإنه من الغريب أتراه ما علم أن المحب إذا قال لمحبوبه: ما يدعك تزورني وتحنو علي إلا إبليس بوسواسه أن المعشوق يمثل ذلك بين عينيه ويقول: إن هذه الأمور من فعل إبليس ومطاوعة الشيطان في إتباع المحرمات المحظورة، فيرجع إلى الهجران، ويتقمص شعار الجفا والصد والإعراض ويكون في ذلك كالنائم الذي أيقظه غيره من الغفلة. قال بعضهم: كان لي صديق، وكان لا يحتشمني ولا أحتشمه، فقال لي يوماً: يا أخي قد علمت حبي لفلانه ولم أقدر منها على شيء قط وقد زارتني اليوم، وأحب أن تكون عندنا فإني لا أحتشمك. فأجبته إلى ذلك. فلما صرت إلى مكانه، وأخذت عيني الجارية فرأيت أحسن النساء. ثم إنا أفضنا في الأكل والشرب والحديث، وسألني صاحبي الغناء وكنت مجيدا فيه. وكأن الله تعالى أنساني جميع ما أحفظه إلا هذا الصوت: من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا فلما سمعته الجارية قالت: أحسنت والله أعده يا أخي فأعدته، فوثبت قائمة وقالت: أنا إلى الله تائبة، والله ما كنت لأفضح أخي وأرفع شنار أبي. فجهد الفتى في رجوعها فلم تفعل وخرجت. فقال لي: ويحك، ما حملك على ما صنعت؟ فقلت: والله ما هو شيء اعتمدته، ولكنه ألقي على لساني. فانظر إلى فائدة ما ذكرته. والأنسب في طلب الوصال أن يقول: اسأل الله أن يعطف قلبك علي، ويلهمك اغتنام الأجر فيّ ويرزقك رحمتي لتدخل في الجنة كما غالط القائل محبوبه في قوله: تجنّيت لي ذنبي ولم أك مذنبا ... وحمّلتني في الحب ما لا أطيقه وما طلبي للوصل حرصٌ على البقا ... ولكنه أجرٌ إليك أسوقه وكما غالط الآخر حيث قال: قم بنا تفديك روحي ... نجعل الشك يقينا فإلى كم يا حبيبي ... يأثم القائل فينا وقد وقفت على بعض رسالة من كلام ابن سناء الملك وهو: وأنا والله في أمرك مغلوب والسبب أني أنا المحب وأنت المحبوب، ولا أتجالد عليك فأغرك، ولا أخون حبك ولا أقعقع عليك فأغشك وأغم قلبك، اعمل ما شئت فأنا الصابر، واقتل كيف شئت فأنا الشاكر، وقل لي فلي سمع يعشق قولك، والتفت تر آمالي ترفرف حولك، وافعل فأنت المعذور، واستطل فما أنا المضرور بل المسرور، وارجع إلى الود الذي بيننا فكل ذنب لك مغفور انتهى. قلت: ولله الوزير أبو الوليد بن زيدون حيث يقول: بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سرٌ إذا ذاعت الأسرار لم يذع يا بائعا حظّه مني، ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع يكفيك أنك إن حمّلت قلبي ما ... لا تستطيع قلوب الناس يستطع ته أحتمل واستطل أصبر وعزّ أهن ... وولّ أقبل وقل أسمع ومر أطع

стр. 62

والآخر حيث قال: هيهات لا جذب السّلوّ بمقودي ... أبدا ولا ظفر الملام بسلوتي إقطع وصل أوصدّ عني عامدا ... طبع الغرام على هواك سجيّتي ومحاسن الشوا حيث يقول: أدين فما يندني أفيء فما يفي ... أكف فما يكفي أجود فما يجدي تهنوا أهن جوروا أجر أوعدو أعد ... تسلوا أسل صولوا أصل هددوا أهدي وحيث يقول أيضاً: فديتك يا من تجنّى وصالا ... وأحرمني في هواه الوصالا فللحسن فيك معانٍ بها ... تضل النساء وتلهي الرجالا تروع تراعى تحابي تحبّ ... تعادي تعاد تولي توالى يا من وقفت على فرط الضنى جسدي ... فيه، وقلبي على التعذيب والعنت بن أدن قاطع أصل بح أخف شح أجد ... خن أوف جر أعدل اسخط أرض عش أمت والوزير أبو شجاع فاتك حيث قال يا ممرضا بتجنّيه وجفوته ... قلبي، ويا تاركي لحما على وضم كن كيف شئت فإني لست أكره ما ... ترضى، ولو أن ما يرضيك سفك دمي أعرض وعرض وجر واهجر وصدّ وصل ... واخشن ولن وارض واغضب واعف وانتقم في كل حالٍ أنا الجاني المسىء وأن ... ت المحسن الحسن الأخلاق والشيم وابن رواحة الحموي: إن كان يحلو لديك قتلي ... فزد من الهجر في عذابي عسى يطيل الوقوف بيني ... وبينك الله في الحساب وهذا أكثر وأشهر من أن يستشهد له. وأما إضافة السحر وعقده إلى إبليس، فإنه من العجب، والسحر والعقد إنما هما للآدميين ليستخدموا إبليس وجنوده، فالسحر للإنسان لا للشيطان. وما أحلى قول.... حين استصرخ بإبليس تظرفا منه: الخمر يا إبليس إن لم تقم ... وتوسع الحيلة في ردّها لانفقت سوق المعاصي ولا ... أفلحت يا إبليس من بعدها وأما دعواه في وصف الدينار بذي الوجهين وأنه لم يسبق إليه، فأول ما وصفه الحريري بذلك، فقال في مقاماته: تبا له من خادعٍ مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق يبدو بوضعين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق وقد جاء ذكر الدينار في مقامات البديع الهمذاني فقال: فاستصحب لي عدوا في بردة صديق، من نجار الصفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظفر، كدارة العين يحط ثقل الدين، وينافق بوجهين. وما أحسن قول ناصر الدين بن النقيب ملغزا في الدينار: أيّ شيءٍ تصبو الناس إليه ... صبوة العاشقين للمعشوق ضربوه وعلقوه ولكن ... زاد عزا بالضرب والتعليق وأما قوله: يمضي سفيرا ويعود عاشقا وليس على الحسن أمانة، فمأخوذ من قول أبي الطيب: ما لنا كلنا جوٍ يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول كلما عاد من بعثت إليها ... غار مني وخان فيما يقول أفسدت بيننا الأمانات عينا ... ها وخانت قلوبهن العقول ومن هنا أخذ الأرجائي أيضاً حيث قال: قسماً لقد رجع النسيم عليلاً ... لما سرى مني إليك رسولا فأتى لبرح هواك وهو مردد ... نفساً يسارقه الأنام طويلا ورأى لحبك أنه قدخانني ... فغدا يجر من الحياء ذيولا ومن هنا أخذ قول ابن سناء الملك أيضاً: راح رسولا وجاءني عاشق ... وعاقه عن رسالتي عائق وعادلا بالجواب بل بجوىً ... أخرسه والهوى به ناطق ولكن الأرجاني تستر في سرقته. قال في تعزية بزوجة توفيت ثم توفي ولدها،: أشجي التعازي ما أتبع فيه المفقود بمفقود، لا سيما إذا جمع بين سعد الأخبية وسعد السعود ثم قال ولم يوفهما حقهما من بكى ولا من ندب، ولا من شعر ولا من كتب، وليت فدي أحدهما بصاحبه فعاش درهما المفدي بالذهب ... ثم ساق باقي الرسالة وهي طويلة غثه سمجة، إلا أنه بعد الفراغ منها أخذ يطنطن ويدندن في قول سعد الأخبية وسعد السعود وأنهما منزلتان من منازل القمر، ويعجب من هذا الاتفاق. مناقشة نموذج من إنشاء ابن الأثير

стр. 63

وأقول: إنه نفخ في غير ضرم، وطاف بغير حرم، وليس ذلك بكبير أمر، ولا مما ينبه عليه بعد الفراغ منه، بل هو في الرتبة الوسطى لا ينحط انحطاطه في عادته، ولا يرتفع ارتفاع القاضي الفاضل. وقد استعمل الناس أسماء المنازل والكواكب في كلامهم جدا وهزلا، كقول سيف الدين المشد ابن قزل: ضلّ فؤادي بين أبياتكم ... وناره تضرمها الأهويه يا ذابح النوم بطرفي أما ... ترثي لقلبٍ ضل في الأخبيه وقوله أيضاً: ألا يا وادي الشقرا ... ء كم قد حزت من نزهه غياضٌ ماؤها يجري ... فما في طيبها شبهه وكم بدرٍ يروق الطر ... ف أضحى منك في الجبهه وقوله أيضاً: بدا في الدرع مثل الرم ... ح في الأعطاف والسمره فيا لله من بدرٍ ... يروق الطرف في النثره وقول العدل برهان الدين بن الفقيه نصر: بخدمتكم لم أنل طائلا ... وميزان نقصي بكم راجح ففي الطرف من أدمعي نثرةٌ ... وفي القلب من سعدكم ذابح ومن أحسن الكنايات قول الآخر: ألم ترني أكابد فيك وجدي ... وأحمل منك ما لا يستطاع إذا ما أنجم الجو استقلّت ... ومال الدلو وارتفع الذراع وقول محمد سبط التعاويذي: فبتّ وباتت إلى جانبي ... نعدّ المنازل فيها كلانا تريني البطين ولكنني ... أقارضها فأريها الزبانى وقول الآخر من أبيات: فأعجلته عن دخول الكنيف ... بجهلٍ مطاعٍ وحلمٍ مطاع فغرّقت منه بنوء البطين ... وروّاه مني نوء الذراع وأما قوله: وليت لو فدي أحدهما بصاحبه، أحسن من هذا قول المتنبي: فليت طالعة الشمسين غائبةٌ ... وليت غائبة الشمسين لم تغب وتمام السجعة نصف بيت من هذه القصيدة لأبي الطيب، أول: قد كان قاسمك الشخصين دهرهما ... فعاش درهما المفديّ بالذهب قال: ومن هذا الباب ما أوردته في رسالة طردية في وصف قسي البندق وحامليها ثم إنه ساقها. أقول: وهي أيضاً من الوسط، فلا تكون في العالي ولا السقط، وذكرت بالطريق التي سلكها فيها ما جاء لبعض كتاب العجم فيما أظن، في القوس التي للسهام، فإنها في حسنها فذة، ونكتها في سلب العقول مغذة، وصناعتها لم تدع في المثاني والمثالث عند النفوس بعدها لذة. وهي: رسالة لابن الأثير في وصف قسي البندق وحامليها ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا، حكيم جبل على السداد، يهدي إلى سبل الرشاد، آثار بأسه مشهورة على ذوي الأعواد ويسألونك عن الأهلة، فقل صفر من غير علة، مجرة تنقض منها نجوم الرجوم، برج ذو جسدين يطلع بالطائر المشؤوم، شيطان تطلع شمس النصر بين قرنيه، مارد لا يسكن إلا بتعريك أذنيه، صورة مركبة ليس لها من تركيب النظم، إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم. مطية تخالف سائر الأنعام، قيامها باليد وقيامهن بالأقدام. متحرك يعض على ناجذ التصبر في الشدة والرخاء، من صحبه طرفة عين مشى على الهواء، فقل في نون التقم مرسلا فنبذه بالعراء. مقيد يحمل عليه المطلق، طريد العنق من جيد عاتقه معلق. ناحل ألصق بطنه بظهره، حتى بدت للناظرين بنات صدره، وغارت كلاه في خصره، لاستيلاء قوتيه الجاذبة والماسكة على قوتيه الدافعة والهالكة. مقبوض يقارب السريع، ويفارقه عند التقطيع. وهري أتى عليه قرن بعد قرن فانحنى مطاه، لا ينصب إلا على اليد متكاه، وينشد إذا فتح فاه: سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردةً تضحي لديك وتحصر خذي بيدي ثم اكشفي الثوب تنظري ... ضنى جسدي لكنني أتستّر منحني الظهر يتوكأ على عصا، ويلقيها فإذا هي حية تسعى. تنكب رماح الخط والبيض خلها ... وأما الحنايا حلّها وتنكبا

стр. 64

أقبل على تعاطي القنا من مغاوير الرجال، وتناولتها بالساعد مساعير الأبطال. آلة حدباء تنذر بالمنون، وأعوجي ضامر كحرف النون. أنضاء تحن على غلظ أكبادها، عطوف تئن لفراق أولادها. فرع شد بهداب الدمقس المفتل، ضارب بسهميه في أعشار قلب مقتل. غلاظ شداد قاسية القلوب جافية الطباع، توكل بقبض الأرواح ذي أجنحة مثنى وثلاث ورباع. نضو يهدر إذ لن في قرن، جامع إلى بطن الشارخ انحناء اليفن، مكدود كاد ينقطع منه الوتين، منحني الظهر شارف عقد الستين.... وهي طويلة تدخل في كراسة، وكلها من هذا الأنموذج. وقد عارضها جماعة، منهم القاضي ناصر الدين بن المنير، ضنع ثلاثة أو أكثر، وغيره، وكلهم لم يشق لها غبارا، ولم يجر من الذيل خلفها إلا ما كان عثاراً. وأما البندق، فلشيخنا القاضي شهاب الدين أبي الثناء محمود رحمه الله تعالى فيه رسالة طنانة، الدرة مع الشذرة تزدحم فيها كالحب في الرمانة، أثبتها في كتابه الموسوم بحسن التوسل وهي من الحسن في غاية، ومن طبقات الأدب في نهاية. ولولا طولها لأثبتها هنا، وأوجدت فقر هذا التأليف منها الغني. ولابن الرومي قصيدة عينية في البندق والرماة رجز طويلة. ولمحمد سبط التعاويذي قصيدة في رمي البندق أولها: حيّيت يا دار الهوى من دار ... ولا عدتك السحب السواري في غاية الحسن، وهي في ديوانه. ومن أحسن ما ذكرته في قوس البندق قول ابن وضاح المرسي: عجبا من القوس الكريمة إنها ... لم ترع حق حمائم الأغصان أضحت لها حتفا وكانت مأمنا ... وكذاك حكم تصرف الأزمان وأما أنا فقد كتبت توقيعا بالحكم بين رماة البندق، لا بأس بإثباته هنا. وهو: الحمد لله الذي لم يزل حمده واجبا، ورفده لكل خير واهبا، وشكره للنعم جالبا وللنقم حاجباً، وذكره للبؤس سالبا، وللنعيم كاسبا. نحمده على نعمه التي نصرع بالحمد أصناف أطيارها ونقص بالشكر أجنحتها فلا قدرة لها على مطارها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا يكون لنا بها عن الفوز بالجنة عذر، ولا نجد بها نفوسنا يوم البعث إلا في حواصل طوير خضر. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من قدم ذوي الرتب، وأشرف من حكم بالعدل العاري من الشبه والريب. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا في الحروب عقبانها الكواسر، وفرسانها الذين أشبعوا من لحوم العدى ذوات المخالب والمناسر، ما أحمد الرامي في المرام عزمه، وسعت له في الرتب قدم قدمة. وسلم تسليما كثير. وبعد. فلما كان الرمي بالبندق فناً تعاطاه الخلفاء والملوك، وسلك الأمراء والعظماء منه طريقة لطيفة المأخذ طريفة السلوك يرتاضون به عند الملل لاسترواح نفوسهم، ويجنون ثمرات المنى في التنزه من عروش غروسهم، ويبرزون إلى ما يروق الطرف ويروع الطير من برزاتهم، وينالون ببنادق الطين من الطير ما لا يناله سواهم بجوارح صقورهم ولا بزاتهم. قد نبذوا في تحصيل المراتب العلية شواغل العلق، وتدرعوا شعار الصدق بينهم وهم أصحاب الملق، ومنعوا جفونهم من ورد حياض النوم إلا تحلة، وبرزوا بوجوه هي البدور وقسي هي الأهلة. وتنقلوا في صيد النسور تنقل الرخ، وصادوا الطيور في الجو لما نثروا حبات الطين من كل قوس هو كالفخ، وصرخوا على الأوتار وكانت ندامى الأطيار على سلاف المياه من جملة صرعاها، واقتطفوا زهرات كل روضة أخرجت ماءها ومرعاها، احتاجت هذه الطريق إلى ضوابط تراعى في شروطها، وتسحب على الجادة أذيال مروطها، ليقف كل رام عند طور طيره، ويسبر بتقدمه غور غيره، ليؤمن التنازع في المراتب، ويسلم أهل هذه الطريقة من العائب والعاتب. وكان المجلس السامي الأميري الشهابي هو الذي جر فيها على المجرة مطرفه، وأصبح ابن بجدتها علما ومعرفة، تطرب الأطيار لنغمة أوتاره، وتنشق مرائر الطير غيرة من لون غياره، وتود المجرة لو كانت له طريقا والشمس جراوة والسماء ملقة، وتتمنى قوس السحاب الملونة لو كانت قوسه والنسر طائره والنجوم بندقه. كم جعل حلل الروض المرقومة بما صرعه مطايره، وكم خرج في زمر والطير فوقهم صافات فصاد بدر تم حين بادره، وكم ضرج في معرك الجو من قتيل ريشه كالزرد الموضون، وكم أرسل البندق فكان سهما ماضيا لأنه من حمأ مسنون.

стр. 65

فلذلك رسم الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري، لا زال طائره ميمونا، ودر أمره في أدراج الامتثال مكنونا، أن يفوض إليه الحكم يبن رماة البندق بدمشق المحروسة، على عادة من تقدمه في ذلك من القاعدة المستقرة بين الرماة. فليتول ذلك ولاية يعتمد الحق بها في طريق الواجب، ويظهر من سياسته التي شخصت لها العيون فكأنما عقدت أعالي كل جفن بحاجب، وليرع حق هذه الطريق في حفظ موثقه، وليجر على السنن المألوف من هذه الطائفة فكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، بحيث إنه ينزل كل مستحق في منزلته التي لا يعدوها، ويقبل من الرامي دعوى صيده الواجب له ويرد ما لا يعتد به الرماة ولا يعدوها، متثبتا فيما يحمل إليه للحكم ولا يرخ على عيبه ذيلا، محررا أمر المصروع الذي أصبح راميه من كلفه به مجنون ليلى، جريا في ذلك على العادة المألوفة، والقاعدة التي هي بالمنهج الواضح موصوفة. وليتلق هذه النعمة بشكر يستحق به زيادة كل خير، ويتل آيات الحمد لهذا الأمر السليماني الذي حكمه حتى في الطير. والله يتولى تدبيره، ويصلح ظاهر حكمه والسريرة. إن شاء الله تعالى. هل من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم قال في النوع الثامن من التشبيه: وقد قيل: إن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، ومن ها هنا غلط بعض كتاب أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبها له: هامة عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل وكأن الهلال لها قلامة. ثم إنه أخذ يعيب هذا ويقول: أي مقدار للأنملة أن تشبه الحصن وأطال باعتراض وجواب. أقول: إن ابن أبي الحديد ناقشه في ذلك، وقد بقي شيء من مؤاخذته على هذا. وهو أن الذي ادعى أن من بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، أبحث معه وأقول: فعلى هذا تبطل غلبة الفرع على الأصل في التشبيه، ونخطىء مثل ذي الرمة في مثل قوله: ورملٍ كأوراك العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس فإنه شبه كثبان الرمل بما هو أقل منها وأحقر، لأن أوراك العذارى دون الكثبان. ولا نستحسن مثل قول أبي بكر محمد بن هاشم. والمشتري وسط السماء تخاله ... وسناه مثل الزئبق المترجرج مسمار تبرٍ أصفرٍ ركّبته ... في خاتمٍ والفصّ من فيروزج فإن كرة السماء والمشتري أكبر من الفص والمسمار. ولا قول ابن قزل: فصلٌ كأنّ البدر فيه مطربٌ ... يبدو وهالته لديه طاره وكأنّ قوس الغيم جنكٌ مذهبٌ ... وكأنما صوب الحيا أوتاره ومثل هذا كثير. وكل ما كان في العالم العلوي لا يشبه بشيء من العالم الأرضي لأنه أحقر وأقل، كما تشبه الثريا بالنرجس الذابل، والهلال بالقلامه والنعل، والبرق بالسيف، والشمس بالمرآة، والنجوم بالسراج، وقوس قزح بأذيال العروس، وجميع ما هو من هذا الباب لا يجوز تشبيهه، وإن كان فلا يكون بليغا على هذا التقرير. وهيهات هذا سد لباب الحسن. وأما الحصون، فقد شبهها الشعراء بالأنامل، منهم الغزي حيث يقول: سدّ البسيطة نازلا من قلّة ال ... جبل الأشمّ إلى قرار الوادي حتى غدا الحصن المبارك خنصرا ... في خاتمٍ من بهمةٍ وجواد وقد استعمل ابن الأثير ذلك، فقال في فصل تقدم: فنزلنا منه بمرأى ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع. وشبهها ابن قزل بالعين فقال: إنّ الحصون لكالعيون فهدبها ... شرفاتها وجفونها الأصوار وكذا محاجرها الخنادق حولها ... والحافظون لها هم الأشفار ومن يعيب مثل قول القاضي الفاضل: ونزلنا قلعة نجم وهي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كأن الهلال لها قلامة. فما ينبغي لمجادل يناظره إلا كف القول عنه، وهل الطعن على هذا إلا قول من لم يصل إلى العنقود. كأنّ عائبكم يبدي محاسنكم ... به ويمدحكم عندي ويغريني ويكفيه أنه عاب مثل هذه الألفاظ التي بهر حسنها لما ظهر، وغدت وفي كل ضاحية من وجهها قمر. وقول الفاضل يشبه قول ابن خفاجة: في خضر غورٍ بالأراك موشّحٍ ... أو رأس طودس بالغمام معمّم

стр. 66

ومن إنشاء شيخنا شهاب الدين محمود رحمه الله تعالى في وصف حصن: حصن قد تقرط بالنجوم وتقرطق بالغيوم، وسما فرعه إلى السماء ورسا أصله في التخوم، تخال الشمس إذا علت أنها تتنقل في أبراجه، ويظن من سها إلى السهى أنه ذبالة في سراجه، لا يعلوه من مسمى الطير غير نسر السماء ومرزمه، ولا يرمق متبرجات بروجه غير عين الشمس والمقل التي تطرف من أنجمه، وحوله من الجبال كل شامخ تتهيب عقاب الجو قطع عقابه، وتقف الرياح حسرى إذا توقلت في هضابه، تخاف العيون إذا رمقته سلوك ما دونه من المحاجر، ويخيل الفكر صورة الترقي إليه ثم لا يبلغها حتى تبلغ القلوب الحناجر، وحوله من الأودية خنادق لا تعلم منها الشهور إلا بأنصافها ولا تعرف فيه الأهلة إلا بأوصافها. قال كعب الأشقري يصف حصنا: محلّقةٌ دون السماء كأنها ... غمامة صيفٍ زال عنها سحابها فلا يبلغ الأروى شماريخها العلا ... ولا الطير إلا نسرها وعقابها ولا خوّفت بالذئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلاّ النّجوم كلابها والخالديان: وقلعةٍ عانق العيّوق أسفلها ... وجاز منطقة الجوزا أعاليها لا يعرف القطر إذ كان الغمام بها ... أرضا توّطأ قطريه سواسيها إذا الغمامة لاحت خاض ساكنها ... حياضها قبل أن تهمي عزاليها يعدّ من أنجم الأفلاك مرقبها ... لو أنه كان يجري في مجاريها على ذرى شامخٍ وعزٍ قد امتلأت ... كبرا به وهو مملوءٌ بها نيها له عقابٌ عقاب الجو حائمةٌ ... من دونها فهي تخفى في خوافيها وقالا أيضاً في ذلك: وحلقاء قد تاهت على من يرونها ... بمدقبها العالي ومركبها الصعب يزرّ عليها الجو جيب غمامه ... ويلبسها عقدا بأنجمه الشهب إذا ما سرى برقٌ بدت من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل السحب سموت لها بالرأي يشرق في الدجى ... ويقطع في الجلّى وتنهض في الصعب فأبرزتها مهتوكة الجيب بالقنا ... وغادرتها ملصوقة الخد بالتّرب مناقشة حول التشبيه في أبيات أحد الشعراء قال في النوع الثاني من التشبيه بعدما أورد قول الشاعر: وكأنّها وكأنّ حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على النّدماء شمس الضّحى رقصت فنقّط وجهها ... بدر الدّجى بكواكب الجوزاء إنه شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب. أقول: قد ادعى أنه شبه ثلاثة بثلاثة، وهو لم يشبه الساقي، ولا في البيتين ما يدل على تشبيهه، على أن الشاعر توهم أنه شبه الساقي ولم يذكره، وقلده ابن الأثير ﵀ في وهمه. ومعناهما: أن الخمر في حببها كأنها شمس رقصت فنقطها البدر بالكواكب، وكنى برقصها عن اضطرابها عند المزج. وحسن ذكر البدر هنا لأنه يصاحب الكواكب، وهو أكبرها في رأي العين، لا في العقل إذا فكر في الهيئة، فحسن أن يكون له الكواكب تصرف لينقط الشمس بها. وذكر البدر هنا أمر على طريق الاستطراد، لما ذكر النقوط، أراد أن يسند فعله إلى فاعل صدر عنه، فحسن أن يذكر البدر. ولو حذف من الكلام تم المعنى في الأصل، كما يقال: كأن الخمر شمس رقصت فنقطت بالكواكب. والشاعر أثبت أداة التشبيه للساقي في قوله: وكأنها وكأن حامل كأسها. ولم يأت له بمشبه به، فالشاعر واهم، وابن الأثير مقلد، وكلاهما اغتر بذكر البلد، لأن العادة قد جرت بتشبيه الساقي بالبدر، والخمر بالشمس. كقول الشاعر: إسقنيها بنت كرمٍ ... عتّقت عشراً وخمساً بات يجلوها علينا ... قمرٌ يحمل شمسا وقول الآخر: وساقٍ كالهلال يدير شمساً ... على النّدمان في مثل الهلال وقول ابن الرومي: أبصرته والكأس بين فمٍ ... منه وبين أناملٍ خمس فكأنّها وكأنّ شاربها ... قمرٌ يقبّل عارض الشمس

стр. 67

ولو كان الشاعر شبه الساقي لقال: شمس يديرها بدر أو يطوف بها أو يحملها. وهذان البيتان مشهوران بين أهل الأدب، ولعل أحدا ما تفطن لهذا النقد. وما أقول: لأن الشاعر أدخل أدلة التشبيه على مثار النقع وأسيافهم وأتى بمشبه واحد هو الليل وقوله: تهاوى كواكبه في موضع الصفة لليل، فهي من لواحق الليل. ولو قال: ليل تهاوى كواكبه، ورقمه البرق ووشاه الصبح، لكان كل ذلك مشبها به ليس إلا. ولو كان من باب تشبيه اثنين باثنين لقال: ليل وكواكب تتهاوى. كما قال امرؤ القيس: كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي وهذا الذي ذكرته ثابت على محك النظر ليس بدعوى مجردة عن الدليل والبرهان. وللعكوك بيت هو بيت بشار بن برد. وهو: كأنّ سموّ النقع والبيض حوله ... سماوة ليلٍ أسفرت عن كواكب وما أحسن قول ابن قاضي ميلة: بتنا ونحن على الفرات نديرها ... ليلا فأشرق من سناها النيل وكأنها شمسٌ وكف مديرها ... فينا ضحى وفم النديم أصيل وذكرت بالبيتين اللذين أوردهما ابن الأثير رحمه الله تعالى قول ابن السراج في مجدور: لي قمرٌ جدّر لما اكتسى ... فزاده حسنا وزادت هموم كأنه غنّى لشمس الضّحى ... فنفّطته طربا بالنجوم وقول أبي يزيد العاص أكثر مناسبة من هذا، فإنه قال: عابه الحاسد الذي لام فيه ... أن رأى فوق خدّه جدريّا إنما وجهه كبدر تمامٍ ... جعلوا برقعا عليه الثريا لأن الثريا قد ترى مع البدر، وأما النجوم فلا ترى مع الشمس. ويمكن أن يقال فيه: ولهذا قال: نقطته طربا بالنجوم، فإن من نقط بشيء فقد بان عنه وفارقه. ويمكن أيضاً التأويل للبيتين اللذين أوردهما ابن الأثير أيضاً ولكنه بعيد. مناقشة نماذج من التشبه من إنشاء ابن الأثير قال في التشبيه: ومن ذلك ما كتبته من جملة كتاب إلى ديوان الخلافة أذكر فيه نزول العدو الكافر على عكا. فقلت: وأحاط به العدو إحاطة الشفاه بالثغور، ونزل عليه نزول الظلماء على النور. أقول: ليس في ذلك مبالغة، لأن الشفاه لا تحيط بالثغور، والإحاطة اشتمال المحيط على المحوط من كل جانب، كالدائرة بالنقطة، وعنصر الماء بكرة الأرض، وبياض العين بالسواد. أما الشفاه فإنما هي ساترة لا محيطة. والكامل في ذلك قول الحريري رحمه الله تعالى: وقد أحاطت به أخلاط الزمر، إحاطة الهالة بالقمر والأكمام بالثمر. وقول القاضي الفاضل: وأبقاه بقاءاً خارقاً للعوائد، وجعل أياديه مطيفة بالأعناق إطافة القلائد وليست الشفاه كذلك، إنما هي تستر الظاهر دون الباطن. وقوله: نزول الظلماء على النور، لا بأس به، من نسبة الكفار إلى الظلام، ونسبة ثغر عكا إلى النور لكونه كان في أيدي المؤمنين. وما أحلى قول القاضي الفاضل رحمه الله تعالى من كتاب في فتح طبرية: وصبح الخادم طبرية وهجم عليها هجوم الطيف، وافتض عذرتها بالسيف. قال: ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان فقلت: وما شبهت كتابه في وروده وانقباضه، إلا بنظر الحبيب إلى إقباله وإعراضه وكلا الأمرين كالسهم في ألم وقعه وألم نزعهن والمشوق من اشتهرت صبابته في حالتي وصله وقطعه. أقول: هذا مأخوذ من قول الشاعر .......... ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع النصال ونزعه، أليم براعة التشبيه في بيت للبحتري قال وقد أورد قول البحتري: وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكرّ على الرّجال بكوكب وفي هذا التشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه العجاج بالظلمة، والممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب. وهذا من الحسن النادر. أقول: هذا من أنموذج ما تقدم من قوله في قول الشاعر: وكأنها وكأن حامل كأسها ... البيتين. هناك وهم الشاعر فقلده، وهنا انفرد هو بالوهم دون البحتري، لأن البحتري ما قال: وتراه في عجاج الحرب إذا كر على الرجال برمحه، قمرا يجول في الظلام بكوكب، ولو كان البيت يفهم منه هذا المعنى، كان تشبيه ثلاثة بثلاثة، وليس في البيت غير تشبيه واحد لأنه قال: تراه في ظلم الوغى فتخاله قمراً.

стр. 68

هذا هو المعنى الذي بني عليه البيت. وأما قوله: يكر على الرجال بكوكب، فمن لواحق القمر ألا ترى أن الجملة في موضع النصب على أنها صفة لقمر. ومن العجيب أنه ادعى أن البحتري شبه العجاج بالظلم، والبحتري جعل العجاج نفسه ظلاماً. ولو أتى ذكر الظلام في عجز البيت، لدخل في المشبه به واندرج بين القمر والكوكب، وإنما جاء ذكره في أصل المشبه. وما أحسن قول المعتمد بن عباد: ولما اقتحمت الوغى دارعا ... وقنّعت وجهك بالمغفر حسبنا محيّاك شمس الضحى ... عليها سحابٌ من العنبر وقول ابن الزقاق. لو كنت شاهده وقد غشي الوغى ... يختال في درع الحديد المسبل لرأيت منه والحسام بكفه ... بحرا يريق دم العداة بجدول وقول الغزي: وقد سلب الطّعن الأسنّة لونها ... فعصفر في اللبّات ما كان أزرقا وأسيافنا في السابغات كأنها ... جداول تجري بين زهرٍ تفتّقا وقوله أيضاً: وكم رعت من ملومةٍ لا تبين من ... فوارسها إلا الظبى والحمالق تخوض النّجيع احمرّ تحت دلاصه ... كما نبتت حول الغدير الشقائق وهذا مأخوذ من قول أبي الطيب: تعوّد أن لا تقضم الحبّ خيله ... إذا الهام لم ترفع جنوب العلائق ولا ترد الغدران إلا وماؤها ... من الدّم كالريحان تحت الشّقائق ومما قلته أنا في هذا النوع: وسيوفٍ إذا مضت في جراحٍ ... قلت هذا بنفسجٌ في شقيق ينشد الجسم روحه من ظباها ... ودماها بين النقا والعقيق وأما ما يشبه قول البحتري الذي أورده ابن الأثير، فقول أبي فراس فيما أظن: وقفلت عنهم غانما وقلوبهم ... فيها لخوفك عسكرٌ جرّار وأتيت يقدمك السّنان كما أتى ... قبل الصباح الكوكب الغّرار قال: ومن التشبيهات الباردة قول أبي الطيب: وجرى على الورق النجيع القاني ... فكأنه النارنج في الأغصان أقول: لعمري إنه معذور في هذا، وهو من سقطات المتنبي التي ينحط فيها، وهذا البيت من تلك القصيدة التي افتتحها بقوله: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أولٌ وهي المحلّ الثاني الأبيات الخمسة. فانظر إلى هذا الافتتاح، وما أتبعه من الحكم والأمثال مع الفصاحة والبلاغة وفي هذه القصيدة مثل قوله: وتوهموا اللعب والوغى والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان ومنها يصف العدو المنهزم: يغشاهم مطر السحاب مفصّلا ... بمهنّدٍ ومثقّفٍ وسنان وقبل البيت الذي أورده ابن الأثير: قد سوّدت شجر الجبال شعورهم ... فكأنّ فيه مسفة الغربان ولما عكس أبو المطرف بن أبي بكر المخزومي معنى أبي الطيب في تشبيه نارنجة في نهر جاء حسنا. فإنه قال: ومنظرٍ أرّقني حسنه ... من أزرقٍ ينساب كالأرقم أبصرته يحمل نارنجةً ... طافيةً حمراء كالعندم ودرّجت ريح الصبا متنه ... لمّا انبرت وهي به ترتمي فخلته سيف وغىً مصلتا ... هزّ وفيه قطرةٌ من دم وقال ابن فتحون في ذلك: والماء فوق صفائه نارنجةٌ ... تطفو به وعجاجه يتموّج حمراء قانية الأديم كأنّها ... وسط المجرّة كوكبٌ يتوهّج فأتى بالمعنى في بيتين، وأبو المطرف في أربعة فأطال. وذكرت بقول أبي المطرف، قول القاضي عياض رحمه الله تعالى: كأنّما الزرع وخاماته ... وقد تبدّت فيه أيدي الرياح كتائب تجفل مهزومةً ... شقائق النّعمان فيها جراح مناقشة نموذج آخر من إنشاء ابن الأثير قال في القسم الأول من النوع الرابع في الالتفات، بعدما تكلم على ما في سورة الفاتحة من الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وفرغ من ذلك: فانظر إلى هذا الموضع، وتناسب هذه المعاني الشريفة، التي الأقدام تكاد تطؤها والأفهام مع قربها صافحة عنها.

стр. 69

أقول: أكذا يقال بعد ذكر أسرار القرآن الكريم وإيضاح غامضه. وما أفاد قوله: المعاني الشريفة وتأدبه بقوله تكاد الأقدام تطؤها! وكان الأحسن أن لو قال: فانظر إلى هذه المعاني الشريفة كيف غدت شموسها ضاحية، والبصائر عن إدراك ضيائها لاهية. أو أن يقول: تكاد تيجانها تقع على المفارق، والأذهان عاطلة الجيد من درها المتناسق. الالتفات في بعض الآيات قال في الالتفات وقد ذكر قوله تعالى: " ثمّ استوى إلى السّماء وهي دُخان " الآية. إنما عدل عن الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: " وزيَّنّا السّماءَ الدُّنيا " لأن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا، وأنها ليست حفظا ولا رجوما. فلما صار الكلام إلى هنا، عدل عن خطاب الغائب إلى خطاب نفسه لأنه مهم من مهمات البلاغة في الاعتقاد، وفيه تكذيب الفرقة المكذبة المعتقدين بطلانه. أقول: إن اعتقادهم أنها ليست في سماء الدنيا وليست رجوماً، نوع على اعتقاد قدم العالم، وأن الله تعالى موجب بالذات دون حدوث العالم والفاعل المختار. وعلى ما قرره، فإضافة الفعل في خلق السماوات في يومين، ووحي أمرها فيها إلى المتكلم، يكون أولى من أن تكون إخبارا عن غيره، لأنه الأصل، والعناية بالأصل أولى من العناية بالفرع، لأنه إذا ثبت الأصل ثبت الفرع ولا ينعكس، ولو كان هذا أولى لما عدل عنه، ولكنه قد عدل عنه لحكمة لم تظهر لابن الأثير. اقحام النحو قال في النوع الرابع في توكيد الضميرين: ولربما قيل في هذا الموضع: إن الضمائر مذكورة في كتب النحو فأي حاجة إلى ذكرها هنا؟ ولم يعلم أن النحاة لا يذكرون ما ذكرته، لأن هذا يختص بفصاحة وبلاغة، وأولئك لا يعرضون إليه، وإنما يذكرون عدد الضمائر، وأن المنفصل منها كذا والمتصل كذا ولا يتجاوزون ذلك. وأما أنا فقد أوردت في هذا النوع أمرا خارجا عن الأمر النحوي. أقول: إن نحو المتقدمين غالبه معان وبيان، مثل: الرماني وأبي علي الفارسي وابن جني على تأخر زمانهم، وأكثر ما هو الآن مدون في علم المعاني مذكور في كتب القوم، ولكن لما أتى الإمام عبد القاهر الجرجاني، جرد هذه النكت التي ليست بإعراب ولا بد، وجمعها ودونها وبوبها ورتبها، صار علما قائما برأسه، وتنبه الناس بعده كالسكاكي وغيره تفتحت لهم الأبواب. ولهذا إن من لم يكن متمكنا من النحو، لا يقدر على الكلام في هذا. ألا ترى أن الزمخشري لما كان عارفا بالنحو تيسر له في تفسيره ما لا تيسر لغيره، وباقتداره على الإعراب والنظر في أسرار العربية وتعليل أحكامها أورد تلك الإشكالات، وأجاب عنها بتلك الأجوبة المرقصة، وبالنحو استطال ومهر وتبحر ودربه فني النظم والنثر هي التي نبهته لذلك. حتى إن الإمام فخر الدين في تفسيره تراه إذا تكلم في سائر العلوم غير مقلد لأحد، فإذا جاء المعاني والبيان قلد الزمخشري في ذلك وقال: قال محمود الخوارزمي وقال صاحب الكشاف. ولهذا قال العلماء: من نظر في الكشاف ولم يكن عارفا بالعربية وأصول الدين، صار معتزليا، وما أشبه وضع علم المعاني والبيان إلا بالفقه. فإن الفقهاء قديما في التابعين إنما كانوا محدثين فلما جاء أبو حنيفة ﵁ دون الفقه وقرر قواعده، وقاس ما لم يبلغه فيه حديث على ما ورد فيه الحديث، وجاء الناس من بعده ومدوا فيه الأطناب، وفتحت لهم الأبواب. وانفرد الفقهاء بهذا العلم عن المحدثين، واختص الفقهاء بمعرفة الأحكام والاستنباط وتركوا معرفة طرق الحديث وأسماء رجاله وصحيحها من سقيمها للمحدثين. ولهذا تسمعهم يقولون، فلان من الفقهاء المحدثين. وأعيان الفقهاء إنما تميزوا لقيامهم بفن الحديث. وانظر إلى أئمة المذاهب مثل الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وأبي داود الظاهري والثوري والأوزاعي وسعيد بن المسيب ﵃ تجدهم من كبار المحدثين.

стр. 70

ويقال: إن سبب وضع أبي حنيفة الفقه وتدوينه أنه كان في عصره اثنان حضرا إلى الحمام وأودعا صاحبه وداعة لها صورة، ودخلا الحمام. ثم إن أحدهما خرج وطلب الوداعة وأخذها وراح في سبيله. فلما خرج الآخر طلبها من الحمامي فقال له: إن صاحبك خرج وأخذها، فراح إلى الحكام في ذلك الزمان وشكاه إليهم فألزموه بالقيام بها للغريم الحاضر وقالوا له: أنت فرطت، وكان الواجب أن لا تدفع الوداعة إلا إليهما معا كما أودعاك معا، فبقي ذلك الرجل في حيرة لا يدري ما يصنع. فلقيه أبو حنيفة فسأله عن حاله لما رآه من الفكرة والحيرة، فأخبره بقضيته، فقال له: قل لغريمك: إن المال عندي، فأحضر لي صاحبك لأدفع الوداعة إليكما، فإذا أتى به حصلت على غريمك. فكان ذلك سبب خلاص الحمامي من تلك الورطة. وعند ذلك أخذ أبو حنيفة في تدوين الفقه، وكانت المسألة المذكورة أول ما وضعه. وكذلك أصول الفقه، إنما كان يقوم به المجتهد العارف بما يحتاج إليه من العلوم في استنباط الحكم من الآية والحديث، ويكون عنده قوة ينظر بها في المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والحقيقة والمجاز، وصحة الحديث من ضعفه، وثقة رواته، وترجيح أحد الحديثين على الآخر إذا تساويا في الصحة بما يوافق القواعد ويستند إلى القياس الشرعي، ومثل هذا يحتاج إلى علوم جمة، فجاء الشافعي رحمه الله تعالى ووضع أصول الفقه وجمع ما كان منه مفرقا في العلوم من اللغة في معرفة المشترك والمتباين والمترادف، والحقيقة والمجاز، والاستعارة والكناية. ومن النحو في معرفة الشرط والجزاء، والاستثناء المتصل والمنقطع، والعطف المرتب والعطف الذي لا يرتب، والذي للفور والذي للتراخي، وحروف الجر واختلاف معانيها وما ينقسم كل حرف إلى أنواعه، والأسماء المبهمة وغير ذلك. ومن المنطق في معرفة دلالة المطابقة والتضمن والالتزام، ومعرفة الجنس والنوع، والفصل والخاصة والعرض العام، والمقدمتين والنتيجة والقياس المنتج، وغير ذلك مما يحتاج إليه الفقيه من قواعد الجدل ومعرفة المغالط، وما يحتاج إليه من معرفة صحة الحديث وضعفه وحسنه إلى غير ذلك. وجعله الشافعي رحمه الله تعالى علما قائما برأسه وإن كانت أجزاؤه مفرقة في العلوم. ثم إن الناس جاؤوا بعده وزادوا فيه ما أمكن من ذلك. فكذا علم المعاني والبيان، انتزع من النحو ودون وجعل فنا قائما برأسه. حول توكيد الضميرين قال: ولنقدم في ذلك قولا يحصره ويجمع أطرافه فنقول: إذا كان المقصود معلوما ثابتا في النفوس، فأنت بالخيار في توكيد أحد الضميرين بالآخر وإذا كان غير معلوم وهو مما يشك فيه فالأولى حينئذ أن توكد أحد الضميرين بالآخر في الدلالة لتقرره وتثبته. فمما جاء من ذلك قوله تعالى: " قالوا يا مُوسى إمّا أن تُلقِي وإمّا أَنْ نكونَ نَحنُ المُلْقِين " فإن إرادة السحرة للإلقاء قبل موسى لم تكن معلومة عنده، ولأنهم لم يصرحوا بما في أنفسهم وطول في الكلام على ذلك. أقول: ظهرت فائدة ما قررته أنا من أن المعاني والبيان جزء من النحو، وإذا خرجا عن القواعد النحوية، خبط قائلهما عشواء. والدليل على ذلك أنه قرر في القاعدة التي له أن المعنى إذا كان ثابتا في النفس، فأنت مخير في تأكيد أحد الضميرين بالآخر وليست هذه القاعدة على الإطلاق، فإن التأكيد هو التكرار، ومن شرطه أعني التكرار أن يتم المعنى بدونه مثل: ضربت زيدا زيدا، وجاءني زيد زيد، وأنت أنت الفاضل، وهو هو الجواد. فكل هذه الصور يجوز حذف التأكيد فيها لأن المعنى يتم بدونه. وقد وجدنا الضمير يتكرر ولا يجوز حذفه، كقوله تعالى: " وقلنا يا آدم اسكُن أنت وزوجُك الجنّة ". وقوله تعالى: " فاذهبْ أنتَ وربُّك فَقاتِلا "، لأن أفعال الأمر نحو: قم واقعد واسكن كلها يتحمل الضمير ولا يجوز إظهاره، لأن التقدير: قم أنت، واسكن أنت، ولهذا حكم النحاة على أفعال الأمر بأنها كلام لأنها تركبت من فعل وفاعل.

стр. 71

ألا ترى أنهم أوردوا على الشيخ جمال الدين بن الحاجب رحمه الله تعالى في قوله: الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد، الضمائر المستكنة في أفعال الأمر جميعاً وقالوا: هي كلمات ولم يلفظ بها اللسان. حتى إن الشيخ بدر الدين محمد بن مالك رحمه الله تعالى قال: الكلمة لفظ بالقوة أو الفعل فاحترز بقوله بالقوة من مثل الضمائر التي تتحملها أفعال الأمر، ولهذا فسر بعضهم اللفظ فقال: اللفظ ما يطرحه اللسان أو في حكمه حتى يخلص حد ابن الحاجب. وإذا تقرر هذا فأقول: إن أنت في قوله تعالى: " اسكن أنت " ضمير آخر بارز غير الضمير المستكن في اسكن، وتقديره: اسكن أنت أنت وزوجك. ومع ذلك فلا يجوز أن يحذف الضمير الظاهر ها هنا لأنه لا يجوز عطف زوجك على الضمير المستتر، لضعف ما هو بالقوة بالنسبة إلى ما هو بالفعل. وهذا بخلاف قوله تعالى: " وإِمّا أن نكون نحنُ المُلقين ". فثبت أن صاحب المعاني إذا لم يعرف النحو، لم يدر ما يقوله. ويمكن أن يجاب عنه ويعتذر له فيقال: إنه إنما يتكلم في التوكيد، وقوله تعالى: " اسكن أنتَ وزوجُك " ليس هو من باب التوكيد، إنما أتى به لأمر آخر وهو عدم الجواز في العطف على المضمر المستكن، وهذا غير التوكيد. قلت: وعلى كل حال، فهي عبارة مدخولة غير سادة، تحتاج إلى قيد يخرج مثل هذا، وإلا ورد على قاعدته التي قررها، فإن القواعد تحتاج إلى أن تكون محكمة غير موهمة. ابن الأثير يناقش المتنبي في بعض شعره قال في النوع الثامن من استعمال العام في النفي، والخاص في الإثبات: وقد أغفل كثير من الشعراء ذلك، من جملتهم أبو الطيب حيث يقول: يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل فإنه إذا فعل ذلك، كان كالمرتفع من محل إلى محل أعلى منه، وإذا خالفه كان كالمنخفض من محل إلى محل أدنى منه. فأما قوله: يا بدر فإنه اسم الممدوح والابتداء به أولى، ثم يجب أن يقول بعده: يا رجل يا ليث يا غمامة يا بحر يا حمام لأن الليث أعظم من الرجل، والغمامة، أعظم من الليث والبحر أعظم من الغمامة، والحمام أعظم من البحر. أقول: قد ناقشه ابن أبي الحديد، وقال كلاما أذكر ملخصه، وهو أن المتنبي قصد مقصدا صالحا لأنه ابتدأ بالبحر وهو دون الغمامة، لأن البحر هنا هو الذي يورد وهو مثل الغدير والنهر لا البحر الملح، فإن ذلك استقص كلي، والأنهار والغدران يتفرعا عن الغمامة، ثم انتقل فقال: يا ليث الشرى وانتقل منه إلى الحمام لأنه أعلى من الليث، لأنه لولا الحمام لم يرهب الليث. ولذكر الجود أولا قال يا بحر، ولذكر الشجاعة ثانيا قال يا ليث، وقدم الجود لأن حاجة جمهور الناس إلى الجود أكثر من حاجتهم إلى الشجاعة، انتهى، هذا ملخص كلام ابن أبي الحديد، وهو لعمري تأويل حسن، كونه عكس على ابن الأثير مقصده وجعل البيت من باب الانتقال من الأدنى إلى الأعلى، وغالب الناس طعن في البيت كما طعن ابن الأثير. قلت: وللناس فيه تأويل آخر، وهو أنه لا يلزمه الانتقال من الأدنى إلى الأعلى فيما قصده، لأنه أراد وصفه بالمدح الذي ادعاه فيه قبل. وقال: يا بدر اسمه، ثم قال يا بحر، فإن لم أصدق فيما أقوله فيا غمامة، فإن لم أصدق فيا ليث، فإن لم أصدق فيا حمام لأنك تعدم نفوس أعدائك الحياة، فإن لم أصدق فيا رجل، جمع هذه الأوصاف التي ذكرتها، على أن هذا التأويل ليس في قوة ما ذكره ابن أبي الحديد ولا في حسنه. وابن الأثير ادعى أن الحمام أكبر من البحر وأعلى ولم يبين وجه ذلك، والذي أقوله في ذلك: لأن الموت عبارة عن عدم الحياة، والبحر عبارة عن وجود الماء الكثير الغمر، والعدم أعم من الوجود، فهو أعلى منه بهذا الاعتبار ومقدم عليه. ومن هذا قوله تعالى: " الحمدُ لِلّه الذي خلَقَ السّمواتِ والأرضَ، وجعلَ الظُّلماتِ والنُّور ". قيل: إنه قدم الظلمات على النور، لأن الظلمة عبارة عن عدم النور، والعدم مقدم على الوجود. ولولا هذا التأويل في هذه الآية الكريمة، لكان قول المتنبي: يا بدر يا بحر البيت من هذا الباب.

стр. 72

ويشكل على من قرر أنه لا ينتقل إلا من الأدنى إلى الأعلى، وبهذه القاعدة التي قرروها تمسك من فضل الملائكة على الأنبياء وقال: إن الله تعالى انتقل من الأدنى إلى الأعلى في قوله تعالى: " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لِلّه ولا الملائكةُ المُقَّربون " فإن الحكيم لا ينتقل من الأعلى إلى الأدنى، ولا يقول البليغ: لا أفكر في السلطان ولا في الوزير بل يقول: لا أفكر في الوزير ولا في السلطان. والصحيح الذي ذهب إليه علماء السنة، أن الأنبياء أفضل من الملائكة إلا من شذ منهم مثل: القاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي عبد الله الحليمي. وقوله: ومثل جدودها في عيون الأعداء شيئاً عجابا، هذا كلام فارغ كالجسد الذي لا روح فيه. وقوله: وأراهم في اليقظة إرهابا وإرعابا، وفي المنام إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، أصل هذا المعنى لأشجع السلمي. وعلى عدوك يا بن عم محمدٍ ... رصدان: ضوء الصبح والإظلام فإذا تنبّه رعته وإذا غفا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام وما زان سجعته الثانية إلا تضمينه السجع الذي جاء في رؤية الموبذان ليلة ولد النبي ﷺ وما جاء في ذلك من كلام سطيح. وابن الأثير احتفل لهاتين السجعتين، وأراد مماثلة القاضي الفاضل في دعاء الكتاب الذي كتبه في فتح القدس. ومنه: ولا زالت غيوث فضله إلى الأولياء أنواءً إلى المرابع وأنوارا إلى المساجد، وبعوث رعبه إلى الأعداء خيلا إلى المراقب وخيالا إلى المراقد. وأنت أيها الواقف على هذه الأوراق حكم بين هذين الخصمين، وبيدك الأمر في الفرق بين الكلامين: فمن استحقّ الاتقاء فرقّه ... ومن استحطّ فحطّه في حشه وإن كان هواي مال بي إلى كلام الفاضل. فلله ابن سناء الملك حيث قال: إني رأيت البدر ثم رأيتها ... ماذا عليّ إذا عشقت الأحسنا ثم قال: وهي فتح القدس الذي تفتحت له أبواب السماء، وكثرت بأحاديث مجده كواكب الظلماء، واسترد حق الإسلام وطالما سعت الهمم في طلبه بالزاد والماء. وأي همم هذه، وما عسى أن تناله إذا لم يكن معها إلا الزاد والماء. أما كان لها مهم غير الزاد والماء، ولا لها فكرة غير ذلك؟ وهمة لا يكون همها الخيل والرجل والسلاح والدأب والسرى وركوب الأخطار، وقطع المفاوز، والصبر على السهر وأنواع المشاق، أي شيء تناله.. ثم قال: ومن أحسن ما أتى به أنه آنس قبلته الثانية بقبلته الأولى. أقول: المليح النادر في هذا، ما ورد في خطبة القاضي محيي الدين ابن الزكي رحمه الله تعالى وهو على المنبر في أول جمعة أقيمت في القدس: ومسجدكم هذا أول القبلتين، وثاني الحرمين، وثالث المسجدين ... واستعمل العماد الكاتب ذلك أيضاً في كتاب كتبه إلى ديوان الخلافة بفتح القدس أيضاً، فقال وقد ذكر الصخرة: فصافحت الأيدي منها موضع القدم، وتجدد لها من البهجة والرسالة ما كان لها في القدم، فهو ثاني المسجدين بل ثالث الحرمين. ثم قال: وكان قد برز من السلاح في لباس رائع من المنعه، وأخرج من السواد الأعظم ما خدع العيون والحرب خدعه. أقول: أكذا يكتب عن مثل ملك عانى من الأهوال ما عانى، وكابد ما كابد، وبذل نفسه وولده وأهله وماله وعساكره، حتى استنقذ مثل القدس من مثل الفرنج.. وهو يريد أن يمت إلى الخليفة بهذه اليد، ويعظم الأمر ويفخمه، ويصف الشدائد التي كابدها حتى صار هذا الفتح العظيم في أيام الخليفة، وانضاف إلى ملكه ودخل في قبضته. ويقال: خدعهم بالسواد الأعظم والحرب خدعة. ليس هذا بلائق في هذا المقام. ثم قال: وما تمنع رقاب البلاد بكثرة السواد، ولا تحمى بعوالي الأسوار بل بعوالي الصعاد. أقول: كان الأحسن أن لو قال: وما تمنع رقاب البلاد بكثرة السواد، بل ببياض الرأي وكثرة السداد.

стр. 73

على أن هذا الكتاب الذي أورده ابن الأثير ﵀ في معارضة الفاضل من أجل ما أنشاه، وأحسن ما وشاه. وإنما سبب ذلك كونه عارضه به معارضه، وأخذ محاسنه من المهلة والتأني مقارضه، فلهذا جاء منقحا وزهره مفتحا. ولو أنه أخذ درجاً، والقاضي الفاضل درجا وقعدا في مكان واحد، وأخذا في العمل على غير مثال، لبان المجلي في الحلبة من الفسكل، كما اقترح السلطان المعز على ابن رشيق وابن شرف القيرواني أن ينظما في الشعر الدقيق الذي على ساق بعض النساء ويمدحاه لكونه يستحسنه ويعيبه بعض الضراير. وقال: أريد أن يكون ذلك حجة لها على من يعيبها. فانفرد كل واحد منهما ونظما في الوقت. فكان الذي أتى به ابن شرف: وبلقيسيّةٍ زينت بشعرٍ ... يسيرٍ مثل ما يهب الشحيح حكى زغب الخدود وكلّ خدٍّ ... به زغب فمعشوقٌ مليح فإن يك صرح بلقيس زجاجا ... فمن حدق العيون لها صروح وكان الذي أتى به ابن رشيق: يعيبون بلقيسيةٍ إذ رأوا بها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا وقد زادها التزغيب ملحا كمثل ما ... يزيد خدود المرد تزغيبها ملحا فاستحسن المعز أبيات ابن شرف وعاب قول ابن رشيق وقال: لقد أوجدت خصمها حجةً بقولك يعيبون، فإن بعض الناس عاب ذلك. وهذا نقد حسن. وانظر إلى هذين الشاعرين كيف نطقا بلسان واحد، عن رؤية واحدة، ومعنى واحد، وقافية واحدة. ولا بأس بإثبات شيء من كتاب القاضي الفاضل في الفتح المذكور. ولولا خوف الإطالة لأثبت الكتابين برمتهما، ولكن يؤخذان من مكانيهما. قال القاضي الفاضل رحمه الله تعالى: أدام الله أيام الديوان العزيز، ولا زال مظفرا بكل جاحد، غنيا بالتوفيق عن رأي كل رائد، موقوف المساعي على اقتناء مطلقات المحامد، مستيقظ النصر والسيف في جفنه راقد، وارد سحاب الجود والسحاب على الأرض غير وارد، متعدد مساعي الفضل وإن كان لا يلقى إلا بشكر واحد، ماضي حكم العدل بعزم لا يمضي لسل غوي وريش راشد، ولا زالت غيوث فضله إلى الأولياء أنواءً إلى المرابع وأنوارا إلى المساجد، وبعوث رعبه إلى الأعداء خيلا إلى المراقب وخيالا إلى المراقد. منه: ولله في إعادة شكره رضى، وللنعمة الراهنة دوام لا يقال معه هذا مضى، وقد صارت أمور الإسلام إلى أحسن مصائرها، وقد استتبت عقائد أهلها على بصائرها، وتقلص ظل الكافر المبسوط، وقد صدق الله أهل دينه فلما وقع الشرط وقع المشروط، وقد كان الإسلام غريبا فهو الآن في وطنه، والفوز معروضا وقد بذلت الأنفس في ثمنه، وجاء أمر الله وأنوف الشرك راغمة، وأدلجت السيوف والآجال نائمة، وصدق الله وعده في إظهار دينه على كل دين، واستطارت له أنوار أبانت أن الصباح عندها جبان الجبين، واسترد المسلمون تراثا كان عنهم آبقا، فظفروا منه يقظة بما لم يصدقوا أنهم يظفرون به طيفا على النأي طارقا، واستقرت على الأعلى أقدامهم، وخفقت على الأقصى أعلامهم، وتلاقت على الصخرة قبلهم، وشفيت بها وإن كانت صخرة كما تشتفي بالماء غللهم. ولما قدم الدين عليها عرف منها سويداء قلبه، وهنأ كفؤها الحجر الأسود ببت عصمتها من الكافر بحربه، فلله الحمد على أن أحرمت بخلع ذلك البنيان المخيط، وطهرها ما قطر من دعم الكفر وما كان ليطهرها البحر المحيط، وكان الخادم لا يسعى سعيه إلا بهذه العظمى، ولا يقاسي تلك البؤس إلا لهذه النعمى، ولا يحارب من يستظلمه إلا لتكون الكلمة مجموعة وكلمة الله هي العليا، وليفوز بجواهر الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدنيا. ومن طلب خطيرا خاطر، ومن رام صفقةً رابحةً خاسر، ومن سما لأن يجلي غمرة غامر. منه لما ذكر الخلفاء لا جرم أنهم ورثوا سرهم وسريرتهم خلفهم الأطهر، ونجلهم الأكبر، وبقيتهم الشريفة، وطليعتهم المنيفة، وعنوان صحيفة فضلهم، لا عدم الإسلام سواد القلم وبياض الصحيفة. منه: والشرق يهتدي بأنواره، بل إن بدا نور من ذاته هتف الغرب بأن واره، فإنه نور لا تكنه أغساق السدف، وذكر لا تواريه أوراق الصحف. منه وقد ذكر الكفر: ونام سيف جفنه وكانت يقظته تريق نطف الكرى من الجفون، وجدعت أنوف رماحه وطالما كانت شامخة بالمنى راعفة بالمنون، وأصبحت الأرض المقدسة الطاهرة وكانت الطامث، والرب المفرد الواحد وكان في زعمهم الثالث.

стр. 74

منه: وبدل الله مكان السيئة الحسنه، ونقل بيت عبادته من يد أصحاب المشأمة إلى أصحاب الميمنة. منه: فكم أهلة سيوف تقارضها الضراب حتى عادت كالعراجين، وكم أنجم قنا تبادلت الطعان حتى صارت كالمطاعين، وكان اليوم مشهودا والملائكة شهودا، وكان الصليب صارخا والإسلام مولودا، وكانت ضلوع الكفار لنار جهنم وقودا. منه وقد ذكر القومص وفراره: وكان مليا يوم الظفر بالقتال ويوم الخذلان بالاحتيال، فنجا ولكن كيف، وطار خوفا من أن يلحقه منسر الرمح وجناح السيف، وكان لعدتهم كذلك، وانتقل من ملك الموت إلى مالك. وبعد الكسرة مر الخادم على البلاد فطواها بما نشر عليها من الراية العباسية السوداء صبغا البيضاء صنعا، الخافقة هي وقلوب أعدائها، هي وعزائم أوليائها، المستضاء بأنوارها إذا فتح عينها البشر، وأشارت بأنامل العذبات إلى وجه النصر. منه: ويحصد كفرا ويزرع إيمانا، ويحط من جوامعها صلبانا ويرفع أذانا، ويبدل المذابح منابر والكنائس مساجد، ويبوىء أهل القرآن بعد أهل الصلبان للقتال مقاعد، ويقر عينه وعين أهل الإسلام أن تعلق النصر منه ومن عسكره بجارٍ ومجرور، وأن يظفر بكل سور ما كان يخاف زلزاله وزياله إلى يوم النفخ في الصفح. منه: وقبالها ثم قاتلها، ونزل إليها ثم نازلها، وبرز لها ثم بارزها، وحاجزها ثم ناجزها، فضمها ضمةً ارتقب بعدها الفتح، وصدع جمعها فإذا هم لا يصبرون على عبودية الحد عن عتق الصفح. منه: وقدم المنجنيقات التي تتولى عقوبات الحصون عصيها وحبالها، وأوتر لهم قسيها التي تضرب ولا تفارق سهامها نصالها، فصافحت السور فإذا سهمها في ثنايا شرفاتها سواك، وقدم النصر نسرا من المنجنيق يخلد إخلاده إلى الأرض ويعلو علوه إلى السماك، فشج مرادغ أبراجها، وأسمع صوت عجاجها، فأخلى السور من السيارة، والحرب من النظارة، وأمكن للنقاب أن يسفر للحرب النقاب، وأن يعيد الحجر إلى سيرته من التراب، فتقدم إلى الصخر فمضغ سرده بأنياب معوله، وحل عقده بضربه الأخرق الدال على لطافة أنمله، وأسمع الصخرة الشريفة حنينه واستغاثته إلى أن كادت ترق لمقتله، وتبرأ بعض الحجارة من بعض، وأخذ الخراب عليها موثقا فلن يبرح الأرض، وفتح من السور بابا سد من نجاتهم أبوابا، وأخذ يفت في حجره فقال الكافر يا ليتني كنت ترابا. منه في تسلم البلد: وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكان، فخدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان، لا جرم أن الله تعالى أخرجهم منها وأهبطهم، وأرضى أهل الحق وأسخطهم. منه: وفيها كل غريب من الرخام الذي يطرد ماؤه، ولا ينطرد لألاؤه، قد لطف الحديد في تجزيعه، وتفنن في توسيعه، إلى أن صار الحديد الذي فيه بأس شديد، كالذهب الذي فيه نعيم عتيد، فما ترى إلا مقاعد كالرياض بها من بياض الترخيم رقراق، وعمدا كالأشجار لها من التنبيت أوراق. منه: وأقيمت الخطبة وكادت السموات ينفطرن للسجوم لا للوجوم، والكواكب تنتثر للطرب لا للرجوم، ورفعت إلى الله كلمة التوحيد وكانت طريقها مسدودة، وطهرت قبور الأنبياء وكانت بالنجاسات مكدودة، وأقيمت الخمس وكان التثليث يقعدها وجهرت الألسنة بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها، وجهر باسم أمير المؤمنين في موطنه الأشرف من المنبر، فرحب به ترحيب من بر بمن بر، وخفق علماه في خافقتيه فلو طار سرورا لطار بجناحيه. منه: وكل مشقة بالإضافة إلى الفتح محتملة، وأطماع الفرنج بعد ذلك غير مرجئة ولا معتزلة، فإن يدعوا دعوةً يرجو الخادم من الله أن لا تسمع ولن يفكوا أيديهم من أطواق البلاد حتى تقطع، ولهذه البشائر أخبار لا تكاد من غير الألسنة تتشخص، ولا بما سوى المشافهة تتلخص، فلذلك نفذ فلانا شارحا، ومبشرا صادحا، يطالع بالخبر على سياقته، ويعرض جيش المسرة من طليعته إلى ساقته. وهو فلان. وقال من كتاب آخر عند ذكر الصخرة: فقد كان بخت الناصر في رد القدس أمضى من سيف بخت ناصر. وذكرت هنا أبيات الصاحب جمال الدين ابن مطروح ﵀ وهي: المسجد الأقصى له عادةٌ ... سارت فصارت مثلا سائرا إذا غدا للكفر مستوطنا ... أن يبعث الله له ناصرا فناصرٌ طهّره أولا ... وناصرٌ طهّره آخرا رجع إلى كلام الفاضل:

стр. 75

منه: وكان الكفر حل بهذا البلد فملكه واستهلكه، وأغلقه فأوثقه، وضاعت مفاتيحه من الإسلام فلم يجدها إلا في زمان أمير المؤمنين وهي السيوف، وما كان يضرب في فنائه للحرب مصاف حتى ضربت في مسجده للصلاة صفوف فاسترجع الصخرة التي هي فص خاتم الإسلام كما استرجع بها سليمان قدما خاتمه، وكان وكيل الإسلام في استرجاع خاتمه صارمه آخر كلام الفاضل رحمه الله تعالى. وهذا بديهٌ لا كتحبير قائلٍ ... إذا ما أراد القول زوّره شهرا وقد أتبع ابن الأثير ﵀ كتاب فتح القدس بتقليد حسبةٍ، أطال فيه وليس في عقده واسطة، ولا في أثنائه نكتة تكون بينها وبين التعجب رابطة، لكنه استوعب آداب الحسبة وعددها، ورصع وصاياها في سلكه ونضدها وأطال في نصها لما سردها، وأظهر فيه العلم لا لطف العمل، وأتى به عريا عن المحاسن فلا رغبة فيه للمنشىء الماهر ولا أمل، وهو بأن يكون جزءا في آداب الحسبة أحق منه بأن يكون في التقاليد معدودا، وبأن يضم إلى الكتب الموضوعة لذلك أولى منه بأن يكون في جملة الإنشاء مسرودا. ؟ حول ورود أن بعد لما وأثرها في الدلالة على تراخي الزمن قال في النوع السابع عشر في التكرير، وقد ذكر دخول أن التي ترد بعد لما وادعى أنها إذا دخلت في الكلام دل على أن الفعل لم يكن على الفور، وأنه ثم تراخ ومهلة. وساق قوله تعالى: " فلمّا أنْ جاءَ البشيرُ القاهُ على وَجههِ فارتَدَّ بصيرا ". وإذا نظر في قصة يوسف مع إخوته منذ ألقوه في الجب وإلى أن جاء البشير إلى أبيه ﵇، وجد أنه كان ثم إبطاء وتراخ بعيد بعيد، ولو لم يكن ثم مدة بعيدة وأمد متطاول، لما جىء بأن بعد لما وقبل الفعل. بل كانت تكون الآية: فلما جاء البشير ألقاه على وجهه. وهذه دقائق ورموز لا توجد عند النحاة لأنها ليست من شأنهم. أقول: هذا من جناية إعجاب المرء بعقله ورأيه، ألا تراه كيف تصور الخطأ صوابا، ثم أخذ يتبجح بأنه ظفر بما لم يفهمه النحاة ولا يعلوه: أتراه ما نظر إلى هذه الفاء التي هي للتعقيب عقيب ماذا وردت. هل وردت عقيب قوله تعالى: " فلما ذهبوا به وأَجمَعوا أنْ يجعلوه في غَيابَةِ الجُبّ ".. والآيات المتعلقة بواقعة إلقائه في الجب حتى يدعي هذه الدعوى. أو وردت عقيب قوله تعالى: " اذهَبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيرا وأْتوني لأجِدُ ريحَ يُوسفَ لولا أَنْ تُفنِّدونِ. قالوا: تالله إنك لفي ضلالِك بأهلِكُم أَجمعين " إلى قوله تعالى: " ولما فَصَلتِ العِيرُ قال أَبوهم: إني القَديم. فلمّا أنْ جاء البشير " الآيات. فأي تراخ بين هذين من البعد البعيد والمدة المتطاولة؟ إنما كان ذلك كله بقدر المسافة من مصر إلى أرض كنعان، مقام يعقوب ﵇، وهي تكون اثني عشر يوماً وما حولها، ولهذا قال النحاة: إنها هنا زائدة. قال في هذا النوع أيضاً وقد أورد قول أبي نواس: أقمنا بها يوماً ويوما وثالثا ... ويوما له يوم التّرحّل خامس مراده من ذلك أنهم أقاموا أربعة أيام. ويا عجبا له، يأتي بمثل هذا البيت السخيف الدال على العي الفاحش في ضمن تلك الأبيات. أقول: ليس الأمر كما ادعاه من أنه أراد أنهم أقاموا أربعة أيام، بل قد ذهب بعض المتأدبين إلى أن المقام كان سبعة أيام، بدليل أنه أقام يوماً ويوما وثالثا فهذه ثلاثة أيام. ثم قال: ويوما له يوم الترحل خامس فزاد الثلاثة أربعة أخر خامسها يوم الرحيل. وما يشك صاحب الذوق أن هذه العبارة أحسن من قوله: أقمنا بها أسبوعا، وإن كان هذا أخصر في اللفظ، ولكن ذلك له موقع. سلمنا أن المقام أربعة أيام، ولكنه كرر ذلك لمعنى لم يوجد إلا في هذا التكرار، وهو أن المقام في هذه الحالة مقام وصف لأيام قطعها في لذة، فأخذ يعددها أفرادا غير جملة ويقول: أقمنا بها يوماً ويوما ويوما كالمتلذذ بهيئة كل يوم استحضرها في ذهنه، وما مر لهم فيها من أنواع اللذاذات والمسرات، وهذا أمر متعارف في الخير والشر فيقال: واصلني يوماً في يوم في يوم في يوم، وهجرني يوماً في يوم في يوم في يوم. ومن هذا قول مروان الأصغر: سقى الله نجدا والسّلام على نجد ... ويا حبذا نجدٌ على النأي والبعد كرر ذلك تلذذا بذكرها، وتحرقا بالشوق إليها. ولله المتنبي حيث قال:
следующие страницы →