← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأما الفصل الثالث فكان مقررًا أن يُخْرَج بمدينة تلمسان، حيث أراد الفرنسيون بالإمام الإبراهيمي كيدًا. فجعلهم الله من الأخسرين، ودافع عن الإمام بشخص يكتم إيمانه، يسمّى يحيى بُوثمَنْ- من بني ورتلان بالقبائل الصغرى- كان موظفًا في نيابة العمالة بتلمسان، استرق السمع، فعلم بالمؤامرة، فأخبر الإمام بأن الملأ يأتمرون به، ونصحه بالخروج من تلمسان بضعة أيام (٣٧)، فخسر هنالك المبطلون. وشهدت سنة ١٩٣٧حدثًا علميًا كبيرًا وتظاهرة إسلامية عظيمة بمدينة تلمسان، بمناسبة تدشين مدرسة دار الحديث التي وضع الإمام الإبراهيمي أساسها، ورقع قواعدها، وأعلى سمكها، وكان يعتبرها نواة لمشروع علمي كبير كانت تصوّره له الخواطر، يعيد به مجد تلمسان العلمي. أذّن الإبراهيمي في الجزائريين ليشهدوا افتتاح دار الحديث يوم٢٧ سبتمبر١٩٣٧، فلبّى نداءه الآلاف، وأتوه من كل فج في الجزائر يتقدمهم الإمام عبد الحميد بن باديس الذي رأى من آيات أخيه الإبراهيمي ما جعله يصفه- فيما بعد- بـ "محيي تلمسان " (٣٨). عضت فرنسا على الإبراهيمي الأنامل من الغيظ؛ لأنه أحيا ما أماتته من دين ولغة، وأَنْشَر ما أقْبَرَتْه من أمجاد، ووحّد ما فرّقته من صفوف، ونزع من الصدور ما زرعته من خوف، فأمر الوالي العام الفرنسي بغلق دار الحديث يوم ٣١ ديسمبر وتحدّى الإمام الإبراهيمي السلطات الفرنسية و "رفض التوقيع على محضر الأمر بغلق المدرسة (٤٠، وقدّم إلى المحاكمة بتلمسان يوم ٢٧ يونيو ١٩٣٩و " قُضي عليه بالغرامة " (٤١)، "وهو الحكم الذي كّدته محكمة استئناف الجزائر، ((٤٢. ولكن هذا الترهيب، وهذا الترويع لم يُجد فرنسا، ولم يُقْعد الإمام عن مواصلة نشاطه، فاستمرّ في عمله، مؤمنًا بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، مستيقنَا أن الله يدافع عن الذين آمنوا، ويثبت أقدامهم، ويربط على قلوبهم. إن قيمة دار الحديث المعنوية والمادية، والأمل المعلّق عليها، ومكانة مؤسسها في قلب الإمام ابن باديس جعله يوليها اهتمامًا كبيرًا، فكان يذكرها في الخطب العامة والمجالس

стр. 37

المقيم العام الفرنسي، فرفض المؤتمرون ذلك، وعقدوا مؤتمرهم في مدينة تطوان التي كانت تحت الإدارة الإسبانية. وفي هذه السنة أيضًا-١٩٣٥ - عقد المؤتمر الرابع لجمعية العلماء، وقد كان مؤتمرًا متميزًا بما قُدّم فيه من بحوث، وما ألقي فيه من خطب، وما أنشد فيه من شعر، ولذلك قرر المجلس الإداري للجمعية أن تجْمَع تلك البحوث والخطب والأشعار وتنشر في كتاب بعنوان "سجل مؤتمر جمعية العلماء ... " يسجل المراحل التي قطعتها، والأعمال التي أنجزتها. وقد عهد المجلس الإداري إلى الإمام الإبراهيمي بالإشراف على ذلك السجل، وكتابة تصدير له، وتلخيص عن كل تقرير، وبيان كيفية تنفيذ اقتراحاته. وقد كتب الإمام الإبراهيمي في هذا السجل بحثًا قيّمًا في فلسفة جمعية العلماء، شخص فيه أدواء المسلمين، وأخطرها هجر القرآن الكريم، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ووصف فيه الدواء الشافي لتلك الأدواء، وفصل القول عن الحركة الإصلاحية في الجزائر وما أنجزته من عظيم الأعمال في وقت قصير. وعرفت سنة ١٩٣٦ نشاطًا سياسيًا كبيرًا في الجزائر، ومن أبرز مظاهر ذلك النشاط عقد "المؤتمر الإسلامي الجزائري"، الذي جمع- لأول مرة- مختلف التيارات السياسية الموجودة بالجزائر في ذلك العهد. وقد شكّل المؤتمر وفدًا سافر إلى باريس لتقديم الحد الأدنى من مطالب الشعب الجزائري إلى السلطة الفرنسية الجديدة، وهي حكومة الجبهة الشعبية. وقد اختلفت وجهات نظر المشاركين في المؤتمر في البرنامج الذي يتّخذ أساسًا للمطالب، حيث سبق لبعض الفرنسيين تقديم برامج لحل القضية الجزائرية. وكان لكل برنامج أشياع من السياسيين الجزائريين. كان ذلك الاختلاف عقبة كؤودًا في طريق المؤتمر لم يتجاوزها إلا باقتراح قدّمه الإمام الإبراهيمي وهو "أن تُلغى- تلك البرامج- كلها، وأن لا يتّخذ واحد منها أساسًا للمطالب الجزائرية، وذلك لأنها كلها وضعت في ظروف خاصة، وبنيت على اعتبارات خاصة ... بل الواجب أن نضع لمطالبنا برنامجًا مستقلًا منتزعًا من حالة الأمة الجزائرية، منطبقًا على نفسيتها وميولها الخاصة" (٣٣)، مع تقييد أي برنامج يوضع وأية مطالب تقدّم بـ "مسألة واحدة يُعَدُّ التساهل أو الغلط فيها جريمة، بل كفرا، وهي مسألة الحقوق الشخصية الإسلامية" (٣٤)، لأن فرنسا كانت تشترط على الجزائريين التخلي عن الإسلام ونَبْذَ أحكامه في أحوالهم الشخصية مقابل مساواتهم في الحقوق بالفرنسيين.

стр. 38

تحقيق الهدف الوطني، كانت له القدرة والذكاء والجرأة المستوحاة من حقده على فرنسا، كل ذلك ساعد على خدمة القضية التي يعمل من أجلها، في حين ضاعت القضية الفرنسية في الناحية" (٤٧). وأكد المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان- وهو معاصر لهذه الفترة وشاهد عليها- أن الإبراهيمي "صار يسيطر من تلمسان على جهة وهران ببصيرة وهدوء " (٤٨). إن هذا التأثير الكبير- دينيًا ووطنيًا- الذي أحدثه الإمام الإبراهيمي في الناحية الغربية من البلاد جعل السلطات الفرنسية- المحلية والجهوية والمركزية- توجس منه خيفة، وتعتبر صاحبه خطرًا على فرنسا إن هزم الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الثانية أو طال أمدها، وهذا ما أشار إليه وحذّر منه والي ولاية وهران في تقريره إلى الوالي العام الفرنسي في ١٥ مارس ١٩٤٠، بقوله: " وليس هناك شك أنه إذا وقعت هزيمة الجّيش الفرنسي، أو استمرّت الحرب مدة طويلة ومؤلمة فإن الإبراهيمي سيكون مركز الخطر لكل دعوات الثورة السلمية أو المسلحة" (٤٩)، فأصدر الوالي العام أمر "اعتقال الإبراهيمي في ساعة مختارة طبقًا للإجراءات المقررة حتى لا يقع تجمّع في الشوارع " (٥٠). وقبيل اعتقال الإمام الإبراهيمي جرب الفرنسيون وسيلة كانوا يستنزلون بها الهمم، ويشترون بها الذمم، وهي وسيلة الترغيب التي تعودوا استعمالها مع الذين أخلدوا إلى الأرض وأتبعهم الشيطان فلم يعيشوا لمبدإ، وقضوا حياتهم يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام، فبعثوا إليه القاضي ابن حورة يعرض عليه منصب شيخ الإسلام، الذي سيحدث لأول مرة في الجزائر في مقابل تصريح منه يؤيد فيه فرنسا التي كانت طرفًا في الحرب العالمية الثانية و "المشاركة في تحرير صحف أنشأوها، وفي كتابة محاضرات تسجل للإذاعة مقابل منح مغرية، فخيب ظنهم ورفض كل تعاون معهم " (٥١). وكرّر الفرنسيون المحاولة "واستدعت إدارة تلمسان الشيخ، وحاولت إقناعه بسداد طلب الحكومة، فرفض ... فقيل له: ارجع إلى أهلك ودِّعهم، وأحضر حقيبتك. فقال لهم: قد ودعتهم وها هي حقيبتي جاهزة" (٥٢).

стр. 39

علم الإمام ابن باديس بموقف أخيه الإمام الإبراهيمي، فازداد إكبارًا له وإعجابًا به، وكتب إليه رسالة في ٤ ربيع الأنور١٣٤٩هـ (١٣ أفريل ١٩٤٠م)، أي قبل ثلاثة أيام من وفاته، ونص هذه الرسالة هو: " الأخ الكريم الأستاذ البشير الإبراهيمي، سلمه الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد بلغني موقفكم الشريف الجليل العادل فأقول لكم: "الآن يا عمر" (٥٣)، فقد صنت العدم والدين، صانك الله، وحفظك وتَرِكتك، وعظَّمتَهُما عظم الله قدرك في الدنيا والآخرة، وأعززتهما أعزك الله أمام التاريخ الصادق وبيّضت محيّاهما بيض الله محيّاك يوم لقائه، وثبتك عدى الصراط المستقيم، وجب أن تطالعني برغباتك، والله المستعان. والسلام من أخيكم عبد الحميد بن باديس " (٥٤). وننبه القارئ غير المطلع على أوضاع الجزائر في هذه الفترة إلى أن هذه الأنشطة التي قام بها الإمام الإبراهيمي وإخوانه أعضاء جمعية العلماء من تعليم، وكتابة في الصحف، ودروس مسجدية، ومحاضرات في النوادي تمت في ليل من السياسة الاستعمارية غاسق، وفي جو من الإرهاب الفرنسي خانق، وفي بحر من القوانين الفرنسية الجائرة عائق، وتكفي الإشارة في هذا الشأن إلى منشور ميشال سنة ١٩٣٣ وقرارات ريني وقانون شوطان في ١٩٣٨ وجميعها يقضي بإغلاق المساجد في وجوه العلماء، وبمنعهم من التنقل في البلاد للوعظ والإرشاد، وبمنع تأسيس المدارس وتعليم اللغة العربية (٥٥). وسيلاحظ القارئ تركيزًا على الطرقية المنحرفة، وقد يظن غير العارفين أن هناك مبالغة من الإمام الإبراهيمي في الاهتمام بهذا الموضوع، أو أنه افتعل معركة؛ ولكن الحقيقة هي أن كثيرًا من البلايا التي أصابت الجزائر وأهلها إنما كانت بسبب هذه الطرقية المنحرفة، التي ضلت وأضفَت جِبِلاَّ كثيرًا من الجزائريين؛ ففرقت صفهم، وشتَّتَتْ جمعهم، حيث بلغ عددها " نحو خمسين طريقة، وكل طريقة مخالفة لطريقة أخرى" (٥٦)، وشرعت لهم من الدين ما لم يوص به الله ولا رسوله ﷺ ولا صلح المؤمنين، واستبدلت أورادها بالقرآن

стр. 40

الكريم، وأفضلها من جعله عِضِينَ، وزهدت الناس في نيل نصيبهم من الدنيا، وظاهرت فرنسا عليهم، ويكفيها حطة أن يكون شعارها " أمُّنا باري- باريس- احفظها يا باري ". من أجل ذلك كان الإمام الإبراهيمي يعتبرها استعمارًا روحيًا، لا يمكن للشعب الجزائري أن يتحرر من عدوه، المحتل لأرضه، المستغل لخيراته، المهين لمقدساته إلا إذا تحرر من هذا الاستعمار الروحي، وشُفي من هذا الوباء الطرقي المنحرف الذي أعمى بصره، وأمات قلبه، وشل عقله، وأضل سعيه، وأهدر جهده. وكما أزعج الإمام الإبراهيمي الفرنسيين، وأطار النوم من أعينهم بما بث في الناس من وعي وطني، وما غرس في قلوبهم من روح نضالية، وما أشاع في أنفسهم من أمل؛ أقَض مضاجع منحرفي الطرقيين، وأرَّق جفونهم، وكدَّر مشاربهم، وأكسد تجارتهم بما علَّم من دين قيم، وما أذاع من سنة صحيحة، وما نشر من هدي سليم، فصار الناس يميزون بين ما هو من عند الله وبين ما هو من عند غيره، وأصبحوا يفرقون بين ما هو من سنة محمد- ص- وبين ما هو من أهواء غيره، ولم يعودوا يلقون السمع إلا لآية بينة، أو سنة صحيحة. ومع ذلك كله، فقد كان الإمام الإبراهيمي وجمعية العلماء يطبقون في محاربتهم الطرقية وبدعها قاعدة "أخف الضررين "، فقد ذكر العالم المغربي إبراهيم الكتاني، أن الإمام الإبراهيمي دعاه لحضور الاجتماع العام لجمعية العلماء بالجزائر العاصمة، وعرف " أن لجمعية العلماء قرارًا سريًا يقضي بمنع مقاومة الزوايا والمرابطين في بلاد القبائل- البربر- التي كان للكنيسة بها نشاط تخريبي هدام منظم " (٥٧). ونود أن نَلْفِتَ الأنظار إلي تلك العلاقة العميقة والمتينة التي كانت تربط بين الإمامين عبد الحميد ابن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي. لقد بدأت هذه العلاقة- على تقوى من الله ورضوان- في الحرم المدني الشريف، بالمدينة المنورة، وتجدرت في ميادين الجهاد ومقارعة العدو الفرنسي لاستخلاص الجزائر من بين أنيابه، ومقاومة الذين خانوا الله ورسوله وخانوا الوطن بموالاة عدوه، واسمّرت هذه العلاقة قوية نقية لم تشبها شائبة، ولم يعترها فتور، ولم يستطيع شياطين الإنس- رغم حرصهم- أن ينزغوا بينهما، وما ذلك إلا لأنها كانت علاقة خالصة لله ، خالية من حظوظ الذات ونوازع النفس، يحرسها تقدير متبادل وتتجلى هذه العلاقة- قبل تأسيس جمعية العلماء- في حرص الإمام عبد الحميد بن باديس على عودة أخيه الإمام الإبراهيمي من المشرق بعدما رأى غزارة علمه، وعرف قوة شخصيته، وأدرك عمق نظرته، وتبين صدق وطنيته، كما تتجلى في انتقال الإمام ابن باديس إلى

стр. 41

تونس لاستقبال أخيه الإبراهيمي عند عودته إلى الوطن سنة ١٩٢٠، وفي تبادل الزيارات بينهما. وتتبين هذه العلاقة- بعد تأسيس الجمعية- في تردد الإمام ابن باديس على الإبراهيمي في تلمسان، رغم بعد الشقة وكثرة الأعمال، وفي تكليفه بكثير من القضايا الهامة (الإشراف على سجل مؤتمر الجمعية رئاسة الاحتفال بحفل ختم تفسير القرآن الكريم - عدد مجلة الشهاب الخاص بحفل ختم التفسير- الرد على الطرقيين- إعداد برنامج الكلية الإسلامية .. ). أما من جانب الإمام الإبراهيمي فقد تجلت تلك العلاقة في الإخلاص لأخيه الإمام ابن باديس في حياته، والوفاء له بعد وفاته، فأطلق اسمه على المعهد الذي أسسه تخليدًا له، ورفع له ذكره بما كتبه عنه من كتابات كمًّا وكيفًا، وأشاد بفضله على الجزائر حتى اعتبر " كل ما يعلو فيها من أصوات صدى مردد للكلمات النارية التي كان يقذفها لسان مبين، يترجم عن علم مكين ودين متين، وهو لسان المرحوم باني النهضات الجزائرية من غير منازع الإمام عبد الحميد بن باديس " (٥٨)، "الذي جمع الله فيه ما تفرق في غيره من علماء الدين في هذا العصر وأربىَ عليهم بالبيان الناصع، واللسان المطاوع، والذكاء الخارق، والفكر الولود، والعقل اللماح، والفهم الغواص على دقائق القرآن وأسرار التشريع الإسلامي، والاطلاع الواسع على أحوال المسلمين ومناشئ أمراضهم وطرق علاجها، والرأي السديد في العلميات والعمليات من فقه الإسلام وأطوار تاريخه، والإلمام الكافي بمعارف العصر مع التمييز بين ضارها ونافعها، وكان مع التضلع في العلوم الدينية واستقلاله في فهمها، إمامًا في العلوم الاجتماعية، يكمل ذلك كله قلم بليغ، شجاع، يجاري لسانه في البيان والسحر، فكان من أخطب خطباء العربية، وفرسان منابرها، كما كان من كتب كتابها" (٥٩). والإمام الإبراهيمي عندما كتب وقال ما قال عن أخيه ابن باديس لم يكتبه أو يقلهُ مُجامَلة: "فما كان مبنى الأمر بيننا- ما عشنا- على الرياء والمجاملة" (٦٠). لقد من الله على الجزائر، إذ بارك في علاقة هذين الإمامين، وألَّف بين قلبيهما، وجمع جهديهما، وبعثهما فيها في أيام محنتها، وفي ساعة عسرتها، فجدد لها بهما أمر دينه، وأحيا بهما لغتها، وأخرجها بهما من الظلمات إلى النور، وبعثها بسعيهما من مرقدها، وأنقذها بهما من الاضمحلال. يضم هذا الجزء المقالات التي عُثِر عليها، وهي تغطي الفترة الممتدة من سنة ١٩٢٩ إلى سنة ١٩٤٠. ولا ريب في أن للإمام الإبراهيمي- قبل سنة ١٩٢٩ - كتابات، ولكننا لم

стр. 42

نعثر- حتى الآن- على شيء منها؛ إما لأنها لم تنشر وضاعت ضمن ما ضاع من آثاره وآثار غيره من علمائنا، إهمالَاَ، أو مصادرة من الفرنسيين؛ وإما نشرت في جرائد ومجلات لم تصل إليها أيدينا، حيث أشار بعض المؤرخين المختصين في هذه الفترة من تاريخ الجزائر إلى أن الإمام الإبراهيمي "ابتدأ منذ عام ١٩٢٥ في كتابة بعض المقالات في جريدة الشهاب (٦١) وهذا ما ذهب إليه المؤرخ الفرنسي شارل روبير أجْرُون (٦٢)، والمؤرخ الجزائري محفوظ قداش ٦٣))؛ وإما أنها نشرت بأسماء مستعارة حذر بطش الفرنسيين، وما كثر الكتابات التي لا تحمل أسماء أصحابها، أو موقعة بأسماء مستعارة في جرائدنا ومجلاتنا، وفي غير جرائدنا ومجلاتنا التي نشر فيها كُتَّابُنا؛ فإذا كان الإمام ابن باديس- وهو الذي كان يتمتع بحماية نسبية من والده- ينشر كثيرًا من مقالاته بأسماء مستعارة (العبسي - القسنطيني- الجزائري- الصنهاجي). فكيف لا يلجأ إلى هذه التقية من ليس له أد ى حماية. هذه- باختصار- هي أهم أعمال الإمام الإبراهيمي في هذه الفترة (١٩٢٩ - ١٩٤٠) من تاريخ الجزائر، مذكّرًا- مرة أخرى- بأن تلك الأعمال تمت في أصعب الظروف، وأنجزت في أحرج الأوقات، فعلى القارئ أن يضع ذلك كله في اعتباره، وأن لا يحكم عليها بمعطيات فترة أخرى وظروفها، وخاصة في بلدان غير الجزائر. محمد الهادي الحسني البليدة (الجزائر): ٨ أكتوبر ١٩٩٦.

стр. 43

قبل تأسيس جمعية العلماء (١٩٢٩ - ١٩٣١)

стр. 44

محمد بن شنب* ما هذا الجمع الحاشد؟ وما هذه الزمر المحدودة؟ وما للأحياء حشروا في صعيد الأموات؟ أجل، ما لهذا الفريق الممتاز من إخوان الأدب وأخدان العلم وعشراء البحث ورصفاء التفكير وأسرة الكتابة والقلم- يظهرون بهذا المظهر الرهيب. وينزعون هذا المنزع الغريب، - لولا داع دعا وباعث بعث وسايق حث فأزعج. بلى ما هذا الحشد فوق التراب إلا لقضاء حق عزيز ثوى تحت التراب. مات محمد فعرفت هذه الطائفة من مات، وعرفت أنه مات فبكت فضله المدفون ونفعه الذي فات. مات محمد فأسف العارفون لفضله على فضله وما هو بالذخيرة المنزورة ولا الحظ المنقوص ولكنه البحر فيضا وسعة جوانب. وأسف المشفقون على هذا الوطن البائس أن ينقصف علمه المفرد وواحد الآحاد فيه قبل أن تتحقق آماله في العلم أو تتحقق آمال العلم فيه. مات محمد فأيقن زملاؤه وشركاؤه في الصنعة أنهم فقدوا بفقده ركنا من أركان العلم الصحيح، وعلما من أعلام التاريخ الصحيح، ومثالا مجسما من الأخلاق العالية والخلال الرفيعة، لا بل فقدوا معيارا من أصدق المعايير لقيم الروايات وعينا لا تغر صاحبها بالسراب، لا بل فقدوا عقلا هذبه العلم وعلما هذبه العقل فأنتجا خير النتائج، لا بل فقدوا مثالا كاملا من حياة العمل والنشاط والعبادة للعلم والفناء في العلم.

стр. 45

مات محمد فلم يخسر تلامذته تعليمه وإرشاده ونصحه واجتهاده، بل خسروا وراء ذلك الغاية التي يصبون إليها وينتظرها الوطن منهم، وهي الانطباع بطابعه في الذوق، في الأخلاق، في أسلوب البحث، في طرز التفكير، في الاعتماد على النفس، في الانقطاع للعلم والإخلاص له في الأدب النفسي، في الصبر على العمل- وإن شق- حتى الوصول إلى النهاية. في المحافظة على القومية الصحيحة. في اطراح الحظوظ والرعونات، في استخدام البصيرة في كل شأن من شؤون الحياة، في القصد. ذلك أن الرجل محافظ والمحافظة ألزم ما يكون لنهضة كنهضتنا لم تزل في طور الاختمار، تتجاذبها العوامل الخارجية أكثر مما تكيفها الضرورات الداخلية، فنحن أحوج ما نكون في هذا الموقف إلى محافظة مهذبة تسايرنا في أطوار الانتقال وتكون لنا قنطرة نعبر عليها من قديمنا إلى الصالح الذي ننشده، وتقينا شر الذبذبة التي هي وليدة الطفرة. الرجل كان محافظا حقا ولكنه محافظ بالمعنى المعقول، محافظة البصير الناقد الذي يرى أن مشخصات الأمم منها جوهر ومنها عرض، وأن الجوهر منها هو الصالح للبقاء وأنه لا يد للفرد ولا للجماعة في تكييفه كما يشاء أو كما تشاء، وأن تطوره موكول إلى تدبير الاجتماع لا إلى تدبير الجماعات- وأن العرض منها هو محل التبديل والتغيير يصلح لزمن فيؤخذ، ولا يصلح لآخر فينبذ. فالمحافظة على جوهر المقومات ليست محافظة وإنما هي حفظ للقومية من الاندغام والتداخل وعماد لها أن تتداعى وتسقط، وأما الأعراض فهي قشور تتحول وتزول فهي كأوراق الخريف توجد وتعدم والشجرة شجرة. والرجل مخلص في أعماله وما نجاحه في حياته العلمية إلا نتيجة إخلاصه، والإخلاص أحوج ما تحتاج إليه ناشئتنا في وقت ذهب فيه الإخلاص ضحية المداجاة والنفاق والغش والمؤاربة ومجموعها هو الرياء الخادع. الرجل صبور والصبر مطية النجاح وقوام الحياة كلها. الرجل معتمد على نفسه، يظهر ذلك في جميع أطوار تعلمه وإن الهمة التي سمت به إلى تعلم عدة لغات حية أجنبية وإتقانها هي عنوان هذا الخلق العظيم، خلق الاعتماد على النفس، والاعتماد على النفس خير ما حمل الآباء عليه أبناءهم فهو الرائد إلى السعادة وهو أساس الحياة الاستقلالية. الرجل مؤدب النفس مهذب الطباع وهذا الخلق أساس حسن العشرة وحسن العشرة أساس الجاذبية وما أحوج ناشئتنا إلى هذا الخلق القويم إذا لكانت الإفادة إذا أفادوا والاستفادة إذا استفادوا على قاب قوسين منا.

стр. 46

أما طرز التفكير فالإنصاف في حق الرجل أنه لم يكن مفكرا اجتماعيا بالمعنى الواسع ومن وصفه بذلك فقد ظلمه اللهم إلا مشاركة قومه في شعورهم الخاص وإحساسهم الخاص، واللهم إلا معنى آخر يماس التفكير وهو صدق الاستنتاج وسلامة الحدس، فقد كان نصيبه من هذا الخلق نصيبا موفورا. أما أسلوب البحث العلمي وبناؤه على المحاكمة والنقد فهو ظاهرة الرجل الخاصة به ونعته الصادق، ولا أكتمكم أني ما كنت شديد الإعجاب بالرجل إلا من هذه الخلة، ولا كتمكم السبب الذي أودع هذا الإعجاب في نفسي بهذه الناحية من نواحي الرجل دون نواحيه الكثيرة وكلها أجواء صافية، السبب هو أنني نظرت في جميع ما لدينا من تراث الأوائل مما نسميه علما وأمعنت في تتبع أطوار العلوم الإسلامية من النقطة التي وصل إليها مداها في الاتساع إلى المنشإ الأصلي فوجدت أن جميع علومنا الإسلامية في جميع أدوارها يعوزها الاختبار والنقد، يعوزها الاستقلال في الرأي، تعوزها الشجاعة إلى أن جاءت عصور الانحطاط فكان ذلك الاعواز بذرة فاسدة للتقليد في جميع علومنا حتى أصبحت أشباحا بلا أرواح، فلا عجب إذا أكبرت الرجل وأكبرت كل من يوفق إلى غرس هذه الملكة فيه في نفسه. العلوم الإسلامية موضوع تاريخي كسائر المواضيع التاريخية والباحثون في هذا الموضوع ثلة من الشرقيين وقليل من الغربيين، وجهات هذا الموضوع مترامية الأطراف ولا نعلم موضوعا لقي في أثناء تكوينه من الفواعل الداخلية والخارجية ما لقيه هذا الموضوع، لذلك قل من يجيد البحث فيه وقل في هذا القليل من تنتهي به أبحاثه إلى نتيجة يرتضيها التاريخ الصحيح. ولئن كان في طريق باحثي الغرب في هذا الموضوع عقبات تقوم لهم بالعذر عن التقصير فيه، فليس في طريقنا معشر الشرقيين من عقبة لولا تلك العلة المشؤومة التي هي عائقنا الأكبر عن الإنتاج الفكري والخصب العقلي، بل هي السبب الوحيد في موت ملكة الابتكار فينا، تلك العلة هي التقليد الذي أصبح ظاهرة من ظواهر العلوم الإسلامية وتاريخها. وإن المفكرين منا لينشدون نهضة تقضي على التقليد وتغرس ملكة الاستقلال في البحث التاريخي، وإن بوادر هذه النهضة قد ظهرت من عهد غير بعيد، وإن فقيدنا اليوم من الطلائع المبكرة لهذه النهضة بهذا الوطن وأن تبكيره هو سر خموله. نشأت العلوم الإسلامية في ظروف متفاوتة وفي أمم متفاوتة يجمعها الإسلام، فكان للظروف أثر في تكوين تلك العلوم ولاختلاف الجنس أثر في تكوينها أيضا، وكانت منذ نشأتها خاضعة للدين، فكان للدين أثره الأقوى فيها أيضا ثم تطورت تلك العلوم تبعا لتطور الحياة العامة، فكان للآداب الجنسية الخاصة وللآداب الدينية العامة أثر في ذلك التطور

стр. 47

وأصبح تاريخ العلوم الإسلامية يتناول تاريخ رجالها وتاريخ انتقالها في ظل الإسلام من الشرق إلى الغرب وتاريخ أطوارها قوة وضعفا، فلا عجب إذا أعجبت بهذا الفقيد وهو الذي إذا بحث في هذه المواضيع الشائكة أرضى الحق وأرضى التاريخ، وإن ناشئتنا لفي شديد الحاجة إلى تلقين هذا النوع من العلم في مبدإ نهضتنا العلمية وإلى الانطباع بهذا الطابع طابع الاستقلال والنقد. لست في موقفي هذا شاعرا أؤبن فأجري وراء الخيال في تصوير عظم المصيبة بفقيدنا العزيز لأجري دمعة جامدة أو أحرك عاطفة خامدة، كلا ليس هذا من شأني ولست بصاحبه وإني لتاركه إلى شعراء الحفلة فليبكوا ما شاءوا وليستبكوا ما شاءوا فالموقف حقيق باستنزال العبرات وتصعيد الزفرات وذهاب النفوس حسرات. وإنما وقفت لأبين لكم ناحية من نواحي الفقيد، وهي ناحية عرفها القليلون منا وجهلها الكثيرون، هذه الناحية هي الغرة اللائحة في حياة الراحل الكريم، وهذه الناحية هي في نظري سر نبوغه أو سر تفوقه أو سر غربته في هذا الوطن. هذه الناحية هي التي لاحت للعلماء من غربيين وشرقيين فاكبروا الرجل وأنزلوه المنزلة التي هو بها حقيق- هذه الناحية هي العظة البالغة والعبرة النافعة للناشئين منا في العلم وهي المثال الذي يجب أن يحتذه، حياة العلماء الذين وقفوا حياتهم لنفع البشر إلا أمثلة تحتذى ولها بعد ذلك أثرها في النفوس إن خيرا وإن شرا. امتاز الفقيد بعدة خلال جليلة مجموعها هي تلك الحياة الجليلة التي يبكيها الباكون منا اليوم ويعتبر بها المعتبرون. هذا الفقيد العظيم يصفه الواصفون بالمحافظة فيمدحها قوم ويذمها آخرون، ويصفه الواصفون بالنزعة الإسلامية الشاذة فيمدحها قوم ويذمها آخرون. ويصفه الواصفون بسعة الاطلاع على تاريخ العلم الإسلامي والتوفر على البحث فيه على المنهج العلمي المبني على المحاكمة والنقد والاستدلال. فتجتمع الآراء وتتفق المشارب وتلتئم الأهواء. يا ساكن الثرى ومستبدل الوحشة بالأنس، هذه طائفة من قرنائك وعارفي قدرك وتلامذتك جاءتك وأنت في ثراك تجدد بك العهد بعد الأربعين وإنها لغيبة طويلة لولا أن ما بعدها أطول. جاءت تجدد- ذكراك الخالدة وتعدد ما خلفت من تراث وما هو إلا علم صحيح ومبدأ صريح وكفى بهما ذخرا لك ولنا.

стр. 48

يا ساكن الثرى إن ذكراك هي الشعاع الهادي لهذه الطائفة فيما يعرض لهم من شؤون الحياة وتجاريبها. يا ساكن الثرى ومستبدل الغربة بالأهل، هذه الجزائر تناجيك بلسان طائفة من أبنائها البارين بك وبها وتقول: عرفك الغرب والشرق ولم تعرفك الجزائر حق المعرفة في حياتك، فهي تبكي عليك حق البكاء بعد وفاتك، وهذه الألفاظ هي دموع المقصر بعد العتب، والتائب بعد الذنب. يا ساكن الثرى نم هنيئا في جوار ربك، فهذا آخر العهد بشخصك الكريم ولكنه ليس آخر العهد بآثارك الخالدة. وإنا عليك يا محمد لمحزونون.

стр. 49

التعاون الاجتماعي* من أبهج ساعات العمر ساعة يقف فيها أخ يحادث إخوانه على بساط الشعور المشترك والإحساس الصادق والإخلاص في القول وحسن الإصغاء يتلو عليهم ما فيه العبرة من ماضيهم وحاضرهم. يذكرهم ما ليسوا عنه بغافلين من أخذ الأهبة للمستقبل المحجوب، يدعوهم إلى الجد في العمل المشترك، يدعوهم إلى التعاون في الصالحات، يدعوهم إلى نفض غبار الكسل والتواكل، يدعوهم إلى مجاراة السابقين في الحياة، يدعوهم إلى العمل لما فيه سعادة الدارين. يدعوهم إلى نبذ موجبات التفرق والتخاذل، يدعوهم إلى تقوية أسباب الإلفة والأخوة، يدعوهم إلى أخذ شؤون الحياة من أسبابها المعقولة، يدعوهم فيسمعون فيعرفون قيمة ما دعا إليه، فيفوز الداعي بفضيلة الدعوة والإرشاد إلى الحق والتنبيه إلى الواجب، ويفوز المدعو بفضيلة الاسترشاد والعمل بالنصيحة، ويلتقي الكل عند أشرف غاية في هذه الحياة وهي أداء الواجب الاجتماعي. إخواني: إن كنتم أولئك المستمعين فلست بذلك الداعي لولا هبة منكم نحو التقدم حركتني بعد السكون وأنطقتني بعد السكوت. قد استقر رأي جماعة من الإخوان على أن يكون موضوع المحادثة بيان فوائد الاجتماع ويعنون بالاجتماع الاتحاد ... وهل تحتاج فوائد الاجتماع إلى بيان؟ فوائد الاجتماع هي ثمراته الناتجة عنه وثمراته هي ما ترون من أعمال تعجز القوة الفردية عن إتمامها، وما ترونه من مصانع تخرج المعجزات، وما ترونه من تقريب الأقطار وإخضاع البحار، وما ترونه من استخراج مواهب الأرض التي لا يستقل الفرد بإخراج جزء منها ولو

стр. 50

جمع مواهبه، وما ترونه من تسلط جبري على قوى الطبيعة واستخدامها بكل سهولة. ومن ثمرات الاجتماع ما تقرأونه في التاريخ من تغلب جماعات قليلة العدد قليلة المال على جماعات هي كثر منها عددا وأوفر مالا- نعم إن فوائد الاجتماع لا تحتاج إلى بيان- فالاجتماع يحدث عن نفسه باللسان الفصيح. وآثار الاجتماع هي الحقائق العريانة والشواهد الناطقة، فلئن تحدثنا في فوائد الاجتماع فإنما ذلك من باب التذكير، ولم يزل التذكير في كل أطوار الإنسانية مددا روحانيا يثير الخامل إلى العمل ويحث العامل على مواصلة العمل. نحن لا نحتاج إلى بيان فوائد الاجتماع، فقد أصبحت من البديهيات المسلمة. وإنما نحتاج في الدرجة الأولى إلى تكوين اجتماع حيوي منتج يتفق مع الحياة العامة في العموميات ويلتئم مع حياتنا الخاصة في الخصوصيات. هذا النوع من الاجتماع هو الذي يجب أن نسعى في تكوينه إن كان مفقودا، أو نسعى في ترميمه واستثماره إن كان موجودا. الحق الذي لا مراء فيه أنه لا يوجد عندنا اجتماع منتج بالمعنى الذي نريده ويتمناه العقلاء منا والمفكرون، والذي نشاهد آثاره عند غيرنا وندرك أنها نتيجة ذلك الاجتماع. والحقيقة التي لا مراء فيها أن حياتنا الخاصة- بصفتنا أمة ذات مقومات ممتازة- قد قدر لها أن تصبح تابعة لحياة عامة هي صرف السوق كما يقولون- هذه الحياة العامة فرقت القبائل والشعوب من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون، فكنا من غرقاها، وطغى تيارها حتى دخل على الحضري قصره وعلى البدوي قفره. هذه الحياة العامة تحدثنا بلسان الحال أن غايتها توحيد المجموعة البشرية في مظاهر الحياة وخوافيها، في الميول والأهواء، في العواطف والمشارب، في النزعات والتأثرات- ولكن هل توافقها إرادة الحي- هذا الكائن العاقل؟ إن إرادة الحي غير إرادة الحياة، فالحي بصفته فردا يريد أن يحتفظ لنفسه بحق الاستئثار بقسطه الخاص من الحياة، وبصفته فردا من أمة يريد أن يحتفظ لنفسه بحق تكوين اجتماعه كما يريد، ونحن في اجتماعنا هذا أو في حديثنا هذا من هذا القبيل. إذن نحن محتاجون إلى تكوين اجتماع خاص تنتج عنه نهضة منظمة في جميع لوازم حياتنا القومية الخاصة، وألزم هذه اللوازم أربعة: الدين والأخلاق والعلم والمال. أما اللازم الأول وهو الدين فلا نبحث في درجة أهميته من بين اللوازم فذلك أمر ضروري، وإنما نقول إن اجتماعنا يقضي بإدخاله فيما تجب العناية به، وقد ظهرت في هذه السنين حركة توسمنا فيها لأول مرة أنها ستقوم بركن من أركان نهضتنا، وكانت هذه الحركة ترمي عن قوس الحقيقة في الرجوع بالدين إلى بساطته الأولى، وأنه دين الفطرة، وأنه لا يرجع في أحكامه إلا إلى النص القطعي من كتاب محكم أو سنة قولية أو عملية

стр. 51

متواترة، وأن كل ما ألصق بالدين من المحدثات فهو بدعة يجب اعتبارها ليست من الدين، وإن تراءت في صورة ما يقتضيه الدين. ومن الأسف أن هذه الحركة لم تنتج النتيجة المطلوبة ولم يصحبها من النظام والحكمة ما يجعلها سريعة الدخول في أذهان الناس. - ٢ - فمن المفيد في اجتماعنا أن نعير هذه المسألة جانب الاهتمام ونسعى في تقريب حقائق الدين من أذهان الأمة على السنة الأولى في نشره وهي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونسعى في إقناع الأمة بأن هذا الدين دين عملي لا تستغرق معرفة أحكامه هذه العشرات من السنين التي يبددها طلاب العلم الديني منا، وأنه يجب الرجوع في طريق الاستدلال على العقيدة إلى طريقة القرآن وهي إلفات النفس وتوجيهها إلى الاستدلال بالمخلوقات على الخالق، وأن هناك فرقا عظيما بين العقيدة والعبادة والمعاملة وأنه لا مدخل لغير المعصوم في إثبات ما هو عقيدة أو ما هو عبادة، وأن المعاملة مبنية على مراعاة مصالح البشر ونظام اجتماعهم العمراني، ولذلك كانت أغلب أحكام المعاملات المأخوذة من القرآن كلية قل أن نعثر فيها على التفصيل، وأن الأنسب لسماحة الدين وبقائه وصلاحيته لكل زمان ومكان أن يكون للزمان والمكان والعرف والعادة والبيئة مدخل في تكييف أحكام المعاملات وتطبيقها على الحوادث الجارية. وأن التاريخ شهد بأن أسلافنا كانوا يراعون هذا المعنى في إدارتهم الإسلامية وفي سياستهم للشعوب الأخرى. يصحب هذا السعي سعي آخر ملازم له وهو السعي في نشر اللغة العربية التي هي لغة الدين ولغة الآداب القومية ولغة التاريخ القومي. وسعي ثالث لازم لهما وهو السعي في نشر التاريخ الإسلامي الصحيح بلغته، المتضمن للثقافة الإسلامية العربية، فإذا اشتمل اجتماعنا على هذه المساعي كنا قد عرفنا للاجتماع قيمته وأخذنا بثمرة من ثمراته وفائدة من فوائده وقلنا وقال الناس "إنه اجتماع منتج". وأما اللازم الثاني وهو الأخلاق فنحن أحوج ما نكون إليه في هذا الزمان الذي كثرت فيه المبادئ العاملة على هدم الأخلاق الخيرية وكثرت فيه الأذواق المتطرفة التي تستمرئ الرذيلة على الفضيلة. وإذا كان عقلاء الأمم التي هي أرقى منا بكثير تشكو فساد الأخلاق في أممها فمن نحن وأين نكون؟ فالواجب على اجتماعنا الذي ننشد تكوينه أن يبذل مجهودات قوية لرفع درجة الأخلاق عندنا، ومن فكري الخاص أن هذه الناحية من أمراضنا هي أيسر معالجة من جميع النواحي

стр. 52

إذا أحسنا تسيير الجهود الفردية في التربية المنزلية، لأن لنا أساسا نبني عليه ولا يعسر جد العسر إحياؤه وهو الأخلاق الإسلامية المتوارثة في الجملة والتي نجد معظمها في القرآن في أوضح عبارة وأوضح بيان، ثم الأخلاق العربية المأخوذة من آدابهم التي هي أنفس ما خلفوه لنا من التراث. فإذا تمكنا بالتدريج من قمع هذه الجراثيم الأخلاقية التي أفسدت مجتمعنا، وتكوين أفق أخلاقي، صالح، نكون قد جنينا من اجتماعنا شيئا هو ثمرة الثمرات وفائدة الفوائد. وأما اللازم الثالث وهو العلم بمعناه العام فالحقيقة الواقعة أننا لا زلنا فيه في مؤخرة الأمم، وغاية ما نبني عليه الأساس في هذا الباب هو هذا الشعور الذي نشاهده في جميع طبقاتنا وأوساطنا بلزوم العلم، وهذه الرغبة المتأججة في صدور الناشئين منا للعلم. ودوننا في الوصول إلى القدر الصالح منه عقبات أكبرها فقدان المال، فلو اجتمعنا وتظاهرنا وملأنا الدنيا أقوالا لما أفادنا ذلك من العلم قليلا ولا كثيرا بدون مال. إذن فالواجب على هيئاتنا المجتمعة محاربة الجهل بالعلم، ولا يتم ذلك إلا بالمال وأين المال وما أقل ما يكفي منه. لا ننكر أن عند أغنيائنا مالا يكفي لبعض الواجب، ولكن يحول دون إخراجه في المشاريع النافعة أسباب: شح مطاع في البعض وجهل بطرق النفع العام في البعض، وأخرى نشكو منها إلى الله وهي عدم ثقة بعضنا بالبعض، هذا الخلق المشؤوم الذي أصبح خلقا ذاتيا فينا ولا نبحث عن أسبابه في هذا الحديث. تعلمون أنه وجد في هذا القطر في عهده الأخير جماعة من أبنائه البررة حاولوا التعليم بأسلوب قريب وطريقة منظمة، كل في دائرة اختصاصه، وجعلوا أعمالهم وأوقاتهم تضحية وطنية متكلين على التضحية الوطنية من جانب الأغنياء وما جاوزوا مبادئ العمل حتى أعوزهم المال وأخطأ الاتكال، هنا وقعت المشادة الكبرى- قالوا للأغنياء: هاتوا المال، فقال بعضهم: هاتوا الثقة، وقال البعض: هاتوا الثبات، وقال بعضهم: لا ادفع مالي في غير ما يخص أهلي وعيالي. أما الفريق الثالث فقد عذرناه لأنه مخلص لشحه وأنانيته، وأما الفريقان قبله فهما تحت رجم الظنون. وكانت خلاصة هذه المشادة أن تعطلت تلك المؤسسات العلمية النافعة في أول نشأتها وحرم الوطن من فوائدها وخرج الفريقان بالأعذار الباردة كل يتنصل من العهدة والعهدة على الجميع. لو كان لنا أيها السادة جمعيات منظمة تقوم بهذا العمل لما كنا نحرم هذا الحرمان المؤلم ولشدت عضد هؤلاء المجاهدين، ولكان لها من مكانتها شفيع عند الأغنياء يقطع عذر المعتذر منهم ويخفف عاطفة الشح من الشحيح.

стр. 53

إن كنا نحب- أيها السادة- أن يكون لنا أثر محمود في سبيل العلم وخطوة واسعة فيه فلنحرم على أنفسنا عقيدتين: عقيدة الاتكال على الأعمال الفردية من فريق المعلمين أو من فريق الأغنياء وعقيدة الاتكال على الحكومة. وحسبنا أن نسعى السعي المتواصل لتأسيس جمعيات علمية. مكشوفة الجبين عريانة المقاصد تقوم للمعلمين بما عجزوا عنه من المال وتقوم للأغنياء بما طلبوه من الثقة والثبات وتنوب عن الكل في إدارة المؤسسات إدارة رشيدة تضمن سلامة العقبى والوصول إلى النتيجة. أما البحث في أنواع العلوم التي تصلح لنهضتنا فهو معدود من لغو الحديث واحتياج الحي إلى العلم في هذا الزمن أصبح قرين احتياجه إلى الطعام. وأما اللازم الرابع وهو المال فلا ننكر أنه أقرب نواحي نهضتنا إلى التحقيق ولا ننكر أن صلتنا بالمال لم تنقطع. وفي القطر ثروات هي نتائج جهود فردية وثروات هي بقية مما ترك الأولون. ولكن رغما عن هذا فلا مطمع لنا في اللحوق بالأمم الغنية المعتزة بغناها ولم نبلغ أن تكون لنا قيمة مالية في أسواقها الكبرى. وهذه هي درجة الاعتزاز بالمال. نحن في هذا المقام نتحمل واجبين: واجب الاحتفاظ بما هو موجود، وواجب استثمار الموجود حتى ينمو. وإذا أردنا القيام بالواجبين فلا بد لنا من اعتبار الأصول المرعية في كل من الاحتفاظ والاستثمار، وكلنا يعتقد أن الثروات التي نمت بين أيدينا إنما نمت بعد اطراح أساليب التنمية العتيقة واستعمال الأساليب الجديدة. (هنا وقفة)، أنبهكم أيها السادة إلى نقطة وهي أن المال ليس كبقية مقومات الحياة بل يفارقها في نظر جوهري وهو التأثر بالمزاحمة. فالزحام الشديد لا يكون إلا عليه والتكالب العنيف لا يكون إلا لأجله، وقد تموت في هذا الزحام أمة أو أمم لا تعرف كيف تزاحم ولا تحسن الدفاع حين تزاحم. فالمزاحمة في المال تضر وتنفع. وهذا العلم، وهو قرين المال وأخوه في تكوين الحضارة الوقتية تفيد المزاحمة فيه ولا تضر. وفي هذا المقام يجب ألا نغتر بالموجود ولا نقنع بطرق الاستثمار التي قلدنا فيها غيرنا، ولا تكون هذه النتائج التي لم يكن آباؤنا يحلمون بها قاطعة لنا عن طلب المقلد. وحذار أيها الإخوان من هذه القناعة المجيعة- فوراء هذه الأمة الضعيفة طوائف هي أقوى مراسا وأصح عزائم في المزاحمة على المال. وطوائف هي أشد سواعد لجمع المال، وطوائف هي أبصر من زرقاء اليمامة بمواقع المال، وطوائف لم تكفها الجهود الفردية حتى ظاهرتها بالآلاف والملايين من أمثالها، وطوائف لم تكفها القوى البدنية حتى ظاهرتها بالقوى العقلية والكيماوية، كل ذلك لأجل المال وفي سبيل المال. حذار أن يسبق الوهم العلم أو

стр. 54

يغشى الشك اليقين أو نركن إلى نزعة القناعة والكفاف، فإنما يحسن ذلك لو كنا وحدنا في الميدان أو كانت الوسيلة هي قوة الساعد وصحة الأبدان. أما والعلم للساعد ظهير والعقل للرجل نصير فليس من الحكمة أن نهن أو نكسل، وليس من الحكمة أن نقف في الاستثمار عند طرائق الآباء والأجداد. ألا فليعلم كل من لا يريد أن يعلم أن سوق المال اليوم معترك أبطال وأن في جوانبه رماة ونحن الهدف، وأن مكان المال من الحياة مكان الوريد من البدن، وأن الزمان قد دار دورته وقضى الله أن يصبح المال والعدم سلاحين لا يطمع طامع في الحياة بدونهما فلننظر مكاننا منهما ومكانهما منا. إن سنة الاجتماع تقضي ببقاء الأنسب، فإذا كنا نريد أن نكون أنسب للبقاء فها هي الحكمة الهادئة. - ٣ - جربنا العمل الفردي- في سوق المال - فوجدناه ينتج نفعا فرديا فقلنا هو مفيد في الجملة إذ لا يتألف المجموع إلا من الفرد. ونظرنا إلى أعمال التعاون والاجتماع عند غيرنا فوجدناها تفيد فائدة اجتماعية فاستحسناها بهذا الشعور الجديد فينا، فلماذا لا يكون استحساننا سلما لخوضنا غمارها؟ أنا أعتقد أنه سيكون ولكن لماذا لا ندخل هذا الباب بالتروي والأناة. وما المانع؟ المانع فيما أرى أنه لم تزل فينا بقية من التلفت لماضينا المالي وما يصحبه من الراحة وبقية من الخمول المميت وبقية من الجبن وبقية من الميل إلى العلم النظري وبقية من التقليد في السطحيات وبقية من العاطفة الجافة، عاطفة الالتذاذ بأحاديث ما قال الناس وما فعل الناس- هذه البواقي تظاهرها عقيدة القناعة والكفاف هي التي جلبت لنا هذا الشلل، أضيفوا إلى الكل تلك الخلة المشؤومة التي ما زلنا نشكو إلى الله منها وهي عدم ثقة بعضنا بالبعض. أفلا يتكون من هذا المجموع آفة مهلكة هي السبب في كل ما نشكوه من موت عاطفة التعاون المالي فينا؟ والذي تقتضيه الحكمة الهادئة. لنحفظ أنفسنا من هذه المزاحمة المريعة هو تأسيس شركات التعاون بين الفلاحين وشركات التعاون بين التجار لتقي الصغار من الجانبين شر تحكم الأجانب في أملاكهم ومجهوداتهم، ثم تأسيس مصارف مالية صغيرة تكون واسطة بين الجميع وتكون مع ذلك مستودعا للأموال المخزونة المعطلة ومرجعا لصناديق التوفير والاحتياط التي يجب أن تصحب هذه الحركة. أنا أعتقد أنه إن جرت هذه المساعي بالحكمة والثقة المتبادلة وجرى معها مدد آخر من

стр. 55

أقلام الكتاب وألسنة الخطباء والمعلمين ببث روح التعاون والتوفير، فإن اليوم الذي تلمس فيه النتيجة باليد ليس ببعيد. تبقى لنا في هذا المقام عقدة واحدة تلوكها ألسنة القاصرين في العلم الديني ولم نسمع فيها ممن يعتد برأيه في الدين ويتكلم فيه بلسان الهدى والدليل كلمة واحدة، هذه العقدة هي مسألة تثمير المسلم لماله بالربا المتعارف في البنوك. والمسألة مع كونها متشعبة على الرغم منا ودينية على الرغم منا وإن كانت تمس الاجتماع فليس هذا الحديث كافيا للإلمام بأطرافها، والرجاء كل الرجاء من سادتنا علماء الدين أن يدرسوا المسألة من طرفها الديني والاجتماعي ويوافونا بآرائهم مؤيدة بالدليل ومبنية على حكمة الشريعة ومقاصدها. إخواني: العاقل من جارى العقلاء في أعمالهم في دائرة دينه وقوميته ووجدانه، والحازم من لم يرض لنفسه أخس المنازل، وأخس المنازل للرجل منزلة القول بلا عمل، وأخس منها أن يكون الرجل كالدفتر يحكي ما قال الرجال وما فعل الرجال دون أن يضرب معهم في الأعمال الصالحة بنصيب، أو يرمي في معترك الآراء بالسهم المصيب. إخواني: الأدلة قائمة على أننا محرومون من أقوال الرجال وأعمال الرجال، أقوال الرجال مقرونة بالصدق والانجاز وأقوالنا لغو من الحديث يجري على الألسنة مثل برسام المحموم، وأعمال الرجال مقرونة بنتائجها الملموسة باليد، وأعمالنا عبث من المحاكاة فنحن صبيان في العمل وإن كنا رجالا في الصورة والمظهر. إخواني: إن من كتم داءه قتله، ما دمنا ونحن بمعزل عن الحقائق وفي صمم عن استماع النصائح فنحن بعداء عن الحق، وما الحق إلا أن نتحد ونسعى بلا فتور. ما الحق إلا أن نتعاون، ما الحق إلا أن ندع التخاذل جانبا ونتصافح على الاستماتة في سبيل الحق، ما الحق إلا أن نزن الأشياء بموازينها فلا ندع المجال للوهم ينقض ويبرم ويبرز لنا السفاسف في صورة الجبال ويظهر لنا الجلائل بمظهر التافه الحقير، فهذا نوع غريب من أمراض النفوس ما فشا في أمة إلا وكان عاقبة أمرها خسرا. إخواني: نحن اليوم واقفون على أبواب حياة أدبية جديدة ومبدأ نهضة عمرانية لم تزل في طور التكون والنبات، وتدرجها في مدارج النمو متوقف على تدبيرنا، فإن أحسنا الصنع في تربيتها لم تلبث أن تؤتي أكلها وتدني جناها، وإن تواكلنا في المبدإ وتخاذلنا وتمادينا على ما نحن

стр. 56

عليه تأذن الله باضمحلالنا وحفت كلمة المقت علينا ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ إن التاريخ أفصح مخبر وأصدق ناقل وقد أخبرنا كيف كان عاقبة الذين من قبلنا وحذرنا أن نتعرض لمقت الله بما كسبت أيدينا، وأعيذكم أن تكونوا ممن تماروا بالنذر. أقول، ولا نكران للحق، إنه ما من نقيصة كانت سببا في هلاك الأمم قبلنا إلا وهي موجودة فينا على اختلاف تقتضيه طبيعة الزمان والمكان، وان تغافل الإنسان عن عيبه لمن دواعي الغرور، والغرور من دواعي التمادي في الغي والتمادي في الغي من موجبات الهلاك، وهل نقيصة أعظم من فقد الإحساس؟ وها نحن أولاء لا شعور ولا إحساس تمر الحوادث بنا تباعا فلا نعتبر ولا نزدجر. ويسير العالم بما فيه سيره إلى الأمام ونحن في موقف لا نتبين فيه موقع أقدامنا. فكأن القطعة التي نحن عليها من هذه الأرض واقفة لا تتحرك أو كأن الأمم كلها ورثت من الأرض التحرك إلا نحن. إذا فلسنا من هذا العالم أو هذا العالم ليس منا. فقد الإحساس أصبح من أكبر مميزاتنا إلا تلك الآلام التي تحدث عند مرور الحوادث حتى إذا مرت لم نجد في أنفسنا أثرا ولا عينا. سارت الأمم في مناهج العمران عنقا فسيحا ونحن في نومة أصحاب الكهف والرقيم، غفلنا عن أخذ الأهبة للتزاحم الاقتصادي فأدركنا سيله الجارف وسدت علينا منافذ الحياة وشتان ما بين الكسلان والعامل. يدعو الداعي من الأمم الحية العارفة بقيمة الحياة صارخا بقومه إلى عمل يكسبهم عزا ويفيدهم قوة ويدفع عنهم ضرا. فإذا قومه مهطعون إليه استماعا لقوله فامتثالا لأمره فتحقيقا لمرماه فتنجيزا للفعل فتعاونا عليه فوصولا للمطلوب، ويدعو الداعي منا إلى خير فإذا قومه منه يسخرون وإذا كلامه لا يكاد يتجاوز لسانه كالوتر الذي لم يشتد فوقه لا يكاد السهم يخرج حتى يسقط. أمرنا بالإرشاد والتذكير فهل ذكر الخاصة أو امتثل العامة. أمرنا بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر وفيهما كل خير فهل امتثلنا. أمرنا بالعمل للدارين فخسرنا الحاضرة ويوشك أن نخسر الغائبة. عمدنا إلى الدين وأحكامه فأخرجنا الكثير عن حقيقته وأهملنا حكمته وأسراره ووقفنا عند الصور المجردة، ثم لم نكتف بذلك حتى ألصقنا به الكثير من البدع وحملناه ما لا يطيق منها، ثم لم نكتف بذلك حتى اتخذناه مطية للتفريق فالتبس الحق بالباطل، ولا عالم يميز هذا من ذاك، وإن وجد فالخاصة له بالمرصاد والعامة في شقاق بعيد.

стр. 57

إخواني: هذه نفثة مصدور ولا بد للمصدور من بث. وإني، والحق يقال، أتسلى بجمعيتكم هذه وأتوسم فيها الخير وأرجو أن تكون طليعة سعد وفأل يمن للوطن وأن تكون مثالا صالحا لبنيه يحتذون حذوه في التعاون على الصالحات والدعوة إلى النهوض. أتمنى ذلك وأفتخر به وأنصح لحضراتكم أن لا تهنوا في العمل وأن تتحلوا بالثبات وأن لا تقنعوا بالدرجة التي أنتم عليها، فإن وراءها مطلبا أسمى وأعلى ولا يمكن الوصول إليه إلا بالتعاون الاجتماعي، فإن الأعمال الفردية قل أن تأتي بالنتيجة المطلوبة. وأعيذكم أن تكونوا ممن يجهل قيمة النفع العام أو يعرف ولكن لا ينفع ولا يعاضد. وبقي أنكم لا تتأخرون بعد الآن عن إمداد أمثال هذه المشاريع بالمساعدة المادية والمعنوية لا سيما بعد ظهور النتائج المشتركة، وعلمكم أن المال أساس كل عمل وأن القليل مع الاجتماع كثير. وإن أثنينا عليكم فلأن الشكر مدعاة المزيد والكامل يقبل الكمال.

стр. 58

الإنسان أخو الإنسان* عندنا جملة وجدت منذ وجد البشر ولم يختلف العقلاء في فهم مؤداها وهي من أفذاذ الجمل الجامعة ومن القضايا المعقولة التي تطابق العقل والدين على تصديقها واعتبارها من البديهيات المسلمة من حيث الجملة وإن اختلفا في تفصيلها. ونرى كثيرا من جزئيات الأديان السماوية راجعة إليها ومبنية عليها. اختلف تعبير اللغات عن تلك الجملة ومآلها إلى وفاق في المعنى وترجمتها في لغتنا "الإنسان أخو الإنسان"، فهذه الجملة على قلة ألفاظها ترمي إلى معنى لو ذهب أبلغ الناس إلى تحليله وشرحه لانتهى إلى العجز ووقف دون الوصول إلى المقصود. مؤذى هذه الجملة الصريح عقد الأخوة بين أفراد البشر بموجب الإنسانية التي هي حقيقة سارية في كل فرد. ومقتضى هذه الأخوة أن يشارك الإنسان الإنسان في جميع لوازم الحياة سرورا وحزنا لذة وألما مشاركة معقولة تنتهي إلى حدود لا تتعداها، بحيث يعلم العالم الجاهل ويرشد النبيه الغافل ويواسي الغني الفقير ويقع التعاون المتبادل بين الناس في كل جليل وحقير. ومن مقتضى هذه الأخوة المساواة في الحقوق البشرية العامة، تلك المسألة التي طالما بذل فلاسفة الأمم قواهم لتقريرها وتمكين دعائمها في الكون، وعملت الشرائع على تنميتها وتغذيتها بالمبادئ الصحيحة حرصا على راحة البشر وهناء الإنسانية. من مقتضى هذه الأخوة إلغاء سنة التمايز والاستئثار التي سنها المستبدون في القرون الخالية وكانت سلاحا مهولا في وجه الحق.

стр. 59

تفاوتت الأمم على اختلاف الأطوار والأجيال في فهم هذه الحقيقة أولا والعمل بها ثانيا، وكان اختلافهم يرجع إلى سببين ذهبا بفريقين من الناس إلى سوء المصير فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل. السبب الأول نزعة الاستئثار الطبيعية التي نشأ عنها الاستبداد الفردي والشعبي، والاستبداد شر ما سيست به الأمم وهو الذي طوح الإنسانية في مهاوي الشقاء. وقد مضى الاستبداد غير مأسوف عليه ولكنه أنتج في العالم نتاج سوء وأثمر ثمرا مرا، ذلك النتاج هو ثاني السببين. ذلك النتاج هو الإباحية الخاطئة الكاذبة التي أصبحت تتهدد الإنسانية بما هو شر من الاستبداد، ذلك النتاج الذي قرر مزدك الفارسي تعاليمه الفاسدة، فكان كمن حلل السم أو نفث الغازات في الهواء والماء العنصرين المقومين للحياة، فلا كان مزدك ولا كانت تعاليمه. والسبب الحقيقي لهذا البلاء المتناسل هو تحكيم الهوى على العقل. وأهواء النفوس إذا غلبت غطت على الحقائق وأحالت النور ظلاما واليقين وهما والحق باطلا. ليس من غرضنا أن نقض على مسامعكم تاريخ هذه المسألة وتفريعاتها وأطوارها وقسط كل أمة منها، فذلك ما لا يسعه المقام. وإنما نشير إلى الطور الذي وصلت إليه المسألة في وقتنا الحاضر وما يتصل به لنبني عليه غرضنا من تأسيس الجمعيات. والذي تسمعونه مني إنما هو حقائق تاريخية معجونة بفكري الخاص وأرجو أن أكون موفقا في الرأي. لا ننكر أن مسألة تآخي البشر لم تأخذ حقها من التطبيق تمام الأخذ إلى الآن ولم يعمل بمقتضياتها التي أشرنا إليها تمام العمل إلى الآن. وإنما يمتاز عصرنا الحاضر بترقي العلوم والصنائع والتوسع في متممات العمران وكمالياته والاطلاع على حقائق الكون ومخبآته، واستثمار مواهب الطبيعة وخيراتها، ونشأ عن ذلك ترق في الأفكار وشعور عام لجميع الطبقات على تفاوت بمقدار التعلق بالعلوم، ونشأ عن ذلك التفاوت رجوع إلى نزعة الاستئثار والامتياز فنشأ عن ذلك الإكباب على الماديات والمسابقة في ميدانها. فنشأ عن ذلك شعور المقصر بقصوره، فنشأ عن ذلك تدافع واختلاف في المصالح، فنشأ عن ذلك احتكاك واتصال بين الأمم المتباعدة يسرته سهولة المواصلات التي هي من ثمرات العلم. ونشأ عن ذلك كله وعن هذه المصارعات الاجتماعية شعور آخر بضرورة تآخي البشر وآل الخلاف إلى وفاق والتباعد إلى تقرب والفوضى إلى هدوء وسلام.

стр. 60

لا نقول إن المسألة استقرت في نصابها وإنما نقول: إنها تنمو على الأيام شيئا فشيئا وإنها سائرة إلى الأمام، ودعاة السلام من كل أمة والعلماء منهم والفلاسفة قائمون عليها بالدعوة إليها ونشرها، وما دام الحال على ما نرى فلا شك في وصولها إلى الأمد المرجو. دخلت هذه المسألة في الطور الذي ذكرناه من اليوم الذي ولدت فيه النهضة العلمية الجديدة، فهي مصاحبة للعلم في سيره وتابعة له في أطواره، لكنها بقيت مدة من الزمن وهي نظرية في أذهان المفكرين حتى تقوَّت الدواعي على إبرازها لميدان العمل. وهي أول خطوة خطتها للأمام وأول بشارة للقائمين على هذه المسألة والمتتبعين لحركتها- بحياتها ووصولها يوما ما إلى الدرجة المطلوبة من الكمال. ومن رأيي الخاص أن الوصول إلى هذه الغاية ممكن ولكنه بعيد. من الدلائل على نمو هذه الحركة وحياتها تأسيس الجمعيات من عهد غير بعيد لمساعدة المنكوبين في هذه الحياة بلا ميز بين الجنسيات والأديان. أُسّست الجمعيات العلمية لإنقاذ البشر من نكبة الجهل، ولا مصيبة أكبر من الجهل، ولا مرض أفتك منه. أُسّست الجمعيات الطبية لإنقاذ البشر من الأمراض التي هي آفة الإنسانية. أُسّست الجمعيات المالية لإنقاذ البشر من داهية الفقر الذي مآله إتلاف هذا النوع بل هو الجائحة الكبرى للإنسانية وهو منبع الشرور والفظائع. أُسّست الجمعيات الصناعية وهي عبارة عن معامل تخرج آلات لمحاربة الفقر. أُسّست الجمعيات الرياضية وهي خادمة للبشر مادة ومعنى وعامل على ترقيته روحا وجسما. أُسّست الجمعيات الأدبية، وهي نصيرة الحقائق وعدوة الأوهام والخرافات، هذه الجمعيات التي ذكرتها لكم وهي قليل من كثير، كانت من أكبر العوامل في تآخي البشر وتقرب الشعوب من بعضها ومن أقوى الأسباب في غلبة الاتصال على الانفصال، والتعارف على التناكر والوفاق على الخلاف والاجتماع على الافتراق، بل تغلب العلم على الجهل والحق على الباطل والفضيلة على الرذيلة.

стр. 61

الإنسانية: آلامها واستغاثتها* الإنسانية تلك الأم الرؤوم التي لا تحابي واحدا من أبنائها دون آخر ولا تميز بين بار منهم وفاجر، ولا تفرق بين مؤمن منهم وكافر، تلك الأم المعذبة بالويلات والمحن، من ويلات الحروب التي أتلفت الملايين إلى ويلات الأمراض والطواعين إلى ويلات الزلازل والبراكين. الإنسانية التي لو تمثلت بشرا لتمثلت بقول الشاعر العربي: فَلَوْ كَانَ رُمْحًا وَاحِدًا لَاتَّقَيْتُهُ ... وَلَكِنَّهُ رُمْحٌ وَثَانٍ وَثَالِثٌ عجيب لهذه الإنسانية ما كفاها من مصائب الدهر تقاطع أبنائها وتدابرهم، ونصب الحبائل وبث المكائد لبعضهم بعضا. ما كفاها من مصائب الدهر أن يكون في أبنائها قوي يستعبد ضعيفا، وشريف يستخدم مشروفا. ما كفاها أن تنقلب الحقائق على أبنائها المارقين العاقين فيركبون مطايا الخير للشر، ويستعملون سلاح النفع للضر، ويتوسلون بالدين لجمع الدنيا، ما كفتها هذه المصائب المجتاحة، حتى ظاهرتها الطبيعة الجبارة على هذه الإنسانية المسكينة. يا لله أما كفتها مصائب الأرض حتى تظاهرها مصائب السماء؟ ألا فليرحم الإنسانية من في قلبه رحمة، ألا وان الإنسانية تستغيث فهل من مغيث، وتستنجد فهل من منجد؟ استغاثت الإنسانية قديما بأبنائها الصادقين، على أبنائها المارقين. استغاثت من المفسدين لنظام الفطرة، والعاملين على تفريق هذه الأسرة فأغاثها الأنبياء والمرسلون والعباد الصالحون. واستغاثت من عباد المادة الحائدين عن الجادة، فأغاثها أنصار الروح، والمقدسون للروح، والقائلون بخلود الروح. واستغاثت من أعداء العقل المفكر، وعباد الحس والمحسوس، فأغاثها الحكماء الربانيون والفلاسفة الإشراقيون، واستغاثت من

стр. 62

طواغيت الاستبداد وقياصرة الاستعباد، فأغاثها دعاة الديموقراطية وأنصار المساواة والإنصاف فما كاد المتنبي واضع شريعة التمايز بين السادة والعبيد يجف ثراه، حتى قيض الله له فيلسوف المعرة ناسخا لتلك الشريعة الجائرة، ومبشرا بشريعة الأخوة السمحة. واستغاثت من المشعوذين المحتالين، والممخرقين المبتدعين والضالين المضلين، الذين يستغلون جهل الجهلاء، ويمتصون دماء البسطاء البائعين للشفاعة، العابدين للوهم، المغترين بالأسماء والألقاب، وشهرة الأنساب. الوارثين لما لا يورث من التسلط على العباد. بعظمة الآباء والأجداد - فأغاثها العلماء المصلحون، وحزب الله المفلحون. وهي الآن تستغيث من داهيتين وتستجير من غائلتين. ولا ندري متى تغاث. ولا في أي وقت تجاب. هي تستغيث من داهية الحرب وتحكيم السيف في مواقع الخلاف. فمتى يقف عقلاء الأمم بين الصفين موقف دعاة التحكيم يوم صفين؟ لا ندري. ولا ندري لماذا لاندري. وهي تستغيث من غائلة الفقر وشروره وجيوشه التي يجزها من خراب العالم لتخريب معموره. فمتى يفقه أغنياء الأمم هذا السر، فيعملون على اتقاء الشر؟ لا ندري ولا ندري لماذا لا ندري. إنما الذي ندريه، ونقوله ولا نخفيه، هو أنه لو تساند أغنياء الأمم ومدوا أيديهم متعاضدين، وعرفوا كيف يحاربون الفقر باستجلاب الفقير والأخذ بيده لأحسنوا لأنفسهم وللعالم. ولو فعلوا ذلك لدفعوا عن العالم غارة شعواء تلتهم الأخضر واليابس. وشرا مستطيرا يستأصل. بل لو بذل أغنياء المسلمين ما أوجبه عليهم الإسلام من الزكاة. وعرف عقلاؤهم كيف يستخدمونها لقاموا ببعض من هذا الواجب الاجتماعي. هذه نفثة مصدور، وللنفوس ثورة ثم تسكن.

стр. 63

خطبة جمعية* الحمد لله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. من يضلل الله فلا هادي له ومن يهدِ فما له من مضل. فنسأله الهداية لإحياء السنن والوقاية من شرور البدع. ونشكره على أن وفق لإحياء هذه الشعيرة بهذا البلد وأعان على إتمام شروطها وتكميل أسبابها ونستزيده من فضله حتى تقام شعائره، وتنفذ حدوده وأوامره. فلولا توفيقه ما تمّ عمل. ولولا إعانته ما ظفر راغب بأمل. ونشهد أن لا إله إلا الله المتعالي عن هواجس الظنون، المنفرد بالإنشاء، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون ونشهد أن سيّدنا محمدًا عبده ورسوله فاكّ العقول من أسر اعتقالها. ومحرر الحقائق من شوائب الأوهام وأكبالها. صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا. أيّها الناس، إن يومكم هذا من الأيام المشهودة، وسمه دينكم بسمة هي الغرة اللائحة في جبين الأيام، وهي هذه الشعيرة التي تقيمون أركانها، وتجتمعون لأجلها. فاحمدوا الله تعالى على الهداية، واسألوه أن تكون كل ساعة تأتي بعد ساعتكم هذه خيرًا مما قبلها. وأن يكون اجتماعكم هذا فاتحة اجتماعات في الخير تنقضي مع العمر، تتآمرون فيها بالمعروف وتتناهون عن المنكر، وتتواصون بالحق وتتواصون بالصبر. عباد الله لو كانت كلمة الحكمة توازن بالذهب، أو تقدّر بالمال والنشب، لكانت كلمة علي بن أبي طالب هي تلك الكلمة. وفوقها قدرًا وقيمة تلك الحكمة التي ثقفتها الفكرة العالية. ومحضتها الخبرة الراقية. وهي قوله- رضي الله تعالى عنه-: "قِيمَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ مَا يُحْسِنُهُ".

стр. 64

بيّن لنا- ﵁ وهو مصدر البيان، وينبوع التبيان، أن الأعمار هي الأعمال، وبالإحسان فيها تتفاوت قيمة الرجال، وأن ذلك لا يرجع إلى وزن بميزان، ولا كيل بقفزان، وإنما هو عقل مفكّر، ولسان متذكّر. ومن لا عمل له، فلا عمر له. ومن لا أثر له في الدين يمتثل به أمر ربّه، ولا أثر له في الدنيا تزدان به صحيفة كسبه. فوجوده عدم، وعُقباه ندم وحياته مسلولة الاعتبار. وإن شارك الأحياء في الصفة والمميزات. فاحرصوا، رحمكم الله، على أن تكون لحياتكم قيمة. واربأوا عن أن تكون في كفة النحس والهضيمة. واسعوا في الوصول بها إلى القيم الغالية، والحصول منها على الحصص العالية. وان الأعمال التي تجمل الحياة وتُغليها، وتقف بها في مستوى الإجلال وتحييها لا تعدو نوعين: وظائف العبادات التي هي سور الوحدانية، والعنوان الصادق على الإخلاص في العبودية، وهي أخفّ النوعين محملًا وأقربهما تحصيلًا وعملًا، لأن الله لم يكلفكم من عبادته إلا باليسير، وشغل بها القليل من أوقاتكم وترك لكم الكثير. والنوع الثاني السعي فيما تقوم به هذه الحياة الدنيا من الأعمال وتتوقف عليه عمارتها، وهذا يرجع إلى الدين بإخلاص النية، وتمحيض القصد للجري على حكمة الله وتأييد سننه الكونية. جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وكشف عن قلوبنا- لإدراك الحقائق- حجاب الغفلة والسِّنة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الخطبة الثانية الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. ونشهد أن لا إله إلّا الله شهادة من آمن به وأخلص توحيده، واعتمد عليه في كل أموره، فرجا وعده وخاف وعيده، ورفع أكف الابتهال والضراعة طالبًا لطفه وتسديده، وفضله وتأييده. ونشهد أن سيّدنا محمدًا عبده ورسوله إتمامًا لنصاب العقيدة، وتنويهًا بمزاياه الحميدة، كما نصر الحق وأكثر عديده، وخذل الباطل وأبلى جديده، وتمّم مكارم الأخلاق بصفاته المجيدة وأقواله السديدة، وبعث آخر الأنبياء فكان لَبِنَة التمام ورويّ القصيدة، ﷺ . أيها الناس، اتّقوا الله تعالى حق التقوى، وحافظوا على حدوده في السرّ والنجوى، وامتثلوا أمر ربّكم الذي كسبكم به فخرًا وتعظيمًا، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. واعلموا أن يومكم هذا خصّص للاجتماع والعبادة والحسنى والزيادة. فأقيموا القصد في التقرّب من بعضكم ودعوا الأحقاد

стр. 65

والتباغض. وأَسبِلُوا على ما فرط من بعضكم للبعض أذيال الستر والعفو. والزموا خلق الرضا والصفح. فكونوا عباد الله رحماء بينكم، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ وفّقني الله وإياكم لصالح القول والعمل ووقاني وإياكم شر مزالق الزلل. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ عباد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.

стр. 66

الخطابة والتمثيل* التمثيل والخطابة عند الأمم الحية توأمان، وأخوان شقيقان. وأن منزلتهما من دواعي التهذيب والتربية الفاضلة لأرفع منزلة، وأن مكانتهما من بين مقوّمات الأخلاق لمنزلة الطعام والشراب من بين المقوّمات الجسدية. وما بنيت نهضة من النهضات الأخلاقية في الأمم الجديدة إلا وللتمثيل والخطابة في بنائها القسط الأوفر والحظ الأولى. وليس موقف الممثل بينهم دون موقف الخطيب ولا موقع الرواية من نفوسهم دون موقع الخطبة. فإنما الخطيب والممثل شيء واحد- الممثل خطيب إذا أحسن تصوير المغزى وشخّص الحقائق الغائبة للمشاهدين كالحاضر المشاهد، وألبس الخيالات لباس الواقع المحسوس. والخطيب ممثل إذا عرف كيف يقصّ الخبر وكيف يستخرج العبر، وكيف يسوق المؤثرات فيترك في نفوس سامعيه أعمق الأثر.

стр. 67

نائب رئيس جمعية العلماء يتكلم (١٩٣١ - ١٩٤٠)

стр. 68

كيف تأسست جمعية العلماء الجزائريين* على الساعة الثامنة من صباح يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر ذي الحجة الحرام عام ١٣٤٩هـ الموافق للخامس من ماي ١٩٣١م، اجتمع بنادي الترقّي بعاصمة الجزائر اثنان وسبعون من علماء القطر الجزائري وطلبة العلم فيه إجابة لدعوة خاصة من لجنة تأسيسية متألفة من جماعة من فضلاء العاصمة عميدها السيد عمر اسماعيل أحسن الله جزاء الجميع، وغرض الدعوة هو تحقيق فكرة طالما فكر فيها علماء القطر فرادى وهي تأسيس ((جمعية العلماء المسلمين))، وقد لبّى الدعوة كتابة بالقبول والاعتذار نحو الخمسين عالمًا. كان اجتماعهم بصفة جمعية عمومية لوضع القانون الأساسي للجمعية، وعيّنوا للرئاسة المؤقّتة الشيخ أبا يعلى الزواوي وللكتابة الأستاذ محمد الأمين العمودي، ووُضِعَ القانون وتلاه كاتب الجلسة على رؤوس الأشهاد فأقرّته الجمعية العمومية بالإجماع وانفضّت الجلسة على الساعة الحادية عشرة، وعلى الساعة الثانية بعد زوال ذلك اليوم أُعيد الاجتماع العمومي لانتخاب الهيئة الإدارية طبقًا لمنطوق مادة من القانون الأساسي، وحيث كان الانتخاب لا يمكن بطريقتيه السرية والعلنية لتوقّفه على الترشيح ولاعتبارات أخرى لاحظتها الجمعية، فقد سلكت الجمعية طريقة الاقتراح فألقي عليها اقتراح باختيار جماعة معيّنة ووقع الإجماع على اختيارها، وهذه أسماؤهم: الأساتذة: عبد الحميد بن باديس، محمد البشير الإبراهيمي، الطيب العقبي، محمد الأمين العمودي، مبارك الميلي، إبراهيم بيوض، المولود الحافظي، مولاي بن الشريف، الطيب المهاجي، السعيد اليجري، حسن الطرابلسي، عبد القادر القاسمي، محمد الفضيل اليراتني. وأعلنت الجمعية لهؤلاء المشايخ أن عملهم الآن مقصور على انتخاب رئيس لهم ونائب.

стр. 69

رئيس وكاتب عام ومساعد وأمين مال ومساعد. وأن يعيدوا النظر في القانون الأساسي ويقدّموه للحكومة للتصديق. وأنفضت الجلسة على الساعة الخامسة من مساء ذلك اليوم. وعلى الساعة الثامنة من مساء ذلك اليوم أيضا، اجتمعت الهيئة الإدارية خاصّة ما عدا الأستاذين ابن باديس والطرابلسي الغائبين، فانتخبت للرئاسة الأستاذ عبد الحميد بن باديس، وللنيابة عنه الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي، وللكتابة العامة الأستاذ الأمين العمودي، ولمساعدته الأستاذ الطيب العقبي، ولأمانة المال الأستاذ مبارك الميلي، ولمساعدته الأستاذ إبراهيم بيوض. وبقية الأساتذة المذكورين للعضوية والاستشارة، وانفضت الجلسة على الساعة التاسعة والنصف مساءً، وعلى الساعة الرابعة من مساء يوم الأربعاء الثامن عشر من ذي الحجة الحرام عام ١٣٤٩هـ الموافق للسادس من ماي سنة ١٩٣١م، عقدت الهيئة الإدارية أول جلسة بنادي الترقي برئاسة الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي، حضرها جميع الأعضاء ما عدا الأستاذين ابن باديس والطرابلسي، وأعادت النظر في القانون الأساسي فأقرّته بالإجماع وقرّرت ترجمته باللغة الفرنساوية، وتقديمه للحكومة طالبة منها التصديق عليه. وانفضّت الجلسة على الساعة السادسة مساءً. وعلى الساعة الثامنة والنصف من صباح يوم الخميس الموالي عقدت الهيئة الإدارية جلسة برئاسة الأستاذ عبد الحميد بن باديس وعرضت عليه الأعمال السابقة فوافق عليها، وانفضّت الجلسة على الساعة التاسعة صباحًا. وعلى الساعة الثالثة بعد زوال ذلك اليوم أقامت اللجنة التحضيرية حفلة شاي في نادي الترقي دعت إليها جميع الضيوف الذين حضروا وأعضاء الجمعية الدينية وجماعة من النوّاب الأهليين وهيئة إدارة النادي، وأعلن رئيس اللجنة التحضيرية السيد عمر إسماعيل أنه استدعى جناب مدير الأمور الأهلية المستشرق السيد ميرانط فاعتذر عن الحضور. وبعد أن غصّ النادي بالمدعوين من جميع الطبقات ارتجل الأستاذ عبد الحميد بن باديس خطابًا بدأه بشكر اللجنة التحضيرية على ما قامت به من الأعمال وبذلته من الجهود في هذا السبيل، وأثنى على السادة العلماء الذين قاموا بواجب تلبية الدعوة وثنى بشكر رجال النادي الذين فتحوا أبواب ناديهم في وجوه العلماء وقابلوهم بكل تجلة واحترام. ثم عمّم الشكر لجميع أعيان العاصمة على ما أظهروه من الابتهاج والعطف على مشروع العلماء وما تلطّفوا به من تمهيد المثوى وإكرام الوفادة، وأنهم خلّدوا للعاصمة ذكرًا مجيلًما وأعادوا لنا ذكرى تلمسان وبجاية وتاهرت وغيرها من عواصمنا العلمية الزاهرة في التاريخ، ثم أثنى على المستشرق السيد ميرانط بما يستحقه رجل مثله خبر الشؤون الأهلية وكسبته معارفه العربية ذوقا لطيفًا به عرفنا وبه عرفناه.

стр. 70

ثم أفاض الأستاذ في الاعتذار لنفسه على عدم حضوره في اليومين الأولين وصرّح أنه قد فاته بفوات ذلك خير عظيم وتأسى بواقعة أبي خيثمة واعتذاره للنبي ﷺ ، وناشد إخوانه العلماء أن تكون لهم أسوة بالنبي ﷺ في قبول عذر أبي خيثمة. ثم تكلّم على الجمعية ومقاصدها فذكر من تاريخها أنها فكرة قديمة دعا إليها الكتّاب في الصحف العربية الجزائرية وتداولها المفكّرون بالبحث في المحافل الخاصة والعامة، وكتب فيها كتّاب "الشهاب" عدة مقالات وبقيت محتاجة إلى رجل أو رجال ذوي إرادة وإقدام يخرجونها من القول إلى الفعل حتى قيض الله لها هؤلاء الفضلاء (أعضاء اللجنة التأسيسية) فكان فضل العمل مدّخرًا لهم كما كان فضل التفكير والقول لكل من فكر في الموضوع وقال. وذكر من مقاصدها جمع شمل هذه الطائفة المتفرقة لتتعاون على ما هي مهيأة له من نصح الأمة وإرشادها لما ينفعها في دينها ودنياها، وان من الثمرات الباكرة لهذا الاجتماع تعارف أبناء هذه الأسرة النبيلة ذلك التعارف الذي طالما نشدناه فما وجدناه- ولقد كان أمنية في النفوس وهوى في الضمائر فأصبح حقيقة واقعة وأمرًا ملموسًا، ولقد كان همًا معتلجًا في القلوب وخواطر مختلجة في الصدور، فأصبح اليوم صوتًا جهيرًا وأذانًا بالحق عاليًا، ولقد كان موكولًا إلى الصدف والحظوظ والاتفاقات فأصبح اليوم ملكاً في أيدينا- وان من مقاصد الجمعية توكيد عرى الإخاء بين أبناء هذه الطائفة، وحملهم على نبذ أسباب الشقاق واطراح دواعي التفرّق بينهم ونسيان كل ما هفت به الأفكار مما يدعو إلى فرقة أو عصبية، وليقدروا أنهم خلقوا خلقًا جديدًا. ثم وجّه الخطاب إلى العلماء وحضهم على مؤازرة الجمعية وتشهيرها وتحبيبها للعامة ليكون لها من النفع بمقدار ما يكون لها من السلطان على النفوس، وإنما هو سلطان كتاب الله وسنّة رسوله، وأن يكون شعار الجمعية التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وقد أطال الأستاذ في إسداء النصائح النافعة فليبلغ الشاهد الغائب. وختمت الجلسة بما قام به تلاميذ المكاتب القرآنية من تلاوة آيات من الذكر الحكيم وانشاد قصائد ومقاطيع شعرية ومحاورات أدبية بأسلوب روائي، وقد كان لذلك المنظر روعة ووقع وتأثير لا يأتي عليها الوصف. عن جمعية العلماء المسلمين نائب الرئيس محمد البشير الإبراهيمي

стр. 71

القانون الداخلي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين* الفصل الأول: فيما يرجع إلى نظام الجمعية وإدارتها: الأعمال الإدارية - واجبات الأعضاء الإداربين وحقوقهم - واجبات الأعضاء العاملين وحقوقهم. ـ[المادة:١]ـ: الإسم الرسمي القانوني للجمعية هو "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، فيجب أن تُدعى به في الخطابات الخاصة والعامة، وفيما يكتب بشأنها في الصحف السيارة وأن يكون هذا الإسم طغراها في المحاضر والمراسم والمنشورات العامة التي تصدر باسمها، وفي المؤلفات التي يؤلفها أعضاؤها، أو تكون لها يد في تأليفها أو نشرها. ـ[المادة:٢]ـ: للجمعية اجتماعان: إداري وعمومي. فالإداري يختصّ بأعضاء مجلس الإدارة وجوبًا، ويجوز لغيرهم من بقية الأعضاء العاملين حضور هذا الاجتماع اختياربًا، حسب منطوق المادة ... من القانون الأساسي. والعمومي يشمل كل عضو عامل دفع اشتراكه عن السنة السابقة للاجتماع. ـ[المادة:٣]ـ: الإجتماع الإداري يقع لزومًا مرتين في السنة، عند نهاية كل ستّة أشهر قمرية، ويكون الاجتماع الثاني سابقًا للاجتماع العمومي متصلًا به، والاجتماع العمومي يقع في غرّة محرّم من كل سنة قمرية.

стр. 72

ـ[صورة الكراسة]ـ

стр. 73

ـ[المادة:٤]ـ: من حق الرئيس وحده استدعاء مجلس الإدارة لعقد اجتماع زائد على الاثنين إذا دعت الضرورة لذلك، بشرط أن يشرح للمجلس وجه تلك الضرورة، ولكون ذلك بموافقة ثلثي الأعضاء الإداريين بالكتابة. ـ[المادة:٥]ـ: لا بدّ من الاستدعاء كتابةً لكل اجتماع، وإن كان وقته معلومًا، ويكون الاستدعاء قبل شهر ليوم الاجتماع، ويكون برسائل خاصة، والاستدعاء بجميع أنواعه من وظائف الكاتب العام، ولا يتوقف على إذن الرئيس إلّا في الاجتماعات الاستثنائية الزائدة على المقرر، وكل تقصير يقع في الاستدعاء ويؤدّي إلى خلل في نظام الجمعية فعهدته على الكاتب العام وحده. ـ[المادة:٦]ـ: الجمعية شخص معنوي، مظهره المجلس الإداري المنفّذ، وقوة المجلس الإداري مستمدّة من الجمعية العمومية بواسطة الانتخاب، وهو ناطق باسمها وممثّل لها، وعليه فكل ما يسند في هذه اللائحة إلى الجمعية فالمراد المجلس الإداري. ـ[المادة:٧]ـ: الغاية من اجتماع الجمعية العمومية في الموسم المقرر في المادة ... هي: أ) توكيد التعارف بين طبقات هذه الطائفة. ب) تقديم الاقتراحات النافعة للمجلس الإداري ليكون على بصيرة في أعماله المقبلة. ج) الاستفادة من المذاكرات والمحاضرات. د) استماع تقارير أعمال المجلس الإداري ومعرفة ما تمّ منها في السنة الماضية والإطلاع على تحضيراته للسنة المقبلة. هـ) انتقاد ما هو قابل للانتقاد من تلك التحضيرات. و) استماع تقارير المالية والإطلاع على مصارفها. ز) انتخاب المجلس الإداري الجديد، إنْ كان الأول قد قضى مدّته. ـ[المادة:٨]ـ: يرأس الجمعية العمومية رئيس المجلس الإداري وتبتدئ أعمالها على هذا الترتيب: ١ - افتتاح الرئيس. ٢ - تلاوة الكاتب العام للتقرير العام المبيّن في المادة ... ٣ - تلاوته لتحضيرات السنة المقبلة المبينة في المادة ... ٤ - عرض أمين المال لميزانية الموسم الماضي. ٥ - عرضه لميزانية العام الجديد. ٦ - المصادقة عليها من الجمعية العمومية. ٧ - استماع تقارير رؤساء الشُّعَب على الترتيب. ٨ - استماع اقتراحاتهم.

стр. 74

٩ - الاقتراحات العامة. ١٠ - الخطب الخاصة بالجمعية على ترتيبها في البرنامج. ١١ - المحاضرات العامة على ترتيبها في البرنامج. ١٢ - حفلة الختام. فإن كان المجلس الإداري قد انقضت مدته، وكان من أعمال الجمعية العمومية انتخاب المجلس الجديد كانت عملية الانتخاب قبل حفلة الختام، وتكون حفلة الختام تحت إشراف المجلس الجديد. ـ[المادة:٩]ـ: يحضر المجلس الإداري في اجتماعه الأخير المتصل بالاجتماع العمومي برنامجًا لترتيب أعمال الاجتماع العام وتقسيمها على الساعات والأيام. ـ[المادة:١٠]ـ: يجب على كل من أراد أن يخطب أو يحاضر في الجمعية العمومية أن يكتب بذلك للمجلس الإداري قبل: جلسته الأخيرة بأسبوع، ويبيّن موضوع الخطبة أو المحاضرة تفصيلًا بإرسال نسخة منها أو بيان نقط الموضوع، ليضعها في مكانها من البرنامج ويعيّن لها حصّتها من الزمن. ـ[المادة:١١]ـ: يفتح الرئيس جميع الجلسات بهذه الجملة: "بسم الله نفتتح الجلسة"، ولختمها بهذه الجملة: "والحمد لله ربّ العالمين". ـ[المادة:١٢]ـ: لا يتكلّم أحد في الجمعية العمومية أو المجلس الإداري إلّا بإذن الرئيس، ولا يتجاوز الكلام في الاقتراح عشر دقائق، فإن كان الكلام إيرادًا أو ردًّا أو دفاعًا زيد إلى العشر دقائق. ـ[المادة:١٣]ـ: الأفكار في المجلس الإداري والجمعية العمومية محترمة، والمقاطعة ممنوعة، والكلام مناوبة، فإذا هفا المتكلم بما يمسّ الدين، أو بما يمسّ شرف الجمعية في غير نقد، أو بما يمسّ شرف شخص في غير نصح ولا تذكير، فالإسكات من حقوق الرئيس. ـ[المادة:١٤]ـ: طلب الكلام يكون برفع السبّابة اليمنى، والكلام في الاقتراحات يواجَه به الرئيس، وفي المعارضة يقابل به المعارض. ـ[المادة:١٥]ـ: كل من عاقه عائق عن الحضور فعليه أن يكتب بعذره للرئيس، ويُعتبر المعتذر حاضرًا في تكميل النصاب لا في التصويت. ـ[المادة:١٦]ـ: الجمعية العمومية لا تُعتبر منعقدة إلّا إذا حضرها ثلثا الأعضاء العاملين المقيدين في الديوان الدافعين لقيمة اشتراكهم، والمجلس الإداري لا تُعتبر مقرّراته قانونية نافذة إلّا إذا حضره ثلثا الأعضاء الإداريين.

стр. 75

ـ[المادة:١٧]ـ: يتألف المجلس الإداري من رئيس ونائبين، وكاتب عام ونائبين، وأمين مال ومساعدَيْن، وحافظ أوراق ومراقب، وسبعة مستشارين. والزيادة في عدد المستشارين من خصائص الجمعية العمومية، ولا يزيد عدد أعضاء المجلس الإداري على واحد وعشرين، وتسند وظيفة حافظ الأوراق إلى كاتب اللجنة الدائمة. ـ[المادة:١٨]ـ: يحضّر المجلس الإداري في الجلسة الأولى من كل سنة برنامجًا إجماليًا بالأعمال التي يتناولها في تلك السنة على الترتيب، ويكتبه الكاتب في "ديوان الأعمال"، ويبدأ بالمفاوضة ثم التقرير ثم التنفيذ، وتسمّى الأعمال - مما دامت في دور المفاوضة - أعمالًا محضّرة، فإذا أقرّها المجلس الإداري سُمّيَت أعمالًا مقرّرة، فإذا نفّذها سُمّيت أعمالًا منفّذة، ولا يجوز للمجلس أن يخالف ترتيب البرنامج. ـ[لمادة١٩]ـ: يجب أن يكون للمجلس الإداري أربعة دفاتر: واحد رسمي وثلاثة عادية، وعلى هذه الدفاتر يتوقف ضبط أعماله: الأول يثبت فيه الأعمال المحضّرة بمثابة مسودات ويسمّى ديوان الاقتراحات، والثاني يثبت فيه الأعمال المقرّرة ويسمّى ديوان المقرّرات، والثالث يرسم فيه أسماء الأعضاء، كل طبقة على حدة على هذا الترتيب: أعضاء الطبقة الأولى- أعضاء الطبقة الثانية- أعضاء الطبقة الثالثة- أعضاء مؤّيدون، والرابع تضبط فيه الحسابات المالية على الطريق المتعارف. وتجب المحافظة على هذه الدواوين كلها حتى ديوان الاقتراحات لأن ما لم يتقرّر اليوم قد يتقرّر مرّة أخرى، فيكون ذلك الديوان دستورًا للمجلس الإداري يرجع إليه عند اللزوم. ـ[المادة:٢٠]ـ: يرسم ديوان الأعضاء على الصورة الآتية: يكتب على الصحيفة اليمنى اسم المشترك ولقبه ونسبه وطبقته، والمبلغ الذي يشترك أو يتبرّع به سنوًيا، وعنوانه مضبوطا بالقلمين العربي والفرنسي في أودية مفصولة بخطوط قائمة، ويترك ما بقي من الصحيفة اليسرى ليكتب فيه ما يحتاج إليه من الملاحظات. ـ[المادة:٢١]ـ: يرسم الكاتب في دفتر الاقتراحات أسماء الحاضرين من الأعضاء الإداريين إن كان النصاب تامًا، ويذكر أسماء المتخلفين، ثم يرسم تاريخ الجلسة: يسمّي الساعة ونسبتها من اليوم، ويسمّي اليوم ونسبته من الشهرين العربي والإفرنجي، والسنتين كذلك، ثم يرسم الموضوع وافتتاح الرئيس، ثم يرسم جميع المفاوضات إيرادًا ونقضًا، ثم يرسم ما قرّ عليه القرار، وبرسم ساعة انفضاض الجلسة. فإن تقرر الموضوع نقله إلى دفتر المقررات ملخصًا مقتصرًا فيه على ما به الحاجة، ولا لزوم لنقل الآراء والإيرادات والاعتراضات. ـ[المادة:٢٢]ـ: التقرير في الموضوع المختلف فيه يكون بأغلبية الأصوات، فإن تساوى الطرفان عددًا فالطرف الذي فيه الرئيس مرجح، والتصويت برفع الأيدي، وطلب التصويت من خصائص الرئيس ولا يلتجئ إليه إلّا إذا لم يكف الدليل ولا الإقناع في إرجاع المخالف.
следующие страницы →