← Баляга

Баляга · id 514

نصرة الثائر على المثل السائر

الصفدي

Полный текст (97 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم عفوك اللهم الحمد لله الذي فطر عقول البشر متغايرة، وجعل النفوس برأيها عل نقطة الرضى دائرة، وزين لها أعمالها حتى توهمت أنها في الأمثال السائرة. أحمده على نعمه التي أوضحت ما أبهم وألبس، وأبدت نار الهدى التي لم تكن بسوى أنامل الذوق تقبس، وراضت جواد الانتقاد الذي إذا أم غاية لم يثن عنانه ولم يحبس. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يسجع بها حمام اللسان من اليقين على أراكه، وتنجي قائلها من الوقوع في حبائل الشرك وأشراكه، وتكون له ذخيرة إذا عدم سكونه بعد حراكه. وأشهد أن محمدا سيدنا وعبده الذي عصمه الله من الخطأ في القول والعمل، وحرس به سرح الفصاحة ولولاه لاختلط المرعى بالهمل، وآتاه من جوامع الكلم ما لم تطمح إليه عين أمنية ولم تطمع فيه يد أمل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هابتهم الأساود وخافتهم الأسود، وتجانست أفعالهم فما منهم إلا من يجول ويجود، ويسوس ويسود، وتبرأت شيمهم من النقائص فلم يكن فيهم مختال ولا متكبر ولا حسود، صلاة تتبسم عن ثغرها شفة الفجر في لعس الظلام، ويتلثم بنورها وجه البدر في عرس التمام. وبعد: فإن كتاب المثل السائر للصاحب ضياء الدين بن أثير الجزيرة، عامله الله بلطفه، وسامحه بما هزت به نسمات الخيلاء من غصن عطفه، من الكتب التي خفقت له في الاشتهار عذبات أوراقه، وسعى القلم في خدمته على رأسه إذا سعى الخادم على ساقه. واشتهر بين أهل الإنشاء اشتهار الليل بالكتمان والنهار بالإفشاء، لا بل اشتهار بني عذرة في الحب بتحرق الأحشاء، وأولع به أهل الأدب في الآفاق ولع الكريم بالإنفاق، لا بل ولع الرقباء بالعشاق. إلا أن واضعه ﵀، وان جمع فيه العلم والعمل، وسجع فيه بين الثقيل والرمل، وتوهم أن بدر فضله قد تم وكمل، وتخيل أن جيد الإنشاء بعده قد عطل، وفنه قد خمل، قد أذهب حسناته النادرة، بتوالي سيئاته البادرة، وأضاع تلك الزهرات الفذة، في قفار الدعاوى التي لا يجد فيها السالك لذة، وطال على الناس بعد هلاله سواد ليله، ورفضوا مواقع طله لغثاء سيله. ونعم فإنه: ما الجزع أهلٌ أن تردّد نظرةٌ ... فيه وتثنى نحوه الأعناق لأنه أفنى ذلك البسط في الإعجاب بنفسه والإطراء، وأطال في الغض من أبناء جنسه والازدراء، وظن أن الله قد حرم الفصاحة على من يأتي من بعده، وأن الذين من قبله إما شيخ قد خرف في هرمه، وإما طفل يعبث في مهده. وجر رداء الكبر والخيلاء مخيطا بإبر الحمد، وبالغ في ذلك مبالغة أبي زبيد الطائي في وصف الأسد. ووصف نفسه ولا وصف امرىء القيس لأفراسه، ومدحها ولا مدح أبي نواس سلافة كاسه، وكرر ذلك فغثى النفوس بذلك الغث، وزاد حتى رثى القلق ثوب الصبر لمارث. قال رسول الله ﷺ : احذروا ثلاثا: الحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، والكبر فإنه حط إبليس عن مرتبته، والحسد فإنه دعا ابن آدم إلى قتل أخيه. وقال ﷺ : إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ويقال: إنه أول ذنب عصي الله به في السماء والأرض. وقال النبي ﷺ حاكيا عن الله : الكبرياء ردائي فمن نازعنيه أدختله النار. وقال جعفر بن محمد: علم الله أن الذنب للمؤمن خير من العجب، ولولا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب. وقال بعض الحكماء: البلية التي لا يؤجر المرء عليها العجب، والنعمة التي لا يحسد عليها التواضع. ومما قيل: لا شيء أكتم للمحاسن من التيه والعجب. هذا إلى ما في الكتاب من فلتات عديدة، واختيارات غير موفقة ولا سديدة، ونصر باطل، وتحلية عاطل، وترجيح ما ضعف ووهى، وتوهين ما تحرر وانتهى. مساوٍ لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطّلاق وكنت أقف على أطلالها عند المراجعة ناديا، وأعثر في أذيالها حين المطالعة غالبا، وأتأوه لانفراد تلك اللآلىء في سلوك السبج، وأستطيل سواد لياليه والصبح من محاسنه ما أسفر ولا انبلج. وبلغني ما وضعه عز الدين بن أبي الحديد ﵀ على الكتاب من المؤاخذة، وأنه استصرخت به تلك الظلامات عائذة. فلما وقفت على الفلك الدائر وجدته قد أغفل كثيراً، وأخذ قليلا وترك أثيرا. فأحببت بعد ذلك أن ألتقط ما غادره، وأتتبع شاذه ونادره.

стр. 2

وعليّ أن أقضي صلاتي بعدما ... فاتت إذا لم أقضها في وقتها على أنني بعد ابن أبي الحديد كمن جاء بعد اجتحاف سيل، وأصبح بعد قاطف النهار حاطب ليل. فإن هذا الرجل له تصانيف تدل على تمكنه واطلاعه، وسداد مراميه عند مد باعه، وريه من الفنون وقيامه بها واضطلاعه. منها تعليقان على المحصل والمحصول للإمام فخر الدين وتعليقة ثالثة على الأربعين لفخر الدين، ونظم فصيح ثعلب نظما جيدا في يوم وليلة، وهذا الفلك الدائر علقه في ثلاثة عشر يوما مع أشغال ديوانه. وكتب إليه أخوه موفق الدين ابن أبي الحديد لما وضع الفلك الدائر: المثل السائر يا سيدي ... صنفت فيه الفلك الدائرا لكنّ هذا فلكٌ دائرٌ ... أصبحت فيه المثل السائرا ووضع على نهج البلاغة شرحا في ستة عشر مجلدا، وناهيك بمن يتصدى لنهج البلاغة ويشرحه، ويأتي على ما يتعلق به من كل علم: أصولا وفقها وعربية وتاريخا وأسماء رجال وغير ذلك. ومن وقف على هذا الشرح، علم أنه قل من يدخل معه ذلك الصرح، أو يسام معه في مثل هذا السرح، وحسبك بمن وأخذ الإمام فخر الدين وأورد عليه. ووجدت له أبياتا أولها: وحقك لو أدخلتني النار قلت لل ... لذين بها قد كنت ممن يحبه وأفنيت عمري في دقيق علومه ... وما بغيتي إلاّ رضاه وقربه هبوني مسيئا أوتغ الحلم جهله ... وأوبقه دون البرية ذنبه أما يقتضي شرع التكرم عفوه ... أيحسن أن ينسى هواه وحبه أما ردّ زيغ ابن الخطيب وشكه ... وتمويهه في الدّين إذ جلّ خطبه أما كان ينوي الحق فيما يقوله ... ألم تنصر التوحيد والعدل كتبه فقلت أنا رادا عليه في وزنه ورويه: علمنا بهذا القول أنك آخذ ... بقول اعتزالٍ جل في الدين خطبه فتزعم أن الله في الحشر ما يرى ... وذاك اعتقاد سوف يرديك غبّه وتنفي صفات الله وهي قديمةٌ ... وقد أثبتتها عن إلهك كتبه وتعتقد القرآن خلقا ومحدثا ... وذلك داء عزّ في الناس طبه وتثبت للعبد الضعيف مشيئةً ... يكون بها ما لم يقدره ربه وأشياء من هذي الفضائح جمةً ... فأيكما داعي الضلال وحزبه؟ ومن ذا الذي أضحى قريبا من الهدى ... وحامى عن الدين الحنيفي ذبّه وما ضر فخر الدين قولٌ نظمته ... وفيه شناع مفرط إذ تسبه وقد كان ذا نورٍ يقود إلى الهدى ... إذا طلعت في حندس الشك شهبه ولو كنت تعطي حق نفسك قدره ... لأخمدت جمرا بالمحال تشبّه وما أنت من أقرانه يوم معرك ... ولا لك يوما بالامام تشبّه ونقلت من خط الحافظ اليغموري قال: أنشدني الإمام ركن الدين أبو القاسم لنفسه في عز الدين بن أبي الحديد وقد صنف الفلك الدائر على المثل السائر: لقد أتى باردا ثقيلا ... ولم يرث ذاك من بعيد فهو كما قد علمت شيء ... أشهر ما كان في الحديد وصنف كتابا يرد فيه على ابن أبي الحديد وسماه: نشر المثل السائر وطي الفلك الدائر قلت: هذا ركن الدين أبو القاسم، هو محمود بن الحسين ابن الإمام أرشد الدين الأصبهاني الأصل السنجاري المولد. كان حنفيا يعرف المذهب والأصولين والخلاف والأدب، قرأ على السيف الآمدي وعلى ضياء الدين ابن الأثير، وبطل خرقة الفقهاء وتزيي بزي الأجناد، وتوفي بدمشق في سادس شهر رمضان سنة خمسين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون. ومولده في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. وقال في انتقاله إلى الجندية أبياتا منها: فانظر أخا العقل إلى حرفةٍ ... منها هربنا للوغى الجحفل لو لم تكن أنحس ما في الورى ... لم ترض عنها بالردى الاعجل وكنت أنا في وقت قد كتبت على المحصل للإمام فخر الدين الرازي أبياتا يحسن هنا ذكرها وهي: علم الأصول بفخر الدين منتصرٌ ... به نصول بإعجاب وإعجاز

стр. 3

أضحت به السنة الغراء واضحةً ... قد استقامت لمختار ومجتاز له مباحث كم قد أحرقت شبها ... بشهبها فمن الزاري على الرازي! وأنشدني من لفظه شيخنا الإمام الحافظ أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بالديار المصرية سنة ثمان وعشرين وسبعمائة قال: أنشدنا شيخنا النسابة حافظ المشرق والمغرب شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن الدمياطي يوم الاربعاء الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة ثمانين وستمائة بالقاهرة بقراءتي عليه قال: أنشدنا الشيخ العالم الصاحب عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسين بن أبي الحديد المعتزلي ببغداد، ومولده بالمدائن مستهل ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة لنفسه: لولا ثلاثٌ لم أخف صرعتي ... ليست كما قال فتى العبد أن أنصر التوحيد والعدل في ... كل مكان باذلا جهدي وأن أناجي الله مستمتعا ... بخلوةٍ أحلى من الشّهد وأن أتيه الدهر كبرا على ... كل لئيمٍ أصعر الخد لذاك أهوى لا فتاةٍ ولا ... خمرٍ ولا ذي ميعة نهد قول ابن أبي الحديد هنا: لولا ثلاث.. البيت، إشارة إلى قول طرفة بن العبد: فلولا ثلاثٌ هنّ من لذّة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عوّدي فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزيد وكري، إذا نادى المضاف، مجنبا ... كسيد الغضا، نبهته، المتورد وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمّد ومن شعر ابن أبي الحديد قصيدة بائية من جملة مدائحه في علي بن أبي طالب ﵁: ألا إن نهج المجد أبيض محلوب ... على أنه جم المسالك مرهوب هو العسل الماذيّ يشتاره امرؤ ... بغاه وأطراف الرماح اليعاسيب ذق الموت إن شئت العلا واطعم الردى ... فنيل الأماني بالمنيّة مكسوب خض الحتف تأمن خطة الخسف إنما ... يبوح ضرام الخطب والخطب مشبوب ألم تخبر الأخبار عن فتح خيبر ... ففيها لذي اللب الملب أعاجيب وفوز عليٍ بالعلا فوزها به ... فكلٌ إلى كلٍ مضافٌ ومنسوب حصونٌ حصان الفرج حيث تبرجت ... وما كل ممتط الجزارة مركوب تناط عليها للنجوم قلائد ... وتسفل عنها للغمام أهاضيب منها: وأرعن موار العنان يمورها ... فلم يغن عنها جرّ مجرٍ وتلبيب فللخطب عنها والصروف صوارفٌ ... كما كان عنها للنوائب تنكيب منها نهار سيوفٍ في دجى ليل عثيرٍ ... فأبيض وضاحٌ وأسود غربيب ينوح عليها نوح قارون يوشعٌ ... ويذري عليها دمع يوسف يعقوب بها من زماجير الرجال صواعق ... ومن صوب آذيّ الدماء شآبيب منها يمج منونا سيفه وسنانه ... ويلهب نارا غمده والأنابيب ومن مدائحه في علي بن أبي طالب ﵁، قصيدة أولها: عن ريقها يتحدّث المسواك ... أرجا فهل شجر الأراك أراك ولطرفها خنث الجبان فإن رنت ... باللحظ فهي الضيغم الفتاك شرك القلوب ولم أخل من قبلها ... أن القلوب تصيدها الأشراك منها يا وجهها المصقول ماء شبابه ... ما الحتف لولا طرفك الفتاك أم هل أتاك حديث وقفتها ضحى ... وقلوبنا بشبا الفراق تشاك لا شيء أقطع من نوى الأحباب أو ... سيف الوصيّ كلاهما سفاك

стр. 4

وهاتان القصيدتان طويلتان، اختصرت منهما ما اختصرت، واقتصرت على ما اقتصرت، طلبا للدلالة على فضله، ومضاء سنانه ونصله. ولكن أدته مواده الغزيرة إلى أن اعتزل وتشيع، وأهمل جانب السنة وضيع. وله نثر أجاد فيه بعض جوده، ولم يكن كنظمه الذي رفع هضبه ووطد طوده. وقد ساق شيئاً منه في الفلك الدائر، ونثر ابن الأثير أقعد منه عند أولى البصائر، ولو حذفه كان خيرا من إثباته، وأمنع له من عجم سهمه وغمز قناته. فأي قوادم ينهض بها من جاء بعد هذا المتكلم، وأي سيف يفري فريه وهو متثلم، والمعتزلة فرسان المباحث، وممن توفرت لهم الهمم على الجدل وطاوعتها الدواعي والبواعث. ولكن: قد يدرك المجد الفتى ولباسه ... خلق وجيب قميصه مرقوع وقد ترك الأول للآخر أكثر مما جاء به، وتفاوتت الأذهان في انتقاد مها الحسن وكواعبه، وأعقب العقل سحابه لما انجلت بصوب سحائبه. وما عقمت أم الندى بعد حاتمٍ ... لها كلّ يوم في البرية مولود وقد جمعت ما عثرت عليه من هفوات ابن الأثير في هذه الأوراق، وضربت عليها هذا الفسطاط ومددت هذه الأرواق، وسردتها على الترتيب، وسقتها على ذلك التبويب. وسميت ذلك نصرة الثائر على المثل السائر واخترت هذه التسمية له شارة وإشارة، لأن الثائر لغة هو الذي لا يبقي على شيء حتى يدرك ثاره. وإذا ناقشته في بحث أورده، ونافسته في صالح أفسده، لا أكاد أخلي ذلك الموطن من محاسن أرباب هذا الفن الذين عابهم، وتردد إلى مواقف ذمهم وانتابهم. خصوصا القاضي الفاضل رحمه الله تعالى. فإنه قد عارضه في بعض ما أنشاه، وعاب عليه ما دبجه ووشاه. وقال السها للشمس أنت خفيةٌ ... وقال الدّجى يا صبح لونك حائل والسيف مشهور بغير حمائل، والصبح مشهود بغير دلائل. وأين مقاصد الفاضل وبعد مرماه، واختلاسه المعاني بلطف مغزاه وخفي مسراه. هيهات، فإن بينهما من الفرق، ما بين ذل القدم وعز الفرق. ولطف ذلك لا يخفى على ذوق الكاتب الماهر، وحسن معانيه في الباطن أضعاف كلامه في الظاهر. ولله در ابن سناء الملك إذ يقول على أن غالب ديوانه فيه: شهد الكاملون بالفضل للفا ... ضل أو كاد يشهد المولود وعد الدهر أن يجود على الخل ... ق ولكن بمثله لا يجود وابن قلاقس إذ يقول أيضاً فيه من جملة أبيات: وأسكرنا بيانا دام حتى ... عجبنا كيف حذّرنا المداما معان يقعد الفصحاء عنها ... وتسمعها خواطرهم قياما يتيماتٌ تصدّق في علاه ... مقالة من دعاه أبا اليتامى وأما ابن الساعاتي فأكثر فيه المدح. من ذلك: ما من يقيس إليه خلقا مثله ... إلا كمن قاس الوهاد إلى الذّرى فإذا تقدم في العلاء مفاخرا ... عرف السماك محله فتأخرا وقد تصدى الناس لابن الأثير كونه ناقض الفاضل، ورمي من ألسنتهم وأقلامهم بمشق سيوف المناظر، ورشق سهام المناضل. فلا تجزعن من سنّة أنت سرتها ... فأول راضي سنّةٍ من يسيرها وليس هذا موطن الثناء على القاضي الفاضل، وسوف تقف عليه، وتدلك نفحات طيبه إذا انتهيت إليه. ومن هنا أجرد عن ساعد المؤاخذة، وأبرى السهام التي أظنها في الغرض نافذة. وعلى الله قصد السبيل، هو حسبي ونعم الوكيل. الابتداء بالحمدلة قال ابن الأثير سامحه الله تعالى: نسأل الله أن يبلغ بنا من الحمد ما هو أهله، وأن يعلمنا من البيان ما تقصر عنه مزية النطق وفضله، وحكمة الخطاب وفصله.

стр. 5

أقول: قال رسول الله ﷺ : كل كلام لايبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم فلو قال: الحمد لله لكان أفضل. وربما عيب ذلك على الزمخشري في أول المفصل كونه قال: الله أحمد. وعلى الحريري كونه قال: اللهم إنا نحمدك. لأنهما ما افتتحا كلامهما بالحمد. والأولى الأخذ بما جاء عن الله تعالى، فإنه لا مقام للعبد أشرف من الصلاة لأنها عبادة. حتى قال رسول الله ﷺ : أقرب ما يكون من العبد من ربه وهو ساجد. والفاتحة التي هي أم الكتاب والعمدة في الصلاة، إنما افتتحت ببسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. وقد قال سهل بن هارون: حق على كل ذي مقالة أن يبدأ فيها بحمد الله قبل استفتاحها، كما بدىء بالنعمة قبل استحقاقها. واستعمل ابن الأثير رحمه الله تعالى ذلك في توقيع كتبه فقال: كل كلام لا يبدا فيه بحمد الله فهو أجذم. وقد أورد ابن أبي الحديد على ابن الأثير فيما سأله في هذه السجعة ما فيه مقنع، فليؤخذ ذلك من الفلك الدائر. وأما السجعة الثانية، فما أدري معنى قوله تقصر عنه مزية النطق، فأي شيء يعلمه حتى تقصر عنه مزية النطق؟ إن أراد بذلك لطف المعاني التي هي أرواح الألفاظ فمتى قصر النطق عن معنى لم تبرزه النفس كاملاً؟ وإن أراد بذلك الأشياء التي تكون على تراكيب الألفاظ من الطلاوة والرونق ذلك غير البيان لأن البيان إيضاح المعاني وإبداؤها وإظهارها، وذلك الذي أردته من الحسن واللطف اللذين يكونان في بعض الكلام، فذلك غير البيان. وهو كالملاحة التي لا يعقل لها معنى ولا يعبر عنه. كما قيل: شيء به فتن الورى غير الذي ... يدعى الجمال ولست أدري ما هو ويقال: مع المحبوب شيء آخر غير حسنه هو الذي يشفع له إلى القلوب. ألا ترى أن بعض الصور مفردات أعضائها نهاية في الحسن، وليس لها ذلك المعنى الذي لغيرها. وكذا قيل في الترياق، إنه بعد التركيب يفيض الله عليه خاصة لم تكن في قوة أجزائه حالة الإفراد. والهيئة الاجتماعية لها معنى غير الحالة التي تكون لأفرادها ولا شك أن لكلام الفصحاء في حالة التركيب خواص لا يمكن التعبير عن ذلك الحسن الموجود فيها. ولهذا أفتى الفقهاء فيمن بدل ترتيب الفاتحة، وقلب بعض الآيات إلى موضع بعض أنه لا تصح صلاته، لأنه يبطل إعجاز القرآن العظيم، وهو سياقته على هذا النمط الغريب، وتأليفه على هذا النظم العجيب. وهنا بحث بين الأشعري والمعتزلي، أضربت عنه طلباً للاختصار. فإن كان ابن الأثير سأل هذه الخاصة، فهذه الخاصة لا يطلق عليها لفظ البيان. وإذا كان الأمر كذا، فقد ثبت أن معنى هذه السجعة غير مفهوم. وقد ناقشه ابن أبي الحديد في قوله النطق وما الذي أراد به فليؤخذ من كتابه. قال: وعلى آله وصحبه، الذين منهم من سبق وبدر، ومنهم من صابر وصبر، ومنهم من آوى ونصر. وأقول: لو قال: ومنهم من هاجر ونصر لكان أحسن من وجهين: أحدهما أنه يحصل له الموازنة والترصيع بين هاجر وصابر، وثانيهما أنه يتناول المهاجرين والأنصار من الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم مقدمون على الأنصار، وعلى قوله لا ذكر للمهاجرين، فإن من الأنصار من سبق غيره إلى الإيمان. فإن قيل: قوله صابر وصبر المعنى واحد، قلت: اتبع لفظ القرآن في قوله تعالى: اصبروا وصابروا. فإن الصبر غير المصابرة، لأن المصابرة مفاعلة، وهي مقابلة الفعل من الآخر بمثله. وكأن ذلك زيادة على الصبر الذي يطيقه الإنسان. عجز الحريري عن إنشاء ما طلب منه في الديوان قال وقد ذكر الحريري المقامات رحمه الله تعالى، وأنه صدر عنه مثل هذا الكتاب، ولما استكتب في الديوان أفحم. وساق الحكاية المشهورة. ثم قال: وهذا مما يعجب منه، وسئلت عن هذا فقلت: لا عجب، لأن المقامات مدارها جميعها على حكاية تخرج إلى مخلص، وأما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له، لأن المعاني فيها تتجدد بتجدد حوادث الأيام، وهي متجددة على عدد الأنفاس، ألا ترى أنه إذا كتب الكاتب المفلق عن دولة من الدول الواسعة التي يكون لسلطانها سيف مشهور وسعي مذكور، ومكث على ذلك برهة يسيرة لا تبلغ عشر سنين، فإنه يدون عنه من المكاتبات ما يزيد على عشرة أجزاء، كل جزء منها أكبر من المقامات حجماً، ثم إذا غربلت خلص منها النصف.

стр. 6

أقول: أما عجب الناس من واقعة الحريري فهي موضع العجب في بادىء الرأي. لأن من يصدر عنه مثل هذا الكتاب الذي لا نظير له في بابه، وهو في الآداب: شمس ضحاها هلال ليلتها ... درّ تقاصيرها زبر جدها ثم يتوقف في كتاب يطلب منه فإن ذلك غريب. وأما إذا فكر الإنسان، وعلم أن الإنشاء من باب الفتوح على الإنسان، لم يكن ذلك بعجيب. لأن الله تعالى قد يفتح بذلك في وقت دون وقت. وقد عد الشيخ محيي الدين بن عربي النظم وحسن الكتابة من الفتوح، وما يزال الناس كذلك تارة يفتح عليهم وتارة لم يفتح. والحريري في ذلك الوقت لم يفتح عليه. على أن الحريري في وقت عمل المقامات كان في بيته مخلى ونفسه، يصوغ ويكسر ويهدم ويبني فإذا نبا به مقام تحول إلى غيره، وإذا تقاعس عليه معنى تركه وجذب ما هو أسلس قياداً منه. وقد ذكر أن مسودات المقامات كانت حمل جمل. وذلك أمر غير جلوسه في الديوان وأول قدومه، وهو بين جماعة من أرباب الفن، ويقترح عليه معنى لا محيد له عنه، ولا فسحة له في مضيقه، ولا نجاة له من زلله، ولم يكن قد استعد له، لا جرم أنه أفحم وتوقف ونتف عثنونه. وليس يعاب المرء في جبن يومه ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس ولعل ابن الأثير سامحه فيما أورده من كلامه في المثل والوشي المرقوم والمعاني المبتدعة وغير ذلك من نسبة المقامات. فإنه حكى عن نفسه في المثل السائر أنه كان يتلو القرآن العظيم، فإذا مرت به الآية الكريمة ولمح فيها معنى يناسب أن يكون في كذا، بنى عليه كتاباً أو فصلاً وأثبته. أو كما قال. وغالب ما أثبته إنما هو معارضات عارض بها كتب القاضي الفاضل وأبا إسحاق الصابي وهذا من باب عمل المقامات وهو في بيته يطالع على ما يعمله ويتروى ويمحو ويثبت. وتوهموا اللعب الوغى، والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان وأما قوله: إن الكاتب يظهر عنه في المدة التي ذكرها عشرة أجزاء كل جزء أكبر حجماً من المقامات وإذا غربلت ونقحت كانت خمسا، فهذا تعصب ودعوى لا يقوم عليها برهان، أو جهل بلغ الغاية. وأي ترسل لكاتب تقدم عصره وإلى الآن يجمع له من ترسله مجلدة واحدة تكون كالمقامات يتداولها الناس، ويتعاطون كؤوسها، ويتمثلون بأبياتها وأسجاعها، ويكررون عليها من أولها إلى آخرها، ويبحثون عن عوراتها، وينقبون عن مساوئها، فلا يجدون فيها مغمزاً، ولا يقعون فيها على مطعن. بل تصفوا على السبك، وتجود على الاستعمال. ويزيدها مرّ الليالي جدةً ... وتقادم الأيام حسن شباب على أن ابن الخشاب رد عليه أليفاظاً يسيرة وأجابه المسعودي عنها وابن الخشاب أصاب في القليل من القليل، وتعنت في كثير القليل. وكذلك ابن بري وضع عليها نكتا يسيرة. وناهيك بكتاب اشتهر، وضرب به المثل، وأصبح إحدى الأثافي في علم الأدب، وأصبحت ألفاظه ومعانيه حجة، ونقلت بها النسخ عدد حروفها. وسار مسير الشمس في كل موضعٍ ... وهبّ هبوب الريح في البر والبحر وما رأيت ولا سمعت بمن أخذ جزءاً من ترسل، وقرأه على شيخ وحفظه وطلب به الرواية وعلق عليه حواشي لغة وإعراب ومعان. وقد وضع الناس الشروح المبسوطة على المقامات مثل المسعودي فإن له عليها شرحين، والمطرز وابن الأنباري وأبي البقاء وغيرهم ولقد رأيت بعضهم يزعم أنها رموز في الكيمياء، ويحكى أن الفرنج يقرؤونها على ملوكهم بلسانهم ويصورونها ويتنادمون بحكاياتها. وما ذاك إلا أن هذا الكتاب أحد مظاهره تلك الحكايات المضحكة، والوقائع التي إذا شرع الإنسان في الوقوف عليها، تطلعت نفسه إلى ما تنتهي إليه، وتشوقت نفسه إلى الوقوف على آخر تلك القصة. هذا إلى ما فيها من الحكم والأمثال التي تشاكل كتاب كليلة ودمنة وإلى ما فيها من أنواع الأدب وفنونه المختلفة وأساليبه المتنوعة. حكى لي الشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس عن والده أبي عمرو عن أبيه أبي بكر قال: قلنا لابن عميرة كاتب الأندلس: لأي شيء ما تصنع مثل المقامات؟ فقال: أما الألفاظ فما أغلب عنها، وأما تلك الأكاذيب التي تكذبها فما أحسن أن أضع مثلها.

стр. 7

وسمعت القاضي شهاب الدين محمودا رحمه الله تعالى حين قراءة هذا الكتاب عليه يحكي أن القاضي الفاضل رحمه الله تعالى أراد معارضتها، وصنع ثلاث عشرة مقامة عارض كل فصل بمثله حتى جاء إلى قول الحريري في المقامة الرابعة عشرة: اعلموا يا مآل الآمل وثمال الأرامل، أنني من سروات القبائل، وسريات العقائل. لم يزل أهلي وبعلي يحلون الصدر، ويسيرون القلب، ويمطون الظهر، ويولون اليد. فلما أردى الدهر الأعضاد، وفجع بالجوارح الأجساد، وانقلب ظهر البطن، نبا الناظر، وجفا الحاجب وذهبت العين وفقدت الراحة، وصلد الزند، ووهت اليمين، وبانت المرافق، ولم يبق لنا ثنية ولا ناب. فمذ اغبر العيش الأخضر، وازور المحبوب الأصفر، اسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر. فقال الفاضل: من أين تأتي الإنسان بفصل يعارض هذا؟ ثم إنه قطع ما كان عمله من المقامات ولم يظهر. أو كما قال. وناهيك بمن يقول مثل القاضي الفاضل في حقه مثل هذا، ويعترف له بالعجز. وأما أنا فكلما قرأت هذا الفصل وذكرته، أجد له نشوة كنشوة الراح، وبهجة ولا بهجة الساري بطلعة الصباح. وفي أي ترسل تجد نظير هذا الفصل الذي له هذه الخفة والطلاوة، ولم تروجه الأسجاع؟. وقد ظلم المقامات من جعلها من باب الترسل، والترسل جزء منها. بل هي كتاب علم في بابه، وبلاغة الرجل تعلم من ذكره لشيء في غالب مقاماته بالمدح والذم. وهذا هو البلاغة، أن تصف الشيء ثم تذمه، أو بذم ثم تمدحه، كما فعل في مقامة الدينار، والتي فاضل فيها بين كتابة الإنشاء والحساب، والتي ذكر فيها البكر والثيب والزواج والعزبة وغير ذلك. وفصاحته تعلم من أخذه الأمثال السائرة وضمها إلى سجعة أحسن منها. كقوله: أعطيت القوس باريها وأنزلت الدار بانيها وقوله: تخلصت قابية من قوب وبرىء براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وقوله: وهل ضاعت عدتنا عدة عرقوب أو بقيت حاجة في نفس يعقوب وقوله: فلما دل شعاعه على شمسه، ونم عنوانه بسر طرسه وقوله: فبقيت أحير من ضب وأذهل من صب وقوله: أنحل من قلم وأقحل من جلم وقوله: لو كان في عصاي سير ولغيمي مطير وقوله: طويته على غره، وصنت شغاه عن قره وقوله: إنكما فرقدا سماء وكزندين في وعاء وقوله ليعلم أن ريحه لاقت إعصاراً وجدوله صادف تياراً وقوله مأرب لا حفاوة ومشرب لم يبق له عندي طلاوة وقوله: المكنة زورة طيف، والفرصة مزنة صيف وقوله: أبعد من رد أمس الدابر، والميت الغابر وقوله: ما أطول طيلك وأهول حيلك وقوله: وكان يوما أطول من ظل القناة، وأحر من دمع المقلاة وقوله: فأخذ يلدغ ويصي، ويتقح ولا يستحيي وقوله: أين مدب صباك، ومن أين مهب صباك وقوله: قد وجدت فاغتبط واستكرمت فارتبط وقوله: ما ذهب من مالك ما وعظك، ولا أجرم إليك من أيقظك وقوله إنك حمت على ركية بكية، وتعرضت لخلية خلية وقوله ما كل سوداء، تمرة، ولا كل صهباء خمرة وقوله: كمن يبغي بيض الأنوق، ويطلب الطيران من النوق وقوله: أتعلم أمك البضاع وظئرك الإرضاع وقوله: فلما رأينا نارهم الحباحب، وخبرهم كسراب السباسب وقوله: إني لأطوع من حذائك، وأوفق من غذائك وفيها من هذا النوع كثير أضربت عنه خوف الإطالة. وما تناهيت في بثي محاسنه ... إلا وأكثر مما قلت ما أدع ثقافة الكاتب قال: فإذا ركب الله في الإنسان طبعا قابلا لهذا، فيفتقر إلى ثمانية أنواع من الآلات ثم سردها.

стр. 8

أقول: أما الكاتب فيحتاج إلى حفظ الكتاب العزيز وإدمان تلاوته، ليكون دائراً على لسانه، جارياً على فكرته، ممثلا بين عيني ذاكرته لينفق من سعته، وإلى معرفة اللغة والنحو وإدمان الإعراب ليلا ونهارا، حتى يصير له ذلك ملكة جيدة، والتصريف والمعاني والبيان والبديع والعروض والقافية والأحكام السلطانية كما ذكر في كتابه وشيء من التفسير، وشيء من الأحاديث مثل كتاب الشهاب أو كتاب النجم للأقليشي، والآثار المنقولة عن الصحابة رضوان الله عليهم وما دار بين الخلفاء الراشدين وعمالهم، وما دار بين علي ومعاوية ﵄ من المحاورات، وتواقيع الخلفاء والوزراء والكتاب، وأمثال العرب، وحفظ جانب جيد من شعر العرب والمخضرمين والمحدثين وفحول المتأخرين، وحفظ جيد الحماسة ومختار المفضليات، وبعض قصائد منتهى الطلب جمع ابن ميمون، وما أمكن من التاريخ وأسماء الرجال والحساب، ومراجعات أمهات كتب الأدب، مثل الأغاني والعقد والبيان والتبيين والذخيرة وزهر الآداب وأمالي القالي والكامل للمبرد وتذكرة ابن حمدون وحفظ جانب جيد من المقامات والخطب النباتية، وبعض شعر المتنبي وأبي تمام والبحتري وسقط الزند وغير ذلك. وقد اخترت أنا من شعر هؤلاء الشعراء الأربعة في مجلدة لطيفة، والوقوف على ترسل الكتاب ومراعاة ما قصدوه في كل فن: من التهاني والتعازي والفتوحات ووصايا تقاليدهم وتواقيعهم وأوامرهم ونواهيهم فيها، وافتتاحات أدعيتهم في كل ما يتشعب من طرق الكتابة وكيفية البداءات والمراجعات في الهدايا والشفاعات والأوصاف وكتب الإخوان وما يجري هذا المجرى. وهذا باب لا يغلق له مصراع ولا ينعقد على حصره إجماع. وعلى الجملة، فالكاتب يحتاج إلى كل شيء، ولولا أنه لا يلزمه تحقيق كل فن لقلت إنه الذي يعرف الوجود على ما هو عليه. وهيهات. نعم الناس متفاوتون في ذلك وهم على طبقات: فمنهم من تسنم الدرجات، ومنهم من لا نهض من الدركات، وما بين ذلك. ولا بد من المشاركة مهما أمكن، ولو أنه معرفة لمصطلح لكل صاحب فن، وإذا كمل مواده أو قارب الإكمال، فمعرفة مصطلح الديوان في المكاتبات من معرفة الألقاب والنعوت وما يجري هذا المجرى. فإن هذا معرفته مع المباشرة في أقل من جمعة يتصوره ويدريه، وهو مما لم يتقرر قاعدته، لأنه يختلف باختلاف كل زمان وأهله. وهذا لا عبرة به، فإنه أسهل ما يعرفه. هل تضر مخالفة النحو في معنى قال وقد ذكر النحو: إذا نظرنا إلى ضروبه وأقسامه، وجدنا أكثرها غير محتاج إليه في إفهام المعاني. ألا ترى أنك لو أمرت رجلا بالقيام فقلت: قوم بإثبات الواو ولم تجزم لما اختل من فهم ذلك شيء. وكذلك الشرط والفضلات كلها تجري هذا المجرى من الحال والتمييز والاستثناء وساق أشياء من هذه الأنواع. أقول: ما يورد مثل هذا إلا عوام الناس ومن لم يتلبس بالمعرفة، ومن لم يرح رائحة العلم. ألم يعلم أنه إذا صدر عن مترسل كتاب لم يجزم أفعال أمره ولا شروطه وجوابها، ولم يرفع فاعله وينصب فضلاته، ولا راعي شيئاً من قواعد إعرابه التي هي ظاهرة، ولا حافظ على شيء من الإعراب ألبتة، كان ذلك ضحكة للمغفلين فضلا عن العقلاء. وحينئذ فقد استوى العلماء والجهال. وقد كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد فتفقهوا في السنة وتعلموا العربية وكان عبد الله بن عمر ﵄ يضرب ولده على اللحن. وقال عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدري في الوجه. ورأى أبو الأسود الدوءلي أعدالا للتجار مكتوب عليها لأبو فلان. فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون. ويقال: من أحب أن يجد الكبر في نفسه فليتعلم العربية. ألم يعلم أن بعضهم استدل على أن النحو فرض كفاية إن لم يقل إنه فرض عين، وذهب بعضهم إلى أن الله تعالى لا يقبل الدعاء إذا لم يكن معربا. وقال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح: أخشى على من تعاطى الحديث ولم يدر النحو، أن يدخل في قوله ﷺ : من كذب علي متعمدا، فليتبوا مقعده من النار. ثم إنه استثنى أشياء من ذلك لا تعرف إلا بالإعراب. فأقول: إنه لا يتوصل إلى معرفة الغامض إلا بعد معرفة الواضح، ومن لم يعرف البين لم يعرف العويص، لينتقل في التفهم من الأدنى إلى الأعلى.

стр. 9

قال الخليل بن أحمد ﵀: لا يصل أحد من النحو إلى ما يحتاج إليه إلا بتعلم ما لا يحتاج إليه، فقال أبو عمر: إن كان لا يوصل إلى ما يحتاج إليه إلا بما لا يحتاج إليه، فقد صار ما لا يحتاج إليه محتاجا إليه. وكل علم بهذه المثابة فيه الجلي والغامض في الفقه، فإن مسائله الغامضة في الحيض والتيمم وللفرائض، وما في الجبر والمقابلة، ومسائل الدور في الطلاق وغير ذلك. وكما في المنطق فإن غوامضه في الأقيسة والمختلطات والمغالط وغير ذلك. وكما في علم الكلام من إثبات الجوهر الفرد، وأن العرض لا يبقى زمانين، وأن المعدوم ليس بشيء. وما يتوصل الإنسان إلى معرفة هذه المسائل العويصة إلا بعد مقدمات يفهمها من المسائل الواضحة، وما رأيت من يورد مثل هذا غير العوام، أو من يجهل هذا الفن. هل يقدح اللحن في حسن الكلام قال بعد أن ساق شيئاً من نظم أبي نواس وأبي تمام وأبي الطيب ولحنهم: إن اللحن لم يكن قادحاً في حسن الكلام. أقول: ما بقي بعد هذا إلا أن يقول: إن مراعاة الإعراب علة موجبة لقبح الكلام أتراه ما سمع بقولهم: النحو في الكلام كالملح في الطعام. وقد ذهب بعضهم إلى أن الإعراب إنما سمي إعرابا لأن العرب في قوله تعالى: " عرباً أتراباً " هن المتحببات إلى أزواجهن، فكأن من أعرب كلامه تحبب إلى مخاطبه. أقول: معنى تحببه كونه ذكر أمارات تدل على معانيه. فإنه إذا أراد التعجب قال: ما أحسن زيداً، ولو ترك الإعراب وقال: ما أحسن زيد بسكون النون والدال، لالتبس الفهم على المخاطب وبقي في حيرة: هل هو مستفهم أو متعجب أو مخبر. فلما نصب النون والدال علم أنه يتعجب. وإذا قال: ما أحسن زيد برفع النون وكسر الدال علم أنه يستفهم. واذا قال ما أحسن زيد بنصب النون ورفع الدال علم أنه مخبر بنفي الإحسان عنه. واذا أراح المتكلم من يخاطبه من الفكرة والحيرة بالإعراب، فقد تحبب إليه. وقد قال..... لا قدر للحان ولو بلغ يافوخه عنان السماء وأنا فما أنكر أن لطف التركيب وسهولة الكلام أمر آخر وراء النحو. هذا معلوم ولكن المشاحة في تعسفه وتعنته. حول لون البقرة في الآية صفراء فاقع لونها قال: وكان فاوضني بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة البقرة: " صفراء فاقع لونها "، إن لون البقر كان أسود. وأخذ في الشناع على ذلك والاستدلال على أن اللون أصفر. أقول: من المعلوم أن الأرجح هو أن اللون كان أصفر، لكونه مؤكداً بفاقع. كما يؤكد أسود بحالك وحانك، وأبيض بيقق ولهق، وأحمر بقان وذريحي وأخضر بناضر ومدهام، وأصفر بناصع وفاقع ووارس، وأزرق بخطباني، وأرمك برذاني. ولكن إذا ورد التفسير وثبت النقل بشيء، فما يمكن غير قبوله والعمل به في موضعه من غير أن يتعدى به ذلك الموضع. هذا إذا خالف قاعدة، وإن أمكن ترجيحه رجح، كما رجح هذا بعضهم بقوله تعالى: " إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالات صفر ". أي جمال سود تضرب إلى الصفرة. قالوا: والنار سوداء مظلمة. التأدب في الحديث عن العظماء قال عند ذكر وقائع العرب: ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب أنه استدعى أبا موسى الأشعري ومن يليه من العمال، وكان منهم الربيع بن زياد الحارثي، فمضى إلى يرفأ، مولى عمر، وسأله عما يروج عنده وينفق عليه، فأشار إلى خشونة العيش. فمضى ولبس جبة صوف وعمامة دكناء وخفا مطابقا وحضر بين يديه في جملة العمال. فصوب عمر نظره وصعده فلم يقع إلا عليه، فأدناه وسأله عن حاله ثم أوصى أبا موسى الأشعري به. ثم قال ابن الأثير: وقد استعملت أنا هذا في تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة، فقلت: واذا استعنت على عملك بأحد، فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدا حاله، فإن الأحوال تتنقل تنقل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد.

стр. 10

أقول: قوله كما خدع عمر، في هذا القول إساءة أدب على عمر ﵁ من نسبته إلى أنه خدع، وفي هذا شبهة لصاحب التقليد، فإنه يقول في نفسه: وإذا كان مثل عمر خدع، فما ظني بنفسي، فيقع منه الإهمال. والآدب في مثل هذا أحسن، ودفع الانخداع عنه أليق. ألا ترى إلى قوله تعالى حاكياً عن يوسف ﵇: " من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي "، فنسب ما وقع بينهم إلى الشيطان تأدباً مع إخوته ﵈. وإذا خدع مثل عمر بن الخطاب ﵁ مع تحرزه وشدته في الدين، فما يظن بغيره. وقال المغيرة بن شعبة: ما رأيت أحدا أحزم من عمر. كان والله له فضل يمنعه أن يجزع، وعقل يمنعه أن يخدع. قال أبو بكر الخرائطي: رحم الله عمر ما كان أنظره بنور الله في ذات الله وأفرسه. كان والله كما قال الشاعر: بصيرٌ بأعقاب الأمور برأيه ... كأنّ له في اليوم عينا إلى غد وقد نقل عن أبي العباس أحمد بن عبد الله بن الحطيئه أنه كان يقول: أدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب. وما أحسن قول الشاعر: حججي عليك إذا خلوت كثيرةٌ ... وإذا حضرت فإنني مخصوم لا أستطيع أقول أنت ظلمتني ... الله يعلم أنّني مظلوم فانظر إلى أدب هذا الشاعر وتلطفه مع محبوبه وإجلاله له. وكان الأحسن أن لو قال: وإذا استعنت على عملك بأحد، فلا تثق منه بلمع السراب، واكشف بيد إرصادك عن وجه سيرته حجاب النقاب، وتيقظ لأموره فلا ترض بالظاهر العامر وتنسى الباطن الخراب، وتخيل من مكره ما تحيل به الربيع بن زياد على عمر بن الخطاب. فإن نسبة الحيلة إلى الربيع أحسن في الأدب من نسبة الخدع إلى عمر ﵁. إنكار التلقب بالناصر على السلطان صلاح الدين قال: وجدت لابن زيادة البغدادي كتاباً كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين يشتمل على أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة. من ذلك أنه تلقب بالناصر وذلك لقب أمير المؤمنين. ثم إن ابن الأثير استصلح الكتاب وقال: لم أجد فيه مغمزاً إلا في هذا الفصل الذي يتضمن حديث اللقب، فإنه لم يأت فيه بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى بكلام فيه غثاثة كقوله: ما يستصلحه المولى على العبد حرام وشيء من هذا النسق. ثم إن ابن الأثير ﵀ ذكر ما أنشأه في هذا المعنى لنفسه قال: قد علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها مشاركة الأنداد. وقد أجرى رسول الله ﷺ ذلك في أشياء نص عليها بحكمه، من جملتها أنه نهى غيره أن يجمع بين كنتيه واسمه، وهذا مسوغ لأمير المؤمنين أن يختص بأمر يكون به مشهوراً وعلى غيره محظوراً. وساق باقي السجع وليس فيه زبدة فأثبته. أقول: قبل الخوض معه أقدم الفرق بين الاسم والكنية واللقب. وذلك أن العلم الدال على شخص معين إن كان مصدرا بأب كأبي بكر وأبي حفص، أو بأم كأم كلثوم وأم البنين وأم المؤمنين فهو الكنية. وإن أشعر برفع المسمى كماء السماء وذي رعين وذي النورين وذات النطاقين وذي الجناحين، ويدخل في هذا ألقاب الخلفاء بني أمية وبني العباس، كالهادي والمهدي والرشيد والأمين والمأمون، ويدخل فيه مصطلح الناس، من شمس الدين وبدر الدين ونجم الدين وغير ذلك من ألقاب أهل الكتاب كشمس الدولة وتاج الملك. أو يشعر بضعة المسمى كففة وبطة والأقيشر والأحوص فهذا هو اللقب. وإن كان للدلالة على ذات المسمى وتعيينه، كزيد وعمرو وبكر وخالد فهذا هو الاسم. وإذا تقرر هذا، فالنبي ﷺ قال: " لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي " مراده لا يقال لأحد من أمته محمد أبو القاسم. أما الناصر والعاضد والقادر والمستنصر وما أشبه ذلك فليس ذلك بكنية ولا اسم على ما تقرر. على أن الفقهاء اختلفوا في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب: فذهب الشافعي ﵀ ومن وافقه إلى أن لا يحل لأحد أن يكتني به سواء كان اسمه محمدا أو غيره. وذهب مالك ﵀ إلى أنه يجوز التكني به لمن اسمه محمد ولغيره. وذهب بعضهم إلى أنه يجوز لمن لم يكن اسمه محمداً ولا يجوز لمن اسمه محمد. قال الرافعي: يشبه هذا الثالث أن يكون أصح، لأن الناس ما زالوا يكتنون به في جميع الأعصار ولا إنكار.

стр. 11

قال الشيخ محي الدين النووي ﵀: وهذا الذي قاله صاحب هذا المذهب، فيه مخالفة لظاهر الحديث. وأما إطباق الناس على فعله مع أن في المكتنين به من الأئمة الأعلام وأهل الحل والعقد والذين يقتدى بهم في الدين، ففيه تقوية لمذهب مالك ﵀ في جوازه مطلقاً. ويكونون قد فهموا النهي مختصا بحياته ﷺ ، لما هو مشهور من سبب النهي في اكتناء اليهود بأبي القاسم ومناداتهم يا أبا القاسم طلبا للايذاء. وهذا المعنى قد زال انتهى. قلت: وممن تكنى بأبي القاسم محمد بن الحنفية. يقال: إن رسول الله ﷺ قال " لعلي ﵁ سيولد لك بعدي غلام وقد نحلته اسمي وكنيتي ولا يحل لأحد بعده ". ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن حاطب بن أبي بلتعة، ومحمد بن الأشعث بن قيس. وسمعت بخواص الأنبياء: أما النبي ﷺ فخواصه معلومة شرعاً. منها: وجوب الضحى والضحية والوتر والتهجد والسواك وتخيير الزوجة في الإقامة معه أو الفراق، وتحريم الخط والشعر وإمساك الكارهة من الزوجات، والفرار من العدو في الحرب، وأن لا يغمد السلاح بعد إشهاره حتى ينال به من العدو، وإباحة الوصال، والخمس وصفي المغنم، ودخول مكة حلالاً، وجعل تركته صدقة غير موروثة، والنكاح بلفظ الهبة من الزوجة بلا مهر وبلا ولي ولا شهود، وفي الإحرام والتزوج بأكثر من أربع، ومن آثرها حرم على الزوج نكاحها ولزمه طلاقها، وحرمة زوجاته بعد وفاته على الأمة فلا يحل نكاحهن لأحد. وأما من عداهم من سائر أمتهم فما لأحد منهم خاصة يمتاز بها من حيث الشرع. فانظر إلى ابن الأثير ﵀، لم يطابق بين الإنكار والاستشهاد، ولو أجاب الملك الناصر عن ذلك وقال: إن الخادم ما جمع بين كنية أمير المؤمنين وبين اسمه ولا انفردت بواحدة منهما، فما وجه الإنكار علي، لكان له أن يقول ذلك. على أن الملك الناصر رحمه الله تعالى ما تسمى بهذا اللقب والناصر في بني العباس خليفة، وإنما العاضد من خلفاء الفاطميين بمصر لما استوزره في سنة أربع وستين وخمسمائة لقبه بهذا اللقب وكان الخليفة ببغداد إذ ذاك المستضيء بالله. رسالة ابن زيادة البغدادي وأما قول ابن زيادة: وكل ما يستصلحه المولى على العبد حرام، فإنه مناسب، ولعله أتى به في صورة أحسن من هذه، وجاء في أثناء كلامه مطبوعاً، ولم يذكر ابن الأثير ما أتى به ليعلم حسنه من قبحه، ولم يحضرني عند تعليق هذا الفصل كلام ابن زيادة، ولعلي أظفر به فيما بعد فأثبته في الحاشية. وقفت على كلام ابن زيادة فيما بعد، فكان ما ختم به فصل الإنكار على اللقب: ومن العجب أن أمير المؤمنين يخاطبه من سمة الملك بما لم يكن له، ويزاحم هو فيما هو لغيره. ومن الحكم الرائقة في وجيز الكلام، والذي يصلح للمولى على العبد حرام انتهى. قلت: وهذه السجعة بيت شعر من أبيات كتبها عمرو بن مسعدة إلى المأمون مع فرس أهداه إليه وهو أدهم بغرة: يا إماماً لا يداني ... هـ إذا عد إمام قد بعثنا بجوادٍ ... مثله ليس يرام وجهه صبحٌ ولكن ... سائر الجسم ظلام والذي يصلح ... البيت وقد أجاب القاضي الفاضل ﵀ عن كتاب ابن زيادة جوابا مطولا، ولكنه حاسن فيه وما خاشن وكاثر وما كاشر. ثم إن القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى، أملى جوابا على الكتاب المذكور على لسان صلاح الدين طول فيه إلى الغاية، مع أنه نافس فيه وناقش، وقاسر فيه وقاشر. وللقاضي الفاضل ﵀ عذر ظاهر في ذلك الوقت عن المداهنة، لعظم منصب الخلافة ذلك الزمان. ولعمري إن هذا الكتاب، فت في عضد الملك الناصر وغض منه، وامتنع الناس الأعيان الذين لهم سورة في غير بلاده أن يقولوا إلا السلطان صلاح الدين دون الملك الناصر، لإنكار الخليفة ذلك. ولعل هذا الأمر باق إلى هذا الزمان، فإنه لا يقال إلا السلطان صلاح الدين في الغالب. وهذان الجوابان قد أثبتهما في الجزء الثالث عشر من التكرة التي جمعتها البلاغة والفصاحة

стр. 12

قال في الفصل الثامن في الفصاحة والبلاغة عند ذكر البلاغة، بعد أن قرر أن البلاغة للمعاني والفصاحة للألفاظ: البلاغة شاملة للألفاظ والمعاني، وهي أخص من الفصاحة، كالإنسان من الحيوان. فكل إنسان حيوان وليس كل حيوان إنساناً. وكذلك يقال: كل كلام بليغ فصيح، وليس كل كلام فصيح بليغا ويفرق بينها وبين الفصاحة من كل وجه آخر غير الخاص والعام، وهو أنها لا تكون إلا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب، فإن اللفظة الواحدة لا يطلق عليها اسم البلاغة، ويطلق عليها اسم الفصاحة، إذ يوجد فيها الوصف المختص بالفصاحة وهو الحسن. وأما البلاغة فلا يوجد فيها لخلوها من المعنى المفيد الذي ينتظم كلاماً. أقول: قد ادعى أن هذا الفارق الثاني غير الأول، وهو هو بعينه ومينه. فإنه أراد أولا، كل كلام فصيح يطلق عليه أنه بليغ ولا ينعكس. ومعنى هذا، إذا قلنا: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل فإن هذا الكلام بليغ باعتبار أن معناه بلغ في صوغ تركيبه إلى حد له توفية بتمام المراد. وفصيح باعتبار بيان مفرداته وحسنها وعذوبتها في السمع. وإذا فككنا هذا التركيب وأخذنا كل فرد من ألفاظه، كان كل فرد فصيحا، ولا يكون بليغا لعدم التركيب في المعنى. فكانت الفصاحة أعم من البلاغة لأنها وجدت في الإفراد والتركيب. وكانت البلاغة أخص لكونها لا تتناول إلا المركب فقط. فحيث وجدت البلاغة مع عذوبة الألفاظ وجدت الفصاحة ولا ينعكس. فصح أن البلاغة كالإنسانية في خصوصها، والفصاحة كالحيوانية في عمومها. وهذا المعنى موجود بعينه في الفارق الثاني الذي أبداه. فإنه قال: إن البلاغة لا تكون إلا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب.. إلى آخره فتأمل كلامه يظهر لك ما قلته. تحديد معنى البلاغة والفصاحة والذي أقوله أنا: هو أن بين البلاغة والفصاحة، عموما من وجه وخصوصا من وجه. بيان ذلك: أما عموم البلاغة، فلأنها تتناول الكلام الفصيح أعني الحسن المبين، وغير الفصيح أعني الغريب الوحشي. وعموم الفصاحة، فلأنها تتناول الألفاظ المركبة فقط، وخصوص الفصاحة، فلأنها لا تتناول إلا الألفاظ العذبة المستعملة فقط. فثبت أن بين البلاغة والفصاحة عموما من وجه، وخصوصا من وجه. ومثل هذا لا يتنبه له ابن الأثير. أقسام علم البيان قال في هذا الفصل: وأما أقسام علم البيان من الفصاحة والبلاغة، فليست كذلك لأنها استنبطت بالنظر وقضية العقل من غير واضع اللغة، ولم يفتقر فيها إلى التوقيف، بل أخذت ألفاظ ومعان على هيئة مخصوصة وحكم لها العقل بمزية الحسن لا يشاركها فيها غيرها. فإن كل عارف بأسرار الكلام من أي لغة كانت من اللغات، يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة يلذها السمع ولا ينبو عنها الطبع، خير من إخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو عنها السمع. ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك ما قلدناه. أقول: قد ادعى أن ذلك عقل صرف. فإن أراد بالبيان الذي اصطلح عليه أرباب البلاغة، وهو أحد أقسام علم البلاغة الذي يطلق على معرفة الحقيقة والمجاز والتشبيه و الاستعارة والكناية ، فإن من المجاز ما هو لغوي كالصلاة، استعملها الشارع في هذه الهيئة المخصوصة المشتملة على القيام والقراءة والركوع والسجود والذكر والسلام والدعاء. وهي في أصل اللغة إنما تطلق على الدعاء الذي هو جزء هذه الهيئة فسماها باسم جزئها، فقد توقفت معرفة هذا المجاز على حقيقته، وتلك الحقيقة لا تعرف إلا بالنقل لا بالعقل، والمتوقف على المتوقف على معرفة الشي متوقف على ذلك الشيء. الاستعارة والكناية وأما الاستعارة، فاختلف علماء البيان، هل هي مجاز لغوي أو عقلي. فذهب الأكثرون إلى أنها مجاز لغوي خلافا لصاحب المفتاح فإنه ذهب إلى أنها عقلية. ودليل الأكثرين أنك إذا قلت: عندي أسد شاكي السلاح، وأنت تريد الرجل الشجاع، كان لفظ الأسد عند التحقيق مستعملاً في غير ما وضع له، لأنك تفهم أنه عنده رجل شبهه بالأسد. وإنما حذف أداة التشبيه مبالغة، والألف والسين والدال فهم معناها متوقف على النقل. وأما الكتابة فمن أقسامها قسم يتوقف على النقل. كقول الشاعر: أخو لخم أعارك منه ثوباً ... هنيئاً بالقميص المستجد أراد أبوك أمك حين زفت ... فلم يوجد لأمك بنت سعد

стр. 13

وقد ألقى كساء أبي عبيد ... عليك فصرت أكسى أهل نجد أراني الله عينك في الجعبى ... وعينك عين بشار بن برد فإن الشاعر أراد بأخي لخم جذاما، وببنت سعد عذرة، وبأبي عبيد الأبرص، وبعين بشار العمى. وقول محمد بن عبدون في خمر عادت خلا: ألا في سبيل اللهو كأس مدامةٍ ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت حكت بنت بسطام بن قيسٍ صبيحةً ... وراحت كجسم الشّنفري بعد ثابت أراد ببنت بسطام صهباء، وبجسم الشنفري قوله: فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خلي لخلّ وقول الآخر: ويدعي الشرب في كأس وفي قدح ... وأم عنترة العبسي تكفيه أي تكفيه زبيبة لأنها اسم أم عنترة العبسي. ولولا النقل لما علم من هذه الكنايات شيء، وليس للعقل هنا مجال. فقد اتضح أن بعض البيان نقلي. وإن أراد بالبين علم المعاني الذي هو ما يعرف به تتبع خواص تراكيب الكلم، من أحوال الإسناد الخبري، وأحوال المسند إليه، وأحوال المسند، والفصل والوصل، والإيجاز والإطناب وأحوال الطلب، فأكثر ذلك تتوقف معرفته على النقل، إذ المسند والمسند إليه هما المبتدا والخبر، وأحوال كل منهما متنوعة، من تقديم وتأخير لكل منهما وتعريفهما وتنكيرهما، وحذف هذا تارة وذلك أخرى، ومجيء المسند إليه تارة اسماً وتارة فعلاً إما ماضياً وإما مضارعاً. ولولا خوف الإطالة لضربت أمثلة ذلك، ولكنها معلومة من النحو. وجميع ذلك الأصل فيه ما ورد به النقل. وهذا هو جل علم المعاني. فقد ثبت أن البيان ليس بعقلي كما ادعاه ابن الأثير، بل بعضه عقلي وبعضه نقلي. على أنه قد أورد الناس على علم المعاني فقالوا: إن كان بديهيا لم يحتج إلى تعلمه وتدوينه، وذكره مستغنى عنه، وإن كان كسبيا افتقر إلى علم آخر، ودار أو تسلسل. وما أفضى إلى ذلك فهو باطل. وأجيب بأنه ليس الكل بديهياً فيلزم ذلك. بل البعض بديهي يدرك بالذوق السليم والذهن المستقيم، والبعض كسبي يؤخذ بالنقل. ولما كان الناس على ثلاث طبقات: الأولى أصحاب الطبع السليم وهم العرب الخلص الذين يوردون الكلام بسجيتهم موارده، فهؤلاء مستغنون عن تعلمه لأنه لهم جبلة وفطرة. والطبقة الثانية الجفاة أصحاب الفظاظة والطباع النافرة الذين لا شعور لهم بمعاني الكلام، ولا استعداد لهم لتحصيل ذلك، فهؤلاء أيضاً مستغنون عن تعمله، فإنه لا فائدة لهم فيه. والطبقة الثالثة هم المتوسطون، بين هؤلاء وبين هؤلاء، قد يصيبون تارة في أفكارهم وقد يخطئون. فهؤلاء هم الذين وضعت لهم هذه الآلة. فإذا راعوا قوانينها المدونة، وحدودها المقررة، كانوا أبعد عن الخطأ. وحينئذ لا تستغني هذه الطبقة عن تعلم هذه الآلة. تعليلات النحاة قال في هذا الفصل أيضاً: والذي تكلفه النحاة من التعليلات واه لا يثبت على محك النظر. أقول: قد أجابه ابن أبي الحديد في الفلك الدائر عن ذلك. ولكن ما أنضج القول معه، ويحتاج إلى بقية تذنيب. وهو أن يقال له: ما كأنك نظرت في هذا العلم حق النظر ورأيت ما ذكره ابن السراج والرماني وأبو علي والسيرافي ومن بعدهم مثل: ابن جني وما أتى به في كتاب الخصائص وسر الصناعة وابن الأنباري في أسرار العربية وغير ذلك من حسن التعليل لأحكام النحو، والمناسبات التي أبدوها وإن كان في البعض تسامح لما أنهم التزموا بتعليل كل ما ورد عن العرب. وكما التزم أبو علي في الحجة بتعليل القراءات السبع، وابن جني في المحتسب في تعليل القراءات الشاذة وليس كل ذلك ما يطابق قواعد النحو في الظاهر أكثر من قراءة أبي عمرو رحمه الله تعالى، لأنه كان أقعدهم بالنحو، ولهذا شنع النحاة على ابن عامر ﵀ في قراءته المشهورة قوله تعالى " وكذلك زُين لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائهم ". بتغيير زين لما لم يسم فاعله، ورفع قتل مفعول له، ونصب الدال من أولادهم على أنه مفعول المصدر الذي هو قتل، وجر شركائهم لأنه فاعل المصدر وجره على الإضافة، ولا يضاف المصدر إلا إلى فاعله.

стр. 14

فقد فصل ابن عامر بين المصدر وفاعله المضاف إليه، وهو غير ما قرره النحاة. وأفرطوا في الشناع عليه، وهو جائز. وقد جاء عن العرب كثيراً في شعورهم، واستشهد له الشيخ جمال الدين بن مالك ﵀ في شرح الكافية بشواهد عديدة ومنع الخصم بأن هذا الباب جائز في ضرورة الشعر، وليس في القرآن ضرورة. وانتصر الكواشي لابن عامر في تفسيره وأيد هذه القراءة. وهذا شأن الفقهاء، أكثر تعليلاتهم لما ورد في أحكام الشرع الشريف في غاية الحسن والقوة، وفي بعض ذلك تسامح. كمن أراد تعليل بعض مناسك الحج فإنه ليس بقوي قوة غيره. والغزالي في الإحياء تكلم في هذا كلاما حسنا، وكذلك شأن المتكلمين، فإن بعض أدلتهم لا تبلغ القوة فيما أتوا به. من حدوث العالم والنفس وإثبات الوحدانية وعدم الجهة. فقد تجىء معهم مسائل قليلة أدلتها عليلة لا تبلغ في القطع والجزم وإلزام الخصم مبلغ تلك. ولولا ذلك لما وقع في النحو خلاف بين البصريين والكوفيين، ولا بين أصحاب المذاهب في الفروع، كالأئمة الأربعة ومن عداهم من الفقهاء التابعين وأصحاب الظاهر ﵃ أجمعين، ولا بين المتكلمين في أصول الدين من الأشاعرة والمعتزلة والإمامية والخوارج والحشوية. وكأنه نظر إلى قول ابن فارس صاحب المجمل: مرت بنا هيفاء مجدولة ... تركية تعزى لتركي ترنو بطرف فاتن فاتر ... أضعف من حجة نحوي ألم يعلم أن الشعر والخطابة يروج فيهما أدنى شبهة، وتضيء فيهما أقل لمعة. وقول الشاعر هنا إنما هو بالنسبة إلى الأمور الضرورية، كتنافي الضدين، وأن الواحد نصف الاثنين، وأن الجسم الواحد لا يشغل الحيزين معا في وقت واحد وما أشبه ذلك، على أن من الناس من أنكر هذه البديهيات وطعن في صحتها واعترف بالحسيات. ومن الناس من أنكر الحسيات وطعن فيها وجزم بالبديهيات. ومن الناس من طعن فيهما وأنكر الحسيات والبديهيات وهم السوفسطائية. حكي أن صالح بن عبد القدوس مات له ولد فمضى إليه أبو الهذيل ومعه النظام وهو غلام حدث، فرأى من جزعه فقال له: لا أعلم لجزعك وجها إذ كان الناس عندك كالزرع! فقال صالح: يا أبا الهذيل، إنما أجزع عليه لأنه لم يقرا كتاب الشكوك فقال وما هو؟ قال: كتاب وضعته، من قرأه شك فيما كان حتى يتوهم أنه لم يكن، وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان. فقال له النظام: فشك أنت في ابنك أنه لم يمت وإن كان مات واعمل على أنه عاش إلى أن قرا الكتاب وإن كان ما عاش إلى أن قرأه. فبهت صالح وحصر. وإذا كان الأمر وصل في المكابرة إلى هذا الحد، فما ظنك بمن يعلل رفع الفاعل ونصب المفعول وعمل لم الجزم وإن جزم الشرط والجزاء وغير ذلك. وباب الجدل مفتوح لكل من أراد أن يمنع شيئا. ولهذا يقال: إذا ناظرت المعتزلي في مسألة الرؤية الزم جانب المنع، ومن أراد أن ينكر شيئاً أنكره وأتعب خصمه، فلا يستطيع أن يقهره. وليس يصحّ في الأفهام شيءٌ ... إذا احتاج النهار إلى دليل نعم إذا لزم خصمك الحق وقصده ظفرت منه بالمراد، وجذبته بعد العناد إلى الصواب سلس القياد وإذا كان متعنتا أو جاهلا أو جاحدا، فإنما تضرب في حديد بارد وقد ضيعت نفخك في الرماد. وما يقوم لأهل الحب بينةٌ ... على بياض صباحٍ أو سواد دجا ويابن الأثير: إن كانت تعليلات النحاة واهية لم تثبت على محك النظر، فماذا الذي يثبت على محك النظر من تعليلات أصحاب المعاني وهي ما هي؟ أكثر ما يستندون إليه شبه خطابية لا يقطع بها. ولو عورضوا فيها وقفوا في الكثير منها. وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى يقول: علم المعاني والبيان إلى الآن بعد ما أنضجته الطبيعة. حكى لي ذلك عنه الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس بالديار المصرية في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، فإنه تلميذه الخاص به. وما أشك أن الكثير من الحجج أقوى وأقطع وأقرب إلى الجزم من الكثير من حجج أرباب المعاني، بل ما بينهما صيغة أفعل. فأت في ذلك بحجة قاطعة: أو فدع الأشياء مستورةً ... وادخل بنا في النسب الواسع ما يشترك فيه الكاتب والشاعر قال في الفصل التاسع في أركان الكتابة: إن الكاتب من أجاد المطلع والمقطع، أو يكون مبنياً على مقصد الكتاب. ثم قال: وهذا يشترك فيه الكاتب والشاعر.

стр. 15

أقول: هذا فيه تسامح، فإن الشاعر في كل وقت ما يفتتح قصيدته بما يدل على مقصوده. فإن من مدح يطلب الإرفاد والإعانة بمال أو مركوب أو شفاعة أو طلب ولاية، ثم صدر تلك القصيدة بغزل يصف فيه محبوبه، أو وصف هوى أو غربة أو شوق أو مسير، كيف يتأتى له ذلك؟. نعم إذا كان مدحا مجردا بلا غزل لاق به ذلك، وأكثر ما يكون المدح مجردا من الغزل إذا كان في واقعة تجددت للمدوح فيهنئه الشاعر إما بولاية منصب أو بظفره بعدو أو بمولود أو بسلامة من حادثة أصابته أو هناء بعافية أو بتشيف أو غير ذلك من مجددات الوقائع. ولولا خوف الإطالة ذكرت الشواهد على ذلك. وأما الكاتب فإنه إن كتب إلى من هو دونه أو مساويه أو أرفع منه، بحيث أنه تمكن مخاطبته بالدعاء، فيحتاج إلى أن يكون الدعاء مناسبا لما يتضمنه الكتاب من شوق أو وحشة أو هدية أو استهداء أو شفاعة أو سؤال أمر أو شكر أو هناء أو عزاء أو ما هو بحسب الحال. وهذا النوع إنما حافظ عليه المتأخرون من الكتاب خصوصا في التقاليد والتواقيع فإنهم راعوا ذلك. ولولا خوف الإطالة لأوردت من ذلك جملة كافية. على أن هذا لا يحتاج أهل هذا العصر إلى التنبيه عليه، لأنه هذا الأمر قد اشتهر بين كتابه.. وقد بقي هو الغاية المطلوبة من الكاتب. حتى إنه ليقال: افتتح تقليده أو توقيعه أو كتابه بكيت وكيت. ويذكر اسم صاحب التقليد في أول السجعة، أو ينبه على معنى ما اشتمل عليه الكتاب. فمنهم السابق ومنهم المقصر. وقد يتفق في غالب الأوقات اسم المكتوب له والوظيفة، فينبه الكاتب على المعنى. ألا ترى ما أحسن قول.... وقد كتب تقليدا بولاية العهد للسلطان الملك الأشرف صلاح الدين فقال: الحمد لله الذي جعل الملك الأشرف صلاح الدين. فما استعار له شيئاً. واتفق لي مثل هذا في توقيع كتبته لقاضي القضاة الحنفية عماد الدين علي بتدريس المدرسة القايمازية فقلت: الحمد لله الذي جعل عماد الدين عليا فما استعرت له شيئاً. وهذا كثير الاتفاق. وقول القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر وقد كتب تقليدا بولاية العهد للسلطان الملك الصالح علاء الدين علي عن والده السلطان الملك المنصور فقال: الحمد لله الذي شرف سرير الملك بعليه، وحاطه منه بوصيه، وعضد منصوره بولاية عهد مهدية وقول القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى في تقليد كتبه لركن الدين بيبرس المظفر، عندما تملك عن مولانا أمير المؤمنين أبي الربيع سليمان أدام الله أيامه فافتتحه بأن قال: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. وكتب فخر الدين بن لقمان عن الملك السعيد بن الملك الظاهر رحمهما الله تعالى تقليدا بوزارة برهان الدين السنجاري، افتتحه بقوله تعالى: " يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ". وفي هذه اللمعة كفاية. ولكن قد ظهر أولا أن الشاعر لا يلزمه الكاتب من مراعاة المطالع. كيف يستفيد الكاتب المنشىء من التراث الأدبي وقال في الفصل العاشر في الطريق إلى تعلم الكتابة: الثاني أن يمزج كتابة المتقدمين بما يستجده لنفسه من زيادة حسنة: إما في تحسين ألفاظ أو تحسين معان ثم قال: إلا أن هذه الطريق مستوعرة جدا، ولا يستطيعها إلا من رزقه الله لسانا هجاما وخاطرا رقاما، وقد سهلت لي صعابها وذللت فجاجها، وكنت أشح بإظهار ذلك لما عانيت في نيله من العناء. أقول: وقد سلك هو طريقا والقاضي الفاضل طريقاً: عاجوا إلى تلفي وعجت إلى الرضى ... شتان بين طريقهم وطريقي فإن القاضي ﵀، أذهل لما أسهل، وابن الأثير سامحه الله أحزن لما أحزن، على أن ابن الأثير أكثر ما جاء به في طريقه: حل المنظوم، وتضمين الأمثال. وليس هو بأبي هذه العذرة، ولا ناظم تلك الشذرة. وأين كلامه من كلام الوزير أبي الوليد ابن زيدون: ومن وقف على ترسله، على حسن توصله إلى هذا الفن ولطف توسله. لا سيما رسالته التي كتبها على لسان ولادة بنت المستكفي إلى الوزير أبي عامر ابن عبدوس، والرسالة التي كتبها إلى ابن جهور يستعطفه بها. فإنه أتى في هاتين الرسالتين بالغرائب والعجائب، وضمنهما من الأمثال والوقائع وحل الأبيات ما زاد، وضوع نده في كل ناد، لأنه حشر فيهما فنادى، ونظم لآلىء ذلك توأما وفرادى فجاءت كل رسالة. يحرك أعطاف المعالي سماعها ... وتبعث أطراب النهى وتهيّج

стр. 16

وهناك يعلم قدر هذا الرجل في إطلاعه، وبسط ظله وغاية ارتفاعه. حتى قيل: إن نثره أشبه منه بالمنظوم. وقد نثر ابن خلف الحماسة وزاد عليها في مجلدة وسمها بالمنثور البهائي وادعى فيه أنه هو الذي ابتدع حل المنظوم، كما أن الخليل بن أحمد اخترع العروض. وأما ابن الأثير، فإنه أكثر من الحل، وأتى فيه بما حرم وما حل، وزاد من رقمه في بروده، وبالغ من نظمه في عقوده. والخد بهجته بخالٍ واحد ... وتقلّ فيه بكثرة الخيلان وأتى فيه بالسمين والغث، وما جاء فيه بجديد إلا وقرنه بالرث. وحل المنظوم إنما هو نوع واحد، وقسم لو فقد ما كان عليه واجد، وما لم تمكن فيه خفة تروجه، وحلاوة تقرنه بالسمع وتزوجه، لم يعلق بالسمع قرطه، ولم يجاز بالقبول شرطه. وما أمثله إلا بعقد نثرت حباته، وروض صوحت زهراته. فأي حسن لقريض خانه وزنه، وأي نضارة لروض جفاه مزنه. اللهم إلا أن يكون المنشىء سليم الفطرة، قويم الفكرة، يستدرك على الناظم ما فاته، ويرهف صارمه ويثقف قناته، إما باحتراز ما لم يحد عنه، أو الإتيان بملائم لم يتمكن لضيق الوزن منه، أو باختصار ما يقوم المعنى بدونه، أو بزيادة زهر غصونه، أو بجودة سبكه، أو بإتقان حبكه. وهنا تظهر القدرة المتمكنة، وتكون أدلة الفصاحة بينه. فليس لوصل من يدعى فيأتي ... عذوبة وصل من يدعى فيأبى وأما القاضي الفاضل ﵀، فإنه سلك طريقا غريبة، وأظهر فنونا عجيبة، زعم بعضهم أنه كان جل اعتماده على حفظ كلام ابن أبي الشخباء، وأنه كان يستحضر أكثر كلامه، وبعضهم زعم أنه اعتمد على كلام ابن أبي الخصال، وبعضهم زعم أنه اعتمد على كلام البديع وهيهات، ليس في كلام واحد منهم تلك النشوة، ولا لمتكلم غيره تلك الخطوة في نيل الحظوة، ولا لمترسل حسنه الذي شق قلوب الرجال إن لم يقطع أيدي النسوة. بينما هو يخاطبك بالكلام، إذا به قد عاطاك كؤوس المدام، وبينا هو يناوح مهبك، إذا به قد سحر لبك، وبينا هو يتكلم مثل الناس على العادة، إذا به قد سرد الكواكب الوقادة، وبينا هو قد ألفتك ظهره، إذا به قد أدار لك المحيا، وبينا هو يسايرك في الثرى، إذا به قد تبختر عند الثريا. فإن كان من درٍ فما الدرّ هكذا ... وإن كان سحرا إن ذا لعجيب وها أنا أورد هنا من كلامه نبذة تكون لباقيه عنوانا، وفلذة تكون بينه وبين غيره ميزانا، من ذلك كتاب كتبه في وصف كتاب كتبه موفق الدين خالد بن مهذب الدين القيسراني بذهب وهو: وقف الخادم على ما دبجته أنامل الحضرة التي إذا صاب سحابها روض لساعته، وإذا عدمت حقيقة السحر فهي التي نفثها بيانه في روع يراعته، فانتقل من الاستحسان إلى التسبيح لأن حروفه شذور السبح، وخلص التفضيل من الترجيح بأول ما صافح الطرف من الطرف واللمح من الملح. فتناول منها جنة قد زخرفت بنار، وليلة قد وشحت بنهار، وروضة قد سقيت بأنها عقار، وغصون أقلام قد فتحت بنوار نضار، وعارض ذهب قد أذيب يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار. فتعالى من ألان لداود ﵇ الحديد ولها الذهب، وأيقظ به جد هذه الصناعة بعد أن نام بين الأنام فهب، وأعلم الناس أن القلم في يد ابن البواب للضرب لا للطرب، وأن قيمة لك منها ومنه ما به في هذه الصناعة كتب، وحلاها بتمام البدور وأعطاه ما أعطى أباه هلالاً من المحاق، وأخر زمانها وقدم زمانه ورزقها السبق وحرمه اللحاق.

стр. 17

فمن ألفات ألفت الهمزات غصونها حمائم، ومن لام ألفات بعدها يحسدها المحب على عناق قدودها النواعم، ومن صادات نقعت غلل العيون الصوادي والقلوب الحوائم، ومن واوات ذكرت بما في جنة الأصداغ من العطفات، ومن ميمات دنت الأفواه من ثغورها لتنال جنى الرشفات، ومن سينات كأنها التأشير في تلك الثغور، ومن دالات دالات على الطاعة لكاتبها بانحناء الظهور، ومن جيمات كالمناسر تصيد القلوب التي تخفق لروعات الاستحسان كالطيور، وفها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وخالد فيها خالد، وتحيته فيها المحامد، ويده تضرب في ذهب ذائب والخلق تضرب في حديد بارد. فهي اليد التي تنظم تيجان الملوك بدرها، وتظهر آية الكرم على قراطيسها بما تظهره من تبرها. وما كنت قبل يدها أحسب أن سحابا تمطر نضارا، ولا أن ماء يستمد نارا، ولا أن أقلامها سيوف قد سفكت دم المال فأجرته أنهارا، ولا قبل لحظها أن الشفق لا يشفق من طلوع الفجر، ولا أن لون الوصل ينفض على لون الهجر، ولا أن الليل يتشبث بعطف البرق فلا يريم، ولا أن ذهب الأصيل يجري به سواد الليل البهيم، ولا أن يدا كريمة تدعي من آيات قلمها ومعجزات كرمها أن الجلمود بها يفارق الجمود، وأن البراعة تسير فرقدها على الظما فيشافه منهل النضارة المورود، وما كانت خطوط الفضلاء إلا تجربة بين يدي تحريرها الآن، ولا أقلامها إلا حطبا أوقدته على الذهب فذاب لها ولان، ولا يحسب الخط إلا يحسب بيدها فغيرت له أثواب الحداد وجلت عرائس حروفه مضمخة الأجساد بالجساد، وأطلعت إنسان عين الإحسان بدليل كونه لم يلمح إلا في سواد، وسجد له والسجود فرضه لأنه دون التيجان، وقبله والتقبيل حقه لأن الجنان يحاور منه حور الجنان، وكيف لا يفضل جوهرها بأن يفصل، وتقابل حروفها بأن تقبل، وقد كتب الناس باليد وكتب بالعين، وحصل الناس من هذه الصناعة بعد حرب حنين على خفي حنين، وفازت بما أظهرت من نروتها للنظار من النضار، وصحت لها الكيمياء، لأنه كتب بشطر دينار سطرا بألف دينار، وأن له في نهارها بل في أنهارها سبحا طويلا، وأنها على خفة وزنها وقلة أسطرها لتكلف من الشكر عبئا ثقيلا، وكيف لا يخف ميزان الثناء على أنهار حجته بذائب ذهب، وكيف يضل وفد الشكر وقد هدته بذوائب لهب، وقد نشره وطواه حتى كاد أن يخلفه، وأسام فيه ناظر لا يسأمه، فكان آخر ما تأمله أول ما رمقه، ومأسى لافتنائه يعبد مذهبه على حرف أو على ورقه، وورده إذ يقسى ورده فازداد عطشاً على كثرة العل والنهل، وأعشاه إذ أغشاه وكثرة النور تعشى ناظر المقل. ومن ذلك ما وصف به الخيام من جملة كتاب وهو: أما الخيام فقد بليت وصارت أمشاجا، ورقت فخالطت كأس الغمام مزاجا، ولقيت معنا الشدة وكانت شدتنا أن رأينا بها انفراجا. ففيها من السماء رقاع، وكأنما أخذها في شق الثياب سماع، وإذا هبت الرياح فهي بتقدمها وتأخرها في نزع حثيث، ونزغ من الشيطان خبيث، طلقتنا وهي بعد في حبالنا، وطعنت وهي بعد في عقالنا، إن أرسلت الريح آية ظلت أعناقها لها خاضعة، وإن قعدنا فيها فعلى قارعة الطريق وهي قاعدة على طريق القارعة، وإن وقعت ليلا فما لوقعتها الخافضة رافعة. بها للدهر جراح الإبر لا تقطبها، ومنها على الدهر أطلال تصدقها العين تارة وتكذبها، وقد فرجت سماؤها وانشقت، وأذنت لربها وحقت. لم يبق في أديمها بشرة تعاتب، ولا في صبرها مسكة تجاذب. كأنها وأخواتها إذا هبت الرياح المجرمون رأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب، بحيث ترى حماها نافضا، والعارض قد دخل عليها على الحقيقة عارضاً، فعمدها الأغصان هزها البارح، وشرائطها الشرار أطاره القادح، وأما إذا نشأت السحائب فسلت سيوف برقها، وسلسلت سيول ودقها، فإنها أمام تلك السيوف جرحى، ووراء تلك السيول طرحى. تود ما ود ابن نوح يوم لا عاصم، وتراها كبط الماء ونحن بين غريق وعائم. نضربها في كل يوم فوق الحد، ونأخذها في المصيف بحرب حر في الشتاء ببرد برد.

стр. 18

ومن ذلك كتاب أصدره من بعرين، وهو: المستقر ببعرين، حيث أخرجت السماء أثقالها وفتحت من عزاليها أقفالها، وركضت خيل الرعود لابسة من الغيم جلالها، وثوب الليل بماء الغمام غسيل، وشبح الظلام بسيف البرق قتيل، وغراب الأفق في الجو باز، إلا أنه في قوس قزح ناز، وكأن عقارب الظلماء بالثلج أفاع، فليكن ليل قرينتها ليل السليم، وكأن مواقع الرعد قعاقع حلي الغواني فهو لا ينام ولا ينيم، وكأن الصباح قد ذاب في الليل قطرا، وكأن البرق لما ساوى الغمام بين صدفي الليل والنهار قد قال آتوني أفرغ عليه قطرا، وقد ابتل جناح الليل المغدف فما يطير، وأبطا حمام الصبح خلاف ما نحاه في رسالة نوح فما يسير، والرياح وقد أعصفت فقصفت عيدان نجد ورتمها، وخيولها قد ركضها السحاب فكان البرق تحجيلها ورثمها. فأما الخيام التي قد نضجت جلودها بإيقاد الشمس واسودت، ثم نضحت بدموع الغمام فتراخت أجفانها بعدما اشتدت. فما هي إلا أعين سال منها بالدموع كحلها، وخيول دهم حل عنها بالرياح من الأطناب شكلها، ولا يزال الخصام بينها وبين الأهوية إلى أن تشق الثياب من حربها كما شقها السحاب من طربها، ونحن ندأب في عقد ظنبها، لندخل في عقد حسبها. وهيهات سلبت في البيكار أشباحها، وخرجت بالرياح أرواحها. فالشمس إن طلعت ألقى الشرق جامات تقر على العيان، لا دنانير أبي الطيب التي تفر من البنان. وما لاذت بجانبها الرياح، وأبت على الأطناب من إرسالها في عنان الجماح، إلا أشبهت قطاة غرها شرك وقد علق الجناح، وقذاة هزها درك وقد أبت البراح. وقد زادت السيول إلى أن صارت هذه الخيام عليها فواقع، وهمهم الرعد قاريا فاستقلت قيامها بين ساجد وراكع. وأنا فيها كعثمان في داره، والخطب قد أخذ في حصاره. فلا يزال نبل الوبل مغرقا، ولا أزال على نفسي من السيل مخندقا. وقد رجعنا إلى النشأة الأولى فعدنا في هذا الماء علقا. ولا كفران لله فإني ملقى على طرق الطوارق، ملقا ما شاب العيش من فراق يشوب بالشيب المفارق. وما كنت أخشى أن ينقلني الدهر من درجة مجانيه المقتطفة، إلى مدرجة مجاريه المجتحفه، ولن يرى أعجب مني ممحلا وأنا أشكو الغدران الغادرة، ومجدبا أتظلم من ظلمات الليالي الماطرة. وقبح الله بعرين، وإن استجن أسد الإسلام منها بعرين، وأنا بريء منها بعدد رمل يبرين. ومن ذلك: وتلك الجهة وإن كانت غريبة، فإن الغرب مستودع الأنوار، وكنز دينار الشمس ومصب أنهار النهار. ومن ذلك: وبالجملة، إن كانت البلاغة دينا فقد ألحد من لا يوحده وإن كانت سيفا فقد تعرض للحد من لا يقلده، وإن كانت فراشا فقد نفي عن ظهر البلاغة مالا يلده. ومن ذلك: فلو ملكتم الدهر لامتطيتم لياليه أداهم، وتقلدتم أيامه صوارم، ووهبتم شموسه وبدوره دنانير ودراهم، وأيامكم أعراس وكأنه ما تم على الأموال فيها مآتم، والجود في أيديكم خاتم ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم. ومن ذلك: فروح الله تلك الروح، وفتح لها أبواب الجنة فهي آخر ما كانت ترجوه من الفتوح. ومن ذلك في شرك صنيعه: والله إن صنيعته كالشمس وضوحا لا أجحدها، ولو جاز أن تعبد الشمس في دين الله لكنت أعبدها، فإنها شمس ما ألقت يدا في كافر، ولا وضعت يدا إلا في شاكر. ومن ذلك: ولو بلغ القول مني إلى السمع لما بلغ إلى القلب، ولو رأيت سيفه خضيبا من مقره في صدري لما استشعرت الحرب، ولو صمم على الضرب لحركته حتى يصير من الضرب لا من الضرب. ومن ذلك: والقلوب طيبة، والغيوث صيبة، وقد صار على عطف كل زرع منها جبيرة تتبرج وعلى أذن كل قرط منها لؤلؤة تترجرج. ومن ذلك: فلا عدمت تلك الأنفاس من النفائس، وتلك العقائل العرائس، وتلك الجواهر التي تسرني أن تفضح عرضي، وتلك السهام التي هي والله غرضي. ومن ذلك: ووثقنا بنجح الطلب، وأمسكنا بقرون حماة فحصلنا على حلب حلب. ومن ذلك في ذكر النيل يتدافع تياره دافعا في صدر الجدب بيد الخصب، وترضع أمهات خلجه حتى أبناؤها بالعصف والأب. ومن ذلك: والمهامه قد نشرت ما ملأها من ملاء السراب وزخر فيها ما ولد لغير رشده على فراش السحاب. ومن ذلك: وإن يصفح عنه الصفح الجميل المألوف من هذا البيت، فبصفحهم أمضى الله حدهم، وبعفوهم أنجح الله جهدهم، وباتباعهم لأبيهم ﵀ عليه أعلى الله سبحانه جدهم.

стр. 19

ومن ذلك: والله بيننا وبين البين، فما أكثر فضوله ودخوله بين المحبين. ومن ذلك: وقد وصل كتابه الكريم جواباً بل ثواباً عن كتابي العافي، وأسفر بشر صفحة بره المخفي وكل بشر لا إخفاء معه فهو بشر الحافي. ومن ذلك: والقصائد أنا مترقب وصولها بأي خط اتفق، فعربيتها لا تغولها عجمة الناقل، ونور حقها يعرف من ظلمة الباطل، وما يضر محاسن سحبان أن تجري على لسان باقل. ومن ذلك: سعدا لا يصوح منه مربعه الأخضر، أمنا لا يحزنه الفزع الأكبر، مطاعا بنفاذ تصريفه الأبيض والأسمر، محبوب القلم حتى لو عاداه السيف لقيل له إن شانئك هو الأبتر. ومن ذلك: ولا أعدمني تفضله الذي تفض له صحائف الود، وتفاظ عليه طرائق الحمد، وعهده الذي جمع إلى بقاء الآس نضارة الورد، وإلى رواء الروض ري الورد. ومن ذلك: وإلى أن تنجلي عنا هذه الغمره، وإلى أن تجف مناديل العيون فإنها كانت بالدموع عصره. ومن ذلك: وفداه بأوليائه وإخوانه، ولا كرامة لأعدائه ولا نعمة لحسده، وأبقى على الدهر سؤدده الذي أجار بنيه من سوء دده. ومن ذلك: ورد من سيدنا كتابان شرحا الصدر وسرا السر وسريا الهم، ولقياني بالفتح ولقيتهما بالضم. ومن ذلك: ورد المثال الشريف من الديوان العزيز، فأبى له الضلال نوره، وأناله الهدى والهدو إسفاره وسفوره، وجلا وجله ملا أمله حبوره وحبيره، وما عدت أن غدت جنته وجريره جنته وحريره، وراض طرف طرفه في روض أنف أنف أن يعبر عنه إلا عبيره، وحلا عنه الآثام وأحله الدرجات العلا فهو سواره وسوره وسريره. ومن ذلك: قسم فعدل، وأجزل فأفضل، وبلغ فلم يكن في بلاغ بلاغ، وفتح زهرا ما كان مثله ما يطول إليه باع باغ، فلله هو من كتاب ولله قلمه، فهذا أورد ما ساغ، وهذا قلد ما صاغ. ومن ذلك: فأما الكتاب إلى غريم الجمال فالله يجمع المال على الجمال ويريحه من اتفاق هاتين السجعتين حتى يكون الجمال الجم المال. ومن ذلك: والفضل بيد الله يؤتيه أهله، وقد زاده منه فلا عدم فضله، فما يجاريه مجار إلا حمق وكان في طريق السيل بقله. ومن ذلك كل لفظة موصولة بأنة، وفي كل قلب من حزنه نار وفي كل دار من فضله جنة. ومن ذلك: فما وصلت إلى مكان العافية منه، إلا وقد امتقعت واقتطعت وقلت بقية السلف الوضاح، وسحاب الفضل حوشي أن يضف حتى يكاد يرفعه من قام بالراح. ومن ذلك: وأغناه بحراسة لفظه عن احتراسه، وأغنى الملك عن إعمال سهمه بقرطاسه. ومن ذلك: وأدام سيادته على أهله، وأعاذه بخصب رحله من محل محله، ولا عدمنا من لفظه ما يشهد أنه الشهد حقا لا نحلة نحله ولا نحيلة نخله. ومن ذلك: وأهلك كل عدو له وأذله، وجعل الحياة قذى وأذى له، ووقفت منهما على البلاغة المسرودة الموضونة، والجواهر الثمينة المكنونة، والثمرات التي اجتناها من شجرة البلاغة الطيبة، ومن الناس من يجتني من الشجرة الملعونة. ومن ذلك: هو ذلك الفرع الذي سقاه حتى التف في ورقه، وخطر في سندسه وإستبرقه، وشافه منه بياض الفجر بعدما كان لا يظفر بأزرقه. ومن ذلك: وبات الناس بالحصن مطيفين والنيران بهم مطيفة وعليهم مشتملة، وعذبات ألسنتها على وجهه مسدلة ومن خلفه مسبلة، ولفحاتها جهنمية وقودها الناس والحجارة، والبلاء ينادي طبرية وإياك أعني واسمعي يا جارة. ومن ذلك: ولا زالت الملوك ببابه وقوفا، والأقدار له سيوفا. والخلق له في دار الدنيا ضيوفا، ودين دين الحق يعلم الناس إذا جرد لتقاضيه سيوفا أن سيوفى. أقول: كيف رأيت هذه الدرر المتسقة والمحاسن المتفقة؟ هل أتى غيره بهذا النمط، أو ظفرت بهذه النكت في ذخائر الكتاب قط: هذا كلامٌ عن الأملاك محتجبٌ ... فلا تذله بإكثارٍ على السّوق وسوف يرد له في أثناء هذا الكتاب ما تدور عليه كؤوسه، وتشرق شموسه. الصفدي ينتقد ابن الأثير في بعض من إنشائه وأما قول ابن الأثير ﵀ في هذا الفصل الذي قدمته: إلا من ملكه لسانا هجاما وخاطرا رقاما. فأقول: ما أدري ما أقوله في هذا، أي مناسبة بين هجام ورقام: ثم إن استعارة الرقم للخاطر بعيدة، وإنما الرقم لليد حقيقة وللقلم مجاز. وما معنى اللسان الهجام، ولو قال لسانا قوالا، وخاطرا جوالا، أو لسانا حاد الغرب، وجنانا لا يهاب الحرب، أو لسانا نظاما، وبنانا رقاما، أو ما أشبه ذلك لكان أحسن.

стр. 20

قال في هذا الفصل: ومن وقف على ما ذكرته علم أني لم آت شيئاً فريا، وأن الله قد جعل تحت خاطري من بنات الأفكار سريا. أقول إنه هنا في مقام تعظيم لما أتى به في فن الكتابة من حل المنظوم والآيات الكريمة، فقوله، شيئاً فريا ينافي هذا المقام، لأن الفري العظيم أو الشيء المختلق المصنوع، فإذا قال: ما أتيت شيئاً عظيما، أو شيئاً مختلقا مصنوعا، لم يكن ذلك مناسبا. وأما السري فإنه النهر الصغير، ومن ذهب إلى أنه عيسى ﵇، بمعنى أنه واحد من سراة الناس، فإنه غلط منه. قال لبيد يصف حمر الوحش: فتوسّطا عرض السّريّ وصدّعا ... مسجورةً متجاوراً قلاّمها فالسري: النهر الصغير. والمسجورة: صفة للعين المملوءة. وما أحسن قول أبي المقدام الخزاعي من جملة قصيدته المشهورة في اللغز: وسريّا رأيته وسط قوم ... ماكثا ما يريد عنهم زوالا تشرب الخمر دونه وسقوه ... حين دارت رحاهم أبوالا السري: هو النهر الصغير وعليه سياق الكلام. وسياق الآية الكريمة يدل على بطلان قول من قال هو كناية عن عيسى ﵇ لأنه تعالى قال: " وكلي واشْرَبي " أي كلي من الرطب الجني، واشربي من النهر، وإذا ثبت هذا فما أدري ما معنى قوله تحت خواطري من بنات الأفكار سريا فإن أراد الذي ذهب إليه من زعم السري هو عيسى ﵇، فكان ينبغي له أن يقول سريات لأنه صفة لبنات، وإن كان المراد النهر فلا معنى له. ولو قال: علم أني امتلأت من ذلك ريا، وأن الله قد جعل تحت فكري من هذا النوع سرياً. قال أيضاً بعد ذلك: والذي يعلمها منهم يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من لآلئها بمعرفة ما في الأصداف. أقول: ما أدري معنى هذه القرينة الثانية ما هو؟ فإنه ما في الأصداف إلا اللؤلؤ ولو قال: ويترك اللآلىء ويضم الأصداف، لكان أحسن. قال: ولو استخرج منها ما استخرجت، واستنتج منها استنتجت لهام بها في كل واد، وتزود إلى سلوك طريقها كل زاد. أقول: هذه السجعة الأخيرة محلولة باردة لا معنى تحتها. ولو قال: لهام بها في كل واد، وارتفع لها في مظهر الربا وانخفض في مضمر الوهاد، لكان أحسن. ادعاء ابن الأثير الإبداع في رسالة له في ذم الشيب قال في هذا الفصل: ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن ذم الشيب فقلت: والعيش كل العيش في سن الحداثة، وما يأتي بعدها فلا يدعى إلا بسن الغثاثة، وليس بعد الأربعين من مصيف للذة ولا مربع، وهي نهاية القوة الصالحة من الطبائع الأربع فإذا تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على خرصها، وصارت زيادته كزيادة التصغير تدل على نقصها، ويصبح بعد ذلك وهو يدعى أبا بعد أن كان يدعى ابنا، ويتقمص من المشيب ثوباً لا يجتر ذيله خيلاء ولا يزهى به حسنا. وإن قيل إن أحسن الثياب شعاراً البياض قيل: إلا هذا الثوب فإنه مستثنى، ويكفيه من الفظاعة أنه ينظر الأحباب إليه نظر القال، ولولا أن الخمود بعده لما استعير له لفظ الاشتعال. ومن الناس من يدلس لونه بصبغة الخضاب، وليس ذلك إلا حدادا على فقد الشباب، وهو في فعله هذا كاذب ولا يخفى أنس الصدق من وحشة الكذاب. وخداع النفس أن تسلو عن بسره المعطلة وقصره المشيد، ويحسن لها الخروج في ثوب مرقع وهي تراه بعين الثوب الجديد ثم قال وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي. وهو قوله: رأيت خضاب المرء بعد مشيبه ... حدادا على شرخ الشبيبة يلبس غير أن في هذا الفصل معاني كثيرة لا توجد في كلام آخر. أقول: قد ادعى أنه ابتكر ما فيه هذا الفصل من المعاني، وأنا أذكر أبياتا تدل على أخذ كلامه منها. قال أبو الطيب: آلة العيش صحةٌ وشباب ... فإذا وليّا عن المرء ولّى وقال التهامي أيضاً: وطري من الدّنيا الشباب وروقه ... فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري وقال ابن أبي حصينة: كأنّ الفتى يرقى من العيش سلّما ... إلى أن يجوز الأربعين وينحطّ وقال سبط التعاويذي: وعلو السن قد كس ... ر بالشيب نشاطي كيف سموه عوا ... وهو أخذٌ في انحطاط وقال أبو الطيب في معنى أن زيادة التصغير نقص: وكان ابنا عدو كاثراه ... له يائي حروف أنيسيان

стр. 21

وما أحسن قول ابن قلاقس: في أمر توقيعي وأمري سيرةٌ ... أعيت على الفطن الفصيح الألسن حكمت زيادته عليه بنقصه ... كالضيف لما ازداد نون الضّيفن وقال أبو الطيب: متى لحظت بياض الشّيب عيني ... فقد رأت انتقاصي في ازديادي وقال ابن صردر: لم أبك أن حلّ المشيب وإنما ... أبكي لأن يتقارب الميعاد شعر الفتى أوراقه فإذا ذوى ... جفّت على آثاره الأعواد وقال ابن عبد ربه: وإذا دعونك عمّهنّ فإنه ... نسبٌ يزيدك عندهن خبالا وقال أبو الطيب: أبعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم وقال الغزي: أوهنت زهرة الحياة وأذوت ... زهرة العيش زهرةٌ في القذال كاد يخفى عليّ قبل اشتعال ال ... رأس أن الخمود في الاشتعال قال: ومن هذا المعنى قولي أيضاً: وهو أخذ المكارم من سمائها وأرضها، وقام بنقلها في الناس وفرضها، وتحلى بأسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدا لبعضها. فالمحرم للعائذ بحرمه، وصفر للطامع في مسعاة قدمه، وربيع لرائد نواله، ورجب لأقوال عذاله. وهذا مأخوذ من قول الفرزدق. يداك يدٌ ربيع الناس فيها ... وفي الأخرى الشهور من الحرام وقد قال الشعراء في ذلك كثيرا، ولكني أنا تصرفت تصرفا لم يتصرفه أحد غيري. أقول: أي تصرف، وما نكر شيئاً إلا وتعرف. وقد استعمل الناس أسماء الشهور فجاؤوا بها عذبة حلوة متمكنة. كقول القائل في بخيل: تحلّى بأسماء الشهور فكفّه ... جمادى وما ضمت عليه المحرم وقال الآخر فأحسن كل الإحسان. وشادن مبتسم عن حبب ... مورّد الخد مليح الشنب يلومني العاذل في حبه ... وما درى شعبان أني رجب كانت العرب تسمى شعبان العاذل، قبل الإسلام، ورجب الأصم. وما أحسن قول القاضي الفاضل ﵀: تولى الله تحقيق مقصده، وترويق مورده، وتشييد مباني أسعده، وتخليد مغاني سؤدده، حتى تنتظم مواهب الله لديه مثنى وفرادى، ويلبس أمن رجب في شعبان وخصب ربيع في جمادى. وقوله أيضاً: فهو الماء إلا أنه الزلال، والسحر إلا أنه الحلال، والورد النضر إلا أنه بعيد العهد من الملال، وأيام الوقوف عليه أيام أعياد بين طهارة رمضان وخصب شوال. وقوله أيضاً ويعود إلى ذكر كتابه: فسجد لمحرابه وسلم، وحسب سطوره مباسم تتبسم، ووقف عليه وقوف المحب على الطلل يكلمه ولا يتكلم، وهطل جفنه وقد كان جمادى بدمعه وقد كان على خده المحرم. وقول ابن سناء الملك: نشيطة حسن القد والخد والحلى ... فلم زعموا أن المليحة مكسال أطلّ على نسكي بها جهل صبوتي ... فيا رمضان قد أظلّك شوال وأما استعمال أسماء الشهور موراة، فمن أحسنها قول القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر: إياكم أن تنكروا جعفرا ... ذاك الخياليّ وأصحابه فنيل مصرٍ كم له جعفرٌ ... مخيّل يخرج في بابه ما أصنع هذين البيتين وألطف هذا التخيل. وقول ابن قزل: قد ضجرنا من ماء تل العجول ... وكرهنا سماع قالٍ وقيل ومن المحنة التي نحن فيها ... حر تموز آب في أيلول وقول أسعد بن مماتي: قد نفث السحر السحر ... وأشبه الزهر الزهر وبلّ كافور الندى ... ثياب أوراق الشجر والعندليب مذ رأى ... محرّم الروض صفر وقول السراج الوراق من أبيات: وأراد اطفاء السرا ... ج بها فضاعفت التهابه وحوى بها طوبى فصا ... ر حديثنا في الناس بابه وقول ابن الساعاتي: ليوسف يوسفٌ إن أزمةٌ عرضت ... يخشى فيرجى وفي أحكامه عمر كل الشهور ربيعٌ من فواضله ... حيث الخزائن من أمواله صفر مناقشة مثال لابن الأثير قال: ومن ذلك ما ذكرته في استصلاح مودة وساق الفصل وفي آخره: والصبر خير ما استعمل في جفاء الإخوان، والماء إذا جرى في مكان ثم انحرف عنه فلا بد وأن يعود إلى ذلك المكان.

стр. 22

أقول: ما أدري ما معنى هذا. فإن الماء إذا انحرف عن مكان، إنما ينحرف باستفال الموضع الذي انحرف إليه عن الموضع الذي انحرف عنه. إما بأخدود يحفر، أو بتهدم من نفس الأرض. وحينئذ يرجع الماء القهقرى وينعطف عن المرتفع، وينحدر إلى المنخفض. هذا الذي يفهم من لفظة انحرف الماء. ومتى كان الأمر كذلك فلا يعود الماء إليه، اللهم إلا أن يدعي أن مدد الماء يقوى دفعه فيزيد إلى أن يعلو المنخفض، ولم يجد له حيزا يشغله غير ذلك الذي انحرف عنه. وهذا غير مفهوم من مجرد كلامه. ولو قال: فإن الغيث إن أقلع صوبه عن مكان، فلا بد وأن يعود في وقت إلى ذلك المكان. أو فإن الماء إذا جفا موضع جريته في وقت، فلا بد أن ينعطف على ذلك المكان. أو إذا قطعت سقياه عن مكان أو ما ناسب ذلك، غير لفظة انحرف. وما أحلى قول القاضي الفاضل: وقد يعود الماء إلى مشرعه، والكوكب إلى مطلعه. وما أحسن قول القائل في معنى قول ابن الأثير: سأصبر صبر الحر من غير قدرةٍ ... على الصبر لكن من طريق التجمّل لعلك يوماً أن تردّك رحمةٌ ... عليّ فتلقاني بوجه التفضل مناقشة مثال آخر لابن الأثير قال: ومن ذلك ما ذكرته في وصف الخمر وهو: الخمر لا تفي لذة إسكارها بتنعيص خمارها، فهي خرقاء البنان، بذيئة اللسان، وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات العقول والأديان. وقد عرف منها سنة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما استأثرت من الرؤوس بجناية أقدامها. وهذا أحسن من قول الشاعر وأغرب وألطف، لأنه قال: ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ... زمنا تداس بأرجل العصّار لانت لهم حتى انتشوا وتمكنت ... منهم فصاحت فيهم بالثار أقول: أما إضافة البنان واللسان والعقل والدين إلى الخمر، فإنه من الغريب وأغرب من ذلك أن جعل للرؤوس أقداما، وأغرب من هذين كونه يدعي أن كلامه ألطف وأحسن وأغرب من قول الشاعر، والفرق مثل الصباح ظاهر. وكأنه أراد أن يد معاقرها خرقاء، ولسانه بذيء، وعقله ودينه ناقصان ولو نسب ذلك إلى الندمان في ذم الخمر لكان قادحا فيها. وإنما إضافة الجوارح والعقل والدين إليها فغير جائز إلا بتأويل بعيد إلى الغاية. وما أحسن قول أبي تمام: خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء وقول القائل: وصف المدامة شاربوها أنها ... تحوي السرور وتطرد الهمّا صدقوا هفت بعقولهم وبدينهم ... أرأيت عادم دين مغتما وقول ابن سناء الملك: عروسكم يا أيها الشرب طالقٌ ... وإن فتنت من حسنها كلّ مجتلي دفعت لها مالي وعقلي معجّلا ... فقالت وجنات النعيم مؤجلي قيل: إن سليمان بن عبد الملك ناول نصيبا قدحا. فقال. يا أمير المؤمنين، إنما وصلت إليك بعقلي فإن رأيت أن لا تفرق بين عقلي وبيني فعلت وقول السراج الوراق. شؤم أم الخبائث الخمر شومٌ ... جاوز الحد فاستمع ما يعدّ فلها في الدنان حبسٌ وللرا ... ووق صلبٌ وللمعاقر جلد وأما قوله: فاستثأرت من الرؤوس بجناية أقدامها. الضمير لا يخلو: إما أن يعود إليها أو إلى الرؤوس وكلاهما غير جائز. وما أحسن قول ابن زهر إلا شبيلي: وموسّدين على الأكف خدودهم ... قد غالهم في السّكر ما قد غالني ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالني والكأس تعلم كيف تأخذ ثارها ... إني أملت إناءها فأمالني وقال أبو تمام من قصيدة: إذا اليد نالتها بوترٍ توقّرت ... على ضغنها حتى استقادت من الرجل وتصرع ساقيها بإنصاف شربها ... وصرعهم بالجور في صورة العدل وأما قوله: وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات العقول والأديان. ما أحسن ما استعمل المتنبي هذا في وصف الدنيا فقال: شيم الغانيات فيها فما أد ... ري لذا أنث اسمها الناس أم لا

стр. 23

قال: ومن ذلك ما ذكرته في الحث على الاغتراب وهو: لولا التغرب ما ارتقت بنات الأصداف إلى شرف الأعناق، ولا ارتقى تراب الأحجار إلى نور الأحداق ثم قال: وكذلك قولي في هذا المعنى وهو: في الانتقال تنويه لخامل الأقدار ولولا ذلك لم يكنس الهلال حلة الإبدار، والمندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دم في سرر غزلانه، ولولا فراق السهم وتره لم يحظ بفضل الإصابة، ولولا فراق الوشيج منبته لم يتحل بعز البنان ولا شرف الذؤابة. وهذا الفصل فصل من القول في معناه، ومما لم يتسن للخواطر ابتناء مبناه. فمنه ما هو مأخوذ من الشعر، ومنه ما سنح به الخاطر على غير مثال وهو يشهد لنفسه. أقول: قوله ارتقت أولا، وارتقى ثانيا فيه عي لتكراره. ولو قال في أحدهما ما اتصل أو ما سما أو غير ذلك لكان أحسن. وكذا ابتناء مبناه، ومثل هذا يعاب في الكلام. وقد عيب على الصاحب بن عباد قوله: أشبّب لكن بالمعالي أشبب ... وأنسب لكن بالمفاخر أنسب وبي صبوةٌ لكن إلى حضرة العلا ... وبي ظما لكن من العز أشرب وسميت القصيدة اللاكنية لكثرة ترداد لكن فيها. وكل هذه المعاني تداولها الشعراء وأكثروا منها. من ذلك قول ابن صردر: قلقل ركابك في الفلا ... ودع الغواني للقصور لولا التغرب ما ارتقى ... درّ البحور إلى النحور وقول سبط التعاويذي: قالوا انتزح وتغرب تكتسب شرفا ... فالدر ما عزّ حتى فارق الصدفا وقول ابن قلاقس: سافر إذا حاولت قدرا ... سار الهلال فصار بدرا والماء يكسب ما جرى ... طيبا ويخبث ما استقرا وبنقلة الدرر النفي ... سة بدّلت بالبحر نحرا وابن قلاقس وابن الأثير رحمهما الله تعالى من أهل عصر واحد. فإن ابن قلاقس توفي سنة سبع وستين وخمسمائة. وابن الأثير توفي سنة سبع وثلاثين وستمائة ومولد ابن قلاقس سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، ومولد ابن الأثير سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. فعمر ابن الأثير أكثر. وقول ابن الساعاتي وهو من أهل عصره: وكن غانيا عن كل أرض بأختها ... وإن حلّ مغناها كواعب عين فلولا فراق الدّر أصداف بحره ... لأنكره نحرٌ وصدّ جبين وقول القائل: الأسد لولا فراق الغاب ما افترست ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب والتّبر كالتّرب ملقى في مواطنه ... والعود في أرضه نوعٌ من الحطب وقول أبي العلاء المعري: والسمهرية ليس يشرف قدرها ... حتى يسافر لدنها عن غابه وقلت أنا من هذه المادة: سافر تنل عزا فما مسك الورى ... إلا دما في سرة الغزلان والرمح لما فارق الوطن اغتدى ... بذؤابة خفقت وتاج سنان وقلت أيضاً: سافر تنل رتب المفاخر والعلا ... كالدر سار فصار في التيجان وكذا هلال الأفق لو ترك السرى ... ما فارقته معرة النقصان قال: ومن ذلك ما ذكرته في ذم الدنيا وهو: أنكاد الدنيا مشوبة بالأشياء التي جبلت النفوس على حبها، وكل ما تستلذه الأبدان من مآكلها فإنه يضرها من جهة طبها، ولهذا تذمم من منفعة الهليلج ومضرة اللوزينج. وأعجب من ذلك أنه لا ينتفع الإنسان بشيء من لذتها إلا ضرته من جهة ثوابه، فهو كالذي ينتفع باصطلاء النار وهي محرقة لأثوابه. وقد ضرب لذلك مثل من الأمثال، وقيل إن كل ما ينفع الكبد مضر بالطحال. أقول: انظر إلى هذه الركة والعامية، ألا تراه أشبه بشيء بكلام العجائز قوابل النساء إذا أخذن يعظن ويضربن الأمثال، أكذا توصف الدنيا في حالة الذم: أتراه ما سمع بشيء من كلام علي بن أبي طالب ﵁ إذا قال له رجل: صف لنا الدنيا فقال: ما أصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب وحرامها عذاب، من استغنى فيها فتن ومن افتقر حزن ولا بشيء من بعض أقوال الحكماء فيها كقول بعضهم: الدنيا أمل بين يديك، وأجل مطل عليك، وشيطان فتان، وأماني جرارة العنان، تدعوك فتستجيب، وترجوها فتخيب. أما سمع بزهديات أبي نواس التي منها: وما الناس إلا هالك وابن هالكٍ ... وذو نسبٍ في الهالكين عريق

стр. 24

إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفت ... له عن عدوٍ في ثياب صديق حتى إن الرشيد أو المأمون قال: لو وصفت الدنيا نفسها، ما وصفت بأكثر من قول أبي نواس. أما سمع بشيء من أقوال أبي العتاهية، وصالح ابن عبد القدوس ومحمود الوراق، ومن تعرض لذمها من الشعراء كالمتنبي وأبي تمام وغيرهما.. أما سمع بقول الزمخشري تحلين لهم ثم تمرين، وتحلين لهم ثم تمرين. الأول من الحلاوة والمرارة، والثاني من الحلول والمرور. أما وقف على رسائل المعري في ذم الدنيا. أليس يقول في بعض رسائله: فلو كانت الدنيا عروسا لطلقت ولكنها أم أملقت، يحبها ولدها على العقوق، وتصدهم عن إدراك الحقوق، مالنا ومالك أم دفر أما أما يقنعك هلاك الوفر: أعييتني بأشر، فكيف بدردر. سؤتني غانية، فكيف بك عجوزا فانية، وهيهات ما أصابك الهرم ولا البرم، وإنما ذلك لأبنائك الذين شربوا من إنائك ... وهي طويلة أتى فيها على ذكر من درج من أعيان الأمم. وهي من الرسائل الطنانات. ويقول ابن الشبل البغدادي. إنما نحن بين ظفر ونابٍ ... من خطوب أسودهن ضراء نتمنى وفي المنى قصر العم ... ر فنغدو كما نسر نساء صحة المرء للسّقام طريقٌ ... وطريق الفناء هذا البقاء بالذي نغتذي نموت ونحيا ... أقتل الدّاء للنفوس الدواء ما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاء صلفٌ تحت راعد وسراب ... كرعت منه مومسٌ خرقاء راجعٌ جودها عليها فمهما ... يهب الصبح يستردّ المساء وقليلا ما تصحب المهجة الجس ... م ففيم الشقاء وفيم العناء قبح الله لذةً لشقانا ... نالها الأمهات والآباء نحن لولا الوجود لم نألم الفق ... د فإيجادنا علينا بلاء دع كل ذا. أما وقف على الخطب النباتية ورأى كلامه فيها ويحذو حذوه ويتلو تلوه حتى يقول: الهليلج واللوزينج والكبد والطحال. والناس يذكرون مثل هذا، ولكن يدرجونه في عبارة تكون مفحلة لها وقع في النفس. قال: ومن ذلك ما ذكرته في الزهد وهو: الناس في الدنيا للساعة الراهنة، كما أن النفوس ليست فيها بقاطنة. أقول: ما أدري معنى التشبيه هنا ما هو.. ووجه العلاقة في ذلك. فإن قوله: كما، الكاف للتشبيه ولا نسبة بين: أنهم أبناء الساعة الراهنة، وبين أنهم يزولون. ولو حذف لفظة كما لاستقام المعنى، لأنه يعود: والنفوس فيها ليست بقاطنة. ألا ترى أن بعض الناس عاب على أبي الطيب قوله: لبس الثلوج بها عليّ مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداء وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍ ... سال النّضار بها وقام الماء وقال: بأي شيء شبه إقامة الكريم وما تقدمه ما يناسب ذلك: والجواب عن ذلك: إنه لما قال إن الثلوج سدت المسالك عليه فرجعت ببياضها سوداء. شبه ذلك بالحالة التي تكون للكريم أنه يسيل به جامد النضار ويجمد مائع الماء. فهذا الاتضاد كذاك. وهذا الموطن مما يسأل عنه من شعر المتنبي. قال في آخر هذا الفصل: وغاية مطلوب الإنسان أن يمد له في عمره، ويملى له في امتداد أثره. أما تعميره فيعترضه المشيب الذي هو عدم في وجود، وهو أخو الموت في كل شيء إلا في سكنى اللحود، والجوارح التي يدرك بها الشهوات ترى وكل منها قد تحول، وأصبح كالطلل الدارس الذي ليس عنده من معول. فلا ليلى بليلي ولا النوار، ولا الأسماع الأسماع ولا الأبصار الأبصار. أقول: وهذا من ذلك النمط في الركة والسماجة، خصوصا هذا الأخير: لا يخفى على من كان عنده أدنى نباهة ويسير ذوق انحلال هذه الألفاظ وسقوطها. وكأنه أراد أن يحذو حذو أبي تمام حيث قال: لا أنت أنت ولا الدّيار ديار ... جفّ الهوى وتقضّت الأوطار ولكن أين الثرى من الثريا، ويا بعد ما بين القفا والمحيا. ومن النصف الثاني تعلم فائدة التكرار في النصف الأول. ومن العجيب أنه قال في النوع الرابع في توكيد الضميرين، وقد أورد قول أبي الطيب: قبيلٌ أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشرٌ الملك الهمام

стр. 25

لم أورده اختيارا له، وإنما مثلت به ليعلم توكيد المنفصل بالمنفصل. وإلا فالبيت ليس بالمرضي لأن سبكه سبك عار من الحسن. أقول: فليت شعري أي طلاوة على قوله هو: أما أبو تمام فإنه خاطب نفسه كالمنكر ما كان منه في شغفه بتلك الديار التي وقف عليها بعد سلوه وتقضي أوطاره. وحق له أن يقول: لا أنت ذاك الذي كنت أولا، ولا هذه الديار تلك التي كانت أولا. يعني كأن نفسه أصبحت غير تلك والديار بدلت بصفة أخرى. وما أحسن قول الحظيري الوراق: تركتك فامض إلى من تحبّ ... ففعلك برّد نار الجوى وقبّحك الغدر في ناظريّ ... وغودر عود الهوى قد ذوى وصرت أراك بعين السلوّ ... وكنت أراك بعين الهوى ومن المعلوم أن العين ما تغيرت في ذاتها، ولا كانت ثم عين وبدلت غيرها. إنما السلو أوجب أن يريه بعين القبح، والحب أوجب أن يريه بعين الحسن. ومن هذا قول.... وعين الرضى عن كل عيبٍ كليلةٌ ... كما أن عين السّخط تبدي المساويا وهذا دائر على ألسنة الناس. يقولون في من يتغير عليهم منه صفة من الصفات: كأنه راح وجاء غيره. وهذا من أبي تمام في غاية الحسن في بابه. وأما قول أبي الطيب، فتحته من المعنى ما يكسوه حسنا فائقا، لأن هذا من أمدح ما يكون للقبيلة التي ذكرها، لأنه قال: قبيلة أنت منهم، وأنت أنت، معناه: فيا لها من قبيلة لأنها أنت منهم وأنت ذاك العظيم. فأخر المعطوف عليه عن المعطوف كقوله: ... ... ... ... عليك ورحمة الله السلام. وقدرة الشيخ تاج الدين الكندي تقديرا آخر، وهذا أحسن مع الضرورة التي فيه وكأن ابن الأثير ﵀، لمح معنى الأبيات التي وردت لبعض شعراء الذخيرة لابن بسام وهي: أصبحت رمةً تزايل عنها ... فصلها الجوهريّ والعرضيّ وتلاشى كيانها الحيواني ... وأودى بيانها المنطقيّ وقوى عقله الثلاث تلاشت ... إن ذا كله لأمرٌ خفيّ والحواس الخمس التي كنّ فيه ... ولإدراكهنّ فعلٌ وحيّ ذهبت تلكم الصفات جميعاً ... ومحالٌ أن يذهب الأزلي فأراد أن يأتي بهذا المعنى فأفسده، وهدم ما جاء به هذا الشاعر وشيده. وبعض الناس يدعي أن هذه الأبيات للرئيس أبي علي بن سينا، وابن بسام أثبتها في الذخيرة لبعض المغاربة. ولكن قصيدة الرئيس في النفس التي أولها: هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تّعزّزٍ وتمنع في غاية الحسن، وما لأحد مثلها في بابها، وشهرتها تمنع من سردها. وقد اعتنى بها الفضلاء وخمسوها وشرحوها. وما أحسن قوله وقد ذكرها عند الموت: وكأنها برقٌ تألّق بالحمى ... ثم انطوى فكأنه لم يلمع نماذج من إنشاء ابن الأثير والنقاش حولها قال: ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام بالفصاحة، وهو فصل من كتاب فقلت: وله البيان الذي يفض من نسق الفريد ولا تخلق نضرة لباسه الجديد، وهو فوق الكلام المجيد، ودون القرآن المجيد. أقول: ما رأينا من مدح كلاما ولا قرظه بمثل هذا. وفي أفانين المديح وضروب الثناء عن ذلك مندوحة، ألا ترى أن رسول الله ﷺ سيد ولد آدم. ومع هذا فما سمعت أحدا مدح آخر فقال له: أنت دون النبي ﵇. لأن لفظة دون وأقل وتحت ما تستعمل في جانب الممدوح. وكلام الله تعالى قد تقرر وثبت أنه ليس في قدرة البشر أن يأتوا بسورة منه، فكل كلام دونه. فقوله: كلام دون القرآن المجيد لا معنى تحته لأنه من باب تحصيل الحاصل. ومثل هذا عند الشيخ جمال الدين بن مالك ومن تابعه، لا يطلق عليه كلاما لأنه ما أفاد فائدة تامة لم تكن عند المخاطب كقولك: السماء فوق الأرض لأنه معلوم عند كل أحد. فإن قلت: أراد بذلك الأدب. قلت ما ضاق المجال عليه، ولا حصره ضيق المقام إلى هذا حتى يحتاج أن يأتي بما يحترز فيه. وما أوقعه في ذلك إلا لفظة المجيد والمجيد وطلب الجناس. قال: وإذا اختصروا صفة قال: إنه يستميل سمع الطروب، ويستخف وقار القلوب ويتمثل آيات بيضا من غير ضم إلى الجيوب، ويرى في الأرض غير لاغب إذا مس غيره فتنة اللغوب.

стр. 26

أقول: إذا كان يستميل سمع الطروب، فما في هذا كبير مدح، وذلك أن صيغة فعول مبالغة فيمن يطرب. ولا يقال طروب إلا لمن يميل لأدنى لذة، ويتحرك لأقل نعمة. مثل: أكول وشروب لكثير الأكل والشرب لما يمر به. وإذا كان الذي يميل إلى الطرب ويتكرر ذلك منه، يطرب لهذا الكلام فما في هذا مزية توجب مدحه، ولهذا قيل: المستعد للشيء يكفيه أدنى سبب، وإنما المدح أن يقال: يستميل من لا يرتاح للطرب. كما قال في الثانية: ويستخف وقار القلوب. فإن هذا هو المعهود في المدح. فإن قلت: هذا يرد على البحتري في قوله: مستميلٌ سمع الطروب المعنّى ... عن أغانيّ معبدٍ وعقيد قلت: هذا مما يؤيد ما قلته، لأنه قال: يستميل سمع الطروب المعنى عن سماع معبد وعقيد اللذين هما أصل الغناء. وإذا كان يلفت من هو بهذه الصفة عن لذته إلى سماعه، كان ذلك مدحا فهو من باب يستخف الحليم ويصبي الناسك. وما خلص هذا للبحتري إلا بقوله: عن أغاني معبد. ولو قال ابن الأثير: يستميل الطروب عن أغانيه بفصاحته، لما أوردت عليه هذا الإيراد. وهذا الذي قلته هو المعهود في المدح. ألا ترى قول النابغة الذبياني: لو أنها عرضت لأشمط راهبٍ ... عبد الإله صرورة متعبد لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد وقول امرىء القيس: إلى مثلها يرنو الحليم صبابةً ... إذا ما اسبكرّت بين درع ومجول وما أحسن قول كشاجم في عوادة، من أبيات: دارت ملاويه فيه فاختلفت ... مثل اختلاف اليدين شبّكتا لو حرّكته وراء منهزمٍ ... على بريدٍ لعاج والتفتا وقلت أنا: جسّت مثاني عودها بأناملٍ ... عبثت بلبّ الخاشع المتورع وشدت فلو شاءت عذوبة لفظها ... عطفت عنان البارق المتسرع وعجبت من ريح الصّبا إذ لم تقف ... طربا ولكن ما لها أذن تعي وأما قوله: ويرى في الأرض غير لاغب، ما سمعت بمن مدح الكلام الفصيح بمثل هذا، والكلام لا يوصف بإعياء ولا لغوب. ولكن هذا من باب إضافة العقل والدين والجوارح للخمر في الفصل الذي تقدم. أتراه ما علم أن اللغوب من صفات الأجسام ولواحقها عند الحركة وإدمانها، فإن الكلام لا يتعب وإنما التعب لجارحة من تكلم به، والكتاب لا يتعب وإنما الكاتب الذي خطه. وما أحسن قول القائل: إذا أخذ القرطاس أودع طرسه ... خميلة زهر أو قلادة جوهر حمى كلّ فكرٍ عن عراك رويّه ... وحطّ عن الأقلام ثقل التفكر فإن كان ابن الأثير أراد الكاتب الذي صدر عنه هذا الكتاب الذي وصفه، فليس في سياق الكلام ما يدل عليه. وقد عاب الوحيد على أبي الطيب قوله: كلّ السيوف إذا طال الضراب بها ... يمسّها غير سيف الدولة السأم وقال: السأم لا يلحق السيوف إلا أن يكون جاء به استعارة في موضع كلال الحد قال: ولما وقفت عليه قلت: سبحان من أعطى سيدنا فلم يبخل، وخصه بنبوة البيان إلا أنه لم يرسل، ولولا أن الوحي قد سد بابه لقيل هذا كتاب منزل، ولقد خار الله لأولي الفصاحة إذ لم يحيوا إلى عصره، ولم يبلوا بداء الحسد الذي يصليهم بتوقد جمره، ولئن سلموا من ذلك فما سلمت أقوالهم من أقواله التي محتها محو المداد، وقد كانت باقية من بعده فلما أتى صارت كما صاروا إلى الألحاد. أقول: في هذا من اساءة الأدب ما فيه، وللإنسان عن مثل هذا المدح مندوحة تخرجه من هذه المضائق. وقوله: وخصه بنبوة البيان إلا أنه لم يرسل مأخوذ من قول أبي العلاء المعري: لولا انقطاع الوحي بعد محمدٍ ... قلنا محمد من أبيه بديل هو مثله في الفضل إلا أنه ... لم يأته برسالةٍ جبريل وقد كفر قائل مثل هذا. قال: وإن لكلمه طعما يعرف مذاقه من بين الكلام، وخفة الأرواح معلومة من بين ثقل الأجسام، فلو لم يعرف بطعمه عرف بوسمه، والصبح لا يتمارى في إسفاره، ولا يفتقر إلى دليل على أنواره. وقد علم أن العرق يعرف بغصنه، وأن القول يعرف بلحنه. أقول: قوله: وإن لكلمه طعما يعرف مذاقه من بين الكلام، ما أحسن ما أجاب به ابن عميرة ابن الأبار عن كتاب بعثه إليه، فجاء من جملة الجواب:

стр. 27

فمهلا أيها الموفي على علمه النافث بسحر قلمه، أتظن منزلتك في البلاغة تخفى ومهيعها لا حب. ومنزعها بالعقول لاعب. أتسفل وقد ترفعت، أو تخفى وقد تلفعت. عرفناك يا سوده، وشهرت حلة عطارد بالملاحة والجوده. وقوله: والصبح لا يتمارى في إسفاره، السجعتين. مأخوذ من قول أبي الطيب: وليس يصح في الأفهام شيءٌ ... إذا احتاج النهار إلى دليل ومن قول الغزي: فلا تبغ برهانا على مكرماته ... طلابك برهانا على الصبح بارد وقوله: وقد علم أن العرق يعرف بغصنه مأخوذ من قول أبي الطيب: أفعاله نسب لو لم يقل معها ... جدّي الخصيب عرفنا العرق بالغصن على أن المتنبي أخذه من البحتري حيث يقول: لست أعتدّ للفتى نسبا ... ما لم يكن في فعاله نسبه ومن قول ابن الرومي: كدأب عليٍ في المواطن جده ... أبي حسنٍ والغصن من حيث يخرج وقد نقلت أنا هذا المعنى إلى الغزل، فقلت في مليح رأيته في طاقة: رأيت في طاقةٍ كالبدر فتى ... فقلت من تحت هذا البانة النضره قالوا حكمت وما أبصرت قامته ... فقلت: إني عرفت الغصن بالثمره قال: ونفائس هذه العقود لا تبرزها إلا أنفاسه، فدررها لفظه، وسلوكها قرطاسه ثم قال ومن هذا الباب قولي أيضاً وهو ألفاظ كخفق البنود وزأر الأسود، ومعان تدل بإرهافها أنها هي السيوف وأن قلوبا نمتها هي الغمود، فيخالها المتأمل حومة طعان أو حلبة رهان. أقول: ما طبق في هذا المفصل على المفصل، فإنه شبهها بخفق البنود وزأر الأسود. فأي مدخل في هذين لحلبة الرهان فيما بعد ولم يتقدم للخيل ذكر. والتناسب أن يقول: حومة طعان، وغيل ليوث، وجلاد فرسان. ومثل هذه الأوصاف لا تكون في شيء من الكلام، إلا أن يوصف بذلك كلام فيه تهديد وتقريع أو إرهاب عدو أو ما جرى مجراه. ألا ترى ما أحسن قول البحتري: عتابٌ بأطراف القوافي كأنه ... عتابٌ بأطراف القنا المتكسر ولا بأس بإيراد شيء من كلام القاضي الفاضل ﵀ في وصف المراسلات الواردة، لتعلم أيها الواقف على هذه الأوراق كيف يكون التقريظ. فمن ذلك قوله: وصلني كتابه فوصلني منه ما وصلني، وعرفت من بلاغته ما جهلني، وشربت من بحر كلامه ما شربني وأكلني، وعلوت به قدرا على أنه عن صهوة الكلام استنزلني. فإنها بدائع، ما سر البلاغة قبلها بذائع، ووقائع خاطر صفت صفاتها فهي التي رقته وروقته الوقائع، وغرائب سهلت وجزلت فتارة أقول جرأة نبع وتارة أقول جرية نابع. قد ضمن الدر إلا أنه كما قال أبو الطيب كلم، وأحيى حي الشوق إلا أنه كما قال أبو تمام لو مات من شغله بالبين ما علم. ففديت يدها وقد مدت ظلا من الخط كاد يقصر ظلا من الحظ، ولله قلمها الذي طال وأناف فما كأنه تحيفه القط قط. وقوله: وما أحسب الأقلام جعلت ساجدة إلا لأن طرسه محراب، ولا أنها سميت خرسا إلا قبل أن ينفث سيدنا في روعها رائع هذا الصواب، ولا أنها اضطجعت في دويها إلا ليبعثها ما ينفخ فيها من روحه في مرقدها، ولاسودت رؤوسها إلا لأنها أعلام عباسية تناولتها الحضرة بيدها، لا جرم أنها تحمي الحمى، وتسفك دما وتحقن دما وتتشح بهايده عنانا، ويرسلها فيعلم الفرسان أن في الكتاب فرسانا، ويقوم الخطباء بما كتبت فتعلم الألسنة أن في الأيدي كما في الأفواه لسانا، ولقد عجبت من هذه الأقلام تحز ألسنتها قطعا فتنطق فصيحه، وتجدع أنوفها بريا فتخرج صحيحة، وتجلى مليحه، وما هي إلا آية في يد سيدنا البيضاء موسويه، وما مادتها في الفصاحة إلا علوية ولولا الغلو لقال علويه. وقوله: ولو ادعى سحر البيان أنه يقضي أيسر حقوقه، ويثمر ما يجب من شكر فروعه وعروقه، لكنت أفضح باطل سحره، وأذيقه وبال أمره، وأصلب الخواطر السحارة على جذوع الأقلام، وأعقد ألسنتها كما تعقد السحرة الألسن عن الكلام.

стр. 28

وقوله: كتاب كريمي من حيث نسبته إليه، كليمي من حيث نسبته إلى اليد لبيضاء من يديه، مسيحي من حيث أن أحيى موات الأنس، محمدي من حيث كاد يكون بما نفثه في روعي روح القدس، فلا عدمت مخاطبته التي تخلع على الأيام يوم العيد، وعلى الليالي ليلة العرس. فأبقاه الله للسان العربي فلولاه كان مزويا لا مرويا، مدحورا لا مدخورا، ولولاه لحالت أحرفه عن حالاتها، وأبت الفصاحة أن تكون قوائم الأحرف من آلاتها. فكانت تقعد ألفه القائمة، وتموت باؤه النائمة، ويزيد حني ظهر داله حتى يلحق بالرغام خدها ويغض، وحتى تدرد أسنان سنه فلا يبقى لها ناجذ عليه تعض. وقوله: وقف عليه والشكر عن المنعم به غير واقف بل وقف، واستمطر منه صوب الغمام فما انقطع له ولا كف وكف، ورأى بنيان تبيان لو رأته المجارون لأتي بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف، فلله هو من بليغ إن قال فالقول عنده أكثر يوم البين من ماء الطرف، وإن رام القول غيره فهو أقل عنده يوم الحسين من ماء الطف. وقوله في جواب كتاب للشيخ تاج الدين الكندي: وظننته وحقق الله فيه الظن وقد ارتقى الأسباب وأخذ اللفظ من القطر والقرطاس من السحاب، وآمنت بصحة رقيه، وتبينت التقاطه للنجوم حين أوردها في بارع اللفظ ونقيه، وقلت للجماعة: كلام التاج تاج الكلام، والملك في كندة وكانت أقلامها سيوفا وسيوفها الآن أقلام. وقوله: فوقفت منه على ظرف الظرف، وتحفة الطرف، وكدت أعبده منه على حرف، وكل حرف ذلك الحرف. ولولا إشفاقي أن يفطن الدهر لمكانه من قلبي، وخوفي أن أعرفه بحسنته منه فأغريه منها برفع أوزار حربي، لقلت قولا يغض الأولين والآخرين من هذه الصناعة، وأنفذت فيهم سهاما لا تحمي شاعرا منها صخرة وجه ولا كاتبا درع دراعة. وما هي إلا آيات كل واحدة أكبر من أختها، وفكر مرزوقة في أيام الجمعة كلها إذا أتت الفكر أرزاقها يوم سبتها. وقوله: كتب كريمة كادت ألفاظها تتبسم، ومعانيها تتكلم، وكادت حروفها تكون أناسي لعين المسار، وكادت سطورها تجلي عرائس وعليها من الشكل حلي ومن النقط نثار. وقوله: كتاب سني المعاني سيني القوافي، وحق سينه أن يخلص لها الإقبال، والسين تصحب الفعل فتخلصه للاستقبال، وهذا أفق لامطار فيه إلا للعقاب وابنه، وبحر لا سبح فيه إلا لمن يخرج الدر من فيه ويدخل البحر في ردنه، وما عنيت ها هنا بالبحر إلا يده الكريمة فأما البحر فلم أعنه. وقوله: كتب المجلس روح الله قلبه، وأتاح قربه، ولا برحت أقلامه سلاح أوليائه على الزمن إذا خافوا حربه، تؤنس راجيها، وتؤيس مجاريها، ويخصب بها السمع، ويتظاهر بها النفع، لولا أنها تغير علينا شيمنا فتخلق فيها الحسد، وتشد أيدينا إذا تعاطينا المجاراة بحبل من مسد. وقوله: وسيدنا ما بعد بيانه بيان، وبين فكيه سيف وبين فكي كل إنسان لسان، فقولي يا أقلامه فقد خرست في الغمود المناصل، وتبختري يا تغلب ابنة وائل فقد أعطي من البلغاء التقدمة وهم صارغون، وأفلح المعترف بفضله وقد علم أنه لا يفلح الكافرون. وقوله: ووقف على الميمية فأطاف به منها الطوفان، وحياة منها الروح والريحان، وهي مما أملاه ملك إن كان يملي الأشعار شيطان، وعجبت لاطراد تلك القوافي، ورأيت الشعراء أتت بما ألفت في ضيق الأودية وخاطره وقلمه أتيا بما ألقيا في الفيافي، وكل بيت منها بديوان، كما أن قائلها إنسان يفدى بألف إنسان، كما أن قلمه قصير فما جدع أنفه إلا ليأخذ ثأر القلم من السنان. قلت: وعلى ذكر الفيافي في قول القاضي الفاضل، وما ركبه في هذه السجعة من الجناس المليح، فكنت كتبت إلى شيخنا الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس أبياتا، وأجابني عنها بنظم ونثر. من جملة النثر: بل ذلك السحر الحلال الشافي، بل تلك القوى في القوافي، بل تلك المقاصد التي أقصدت المنى في المنافي. فكتبت الجواب إليه ومنه: وعكف منه على كعبة البلاغة، فيا حسن ما نشر في استلامي وطوى في طوافي، وأراد طائر القلب أن ينهض بالجواب فذهبت القوى من القوادم، وظهر الخوى في الخوافي. رجع إلى كلام الفاضل.

стр. 29

وقوله: ولكن اعتزل الناس السسماك الأعزل، وارتفع أهل الدرج العليا وانخفض أهل الدرك الأسفل، وضيع الناس السهام وأصبت أنت بواحدها المقتل، فأنت الرامي وغيرك الرائم، وأنت الحامي وغيرك الحائم، وحروفك الأزهار وكتبك الكمائم، وقلمك الساقي وخواطرك الغمائم، وبقولك يضن ويغالى، وإذا قلت يا خيل الأقلام اركبي ملأت الأرض تصهالا وصيالا، ونفرت إليك المعاني خفافاً وثقالاً، وأذنت فيها بالحج ضمائر على كل ضامر ورجالاً، وأنت الحاضر والغيب الحضور، وأنت الحاضر والغيب الحضور، وأنت السيد وغيرك الحصور، والأسماع إلى ما تقول في دمشق صور، ولو قدحت الماء لاستطار شراراً، ولو أجرت ورد الخد لكنت له من بنفسج العذار جاراً. وقوله: فلله هو من كتاب كأنه سورة، وكل آية فيه، سجدة، وقابله بالخشوع كأنما قلم الكتاب القضيب وطرسه البردة. وقوله: وما هذه الكتب إلا كتائب، وما هذه الأحرف إلا قواضب، ولا الأسطر بها إلا مراكب، ولا النفس منها إلا عجاج يسفر عن الصباح إسفار الغياهب. وقوله: وكأنما ذخر قلمها للمملكة يحوك وشيها، وصائغا يخلق حليها، وكأنما هو أمير والكلام رعيته فهو يصرف أمرها ونهيها، وكأنما أودع الله سبحانه خاطرها سحابا وكتابها روضا جعل القلم دولابها والدواة نهيها. وقوله: وارتحت لما امتحت على بعد أرضي من غمامه، واويت القب الدوي من آلامه بلمامه، وأعاد علي زمن رامة كما هو بآرامه، وطلع علي مطالع الأهلة؟ هل هي إلا قلامة أقلامه. وليكن هنا آخر ما أورده للقاضي الفاضل من هذا النوع، وإن كان ذلك قطرة من حوض، وزهرة من روض. مناسبة اللفظ للمعنى قال في فصل بعدما تقدم: وقد نيط بسيدنا قلما الخط اللذان ينسب أحدهما إلى المداد، وينسب الآخر إلى الصعاد. أقول: أما نسبة القلم إلى المداد فجائز، وأما نسبة الآخر إلى الصعاد فما أدري ما هو. فإن الصعاد هي الرماح التي تنبت مستقيمة فلا تحتاج إلى تثقيف. فنسبة الرماح إلى الصعاد، أو الصعاد إلى الرماح من باب نسبة الشيء إلى نفسه، وهو غير جائز. وما تنسب الرماح إلا إلى الأعلام أو الأسنة أو الطعن، كما تنسب الأقلام إلى المداد والكتابة. قال: ومن ذلك ما ذكرته في وصف القلم فقلت: وقد أوحى الله إلى قلمه ما أوحى إلى النحل، غير أنها تأوي إلى المكان الوعر وهو يأوي إلى المكان السهل، ومن شأنه أن يجتني من ثمرات ذات أرواح لا ذات أكمام، ويخرج من نفثاته شراب مختلف طعمه فيه شفاء للأفهام. أقول: قوله ثمرات ذات أرواح لا ذات أكمام غير مناسب، إذ المناسبة تقتضي أن يقول: ذات أرواح لا ذات أجسام، أو ذات طيالس لا ذات أكمام، ليناسب بين الروح والجسم والطيلسان والكم. ثم نسبة الروح إلى الثمرة أمر خارج عن العادة، ولم يسمع بثمر له روح وثمر ما له روح. وإذا قصدت المبالغة في وصف الثمرة قيل إنها ماء تجمد أو هواء تجسد. وما أحسن قول أبي الطيب. لها ثمرٌ يشير إليك منه ... بأشربةٍ وقفن بلا أواني اللفظ والتركيب قال في القسم الأول من المقالة الأولى: وكذلك ورد قوله تعالى: " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة ". فلفظة لي مثل لفظة تؤذي وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطعة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب: تمسي الأمانيّ صرعى دون مطلبه ... فما يقول لشيءٍ ليت ذلك لي أقول: أي شيء أنكره من هذه اللفظة: وليس الذي ذكره غير دعوى مجردة، وهذه لفظة لي قد وقعت متمكنة، والقافية إذا جاءت متمكنة فإنها من حسن التركيب وعذوبة الانسجام. وأما لفظة تؤذي في قوله: تلذ له المرؤة وهي تؤدي فإنها جاءت ركيكة بخلاف لي في البيت المذكور. ولا تعاب هذه في هذا البيت، إلا أن تعاب لفظة بي في قوله: أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي وما رأيت من عاب هذا البيت ولا هذه القافية، وإنما هو معدود في المحاسن التي انفرد بها أبو الطيب، لما فيه من مقابلة خمسة بخمسة. ولم يتفق هذا العدد لغيره. وكذا لفظة تؤذي التي عابها، لو وقعت قافية متمكنة لم تعب. وما أحسن قول الشيخ مجد الدين بن الظهير الإربلي: قلبي وطرفي ذا يسيل دما وذا ... دون الورى أنت العليم بقرحه

стр. 30

وهما بحبك شاهدان وإنما ... تعديل كلٍ منهما في جرحه والقلب منزلك القديم فإن تجد ... فيه سواك من الأنام فنحّه انظر إلى هذه القافية الثالثة ما أحلاها وأمكنها لا يقوم غيرها مقامها، ولو وقعت في غير القافية لما كان لها هذه الحلاوة والتمكن. وكذا لفظة لي في قول أبي الطيب. ومن هذا التمكن في القافية، قول ابن أبي هلال القيرواني من أبيات: يهدي إلى العليا فما من سالكٍ ... طرق العلا إلا وكان دليله فضل الورى في الفضل حتى إنّه ... لو قيل من فذّ الأنام؟ لقيل: هو وما أحسن ما استعمل القاضي الفاضل رحمه الله تعالى لفظة لي في القافية حيث قال: ومدحت أهل البيت منكم بالذي ... شهد الرجال بأن ذاك البيت لي هل سورة النجم مسجوعة على حرف الياء ؟ قال في هذا القسم وقد استطرد الكلام إلى قوله تعالى: " تلك إِذن قِسمةٌ ضِيزي " إن سورة النجم مسجوعة على حرف الياء. أقول: ليس الاعتبار في رؤوس القرائن والقوافي بصورة الخط، إنما العبرة باللفظ. والسورة مسجوعة على حرف الألف المقصورة. ولكنه غره رسم رؤوس الآي بالياء نظرا إلى أصل الكلمة. ولا قائل بأن صغرى وكبرى وضيزى ومأوى ومنتهى، وما أشبه ذلك، إذا وقع في رؤوس الآي، أو في قافية البيت على حرف الياء، بل كل ذلك من باب الألف المقصورة في مثل حبلى ودنيا، وإنما كتب ذلك بالياء نظرا إلى أصل الكلمة لكونها من ذوات الياء. فإنك تقول: المأوى من أويت، والمنتهى من انتهيت، وهوى من هويت، وغوى من غويت. وإذا كان الأصل في الكلمة الواو كتب ذلك بالألف. مثل دنيا لأنه من دنوت، ورجا من رجوت في أحد القولين. وزعم بعضهم أن ذلك لكراهية الجمع بين المثلين. وما أظن بابن الأثير ﵀ أنه جهل هذا، ولكنها غفلة ليس إلا مناسبة اللفظ للمعنى ونماذج من خطب ابن نباته قال أيضاً في هذا القسم وقد أورد قول الفرزدق: ولولا حياءٌ زدت راسك شجةً ... إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي شرنبثةٌ شمطاء من ير ما بها ... تشبه ولو بين الخماسي والطفل إن شرنبثة من الألفاظ التي يسوغ استعمالها في الشعر، وهي ها هنا غير مستكرهة، إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة، لعيب ذلك على مستعمله. أقول: قبل هذا بأسطر قليلة أورد قول تأبط شرا: يظلّ بموماةٍ ويمسي بغيرها ... جحيشا ويعروري ظهور المسالك وقال: لفظة جحيش من الألفاظ المنكرة القبيحة. فيقال له: سبحان الله ما بالعهد من قدم، تناقض قولك في صفحة واحدة، وأنا أرى أن جحيشا أخف على السمع من شرنبثة ولو وردت هذه شرنبثة في النيل كدرته، وأحالت فراته العذب إلى الملح الأجاج وغيرته، ولو كانت خالا في وجنة الشمس هجنتها، وألغت محاسنها التي أنارت الأيام وزينتها. قال: وقد ورد في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة، كقوله في خطبة يذكر فيها أهوال القيامة فقال: اقمطر وبالها واشمخر نكالها، فما طابت ولا ساغت. أقول: إن الخطيب ﵀ من البلغاء الفصحاء الذين يوردون الكلام موارده، ويعطون كل مقام ما يستحقه، لأن ذكر النار والقيامة أمر مهول ويحتاج إلى ألفاظ مفخمة تهول السمع وتسيل الدمع وتقشعر لها الجلود وتنفطر لها الكبود. ولا يليق بأوصاف النار غير هذه الألفاظ مثل: اقمطر واشمخر واسبطر وازبأر واكفهر واقشعر وابذعر واطلخم وادلهم، واقتحم واحتدم. الموضوعات والألفاظ كما أن أوصاف الجنة لها ألفاظ تخصها عذبة سهلة لذيذة إلى السمع. مثل: لان نسيمها، ودام نعميها، ورف ظرها، وراق زلالها، وعذب تسنيمها. ألا ترى أن المديح له ألفاظ تخصه، والهجاء له ألفاظ تخصه. فيذكر الرأس والفرق في المديح، والدماغ والقذال في الهجاء. ووصف أبو زبيد الطائي للأسد بحضرة الصحابة بمجلس عثمان ﵁ مما يؤيد هذا الكلام. من جملة ذلك أنه قال:

стр. 31

لبلاغمه غطيط، ولصدره نحيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض، كأنما يخبط هشيما أو يطا صريما، وإذا هامة كالمجن وخد كالمسن، وعينان سجراوان كأنهما سراجان يقدان، وقصرة ربله ولزمة رهلة، وكتد مغبط وزور مرط، وعضد مفتول وساعد مجدول وكف شثنه البراثن إلى مخالب كالمحاجن. فضرب بيده فأرهج وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة، وفم أشدق كالغار الأخرق، ثم تمطى فأشرع بيديه، ثم حفز وركيه برجليه، حتى صار طوله مثليه ثم أقعى فاقشعر، ثم مثل فاكفهر، ثم تجهم فازبأر. فلا وذو بيته في السماء ما اتقيناه إلا بأول أخ لنا من فزارة، ضخم الجزارة، فوقصه ثم أقعصه، ثم نفضه نفضة فقضقض متنه وبقر بطنه وجعل يلغ في دمه. فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا فهجهجنا به فكر مقشعرا بزبرة كأنها شيهم حولي، فاختلج من دوننا رجلا أعجر ذا حوايا، فنفضه نفضة تزايلت لها مفاصله، ثم نهم فقرقر، ثم زفر فبربر، ثم زأر فجرجر، ثم لحظ. فوالله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه عن شماله ويمينه. فأرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل، وأطت الأضلاع، وارتجت الأسماع، ولحقت المتون، وشخصت العيون وساءت الظنون، واخزألت المتون. ثم تبهنس وحلق، ثم حدق وحملق، فإذا له عينان سجراوان مثل وهج الشرر، كأنما نقرا بالمناقير عن عرض حجر. لونه ورد، وزئيره رعد، وجبهته عظيمة، وهامته شتيمة. إن استقبلته قلت أدرع، وإن استدبرته قلت أقدع. وإذا الليل اعرنكس تبغى وتحسس. هوله شديد وشره عنيد وخيره بعيد، متى قاسم ظلم، ومتى بارز حطم، ومتى نال غشم. ثم أنشد: عبوسٌ شموسٌ مطرخمٌ مكابرٌ ... جريءٌ على الأعداء للقرن قاهر براثنه شثنٌ وعيناه في الدّجى ... كجمر غضا في وجهه الشر طائر يدلّ بأنيابٍ حدادٍ كأنها ... إذا قلّص الأشداق عنها خناجر قال الراوي: فحبق أحد الحاضرين، فقال له عثمان ﵁: مه رض الله فاك فلقد رعبت المسلمين. فانظر إلى هذه الألفاظ ومواقعها في النفس، كأنها أسود تلتهم أو أساود تلتقم، هل يحسن شيء منها أن يكون في وصف ظبي أو طاووس؟ كلا. وقد عجبت منه كونه خفي مثل هذا عليه. مناسبة اللفظ للسجع قال في النوع الأول في السجع: ومن ذلك ما كتبته في جواب كتاب يتضمن إباق غلام. فقلت: وأما الإشارة الكريمة في أمر الغلام الآبق عن الخدمة، فقد يفر المهر من عليقه، ويطير الفراش إلى حريقه. أقول: أما الفراش فما يحسن أن يقال فيه: قد يطير إلى حريقه. فإن قد هنا للتقليل. مثل قد يكبو الجواد. وكما قال: وقد يفر المهر من عليقه. أما الفراش فما رأى النار إلا وألقى نفسه فيها. هذا هو الغالب، ولا كذلك المهر، فإن الغالب في أمره أنه إذا رأى العليق أقبل إليه، وفي النادر يفر منه. وقال أبو العلاء المعري في وصف أسد: بدا فدعا الفراش بناظريه ... كما تدعوه موقدتا ظلام مناقشة حول معنى أخطا فيه ابن الأثير في إنشائه وأما عطف الإثبات على النفي فلا يجوز في مثل هذا. والأحسن أن يقول: قد يفر المهر من عليقه، وينأى المرء عن شقيقه. قال عند ذكر التقليد الذي أورده في معارضة الصابي في نقابة الأشراف: أما بعد، فإن كل كلام لا يبدا فيه بحمد الله فهو أجذم، وكل كتاب لا يرقم باسمه فليس بمعلم، وعلى هذا فإن حمده ينزل من الكلام منزلة الأعضاء من الجسم واسمه يتنزل من الكتاب منزلة الرقوم من الثياب. وقد جمعنا في كتابنا هذا بين التسمية والتحميد، وجعلنا أحدهما مفتاحا للتيمن والآخر سببا للمزيد، ثم ردفناهما بالصلاة على سيدنا محمد الذي أيده الله بالقرآن المجيد، وجعل شهادته قبل كل شهيد وعلى آله وصحبه الذين هدوا إلى الطيب من القول، وهدوا إلى صراط حميد. عودة إلى الإبتداء بالحمد

стр. 32

أقول: ادعى أنه حمد الله تعالى وذكر اسمه، وصلى على النبي ﷺ وصلى على آله، ولم يصدر منه تحميد ولا ذكر اسم الله تعالى، إلا إن كان في أول التقليد بسم الله الرحمن الرحيم، ولا صلاة، لأنك إذا قلت حمد الله واجب، وذكر اسمه مستحب، والصلاة على رسوله وعلى آله وصحبه متعين، لم تكن أتيت بحمد ولا بذكر اسم ولا بصلاة. وإنما أخبرت عن الحمد بالوجوب، وعن الذكر بالاستحباب، وعن الصلاة بالتعيين. ومثل هذا إذا قلت: سبحان الله عدد ريش الأطيار، والحمد لله عدد موج البحار، لم تكن أتيت بتسبيح وتحميد يوازي ذينك العددين ويساويهما. وكان معنى هذا من قولك: إن الله يستحق من المحامد والتسبيح عدد ذلك. ومثل هذه الأشياء يتعين أن يتحفظ منها، وإلا كان للطعن فيه مجال. أقسام التصريع قال وقد ذكر التصريع وقسمه إلى سبعة أقسام: جعل الأول ما كان كل مصراع مستقلا بنفسه، ومثله بقول امرىء القيس: أفاطم مهلا بعض هذا التدلل البيت. وجعل المرتبة الثانية أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه غير محتاج إلى الذي يليه. فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطا به، ومثله بقول امرىء القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل البيت. وجعل المرتبة الثالثة أن يكون الشاعر مخيرا في وضع كل مصراع موضع أخيه. ومثله بقول ابن حجاج البغدادي. من شروط الصّبوح في المهرجان ... خفة الشّرب مع خلو المكان فإن هذا البيت يجعل مصراعه الأول ثانيا، ومصراعه الثاني أولا. وهذه كالمرتبة الثانية في الجودة. أقول: هذه المرتبة الثالثة أحق بأن تكون أولى من الأولى التي ذكرها هو، لأن مثل هذا النوع أعز من الأول، وفيه دلالة على تمكن الناظم وجودة طبعه. وقد جاء منه للغزي: لولا تذكر ما تقادم عهده ... ما راجع القلب المدلّه وجده وكذا قوله أيضاً: ذهب الصبا فتنقبي أو فاسفري ... لا حظّ فيك لذي قذالٍ مسفر ولابن قلاقس الاسكندري: الحيا من غيوثك البارقات ... والجنا من أصولك الباسقات وكذا قوله أيضاً: عدد ودع ذكر التصابي عدّد ... يا غافلا عمّا يراه في الغد ولابن الساعاتي: ما كنت بالباكي ولا المتباكي ... لولا وقائع طرفك الفتاك وكذا قوله أيضاً: بالله يا رسل الرياح ... كيف السبيل إلى جناح ألا ترى أن كل بيت من هذه الأبيات فيه ما في الذي جعله أولا وزيادة، فهو أولى بالتقديم، ويشترط فيه أن يكون كل مصراع منه مستقلا بنفسه، غير محتاج إلى غيره مع إمكان جعل الصدر عجزا والعجز صدرا. وقد واخذه ابن أبي الحديد في تقسيم التصريع في كتابه ولم يتنبه لهذا. كلامه على التجنيس قال في التجنيس: القسم الثاني من المشبه بالتجنيس أن تكون الألفاظ متساوية في الوزن، مختلفة في التركيب بحرف واحد لا غير. ثم مثله بقوله تعالى: " وجوهٌ يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة ". ومثل بقوله تعالى " وهم ينهَوْن عنْهُ وينأوْن عنه " ثم قال: وعلى نحو من هذا ورد قوله ﷺ : الخيل معقود بنواصيها الخير وقول أبي تمام: يمدون من أيدٍ عواصٍ عواصم ... تصول بأسيافٍ قواضٍ قواضب وقول البحتري: من كل ساجي الطّرف أغيد أجيدٍ ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور ثم قال: وكذلك قوله: شواجر أرماحٍ تقطع بينها ... شواجر أرحامٍ ملومٍ قطوعها أقول: قد صدر التقسيم بأن تكون الألفاظ متساوية الوزن مختلفة التركيب بحرف واحد، وما صدق معه من الأمثلة التي ذكرها إلا قوله تعالى: " وهم ينهَوْن عنْهُ " الآية وقوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة " الآية والحديث الذي ذكره. وأما عواص وعواصم، وقواض وقواضب، فإن إحدى اللفظتين زادت على الأخرى بحرف ولم تخالف، وكذا أرحام وأرماح، إحدى اللفظتين خالفت الأخرى بحرفين في الترتيب. ففات ما شرطه، ولا دخول لهذا فيما ذكره. وقد أورد عليه ابن أبي الحديد في التجنيس أشياء وما تنبه لهذا. وقد خبط ابن الأثير في التجنيس تخبيطا كثيراً وما أحسن في ترتيبه.

стр. 33

وقد وضعت أنا في لك كتابا وسميته جنان الجناس قسمت فيه الجناس إلى ما أمكن تقسيمه، فجاء ما يقارب الستين قسما. فمن أراد تحرير التجنيس في أقسامه فليقف عليه هناك. التجنيس المعكوس قال: القسم الرابع من المشبه بالتجنيس ويسمى المعكوس ثم أورد عادات السادات سادات العادات، وشيم الأحرار أحرار الشيم وما شابه ذلك وساق أشياء كثيرة له ولغيره. أقول: ما لهذا النوع دخول في باب التجنيس، وإنما هو من باب رد الأعجاز على الصدور، وهو باب مستقل بذاته. ومن أحسن ما جاء فيه قوله ﷺ جار الدار أحق بدار الجار. وقول الأرجاني. شبت أنا والتحى حبيبي ... حتى برغمي سلوت عنه ابيضّ ذاك السواد مني ... واسودّ ذاك البياض منه وقول عفيف الدين التلمساني وفيه زيادة صنعة: يا بأبي معاطف وأعين ... يصول منها رامح ونابل فهذه ذوابل نواضر ... وهذه نواظر ذوابل ألا ترى أن الذوابل والنواضر في الأول، غير الذوابل والنواظر في الثاني. ولو عد ابن الأثير مثل هذا في باب التجنيس لكان ذلك قولا صحيحا. فإن الألفاظ اتفقت والمعاني اختلفت. ومما قلته أنا في ذلك: أضاع نسكي عذار مسك ... فكيف تركي لحاظ تركي تنكى سهام الجفون منه ... ومقلتي لا تزال تبكي قضى على أدمعي بسفحٍ ... يقضي بها في دمي بسفك وشكّ قلبي برمح قدٍّ ... قدّ فؤادي بغير شك فالشك والقد في الأول، غير الشك والقد في الثاني. ومما نظمته في غير هذا النمط: قد فاق غصن النقا حبيبي ... وأخجل البدر في التمام ذاك قوامٌ بلا محيا ... وذا محيّا بلا قوام يقال: إنه رفعت إلى القاضي الفاضل قصة باسم مؤذنين يستخدمان، أحدهما اسمه مرتضى والآخر زيادة، فكتب عليها: أما زيادة فمرتضى، وأما مرتضى فزيادة. فاستخدم زيادة، وصرف مرتضى. وهذا في غاية الحسن. التجنيس المجنب قال في القسم الخامس المشبه بالتجنيس ويسمى المجنب. ثم إنه أخذ في الاستشهاد على ذلك بقول القائل. أبا العباس لا تحسب بأني ... لشيبي من حلى الأشعار عار فلي طبعٌ كسلسالٍ معينٍ ... زلالٍ من ذرى الأحجار جار إذا ما أكبت الأدوار زندا ... فلي زندٌ على الأدوار وار ثم قال: وهذا القسم فيه عندي نظر، لأنه بلزوم ما لا يلزم أولى منه بالتجنيس. وأخذ يعلل ذلك بأشياء تعسف فيها. أقول: الصحيح أن هذا من أقسام التجنيس. وهو النوع الذي يسمونه بالمزدوج. ولزوم ما لا يلزم باب معقود بذاته لا مدخل له في هذا، ولا لهذا فيه مدخل. فإن اللزوم عبارة عن أن يأتي الشاعر أو الكاتب في القافية قبل الروي بحرف أو أكثر، يلتزم بورود ذلك في كل قافية. كما ورد في قول المعري: لا تطلبنّ بآلةٍ لك رتبةً ... قلم البليغ بغير حظٍ مغزل سكن السماكان السماء كلاهما ... هذا له رمحٌ وهذا أعزل فإن المعري التزم بالزاي قبل الروي وهو اللام. ولو قال مع ذلك: معول وأول وأفضل لصحت القافية ولكن ورود الزاي لزوم ما لا يلزم، وكما تقول: الحمام والغمام والتمام والكمام. أو: البدور والصدور أو الشذور والنذور. فإن الميم والدال والذال لزوم ما لا يلزم. ويجوز أن تقول مع الحمام، السلام ومع البدور القبور ومع الشذور، الحرور. وعلى هذا الشرط بنى المعري لزومياته من أولها إلى آخرها. وأما الذي أورده ابن الأثير، فلم يكن كذلك، لأنه قبل الألف الأولى عين، والثانية جيم، والثالثة واو. ففات اللزوم. ومما اتفق لي من نمط أبي الفتح البستي: تذكرت عيشا مرّ حلوا بكم فهل ... لأيامنا تلك الذواهب واهب وما انصرفت آمال نفسي لغيركم ... ولا أنا هذي الرغائب غائب سأصبر كرها في الهوى غير طائعٍ ... لعلّ زماني بالحبائب آيب وقلت أيضاً: بنفسي من إذا ادّكر اكتئابي ... وأني لا أرى الأوزار زارا يبيت وللتّقى حرس عليه ... ولي فإذا رأى الأسحار حارا

стр. 34

ولي قلبٌ إذا اذّكر الزمان ال ... لذي نلنا به الأوطارا طارا وقلت أيضاً: إن أنت أصبحت ربّ أمرٍ ... فلا تعره لباس باس وإن تمادت بك الأماني ... لا تعرها من قياس ياس لزوم ما لا يلزم قال في النوع الرابع في لزوم ما لا يلزم ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن ذم جبان فقلت: إذا نزل به خطب ملكه الفرق، وإذا ضل في أمر لم يؤمن إلا إذا أدركه الغرق. أقول: في السجعة الثانية عدم مطابقة، وما يقابل الضلال إلا بالهدى، ولا الإيمان إلا بالكفر. فيقال في ذلك: فإذا كفر نعمة لم يؤمن، وإذا ضل في أمر لم يهتد. وهذا من العيوب المعدودة. وقد عيب على أبي الطيب قوله: نظرت إلى الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيمٌ في محال وكان ذلك بحضرة سيف الدولة. فقيل له: إنما يقابل المستقيم بالمعوج، والصناعة تقتضي أن تقول: كأنك مستقيم في اعوجاج. فقال له سيف الدولة: لو أن القافية جيمية كيف كنت تصنع في البيت الثاني؟ فقال أبو الطيب من غير روية: كنت أقول: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ البيض بعض دم الدجاج فاستحسن ذلك من سرعة بديهته. على أن المتنبي وقع له هذا كثيراً في شعره. من ذلك قوله: ولكل عين قرةٌ في قربه ... حتى كأنّ مغيبه الأقذاء القرة إنما ضدها الإسخان، والقذى ضده الجلاء. وقوله: ولم يعظم لنقصٍ كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا العظم ضده الحقارة، والنقص ضده التمام أو الكمال وقوله: وإنه المشير عليك في بضلّةٍ ... فالحرّ ممتحنٌ بأولاد الزنا الحر ضده اللئيم. وإن أمكن التأويل لأبي الطيب في هذه وأمثالها، لكن الأحسن أن تكون كما ذكرته. وهذا النوع كثير في شعره. مناقشة حول معنى أخطأ ابن الأثير فيه في إنشائه وأما كون ابن الأثير رحمه الله تعالى يأتي بسجعتين لزومهما من أخف ما يكون ويعدهما من اللزوم ويستشهد بهما في كتابه من كلامه فإن هذا من العجيب. ولو كان الكاتب كله من أوله إلى آخره بلزوم الراء قبل القاف، لما كان كبير أمر. ألم ير كتاب اللزوميات لأبي العلاء، وهو مجلد كبير نظم على حروف المعجم. ألم ير المقامات التميمية وهي خمسون مقامة أنشأها السرقسطي ملزومة من أولها إلى آخرها وقد جمع الشيخ شرف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ من شعره جزءا جيدا من باب اللزوم، أتى فيه بأبحر العروض وضروبها، والشعر في غاية الحسن ولطف التركيب وجودة المعاني ورقة الألفاظ. من ذلك قوله: متيمٌ ودّ في عينيه لو خبأك ... ماذا يضيرك لو عرّفته نبأك إن أثّرت مقلتي في وجنتيك فقد ... نكأت قلبي بها أضعاف ما نكأك أدميت خديك إذ أدميت لي كبدي ... أنصف وقل لي ترى بالشر من بدأك منها. قد قلت للسجف لما أن حجبت به ... يا سيف ليتك قد أخفيت لي رشأك ويا منمنم خطي عارضيه لقد ... قراك مهجته العاني وما قرأك وأنت يا من يساميني إلى شرفي ... لقد وسعت إذا أضعاف ما ملأك هذا وسرحك يرعى في حمى كلأي ... فلا رعى سرحك الباري ولا كلأك قل ما بدا لك من لؤمٍ لذي كرمٍ ... فلو نبحت طوال الدهر ما خسأك انظر إلى لطف هذا النظم وانسجامه، وإلى هذه القوافي وتمكنها في أماكنها وما أحلاها في مواطنها، وإذا أفردتها من تركيبها لم يكن لها هذا الحسن. وما أقوى تركيبها في بنائها نفسها، وليست على إفرادها بعذبة في السمع. وهنا يبين قدر الناظم. وما أحلى قوله: فلا رعى سرحك الباري ولا كلأك. ثم إن ابن الأثير ﵀ ساق بعد تينك السجعتين شيئاً آخر من كلامه سجعتين سجعتين أيضاً مثل: بابه واغبابه، وعرضا وأرضا، وأنزلته وحولته، واطرافها واطرافها، وسكناه ويمناه، وليس ذلك من النادر الحسن. كما جاء في كلام القاضي الفاضل رحمه الله تعالى في قوله: والإنعام الذي هو الحقيقة وما سواه مجاز، والفضل الفصل اللذين وردا بالإسهاب والإيجاز، والجميل المخلد الذكر فإنه تنجيز وعد الخلود وإن جاز فيه إنجاز.

стр. 35

وفي قوله: وعرفت الإنعام بالخلع، ومن تكفل في مواقف المناظرة بطي لسانها تكفلت له المملكة بأن يزهى بطيلسانها، وأحلته من سواد الخلع في خلعة إنسانها. وفي قوله في وصف ليل: في ليل كموج البحر، له أنجم كحبب النهر، وقد حشر الهموم وحشدها وهدى ضوالها وأنشدها. فأقول لما تمطى بصلبه: قطع الله صلبك، ومتى أرى عمود الصبح وقد عجل الله عليه صلبك. وفي قوله: واطلعت شرف الأربعين وما تركت شرف العشرين، وقلت للنفس: أنساني نيسان ما تشرين لتشرين. وفي قوله: وأوحشني قوله: إني بعثت بالكتاب مرتادا ومستأذنا، وكيف ترى في معشر طلبته بالحقوق لأستاذنا، ووجدت ريح كتبه وروح قربه فرجعنا إلى العادة وعادت أيامنا، وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا، وعاودنا المنى وما كانت تخطر وإن خطرت فإنها كلا منى. كذا يكون اللزوم حسنا، وكذا تكون الفصحاء لسنا، لا ما أورده ابن الأثير من الحشف، وساقه من الغث الذي مجه السمع وما ارتشف. وقد اتفق لي في اللزوم أبيات ثنى، لا بأس بإثبات شيء منها هنا. قلت: أدعوك يا موجد الأشياء من عدم ... وصانع العالم العلوي والأرضي إن كنت تعرض يوم الحشر لي عملا ... فلا تقدّر له طولا على عرضي وقلت أيضاً: يا ساحبا ذي الصبا في الهوى ... أبليته في الغي وهو القشيب فاغسل بدمع العين ثوب التقى ... ونقّه من قبل عصر المشيب وقلت أيضاً: وجدت في عشرة صحبي أذى ... لما لزمت البيت في الوقت زال يا عجبا من أشعريّ غدا ... يحمد رأي الناس في الاعتزال وقلت أيضاً: إن اللطافة لم تزل ... عند الأكابر فاشيه أرأيت عمرك في الورى ... طرفا رقيق الحاشيه وقلت أيضاً: لا ترع للملاّق عهدا ولا ... تصغ لما نمّقه واختلق فأنت تدري ما جنته يد الر ... امي على الطير برعي الملق وقلت أيضاً: أتاني وقد أودى السهاد بناظري ... يمزق جنح الليل بارق فيه فقلت له: يا طيّب الأصل هكذا ... أخذت الكرى مني وعيني فيه وقلت أيضاً: إن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهى بدموعٍ كأنهنّ الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها وقلت أيضاً: فدّيت حبيبا ضرّج الحسن وجهه ... فصبّ على خديه ذوب عقيق إذا عاين الروض المدبّج خدّه ... يقول لنا هذا أخي وشقيقي وقلت أيضاً: أنفقت كنز مدائحي في ثغره ... وجمعت فيه لكل معنى شارد وطلبت منه جزاء ذلك قبلةً ... فأبى وراح تغزلي في البارد وقلت أيضاً: وقف القضيب لقده لما مشى ... وجرت دموع العين في تحصيله رشا كساه الحسن منه حلةً ... جاءت بجملتها على تفصيله وقلت أيضاً: قالوا وقد مادت بغصن النّفا ... أسرفت في الحب بلا فائده فقلت منهوم الهوى لم يكن ... يشبع إن لذت له المائده وقلت أيضاً: لما تناءيت عنكم ... ما زال عنّي عنائي ولو قفلت إليكم ... فتحت باب الهناء وقلت أيضاً: كن كيف شئت فإن قد ... رك قد غلا عندي وعزّا مات السلوّ تعيش أن ... ت أما رأيت الصبر عزّى وقلت أيضاً: له في خده آيات حسنٍ ... وليس لعقدها في الحب فسخ وريحان العذار له حواشٍ ... على نار لهما بالروح تسخو وقلت أيضاً: يا عجبا من معشر سكرهم ... أثبتهم في عالم المحو وكل كأس شمسه أشرقت ... ويومهم عارٍ من الصحو وقلت أيضاً: رشأٌ سار بقلبي ... وأنا أشكر سيره فسبى صبري لمّا ... لم يجد القلب غيره أقول: إنني ما أثبت هذه الأبيات لما فيها من اللزوم ولا بد فإن ذلك إنما جاء فيها ضمنا وتبعا، وإنما أثبتها لما فيها من التورية. وذلك ظاهر لمن تأمل مواضعها.

стр. 36

وكتبت بقدوم ركاب مولانا السلطان خلد الله ملكه من الحجاز الشريف سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة لمولانا ملك الأمراء بالشام المحروس أعز الله أنصاره: ضاعف الله نعمة الجناب العالي وسره بما عطر الوجود من أنباء سلطانه، وأبهجه بعود مليكه بعد بلوغ أوطاره إلى أوطانه، وملأ سمعه بما ملأ قلب الإسلام فرحا حتى فاض قليبه مسرة بغير أشطانه. صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تطوى على سلام يتعوذ البدر بكماله من نقصانه، وتنشر عن ثناء رقص الحمام بأسجاعه أعطاف أغصانه، وتوضح لعلمه الكريم أنه سطرناها بعد ورود ركابنا الشريف إلى مستقر ملكه بقلعة الجبل التي حللنا مغناها، وضوأنا بنير وجهنا الشريف أفقها وقد كانت كالألفاظ المبهمة فلما حللناها ظهر معناها، ووردناها وهي أشد شوقا إلينا من الرياض الذاوية إلى الغمام، وأعظم كلفا من المشوق بنسمات الحمى وسجعات الحمام، وأكثر تطلا من الساري في الظلام إلى طلعة البدر التمام، فزينا سماءها، وجلينا ظلماءها وبللنا غلة أشواقها، وفككنا يد الوحشة التي أخذت بأطواقها. هذا والظفر نزيل جناب جنائبنا، والنصر خادم ركاب ركائبنا، والسعود سائرة بين أيدينا، والوجود، بالتأييد من سائر الجهات ينادينا، والبروق قد بعثت في الآفاق ملطفات البشائر مخلقة، والأولياء قد حفت بركابنا فما قصرت عنها سوابق نعمنا لما رأيناها محلفة. وقد قضينا بحمد الله ومنه مناسك الحج، ورفعنا صوتنا بالنداء وأكفنا بالندى فرأى الناس كيف يكون العج، والغيث كيف يكون الثج، ونفحنا من سرانا بنار البرق وفحمة الدجى في ضرم، وعطفنا من مكة شرفها الله إلى المدينة أعزها الله فما سرنا من حرم إلا إلى حرم. فنلنا بفضل الله تعالى ما أميناه وأملناه، وأدينا الأمانة للشوق في التملي بالحجرة الشريفة كما حملناه، وشافهنا ذلك المقام الشريف بالسلام عند الوصول إلى السول، وخلونا به فما كان بيننا وبين الرسول رسول، فالجناب العالي يأخذ حظه من هذه البشرى التي ابتهج بها الإسلام، وترنحت لها أعطاف المنابر وعددت هباتها أنامل الأعلام، ونطقت بمحامدها حتى أفواه المحابر بألسنه الأقلام. ولا يكلف الرعايا في هذه البشرى شيئاً لتكون القربة بريئة من الشوائب، خلية من المعائب، فإن الصواعق تكدر جود السحائب، والملل ينغص وصل الحبائب. والله يبقى الجناب لهناء نسمعه نغماته المطربة، وثناء تترنح له أعطاف الطروس وتترنم له ألسنة الأقلام في أيدي الكتبة المعربة بمنه وكرمه. وغالب ما أنشئه أنا إنما آتي به ملزوما، وخطبة هذا الكتاب ملزومة. قال في اللزوم أيضاً: وقد ورد للعرب شيء من ذلك، فمما جاء منه قول بعضهم في أبيات الحماسة: إن التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوىً لها وساق الأبيات المشهورة. أقول: ليس من اللزوم هذا في شيء، وإنما القافية اللام والهاء صلة. ألا ترى أنه لو قال في بعض قوافيها: أقرها أو أصمها لما جاز ذلك. وهذا النوع كثير في شعر العرب وليس هو من اللزوم كقول كثير عزة: خليليّ هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم انزلا حيث حلّت وهي قصيدة طويلة، القافية فيها اللام، وأبيات الحماسة التي لعمرو بن معد يكرب: ولما رأيت الخيل زورا كأنّها ... جدال زرعٍ أرسلت فاسبطرّت الأبيات. القافية فيها الراء. على أن ابن الأثير جعلها من باب اللزوم، وهذا أقرب إلى اللزوم من الأول. ولو أورد هذه وادعى أنها من اللزوم لكان له بعض شبهة. فإن أبا تمام وغيره يرون أن القافية هنا التاء. ونظم أبو تمام قصيدة تائية على هذا. وهي: نسائلها أيّ المواطن حلّت ... وأيّ ديارٍ أوطنتها وأيّت وكذلك تائية شرف الدين بن الفارض نظم السلوك، والأخرى القصيرة، والمحققون لا يجيزون ذلك ويعيبونه. وأبيات سلمى بن ربيعة شاعر الحماسة: حلّت تماضر غربةً فاحتلّت ... فلجا وأهلك باللّوى فالحلّت أبيات طويلة لم يجعل رويها غير اللام. وكذلك قول سليمان بن قتبة العدوي من شعراء الحماسة: مررت على أبيات آل محمدٍ ... فلم أرها كعهدها يوم حلّت وفي الحماسة من هذا النوع كثير. أما أبيات الحماسة: وحربٍ يضجّ القوم من نفيانها ... ضجيج الجمال الجلّة الدّبرات

стр. 37

فإنها من باب اللزوم، أما التي أوردها ابن الأثير فلا. قال: وقد ذكر بعضهم في هذا النوع ما ورد في أبيات الحماسة. وهو: وفيشةٍ ليست كهذي الفيش. ثم ساق الأبيات وقال: وليس هذا من باب اللزوم. وأخذ يستدل على صحة دعواه، إما بما مغلط فيه، وإما بما خفي الصواب فيه عليه. وأقول: إن هذه الأبيات من باب اللزوم، بدليل أنه لو قال فيها حوش لجاز. وأما استدلاله بعرش وطيش فلا يسلم له. والواو والياء تقعان ردفا قبل الروي كما تقول: قصور وقصير، وكسور وكسير. وهو أشهر وأظهر من أن يستشهد له بشيء. قال في اللزوم أيضاً: واعلم أنه إذا صغرت الكلمة الأخيرة من الشعر، أو من فواصل الكلام المنثور، فإن ذلك ملحق باللزوم ثم أورد قول الشاعر: عزّ على ليلى بذي سدير ... سوء مبيتي ليلة الغمير وساقها إلى آخرها. أقول: ليس ذلك من اللزوم، فإن طمرا وظهرا وصدرا، وسحرا ومطرا وقمرا، إذا كان جميع ألفاظها مبكرا فلا لزوم فيها. نعم لو كانت القوافي التي ذكرها، قميرا وغميرا وعميرا وجميرا وسميرا ونميرا، لعد ذلك من اللزوم لوجود الميم. فإن الناظم لا يتكلف لمثل ما أورده ولا يلزم نفسه شيئاً، بل كل قافية رائية أو غير بائية يجوز تصغيرها. ومن عجائب هذا الرجل ﵀ أنه يعد مثل هذا لزوما ثم إنه يقول بعد سطرين: وربما وقع بعض الجهال في هذا الموضع فأدخل فيه ما ليس منه. كقوله تعالى: " إن المتقين في جنّات ونعيم. فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم ". وهذا لا يدخل في باب اللزوم، لأن الأصل فيه، نعم وجحيم. والياء هي من حروف المد واللين. أقول: من المطبوع قول القائل: لو أراد الله خيرا ... وصلاحا لمحبّه نقلت رقة خدي ... هـ إلى قسوة قلبه وكذا هذا الرجل، لو وفقه الله في هذا المقام، كان كلامه هنا قد نقله إلى ما ذكره من التصغير، وقال: إن الياء هنا للتصغير فلا عبرة بها لأن الأصل: سدر وغمر في سدير وغمير. على أنني أضعت هذين البيتين اللذين أوردتهما هنا متمثلا، فإنهما أشرف من كذا. وما يقال هنا إلا: فديتك لا تزني ولا تتصدقي. وأما الآيات الكريمة التي أوردها فإنها من باب اللزوم. فإنه يجوز في السجع أن يقال: سموم وحميم فيجمع بين الواو والياء كما تقدم. وأما جحيم ونعيم وحميم فإنه من باب اللزوم وقد خبط في هذا الباب كما خبط في التجنيس. على أن لزوم ما لا يلزم والتجنيس من واضح البديع ومن اشتغل بذلك تنبه لهما في المبادىء لوضوحهما. وعجبت لابن أبي الحديد كونه ما تنبه لهذه الأشياء. لفظة خود متى تكون حسنة أو قبيحة قال في النوع السادس في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها، بعدما ذكر لفظ خود وأنها: في الاسم الذي هو خود حسنة رائقة، وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن رائقة. ثم أورد قول أبي تمام. وإلى بني عبد الكريم تواهقت ... رتك النعام رأى الطريق فخوّدا وبيت الحماسة: أقول لنفسي حين خوّد رألها ... رويدك لمّا تشفقي حين مشفق ثم إنه حكم للأولى بالثقل والسماجة، وللثانية بالخفة والحسن. واحتج لهذه بأنها وردت هنا على حكم المجاز، وهناك على حكم الحقيقة. أقول: ما أكثر تحكم هذا الرجل ودعاويه بلا مستند. وإن كان، فهو أوهن من بيت أسس على شفا جرف هار. وذلك أنه من أول الكتاب إلى آخره، يستدل على أن عذوبة اللفظة وحسنها أمر يرجع إلى تركيب أحرفها ولذة موقعها في السمع، وأن ذلك أمر يشهد له الحس. فيقال له: إذا كان الأمر كذلك، فلا اعتبار هنا بالمعنى، ولو أن المعنى يؤثر في اللفظ عذوبة لكانت هركولة للمرأة المرتجة الأطراف والأرداف عذبةً، ولو أثر المعنى في اللفظ ركة، لكانت لفظة سعير وحيف ثقيلة في السمع. ولما لم تكن العذوبة والثقالة يتعلقان بالمعنى علمنا أنا لمعنى لا عبرة به في الفصاحة. فحينئذ قوله: إن خود في الأول ثقيل لكون حقيقة وفي الثاني حسن لكونه مجازا، دعوى مجردة، لأن الخاء والواو المشددة والدال لم يتغير لها صيغة ولا بناء في الموضعين. والمجاز والحقيقة أمران معنويان لا علاقة لهما باللفظ.

стр. 38

ويقال له: أنت قلت: إن الذي تكلفه النحاة من التعديلات واه لا يثبت على محك النظر، أفهذا التعليل الذي أوردته قوي ثابت على محك النظر، ليس فيه مغمز ولا قدح. أهذا طعن من يشفي غليلا ... وإقدام امرىءٍ عاب الرجالا! هل كلمة الإمة بالكسر فصيحة قال أيضاً في هذا الفصل، وقد ذكر الإمة بكسر الهمزة: ورأيت صاحب كتاب الفصيح وقد ذكرها فيما اختاره من الألفاظ الفصيحة. ويا ليت شعري ما الذي رآه من فصاحتها. ثم زاد في الحط عليه وأكثر من ذلك. أقول: إن أبا العباس ثعلبا ﵀ ما ذكر ذلك إلا التزاما بورودها لأجل الباب الذي عقده لذلك. فقال: باب المكسور أوله، والمضموم باختلاف المعنى فاضطر لذكرها وذكر أمثالها في هذا الباب: من الخطبة والصفر والرحلة والعشر. التزاما بورود ما جاء في ذلك. وقد يكون المكسور أعذب، وقد يكون المضموم أعذب وأئمة اللغة إذا قالوا فصيح ما يريدون به العذوبة والحسن ولا بد، وإنما يريدون به كثرة الاستعمال، والعذوبة قد تجيء بعد ذلك ضمنا وتبعا. ولهذا تسمعهم يقولون اللغة الصحى في زئبق، وزئبر الثوب الهمز دون التسهيل، وإن كان التسهيل أخف وأعذب من الهمز فالأفصح الهمز. وكذا قولهم السمع بتحريك الميم أفصح من السكون، والحس يشهد بأن التسكين أخف وأحسن. فكل عذب فصيح ولا ينعكس. قال في ذلك أيضاً: وكذلك فعل بفتح الفاء وضم العين فليس له إلا اسم واحد أيضاً وهو فعيل، ولا يقع فيه اختلاف إلا ما شذ. لكن فعل بفتح الفاء وكسر العين يقع في اسم فاعله الاختلاف استحسانا واستقباحا لأن له ثلاثة أوزان نحو فاعل وفعل وفعلان، تقول منه: حمد فهو حامد وحمدان. أقول: إن فعلا بضم العين، ليس فاعله مقصورا على فعيل بل قد يأتي على فعال. نحو جبن فهو جبان، وحصنت المرأة فهي حصان. وقد يأتي على فعل بتحريك العين، نحو بطل فهو بطل وحسن فهو حسن. وقد يجيء على فعال بضم الفاء نحو فرت الماء فهو فرات، وضخم الشيء فهو ضخام، وشجع فهو شجاع. وقد يجيء على فعول نحو حصرت الناقة فيه حصور، وعزت فهي عزوز. وقد يجيء على فاعل نحو حمض اللبن فهو حامض. وقد يجيء على فعل نحو غمر الرجل إذا لم يجرب الأمور فهو غمر، وصلب الشيء فهو صلب. وقد يجيء على فعل نحو ندس الرجل فهو ندس ويقظ فهو يقظ. وقد يجىء على فعل بسكون العين كقولك: ضخم فهو ضخم، وسهل فهو سهل، وصعب فهو صعب، وشهم فهو شهم. أما إذا كان من أفعال السجايا كظرف وشرف وعظم وكبر، فإن اسم فاعله على وزن فعيل تقول في ذلك: ظريف وشريف وعظيم وكبير. وأما فعل بكسر العين، فإنه أطلق العبارة وادعى أن فاعله يجيء على ثلاثة أوزان فاعل وفعل وفعلان والقاعدة في ذلك أن الفعل لا يخلو من ثلاث صيغ: فعل بفتح العين كضرب وفعل بكسر العين كعلم وفعل بضم العين كظرف. أما الأول، فاسم فاعله مطرد القياس على فاعل كضرب فهو ضارب، وذهب فهو ذاهب، وغلب فهو غالب، ونقص فهو ناقص، وكمل فهو كامل. وأما الثاني وهو فعل بكسر العين فاسم فاعله على فاعل مسموع، لا يتعدى بذلك النقل، وليس للقياس في ذلك مدخل. كقولك: أمن فهو آمن، وسلم فهو سالم، وسخط فهو ساخط ورضي فهو راض. فأما اطراد اسم فاعل فعل على فعل، فهو إذا كان لازما غير متعد، وهو فعل العرض الذي هو غير مستقر، كقولك: فرح فهو فرح، وغرث فهو غرث، وبطن فهو بطن، وأشر فهو أشر، فهذا مطرد. وإذا كان متعديا كما ذكره ابن الأثير في حمد فلا يطرد فاعله على فعل أما حمد فما سمعته قط. وأظن ابن خالويه في كتاب ليس قال: ليس في الأسماء ما بني على ثلاثة أسماء مثل: رحم فهو راحم ورحيم ورحمان، إلا سلم فهو سالم وسليم وسلمان، وندم فهو نادم ونديم وندمان. وقيل: إنه ادعى مثل هذا في مجلس سيف الدولة بن حمدان، وذكرت هذه القاعدة وابن خالويه حاضر. فقال: قد بقيت واحدة من نسب الأمير وهي حمد فهو حامد وحميد وحمدان، وهذه من محاسن ابن خالويه. ولو كان في فاعلها حمد لذكر في ذلك الوقت. فإن كان فعل من أفعال الألوان والخلق، فاسم فاعله على أفعل نحو عور فهو أعور وحول فهو أحول، وجهر فهو أجهر، وكدر فهو أكدر. وكذا خضر وسود وصفر، كلما كان من الألوان فاسم فاعله أفعل.

стр. 39

وأما إذا كان فعل للامتداء وحرارة البطن فهو فعلان بسكون العين مثل: شبع فهو شبعان، وعطش فهو عطشان، وصدي فهو صديان، وروي فهو ريان وسكر فهو سكران. وأما الثالث فهو فعل بضم العين. فقد تقدم الكلام على اسم فاعله. فهذه القاعدة في أبنية أسماء الفاعلين من الصيغ الثلاثة، لا ما ادعاه وأطلقه. حول المعاظلة اللفظية قال في المعاظلة اللفظية: ومن ذلك بعضهم: وفبر حربٍ في مكانٍ قفر ... وليس قرب قبر حربٍ قبر فهذه القافات والراءات كأنها سلسلة في تتابعها، ولا خفاء بما في ذلك من الثقل. وهكذا ورد قول الحريري في مقاماته فقال: وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه أقول: أما البيت الذي ذكره أولا فهو معذور فيه، وكل أرباب المعاني والبيان ذكروه ونصوا عليه ولم يقرنوه بقول الحريري. وهذا من تعسفه وتعنته. فإن البيت الذي للحريري ما فيه غير كثرة الجناس، وهذه صناعة فكيف يعدها عيبا. وإن كان كذلك فكل جناس تردد في بيت أو فقرة يكون معاظلة على رأيه وليس كذلك. ولو لمح السر في ثقل ذلك البيت، لما قرنه بقول الحريري. وسبب الثقل في ذلك البيت، ما هو تكرار الحروف ولا بد فإن ذلك جزء علة، وإنما هو تقديم الحروف بعضا على بعض، مع التكرار في قوله: قرب قبر. حتى إن هذا البيت اشتهر بأن الأذكياء يمتحنون بإنشاده ثلاث مرات متواليات على نفس واحد، فما يكاد يسلم أحد من التخبيط فيه. والسبب في ذلك تقديم بعض الحروف على بعض وتأخيرها. وليس هذا مخصوصا بهذا البيت، بل بكل ما ترددت حروفه متقدمة ومتأخرة. وهذا ابن سناء الملك من أرق المتأخرين شعرا وألطفهم قد جاء له مثل هذا في قوله: وصفتك واللاّحي يعاند بالعذل ... فكنت أبا ذرٍ وكان أبا جهل له شاهدا زورٍ من النهي والنّهى ... عليك ومن عينيك لي شاهدا عدل حبيبة هذا القلب من قبل خلقه ... يحبك قلبي قبل خلقك بل قبلي انظر البيتين المتقدمين ما أرفهما وما أثقل هذا الثالث، وما سببه غير تقديم الحروف تارة، وتأخيرها تارة في قبلي وقلبي، وقلب وقبل. وأما بيت الحريري فما فيه غير تردد حروف جناسه، والتقديم والتأخير معدومان فيه. ألا ترى أن العين قبل الفاء في المرتين والعين قبل الراء والراء قبل الفاء في المرتين وهذا ظاهر. وهذا شرف الدين ابن الفارض ﵀ في تائيته يأتي بالجناس في البيت كثيراً مرددا كقوله: أيا زاجرا حمر الأوراك تارك ال ... موارك من أكوارها كالأريكة وليس فيه من التعاظل والثقل على اللسان ما في قوله: ولا حلم لي في حمل ما فيك نالني ... يؤدي لحمدي أو لمدح مودّتي وعاد دعاوي القيل والقال وانج من ... عوادي دعاوي صدقها قصد سمعة وكلّفتها لا بل كفلت قيامها ... بتكليفها حتى كفلت بكلفتي وما السبب في ذلك غير تقديم الحروف في هذا تارة، وتأخيرها تارة، وسردها على الترتيب في الأول من غير تقديم وتأخير فاعرف ذلك. وأنا ما أنكر أن كثرة التجنيس المتردد في البيت أو الفقرة لا يخلو من ثقل ما، وإنما شاححته في كونه جعل قول الحريري من باب البيت الذي كأنه رقى العقرب، أو بعض العزائم الروحانية، وقد أكثر الناس من الاستشهاد به وصار في قلق الألفاظ مثلا. وتقعير الألفاظ معلوم وقد ذكره الناس. من ذلك أن عيسى بن عمر النحوي أو أبا علقمة النحوي سقط عن حماره وأغمي عليه، فلما أفاق ورأى اجتماع الناس عليه، قال: ما لكم تكأكأتم عليّ تكأكؤ على ذي جنة، افرنقعوا عني يرحمكم الله فقال بعضهم: دعوه فإن عفريته يتكلم بالهندية. ومن ذلك خبر أم الهيثم مع المرأة التي شكت إليها ألما في ظهرها، فسألتها عن السبب فقالت: كنت وحمى بدكة، فحضرت مأدبةً، فأكلت حيزبة من فراص هلعة فاعترتني زلخة. فقالت لها أم الهيثم: إنك لذات خزعبلات وقد قال رسول الله ﷺ : إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون المتشدقون. هذه الألفاظ كلها يراد بها المتنطعون في الكلام. فالثرثار من قولهم عين ثرثارة إذا كثر ماؤها، والمتفيهق من تفيهق الغدير إذا امتلأ، والمتشدق الذي يفتح شدقيه. من أنواع المعاظلة

стр. 40

قال في المعاظلة: القسم الخامس من المعاظلة أن ترد صفات متعددة على نحو واحد. كقول أبي تمام وأنشد له أبياتا منها: تامكه نهده مداخله ... ملمومه محزئلّه أجده ثم قال: وهذا البيت من المعاظلة التي قلع الأضراس دونها. أقول: ليس ثقل البيت من تعدد الصفات، وإنما هو من قوله تامكه ومحزئله، وليس في تعدد الصفات نفسها ثقل ولا معاظلة إذا وردت بألفاظ عذبة، كما تقول إذا وصفت قواما: قويمه، أهيفه، ناعمه، لدنه، ريانه. فإن حذفت الهاء زاد حسنا. ومثل ذلك قول القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان. قسما بوجهك وهو بدرٌ طالعٌ ... وبليل طرتك التي كالغيهب وبقامةٍ لك كالقضيب ركبت في ... أخاطرها في الحب أصعد مركب ويطيب مبسمك الشهي البارد ال ... عذب النمير اللؤلؤي الأشنب ومما قلته في هذا النوع: قسما بناضر قدك اللدن القوي ... م الأهيف المتعطف الرّيان وبجفني الدامي القريح الهامع ال ... هامي الملث الهاطل الهتّان مالي على ذل الجفا صبرٌ ولا ... جلدٌ يساعدني على الهجران والحس يحكم بيننا وبين من يدعي أن هذا من باب المعاظلة اللفظية. وأما بيت أبي تمام فإنه من قصيدة جاء فيها مثله بيتان وهما: مارنه لدنه مثقّفه ... عرّاصه في الأكفّ مسحسحه مطّرده ثم قال: مسفّه ثرّه مسححه ... وابله مستهلّه برده قال وقد أورد قول أبي الطيب: فلا يبّرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم رد التعصب وبلغني عن أبي العلاء أنه كان يتعصب لأبي الطيب، حتى إنه كان يسميه الشاعر ويسمي غيره من الشعراء باسمه. وزاد ابن الأثير في ذم المعري وقال: إن الله قد جمع له بين العمى في البصر والبصيرة. أقول: إن المعري معذور في تفضيل المتنبي على غيره، وليس هو ببدع في ترجيحه على غيره من الشعراء فأكثر الناس على هذا المذهب. وما المعري ولا غيره ممن رجحه يعتقد أنه معصوم لا يقع في الخطأ. وإنما الرجل إذا أجاد لم يلحقه أحد، وما له عندي نظير غير القاضي الفاضل رحمه الله تعالى، فإن الفاضل هكذا ينحط في بعض الأوقات إلى الحضيض، ثم يثب وثبة تكون الثريا لها ثرى، ويدع من اتبع أثره وقفا خطاه وقد رجع القهقرى. كقوله: وخواطري كليلة، وتصرفاتي قليلة، وحميتي كما يعرفها، والخلطة تخليط، فإن سمع سيدنا بابن شفة عني فهو لقيط. وكذلك أبو الطيب، بينا تراه على عادة الشعراء من متوسط وردي، حتى يأتي بجيد ترك الناس ينفضون غبار سبقه من هواديهم، وجلس على أسرة الأفق مطمئنا والشعراء يهيمون في واديهم. كما قال: فذي الدار أخدع من مومسٍ ... وأمكر من كفة الحابل ثم أردفه بقوله: تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل وكما قال يرثي والدة سيف الدولة: أتتهنّ المصيبة غافلات ... ودمع الحزن في دمع الدلال ثم قال: وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ... ولا التذكير فخر للهلال وكما قال منها: رأيتك في الذين أرى مملوكا ... كأنك مستقيمٌ في محال ثم أردفه بقوله: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال وكما قال في رثاء ابن سيف الدولة: بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل ... فهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي ثم أردفه: كأنك أبصرت الذي بي وخفته ... إذا متّ فاخترت الحمام على الثكل وكما قال: ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليبٌ وأهل الأعصر الأول ثم أردفه بقوله: خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زجل وكما قال: نلومك يا عليّ لغير ذنبٍ ... لأنك قد زريت على العباد ثم يقول بعد ذا: كأنّ الهام في الهيجا عيونٌ ... وقد طبعت سيوفك من رقاد وقد صنعت الأسنّة من همومٍ ... فما يخطرن إلا في فؤاد وهذان البيتان وإن عدت سرقاتهما فما فيها ما له هذه الديباجة ولا فيه هذه الطلاوة. وكما قال:
следующие страницы →