← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

فاليقظة موجودة، ولكنها لم تصل- بعدُ- إلى الصحو الصاحي، وما زالت تغالبها بقايا من النوم الثقيل الطويل، والتعليم الأجنبيّ- على تفاهته في الكيف وقلته في الكمّ، وعلى اضطرارنا إليه وإقبالنا عليه- يسبقه جهل، وتقترن به آفات، وتعقبه مفاسد، وهو- على ذلك كله- يفتح عينًا، ليعمي عينًا ومن بلغ إلى غايته منّا أصبح بالطبيعة متنكّرًا لماضيه ودمه وقومه، لأن ذلك التعليم وجده فارغًا فملأه بما يشاء هو، لا بما نشاء نحن ... وأما حالة المدرسة العربية الحاضرة فهي محل الشاهد. ما هي الغاية من المدرسة العربية الحديثة؟ ما دُمنا من بناة هذه المدرسة، ومن أول الداعين إليها، والقائدين لحركتها، والواضعين لبرامجها، والمشرفين على كل دقيقة وجليلة فيها، والمعرّضين للبلاء في سبيلها، ففينا من الجرأة ما يدفعنا إلى الجواب عن هذا السؤال. الغاية من هذه المدرسة هي تربية هذا الجيل وتعليمه. وغاية الغايات من التربية هي توحيدُ النشء الجديد في أفكاره ومشاربه، وضبط نوازعه المضطربة، وتصحيحُ نظراته إلى الحياة، ونقله من ذلك المضطرَب الفكري الضيّق الذي وضعه فيه مجتمعه، إلى مضطرَب أوسعَ منه دائرة، وأرحب أفقًا، وأصحّ أساسًا، فإذا تمّ ذلك وانتهى إلى مداه طمعنا أن تخرج لنا المدرسة جيلًا متلائمَ الأذواق، متّحدَ المشارب، مضبوط النزعات، ينظر إلى الحياة- كما هي- نظرةً واحدة، ويسعى في طلبها بإرادة متحدة، يعمل لمصلحة الدين والوطن بقوة واحدة، في اتجاه واحد. غاية التعليم هي تفقيهه في دينه ولغته، وتعريفه بنفسه بمعرفة تاريخه، تلك الأصول التي جهلها آباؤه فشقوا بجهلها، وأصبحوا غرباء في العالم، مقطوعين عنه، لم يعرفوا أنفسهم فلم يعرفهم أحد. فهذه هذه الغاية السامية التي في تحقيقها نجهد ونكدح، وللوصول إليها نعمل، وفي العمل لها نلقى الأذى، وفي الأذى فيها نلقى راحة الضمير واطمئنان النفس، وببلوغها- إن شاء الله- نكون قد أدّينا الأمانة، وقضينا المناسك، وكفّرنا عن جريمة التقصير، وفزنا بالعاقبة فحمدنا السرى. وبماذا يتم تمامُ هذه الغاية؟ لا يتم هذا على وجهه المثمر إلا بتوحيد منهاج التربية وبرنامج التعليم، ولا يتم توحيد المنهاج والبرنامج إلا بتوحيد الإدارة، ولا يتمّ توحيد الإدارة إلا بتوحيد الإشراف العام، درجات متلازمة سبقتنا بها الأمم التي بنتْ حياتها على تجربة النافع والأخذ بالأنفع، فقطعت الأشواط البعيدة في الزمن القريب.

стр. 1157

وهذه هي المعاني التي دعتنا إلى جمع المدارس العربية تحت إدارة واحدة، وإشراف واحد، وإلى حشر المعلمين تحت لواء واحد، لِعِلْمنا أن توحيد الغايات لا يأتي إلا بتوحيد الوسائل. يسوءنا- والله- ويسوء الحق، أن تكون الحقيقة في هذه القضية أوضحَ من الشمس، وأن يكون رأينا فيها بعيدًا من اللبس، ثم يتمارى بعض الناس فيها فيشاقّوننا في الرأي والعمل، وتأبى بعض الهيئات إلا أن تنفرد بمدرسة أو بضع مدارس، ويأبى بعض أبنائنا الطلبة أن يكونوا إلا ملوكَ طوائف: إمارة بلا عمارة، وزعامة بلا دعامة: كلّ ذلك لدواع من الجبن، أو بواعثَ من الحسد أو دوافعَ من الغرور والأنانية، أو كلّ ذلك مضروبًا بعضُه في بعضه؛ ومن ادّعى منهم خلافَ هذا فلا يصدّقه الناس، لأن قاعدة السبر الأصولي لا تقتضي إلا هذا، لو رزق الله إخواننا هؤلاء عقولًا تزن الأمورَ بعواقبها، وإخلاصًا يذيب الحسد، ويذهب بالأنانية، لعلموا أن الخير كل الخير في الاجتماع، وأنّ القوة كلّ القوة في الاتحاد، وأن الخروج على الجماعة أهلكَ من قبلنا وهم في نهاية القوة. فكيف لا يهلكنا ونحن في نهاية الضعف؟ وأن الثمرات التي نرجوها من المدرسة للجيل الجديد لا تأتي مع هذا التفرّق والتشتيت، وأن من يريد الإصلاح فليدخل فيما دخل فيه الناس، وليعالج- مخلصًا- من الداخل، أما محاولته للإصلاح وهو خارج فليست إلا هدمًا وتخريبًا، وأن الجيل الذي تخرجه هذه المدارس المتغايرة المتنافرة لا يأتي إلا متغايرًا متنافرًا، لا يزيد شيئًا عن خرّيجي الزوايا في العهد القديم، لا يجمعهم من الخلال إلا أبلغها في تفريقهم وهو تعصّب كل تلميذ لزاويته، والحلفُ برأس شيخها، وبئس الجيل جيل يكون هذا مبلغه من التربية والعلم، وبئس المربّون نحن إن رضينا لهم هذه المنزلة. ... اثنتان يجب توحيدهما وإصلاحهما بحزم وشجاعة وإخلاص، وإلا كنّا جانين على النهضة ومستقبلها، غاشين للأمة في أطفالها وشبابها، متسببين لها في خسارة رأس مالها الضخم، والثنتان هما: هيئات المدارس، وهيئات الكشافة ...

стр. 1158

حقوق المعلّمين الأحرار على الأمّة * ونعني بالمعلّمين هذه الطائفة المجاهدة في سبيل تعليم أبناء الأمة لغتهم، وتربيتهم على عقائد وقواعد دينهم، وطبعهم على قالب من آدابه وأخلاقه. نعني هذه الطائفة الصابرة على مكاره الحياة كلها، المحرومة من الراحة والاطمئنان في جميع أوقاتها، فهي في الشتاء تشقى وتتعب، وفي الصيف تضحى وتنصب، وفيما بين ذلك تكابد وتعاني؛ على ضيق من العيش، وتنكّر من الدهر، وتجهّم من الولاة، وفقدان للحافز من الرغبة والتنشيط. فلا مسكن مريح، ولا شمل مجموع، ولا مرتّب كافٍ يسدّ الضرورة، ويقوّي الضعيف، ويخفّف الهم، ويصونُ الهمة عن التبذل. هذه الطائفة هي عماد جمعية العلماء في أجلّ وظائفها، وهي التربية والتعليم، وهي العصب المدبر لحياة هذه الحركة المباركة؛ فعليها- بحكم الأمانة والدين- واجباتٌ تشرعها الجمعية بالنظام والقانون، وتؤكّدها بالدعوة والإرشاد، وتستعين على تحقيقها بالمراقبة والتفتيش؛ ولها حقوق تتقاسمها الجمعية والأمة أمرًا وتنفيذًا، فهل قامت الجمعية والأمة متعاونتين بهذه الحقوق على أكمل وجه؟ أما جمعية العلماء، فإن واسطتها إلى الأمة هي هذه الجمعيات المحلية المشرفةُ على المدارس، القائمة مباشرةً بتصريف شؤونها المالية، وهذه الجمعيات هي المرجع الوحيد في ماديات المدارس، وهي الحاملة للحمل الثقيل فيها، ولما كانت جمعية العلماء تبني كل أمورها على الواقع المشهود، وتُراعي الظروفَ وشدّتها ورخاءَها، لتضمن لهذه المدارس الدوام والبقاء، كانت تتقدم إلى الجمعيات المحلية في باب المادّيات بما يحتمل الطاعة، وتتحمّله الطاقة، لأن من الحكمة اجتذاب الجماهير بالترغيب والمسايرة، لا بالإثارة والسوْق

стр. 1159

العنيف، فهما من دواعي الانتكاس، والانتكاس أخطرُ ما يعرض للحركات في مراحلها الأولى، لذلك كانت تعتبر في مرتبات المعلّمين الحد الأدنى مما يقوم بالضروريات، وهي تعلم ما يقاسيه المعلم من آلام في حياته، وتُشفق عليه وترثي له، ولكنها تعلم مع ذلك حالة الموارد المالية للمدارس، وأهمّها ما يؤخذ من آباء التلامذة مشاهرة؛ وأغلب الآباء فقراء، ولو كان لمدارسنا مدد ثابتٌ من الأغنياء وحقّ الله في أموالهم، لجعلناه بعض ما نبني عليه في التوسيع على المعلمين وإزاحة بعض عللهم، ولكننا هزَزْنا هؤلاء الأغنياء بما يهتزّ له الكرام، فلم تسقط منهم ثمرة، ورقينا لعاهة الشحّ فيهم باسم الله وباسم الدين والوطن، وناشدناهم الله في هذا الجيل المقبل أن يحلّ به ما حلّ بهم من جهل، يصحبه هوان، يصحبه شر مستطير؛ فلم ينزل عفريت بخلهم لرقية، وبقيت مواردُ المدارس- لغيبة الأغنياء عن ميدان البذل- محدودةً مقترة، تتراجع ناضبة، حتى أصبحت لا تبلّ من جفاف، ولا تقوم بكفاف، وإذا لم يكن الغيث هاميًا، فلا ترجُ أن يكونَ النبت ناميًا. ... نوجّه بعضَ العتب إلى رجال جمعياتنا المحلية، ولا نبرئهم من تبعة التقصير، ونعيب فيهم خلةً كادت تكون غالبةً عليهم، وهي أنهم يؤثرون المصالح الخاصة على المصلحة العامة عند التعارض، ولو أنهم- سامحهم الله- وجّهوا بعضَ اهتمامهم إلى حالة المدارس المادية، وبعضَ تفكيرهم إلى ابتكار مواردَ أخرى للمال، لكان لعملهم أثرٌ يذكر في حلّ هذه الأزمة التي شغلنا التفكير فيها عن التفكير في توسيع دائرة الحركة وتكميل نقائصها، ولو أنهم كانوا أكثرَ جرأة مما هم عليه لما توقفوا عند كل فترة يأنسونها من الجمهور؛ فليعلموا- علمهم الله- أن كل تقصير يقع منهم في هذا الواجب، فمصيبته تقع على المعلّمين البائسين، وأننا لا نسمح بأن يكون تفريطهم على حساب هذه الطائفة المجاهدة، ولا نرضى أن تكون خاتمة أعمالهم فشلًا وخيبة، ولا أن يكونوا هم السبب أو بعضَ السبب فيما يصيب هذه النهضة العلمية من خمود أو تراجع. إن الموانع لكثيرة، وإن العوائق عن الخير لوفيرة، وشرّها ما عاق عن العلم والدين، ووقف عثرةً في طريقهما، ولكنها عند الرجال مصاعب سهلةُ التذليل، لأنهم يعتبرونها عوارض تزول، وأحوالًا تتحوّل؛ فيكون فهمهم لها وتصوّرهم إياها على حقيقتها أكبر أعوانهم عليها، فيلقونها بالهمم النافذة، والتصميم الخارق، والصبر الثابت، حتى تنقشع غماؤها، وتسلم المقاصد الذاتية؛ وإذا هاج البحر وعصفَتْ عواصفه، فالغرق عارض، والسلامة هي الأصل، وما على الربّان الحاذق المتأثّر بهذه الحقيقة إلا أن يعالجَ الشدّة

стр. 1160

بدوائها، فيعالج الفزع بالصبر، والعواصف بحسن التصريف لها، وإلحاحَ الأمواج بإلحاح العزيمة، فإذا هو ناجٍ سالم محرز لمهجته وسفينته. ... ولكنّ هذا كله كلام لا يجلب المنام، ولا يغني عن الطعام، ولا يكسو العظام، ولا ينعل الأقدام، والحقيقة التي تجب مواجهتها كفاحًا، هي أن الأزمة خانقة، وأسعار الضروريات والحاجيات، كسعود الأقوياء، كل يوم في ارتفاع، ووجه المستقبل يطلّ من خلل الأيام كالحًا باسرًا ينذر بالسوأى وزيادة ... وأصوات العمّال الكادحين وأجراء المشاهرة والمياومة تصمّ الآذان بطلب الزيادة في الأجور، لأن الزيت- وهو الإدام- أصبح بقيمته شجًى في الحلوق، ولأن الثياب الساترة أصبحت بسبب الغلاء فاضحة، ولأن ورقة (الألْف) بورك فيها فأصبحتْ (كالشين) في حساب الجُمَّل (١). في (الجزم الصغير) عند (اليقاشين) (٢) ... وهذه الطائفة المجاهدة الصابرة عندنا تتوقّع الموت، ولا ترفع الصوت، ولا مرجع لها - بعد الله- إلا جمعية العلماء التي حبّبتْ إليها التعليم، وزيّنته في قلوبها، ثم ساقتها إلى ميادينه، وجنّدتها في كتائبه، فإذا لم تبذلْ كل مجهود في تخفيف البلاء وتهوين الغلاء عليهم بالزيادة في المرتبات، فإن العاقبة تكون وخيمة، وإذا كنا لا نخشى أن يفرّوا من الزّحفْ، ثقة بهم، واعتمادًا على متانة دينهم، وصدق وطنيّتهم، وركونًا إلى شهامتهم واعتزازهم بمهنتهم، فإننا نخشى ما هو أسوأ عاقبةً من ذلك ... نخشى أن يعلموا أبناءنا بلا قلوب ولا عقول، في وقت نحن أحوج ما نكون إلى صلة القلوب بالقلوب، وتأثّر العقول بالعقول، واستقاء الأرواح من الأرواح؛ فإذا حصل ذلك جاء التعليم وفيه أثرُ الجوع والهزال، وعليه سيما الفقر والخصاصة، ويأتي هذا الجيل وعلى عقله من هذه الآثار ما على أجسام مواليد الحرب التي نشأتْ في فقر من المواد المغذية؛ وإذا كنتم تسمعون عن الأمم الحية أنها توفر أرزاقَ القضاة حتى لا تلجئهم مطالب الحياة إلى الرشوة، فكذلك يجب توفير أرزاق المعلّمين حتى لا تطمحَ نفوسهم إلى ... هجر التعليم. أما والله لو استطعتُ لأعطيتُ المعلّم جمًّا، ثم لأوسعت العطاء ذمًّا، حتى تقوى فيه نزعة الكرامة وشرف العلم، والشعور بأن العلم كالعبادة، وكفاؤه الأجرُ من الله لا الأجرة من المخلوق، ولكن التمنّي تعلّق بخيال ... ...

стр. 1161

هذا نذير من النذر الأولى لرجالنا القائمين على المدارس، والحاملين معنا للعبء المادي، فعليهم أن يقدُروا قدرَه، ويفكّروا في مغزاه، ويتعاونوا على إيجاد موارد جديدة، ليتوفّر لنا مال نرفع به مرتبات المعلّمين، ونرفع به أقدار العلم والتعليم؛ وإن هذه الأزمة إلى انفراج، فليثبتوا لها، وليكسروا حدّتها بالتدبير الذي يفل الحدّة، ويخفّف الشدة، وإننا قد قرّرنا الريادة في المرتبات، ولكننا تربّصنا حتى لم يبقَ مصطبر، وانتظرنا حتى يبلغهم هذا الخطاب السافر، فإذا تمارَوْا بالنذير، فسنقنعهم بسوء الحال، ووخامة العقبى، وإن ظننا فيهم- على ذلك- لجميل ...

стр. 1162

اختلاف ذهنين في معنى التعليم العربي * لغةُ الأمة هي ترجمان أفكارها، وخزانة أسرارها، والأمة الجزائريةُ ترى في اللغة العربية- زيادةَ على ذلك القدر المشترك- أنها حافظة دينها، ومصخحة عقائدها، ومدوّنة أحكامها، وأنها صلةٌ بينها وبين ربّها، تدعوه بها وتعترف، وتبوءُ بها إليه فيما تقترف، وتؤدّي بها حقوقه، فهي لذلك تشدّ عليها يدَ الضنانة، وما تودّ أن لها بها لغات الدنيا، وإن زخرتْ بالآداب، وفاضتْ بالمعارف، وسهلتْ سبلَ الحياة، وكشفتْ عن مكنونات العلم؛ فإن أخذتْ بشيء من تلك اللغات فذلك وسيلة إلى الكمال، في أسباب الحياة الدنيا؛ أما الكمال الروحاني، والتمام الإنساني، فإنها لا تنشده ولا تجدُه إلا في لغتها التي تكون منها تسلسلها الفكري والعقلي، وهي لغة العرب، ذلك لأنّ لغة العرب، قطعةٌ من وجود العرب، وميزةٌ من مميزات العرب، ومرآة لعصورهم الطافحة بالمجد والعلم والبطولة والسيادة؛ فإذا حافظ الزنجي على رطانته، ولم يبغ بها بديلًا، وحافظ الصيني على زمزمته، فلم يرضَ عنها تحويلًا؛ فالعربي أولى بذلك وأحقّ، لأن لغته تجمع من خصائص البيان ما لا يوجد جزء منه في لغة الزنج أو لغة الصين، ولأن لغته كانت- في وقت ما- لسانَ معارف البشر، وكانت - في زمن ما- ترجمانَ حضاراتهم، وكانت- في وقت ما- ناقلةَ فلسفات الشرق وفنونه إلى الغرب، وكانت- في وقت ما- هاديةَ العقل الغربيّ، الضالّ إلى موارد الحكمة في الشرق، وكانت- في جميع الأوقات- مستودَعَ آداب الشرق، وملتقى تياراته الفكرية، وما زالت صالحةً لذلك، لولا غبارٌ من الإهمال علاها وعاق من الأبناء قلاها، وضيمٌ من لغات الأقوياء المفروضة دخل عليها؛ وهي قبل وبعدَ كلّ شيء حاضنةُ الإسلام، ودليله إلى العقول، ورائدُه إلى الأفكار، دخلتْ به إلى الهند والصين، وقطعتْ به البحارَ والفلوات،

стр. 1163

وفيها من عناصر البقاء ومؤهلات الخلود ما يرشحها للسيطرة والتمكّن، فقد احتوشتها الرطانات من كل جانب، ودخلتْ عليها دخائل العجمة واللكنة، فما نال كل ذلك منها نيلًا، وإن لغةً يصيبها أقلّ مما أصاب اللغة العربية من عقوق أبنائها، وحرب أعدائها، لحقيقة بالاندثار والفناء، ولكنها لغة العرب ... والأمة الجزائرية من أوفى الشعوب العربية لهذه اللغة، وأكثرهم برًّا بها وتمجّدًا واعتزازًا، وأقواها شبهًا بها في الشدة على العوادي، والصبر على المكاره، والثبات على المقاومة، فالعربية غالبتْ في هذا الوطن عدة لغات، فلم تهن ولم تغلَب، والأمة الجزائرية ناهضَتْ عدة استعمارات روحية وماديّة، فلم تقهر ولم تخذل. جاهدت هذه الأمة في سبيل لغتها جهادًا متواصلًا، كان من ثمرات النصر فيه هذه النهضة التعليمية التي ولدت الكتّاب والشعراء والخطباء والوعّاظ، وهي نهضة لم تعتمد الأمةُ فيها إلا على ما في نفسها من حيوية موروثة، ولم تلتمس فيها عونًا من أجنبيّ، بل لم تلقَ من الأجنبي إلا المعارضةَ الحادة والتثبيطَ القاتل؛ وكان من نتائج هذه النهضة إلحاح الأمة في المطالبة بمظهر سياسيِّ وطني للغتها، وهي أن تكون رسميةً في المدارس والدواوين والأقلام والأحكام، وأن يعترف لها بمكانتها في وطنها، وأن تمحَى عنها تلك الوصمة التي لم تسبّ بأشنعَ منها، وهي أنها "أجنبيةٌ في دارها"؛ وتكرّر الإلحاح في هذا، وارتفعت الأصوات به من كل جهة، ودَخلت الجرائد في المعمعة، واقتحمت القضية المجالسَ النيابية، وأذن النوّابُ بها على المنابر، ووقفت السياسة الاستعمارية عرضةً تصُدّ وتسدّ، وتطاول وتمدّ، وتتغابى وتتجاهل، وتطبخ الآراء- كعادتها- فلا تنضج رأيًا حتى يلوحَ لها خلافه، فتتركه فجًّا (١)، وتسلك غيره فجًّا؛ وكلّ تلك الآراء لا تبلغُ الأمةَ أمنيةً في لغتها، ولا ترمي إلى سداد ينفع الطرفين، إلى أن طلع علينا القرار المتعلّق بالتعليم العربي، الذي ختم به الوالي السابق أعماله وموبقاته في الجزائر، مؤرّخًا بيوم ٢٦ فيفري من هذه السنة، ومقدّمًا إلى المجلس الجزائري لينظر فيه ويضعه موضعَ التنفيذ. ونظرنا في ذلك القرار، قبل أن ينظر فيه المجلس الجزائري، فإذا هو تحطيم لا تنظيم، كما يسمّي نفسه، ولو أن العربية كانت موجودةً بالمدارس العليا أو السفلى، لكان هذا القرار إعدامًا لها، فكيف وهي معدومة، ونقول: معدومة، ونكرّر القول، ولا يردّنا عنه أن "كتاب المفصّل" للزمخشري يدرس في الأقسام العليا، فإن ذلك بعضُ شواهدنا على أنها معدومة، من غير أن نضيفَ إلى هذا الكتاب، من يدرّس الكتاب ... ...

стр. 1164

بيننا وبين الحكومة خلاف ينتهي إلى التضاذ في فهم معنى التعليم العربي، سببه اختلافُ أداة الفهم فيها وفينا، فهي تفهمه بالذهنية الاستعمارية العنصرية المتأثّرة بالسيادة والاستعلاء، وتراه بالعين التي لا ترى إلا مصلحتها فتحتاط وتبالغ في تقدير العواقب، وتعمى عن مصالح غيرها وإن كانت كالجبال ضخامةً، وكالشمس وضوحًا، وكالعقليات ثبوتًا، ونحن نفهمه بالذهنية القومية الوطنية، ونراه حقًّا لا يعمى عنه ذو بصر، ولا يدفع بالمغالطة، ولا يتحقّق بمثل ما احتوى عليه هذا القرار الفارغ المتناقض الذي هو كالشبكة، كله خروق، يستطيع المنفذ أن يخرج من أيها شاء. ... شهد التاريخ الحديث- الأمة الجزائرية العربية غضبَى ثائرة لتلك المعاملة المهينة التي كان الاستعمار يعامل بها لغتها، وشهدها تبني لنفسها، وتشيد نهضتها التعليمية بيدها، وتحكّ جلدها بظفرها، وشهدها- مع ذلك- تزعج الاستعمار وتصارعه، وتطالب وتغالب، فليشهدها الآن غضبى ثائرة على هذه البوادر التافهة التي يسمّيها "ملوك الجمهورية" تنظيمًا وإصلاحًا، ويمنونها عليها، ويعدّها المضللون نتيجةً للمصابرة والجهاد. إن الأمة لا ترضى ولن ترضى بهذا الجزاء البخس كفاءً لما أجمع عليه رجالها من علماء وساسة من المطالبة بحق العربية في وطنها، وحقّها على الخزينة التي تتغذّى بأموالها، وقد كانت هذه الأمة تظن أن عصرَ القرارات المطاطة- ذات المسامّ والمنافذ- قد انقضى، وجاء عصر الحقائق وتفتّح الأذهان والعقول و ... العيون، ولكنّ هذا القرار الأخير بيّن لها أن الاستعمار ما زال في ضلاله القديم. إن هذه الأمة المؤلفة من عشرة ملايين، هي صاحبة الحق في هذا التعليم، لها غنمه، وعليها غرْمه، فيجبُ أن تكونَ هي صاحبة الرأي الأول في بداياته، وصاحبة الفصل الأخير في نهاياته، وأن تكونَ هي القائمة به، والقيّمة عليه، بمعنى أن يكون المعلّم له من أبنائها المتضلعين في لغتهم، والحارس الرقيب عليه من رجالها المؤتمنين عليها، وأن لا يكون حظها في التعليم الثانوي أوكسَ من حظ الإنكليزية والإسبانية. فالأمة تريد من التعليم العربي الحكومي الذي يحقّق للعربية صفة "الرسمية" أن يكون تعليمًا كاملًا في جميع مراحله، يبنى على أساس صحيح في المرحلة الابتدائية، وصحةُ الأساس تكون بالمعلم الكفء، والكتاب الوافي، والبرنامج الكافي، ثم ينتقل- صحيحًا- إلى الدرجتين الثانوية والعليا. والأمة تريد تعليمًا عربيًّا يساير العصر وقوّته ونظامه، لا تعليمًا يحمل جراثيم الفناء، وتحمله نذُر الموت.

стр. 1165

والأمة تريد تعليمًا عربيًّا عليه طابعها، وفيه أثرُ يديها، وله ما لها من روح، وعليه ما عليها من سمات. إن هذه الأمة تعتقد- وتموت على اعتقادها- أنّ لغتها جزء من كيانها السياسي والديني، وشرط في بقائها، وقد التقى على الكفاح في سبيلها الدينُ والسياسة، فلم يختلفْ لهما فيه رأيٌ، ولم يفترق لهما قصد، وما هذا القرار بالذي يشفي من مرض، أو يوفِّي بغرض.

стр. 1166

دروس الوعظ في رمضان * أظلّنا شهر رمضان المبارك، وهو شهر تتفتّح فيه أبواب الرحمة، وتتفتّح فيه قلوب المؤمنين المستعدّين لتلقّي تلك الرحمة، فتصوم ألسنتهم وجوارحهم عن الفواحش المجترحة بها، ويتقرّبون إلى الله ببعدهم عنها. وتنبسط أيديهم بالإحسان إلى الفقراء، والبر باليتامى، والتوسعة على العيال، فلم يبقَ على هذا الإعداد الحافل بالخير، الذي يهيئ شهر رمضان النفوس إليه إلا المحرّك للنفوس، المنبّه للشواعر، المذكّر بالواجبات، الدالّ على مواضع الرحمة وعلى السُبل الموصلة إليها، البصير بعلل الأمة وطُرق علاجها، وهو الوعظ الديني. والوعظ الديني هو رائد جمعية العلماء إلى نفوس الأمّة، جعلته مقدمة أعمالها، فمهّد واستقرّ، وذلّل الصعاب، وألان الجوامح، وعليه بنت هذه الأعمال الثابتة من إصلاح للعقائد، ونشر للتعليم، ومنه جنت كلّ ما تحمد الله عليه من نجاح. والوعظ الديني هو الذي حرّكت به جمعية العلماء الهمم الراكدة، وشدّت به العزائم الواهية، واجتثّت به الرذائل الموبقة، فكان هو معينها على غرْس الإصلاح الديني، وتثبيت جذوره، وامتداد أصوله وفروعه. ولم تُخِلّ الجمعية بهذه الوظيفة الشريفة يومًا، ولا قصّرت فيها، ولا كان النجاح المتواتر مزهدًا فيها، أو مقلّلًا من أهميتها، ولكن التجارب المتكررة هدتها إلى أنّ أشد الأزمنة ملاءمةً للوعظ الديني الأوقات الفاضلة- وأفضلها شهر رمضان- لتلاقي عدة عبادات فيه، من الصوم والصدقة والتراويح والتهجّد، وكل عبادة منها ذاتُ أثر في النفس؛ فكيف إذا اجتمعن؟ ولأنه أطول ظرف من ظروف العبادة، فاتصالُ الوعظ في أيامه ولياليه خليق أن ينقل السامعين من

стр. 1167

حال إلى حال، وأن يمكن لعادات الخير في نفوسهم، فإذا كان صومهم حقيقيًّا جامعًا لمعاني الصوم وآدابه مشركًا للجوارح كلها في تلك المعاني، كانوا أكثر تأثرًا بالوعظ، وأدنى إلى الانتفاع به في تزكية نفوسهم، وعلاج عللها، وإن شهرًا كاملًا يقضيه المؤمن في الاستشفاء بأنواع من الأشفية الروحية والبدنية، لحقيق أن يضمن به راحة السنة. ولجمعية العلماء في هذا السبيل سنّة حميدة جرت عليها منذ سنوات، وهي توزيعها لعشرات من رجالها العاملين في ميدان التعليم على المدن والقرى، في شهر رمضان، ليحيوا لياليه بدروس الوعظ بعد نافلة التراويح، ويمتزجوا بالأمة في سائر الأوقات ناصحين مذكّرين، وقد تجلّت آثار هذه الدروس في التربية العامّة للأمّة، بارتفاع قيمة الفضائل في مجموعها، وبتفهّمها لحقيقة الصوم وحكمته، وبهجرها لكثير من فواحش الألسنة فيه، وبمعرفتها للإحسان وحسن اختيارها لمواطنه، وبقوة المعنويات فيها قوةً مشهودة، وبنماء التآخي والتعاون بين أفرادها، وبإلمامها بالسيرة النبوية، وتفطنها لمنابع العِبر منها، وبانتشار الثقافة الفقهية بينها. ... بعد هذه الكلمة يقرأ القارئ قائمة طويلة بأسماء المشايخ الذين عيّنتهم جمعية العلماء للوعظ في رمضان المقبل، وأسماء المراكز التي عُيّنوا فيها. فعلى المشايخ الواعظين أن يتّعظوا في أنفسهم قبل أن يعظوا غيرهم، فإن الوعظ إذا لم ينفع صاحبه لم ينفع الناس، ومن لم يكن متأثّرًا بقوله، لم يكن مؤثرًا به في الناس. وعليهم أن يقوموا بما انتدبناهم فيه خيرَ قيام، وأن يؤدّوا حق الله عليهم في النصح والتذكير، وأن يعتمدوا في تذكيرهم على صرائح الآيات القرآنية، وما صحّ من حديث رسول الله ﷺ ، وأن يضربوا الأمثال بسيرته وسيرة أصحابه- ﵃ وأن يجلوا حدود القدوة في ذلك كله، وأن يقرّبوا المعاني من أذهان العامّة، فإن ذلك وسيلة إلى تحبيب العلم إلى نفوسهم زيادة على تشريكهم في الخير وتقريبهم من الهداية. وعليهم أن يجاوزوا ما لا يعلمون من دقائق الوعظ الخفية، إلى ما يعلمون من حقائقه الواضحة، فإن كلامهم في الدين، فليحذروا أن يقعوا في مزلقة القول على الله بغير علم، وهو من الكبائر التي يأمر بها الشيطان، وفي الهدي النبوي مجال واسع للمذكّرين، وفي الواضح مندوحةٌ عن المشكل. إن لجمعية العلماء منكم جندًا لهذا الميدان، تفخر به وتُباهي، ولكن هذا الجند متفاوت الحظوظ والأقدار، فمنهم الفوارس المتمرّسون بالمنابر والجموع، العارفون بمداخل

стр. 1168

الوعظ إلى النفوس، لكثرة المران والتجربة، ومنهم حديثو العهد بالحياة العملية وبالمجتمعات، وإلى هذا الفريق من رجالنا مهّدنا بالكلمة السابقة. وعليهم أن يمكّنوا- ما استطاعوا- في نفوس السامعين معاني الشرف والرجولة، وشرف النفس والاعتزاز بالإسلام والعروبة، فإن الإسلام جاء لجميع ذلك، وإن سيرة رسول الله ﷺ دائرة على ذلك، فالإسلام دين العزّة والكرامة والشرف والفضيلة، فمن لم يكن بهذه الصفات فإسلامه ناقص بقدر نقصانه فيها، وإن صلّى وصام وحجّ البيت ماشيًا. وعليهم أن يشرحوا للأمة "مظلمة القرن العشرين"، وهي هذه المعاملة المهينة التي تعامل بها الحكومة دين الإسلام ومعابده وأوقافه وشعائره من حج وصوم، وإن أحقّ محلّ بهذه الدروس المباركة- وما فيها من خير ورحمة وسلام- هي بيوت الله، لولا ظلم الاستعمار. ولينوّهوا بالمواقف التي وقفتها جمعية العلماء في هذه القضية، وعليهم أن يوجّهوا عنايتهم إلى علاج الأمراض المتأصلة في الأمّة، ومحاربة المنكرات الفاشية فيها، كالكذب، والغيبة والنميمة والسعاية بالأخ والتجسّس عليه، وكالسرقة والخمر والميسر، وكالأيمان الفاجرة وشهادة الزور، ويمين الطلاق، وكالقطيعة والخصام والخلاف، وكالركون إلى الكسل والبطالة والسؤال مع القدرة على الكسب، وكنقض العهد وخلف الوعد وخيانة الأمانة والبخل والإسراف في غير محلّه، وكانتهاك الحرمات والاستخفاف بالمحرّمات، والجبن والخوف من غير الله. وعليهم أن يجتنبوا الحديث في مثارات الفتن، وفي البدع التي فرغتْ جمعية العلماء منها، فقد ضعف شأنها، وفي إعادة الحديث عليها تقوية لها وإحياء. فهذه عهود أتقدّم بها إلى نفسي وإلى إخواني وأبنائي المشايخ الوعّاظ، فعلينا جميعًا أن نلتزمها في هذا الشهر المبارك الذي التزمنا أن ننفع فيه أمّتنا بالموعظة الحسنة. وعلى السامعين أن يكون همّهم من حضور مجالس الوعظ نصيحةً تزكِّي النفس، أو فائدةً علمية تكملها، لا قطع الوقت و "تقصير الليل". وأن يقبلوا على هذه المجالس بآذان مصغية، وقلوب واعية، ونيّات خالصة، ومقاصد صالحة، فبذلك ينفعهم الله بما يسمعون ... وأن يفرّقوا بين هذه المجالس التي أنعم الله بها عليهم، وبين المجالس التي يزيّنها لهم الشيطان ليقطعوا الليل بها في سمر صاخب، ولهو ماجن، ومال ضائع، وحرمات منتهكة. وفّقنا الله جميعًا إلى ما يقرّبنا إليه، وجنّبنا ما يبعدنا عنه، وأرانا ما يسرنا في هذه الأمة، ويسّرنا جميعًا لخدمة هذا الوطن وإخراجه من الظلمات إلى النور.

стр. 1169

الكلمة الأخيرة للأمّة * أما آن لعشّاق سلمى أن يقولوا: صحا القلب عن سلمى؟ أما آن للحالمين بالوحدة الفرنسية أن ينفضوا عنهم الأحلام؟ أما آن للمنتظرين أن يقطعوا حبل الانتظار؟ أما آن للمستعصمين بالأمل أن يُريقوا صُبابة الأمل؟ يا هؤلاء! إن الاستعمار شيطان، وإن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوًّا، وإن الاستعمار شر، ومحال أن يأتي الشر بالخير، ومحال أن يُجنى من الشوك العنب. إن فرنسا نبية في الاستعمار، وإنها ترى أنه شرع لا ينسخ وعقد لا يفسخ، فدعوها وشرعها لله وسنن الله، وللزمان وتصاريف الزمان. إن الإلحاح في المسألة ذلة وإن اليأس إحدى الراحتين. والله والله، ألِيَّةَ المسلم البر، لا يرجو الخير من الاستعمار إلا من خولط في عقله فرجَا من الصخر أن يبضّ بالقطر، وما كنا نرجو منه أن يسترجع ما غصب من دنيانا، والدنيا مادة يملكها الغاصب؛ بعد تسلّطه على ديننا، والدين روحاني لا يسلبه إلا من يسلب الروح، ولكننا كنّا نظن أن تلك القلوب القاسية ترققها الشدائد، وأن تلك النفوس العاتية تلطّفها المصائب، وأن تلك الإحساسات الغليظة ترهفها مناظرُ البؤس الذي نزل بها، وتوقظها أصوات القوارع التي حلّت بدارها، من اكتساح "الألمان" لها، واجتياحها لديارها في يوم وبعض يوم، فقطع علينا هذا الظنّ يومَ حجر الحقد تلك القلوب على مسلمي الجزائر حتى أبتْ عليهم أن يشاركوها في فرحة فنغصتها عليهم بمناظر الدماء (١) والأشلاء.

стр. 1170

واضيعتاه! أفي الوقت الذي تطمح فيه أنظار الأمم الضعيفة إلى الاستقلال التام، يرسلها رئيس وزراء فرنسا صيحة إنذار، بأن لا حق لنا حتى في استقلال ديننا؟! واخيبتاه! أبعدَ مداورات دامت سنوات يُفرض على الأمة الجزائرية دستور أعرج أبتر، لا يسمع ولا يبصر، لم يؤخذ رأيها في وضعه، ولم يُسمع صوتها في دفعه؟! واذلّاه .. ! أبَعْد البراهين اللائحة كفلق الصبح على حق هذه الأمة في السياسة وفي الحياة، وعلى استحقاقها لجميع الحقوق في السياسة والحياة، تعامل بالدون، وتحمل على خطة الهون؟! أيها المتردّدون على قصر البوربون، إنه لا طارد كاليأس، وقد أيأسوكم فكأنهم طردوكم، فارجعوا ارجعوا وتداعوا إلى الاتحاد على الحق الواضح بالمنطق المعقول، فإن القوم قد اتّحدوا على هضمكم بالمنطق المسلّح، ارجعوا واجتمعوا واجمعوا الأمة في مؤتمر، واشرحوا لها الحقيقة، ودعوا لها الكلمة الأخيرة في تحديد الموقف وتقرير المستقبل. لا اندماج إلا لبعضكم في بعضكم، ولا اتحاد إلا لأجزائكم الطبيعية بعضها مع بعضها.

стр. 1171

جمعية العلماء و المشاكل الإجتماعية بالجزائر ــ مشكلة الزواج مشكلة الطلاق مشكلة الصداق مشكلة الأحزاب دعوات مكررة إلى اتحاد الأحزاب والهيئات

стр. 1172

من مشاكلنا الاجتماعية (١) الشبّان والزواج * ــ تعاني الإمة الجزائرية وجاراتها المتّحدة معها في الدين والجنس، المقاربة لها في العادات والمصطلحات، عدة مشاكل اجتماعية، لا يسع المصلحين إغفالها، ولا السكوت عليها بعد ظهور آثارها، وتحقّق أضرارها، وستعالج «البصائر» طائفة من أمهاتها، ببيان نتائجها، وبيان وجه الرأي في علاجها، سائلة من حملة الأقلام وحملة الألسنة وذوي الرأي أن يظاهروها في هذا العلاج، ومن الأمة أن تقوم بواجبها من السمع والطاعة والتنفيذ، فإن من بعض هذه المشاكل ما لو تمادى وامتدّ لأتى بنيان الأمة من القواعد، وقضى عليها بالمسخ أولًا، والتلاشي أخيرًا. أعضل هذه المشاكل، وأعمقها أثرًا في حياة الأمة، وأبعدها تأثيرًا في تكوينها مشكلة الزواج بالنسبة إلى الشبّان، فالواقع المشهود أنّ الكثير من شبابنا- وهم أملنا وورثة خصائصنا- يعرضون عن الزواج إلى أن يبلغ الواحد منهم سن الثلاثين فما فوق، ويترتب على ذلك أنّ الكثيرات من شوابنا يتعطلن عن الزواج إلى تلك السن، فيضيع على الجنسين ربيع الحياة ونسماته وأزهاره وبهجته وقوّته، ويضيع على الأمة نبات ذلك الربيع، وثمر الخصب والنماء والزكاء فيه، ثم تضيع بسبب ذلك أخلاق وأعراض وأموال، وإذا زادت هذه الفاشية فشوًّا، واستحكم هذا التقليد الفاسد، فإن الأمة تتلاشى في عشرات من السنين. إن أمّتنا ليست منسجمة العوائد في أمورها الحيوية، وليست مطبوعة على قالب واحد في تكوينها الاجتماعي؛ ولذلك نجد البُداة المتّصلين بالفطرة لا يحسّون بهذه المشكلة بل تؤدّي بهم البساطة إلى الخروج عن حد الاعتدال تفريطًا، فيزوّجون أولادهم قبل سنّ البلوغ، وهو تفريط شائن مَعيب، وخيرُ الأمور الوسط.

стр. 1173

إننا نتحدّث عن شبابنا الذين يُطاولون بالزواج وهم ينوونه، وأما أولئك الشبّان الذين أركسوا في الدرك الأسفل من الحيوانية، فانطلقوا مع الشهوات، واستمرأوا التحلّل من قيود الدين والعقل، ورأوا أن الزواج قيد لحريتهم البهيمية، فتحالفوا مع الشيطان على بتّ حباله، فأولئك قوم مجرمون. شبابنا الأعزاب المتأولون نوعان، من حيث الئقافة وعدمها. فأما المثقّفون الذين يستغلّون ثقافتهم، ويعيشون بها، فيبالغون كلما ذُكر الزواج في الاحتياط للمستقبل، والاستعداد لتكاليف النسل، ومنهم من يعتذر للعزوبة بأنه لا يجمل به أن يتزوّج من الجاهلات الأميات، وعذرهم هذا يطوي أشياء يلوحون لها تارة، ويصرّحون بها أخرى؛ وقد يزيغ بعضهم الزيغة الكبرى فيتزوّج بأجنبية، يُنفق عليها ما ينشئ ابنة عمّه خلقًا جديدًا متعلّمًا مهذبًا مدبرًا منظّمًا، ولا نلوم أولئك ولا هؤلاء، لأن الحضارة الغربية أفسدت أذواقهم، وأزاغت نظرهم إلى الحياة، فجعلت البعض يحتاط للمستقبل احتياطًا مفرطًا، وجعلت البعض يأنف من الفضيلة إذا كانت أمية، ولا يأنف من الرذيلة إذا كانت متعلّمة، لا نلومهم وإنما نلوم أنفسنا، إذ لم نأخذ للأمر عدته، ولم نحتط لعواقبه البعيدة، فنعلم البنت تعليمًا إسلاميًا قويًا بروحه، قائمًا بفضيلته، واسعًا بمعانيه، ترغم به هذا الشباب الأخرق على الرجوع إلى أصله، ولا يفلّ الحديد إلا الحديد. وأما غير المثقفين وهم الذين يعتمدون على العمل الجسماني، ولم يصلْ بهم فساد الذوق إلى احتقار الجنس، فهم يعتذرون عن تأخير التزوّج أعذارًا أخرى منها المقبول ومنها المردود؛ ولئن سألتهم ليقولن: كيف نتزوّج مع هذه الشروط المرهقة، وهذه العوائد التي تجلب الإفلاس على الأغنياء، فكيف بالفقراء أمثالنا، وإن كثيرًا منهم لصادق في كثير من هذه المعاذير، وإن عذرهم لبيّن ولا تلحقهم في هذا ملامة، وإنما اللوم على هذا المجتمع الفاسد الذي نبذ هداية الدين، وإرشاد العقل، وشهادة الواقع، وحكم العوائد، وتناول هذه المسائل الكبيرة بالنظر القصير، وإلى هذا المجتمع نسوق كلمتنا هذه: إن الأمّة الرشيدة هي التي تحرس شبّانها في طور الشباب من الآفات التي تصاحب هذا الطور، فتحافظ على أفكارهم أن تزيغ، لأن هذا الطور طور له ما بعده من زيغ أو استقامة، وتحافظ على أهوائهم أن تتجه اتجاهًا غير محمود، وتحافظ على عقولهم أن تعلق بها الخيالات، فتنشأ عليها، ويعسر أو يتعذّر رجوعهم عنها، وتحافظ على ميولهم وعواطفهم أن تطغى عليها الغرائز الحيوانية، لأن هذا الطور هو طور تنبّهها ويقظتها. راعى الإسلام- وهو دين الفطرة- كل ذلك فندب إلى الزواج، وحضّ عليه وسمّاه إحصانًا، وشرع له من الأحكام ما هو أقرب إلى التيسير والفطرة والتسامح، كلّ ذلك

стр. 1174

ليحفظ على الشاب والشابّة دينهما وعرضهما ويضبط عليهما عواطفهما فلا تمتدّ العين إلى محرم، ولا تهفو النفس إلى محظور، ولا يجاوزان بالفطرة حدود الله. ولو أننا وقفنا عند حدود الله، ويسّرنا ما عسرته العوائد من أمور الزواج، لما وقعنا في هذه المشكلة، ولكننا عسرنا اليسير، وحكمنا العوائد، والعجائز القواعد، في مسألة خطيرة كهذه، فأصبح الزواج الذي جعله الله سكنًا وألفة ورحمة- سبيلًا للقلق والبلاء والشقاء، وأصبح اللقاء الذي جعله الله عمارة بيت وبناء أسرة- خرابًا لبيتين بما فرضته العوائد من مغالاة في المهور، وتفنّن في النفقات والمغارم. هذه العوائد بدّلت حكم الله، ونسخت سنّة رسوله، فأصبح الزوج لا ينظر من الزوجة إلى دينها وحسبها وجمالها، وإنما ينظر إلى شيء واحد ... إلى مالها، فلتكن من خضراء الدمن، ولتكن دميمة الخلقة، كلّ ذلك لا يضيرها عند الزوج الطامع إذا كان لها مال، وولي الزوجة لا ينظر من خاطب بنته إلى أصله ودينه وأخلاقه، وإنما ينظر إلى شيء واحد ... إلى ماله وما يقدّمه من المهر الغالي والحلي النفيس، وبعد هذا لا نعجب إذا رأينا كلّ زواج يبتدئ بهذا الاعتبار، ينتهي بالطلاق والعدواة والخصام بعد أشهر وأيام. إن الصدقات التي يتغالى فيها هؤلاء الحمقى يكتفي فيها الإسلام بأقل متموّل، وقد زوّج رسول الله ﷺ مسلمة مؤمنة على أن يعلمها زوجها سورًا من القرآن، واكتفى في تزويج أخرى بخاتم من حديد (لو وُجد) ليرشد إلى أن المال ليس له من الاعتبار في باب الزواج إلا ما لخاتم الحديد. إن مقاصد الإسلام في هذه السنّة أعلى من كل ما يعمله الناس، فهو يرمي بما شرع إلى بناء البيوت على المحبة والتعاون على تربية النسل وتعليمه وتقوية الأمة به. وعلى هذا فالرجل الذي يُزوّج ابنته على هذا الأصل الواهي، ولا يراعي في زوج بنته إلّا جانب المال، رجل لا عقل له ولا ضمير، فقد يفلس ذلك الزوج، ويرجع على صداق زوجته وثروتها حتى يفلسا معًا، ويكون عاقبة أمرهما الطلاق، وكم رأينا من غني زوّج بنته بسكّير لما قدّم من حلي وساق من مهر، فعاشت بنته في نكد، ولم تتمتعّ بزوج ولا ولد؛ وكم رأينا مَن باع داره التي تُظلّه وتُظلّ أطفاله لإهداء بنت من بناته إلى زوجها، فلما جاء دور الثانية لم يجد، ووجد الشيطان فسوّل له أن يعضلها حتى تموت. هذه بعض الموبقات التي قرّرتها العادة الفاسدة في مجتمعنا، فأدّت إلى بقاء الشبّان والشّابات أعزابًا ساخطين على الحياة متبرمين بها. ثم ماذا كانت العاقبة؟ فساد أخلاق وتهوّر في الفسق وأول الغيث قطر.

стр. 1175

أيها الآباء! يسّروا ولا تعسروا! وقدّروا لهذه الحالة عواقبها وارجعوا إلى سماحة الدين وشره، وإلى بساطة الفطرة ولينها. إن لبناتكم مزاحمات في السوق على أبنائكم، وإن معهن من الإغراء والفتون ما يضمن لهنّ الغلبة في الميدان؛ فحذار أن يغلب ضعفهن قوّتكم، وإن هذه الحرب التي أفنت ملايين من الشبّان، أبقت عديدهم من النساء، وإنهن يُجلن الآراء والأعين في مستعمرات من الشبّان، أو في شبّان من المستعمرات، وإنهن مسلّحات بأفتك من أسلحة الحرب، فحذار أن يكون شبابنا فرائس هذا الاستعمار الضعيف القوي. إنكم لا تغالبون الطبيعة البشرية إلا غلبتكم، ولا تشادّون سنن الله إلا قهرتكم وإن الدواء في أيديكم، فيسّروا ولا تعسروا. أيها الشبّان! إنكم لا تخدمون وطنكم وأمّتكم بأشرف من أن تتزوّجوا، فيصبح لكم عرضٌ تدافعون عنه، وزوجات تحامون عنهن، وأولاد يوسعون الآمال، هنالك تتدربون على المسؤوليات، وتشعرون بها، وتعظم الحياة في أعينكم، وبذلك تزداد القومية قوة في نفوسكم، إن الزوجة والأولاد حبال تربط الوطني بوطنه، وتزيد في إيمانه، وإن الإعراض عن الزواج فرار من أعظم مسؤولية في الحياة، ولمن تُخدمُ الأوطان؟ إذا لم يكن ذلك لحماية من على ظهرها من أولاد وحُرَم، ومن في بطنها من رفات ورمم. قد كان أجدادكم العرب يضعون نساءهم وذراريهم خلف ظهورهم في ساعة اللقاء لئلّا يفرّوا ... وهذا هو الحفاظ.

стр. 1176

من مشاكلنا الاجتماعية (٢) الطلاق * ــ الطلاق حلّ عقدة، وبتّ حبال، وتمزيق شمل، وزيال خليط، وانفضاض سامر، فيه كلّ ما في هذه المركبات الإضافية التي استعملها شعراء العرب، وجرت في آدابهم العاطفية مجرى الأمثال، من التياع وحرارة، وحسرة ومرارة، ويزيد عليها جميعًا بمعنى آخر، وهو ما يصحبه من الحقد والبغض والتألّم والتظلّم. لهذه الملابسات التي هي من مقتضيات الفطر السليمة، والطباع الرقيقة، شرعه الإسلام مقيدًا بقيود فطرية حكيمة، وقيود شرعية قويمة، اعتمد في تنفيذها بعد فهم المراد منها على إيمان المؤمن، وشرع له من المخففات ما يهون وقعه كالتمتيع ومدّ الأمل بالمراجعة، وتوسيع العصمة إلى الثلاث، حتى تمكن الفيئة إلى العشرة؛ وما وصْفه في القرآن بالسراح الجميل والتسريح بالإحسان، إلا تلطيف إلهي في أسلوب معجز يبعث في النفوس المؤمنة نفحات تلطف وما تزال تلطف من غلظ الإحساس وعرام الحيوانية حتى يصير الطلاق "عملية بلا ألم". والزواج عقد بين قلبين، ووصل بين نفسين، ومزج بين روحين- وفي الأخير- تقريب بين جسمين، فإذا تراخت عراه بين القلبين ضاعت حكمة الله في السكون والرحمة والعطف، وهنا يدخل العقل مصلحًا بلغة المصلحة والتعاون والإحسان، وشفاعة النسل (إن كان)، فإذا زاغت الفطرة من أحد الزوجين عن محورها، أو طغت الغرائز الحيوانية على الفضائل الإنسانية في أحدهما أو كليهما، ولم يقم العقل وحده أو مع الحكمين، بإصلاح ذات البين، فالله أرحم من أن يكلف عباده تحمّل هذا النوع من العذاب النفسي، وهو الجمع بين قلبين لم يأتلفا، وطبعين لم يتّحدا، وروحين لم يتعارفا؛ لذلك شرع لهما الطلاق

стр. 1177

ليستريح إليه من ضاق ذرعًا بصاحبه ضيقًا معقولًا بدواعيه وأسبابه؛ ولما كان من بعض أسباب الطلاق ما يزول فتتجاوب النفسان من جديد، وتتراجعان الحنين إلى العشرة، شرع الإسلام تلك الملطفات التي ذكرنا بعضها، والتي تُبقي على أصل الصلة، وتحفظ "خط الرجعة". جهل المسلمون حقائق دينهم، وجهلوا الحكم المنطوية تحت أحكامه، ومن أسباب ذلك جفاف الفقه عند الفقهاء لأخذهم إياه من كتب تُعلّم الأحكام ولا تُبيّن الحِكَم، فأثر ذلك في نفوس المتفقهة- وهم مرجعُ العامة في سياسة الإفتاء- آثارًا سيّئة، منها اعتبار تلك الأحكام تعبدية تُحفظ ألفاظها، ولا يتحرّك الفكر في التماس عللها، وطلب حكمها، وتعرف مقاصد الإسلام منها، وتصفّح وجوه المصلحة والمفسدة فيها. أنا لم أسمع مدةَ دراستي للفقه في بعض تلك الكتب إلا كلمتين تثيران في النفس شيئًا من الإحساس الحي، وتنبّهان على خيال من الحكمة، وتبثّان في المشاعر بصيصًا من النور، إحداهما في باب النكاح، وهي قولهم: "النكاح مبنيٌّ على المكارمة"، والثانية في باب الطلاق، وهي تناقلهم لأثر "أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". ولو أن فقهاءنا أخذوا الفقه من القرآن، ومن السنّة القولية والفعلية، ومن عمل السلف، أو من كتب العلماء المستقلّين المستدلين التي تقرن المسائل بأدلّتها، وتبيّن حكمة الشارع منها، لكان فقههم أكمل، وآثاره الحسنة في نفوسهم أظهر، ولكانت سلطتهم على المستفتين من العامة أمتن وأنفذ، ويدهم في تربيتهم وترويضهم على الاستقامة في الدين أعلى. إن من يأخذ فقه الطلاق من آية: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ومما بعدها من الآيات الآمرة بالوقوف عند حدود الله، الناهية عن تعديها، أو من آية: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾؛ أو من آية الحكمين ووعد الله بالتوفيق عند الإصلاح، وبالإغناء من واسع فضله عند التفرّق؛ أو من آية تخيير النبي أزواجه بين حالين: أحدهما التمتيع والسراح الجميل، مَن أخذَ فقه الطلاق من هذا المنبع العذب يعلم أيّ حكم مبثوثة تحت كل كلمة وكل جملة، ومن تفقه هذا الفقه ونشره في الناس يبعد جدًّا أن يتلاعب بتلك العقدة الإلهية التي عقدها الله بين الزوجين، فيضعها في موضعها المعروف بين المسلمين الآن. هذا الجمود في الفقه والفقهاء، وذلك الخلاف الواصل بين طرفي الإباحة والحظر في المسألة الواحدة، هما اللذان سهّلا على المسلمين تعدّي حدود الله في الطلاق، وأفضيا بهم إلى هذه الفوضى الفاشية في البيوت، وإلى ارتفاع الثقة بين الأزواج والزوجات، وزاد الطين

стр. 1178

بلة وضْعٌ منحرف لمكان الزوجة من زوجها، حتى أصبح متخلخلًا متزلزلًا لا استقرار له، وما جاء هذا التخلخل إلا من سوء فهم من الرجل، انبنى عليه سوء تصرّف منه في الحق الذي خوّله الشارع، وهو أنه يملك العصمة، وما جاء سوء الفهم إلا من سوء التفهيم من الفقيه، فالفقيه لا يعرفُ إلا أن العصمة بيد الزوج، لأنه لا يجد في كتب الفقه إلا هذا، وهو حق في أصل الشريعة، ولكن الإسلام لا يُعطي هذه الحقوق أو هذه الامتيازات إلا للمسلم الصحيح الإسلام، القويّ الإيمان. فهو يكل إليه عهدًا ويستحفظه على أمانة، اعتمادًا على رشده، وثقة بإيمانه، أما إعطاء هذه الامتيازات إلى الجاهلين المتحلّلين من قيود الإسلام فهو لا يقلّ شناعة وسوء أثر عن إعطاء السلاح للمجانين. ... يخرج الرجل إلى السوق، أو يجلس في المقهى، ويختلف مع آخر في شأن جليل أو حقير فيحلف أحدهما أو كلاهما بالطلاق حانثًا فتكون النتيجة خراب بيت، وتمزيق أسرة، وتشريد بنين. ويتناقش آخر مع صهره في زيارة أو استزارة فيحلف أحدهما أو كلاهما بالطلاق، وتكون النتيجة تقطيع أرحام، وتكوين فتنة. ويتنازع اثنان الحديث في السياسة أو التفضيل بين شخصين أو في الغيم والصحو، فتجري ألفاظ الطلاق متناثرة متعددة، كأنها لازمةُ الحديث، وكأن الكثير منهم لم يتزوّج إلا ليجعل الزوجة أداة يمين، أو ليصدقه الناس حين يحلف لعلمهم أنه متزوّج. وكثيرًا ما تطلق الزوجة بهذه الأيمان والالتزامات العابثة، وهي لا تعلم من ذلك شيئًا ولم تتسبّب فيه. وكثيرًا ما تكون آمنة في بيتها سعيدة بزوجيتها، فتفاجأ بالطلاق من زوج أحمق مأفون، لخلاف شجر بينه وبين جار أو بائع أو مشتر على أتفه الأسباب. أيها المسلمون: إن عقدة الزواج عقدة مؤكدة، يحافظ عليها الأحرار، ويتلاعب بها الفجّار، وإن العصمة امتياز لرجالكم، ما لم تطغوا فيه وتظلموا، فإذا طغيتم فيه وجُرتم عن القصد، كما هي حالتكم اليوم، انتزعه منكم القضاء الإسلامي العادل لو كان. فإذا لم يكن عاقبكم الله بعذاب الخزي. ما هذه الفوضى وهذا الاضطراب إلا عقوبة من الله لكم، وغيرة منه على أحكامه أن تتولوها بالهوى المطاع، والجهل القالب للأوضاع.

стр. 1179

أيها المسلمون: إنه لا أشقى من ابن المطلقة، وإن أباه يُشقيه أولًا، ويشقى به أخيرًا، فإذا ربيَ في حضن أمّه المطلقة شقي ببعده عن أبيه، وشقي أبوه بما تغرسه أمّه في نفسه من بغض له وحقد عليه. إن الأمة لا تنعم بأطفالها صغارًا، ولا تنتفع بهم كبارًا، إلا إذا نشأوا متقلبين في أحضان الآباء والأمهات، متلقّين لدروس العطف والحنان من قلبين متعاطفين، لا من قلب واحد. ليت شعري أيدري المتساهلون في الطلاق ماذا جنوا على أنفسهم وعلى أبنائهم وعلى أمتهم؟

стр. 1180

دعوة صارخة إلى إتحاد الأحزاب والهيئات * إلى كل عامل مخلص للقضية الجزائرية من أحزاب وهيئات وأفراد ــ أيها القوم: ها هي ذي الانتخابات البلدية على الأبواب، وهي مقدمة لانتخابات متتابعة وحلقة من سلسلة طويلة من النيابات، وإن من طبيعة الانتخابات في الأمم التي لم تنضج آراؤها في الحياة، ولم يتّضح منهاج الحياة لها، أن تشتّت الشمل المجموع وتفرّق الكتلة المتراصّة الأجزاء، فكيف بالشمل الممزق والرأي المفرق؟ وها نحن أولاء نرى خصوم القضية الجزائرية من أئمة الاستعمار قد جمعوا صفوفهم وأجمعوا أمرهم على حرب قضيتنا في منبتها أشدّ مما حاربوها في فرنسا، وها هم أولاء أعدّوا من رجالهم للمراكز العليا في هذه النيابة كل ذي سابقة سوداء في القضية، وكل بطل من أبطال الكيد لها، وكل ذي نية خبيثة في القضاء عليها، وكل ذي دخلة سيئة للإسلام، وكل ذي يد ملوثة بدماء أبنائه. إنهم قد تداعوا جهرة إلى الاتحاد هنا كما اتّحدوا هناك. اتّحدوا هناك على إحباط برامجكم فنجحوا، وعلى تخييب مطالبكم فأفلحوا، وإنهم قد اتّحدوا هنا على إسكات أصواتكم، وإخماد حركاتكم، وبيدهم أزمة القوة من حُكم ومال، ومطابع وجرائد وقسيسين. إن ضعف الضعيف لا يكون- في سنّة الله- إلا زيادة في قوة القوي، وإن اختلافكم ضعف، فهو لا يكون إلا زيادة في قوة خصومكم وخصوم قضيتكم. لا تستيئسوا. إن لم يكن لكم بعض ما لديهم من القوة المادية، فعندكم من القوة المعنوية ما لو أحسنتم تصريفه واستغلاله لغلب ضعفكم قوّتهم.

стр. 1181

إن قوّتكم في الاتحاد فاتّحدوا. إن الأمة من ورائكم، وهي مختلفة باختلافكم، فإذا اتحدتم اتحدتْ، وإنها متألمة من اختلافكم في مثل هذا الوقت، وفي مثل هذا الموقف، وإن هذا التألّم قد يفضي بها إلى اليأس وانعدام الثقة بكم، فأنعشوا آمال أمّتكم باتحادكم وقوُّوا معنوياتها بجمع كلمتكم. إن خصومكم يتقدّمون إلى الميدان بقائمة واحدة مختارة من أهل الكفاءات في حربكم وبغضكم، ومن أهل السوابق في الكيد لكم، يؤيّدها الموافق المتحمّس، ويرجع إليها النافر والشارد والمحايد، فتكتسب من وحدتها قوة الاتحاد، ومن التفاف الفرق قوة الإجماع. وإن هذه القوة تُصيّر الباطل حقًّا في نظر القانون. أما أنتم فتتقدمون- ما دمتم مختلفين- بقوائم مختلفة متعددة مبنية على عصبية الحزبية، لا على أساس الكفاءة، ولا على اعتبار المصلحة الوطنية، تصحبها دعايات يلعن بعضها بعضًا، ولا تنتهي حتى تقطع ما بقي من أوصال هذه الأمة الضعيفة، وتأتي على ما بقي من وشائج القربى وصلات الأخوة، ثم تترك بعدها نيرانًا من العداوة لا يطفئها ماء البحر، وندوبًا من الحزازات والأضغان لا يمحوها كرّ الزمن، وتصيّر الأخ ينظر إلى أخيه وكأنما ينظر إلى قاتله، فهي كالأمراض المستعصية إن لم تقتل تركت الضعف والارتخاء والفتور والنحول، ثم تبرز القوائم الناجحة فإذا هي هزيلة مضعوفة، مرقّعة الأطراف، خالية من الكفاءات خالية من روح النضال خالية من القيادة الصحيحة، وإذا بتلك الحمية قد بردت، لأن باعثها هو الانتخاب، وعصبية الأحزاب، لا مصلحة الوطن وحقوق الأمة، ومن المحزن أننا ما زلنا نعتبر الانتخاب غاية لا وسيلة في حين أنه في حقيقته وفي نظر الأمم الحية وسيلة لا غاية، وهذه إحدى نقط الضعف في عقليتنا العامة، فليعتبر بها رجالنا وأحزابنا، تضاف إليها أخرى من نقائصنا وهي أن الانتخابات في نظر الأمم الحية كميدان المصارعة الرياضية، لا ينتهي المتصارعان حتى يتصافحا على الوفاء للفن، أما عندنا فهي مجال خصام، تبتدئ بالسباب، وتنتهي بالعداوة، وما ذلك إلا لأن حظ النفس لم يزل عندنا مقدمًا على حظ الوطن وعلى المصلحة العامة. يا قادة الأحزاب! إن في مبادئكم دسائس دخيلة من الأفكار، تؤرّث العداوة الحزبية بين الإخوة بحجّة المحافظة على المبدإِ، فانبذوها بضرورة الاتحاد ومراعاة الظروف، وادحضوا شبهتها بحجة الوطن الصريحة، وإن في صفوفكم دساسين مدخولين من الرجال لهم أغراض في المنافع والكراسي ولهم مقاصد في الإفساد، وإنكم لتعرفونهم بسيماهم وتعرفونهم في لحن القول، فأخرجوهم من الصفوف، ولا تسمعوا لهم كلمة ولا تطيعوا لهم رأيًا، وإن إخراجهم لا ينقص عددًا ولا يقطع مددًا، بل يقطع دابر الفساد من صفوفكم ويسأصل مادة الضعف من أتباعكم.

стр. 1182

يا قادة الأحراب! إنكم مسؤولون أمام الله وأمام التاريخ وأمام الوطن وأمام الأمّة، فاعرفوا قيمة هذه المسؤولية الثقيلة، واشتركوا في تحمّلها بإخلاص تخف ويخف عليكم ثقلها. إن العمل النافع للجزائر يبتدئ من الجزائر، وإن الانتخابات باب للمرور، لا دار للاستقرار، فاعبروه متكاتفين، ولا تعبروه متخالفين، واجعلوا مصلحة الوطن قبل مصلحة الحزب، ومصلحة الحزب قبل مصلحة الشخص. أيّتها الأمة الجزائرية! إن هذه الأحزاب تستمدّ قوّتها منك، وأنت الزاد والمدد، والعدّة والعدد؛ فاحمليها- بجميع الوسائل- على الاتحاد؛ إنها متكلمة باسمك، فاحمليها على الاتحاد باسمك، إنها إن اختلفت كنت أنت الخاسرة على كل حال، وقضيتك هي المهضومة على كل حال، ويومئذٍ لا ينفعك نجاح الناجح منهم؛ أما إذا اتحدوا وتقدّموا للانتخاب بقائمة واحدة، فإن نجاحهم في النيابة عنك محقق، ونجاح قضيتك قريب، فإذا لم تربحي الحق ربحت الاتحاد وكفى به ربحًا. أيتها الأحزاب! أيها النوّاب! ... دعوْناكم إلى "اتحاد أجزائكم الطبيعية بعضها مع بعضها" في تلك الكلمة المدوية في العدد الرابع من «البصائر»، واتصلنا بكثير من المسؤولين منكم وبينّا لكم ضرورة الاتحاد في هذا الوقت الحرج، فوجدنا بعضكم يقول في الاتحاد بلسانه، ما ليس في قلبه، ويسارع إليه بالقول ويبطى عنه بالعمل، ووجدنا بعضكم لا يفهم من الاتحاد إلا أن يكون اندماجًا وإلحاقًا، لا كما يفهمه الناس من حفظ كل حزب لكيانه، والاتحاد والتعاون على ما فيه مصلحة الوطن، ووجدنا بعضكم لا يرضى إلا بأن تكون جمعية العلماء جزءًا من هذا الاتحاد. وجمعية العلماء- كما هي في حقيقتها، وكما أعلنت- فوق الأحزاب. ومن مصلحة الأحزاب أن تكون جمعية العلماء فوق الأحزاب.

стр. 1183

دعوة مكررة إلى الإتحاد * دعوْنا بالقلم مرّات أحزابنا السياسية الجزائرية إلى الاتحاد؛ وبينّا لهم ما يجهلونه من ثمراته وفوائده. ودعونا إليه باللسان في مجالس لا تحصى، نوّعنا فيها العبارات، وشرحنا الأسباب الداعية إليه من واقعة ومتوقعة؛ وخاطبنا بذلك جماعة من المسؤولين وذوي الرأي من أحزابنا، وتلطفنا في التحيّل، فاخترنا للدعوة كثيرًا من المناسبات التي يسهل معها الدخول إلى النفوس النافرة، والتأثير على العواطف الفائرة، والتغلّب على النزعات الحادة، واتخذنا من الإسلام والعروبة الجزائرية محورًا للدعوة إلى الاتحاد، وموئلًا نسوق إليه المتفرقين من أهله، لا تحريكًا للعصبية الدينية أو الجنسية، ولكن لأنها الجوامع الطبيعية لرجالنا العاملين، والصفات التي تربطهم بالأمة، والأصول التي ائتمنتهم الأمة على المطالبة بحقوقها فيها، ولأن الاستعمار إنما يسومنا الخسف والظلم لأجل هذه الثلاثة ويغالبنا عليها منذ قرن ونيف؛ ولو أن الشعب الجزائري كان مسيحي الدين عربي الجنس لَلقي من الاستعمار بعضَ العطف بمقدار ما تقتضيه أخوّة الدين، وإن تقاضى منه ثمن ذلك العطف تسخيرًا في تذليل بني العمومة من العرب والمسلمين كما هي عادة الاستعمار التي عرفها العرب وتفطنوا لخباياها، ولو كان هذا الشعب غير عربي ولا مسلم للقي من عطف الاستعمار المسيحي الشيء الكثير، بشرط أن تبقى العنجهية الأوربية هي السائدة فوق الجميع. ولو أننا قصدنا في الدعوة إلى الاتحاد على تلك الأصول الثلاثة، إثارة النعرة الدينية أو الجنسية، لما توجّه إلينا لوم من عاقل في هذا الزمن الذي أصبح من مميزاته وخصائصه التجمّع العنصري في أعرض الأمم دعوى في الإنسانية والديمقراطية، والتكتّل الديني في أعرقها نسبًا في الإلحاد واللايكية. ...

стр. 1184

كلّ مسلم عربي جزائري مخلص يُؤيّدنا في الدعوة إلى هذا الاتحاد. ويود منه ما نود، ويعتقد فيه ما نعتقده من أنّه المعقل الوحيد للقضية الجزائرية والوسيلة الوحيدة لنجاحها، ويرى ما نرى من آثار هذا التفرّق الشنيع الذي شتّت شمل هذه الأمة الضعيفة فزادها ضعفًا على ضعف في وقت تطلعتْ فيه إلى المطالبة بحقّها، فهي فيه أحوج ما تكون إلى جمع القوى والتئام الشمل واتحاد الكلمة. ترد علينا رسائل كثيرة من عقلاء الأمة المخلصين لها السالمين من عصبية الحزبية، وكلها حضّ على السعي في الاتحاد بين الأحزاب وجمع الكلمة المتفرقة في هذا الوقت التي تجمعت فيه جموع الاستعمار على دحض حقّنا بباطله، وفي هذا الجو الذي كله نذر ومخاوف، والرسائل على كثرتها بحيث لا يخلو منها بريد يومي وخصوصًا في الأسابيع الأخيرة- كأنما كتبت بقلم واحد في أمور ثلاثة: التشهير بضرر الخلاف، والتنويه بضرورة الاتحاد، وتعليق الأمل في جمع الكلمة على كاتب هذه السطور وجمعية العلماء. وقد تغالى بعض الكاتبين فعصب قضية الاتحاد برأس كاتب هذه الكلمة، وجعلها عهدة في عنقه، وبالغ بعضهم- وهو من ذوي الآراء النيّرة والعلم الواسع والإخلاص المحقّق- فقفز إلى غاية الغايات وهي جمع الكفاءات في حزب واحد. أما ضرر الخلاف على القضية الجزائرية فهو أمر يستوي في إدراكه جميع الناس، وأما ضرورة الاتحاد فهي أمر لا يختلف فيه عاقلان، وهو أمنية كل مسلم مخلص لدينه وجنسه ووطنه، وقد شعر به المسؤولون من رجال الأحزاب فتداعوا إليه جهرة في حين حدّة الخلاف وعنفوانه، ووجود أقوى أسبابه. ولا يماري في لزوم الاتحاد إلا قصير النظر في العواقب، أو خادم لركاب الاستعمار من حيث يدري أو لا يدري، أو مدخول النسب في الوطنية، أو مغطى البصر في العصبية الحزبية، أو سمى العقيدة في الإسلام والعروبة، أو متّهم في إخلاصه لهما، نقول هذا بكل صراحة لأننا نعتقده، ونعتقد معه أن كل الأحزاب في جميع الأمم لا يخلو أتباعها من أخلاط، كما لا تخلو أعمالها من أغلاط. وأما تعليق الأمل بكاتب هذه السطور وبجمعية العلماء فهو في محله، لأن الكاتب خلق لذلك، وعمل لذلك، وأنفق عمره في ذلك، وحلّ أصعب عقدة عقدها الاستعمار فجمع الكراغلة والحضر (١)، على ما جمع

стр. 1185

عليه الإسلام ربيعة ومضر. وتمّ بسعيه وسعي إخوانه العلماء- في وقت لا يقل حرجًا وضيقًا عن وقتنا هذا- جمع الأحزاب في هيئة أحباب البيان، يوم كان البيان هو مسألة الوقت ومحلّ الإجماع، وكان يصرّح هو وإخوانه في كل جلسة كما يصرّح الآن بأن جمعية العلماء "فوق الأحزاب" لا فوقية التعالي والترفّع، إذ لو كانت كذلك لما رضيت بالدخول في هيئة، ولا بالحضور في مجمع، وإنما هي فوقية الإرشاد والنصيحة والمحافظة على الوحدة، بحيث تكون الحَكَم والمرجع كلّما شجر خلاف في رأي، أو نجمت فرقة في مبدإٍ، ولكن بعض رجالنا- سامحهم الله- لم يفهموا هذا المقصد الصالح، وأرادوا الجمعية على أن تكون قسيمًا ثالثًا وطرفًا في النزاع، وحملوها على غير حقيقتها ومبادئها، وأوّلوا بالهوى بعضَ مواقفها الضرورية على غير وجهها، وأراد كل فريق أن تكون ألعوبة في يده، أو مسخّرة لأغراضه، أو أداة يهدم بها خصمه، والجمعية فوق ما يظنون، وفوق ما يتوهمون، ليست عاملَ تفريق، وإنّما هي عامل جَمْع، وليست أداة هدم، وإنما هي أداة إصلاح، ولو استبطن رجالنا السياسيون بواطنَ الأمور، وتدبروا عواقبها، لعلموا أن المصلحة الوطنية أولًا، والمصلحة الحزبية ثانيًا، تقتضيان وتتقاضيان من العاملين لهما أن تكون جمعية العلماء فوق الأحزاب، لتكون حكمًا بين الأحزاب، ولو جرت الجمعية على ما أرادوا لكانت حزبًا سياسيًّا ثالثًا يزيد الطين بلّة، وفي الأمراض علة؛ وفي صفوف الأمة صدعًا، ولانهارت دعامة الاستقلال الأولى وهي العلم والتعليم، أما كفى الأمة ما تعاني من حزبين حتى نزيدها ثالثًا؟ ... لا بدّ في الاتحاد من تذكّر بعض الماضي، ولا بدّ من نسيان بعضه، يُذكر الصالح من الماضي ليبنى عليه الحاضر، وينسى غيره لأن السياسة تتلوّن بالظروف، والظروف رهينة التحوّل والتغيّر؛ إنما يستثار التراب الساكن للبحث عن شيء نافع؛ أما إثارته لغير معنى ولا فائدة، فهو عمل يقذي ويؤذي فنرجو من رجالنا- ونلحّ في الرجاء- أن يتّحدوا على الأصول المسلمة، لأننا نعلم جميعًا أن الغاية واحدة، وأن الخلاف إنما هو في الوسائل الموصلة إلى تلك الغاية، وإذا كان الأمر كذلك كان الاتحاد من أيسر الأمور، زيادة على كونه من ألزم الأمور، وما ضاق الرأي والتدبير يومًا عن تقريب المتناقضات، فضلًا عن جمع المتقاربات. وإذا صدقت النيات، وصفت الضمائر، وأخلصت القلوب في خدمة الوطن- فكل صعب يهون، وكل عسير يتيسّر. على رجالنا أن يعلموا أنه إذا كان الاتحاد لازمًا في كل وقت، وحسنًا في كل وقت، فهو في هذا الوقت ألزم وأحسن.

стр. 1186

وأن أمامهم ثلاثة أمور توجب عليهم الاتحاد العاجل المخلص، ليواجهوها مجتمعين متكاتفين صفًّا واحدًا يعمل لغاية واحدة. أمامهم التكتّل الاستعماري، واقفًا بالمرصاد للقضية الجزائرية، متحفّزًا للقضاء عليها، وما جمعَ جموعه إلا من أجلها؛ وما طوى أحزابه في حزب إلا للقضاء على أحزابنا، أفنعينه على أنفسنا بالتفريق؟ وأمامهم الانتخابات للمجلس الجزائري إحدى الثمرات المرة لذلك الدستور الأعرج الذي وضع من غير إرادة الأمة ولا استشارتها، ولا نشك في أن أحزاب الاستعمار ومن ورائها الحكومة تعد العدّة للاستيلاء على جميع مقاعده بكل الوسائل؛ ولا نشك في أن الخطط دبرتْ، وأن الدوائر فصلت على قدر الأذناب والأنصار، لضمان الفوز للأذناب والأنصار، فإذا لم تواجهها أحزابنا باتحاد متين، وقائمة واحدة، خسرت القضية مرتين: مرة بتمهيد السبيل لفوز الاستعمار وأذنابه وأنصاره، ومرة بتوسيع خرق الشقاق والتفرّق بين أجزاء الأمة الذي هو أثر من آثار الانتخاب. وأمامهم الحالة العالمية العامة بغيمها وظلماتها، لم يضطرب حبلها يومًا اضطرابه في هذه الأيام. وإن في جوّها لبوارق، من ورائها صواعق؛ وإن في طيها لبوائق لم تتفتّق عنها الأكمام. فإذا لم نعالج أحداثها باتحاد عتيد، ولم نقف في وجهها صفًّا واحدًا، وأظلّتنا ونحن متفرّقون متخاذلون، أضعنا الفرصة وخسرنا الصفقة؛ ويا ليتها خسارة تبقي الرجاء وإن أطالت المدة. ولكنها خسارة للقضية وللرجاء فيها معًا. إن في أحزابنا كفاءات، وفيها رجال، وفيها كنوز من الإخلاص، وقد غطى الخلاف على جميع ذلك، فهل من يد جريئة تُزيح ذلك الغطاء البغيض؟ أيّتها الأمّة: أنت تلك اليد، وأنت- وحدك- القادرة على توحيد الأحزاب. إن قوة الأحزاب مستمدّة من قوّتك، فاعرفيهم متّحدين، ولا تعرفيهم مختلفين، أما كيف تؤدّين هذا الواجب، فإن عليّ بيانه إذا لم يتّحدوا. وسيكون البيان آخر ما يمليه الواجب من محض النصيحة. أما أنا فقد بلغت ... اللهم اشهد.

стр. 1187

عواقب سكوت علماء الدين عن الضلال في الدين * للقوة والسلطان أثر في الأبدان، وأثر في الأرواح؛ وأقوى الأثرين تأثيرًا وأظهرهما وسمًا، وأبقاهما على المدى، ما كان في الأرواح، لأن التسلّط على الأبدان يأتي من طريق الرهبة، والرهبة عارض سريع الزوال، أما التسلّط على الأرواح فبابه الرغبة، والدافع إليه الاقتناع والاختيار. ولعلماء الإسلام سلطان على الأرواح، مستمدّ من روحانية الدين الإسلامي وسهولة مدخله إلى النفوس: تخضع له العامة عن طواعية ورغبة، خضوعًا فطريًّا لا تكلّف فيه، لشعورها بأنهم المرجع في بيان الدين، وبأنهم لسانه المعبّر حقًّا عن حقائقه، والمبين لشرائعه، وبأنهم حُرّاسه المؤتمنون على بقائه، وبأنهم الورثة الحقيقيون لمقام النبوّة، وكان العلماء يجمعون بين وظيفة التبيين في التعبديات، وبين وظيفة التقنين في المعاملات؛ أما الخلفاء فلم تكن وظيفتهم- في الحقيقة- إلا التنفيذ لما يراه العلماء من مصلحة في المعاملات الفردية أو الاجتماعية. كان هذا السلطان ظاهرًا على أشدّه، متجليًا في سطوعه في صدر الإسلام يوم كان العلماء قوّامين على الكتاب والسنّة، جارين على صراطهما، واقفين عند حدودهما، قائمين بفريضة الأمر بما عرفاه، والنهي عما أنكراه، لا يهدون الأمة إلا بهديهما، فكان سلطانهم نافذًا حتى على الخلفاء، وألسنتهم مبسوطة بالنقد والتجريح لكل من زاغ عن صراط الدين كائنًا من كان، وكان رأيهم هو المرجع في مصالح الدين والدنيا. لا جرم أن كان خلفاء الدنيا من معاوية وهلم جرًّا يعرفون لهم هذا السلطان الواسع، فيتّخذ منه الموفقون منهم عونًا على الخير والإصلاح فلا يقطعون دونهم رأيًا ولا حكمًا، ولا يتبرّم به المستبدّون منهم،

стр. 1188

لأنهم يرون فيه سلطانًا على سلطانهم، فيأخذون في توهينه، تارةً بالمصانعة المرائية والاستيلاف المخادع، وتارة بالمنابذة المكشوفة والتجنّي المعاند. بايع معاوبة لابنه يزيد، وحمل الأمة على البيعة له بالترغيب والترهيب والمطاولة، فتمّ له ذلك؛ ولكنه كان يرى تلك البيعة كاللغو، ما لم يبايع العبادلةُ والحسن، لمكانتهم في العلم ومكانهم من الأمة، فعمد إلى الحيلة المستظهرة بالسيف، وكذلك فعل بنو مروان كلما تخلّف مثل سعيد بن المسيب عن البيعة، وكذلك فعل الخلفاء بعدهم في قضية البيعة أيام اشتداد سلطان العلماء وامتداده، حتى انتقل أمرها إلى طور آخر، وأصبحت في أيدي الأمراء والقوّاد والأجناد، وخرجتْ من يد الخلفاء والعلماء معًا، وكأنما كان ذلك عقوبة من الله للخلفاء على تعاليهم، وللعلماء على تنازلهم؛ وما وقع في البيعة وقع في غيرها من مصالح الأمة التي يتنازعها السلطانان. بقي العلماء- مع ذلك- ظاهرين على الحق، يتولّون القيادة الحقيقية للأمة في غير ما يمسّ السلطان المادي الزائف، وكانوا أيقاظًا لكل حدث يحدث في الإسلام، وكانوا كلّما رأوا شبحَ بدعة خفّوا إلى إزالتها، وكلّما أحسّوا بضلالة ومنكر في الدين بادروا إلى تغييره بالفعل والقول: يُجسم لهم الاحتياط الصغائر فيعاملونها معاملة الكبائر؛ لا يتساهلون ولا يترخّصون، سدًّا لذرائع الفتنة والضلال، وكانوا يصدُرون في أعمالهم وأحكامهم عن الكتاب والسنة، فيصدرون عن الدليل الذي لا يضلّ، ويستندون إلى الحجة التي لا تدحض؛ وكانت الأمة ترجع إليهم، فترجع إلى وحدة متماسكة في الدين لا تتفرّق بها السبل، ولا تتشعّب الآراء؛ إلى أن فتنتهم المذاهب والخلافات الجدلية في أصول الدين وفروعه، وغطّت عليهم العصبيات المذهبية وجه الحق، فرأت منهم العامة غير ما كانت ترى من وحدة في الدين، عاصمة لوحدتها في الدنيا، ووحدة في العلم، عاصمة من تفرّقها في المصالح، وجرّوها إلى ما هم فيه من خلاف، فجرّتهم إلى ما هي فيه من فساد، وضعف لذلك سلطانهم عليها، فتوزّع أمرَها أمراء السوء الظالمون، وقادة السوء الجاهلون، واجتمع هؤلاء على قصد واحد وهو استغلال العامة فاصطلحوا. لم يزلْ أمراءُ السوء يكيدون للعلماء حتى زحزحوهم- مع تطاول الزمن- عن مكان القيادة الروحية للأمة، وصرفوهم عنها، واستبدلوا بهم في استمالة الدهماء والعامة قادة لبسوا لبوس الدين ليغروا باسمه، وزهدوا في العلم إذ ليسوا من أهله، واستمدّوا قوّتهم من قوّة الأمراء، وتقارض الفريقان الشهادات بالتزكية والتراضي على المنافع والسكوت عن المنكر، هؤلاء يُضلونها، وهؤلاء يُذلونها، والإضلال في الدين وسيلة الإذلال في الدنيا؛ واستنامت الأمة على الهدهدة باسم الدين، وعلى الاغترار بما يزيّنون لها من الجهل، وما يقبحون لها من العلم، وما يقرّبون لها من طرق الجنّة، وهم في ذلك كلّه لا يقربونها إلى الله إلا بما

стр. 1189

يبعدها عنه من بدع ومحدثات، والعلماء في هذه المرحلة غافلون يغطون في نومة أرْبتْ في الطول عن نومة أصحاب الكهف والرقيم، إلى أن فتحوا أعينهم على دين غير الدين، فشبه لهم، وأصبحوا تابعين، بعد أن كانوا متبوعين، وأصبحوا يُزكون بعلمهم ذلك الجهل ويشهدون لأولئك القادة الجاهلين بالكمال والفضل، ولأولئك المبتدعين بما انتحلوه لأنفسهم من الولاية والكرامة، على المعنى الذي اخترعوه، لا على المعنى الذي جاء به الدين، ثم لم يكتفوا منهم بذلك حتى نحلوهم خصائص الألوهية. وشعر أولئك المبتدعة بتهوّر العلماء للمطامع الخسيسة، وسقوطهم على المطاعم الخبيثة، فقادوهم بزمامها، ثم شعروا بإقرارهم للمهانة والذل في نفوسهم، فأمعنوا في تحقيرهم وإغراء العامّة بهم، وأهان العلماء أنفسهم، فسهِل الهوان عليهم، فأصبحوا أذلّ من وتد بقاع، وصاروا عبيدًا وخولًا لهؤلاء المبتدعة الضُلَّال، يعيشون عالة عليهم، ويتساقطون على فتات موائدهم، ويتطوعون لهم حتى بأخس شهواتهم، ويشهدون لهم الزور على الله ودينه، ويحلون لهم من اللذائذ ما حرّم الله، وعلى هذه الحالة أدركنا عصرنا وأهلَ عصرنا. والشرب مشوب من قديم، ولكن آخر الدنّ دُرْدي. ولقد رأيت بعينيّ معًا منذ سنين في طريق باب منارة من تونس، عالمًا يُعدّ في الطبقة الممتازة في علماء جامع الزيتونة، يهوي بالتقبيل على يد مخرف مبتدع جاهل متعاظم، لو حُكِّمتُ لحكمتُ بأن يكون عبدًا لذلك العالم، فرأيت يومئذٍ كيف تُعبد الأصنام، وعلمتُ كيف يكون العالم سبَّةً للعلم، وخطر ببالي قول المتنبّي: وَقَدْ ضَلَّ قَوْمٌ بِأَصْنَامِهِمْ ... فَأَمَّا بِزِقِّ رِيَاحٍ فَلَا وسقط ذلك العالم من حسابي، فما ذكرته بخير حيًّا، ولا ترحمتُ عليه ميتًا، ولا عددت موته- كموت العلماء- ثلمة في الإسلام! ... ما ظلم الله العلماء، ولكن ظلموا أنفسهم، ولم يشكروا نعمة العلم، فسلبهم الله ثمراته من العزة والسيادة، والإمامة والقيادة، وكان لخلوّ ميدان السلطة والأمر منهم أثر فاتك في عقائد المسلمين وأخلاقهم؛ وكان من نتائجه إلقاء الأمة بالمقادة إلى مَن يُضلّ ولا يهدي من المشعوذين الدجّالين. فأضلّوها عن سواء السبيل، ومكّنوا فيها للداء الوبيل، وأعضلُ أنواعه الاستعمار، الذي وجد منهم مطايا ذُللًا سماحًا إلى غاياته الخبيثة في الإسلام والمسلمين؛ ولو كان العلماء هم القادة، وكانوا أحياء الضمائر والمشاعر، وكانوا- كما كانوا- شداد العزائم والإرادات، لوجد منهم الاستعمار في مشارق الإسلام ومغاربه حصونًا تصدّ، ومعاقل تردّ. ***

стр. 1190

أما والله- ألية المسلم البر، وسريرة الضمير الحر- لا ترجع هيبة العلماء إلى مستقرّها من نفوس الأمة حتى يقوموا بعهد الله في بيان الحق، ويتضافروا على حرب البدع والضلالات التي لابست الإسلام، ولبست عقائده ففسدت، وآدابه فكسدت، ولبست على المسلمين دينهم فأصبحت حقائقه في واد، وعقولهم في واد، وحتى يجلوا على الأمة تلك الكنوز الدفينة في كتاب الله كتاب الإنسانية العليا، وفي سيرة محمد دستور الحق والخير والكمال؛ وإن ذلك في صميمه هو ما تقوم به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في دعوتها وعملها الإصلاحيين، وإنها لا تفتأ جاهدة في الإصلاح الديني حتى تؤدي أمانة الله منه، وتبلغُ الغاية من إقراره في النفوس، وتمكينه في الأفئدة؛ وقد بلغت دعوتها للمقصورات في خدورهن، وللرُّحل في قفارهم، وللبداة في بواديهم، وللحضر في نواديهم، حتى أصبحت آثارها بادية في العقول والأفكار والإرادات وقد رجع للقرآن بعض نفوذه وسلطانه، وحجّته وبرهانه، وللسنّة النبوية مكانها علمًا وعملًا، وللعلماء المصلحين قوّتهم في التوجيه، ومكانتهم في التدبير، وقدرتهم على القيادة. وإن هذه النتيجة لدعوة جمعية العلماء لمعجزة ادّخرها الله لهذا القطر الجزائري، فلا يوجد قطر من أقطار الإسلام تأثّر أهله بالفكرة الإصلاحية الدينية كما تأثّر مسلمو الجزائر، ولا يوجد في علماء الإسلام جماعة قاموا بهذه الدعوة الجريئة، متساندين مجتمعين، يجمعهم نظام وانسجام، كما قام رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، على كثرة اللدد في الخصوم ووفرة اللجاج في المعارض؛ وكم وددنا لإخواننا علماء الأقطار الإسلامية، لو قاموا بمثل ما قمنا به من تطهير عقائد المسلمين، وتوجيههم التوجيه الصحيح النافع في الدين والحياة، والرجوع بهم- في صراحة وجرأة- إلى كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم، وإنقاذهم بذلك من عصبيات المذاهب والطرق التي فرّقت شملهم، ومصائب التفرّق والخلاف التي أذهبت ريحهم؛ ومع أن إخواننا علماء الإسلام يملكون ما لا نملك من وسائل الاجتماع، وأسباب القوة، فإن جهودهم في الإصلاح الديني لم تزل فردية محدودة، وخطواتهم في السير به لم تزل بطيئة متثاقلة. أما والله، لو أنهم اجتمعوا وتذامروا، وشنّوها- كما شنناها- غارة شعواء على البدع والضلالات التي مهّدت للانحلال وفساد الأخلاق بين المسلمين، ومكّنت للضعف والخور في نفوسهم، وللوهن والفشل في عزائمهم، وللزيغ والاعوجاج في فطرتهم، وللرثاثة والنكث في روابطهم، ثم صيّرتهم- لذلك- حمًى مستباحًا، ونهبًا مقسمًا، لو فعلوا ذلك لأعادوا للإسلام قوّته وكماله، ونضرته وجماله، وللمسلمين مكانهم في البشر ومكانتهم في التاريخ.

стр. 1191

ثلاث كلمات صريحة * ... ١ - إلى الأمة: هذه الحركة العلمية الجليلة القائمة بالقطر الجزائري، هي الأساس المتين للوطنية الحقيقية، وهي التوجيه الصحيح للأمة الجزائرية، فغايتها التي ترمي إليها هي تصحيح القواعد المعنوية من عقل وروح وفكر وذهن، وتقوية المقوّمات الاجتماعية من دين ولغة وفضائل وأخلاق، وتلك وهذه هي الأُسس الثابتة التي بُنيت عليها الوطنيات في الأمم، هذه حقيقة لا يماري فيها إلا مكابر أو جاهل. وهذه الحركة العلمية لم يضع أصولها العملية، ولم ينظّم قوافلها، ولم يحم حماها من كل دسّاس وكل خنّاس، إلا جمعية العلماء، ولا يعلي بناءها ويرفع سمكها في المستقبل إلا جمعية العلماء. وهذه حقيقة أخرى لا يكابر فيها إلا حسود، أو متّبع لهواه، أو مسخَّر للاستعمار. وهذه الحركة لا تبلغ مداها، ولا تؤتي ثمراتها، ولا تتمخّض عن نهضة ثابتة إلا إذا استندتْ على عمادين قارين من علم وعمل. واعتمدت على سندين قويين من جمعية العلماء والأمة. وهذه حقيقة ثالثة أوضح من الصبح. فجمعية العلماء والأمة شريكتان متضامنتان في احتضان هذه الحركة، والقيام عليها، والعمل على نمائها، حتى تتشقّق عن نهضة شاملة تفرّع النهضات رسوخًا وتمكّنًا، ولا يشترك اثنان في عمل إلا كان العمل بينهما كالطائر لا ينهض إلا بهما، ولا يقصر أحدهما إلا كان الجناح الذي يمثّله مهيضًا. فالواجب على الشريكين أن يقوم كل واحد منهما بقسطه على

стр. 1192

أكمل وجه، وإلا باء بجريمتين: الإساءة إلى العمل في صميمه، والإساءة إلى الشريك العامل بالفتّ في عضده. أما جمعية العلماء فقد قامت بقسطها وبرئت إلى الله من تبعة التقصير، وإلى الأمة من خيانة الأمانة، وما زالت دائبة في ترقية الحركة، جاهدة في حياطتها بالنظام، تنتقل بها في كل عام من عالٍ إلى أعلى، ومن نافع إلى أنفع، لا تريد من الأمة على ذلك جزاء ولا شكورًا، ولا تبغي منها إلا أن تقوم بقسطها من العمل، وهو بذل الماعون من مال لا تقوم الحركة إلا به، وتصميم لا تتمّ الأعمال إلا به، وإجماع على التعليم لا تخرقه الحزبيات والانتخابات، فهل قامت الأمة بذلك؟ وهل بذلت من مالها ما يكافئ ذلك الجهد الذي بذلته جمعية العلماء؟ يسوء الأمّة أن نقول الحقيقة، ويسوءنا أن نكتمها. هذا معهد عبد الحميد بن باديس هو الخطوة الثانية إلى النهضة العلمية العتيدة بعد المدارس الابتدائية، ومنزلته منها منزلة من يأخذ ليعطي؛ يأخذ منها المتعلّمين، ويعطيها المعلّمين؛ وقد لقينا في تأسيسه من العقبات المالية ما لم نجتزه إلا بالصبر وتوفيق الله، وقد صفّت اللجنة المالية للمعهد حسابها للسنة الماضية وسينشر فيقرأ القرّاء أن المعهد مدين، وها نحن أولاء في السنة الثانية من إنشائه، وقد حفز نجاح التعليم الأمة وأطربها الحادي، فتضاعف عدد التلاميذ، فتضاعف عدد المدرّسين، فتضاعفت النفقات الشهرية حتى زادت على نصف مليون من الفرنكات. وإن ألزم الضروريات السكنى للمدرّسين والتلامذة، والسكنى عقبة كأداء لا يذللها إلا المال الوفير. وقد اشترينا في الأيام الأخيرة دارًا لسكنى شيخين من شيوخ المعهد، بلغت قيمتها مليونًا ونصف مليون، ووضعنا أيدينا على دار عربية تسع مائة وخمسين تلميذًا، وتبلغ قيمتها ونفقاتها أكثر من خمسة ملايين. ولجنة الإسكان جاهدة في إحضار الأماكن بالكراء أو بالشراء، ومن ورائها ستمائة تلميذ يطلبون السكنى ومن أمامها أصحاب أملاك يطلبون الملايين، ولكن أين الملايين؟ قد بلغنا في الاحتياط أبعدَ حد، وقرأنا لكلّ شيء حسابه قبل أوانه، وكشفنا للأمة عن كل شيء ولكن الأمة لم تقدّر الأمر كما قدّرناه، فقمنا بواجبنا، ولم تقم بواجبها، فاللهمّ اشهد. لا نُنكر أن عشرات من المدارس العظيمة قد شيّدتها الأمة بعشرات من الملايين تولّت الجمعيات المحلية قبضها وصرفها، ولا نُنكر أن الأمة في أوائل نهضة من شأنها أن تكثر فيها الجمعيات، ويكثر فيها طلاب المال، وأن نتيجة ذلك الإفقار أو الملل، ولكننا نعلم أن من لوازم النهضات يقظة الفكر، وأن من آثار يقظة الفكر التنبّه لتدجيل الدجّالين، والموازنة بين شعب النهضة وتقديم الأهمّ منها على المهم ... ***

стр. 1193

وهذا عدد يناهز مائتين وستين معلمًا وزّعتهم الجمعية على المدارس وعلى المعهد وكلهم جنود منقطعون للعلم، يأتمرون بأوامر الجمعية، وتسعة أعشارهم فارقوا أهليهم وتغرّبوا، ليقوموا بالواجب ويؤذوا الأمانة وينفعوا الأمة في أجدى الجهات عليها وهي أبناؤها الصغار، ويتحمّلوا التعب وضيق العيش. وقد كانت السكنى هي مشكلة السنين الماضية، فزادت عليها مشكلة غلاء المعاش، وإن الواحد منهم لينفق نفقة مضاعفة: ينفق على نفسه مثل أو أكثر مما ينفق على أسرته. وقد أصبحت المرتبات المقرّرة في الماضي لا تكفي لنصف الضروريات. فهل تقدّر الأمة أن المعلّم ملك لا يأكل ولا يشرب؟! إن جمعية العلماء تعطف كل العطف على أبنائها المعلّمين، وتعترف لهم بأنهم مغبونون في الناحية المادية، وإنها لا يقرّ لها قرار إلا إذا أصبحت حقوق المعلّمين المادية مكافئة لما يقومون به من واجبات، إن المجلس الإداري للجمعية قد درس في اجتماعه الأخير هذه المسألة بكل اهتمام وعطف، وقرّر رفع الأجور بحسب الدرجات ابتداء من أول أكتوبر الجاري، وسينشر القرار في منشور خاص مع الدرجات واللوائح والبرنامج، وهي الأعمال التي أنجزتها لجنة خاصة كوّنها المجلس الإداري تحت إشرافه من قدماء المعلّمين وأصحاب الكفاءات وسمّاها "لجنة التعليم العليا" وأسند إليها كل ما يتعلّق بالتعليم توزيعًا للأعمال والمسؤوليات. والجمعية تحرّض الجمعيات المحلية المتعهدة بمالية المدارس على أن تقوم بتنفيذ ما قرّرته الجمعية في تقدير مرتبات المعلّمين، وعلى أن تبتكر من الوسائل لجمع المال ما يقوم بذلك الواجب، وتحذّرها من الركون إلى عادة قديمة سيّئة، وهي: أن تراخي الجمعيات المحلية وتهاونها وتخاذلها وتقصيرها في العمل، كل ذلك يُحسب على الأمة تقصيرًا في الواجب، وعلى المعلّمين ضياعًا للحقوق؛ وأن هذه العادة هي أم النقائص المخلة بجهازنا التعليمي، وأن الجمعيات المحلية هي الوسيط بين جمعية العلماء ومعلّميها، وبين الأمة، فلتحرص هذه الجمعيات على أن تكون صلة متينة، وواسطة أمينة، ولتؤدِّ الأمانة على أتمّ وجه، ولتكن حازمة في الحق والخير معينة عليهما. ٢ - إلى تلامذة الزيتونة والقرويين ! ... أنتم- يا أبناءنا- نتاج هذه الحركة العلمية المباركة، وأنتم غلة سنة خضراء بين سنين يابسات، وأنتم الركاز الذي أظهرته هذه الرجة العنيفة التي أيقظت جمعية العلماء أمتكم على دويّها ... أفاق آباؤكم من تلك الهزّات، وصكّت آذانهم أصوات تنادي: إلى الإسلام ... إلى القرآن ... إلى سنّة محمد ... إلى لغة العرب ... إلى أمجاد السلف ... إلى تاريخ الإسلام ... إلى العلم ... فوجدوا كتائب الأمم المدلجة في طلب العلم قد حمدت السرى،

стр. 1194

فأقسموا ليكفرن عن خطيئة النوم والغفلة بكم، وليقدمنكم قُربانًا للعلم، وليمسحنّ بأيديكم الكاتبة آثار الأمية وأوضارها. وهم يودّون- بكل مفروح به- لو يزاد من أعمارهم في أعماركم، فوجّهوكم هذا التوجيه الصادق للعلم، ومهّدوا لكم سبل الهجرة إلى منابعه. وإن منهم لمن يبيع قوتَ العيال ليزوّدكم، ويمتهن الأعزة منهم ليسودكم، وما كانوا قبل جمعية العلماء يوجّهون أبناءهم لمفيد، أو لمحمود من المقاصد سديد. وأنتم- يا أبناءنا- بواكير نهضة علمية قد أظلّ زمانها، وجاء إبّانها، وظهرت تباشير فجرها الصادق، ولمعت مخايل مُزنها الوادق، والعلم- إن كنتم لا تعلمون- هو أساس الوطنية، وقطب رحاها، ومركز دائرتها، ودليل سيادتها. لا حق لكم على الوطن، بل الحق كله للوطن عليكم، وإن أوْكد حقوقه عليكم أن تحقّقوا بالعلم مطالبه، وتعمروا بالعلم جوانبه، وتنيروا بالعلم غياهبه. أعيذكم بالله وبشرف العلم وبأمانة الوطن أن تُنفقوا دقيقة من أوقاتكم- بعد قوام الدين والحياة- في غير الطلب والتحصيل للعلم، والقراءة والمذاكرة في العلم. وأعيذكم بالله وبشرف العلم أن تعودوا إلى الوطن كما فارقتموه بنصف قارئ وربع قارئ، وعشر قارئ. وأعيذكم بالله وبشرف العروبة أن تسري إليكم العدوى من ممتهني الوطنية فتمتهنوا العلم، فلقد توهّموا- ضلة- أن الوطن يُخدم بالدعاوى الجوفاء، فحذارِ أن تتوهّموا أن العلم ينال بالدعاوى الجوفاء. كلا ... إن الوطنية لعقيلة كرام، لا يساق في مهرها بهرج الكلام، وكريمة بيت، لا تنال بلَوْ ولا بِلَيْت. وإن العلم كبير أناس، لا يُصاحب إلا بضبط الأنفاس. أعيذكم بالله وبشرف الأبوة أن تعقّوا آباءكم ووطنكم وأن تكونوا سخنة عين لهما، فترجعوا بعد طول الغيبة بالخيبة، وصفر العيبة، وأن اللباب من الشباب هم الذين يكونون كفارة وطهرة لوالديهم، لا كفارًا فجرة بأياديهم. إن طريق العلم محفوف بالعوائق، من مقت يحيق، ووقت يضيق، وإن الأقدار قد وضعت في طريقكم إلى العلم عائقًا جديدًا هو شر العوائق وأضرّها ... هو هؤلاء الدعاة الغاشون، والسماسرة المضلّون، يدعونكم إلى السياسة ليصدّوكم عن العلم، وإلى الحزبية ليفرّقوكم من الجماعة، وإلى الوطنية ليشغلوكم باسمها عن حقيقتها، ويلهوكم بلفظها عن تحصيل أقوى وسائلها، وهو العلم، إنهم يملأونكم بالخيالات صغارًا، لتفرغوا من الحقائق كبارًا، وإنه لنوع من التسميم المرجأ لا يشعر به المصاب إلا بعد فوات الوقت.

стр. 1195

العلم ... العلم ... أيها الشباب لا يلهيكم عنه سمسار أحزاب، ينفخ في ميزاب، ولا داعية انتخاب، في المجامع صخاب، ولا يلفتنكم عنه معلّل بسراب، ولا حاوٍ بجراب، ولا عاوٍ في خراب، يأتم بغراب، ولا يفتنّنكم عنه منزوٍ في خنقة، ولا ملتو في زنقة، ولا جالس في ساباط، على بساط، يحاكي فيكم سنّة الله في الأسباط. فكل واحد من هؤلاء مشعوذ خلّاب وساحر كذّاب. إنكم إن أطعتم هؤلاء الغواة، وانصعتم إلى هؤلاء العواة، خسرتم أنفسكم، وخسركم وطنكم، وستندمون يوم يجني الزارعون ما حصدوا، ولات ساعة ندم ... ... ٣ - إلى أولياء أولئك التلامذة ... لكم الحق- أيها السادة- دينًا وعقلًا وعادة أن توجّهوا أولادكم ما داموا صغارًا حيث تشاءون من وجهات الخير، ما لم يكن في ذلك مأثم أو قطيعة رحم. فإذا بلغوا الرشد تقاضيتموهم برًّا ببر، وإحسانًا بإحسان، فإذا خرجتم في سلطتكم عن حدود الدين، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وهؤلاء التلامذة أبناؤكم وجّهتموهم للعلم واخترتم لهم طريقه، فكان ذلك منكم نهاية البر بهم والنظر لهم، وكان في ذلك رضى أنفسكم ورضى الله ورسوله وصالحي المؤمنين، وكان ذلك منكم معدودًا عند المفكّرين في ما يخدم به الرجال أوطانهم، لأن أبناء اليوم هم ذخائر الوطن في المستقبل، وكل ما نزوّدهم به من تربية صالحة، وأخلاق وعلم فهو إعداد وتجنيد وتسليح للوطن. ولكن ما قولكم- يرحمكم الله- إذا اعترض أبناءكم وهم في طريقهم إلى العلم لصوص يحاولون أن يقطعوا عنهم طريقه، أتسكتون وتقعدون عن نجدتهم؟ وتتركونهم للصوص يعبثون بهم، فتضيع آمالكم وأموالكم، وتخيب نيّاتكم ومقاصدكم؟ أم تهبون سراعًا إلى استخلاصهم من أيدي اللصوص؟ الدين والعقل والعادة، كل هؤلاء يفرض عليكم أن تصونوا أبناءكم وتحفظوهم من هؤلاء اللصوص. إلا أن لصوص العقول أفتك من لصوص الأموال وأشدّ منهم عبثًا وإفسادًا، وإن اللصوص الذين أعنيهم لصوص عقول يتحكّمون بأبنائكم في مطارح هجرتهم إلى العلم. وفي
следующие страницы →