← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[" آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي ".]ـ المؤلف: محمّد بن بشير بن عمر الإبراهيمي (المتوفى: ١٣٨٥هـ) جمع وتقديم: نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي. الناشر: دار الغرب الإسلامي. الطبعة: الأولى ١٩٩٧ عدد الأجزاء: ٥ أعده للشاملة/ أبو ياسر الجزائري [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

ـ[آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي]ـ جمع وتقديم نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي. الجزء الأول ١٩٢٩ - ١٩٤٠ الناشر: دار الغرب الإسلامي. ــ

стр. 3

١٩٧٧ - دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى

стр. 4

آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي

стр. 5

ـ[صورة الشيخ البشير الإبراهيمي]ـ تلمسان ١٩٣٧ ــ

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة ــ منذ وفاة والدي الشيخ محمد البشير طالب الإبراهيمي- ﵀ في ٢٠ مايو ١٩٦٥، لم تفارقني ذكراه في حلي وترحالي، وفي يقظتي ومنامي، وذلك لأن العلاقة بيننا لم تكن تلك العلاقة التقليدية بين الابن وأبيه، أو بين التلميذ وأستاذه، بل كانت أقوى من ذلك بكثير، فقد كان بالنسبة لي أبا وأستاذا وصديقا ورائدا ومثلا أعلى أقتدي به، وأستنير برأيه في كل خطواتي، ولذلك فإن صدمتي بفقده جعلتني لا أستطيع الكتابة عنه طوال ثلاثين سنة، باستثناء المقدمة التي كتبتها للطبعة الثانية لـ "عيون البصائر"، بإلحاح شديد من شاعر الجزائر الكبير المرحوم محمد العيد آل خليفة (١). وكنت طوال هذه المدة أستلهم كل أعمالي وأقوالي من تربيته وتوجيهاته، وأحاول في كل المسؤوليات التي تقلدتها أن أنهج نهجه، وأنسج على منواله في حبه للجزائر، والإسلام، والعربية. وفي تفانيه للدفاع عنها بكل ما أوتي من قوة حتى آخر رمق من حياته، وكنت أشعر وكأنه- ﵀ من وراء حجب الغيب يوجه خطاي للعمل الدؤوب في خدمة البلاد والعباد، وفي إرساء المبادئ السامية التي كافح من أجلها لتعيش الجزائر حرة عزيزة كريمة في كنف العدالة الاجتماعية. وإني وإن كنت لم أستطع الكتابة عنه طيلة هذه السنوات، فإني عملت على جمع آثاره في طبعة أولى (٢)، بدأت تظهر منذ السبعينات في أربعة أجزاء، بالإضافة إلى الجزء الذي

стр. 7

طبع في حياته تحت عنوان "عيون البصائر". وها أنا اليوم- بعد ابتعادي عن المسؤوليات- أقدم للقراء طبعة جديدة من آثار الوالد بعد سنتين من البحث والتنقيب عما تركه من كتابات مخطوطة أو مطبوعة كانت متناثرة هنا وهناك. ولئن كانت هذه الآثار المطبوعة ضئيلة في حجمها بالنسبة إلى حياة الشيخ الحافلة، فإن كثيرا ضاع، وكثيرا مما ألقاه من دروس وخطب ومحاضرات لم يسجل لأنه كان يلقيه ارتجالا، ولم تتسن كتابة إلا أقل القليل منه، وكانت له مؤلفات وكتابات مخطوطة حول العديد من المواضيع في الدين واللغة والأدب والاجتماع ضاعت إبان حرب التحرير، إما عند بعض تلامذته أو في بيته بالجزائر العاصمة حين اقتحمه الجيش الفرنسي سنة ١٩٥٧ - وهو بالمشرق العربي- وعاث في مكتبته تخريبا ونهبا، ففقدت مخطوطاته ومعظم كتبه. وبالرغم مما للوالد من أبحاث ومقالات فإنه يعد من ذلك الرعيل من المفكرين الذين شغلتهم الاهتمامات القومية ومسؤولياتهم في الحركة الإصلاحية عن الإنتاج المكتوب، وهو في ذلك كالشيخ سالم بوحاجب بتونس، والشيخ محمد بن العربي العلوي بالمغرب الأقصى، وقبلهما حكيم الشرق جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، فهؤلاء قضوا حياتهم في تكوين الرجال لا في تأليف الكتب، ولقد كان البشير الإبراهيمي يقدم الأهم على المهم إذ نذر حياته للإصلاح الديني والاجتماعي وتكوين الرجال القادرين على حماية إسلام الجزائر وعروبتها. وقد أكد ذلك في آخر حياته بقوله: "لم يتسع وقتي للتأليف والكتابة مع هذه الجهود التي تأكل الأعمار أكلا، ولكنني أتسلى بأنني ألفت للشعب رجالا، وعملت لتحرير عقوله تمهيدا لتحرير أجساده، وصححت له دينه ولغته، فأصبح مسلما عربيا، وصححت له موازين إدراكه، فأصبح إنسانا أبيا، وحسبي هذا مقربا من رضى الرب ورضى الشعب " (٣). وكانت صورة الأمير عبد القادر الجزائري ماثلة أمامه دائما، لأن عبد القادر كالإبراهيمي كان لا يفصل بين العلم والعمل، ولا يفرق بين النضال والتفكير. ... هذه الآثار وتاريخ الجزائر: إن الحديث عن الإبراهيمي هو حديث عن الجزائر: أصالة وحضارة وصمودا ونهضة وتحررا، فقد جسد الجزائر في شخصيته: نشأة وتكوينا وإشعاعا وقولا وكتابة وسلوكا. إن آثاره التي توزعت حياته بمختلف مراحلها حافلة بما أثمره جهاده الطويل من جلائل الأعمال، فقد جسدت بصدق وأمانة حياة الجزائر خلال حقبة كاملة من تاريخها الحديث.

стр. 8

وهناك حقيقة لا بد من تأكيدها هنا، وهي أن مفتاح الدخول إلى هذه الآثار وفهمها حق الفهم لمعرفة الإبراهيمي حق المعرفة، ولتقديره بما هو جدير به، ليس الإطلاع على حياته فحسب، بل ضرورة الإطلاع على هذه الحقبة التاريخية المتميزة في حياة الجزائر والوقوف على مختلف أبعادها الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وفهم تطور الوعي في المجتمع الجزائري الذي تطورت معه أساليب المقاومة والجهاد من أجل التحرير والاستقلال لأن الذي لا يفهم طبيعة هذه المرحلة فهما دقيقا لا يستطيع أن يفهم رسالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أو يدرك أهدافها البعيدة التي رسمتها وجاهدت من أجل تحقيقها، هذه الجمعية التي نشط فيها الإبراهيمي مع غيره من إخوانه العلماء، فكان نائبا لرئيسها الأول الإمام عبد الحميد بن باديس في حياته، ثم رئيسا لها بعد وفاته. وإذا استعرضنا العوامل الحاسمة في نهوض المجتمع الجزائري في العصر الحديث دينيا وفكريا واجتماعيا وسياسيا، نجمل ذلك في حركتين بارزتين ومتكاملتين: ١ - الحركة العلمية الإصلاحية الدينية التي انطلقت بوادرها مع بداية القرن العشرين، ثم تطورت بقيام الشيخ عبد الحميد بن باديس بالتدريس في قسنطينة، غداة تخرجه من الجامعة الزيتونية سنة ١٩١٣، ونضجت هذه اليقظة مع عودة بعض العلماء من مهجرهم بالشرق العربي إلى الوطن، أمثال أبي يعلى الزواوي، والطيب العقبي، والبشير الإبراهيمي، ثم تبلورت في إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام ١٩٣١، غداة احتفال فرنسا بالعيد المئوي لاحتلال الجزائر، اعتقادا منها أنها قضت على الشخصية الجزائرية نهائيا بقضائها على الإسلام والعروبة فيها، ومما قاله أحد الحكام الفرنسيين في الجزائر بهذه المناسبة: "إِنَّنَا لَنْ نَنْتَصَرَ عَلَى الْجَزَائِرِيِّينَ مَا دَامُوا يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَكَلَّمُونَ الْعَرَبِيَّةَ، فَيَجِبُ أَنْ نُزِيلَ الْقُرْآنَ مِنْ وُجُودِهِمْ، وَأَنْ نَقْتَلِعَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ". ٢ - الحركة السياسية ممثلة في تأسيس حركة "نجم شمال إفريقيا" في باريس من العمال المهاجرين لكل من تونس والجزائر والمغرب عام ١٩٢٧ وما تلاها كتأسيس "حزب الشعب الجزائري " عام ١٩٣٧، ثم "حركة الانتصار للحريات الديمقراطية" عام ١٩٤٦، وما تولد عنها من منظمات سرية وعلنية تألقت بمواقف وتضحيات بطولية مشهودة، وأخيرا كل ما عزز الكفاح الوطني من حركات سياسية وثقافية كـ "أحباب البيان والحرية" و "الكشافة الإسلامية الجزائرية ". وإذا كانت الحركات السياسية اعتمدت- بحكم طبيعتها- الكفاح السياسي لبلوغ غايتها، وتجنيد فئات الشعب حول برامجها، فإن الحركة الدينية التي تمثلها "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين " مهدت السبيل باعتماد أسلوب الإصلاح الديني والاجتماعي الذي هيأ الأنفس

стр. 9

للإنصهار في الحركة السياسية، عن طريق التربية والتعليم والتكوين، وبناء المساجد، والنوادي، والمدارس، وإحياء المقومات الذاتية للشخصية الجزائرية، وربط الجزائر بمحيطها العربي الإسلامي الذي أراد الاستعمار انتزاعها منه، وبهذه العناصر تكون الوحدة الوطنية مصونة راسخة، ويكون الجهاد واجبا قائما، فيكون- بإذن الله- الانتصار المبين ميسورا مضمونا. ولا شك أن إصلاح العقيدة هو أساس كل إصلاح، فقد قال الإمام مالك ﵁: «لَا يَصْلُحُ آَخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَا بِمَا صَلُحَ بِهِ أَوَّلُهَا»، وهو الشعار الذي رفعه المصلحون في الجزائر وجسدوه في أقوالهم وأفعالهم، وكتاباتهم، فها هو الشيخ مبارك الميلي- مؤرخ الجزائر وأحد علمائنا- يكتب في العشرينات في أحد أعداد جريدة "المنتقد"، "من حاول إصلاح أمة إسلامية بغير دينها، فقد عرض وحدتها للانحلال وجسمها للتلاشي، وصار هادما لعرشها بنية تشييده". إن الحركة الدينية التي قادها علماؤنا الأجلاء تعدى صداها حدود الوطن، وكانت ثورة ثقافية حقيقية- بمفهوم اليوم- قلبت أوضاع الشعب الجزائري، وجعلته يعيش في حالة تناقض دائمة مع الاستعمار، ويتفاعل مع قضايا أشقائه في المغرب الأقصى وتونس والمشرق العربي، وكانت حربا بدون هوادة على الجهل والتحجر والبدع والخرافات والخمول والاستكانة. لقد أدخلت تلك الثورة الثقافية على المجتمع الجزائري تحولات في مفاهيمه، إذ أيقظت فيه روح الأخوة والتضامن، وبعثت فيه الأمل الذي هو مفتاح الوصول إلى الغاية المنشودة، وأعدت لذلك الوسائل الملائمة التي رسمت الطريق إلى شاطئ الخلاص وبر الأمان. وهذه الحقيقة تؤكد الاتفاق الكلي بين الحركة الدينية والحركة السياسية في الغاية، أي العمل على تمكين الجزائر من استرجاع سيادتها واستقلالها وحريتها، وإذا كان هناك من فرق بين الحركتين فمن المؤكد أنه ليس في الهدف- إذ الهدف واحد وهو الانعتاق- وإنما في الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق ذلك الهدف. تبنت "جمعية العلماء"، مشروعا يقوم على الدين والعلم والأخلاق، إيمانا منها أن هذه العناصر الثلاثة توصل الشعب الجزائري إلى الاستقلال، بينما جعلت الحركة السياسية من الاستقلال الوسيلة إلى بناء هذه الأعمدة الثلاثة، وإن كان أحيانا بمسميات مختلفة، بيد أنها تصب دائما في نفس الاتجاه ... وقد شاهدتُ في طفولتي بمدينة تلمسان في الثلاثينات كثيرا من تلامذة والدي وأنصاره يلازمونه في دروسه وخارج دروسه كمريدين أو أكثر، وهم في نفس الوقت منخرطون في حركة "حزب الشعب الجزائري"، ولم يكن لديهم أي شعور بالتناقض في الانتماءين، خلافا لما ركز عليه لاحقا بعض المؤرخين الفرنسيين في كتاباتهم، ممن كان همهم الأكبر التنقيص من دور الإسلام في الحركة الوطنية ثم في الثورة المسلحة ...

стр. 10

وإذا كان هذا النوع من التجني على الحقيقة بالإصرار على زرع التناقض بين الحركة الدينية والحركة السياسية في تاريخ الجزائر المعاصر أمرا متوقعا من هؤلاء المؤرخين، لأن صراعنا معهم صراع حضاري متواصل عبر التاريخ بأشكال شتى منذ أشرق نور الإسلام على هذه الربوع، فإن المرء ليندهش حين يسمع من يردد تلك المقولات المغرضة من أبناء وطنه، أو في بعض الدوائر العربية، ممن يبحثون في بعض صفحات التاريخ عن حجج معينة لتبرير موقف سياسي آني يتعارض مع انتماء الشعب الجزائري وأصالته، أو طمعا في الحصول على "شهادة حسن السيرة" من الغرب، قصد توظيفها لغايات معينة لا علاقة لها إطلاقا بما ينبغي أن يتحلى به المؤرخ المنصف من أمانة وتجرد وموضوعية ونزاهة فكرية ... وقد نلمس لهؤلاء عذرا إذا كان هذا الموقف "الاتباعي" نابعا عن جهل، فقد قال الإمام علي- كرم الله وجهه-: «النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا وَأَحِبَّاءُ مَا أَلِفُوا». هذه الآثار وحياة الإبراهيمي: إذا استعرضنا حياة الإبراهيمي نجدها تنقسم إلى سبعة أقسام: ١ - مرحلة التكوين والتحصيل الأولى (١٨٨٩ - ١٩١١): ولد بقرية "رأس الوادي " بناحية مدينة سطيف بالشرق الجزائري في ١٤ يونيو عام ١٨٨٩، وفي بيت أسس على التقوى، من بيوتات العلم والدين، وقد أتم حفظ القرآن الكريم على يد عمه الشيخ المكي الإبراهيمي الذي اكتشف مواهبه المبكرة، وكان لها الفضل الأكبر في تربيته وتكوينه، حتى جعل منه ساعده الأيمن في تعليم الطلبة. من هذه المرحلة المبكرة من حياة الشيخ الإبراهيمي لم نعثر على آثار تذكر باستثناء بعض الرسائل الإخوانية (٤) وتجدر الإشارة إلى أن الإستعمار الفرنسي في الجزائر كان ينتهج سياسة التجهيل والتفقير والطمس لمقومات الأمة وثوابتها، وذلك في كل أرجاء الوطن. ٢ - الرحلة المشرقية الأولى (١٩١١ - ١٩٢٠): هاجر جدي، الشيخ السعدي الإبراهيمي إلى المدينة المنورة عام ١٩٠٨، هروبا من ويلات الاستعمار الفرنسي، ولحق به والدي عام ١٩١١، تأكيدا للتفاعل بين المشرق والمغرب، مرورا بمصر التي أقام بها ثلاثة أشهر، التقى خلالها بعدد من علمائها وأدبائها وشعرائها، وحضر بعض دروس العلم في الأزهر، وعندما استقر بالمدينة المنورة، درس فيها على كبار علمائها- الوافدين من كل أنحاء العالم الإسلامي- علوم التفسير

стр. 11

والحديث، والفقه، والتراجم، وأنساب العرب، وأدبهم، ودواوينهم، كما درس علم المنطق والحكمة المشرقية، وأمهات كتب اللغة والأدب، ثم أصبح يلقي الدروس للطلبة في الحرم النبوي، ويقضي أوقات فراغه في المكتبات العامة والخاصة باحثا عن المخطوطات. والتقى خلال إقامته بالمدينة المنورة، في موسم الحج عام ١٩١٣، بالإمام عبد الحميد ابن باديس، وما من شك في أن تلك اللقاءات شهدت ميلاد فكرة تأسيس جمعية العلماء. وفي سنة ١٩١٧، انتقل الإبراهيمي إلى دمشق، حيث دعته حكومتها لتدريس الآداب العربية بالمدرسة السلطانية (مكتب عنبر)، وهي المدرسة العصرية الوحيدة آنذاك، بالإضافة إلى إلقاء دروس في الوعظ والإرشاد في الجامع الأموي، وقد تخرج على يديه جيل من المثقفين كان لهم أثر بالغ في النهضة العربية الحديثة. من الأماكن التي كانت لها مكانة خاصة في قلب الوالد- بعد مسقط رأسه- المدينة المنورة، وكان- ﵀ يحثني- بعد الاستقرار- على قضاء شهر رمضان بالمدينة، لما للمكان من بعد روحي، ولسكانها من خلق وطيبة، ومدينة دمشق التي تزوج فيها بوالدتي رفيقة العمر- رحمها الله رحمة واسعة-، ودفن فيها والده وحماه وابنه. ومن هذه المرحلة لم نعثر على آثار مكتوبة للإبراهيمي، بالرغم مما كان له من نشاط علمي وثقافي تشهد عليه شخصيات كثيرة مثل الدكتور عبد الرحمن شهبندر في رسالة باسم "النادي العربي" تتضمن دعوة الإبراهيمي لإلقاء محاضرة فيه سنة ١٩١٩، وشهادة الدكتور جميل صليبا عن أستاذه (٥)، ومن نشاط سياسي مؤيد لفكرة الجامعة الإسلامية. ٣ - مرحلة الإرهاصات (١٩٢٠ - ١٩٣١): قرر الإبراهيمي العودة إلى الجزائر سنة ١٩٢٠، وفي مخيلته فكرة حركة تحيي الإسلام والعربية في الوطن وتنشر العلم، وتبعث الأمة، وأعجب بعد وصوله بالنتائج المثمرة التي حققها ابن باديس الذي كان يقود حركة ثقافية وصحفية بمدينة قسنطينة، فأقام بمدينة سطيف وأنشأ بها مدرسة ومسجدا بعد أن رفض الوظيفة التي عرضت عليه من طرف السلطات الفرنسية، وتعاطى التجارة ليقوم بأوَد عائلته، وبقي على اتصال بابن باديس. وخلال هذه المرحلة تردد على مدينة تونس حيث كان يقيم أصهاره، وحيث كانت له صداقات في الأوساط العلمية والأدبية.

стр. 12

من هذه المرحلة لم نعثر إلا على بعض الرسائل (٦)، وبعض المقالات والمحاضرات التي نشرت في مجلة "الشهاب" ابتداء من عام ١٩٢٩، والتي نفتتح بها الجزء الأول من هذه الآثار. ٤ - بدايات جمعية العلماء (١٩٣١ - ١٩٤٠): في عام ١٩٣١ تأسست "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، كرد فعل إيجابي على احتفال فرنسا بمرور قرن على احتلال الجزائر، بعدما أيقنت أن الجزائر قد أصبحت إلى الأبد قطعة منها، مسيحية الدين، فرنسية اللسان، فجاء شعار الجمعية صارخا مدويا في وجه فرنسا، وراسما طريق الخلاص منها: "الْإِسْلَامُ دِينُنَا، وَالْعَرَبِيَّةُ لُغَتُنَا، وَالْجَزَائِرُ وَطَنُنَا". ووضع الإبراهيمي دستور الجمعية وقانونها الأساسي، وأصبح نائبا لرئيسها الإمام ابن باديس، ومنذ عام ١٩٣٣ تكفل بالمقاطعة الغربية من القطر، واختار مدينة تلمسان مركزا لنشاطه المكثف، وأسس فيها "مدرسة دار الحديث" سنة ١٩٣٧، بنيت على نسق هندسي أندلسي أصيل، فكانت مركز إشعاع ديني وعلمي وثقافي، واحتوت على مدرسة ومسجد وقاعة محاضرات. إن الجزء الأول من آثار الإبراهيمي يشتمل على ما عثرنا عليه خلال هذه المرحلة من حياته، وهي أدق حقبة في تاريخ الجزائر الحديث، نظرا لما شهدته من أحداث كان لها شأن كبير في تشكل الوعي الديني والسياسي للمجتمع الجزائري. ٥ - قيادة الحركة الدينية والثقافية بالجزائر (١٩٤٠ - ١٩٥٢): بعد أن رفض الإبراهيمي رفضا قاطعا كل محاولات فرنسا لإغرائه واحتوائه، أو تثبيط عزيمته، قررت السلطات الاستعمارية نفيه إلى قرية آفلو في الجنوب الغربي من الوطن، في مطلع الحرب العالمية الثانية. وبعد أسبوع من نفيه تلقى خبر وفاة رفيقه الإمام عبد الحميد بن باديس- ﵀، وخبر اجتماع أعضاء الجمعية وانتخابهم له رئيسا رغم الضغوط الفرنسية الرامية إلى انتخاب غيره، فتحمل مسؤولية قيادة الجمعية غيابيا، وتولى إدارتها بالمراسلة طول الأعوام الثلاثة التي قضاها في المنفى، وبعد إطلاق سراحه عام ١٩٤٣، أصبح قائدا للحركة الدينية والعلمية والثقافية في الجزائر، يجوب ربوعها معلما وموجها ومرشدا، يوحد الصفوف ويؤسس المدارس والمساجد والنوادي ويهيئ العقول لساعة الصفر التي كانت تخطط لها نخبة من الحركة السياسية.

стр. 13

وقد زُجَّ به في السجن بعد أحداث مايو ١٩٤٥، وبقي فيه عاما كاملا ذاق الأمرين في زنزانة تحت الأرض حيث الظلمة والرطوبة، مما استدعى نقله إلى المستشفى العسكري بقسنطينة، فتحمل هذه المحنة بصبر المجاهد، ويقين المؤمن. وفي سنة ١٩٤٦ استأنف نشاطه، فبعث جريدة " البصائر" من جديد في السنة الموالية بعد أن توقفت أثناء الحرب، وأشرف على تحريرها، كما أسس معهدا ثانويا أطلق عليه اسم رفيقه وصديقه المرحوم عبد الحميد ابن باديس في قسنطينة، حظيت شهادته بالاعتراف من الجامعة الزيتونية ومن معاهد الشرق العربي، ومن هذا المعهد تخرج رجال قادوا الثورة المسلحة، فمنهم من استشهد في الجهاد الأصغر، ومنهم من ساهم غداة الاستقلال في إعادة بناء هذا الوطن، كقياديين أو إطارات سامية في الدولة، فكان منهم الوزير والسفير، والوالي والمحافظ والقائد العسكري والأستاذ ومدير الجامعة الخ ... ويحتوي الجزءان الثاني والثالث من آثار الإبراهيمي على ما أنتجه خلال هذه الفترة التي هي أخصب مراحل حياته، ابتداء بما أوحت به قرية آفلو، التي لم نعثر- مع الأسف- إلا على القليل من المقامات والروايات والرسائل التي كتبت فيها، إلى ما كتبه أسبوعيا في جريدة "البصائر". أما مقالاته الافتتاحية فقد قام هو نفسه بجمعها لتطبع في كتاب سماه "عيون البصائر"، وهو يشكل الجزء الثالث من هذه الطبعة الجديدة. ٦ - الرحلة المشرقية الثانية (١٩٥٢ - ١٩٦٢): سافر الإبراهيمي إلى المشرق العربي للمرة الثانية عام ١٩٥٢ ممثلا لجمعية العلماء ليسعى لدى الحكومات العربية لقبول بعثات طلابية جزائرية في معاهدها وجامعاتها، وطلب الإعانة المادية والمعنوية للجمعية حتى تستطيع مواصلة أعمالها وجهادها، والتعريف بالقضية الجزائرية في الأوساط السياسية في الدول التي زارها أو التقى مسؤوليها، ولدى جامعة الدول العربية. وقد اتخذ من مصر منطلقا لنشاطه، ورعى فيها أولى البعثات الطلابية، وكان سفيرا للجزائر وصوتها المدوي، يلقي المحاضرات والدروس- خاصة في مركزي الإخوان المسلمين والشبان المسلمين- والأحاديث الإذاعية قبل الثورة التحريرية وفي أثنائها. وقد زار في هذا الشأن- بعد مصر- كلا من المملكة العربية السعودية، والعراق، وسوريا، والأردن، والكويت، وباكستان. ووجه يوم ١٥ نوفمبر ١٩٥٤ - أي بعد أسبوعين من اندلاع الثورة- نداء إلى الشعب الجزائري، يدعوه فيه إلى الالتفاف حول الثورة المسلحة، وخوض غمار الجهاد المقدس،

стр. 14

والتضحية بالنفس والنفيس، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لحياة العزة والكرامة، وكان هذا النداء إسكاتا لكل من يريد التشكيك في شرعية الجهاد باسم الدين، ودفعا قويا للثورة الوليدة. ويشتمل الجزء الرابع على ما استطعنا جمعه من آثار الإبراهيمي، خلال القسم الأول من رحلته المشرقية الثانية (١٩٥٢ - ١٩٥٤)، أي قبل اندلاع ثورة التحرير، ويعكس نشاطه الحثيث في التعريف بواقع الجزائر وقضيتها. أما الجزء الخامس والأخير من آثار الإبراهيمي فيغطي الثورة التحريرية (١٩٥٤ - ١٩٦٢)، ويشتمل على ما جمعنا من مواقفه المعلنة والمنشورة عن ثورة الجزائر. ٧ - المرحلة الأخيرة (١٩٦٢ - ١٩٦٥): وهي التي عاد الإبراهيمي فيها إلى وطنه بعد استعادة الاستقلال حتى وفاته في ٢٠ مايو١٩٦٥. وخلال هذه المرحلة اضطر إلى التقليل من نشاطه بسبب تدهور صحته من جهة، وبسبب سياسة الدولة التي شعر أنها زاغت عن الاتجاه الإسلامي، فانحصر نشاطه في حدثين ختمنا بهما الجزء الخامس من آثاره: - إلقاء أول خطبة جمعة بعد استعادة الاستقلال، افتتح بها مسجد "كتشاوة" بالعاصمة، الذي رجع كما كان مسجدا بعد أن حوله الاستعمار الفرنسي إلى كتدرائية طوال قرن وثلث، وقد ألقى الإبراهيمي هذه الخطبة المشهودة بحضور وفود من جميع الدول العربية والإسلامية. - إصدار بيان ١٦ أفريل ١٩٦٤، الذي دعا فيه السلطة آنذاك للعودة إلى الحكمة والصواب، وإلى جادة الإسلام، بعد أن رأى البلاد تنحدر نحو الحرب الأهلية، وتنتهج نهجا ينبع من مذاهب دخيلة مضادة لعقيدتنا وروحنا وجذورنا. مشروع الإبراهيمي النهضوي: يُجمع تلامذة الإبراهيمي ورفقاؤه أن أهم ما كتب هو "عيون البصائر" أي الجزء الثالث من هذه الآثار، بما فيها من جهاد في سبيل الإسلام والعروبة في جزائر محتلة، وبما فيها من مقارعة الاستعمار على الصعيدين الديني والسياسي، وبما فيها من مناصرة لكل قضايا المسلمين مشرقا ومغربا، وخاصة قضية فلسطين، وبما فيها من روائع البيان العربي كسجع الكهان. ولكنني أرى أن محتويات الجزء الأول من هذه الآثار- وهي تمثل ما عثرنا عليه من آثار الإبراهيمي في أواخر العشرينات وفي الثلاثينات- لا تقل أهمية عن "عيون البصائر"، إذ تتجلى لقارئها معالم مشروع نهضوي تستحق التأمل:

стр. 15

في سنة ١٩٢٠ - بعد الرحلة المشرقية الأولى التي دامت قرابة عشر سنوات، والتي أقام فيها بالمدينة المنورة ودمشق وزار القاهرة في مستهلها، وتونس في ختامها- عاد الإبراهيمي إلى وطنه، ووجده- كما تركه- يئن تحت وطأة الاستعمار والجهل والفقر والتخلف، وفي ذهنه مشروع نهضوي يدخل الأمة الإسلامية في دائرة التقدم والتحديث، وينطلق من الإسلام، لأن الإبراهيمي الذي تأثر بأفكار الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا مقتنع أن في الإسلام علاجا لكل أمراض المجتمع، شريطة أن تستعمل الأسلحة الثلاثة في المعركة: العقل و العلم والعدل. وقبل أن تستوفى الشروط لقيام حركة تشمل القطر، استقر بمدينة سطيف، وبدأ يطبق مشروعه بإنشاء مدرسة ومسجد، وحافظ على استقلاله بممارسة التجارة ورفض الوظيف، هذا على الصعيد العملي، أما على الصعيد النظري فألقى- سنة ١٩٢٩ - محاضرة بعاصمة الجزائر تحت عنوان: "التعاون الاجتماعي" (٧)، حدد فيها معالم مشروعه النهضوي في إطار النسق الإسلامي والذي يقوم على أعمدة أربعة: الدين والعلم و الأخلاق و الإقتصاد . - الدين: " ... إنه دين الفطرة، ولا يرجع في أحكامه إلا إلى النص القطعي من كتاب محكم أو سنة قولية أو عملية متواترة، وأن كل ما ألصق بالدين من المحدثات فهو بدعة يجب اعتبارها ليست من الدين وإن تراءت في صورة ما يقتضيه الدين ... إن المعاملة مبنية على مراعاة مصالح البشر ونظام اجتماعهم العمراني، ولذلك كانت أغلب أحكام المعاملات المأخوذة من القرآن كلية قلَّ أن نعثر فيها على التفصيل، وإن الأنسب لسماحة الدين وبقائه وصلاحيته لكل زمان ومكان أن يكون للزمان والمكان والعرف والعادة والبيئة مدخل في تكييف أحكام المعاملات وتطبيقها على الحوادث الجارية ". - العلم: " ... البحث في أنواع العلوم التي تصلح لنهضتنا، فهو معدود من لغو الحديث، واحتياج الحي إلى العلم في هذا الزمن أصبح قرين احتياجه إلى الطعام". - الأخلاق: "ولنا أساسٌ نبني عليه، ولا يعسر جد العسر إحياؤه هو الأخلاق الإسلامية المتوارثة، والتي نجد معظمها في القرآن في أوضح عبارة وأوضح بيان، ثم الأخلاق العربية المأخوذة من آدابهم التي هي أنفس ما خلفوه لنا من التراث". - الإقتصاد: " إن سوق المال اليوم معترك أبطال، وإن في جوانبه رماة ونحن الهدف، وإن مكان المال من الحياة مكان الوريد من البدن، وإن الزمان دار دورته، وقضى الله أن يصبح المال والعلم سلاحين لا يطمع طامع في الحياة بدونهما ... والذي تقتضيه الحكمة الهادئة لنحفظ أنفسنا من هذه المزاحمة المريعة هو تأسيس شركات التعاون

стр. 16

بين الفلاحين وبين التجار لتقي الصغار من الجانبين شرَّ تحكم الأجانب في أملاكهم ومجهوداتهم، ثم تأسيس مصارف مالية صغيرة تكون واسطة بين الجميع وتكون مع ذلك مستودعا للأموال المخزونة المعطلة ومرجعا لصناديق التوفير والاحتياط التي يجب أن تصحب هذه الحركة". هذا المشروع النهضوي الذي حدد معالمه الإبراهيمي عام ١٩٢٩ ينطلق من وعي كامل أن الجزائر تنتمي إلى الحضارة الإسلامية، وأن في كل حضارة ثابتا ومتحولا، وأن المحافظة على الثابت هو حفظ للشخصية الوطنية من الاستلاب: "إن مشخصات الأمم منها جوهر ومنها عرض، وإن الجوهر منها هو الصالح للبقاء، وإنه لا يد للفرد وللجماعة في تكييفه كما يشاء أو كما تشاء، وأن تطوره موكول إلى تدبير الاجتماع لا إلى تدبير الجماعات، وأن العرض منها هو محل التبديل والتغيير، يصلح لزمن فيؤخذ، ولا يصلح لآخر فينبذ، فالمحافظة على جوهر المقومات ليست محافظة وإنما هي حفظ للقومية من الاندغام والتداخل وعماد لها أن تتداعى وتسقط، وأما الأعراض فهي قشور تتحول وتزول كأوراق الخريف توجد وتعدم، والشجرة شجرة" (٨). وفي عام ١٩٣١، تأسست جمعية العلماء فأدرج الإبراهيمي مشروعه النهضوي في القانون الأساسي للجمعية الذي حرره في نفس السنة (٩)، وفي نص أساسي صدر به سجل مؤتمر جمعية العلماء سنة ١٩٣٥ (١٠)، والذي شرح فيه أسباب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم، والذي حدد فيه شروط النهضة الجزائرية التي- أكد من جديد- أنها يجب أن تقوم على الإسلام: "أي شباب الإسلام، إن الأوطان تجمع الأبدان، وإن اللغات تجمع الألسنة، وإنما الذي يجمع الأرواح ويؤلفها، ويصل بين نكرات القلوب فيعرفها فهو الدين، فلا تلتمسوا الوحدة في الآفاق الضيقة، ولكن التمسوها في الدين، والتمسوها من القرآن تجدوا الأفق أوسع، والدار أجمع، والعديد أكثر، والقوى أوفر". ثم حذر من المشروع التغريبي، وحدد موقفا واضحا وصارما من الاستعمار والتبشير والاستشراق والإلحاد، والطرقية والبدع والخرافات والأمية التي تمهد كلها لغزو المشروع التغريبي، وتقف في نفس الوقت عائقا دون تحقيق المشروع الإسلامي. ويؤكد الإبراهيمي أن العلوم العصرية- التي هي إحدى الدعائم لإنجاز مشروعه النهضوي- يجب أن ننهل منها بدون عقدة، لأن الحضارة "هي في الحقيقة تراث إنساني

стр. 17

تسلّمه أمة إلى أمّة، وتأخذه أمة عن أمة فتزيد فيه أو تنقص منه بحسب ما يتهيّأ لها من وسائل وما يؤثر فيها من عوامل ... وقد أصبح احتكار المدنية لأمم خاصة تقليدًا شائعا متعاصيا عن التمحيص والنقد، ومن هذا الباب احتكار الغربيين للمدنية القائمة اليوم، وما هي في الحقيقة إلا عصارة الحضارات القديمة ورثها الغربيون عمن تقدمهم، وقاموا عليها بالتزيين والتحسين والتلوين، وطبعوها بالطوابع التي اقتضاها الوقت، وانتحلوها لأنفسهم أصلا وفرعا، ولا تزال التنقيبات عن مخلفات الحضارات القديمة تكشف كل يوم عن جديد يفضح هؤلاء المحتكرين ويقلل من غرورهم" (١١). والمثقفون- في نظر الإبراهيمي- هم المسؤولون عن إنجاز مشروعه النهضوي لأنهم "هم حَفَظَة التوازن في الأمم وهم القَوَمَة على الحدود أن تهدم، وعلى الحرمات أن تنتهك، وعلى الأخلاق أن تزيغ، وهم الميزان لمعرفة كل إنسان حد نفسه، يراهم العامي المقصر فوقه فيتقاصر عن التسامي لما فوق منزلته، ويراهم الطاغي المتجبر عيونا حارسة فيتراجع عن العبث والاستبداد" (١٢)، وعلى المثقفين "الامتزاج بالأمة والاختلاط بطبقاتها والتحبّب إليها ومشاركتها في شؤونها الاجتماعية، والدخول في مجتمعاتها ومعابدها، ومشاركتها في عبادتها وفي الصالح من عوائدها .. ، وثقة الأمة بالمثقفين هي رأس المال في هذا الباب " (١٢). لقد طبَّق الإبراهيمي مشروعه النهضوي في حياته؛ إذ لقَّن العلم والدين والأخلاق كمدرس بالمدينة المنورة ودمشق في العقد الثاني من هذا القرن الميلادي، ثم كمدرس بمدينة سطيف في العقد الثالث، ثم كمدرس بمدينة تلمسان في العقد الرابع، ثم كزعيم حركة دينية وثقافية عظيمة بالقطر الجزائري في العقد الخامس، أما أهمية الاقتصاد والمال فلم يهملها فحث أنصاره وتلامذته على الاهتمام بهذا الجانب- خاصة بشراء ما أمكن من الأراضي الزراعية عن المعمرين، وهي أراضي كانت سلبت من أجدادنا، وبإنشاء تعاونيات بين التجار والحرفيين- واستطاع في الأربعينات أن يدفع تجار القطر الجزائري الكبار إلى إنشاء شركة كبيرة تواجه الاحتكارات الاستعمارية آنذاك (١٣). شخصية الإبراهيمي: لقد سمعت الشيخ العربي التبسي (١٤) ﵀ يردّد في كثير من مجالسه: "إن الإبراهيمي فلتة من فلتات الزمان، وأن العظمة أصلٌ في طبعه ". والعظمة الحقيقية- في رأيي-

стр. 18

تكمن في القلب. والحقيقة إن الإبراهيمي كان عظيمًا بعقله ووجدانه، بقلبه ولسانه، فكل من تقلب في أعطافه نال من ألطافه، فالقريب والرفيق والسائل والمحروم والمريد والتلميذ يجد فيه الأب الشفيق والأخ الصديق، الذي لا يبخل بجهده وجاهه وماله- وإن قل- لتفريج الكروب وتهوين الخطوب، وما تقربت منه إلا ملك قلبك بحلمه، وغمر نفسك بكرمه، قبل أن يشغل عقلك بعلمه، ويسحر لبّك بقلمه، وكانت الخصال البارزة فيه الإيثار والحلم والوفاء. وفي تحديد هذه الشخصية يقول أحد رفاقه، الأستاذ أحمد توفيق المدني- ﵀ عندما تبوأ كرسيه في مجمع اللغة العربية بالقاهرة: " ... فتقدم الإبراهيمي الأمين يحمل الراية باليمين، لا يأبه للمكائد ولا للسجون ولا يبالي بالمنافي في الفيافي، بل دخل المعمعة بقلب أسد وفكر أسدّ، ووضع في ميزان القوى المتشاكسة يومئذ تدك الصفات التي أودعها الله فيه: - علمًا غزيرًا فيّاضًا متعدد النواحي، عميق الجذور. - وإطلاعًا واسعًا عريضًا يُخيّل إليك أن معلومات الدنيا قد جُمِعَت عنده. - وحافظة نادرة عزّ نظيرها. - وذاكرة مرنة طيّعة جعلت صاحبها أشبه ما يكون بالعقل (الإلكتروني). - .. كدائرة معارف جامعة سهلة التناول من علوم الدين التي بلغ فيها مرتبة الاجتهاد بحق، إلى علوم الدنيا مهما تباينت واختلفت، إلى شتى أنواع الأدبين القديم والحديث بين منظوم ومنثور، إلى تاريخ الرجال والأمم والدول، إلى أفكار الفلاسفة والحكماء من كل عصر ومصر، إلى بدائع الملح والطرائف والنكت، كل ذلك انسجم مع ذكاء وقّاد، ونظرات نافذة، تخترق أعماق النفوس وأعماق الأشياء. - وفصاحة في اللسان، وروعة في البيان، وإلمام شامل بلغة العرب، لا تخفى عليه منها خافية، وملكة في التعبير مدهشة، جعلته يستطيع معالجة أي موضوع ارتجالًا على البديهة، إما نثرًا أو نظمًا ... - ودراية كاملة بجميع ما في الوطن الجزائري، يحدثك حديث العليم الخبير عن أصول سكانه وقبائله، وأنسابه ولهجاته، وعادات كل ناحية منه، وأخلاقها، وتقاليدها، وأساطيرها الشعبية، وأمثالها، وإمكاناتها الاقتصادية، وثرواتها الطبيعية .. - كل ذلك قد توّج بإيمان صادق، وعزيمة لا تلين، وذهن جبّار، منظّم، يخطط عن وعي، وينفّذ عن حكمة، وقوة دائبة على العمل، لا تعرف الكلل ولا الملل. هذا هو البطل الذي اندفعنا تحت قيادته الموفقة الملهمة نخوض معركة الحياة التي أعادت لشعبنا بعد كفاح طويل لسانه الفصيح، ودينه الصحيح، وقوميته الواعية الهادفة " (١٥).

стр. 19

وتتجلى شخصية الإبراهيمي كذلك في ثقافته، إذ لم يكن عالما بالمعنى المعروف عن معظم علماء الدين التقليديين، بل كان عالما شاملا تعمق في كثير من فنون العلم والمعرفة، بالإضافة إلى علوم الدين، توّج ذلك كله ذكاؤه وموهبته الخارقة في سرعة الاستيعاب والاستنباط والاجتهاد، وتوظيف ذلك كله لخدمة الإسلام والوطن والأمة، مما أهّله لتَبَوُّإِ سدة الريادة والقيادة، وقد تحدث أحد تلامذته، الأستاذ عبد المجيد مزيان عن ثقافته فقال: "ونشهد كما عرفناه، نحن تلامذته- أنه كان من أعلم أهل عصره بالعلوم الإسلامية والعربية، كان إمامًا لا نظير له في علوم الحديث، وكانت نيته أن ينشئ مدرسة مغربية للحديث، لو ترك له النضال الفاتك بوقته قليلا من الوقت، وقد أنشأ مدرسة «دار الحديث» لهذا الغرض البعيد الأهداف ... ... وكان مفسّرًا للقرآن في دروس عمومية ودروس للطلبة الخواص، أتى فيها بإبداعات سجلتها عنه ذاكرة الرجال، ولو لم تجمعها المكتوبات، وكان معلما للتاريخ الإسلامي ببراعة تحليل وسعة نظر، يتطرق إلى فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والأخلاق لينير التاريخ بمنظار الفكر الإسلامي والالتزام الأخلاقي الذي تدعو إليه النهضة الثقافية والإصلاح، وكان أستاذًا في اللغة والآداب العربية، يجمع بين الأصيل والجديد، وإن كان في أسلوبه الخطابي معجبًا بروائع البلاغة العربية، متعشقًا لآثار الفطاحل المبدعين في العصور النيّرة من الجاحظ إلى ابن خلدون. وكان مع هذا كله قدوة في سهولة المعاملة والاتصال، بشوشًا مَرِحًا في مجالسه، واسع الصدر في ممارسة المسؤوليات متفجر الحيوية في أنشطته الثقافية، كاتبًا وخطيبًا، وصحافيًا وأستاذًا وإمامًا" (١٦). وتميز الإبراهيمي- أيضًا- بثقافة عصرية اكتشفتها شخصيًا عندما سألني في إحدى ليالي عام ١٩٤٨ - وأنا بقسم الفلسفة في خاتمة تعليمي الثانوي- عن آخر درس تلقيته في علم النفس، فأخذ رأس الموضوع وشرح لي آراء وليم جامس ( William James) أحد مؤسسي المذهب العملي (البراجماتي)، وتحدث عن كثير من مفكري الغرب، ممن لم أكن سمعت بهم قبل ذلك اليوم مثل داروين ( darwin) وجون لوك ( john Locke) وجون ستيوارت ميل ( john s. mill) الخ. كما أوضح لي مساهمة العلماء المسلمين في كثير من الجوانب. وتتجلى شخصية الإبراهيمي في موقفه من الوظيف وتركيزه على حرية العالم الديني والمثقف حتى يستطيع القيام بواجبه لأنه كان يرى أنه "لا توجد في الإسلام وظيفة أشرف قدرًا، وأرحب أفقًا وأثقل تبعة وأوثق عهدًا وأعظم أجرًا عند الله من وظيفة العالم

стр. 20

الديني" (١٧)، وقد قام بهذه "الوظيفة" أحسن قيام في جميع مراحل حياته، مما جعله يرفض رفضا قاطعا كل العروض التي تقدمت بها السلطات الفرنسية لمناصب متعددة، معتبرا الوظيفة عند الحكومة رقًا، وأن ولاء العالم الديني للقرآن لا للسلطان، وأن ولاء المثقف للحكمة لا للحاكم. فبعد عودته إلى وطنه من رحلته المشرقية الأولى في العشرينات كانت الأمية سمة الأغلبية الساحقة من المجتمع الجزائري، وكانت هناك أقلية- لا تتعدى المئات- يمكن أن نطلق عليها اسم الطبقة المثقفة، وكانت هذه الطبقة تعيش بالوظيف: فالمثقف بالفرنسية معلم ابتدائي أو موظف بالبلدية، والمثقف بالعربية إما مُفْتٍ، أو إمام، أو قاضٍ، وكلهم يتقاضون مرتبات من الحكومة الفرنسية، وضمن هذه الأقلية هناك أفراد رفضوا الوظيف، منهم الإبراهيمي الذي عرض عليه منصب الإفتاء في مدينة سطيف في العشرينات، ثم منصب الإفتاء بمدينة بجاية سنة ١٩٣١ (١٨)، وفي بداية الحرب العالمية الثانية أعادت الحكومة الفرنسية الكرة وعرضت عليه إنشاء منصب "شيخ الإسلام" بالجزائر وبإسناده إليه إن قبل إلقاء أحاديث إذاعية تأييدا لفرنسا ضد ألمانيا، فرفض، وكلفه ذلك النفي ثلاث سنوات بقرية آفلو. وأشهد أنني عندما نجحت في امتحان البكالوريا سنة ١٩٤٩، استشرت والدي عن نوعية الدراسة العليا التي ينصحني باتباعها، فقال لي- ﵀: اختر ما شئت، شريطة أن تمارس مهنة حرة، وألا تصبح موظفا عند الحكومة الفرنسية. وعندما أخبرته أنني سجلت في كلية الطب أهداني نسخة نادرة من "القانون في الطب" لابن سينا قائلا: هذا نموذج من مساهمة أجدادك في علم سوف تخوض غماره. وحتى إذا كان الحاكم من بني جنسه ودينه كان الإبراهيمي يؤمن أن الكلمة أثمن من أي سلاح، وأن مهمة الفكر هي إيقاظ ضمير الدولة لا خدمة رِكابها، وأن علاقة المثقف بالسلطة لا يمكن أن تكون علاقة ولاء. وهكذا- في رحلته المشرقية الأولى- طلب منه الملك فيصل بن الحسين بدمشق أن يتولى إدارة معارف الحجاز فرفض وفضّل العودة إلى الوطن (١٩). وهكذا إبّان حرب التحرير الجزائرية (١٩٥٤ - ١٩٦٢) أعلن تأييده للثورة فور اندلاعها قبل كل الشخصيات المعروفة آنذاك، ثم قدّم خدمات جليلة للثورة، داعيًا إليها، منوّهًا بعظمتها، مطالبًا الدول الإسلامية بدعمها بالمال والسلاح والدبلوماسية (٢٠). ولكن عندما

стр. 21

اقتضى الأمر لم يتردد في نصح المجاهدين باحترام شرعة الحرب في الإسلام (٢١). وهكذا- في الجزائر المستقلة- تعرض للإقصاء والتهميش لأنه رفض أن ينحاز إلى تيار ضد تيار داخل الثورة، وأن يتحول إلى بوق للنظام الحاكم، وبقي محتفظا باستقلال الرأي وصراحة الخلق، فأصدر- وهو على فراش المرض- بيانه الشهير يوم ١٦ أفريل ١٩٦٤ (٢٢)، حين رأى سياسة السلطة تبتعد عن الإسلام، وتؤدي إلى الحرب الأهلية وتهدد وحدة البلاد واستقرارها. الأقانيم الثلاثة في حياة الإبراهيمي وآثاره: إذا أردت أن تختصر رسالة الإبراهيمي في كلمات، فهذه الكلمات هي: الإسلام و العروبة والجزائر. - الإسلام: انطلاقا من أن الإسلام الصحيح هو عماد مشروعه النهضوي، فقد كرس الإبراهيمي حياته لغرسه في نفوس الأطفال (عبر المدارس)، وتقويته في قلوب الشباب (عبر النوادي)، وإنعاش عقول الكهول به (عبر المساجد)، حتى تصبح الأمة متماسكة البناء، متضامنة الأعضاء، وتستطيع هكذا الخروج من الانحطاط الضارب، وإخراج المحتل الغاصب، فـ "الإسلام هو دين التحرير، وهو النبأ الذي كان أصحاب الأرواح الصافية يترقبونه، وهو الأمنية التي كانت تملأ نفوس الأصفياء المصطفين الأخيار من عباد الله ثم ماتوا قبل أن تتحقق. نقول: إن الإسلام هو (دين التحرير العام). فنرسل هذا الوصف إرسالا بدون تحفظ ولا استثناء، لأنه الحق الذي قامت شواهده، وتواترت بيناته، ومن شواهده وشهوده تلك الأجيال التي صحبت محمدا وآمنت به، واتبعت النور الذي أنزل معه، ثم الذين صحبوهم، ثم الذين اتبعوهم بإحسان ... والتحرير الذي جاء به الإسلام شامل لكل ما تقوم به الحياة وتصلح عليه المعاني والأشخاص، والدين الإسلامي لا يفهم التحرير بالمعنى الضيق؛ وإنما يفهمه على أنه إطلاق من كل تقييد، أو تعديل لوضع منحرف، أو إنصاف لضعيف من قوي، أو نقل شيء من غير نصابه إلى نصابه " (٢٣). - العروبة: يركز الإمام في كتاباته ومحاضراته كثيرا على العروبة واللغة العربية، وذلك لعدة أسباب منها: أن العرب من أعرق الأمم في التاريخ، وأنهم من أكثرها

стр. 22

محافظة على الفطرة الإنسانية، يشيع ذلك في أمثالهم، وأخلاقهم، وآدابهم، ولأن الله كرمهم باختيار آخر أنبيائه وخاتم رسله منهم، ولأن فرنسا عملت طيلة وجودها ب الجزائر على تحقير العروبة وتقليل شأنها في أعين الجزائريين لسلخهم منها وإبعادهم عنها، يقول الإمام الإبراهيمي: "إن العروبة جذم بشري من أرسخها عرقا، وأطيبها عذقا، عرفت التاريخ باديا وحاضرا، وعرف فيه الحكمة والنبوة، وعرفته الفطرة لأول عهودها فتبنته صغيرا وحالفته كبيرا ... وإن العربية هي لسان العروبة، الناطق بأمجادها، الناشر لمفاخرها وحكمها، فكل مُدّعٍ للعروبة فشاهده لسانه، وكل معتز بالعروبة ذليل إلا أن تُمِدُّه هذه المضغة اللينة بالنصر والتأييد ... إن الشعب الجزائري فرع باسق من تلك الدوحة الفينانة، وزهرة عبقة من تلك الروضة الغنّاء، عدَت عليه عوادي الدهر، فنسي مجد العروبة، ولكنه لم ينس أبوّتها، وابتلاه الاستعمار- عن قصد- بالبلبلة فانحرفت فيه الحروف عن مخارجها إلا الضاد" (٢٤). - الجزائر: يؤمن الإبراهيمي أن أوطان الإسلام كلها وطن المسلم، ولكنه لا ينكر الفطرة ولا يعاكسها في حنينها إلى مسقط الرأس وشوقها إلى مرابع الصبا والشباب، لذلك كانت الجزائر شغل خواطره، ونجوى سرائره، لأنها حازت الحُسْنَ كله فكانت "جَمْعًا" وكان غيرها "مفردات"، فلا عجب- إذًا- أن يلقى الأذى في سبيلها لذيذًا، والعذاب عَذْبًا، والنّصب راحة، والحياة لها سعادة، والموت من أجلها شهادة رغم أنه لم يملك من أرضها شبرًا، وقد لا يحوز في ثراها قبرًا. "إنه يعتقد أن في كل جزيرة قطعة من الحُسن وفيك الحسن جميعه، لذلك كُنَّ مفردات وكنت جَمْعًا، فإذا قالوا: "الجزائر الخالدات" رجعنا فيك إلى توحيد الصفة وقلنا "الجزائر الخالدة "، وليس بمستنكر أن تُجْمَعَ الجزائر كلها في واحدة ... ويمينًا لو تبرجت لي المواطن في حُللها، وتطامنت لي الجبال بقُلَلِها، لتَفْتِنني عنك لما رأيت لك عديلا، ولا اتخذت بك بديلا ... " (٢٥). ولعلّ مقاله "تحيّة غائب كالآيب" من أبلغ ما كُتب في حبّ الوطن. هذه الطبعة الجديدة: وفي الختام أتقدم بالشكر إلى كل من ساعدني على إخراج هذه الطبعة الجديدة، وأخص بالذكر:

стр. 23

- الأخوين محمد خمار ومحمد الهادي الحسَني اللذين ساعداني في جميع مراحل إعدادها: جمع النصوص المطبوعة، قراءة النصوص المخطوطة، التصحيح وإعادة التصحيح، وضع الفهارس. - الأستاذ سعد القاضي من مصر الذي قدم لي منذ عشرين سنة هدية ثمينة تتمثل في تسجيلات الأحاديث التي ألقاها الوالد بإذاعة "صوت العرب"، سنة ١٩٥٥، والتي لم نجد لها نصا مكتوبا. - الأستاذ الحبيب شيبوب من تونس الذي أرشدني إلى بعض النصوص لم تظهر في الطبعة الأولى، وهو الذي يحفظ كثيرا من آثار الوالد. كما أتقدم بالشكر إلى الإخوة رفقاء الوالد وتلامذته الذين اتفقت رغبتهم مع رغبتي في تقديم هذه الآثار: - الأستاذ عبد الرحمن شيبان الذي قدم الجزء الثاني. - الدكتور أبي القاسم سعد الله الذي قدم الجزء الخامس. - الشيخ محمد الغزالي- ﵀ الذي وعد بتقديم الجزء الرابع، ولكن حالت المنية دون الأمنية، فاخترت مقالًا كان كتبه عن الوالد سنة ١٩٨٥، ليكون مقدمة للجزء الرابع. - الشيخ أحمد سحنون الذي وعد بتقديم الجزء الثالث، ولكن حادثًا أليمًا حال دون ذلك. - الدكتور عبد الرزاق قسوم الذي قدم الجزء الثالث، وهو من تلامذة تلامذة الوالد، ومغزى اختياره هو تواصل رسالة الإبراهيمي في الأجيال المتلاحقة. - وقد طلبت من الأستاذ محمد الهادي الحَسَني أن يفتتح كل جزء بتوطئة عن "السياق التاريخي" للجزء، حتى لا يحكم القارئ على فترة معينة بعقلية اليوم ومقاييسه. - الأستاذ الحبيب اللمسي، الذي أبى إلا أن يكون اسم " محمد البشير الإبراهيمي" ضمن قائمة مؤلفي "دار الغرب الإسلامي"، فله أسمى عبارات التقدير والامتنان، لما أحيى من تراث الغرب الإسلامي، ولما عرف بأعلام الغرب الإسلامي. وقد استغرق العمل في تحضير هذه الطبعة الجديدة عامين كاملين، ولا أدعى له الكمال، بل أنا على يقين أن هناك مخطوطات وتسجيلات ومراسلات وحتى مطبوعات في كثير من أنحاء العالم الإسلامي لم نهتد إليها، لذا أغتنم هذه الفرصة لأوجه نداء لكل من يملك شيئا من هذا القبيل أن يوافينا بصورة منه حتى تكون الطبعة القادمة لـ"آثار الإمام الإبراهيمي" أوسع وأنفع.

стр. 24

ويلاحظ القارئ أنني أدرجت بعض رسائل الإبراهيمي في هذه "الآثار" وكان من المنطقي، وكان من المفروض أن يخصص جزء منها لرسائله، ولكنني- مع الأسف- لم أعثر على أهم رسائله التي اطلعت على كثير منها في ظروف لا بد أن أشير إليها. في سنة ١٩٤٨، اقتنى الوالد- ﵀ آلة كاتبة، ولعلها أول آلة راقنة بالعربية دخلت الجزائر، وهي من نوع olivetti، وطلب مني أن أتعلم الرقن، وصار في كل ليلة- بعد أن ينام أفراد الأسرة- يملي علي رسائله، وهكذا من ١٩٤٨ إلى ١٩٥١ أملى علي مئات الرسائل، كانت في البداية مقتصرة على أصدقائه: محمد نصيف بجدة، تقي الدين الهلالي ببغداد، محمد بهجة البيطار بدمشق. إبراهيم الكتّاني بالمغرب الأقصى، ثم كثر المراسلون بعد انتشار جريدة "البصائر" في أنحاء العالم، وأذكر من بين هؤلاء: عبد اللطيف دراز بالقاهرة، عبد الكريم جرمانوس بالمجر، بعض أدباء المهجر بالبرازيل. وما زلت أذكر رسائل إلى مصطفى النحاس، رئيس وزراء مصر، وطه حسين وزير المعارف سنة ١٩٥٠ بعد أن قررت مصر فتح مركز ثقافي بالجزائر ثم تراجعت أمام ضغوط فرنسية. من خلال هذه الآثار، ومسيرة الإبراهيمي تتجلى للقارئ صورة واضحة عن تاريخ الجزائر الحديث من ليل طويل للاستعمار الذي استولى على الأرض، وأراد استعباد أهلها، واقتلاعهم من جذورهم الضاربة في أعماق التاريخ، إلى تصدي الحركة الوطنية- وجمعية العلماء جزء منها- لتلك الممارسات وامتداداتها، من طرقية تشجع الشعوذة والخرافات، والإلحاد والتبشير والاستشراق، والمسخ الثقافي الخ ... فهناك تلازم بين حياة الإبراهيمي ونضال الشعب الجزائري، بلغ أقصى درجات تفاعله الإيجابي في اللحظات الأولى لاندلاع الثورة المسلحة المباركة سنة ١٩٥٤، حين حث الإبراهيمي من القاهرة أبناء وطنه على احتضان هذه الثورة والانضمام إليها، باعتبارها تتويجا لمرحلة طويلة من الإعداد المادي والمعنوي للشعب الجزائري. كان الإبراهيمي- طيب الله ثراه- يدرك في أعماقه أن الاستقلال آت لا محالة، متى هانت التضحيات في سبيله، وكان يدرك أن هذا الاستقلال لن يكون سوى مرحلة في صراعنا الحضاري ضد قوى الاستعمار في مختلف أشكاله، أي أن أبناء الجزائر مطالبون بالإبقاء على تلك الجذوة الروحية حية في صدورهم، لأنها تعطي لحياتهم معنى، وتجعل لوجودهم عنوانا ... وكان يحلم بذلك المجتمع الذي يضمن لكل أبنائه العفاف والكفاف، ويجمع في انطلاقته نحو المستقبل بين الأصالة والمعاصرة، بما تعنيانه من اعتزاز بمقوّمات الشخصية الوطنية، وأخذ سبيل العلم على مدارج الرقي والتقدّم. الجزائر في الفاتح من نوفمبر ١٩٩٦. أحمد طالب الإبراهيمي

стр. 25

السياق التاريخي (١٩٢٩ - ١٩٤٠) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن مثل العلماء العاملين المصلحين كمثل الماء المعين؛ هذا يسوقه الله إلى الأرض الجرز فتهتز بعد همود، وتربو بعد جمود، فتنبت ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأولئك يبعثهم الله في أمتهم فيؤذنون فيها فتستيقظ بعد رقود، وتتحرك بعد ركود، وتنهض بعد قعود، وتنشط بعد خمود، وترشد بعد غواية، وتتآلف بعد تخالف، وتتعارف بعد تناكر، وتتصالح بعد تدابر، وتنسجم بعد تنافر، وتتوحد بعد تفرق، وتلتئم بعد تمزق، وتتخلق بعد انحلال، وتنتظم بعد اختلال، وتصح بعد اعتلال، وتهتدي بعد ضلال. وتتذكر بعد نسيان، وتتآخى بعد عدوان. لقد كان الناظر إلى الشعب الجزائري- قبل أن يؤدن فيه العلماء المصلحون- يحسبه يقظا وهو راقد، متحركا وهو هامد، نشطا وهو خامد، حيا وهو جامد، متحدا وهو متفرق، مهتديا وهو ضال، ذاكرا وهو ناس، واعيا وهو غافل، شاهدا وهو غائب. وقد استمر على تلك الحال حينا من الدهر حتى بعث الله- فيه أئمة راسخين في العلم مخلصين في العمل، أمارين بالمعروف، نهائين عن المنكر، فدعوه إلى الخير فأقبل، ونادوه إلى الكرامة فاستجاب، وعلموه من حقائق الدنيا والدين ما لم يكن له به علم، فاتخذ إلى ربه سبيلا، فأولئك "العلماء هم الذين أيقظوا الرأي العام من سباته" (١) و"إن مجددي فكرة الوطن الجزائري هم بالأحرى هؤلاء الذين أسسوا جمعية العلماء، أي الشيخ عبد الحميد بن باديس وأشد أتباعه حماسة كالشيخ الإبراهيمي " (٢)، و " ان ما قدمه العلماء لإثارة إحساس

стр. 26

الجزائريين بالوعي الديني والقومي يفوق ما قدمه غيرهم " (٣). لقد كان الإمام محمد البشير الإبراهيمي "فخر علماء الجزائر" (٤) - كما وصفه الإمام ابن باديس- في الصف الأول من أولئك العلماء الذين أذنوا في الشعب الجزائري لينهض من سباته، ويأخذ للحياة سلاحها، ويخوض الخطوب لاسترجاع حقوقه، واستعادة استقلاله، والثأر لكرامته. لا يهون على ذوي المروءة والشمم وأصحاب الكرامة والهمم الانتقال من يسر المعيشة إلى ضنكها، ومن الحرية إلى عكسها إلا هدف سام وغاية نبيلة ومبدأ شريف؛ وذلك هو مثل الإمام الإبراهيمي الذي ترك دمشق- عام ١٩٢٠ - حيث هناءة العيش، واطمئنان الجنب، والوجاهة الاجتماعية، والصدارة العلمية، والحرية النسبية، وعاد إلى الجزائر وهو يعلم أن سيكون في سموم وحميم وظل من يحموم الاستعمار الفرنسي. لم يرجع الإمام الإبراهيمي ليتفرج على محنة قومه، ويذرف الدمع على مأساة وطنه، ولكنه رجع ليخوض معركة إحقاق حق الجزائر وإزهاق باطل فرنسا، مهما يكلفه ذلك من أتعاب، ويصبه من أوصاب، وينله من عذاب. وقد قدر الإمام ابن باديس لأخيه الإمام الإبراهيمي هذه الوطنية السامية والتضحية الغالية فسارع إلى لقائه بتونس، معبرا بذلك عن حبوره بعودته وسروره برجوعه (٥) استقر الإمام الإبراهيمي بنواحي سطيف، وكان على يقين أنه مراقب من السلطات الفرنسية، فكان يتحرك بحذر، ويعمل بحكمة، ويتصرف ببصيرة حتى لا يعطي أي مبرر لتلك السلطات لتبطش به، وتجهض مشروعه، خاصة وأن الجزائر كانت محكومة ببقية من قانون "الأنديجينا" الفظيع الذي يعطي الحق لأبسط موظف فرنسي أن يبطش بأي جزائري، ويسلط عليه ما شاء له الهوى من تعذيب أو تغريم أو سجن أو نفي. كان الإمام الإبراهيمي يراقب الأوضاع ويتحسس درجة الوعي عند مختلف فئات الشعب، وكان يتنقل في البلاد تحصيلا لرزق عياله، واتصالا بشرائح الشعب في المناسبات الاجتماعية والدينية، ولم تنقطع الاتصالات بينه وبين الإمام عبد الحميد بن باديس، فيتبادلان الآراء، ويناقشان المستجدات. وقد ساعد الإمام الإبراهيمي على الحركة عدم

стр. 27

ارتباطه بأية وظيفة، كما ساعده عدمُ انتمائه إلى أية هيئة على اتساع مجال رؤيته وحرية تفكيره. ومن الأدلة على حرص الإمام على أن يكون على بيّنة من الأمور- حتى لا يقفو ما ليس له به علم- حضوره - سنة ١٩٢١ - إحدى جلسات المجلس المالي (٦) بمدينة الجزائر. إن ذلك الاحتكاك بفئات الشعب المختلفة، وذلك الاطلاع على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية في الجزائر، ومعرفة الأحوال النفسية المهيمنة على أفراد المجتمع؛ كلّ ذلك جعل الإمام الإبراهيمي يرى الوقت غير مناسب لتأسيس "جمعية الإخاء العلمي" التي اقترح الإمام ابن باديس تأسيسها سنة ١٩٢٤ "لأن استعدادنا لمثل هذه الأعمال لم ينضج بعد" (٧)، رغم اقتناعه بجدواها. إنَّ أهمَّ ما استخلصه الإمامُ الإبراهيمي من ملاحظاته للأوضاع ودراسته لنفسية الشعب الجزائري أنه- الشعب- محكومٌ "بعالَم الأشخاص"- بتعبير الأستاذ مالك بن نبي، فقد كان متعلقًا برجال السياسة لا ببرامجهم وأفكارهم، وكان في الميدان الديني متعلقًا بشيوخ الطرق الصوفية ولو شَرعوا له من الدين ما لم يأذن به الله فمَثَلُ الشعب الجزائري في ذلك العهد كَمَثَل الجاهليين الذين قال قائل يصفهم: لاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ ... فِي النَّائِبَاتِ عَلى مَا قَالَ بُرْهَانَا أكدت الملاحظة الدقيقة والدراسة المتأنية للإمام الإبراهيمي ما كان مقتنعًا به من أن الأمة غير المُهَيَّأة لا تتقبل الصالح من الأفكار، كما لا تُنبت الأرض غير المستصلحة الجيِّدَ من البذور، ولا تخرج الطيبَ من الأثمار. وكان مقتنعًا أنه لا شيء يهيئ الأمة للأعمال الجليلة ويُعدُّها للمشروعات العظيمة كنشر العلم، الذي يمحو الجهل، ويطرد الخرافة، ويحرّر العقل، وينجح العمل، ويزكي النفس. من أجل ذلك سعى الإمام الإبراهيمي إلى إحداث حركة تعليمية بمدينة سطيف، فتمكَّن من فتح مدرسة "لتنشئة طائفة من الشبان نشأة خاصة، وتمرينهم على الخطابة والكتابة وقيادة الجماهير بعد تزويدهم بالغذاء الضروري من العلم " (٨).

стр. 28

وقد تقبل أولو العلم وأهل النُّهى هذا العمل بقبول حسن، واستبشروا به خيرًا، وهنَّأوا مدينة سطيف وأهلها بما مَنَّ الله عليهم، إذْ بَعَث فيهم عالِمًا من أنفسهم، عزيز عليه ما عنتوا، حريصٌ عليهم، وحثُّوهُم على الالتفاف حوله لاستفادة مما آتاه الله من العلم والحكمة. وقد حفظ لنا التاريخ شيئًا من ذلك، حيث نشر الأستاذ عبد الحميد معيزة (١٨٩٣ - ١٩٢٧) قصيدة سجَّل فيها ملامح من تلك الحركة ومعالم من ذلك العمل فقال: سطيف لكِ البشرى فطيري سرورا ... وجاري إذا شئتِ الدراري نورا فهذا (بشير) العلم ألقى بك العصى ... فبري به جارًا، وسري مجيرا لنشر علوم الدين قام مشمرا ... بعزمة صدق لا تلاقي فتورا إذا شئتَ علوم الأولين فأمَّه ... فسَلْ بعلوم الأولين خبيرا (موطَّأٌ) كما شاء الإمام مهذب ... وحكمة لقمان تفيض غزيرا وتفسير قرآن ستنفخ روحه ... فتبعث في كل البرايا نشورا وإذا أردت البحث في علم عصرنا ... تجده بكُنه الكهرباء بصيرا نعم، حل في أرجائك الفيح ناصح ... أمين، فزيدي يا سطيف شعورا وأذَّن في الأرواح والقوم نُوَّمٌ ... وقد خيّم الجهل المميت دهورا ويحضّ الأستاذ معيزة الناس على الإقبال على الإمام لنيل المعارف التي تمحو الجهل وتنير العقول كما تمحو آية النهار غَسَق الليل، فيقول: أقول لقومي حين شاهدت درسه ... مقالاً يعيه العارفون خطيرا هلموا إلى نيل المعارف والعلى ... فقد أسفر الصبح المنير سفورا وأنهى الأستاذ معيزة قصيدته بحثِّ الإمام الإبراهيمي على الصبر على ما يعترضه من عواثير، مبشرًا إياه بالفوز والنُّجْحِ: فيا أيها الشهم الذي شاع ذكره ... فأنجد في كل البلاد ظهورا تصبَّر إذا ما الأمر صعب فإنما ... يلاقي نجاحًا من يكون صبورا وداوم على هدي، وكن خير مرشد ... ستحظى بفوز المصلحين أخيرا (٩)

стр. 29

ولم يكن الأستاذ عبد الحميد معيزة هو الوحيد الذي أشاد بجهود الإمام الإبراهيمي في هذه الفترة بسطيف؛ بل كانت الإشادة بجهوده واسعة، وكان الاعتراف بفضله كبيرًا، شارك في ذلك ثلة من الأدباء والعلماء منهم محمد بن الحاج إبراهيم السطيفي، وأحمد الغزالي، ومحمد الموهوب. ومما جاء في قصيدة الشيخ محمد بن الحاج إبراهيم السطيفي: بني وطني عوجُوا نحو سطيفكم ... وحيوا (بشيرا) في الصباح وفي المسا (بشير) ينادي رافع الصوت جهرة ... يقول: هلموا نَجْبُر الصدع والأسا (١٠) وبعد بضع سنين تمكن الإمامُ من تأسيس مسجد ببلدة رأس الوادي، ودعا - لافتتاحه - الإمام ابن باديس، الذي أشار إلى أن الأستاذ الإبراهيمي ألقى خطابًا عظيمًا (١١)، ثم تعزز المشروعان- مدرسة سطيف ومسجد رأس الوادي- بمشروع ثالث سنة ١٩٣١ وهو مسجد كبير بمدينة سطيف (١٢). وبالرغم من أننا لم نعثر- حتى الآن- على أخبار بتأسيس مشروعات أخرى قبل تأسيس جمعية العلماء، فليس مستبعدًا أن يكون الإمام الإبراهيمي قد أسس مساجد أو مدارس أخرى أو وجّه غيره إلى تأسيسها. وكم أهمل التاريخ من أعمال! قد يقول قائل: وهل في فتح مدرسة أو تأسيس مسجد ما يدعو إلى هذا الاهتمام وإلى هذه الإشادة؟ لا ريب في أن هذا القائل- إن وُجِد- يجهل الوضع الذي كان سائدًا بالجزائر في ذلك العهد المظلم، فقد كان الفرنسيون يعتبرون فتح مدرسة أو تأسيس مسجد صغير أكبر جريمة، ويعتبرون مَن فعل ذلك أو دعا إليه قد جاء شيئًا إدًّا، لأن فيه عرقلة لهدفهم في الجزائر وهو الفَرْنسة والتنصير، ومَن عرف هذه الحقيقة اعترف. كما أن الأوضاع الإقتصادية المأساوية التي كان الشعب الجزائري ينوء تحتها- بسبب سياسة التفقير والتجويع التي سلّطها عليه الفرنسيون- تجعل من الصعب إقناعه بتقديم قليل مَوْجُوده لمثل هذه المشروعات، لأن في ذلك تحميله ما لا طاقة له به. كانت الركبان والأخبار قد طيّرت اسم الإمام الإبراهيمي في آفاق الجزائر، وأذاعت رسوخه العلمي في أطرافها، فاختير سنة ١٩٢٩ لرئاسة لجنة الاحتفال بذكرى الدكتور محمد ابن شنب بالجزائر العاصمة (١٣)، وهو اختيار له دلالته.

стр. 30

لا شك أنه روعي في هذا الاصطفاء قيمة المحتَفَل بذكراه، فهو ليس شخصًا عاديًا، ولكنه شخصية علمية عالمية، فهو أستاذ بجامعة الجزائر، وعضو مجمع اللغة العربية بدمشق، ومحاضر بالمؤتمرات العلمية العالمية، ومحرّر كثير من مواد دائرة المعارف الإسلامية، ومؤلف كثير من الكتب الأكاديمية، ومحقق عديد من المخطوطات القيّمة، فإسناد رئاسة الاحتفال بذكراه إلى الأستاذ الإبراهيمي - رغم كثرة تلامذة الدكتور وأصدقائه من أساتذة جامعة الجزائر وغيرها من المعاهد العليا- اعتراف بأنه كفُؤها القدير وجُذَيْلُها المحكك، وأنه "نابغة الشرق الجزائري، العبقري الفذ رسول البيان " (١٤). ولا شك- أيضا- أن العلماء والأدباء الذين حضروا ذلك الاحتفال سمعوا من الإبراهيمي أروع مما سمعوا عنه، فأكبروه، وقَدَرُوهُ حق قدره، وهو ما دعا المشرفين على نادي الترقّي- وهو أهم نادٍ ثقافي وأدبي في الجزائر- إلى دعوته ليحاضر جمهوره وروّاده في موضوع "بيان فوائد الاجتماع " (١٥). أعمى الطغيان أعين الفرنسيين، وأصمّ الاستكبار آذانهم، وران الحقد على قلوبهم، فأقاموا سنة١٩٣٠ احتفالات ضخمة بمناسبة مرور قرن على احتلالهم الجزائر، وصرّحوا بأقوال وقاموا بأعمال جددت في نفوس الجزائريين آلامًا نُسِيَتْ، وفتقت جروحًا رُتقَتْ، وكانت اللازمة التي ردّدها الفرنسيون قبل تلك الاحتفالات وفي أثنائها وعقبها، هي أنهم لا يحتفلون بنصر عسكري حققوه؛ ولكنهم يحتفلون بالقضاء على الإسلام واللغة العربية في الجزائر التي أعادوها إلى النصرانية وريثة الوثنية الرومانية، وإلى الفرنسية وريثة اللغة اللاتينية. وقد لخّص كاردينال الجزائر ذلك كله بقوله: " إن عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وإن عهد الصليب قد بدأ وسيستمر إلى الأبد (١٦). استغلت ثلة من علماء الجزائر، أيقاظ الشواعر، وأحياء الضمائر، وأصفياء البصائر تلك الاستفزازات الفرنسية ليُنَبّهوا الجزائريين إلى ما يُراد بهم من كيد، وما يُدبر لهم من مكر، وليُحْيوا في أنفسهم الأمل الدافع إلى العمل، ويقتلوا اليأس المميت للبأس. وتنادى أولئك العلماء إلى لقاء أثمر تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كانت بِدْعًا من الجمعيات، فأنارت الجزائر وأضاءت ما حولها، وبصّرت الجزائريين بما لم يبْصُروا به، وغيّرت ما بأنفسهم فغير الله - بعد حين- ما بهم، وتحوّلوا من "أَنْدِيجان"، (١٧) إلى شعب، ومن قبائل إلى أمّة.

стр. 31

وقد قام الإمام الإبراهيمي في ذلك الاجتماع التاريخي بدور فعّال، وبذل مجهودًا كبيرًا في أشغاله، وأسهم مساهمة نوعية في مناقشاته، فأبان علمًا، وأظهر حزمًا، وأبدى عزمًا، فَعُهِد إليه إعداد قانون الجمعية، فأعدّه بحكمة وبصيرة، فأكبره المؤتمرون، واعترفوا بفضله، فأسندوا إليه نيابة رئاسة الجمعية، فكان القوي الأمين. رأت الجمعية أن توزّع كُبَراءها على مناطق البلاد الرئيسية للإشراف على أعمالها، وتسيير شؤونها، فتولى الإمام ابن باديس الناحية الشرقية، وعُهِد إلى الشيخ الطيب العقبي بالناحية الوسطى، واختير الإمام الإبراهيمي للإشراف على الناحية الغربية، متخذًا من مدينة تلمسان مقرًا ومثابة. وما كان اختيار الإبراهيمي لهذه المقاطعة إلا لأنها "المعقل الحصين للمرابطين والطرقيين المتعاونين تعاونًا مكشوفًا مع الإدارة الاستعمارية، لذلك فقد كان لا بد لإنجاح الدعوة الإصلاحية في هذه المنطقة من وجود شخصية لها قيمتها العلمية والفكرية، وتتسم بالشجاعة والنشاط" (١٨). وفعلًا فقد كان الإمام الإبراهيمي كالشهاب الثاقب فيه النار المحرقة للبدع وأوليائها، وللإستبداد وزبانيته؛ وفيه النور المبين لمن كان له قلب أو ألقى السمع. أما سبب إقامته في تلمسان، وليس في وهران عاصمة المقاطعة الغربية، فيبدو أنه تحكم فيه ثلاثة اعتبارات هي: ١ - أهمية مدينة تلمسان التاريخية والحضارية، فهي عاصمة لإحدى أهم الدول الجزائرية هي الدولة الزيانية، وهي حاضرة علمية أنجبت واستقطبت كثيرًا من العلماء والأدباء. ٢ - وجود إحدى المدارس العربية الثلاث بها، وهي مدارس أنشأتها فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر، فهي أحد المراكز الاستشراقية الفرنسية في الجزائر، فكان لا بد من وجود شخصية علمية كبيرة تستطيع مواجهة تأثير الفكر الاستشراقي. ٣ - تنفيذ موعدة وعَدَ بها الإمام ابنُ باديس مصلحي تلمسان، حيث سبق له أن زارها- سنة ١٩٣٢ - وألقى بها درسًا، فأعجب به التلمسانيون، وأرادوا إبقاءه بينهم، فاعتذر، ووعدهم أن يرسل إليهم من هو أعلم منه (١٩). ألقى الإمام الإبراهيمي عصاه بمدينة تلمسان في بداية سنة ١٩٣٣ فإذا هي تَلَقَّف الجهل والبدع، فقد كان القوم عاكفين على القبور، داعين إلى الثبور، متفرقين إلى شِيعَ، منقسمين إلى

стр. 32

ـ[صفحة ٣٢ ناقصة من المصور]ـ

стр. 33

ـ[صفحة ٣٣ ناقصة من المصور]ـ

стр. 34

المقيم العام الفرنسي، فرفض المؤتمرون ذلك، وعقدوا مؤتمرهم في مدينة تطوان التي كانت تحت الإدارة الإسبانية. وفي هذه السنة أيضًا-١٩٣٥ - عقد المؤتمر الرابع لجمعية العلماء، وقد كان مؤتمرًا متميزًا بما قُدّم فيه من بحوث، وما ألقي فيه من خطب، وما أنشد فيه من شعر، ولذلك قرر المجلس الإداري للجمعية أن تجْمَع تلك البحوث والخطب والأشعار وتنشر في كتاب بعنوان "سجل مؤتمر جمعية العلماء ... " يسجل المراحل التي قطعتها، والأعمال التي أنجزتها. وقد عهد المجلس الإداري إلى الإمام الإبراهيمي بالإشراف على ذلك السجل، وكتابة تصدير له، وتلخيص عن كل تقرير، وبيان كيفية تنفيذ اقتراحاته. وقد كتب الإمام الإبراهيمي في هذا السجل بحثًا قيّمًا في فلسفة جمعية العلماء، شخص فيه أدواء المسلمين، وأخطرها هجر القرآن الكريم، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ووصف فيه الدواء الشافي لتلك الأدواء، وفصل القول عن الحركة الإصلاحية في الجزائر وما أنجزته من عظيم الأعمال في وقت قصير. وعرفت سنة ١٩٣٦ نشاطًا سياسيًا كبيرًا في الجزائر، ومن أبرز مظاهر ذلك النشاط عقد "المؤتمر الإسلامي الجزائري"، الذي جمع- لأول مرة- مختلف التيارات السياسية الموجودة بالجزائر في ذلك العهد. وقد شكّل المؤتمر وفدًا سافر إلى باريس لتقديم الحد الأدنى من مطالب الشعب الجزائري إلى السلطة الفرنسية الجديدة، وهي حكومة الجبهة الشعبية. وقد اختلفت وجهات نظر المشاركين في المؤتمر في البرنامج الذي يتّخذ أساسًا للمطالب، حيث سبق لبعض الفرنسيين تقديم برامج لحل القضية الجزائرية. وكان لكل برنامج أشياع من السياسيين الجزائريين. كان ذلك الاختلاف عقبة كؤودًا في طريق المؤتمر لم يتجاوزها إلا باقتراح قدّمه الإمام الإبراهيمي وهو "أن تُلغى- تلك البرامج- كلها، وأن لا يتّخذ واحد منها أساسًا للمطالب الجزائرية، وذلك لأنها كلها وضعت في ظروف خاصة، وبنيت على اعتبارات خاصة ... بل الواجب أن نضع لمطالبنا برنامجًا مستقلًا منتزعًا من حالة الأمة الجزائرية، منطبقًا على نفسيتها وميولها الخاصة" (٣٣)، مع تقييد أي برنامج يوضع وأية مطالب تقدّم بـ "مسألة واحدة يُعَدُّ التساهل أو الغلط فيها جريمة، بل كفرا، وهي مسألة الحقوق الشخصية الإسلامية" (٣٤)، لأن فرنسا كانت تشترط على الجزائريين التخلي عن الإسلام ونَبْذَ أحكامه في أحوالهم الشخصية مقابل مساواتهم في الحقوق بالفرنسيين.

стр. 35

إن المدرك لروح فلسفة جمعية العلماء، العارف بمنطلقاتها الفكرية، العالِمَ بمقاصدها. المطّلع على أدبياتها يستيقن أن إسهام العلماء في هذا المؤتمر لم يكن إلا موقفًا مرحليًا، هدفوا من ورائه- في حال استجابة فرنسا لمطالب المؤتمر- إلى تخفيف الضغط عن الشعب الجزائري، وتحسين حالته الاقتصادية المتردية وأوضاعه الاجتماعية المأساوية، ورفع القيود عن التعليم العربي، ونيل نصيب من الحرية يمكّنهم من تثبيت أسس مشروعهم الحضاري الذي يُعد الشعب الجزائري ليوم الفصل، الذي يحق الحق ويبطل الباطل؛ فإن لم تستجب فرنسا لتلك المطالب - وهو ما كان العلماء يعلمونه علم اليقين، ويرونه رأي العين- اتخذوا من ذلك الرفض حجة أخرى يقنعون بها الذين يحسنون الظن بفرنسا أنهم لن ينالوا منها شيئًا، وأن وعودها برق خُلب. أما الموقف الحقيقي للجمعية فهو ما عبر عنه الإمام، الإبراهيمي في ذلك الوقت بقوله: "إن الحقوق التي أخذت اغتصابًا لا تُسْتَرجَعُ إلا غلاَبا، (٣٥). لم تخش فرنسا المطالب التي أقرها المؤتمر الإسلامي، فقد سبق للجزائريين أن قدموا - مَثْتى وفُراد - مثلها، ولكن الأمر الذي أَقَض مضجعها وأطار النور من عينيها، وأوجست منه خيفة هو تجمُّع الجزائريين في هيئة، واتحاد كلمتهم. كانت فرنسا تعلم أن الذي استطاع جمع الجزائريين على كلمة سواء هي جمعية العلماء، لأنها- فرنسا- تعرف "أن العربي في الجزائر، الذي لا يملك شيئًا يقتات به، ليس له إمكانية للتعبير عما يريده وما يرفضه في المجال السياسي سوى السير وراء ما يعتقده أنه طبقًا لعقيدته الإسلامية ... ومن هنا كانت استجابته لتوجيه العلماء" (٣٦)، لذلك قررت أن تقضي عليها، وأن تتخلص من رؤوسها المفكرة، وأن تئد عقولها المدبرة، وأن تسكت ألسنتها المعبرة، فدبرت مؤامرة في غَسَق الليل ونفذتها في وضح النهار. كانت المؤامرة ذات ثلاثة فصول، وعُيّن لكل فصل ميقات زماني ومكاني؛ فكان الفصل الأول بمدينة الجزائر يوم ٢ أغسطس١٩٣٦، حيث اغتيل مفتي الجزائر، وأوحِيَ إلى القاتل أن يصرّح بأن الشيخ الطيب العقي هو الذي حرّضه على القتل. ثم حصحص الحق، وصحا ضمير القاتل فتراجع عن أقواله، فبرّأ الله العقبي والجمعية. أما الفصل الثاني فقد جرى بمدينة قسنطينة بعد أسبوع من اغتيال المفتي بمدينة الجزائر؛ حيث أطلقت رصاصات على الشيخ الحبيباتني لاتهام الإمام ابن باديس باغتياله، ولكن الله أنجى الشيخ الحبيباتني فلم يُصب بسوء، ورد الله الكائدين، فلم ينالوا ما أملُوا.

стр. 36

وأما الفصل الثالث فكان مقررًا أن يُخْرَج بمدينة تلمسان، حيث أراد الفرنسيون بالإمام الإبراهيمي كيدًا. فجعلهم الله من الأخسرين، ودافع عن الإمام بشخص يكتم إيمانه، يسمّى يحيى بُوثمَنْ- من بني ورتلان بالقبائل الصغرى- كان موظفًا في نيابة العمالة بتلمسان، استرق السمع، فعلم بالمؤامرة، فأخبر الإمام بأن الملأ يأتمرون به، ونصحه بالخروج من تلمسان بضعة أيام (٣٧)، فخسر هنالك المبطلون. وشهدت سنة ١٩٣٧حدثًا علميًا كبيرًا وتظاهرة إسلامية عظيمة بمدينة تلمسان، بمناسبة تدشين مدرسة دار الحديث التي وضع الإمام الإبراهيمي أساسها، ورقع قواعدها، وأعلى سمكها، وكان يعتبرها نواة لمشروع علمي كبير كانت تصوّره له الخواطر، يعيد به مجد تلمسان العلمي. أذّن الإبراهيمي في الجزائريين ليشهدوا افتتاح دار الحديث يوم٢٧ سبتمبر١٩٣٧، فلبّى نداءه الآلاف، وأتوه من كل فج في الجزائر يتقدمهم الإمام عبد الحميد بن باديس الذي رأى من آيات أخيه الإبراهيمي ما جعله يصفه- فيما بعد- بـ "محيي تلمسان " (٣٨). عضت فرنسا على الإبراهيمي الأنامل من الغيظ؛ لأنه أحيا ما أماتته من دين ولغة، وأَنْشَر ما أقْبَرَتْه من أمجاد، ووحّد ما فرّقته من صفوف، ونزع من الصدور ما زرعته من خوف، فأمر الوالي العام الفرنسي بغلق دار الحديث يوم ٣١ ديسمبر وتحدّى الإمام الإبراهيمي السلطات الفرنسية و "رفض التوقيع على محضر الأمر بغلق المدرسة (٤٠، وقدّم إلى المحاكمة بتلمسان يوم ٢٧ يونيو ١٩٣٩و " قُضي عليه بالغرامة " (٤١)، "وهو الحكم الذي كّدته محكمة استئناف الجزائر، ((٤٢. ولكن هذا الترهيب، وهذا الترويع لم يُجد فرنسا، ولم يُقْعد الإمام عن مواصلة نشاطه، فاستمرّ في عمله، مؤمنًا بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، مستيقنَا أن الله يدافع عن الذين آمنوا، ويثبت أقدامهم، ويربط على قلوبهم. إن قيمة دار الحديث المعنوية والمادية، والأمل المعلّق عليها، ومكانة مؤسسها في قلب الإمام ابن باديس جعله يوليها اهتمامًا كبيرًا، فكان يذكرها في الخطب العامة والمجالس

стр. 37

المقيم العام الفرنسي، فرفض المؤتمرون ذلك، وعقدوا مؤتمرهم في مدينة تطوان التي كانت تحت الإدارة الإسبانية. وفي هذه السنة أيضًا-١٩٣٥ - عقد المؤتمر الرابع لجمعية العلماء، وقد كان مؤتمرًا متميزًا بما قُدّم فيه من بحوث، وما ألقي فيه من خطب، وما أنشد فيه من شعر، ولذلك قرر المجلس الإداري للجمعية أن تجْمَع تلك البحوث والخطب والأشعار وتنشر في كتاب بعنوان "سجل مؤتمر جمعية العلماء ... " يسجل المراحل التي قطعتها، والأعمال التي أنجزتها. وقد عهد المجلس الإداري إلى الإمام الإبراهيمي بالإشراف على ذلك السجل، وكتابة تصدير له، وتلخيص عن كل تقرير، وبيان كيفية تنفيذ اقتراحاته. وقد كتب الإمام الإبراهيمي في هذا السجل بحثًا قيّمًا في فلسفة جمعية العلماء، شخص فيه أدواء المسلمين، وأخطرها هجر القرآن الكريم، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ووصف فيه الدواء الشافي لتلك الأدواء، وفصل القول عن الحركة الإصلاحية في الجزائر وما أنجزته من عظيم الأعمال في وقت قصير. وعرفت سنة ١٩٣٦ نشاطًا سياسيًا كبيرًا في الجزائر، ومن أبرز مظاهر ذلك النشاط عقد "المؤتمر الإسلامي الجزائري"، الذي جمع- لأول مرة- مختلف التيارات السياسية الموجودة بالجزائر في ذلك العهد. وقد شكّل المؤتمر وفدًا سافر إلى باريس لتقديم الحد الأدنى من مطالب الشعب الجزائري إلى السلطة الفرنسية الجديدة، وهي حكومة الجبهة الشعبية. وقد اختلفت وجهات نظر المشاركين في المؤتمر في البرنامج الذي يتّخذ أساسًا للمطالب، حيث سبق لبعض الفرنسيين تقديم برامج لحل القضية الجزائرية. وكان لكل برنامج أشياع من السياسيين الجزائريين. كان ذلك الاختلاف عقبة كؤودًا في طريق المؤتمر لم يتجاوزها إلا باقتراح قدّمه الإمام الإبراهيمي وهو "أن تُلغى- تلك البرامج- كلها، وأن لا يتّخذ واحد منها أساسًا للمطالب الجزائرية، وذلك لأنها كلها وضعت في ظروف خاصة، وبنيت على اعتبارات خاصة ... بل الواجب أن نضع لمطالبنا برنامجًا مستقلًا منتزعًا من حالة الأمة الجزائرية، منطبقًا على نفسيتها وميولها الخاصة" (٣٣)، مع تقييد أي برنامج يوضع وأية مطالب تقدّم بـ "مسألة واحدة يُعَدُّ التساهل أو الغلط فيها جريمة، بل كفرا، وهي مسألة الحقوق الشخصية الإسلامية" (٣٤)، لأن فرنسا كانت تشترط على الجزائريين التخلي عن الإسلام ونَبْذَ أحكامه في أحوالهم الشخصية مقابل مساواتهم في الحقوق بالفرنسيين.

стр. 38

تحقيق الهدف الوطني، كانت له القدرة والذكاء والجرأة المستوحاة من حقده على فرنسا، كل ذلك ساعد على خدمة القضية التي يعمل من أجلها، في حين ضاعت القضية الفرنسية في الناحية" (٤٧). وأكد المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان- وهو معاصر لهذه الفترة وشاهد عليها- أن الإبراهيمي "صار يسيطر من تلمسان على جهة وهران ببصيرة وهدوء " (٤٨). إن هذا التأثير الكبير- دينيًا ووطنيًا- الذي أحدثه الإمام الإبراهيمي في الناحية الغربية من البلاد جعل السلطات الفرنسية- المحلية والجهوية والمركزية- توجس منه خيفة، وتعتبر صاحبه خطرًا على فرنسا إن هزم الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الثانية أو طال أمدها، وهذا ما أشار إليه وحذّر منه والي ولاية وهران في تقريره إلى الوالي العام الفرنسي في ١٥ مارس ١٩٤٠، بقوله: " وليس هناك شك أنه إذا وقعت هزيمة الجّيش الفرنسي، أو استمرّت الحرب مدة طويلة ومؤلمة فإن الإبراهيمي سيكون مركز الخطر لكل دعوات الثورة السلمية أو المسلحة" (٤٩)، فأصدر الوالي العام أمر "اعتقال الإبراهيمي في ساعة مختارة طبقًا للإجراءات المقررة حتى لا يقع تجمّع في الشوارع " (٥٠). وقبيل اعتقال الإمام الإبراهيمي جرب الفرنسيون وسيلة كانوا يستنزلون بها الهمم، ويشترون بها الذمم، وهي وسيلة الترغيب التي تعودوا استعمالها مع الذين أخلدوا إلى الأرض وأتبعهم الشيطان فلم يعيشوا لمبدإ، وقضوا حياتهم يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام، فبعثوا إليه القاضي ابن حورة يعرض عليه منصب شيخ الإسلام، الذي سيحدث لأول مرة في الجزائر في مقابل تصريح منه يؤيد فيه فرنسا التي كانت طرفًا في الحرب العالمية الثانية و "المشاركة في تحرير صحف أنشأوها، وفي كتابة محاضرات تسجل للإذاعة مقابل منح مغرية، فخيب ظنهم ورفض كل تعاون معهم " (٥١). وكرّر الفرنسيون المحاولة "واستدعت إدارة تلمسان الشيخ، وحاولت إقناعه بسداد طلب الحكومة، فرفض ... فقيل له: ارجع إلى أهلك ودِّعهم، وأحضر حقيبتك. فقال لهم: قد ودعتهم وها هي حقيبتي جاهزة" (٥٢).

стр. 39

علم الإمام ابن باديس بموقف أخيه الإمام الإبراهيمي، فازداد إكبارًا له وإعجابًا به، وكتب إليه رسالة في ٤ ربيع الأنور١٣٤٩هـ (١٣ أفريل ١٩٤٠م)، أي قبل ثلاثة أيام من وفاته، ونص هذه الرسالة هو: " الأخ الكريم الأستاذ البشير الإبراهيمي، سلمه الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد بلغني موقفكم الشريف الجليل العادل فأقول لكم: "الآن يا عمر" (٥٣)، فقد صنت العدم والدين، صانك الله، وحفظك وتَرِكتك، وعظَّمتَهُما عظم الله قدرك في الدنيا والآخرة، وأعززتهما أعزك الله أمام التاريخ الصادق وبيّضت محيّاهما بيض الله محيّاك يوم لقائه، وثبتك عدى الصراط المستقيم، وجب أن تطالعني برغباتك، والله المستعان. والسلام من أخيكم عبد الحميد بن باديس " (٥٤). وننبه القارئ غير المطلع على أوضاع الجزائر في هذه الفترة إلى أن هذه الأنشطة التي قام بها الإمام الإبراهيمي وإخوانه أعضاء جمعية العلماء من تعليم، وكتابة في الصحف، ودروس مسجدية، ومحاضرات في النوادي تمت في ليل من السياسة الاستعمارية غاسق، وفي جو من الإرهاب الفرنسي خانق، وفي بحر من القوانين الفرنسية الجائرة عائق، وتكفي الإشارة في هذا الشأن إلى منشور ميشال سنة ١٩٣٣ وقرارات ريني وقانون شوطان في ١٩٣٨ وجميعها يقضي بإغلاق المساجد في وجوه العلماء، وبمنعهم من التنقل في البلاد للوعظ والإرشاد، وبمنع تأسيس المدارس وتعليم اللغة العربية (٥٥). وسيلاحظ القارئ تركيزًا على الطرقية المنحرفة، وقد يظن غير العارفين أن هناك مبالغة من الإمام الإبراهيمي في الاهتمام بهذا الموضوع، أو أنه افتعل معركة؛ ولكن الحقيقة هي أن كثيرًا من البلايا التي أصابت الجزائر وأهلها إنما كانت بسبب هذه الطرقية المنحرفة، التي ضلت وأضفَت جِبِلاَّ كثيرًا من الجزائريين؛ ففرقت صفهم، وشتَّتَتْ جمعهم، حيث بلغ عددها " نحو خمسين طريقة، وكل طريقة مخالفة لطريقة أخرى" (٥٦)، وشرعت لهم من الدين ما لم يوص به الله ولا رسوله ﷺ ولا صلح المؤمنين، واستبدلت أورادها بالقرآن

стр. 40

الكريم، وأفضلها من جعله عِضِينَ، وزهدت الناس في نيل نصيبهم من الدنيا، وظاهرت فرنسا عليهم، ويكفيها حطة أن يكون شعارها " أمُّنا باري- باريس- احفظها يا باري ". من أجل ذلك كان الإمام الإبراهيمي يعتبرها استعمارًا روحيًا، لا يمكن للشعب الجزائري أن يتحرر من عدوه، المحتل لأرضه، المستغل لخيراته، المهين لمقدساته إلا إذا تحرر من هذا الاستعمار الروحي، وشُفي من هذا الوباء الطرقي المنحرف الذي أعمى بصره، وأمات قلبه، وشل عقله، وأضل سعيه، وأهدر جهده. وكما أزعج الإمام الإبراهيمي الفرنسيين، وأطار النوم من أعينهم بما بث في الناس من وعي وطني، وما غرس في قلوبهم من روح نضالية، وما أشاع في أنفسهم من أمل؛ أقَض مضاجع منحرفي الطرقيين، وأرَّق جفونهم، وكدَّر مشاربهم، وأكسد تجارتهم بما علَّم من دين قيم، وما أذاع من سنة صحيحة، وما نشر من هدي سليم، فصار الناس يميزون بين ما هو من عند الله وبين ما هو من عند غيره، وأصبحوا يفرقون بين ما هو من سنة محمد- ص- وبين ما هو من أهواء غيره، ولم يعودوا يلقون السمع إلا لآية بينة، أو سنة صحيحة. ومع ذلك كله، فقد كان الإمام الإبراهيمي وجمعية العلماء يطبقون في محاربتهم الطرقية وبدعها قاعدة "أخف الضررين "، فقد ذكر العالم المغربي إبراهيم الكتاني، أن الإمام الإبراهيمي دعاه لحضور الاجتماع العام لجمعية العلماء بالجزائر العاصمة، وعرف " أن لجمعية العلماء قرارًا سريًا يقضي بمنع مقاومة الزوايا والمرابطين في بلاد القبائل- البربر- التي كان للكنيسة بها نشاط تخريبي هدام منظم " (٥٧). ونود أن نَلْفِتَ الأنظار إلي تلك العلاقة العميقة والمتينة التي كانت تربط بين الإمامين عبد الحميد ابن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي. لقد بدأت هذه العلاقة- على تقوى من الله ورضوان- في الحرم المدني الشريف، بالمدينة المنورة، وتجدرت في ميادين الجهاد ومقارعة العدو الفرنسي لاستخلاص الجزائر من بين أنيابه، ومقاومة الذين خانوا الله ورسوله وخانوا الوطن بموالاة عدوه، واسمّرت هذه العلاقة قوية نقية لم تشبها شائبة، ولم يعترها فتور، ولم يستطيع شياطين الإنس- رغم حرصهم- أن ينزغوا بينهما، وما ذلك إلا لأنها كانت علاقة خالصة لله ، خالية من حظوظ الذات ونوازع النفس، يحرسها تقدير متبادل وتتجلى هذه العلاقة- قبل تأسيس جمعية العلماء- في حرص الإمام عبد الحميد بن باديس على عودة أخيه الإمام الإبراهيمي من المشرق بعدما رأى غزارة علمه، وعرف قوة شخصيته، وأدرك عمق نظرته، وتبين صدق وطنيته، كما تتجلى في انتقال الإمام ابن باديس إلى
следующие страницы →