← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ثلاث كلمات صريحة * ... ١ - إلى الأمة: هذه الحركة العلمية الجليلة القائمة بالقطر الجزائري، هي الأساس المتين للوطنية الحقيقية، وهي التوجيه الصحيح للأمة الجزائرية، فغايتها التي ترمي إليها هي تصحيح القواعد المعنوية من عقل وروح وفكر وذهن، وتقوية المقوّمات الاجتماعية من دين ولغة وفضائل وأخلاق، وتلك وهذه هي الأُسس الثابتة التي بُنيت عليها الوطنيات في الأمم، هذه حقيقة لا يماري فيها إلا مكابر أو جاهل. وهذه الحركة العلمية لم يضع أصولها العملية، ولم ينظّم قوافلها، ولم يحم حماها من كل دسّاس وكل خنّاس، إلا جمعية العلماء، ولا يعلي بناءها ويرفع سمكها في المستقبل إلا جمعية العلماء. وهذه حقيقة أخرى لا يكابر فيها إلا حسود، أو متّبع لهواه، أو مسخَّر للاستعمار. وهذه الحركة لا تبلغ مداها، ولا تؤتي ثمراتها، ولا تتمخّض عن نهضة ثابتة إلا إذا استندتْ على عمادين قارين من علم وعمل. واعتمدت على سندين قويين من جمعية العلماء والأمة. وهذه حقيقة ثالثة أوضح من الصبح. فجمعية العلماء والأمة شريكتان متضامنتان في احتضان هذه الحركة، والقيام عليها، والعمل على نمائها، حتى تتشقّق عن نهضة شاملة تفرّع النهضات رسوخًا وتمكّنًا، ولا يشترك اثنان في عمل إلا كان العمل بينهما كالطائر لا ينهض إلا بهما، ولا يقصر أحدهما إلا كان الجناح الذي يمثّله مهيضًا. فالواجب على الشريكين أن يقوم كل واحد منهما بقسطه على

стр. 1192

أكمل وجه، وإلا باء بجريمتين: الإساءة إلى العمل في صميمه، والإساءة إلى الشريك العامل بالفتّ في عضده. أما جمعية العلماء فقد قامت بقسطها وبرئت إلى الله من تبعة التقصير، وإلى الأمة من خيانة الأمانة، وما زالت دائبة في ترقية الحركة، جاهدة في حياطتها بالنظام، تنتقل بها في كل عام من عالٍ إلى أعلى، ومن نافع إلى أنفع، لا تريد من الأمة على ذلك جزاء ولا شكورًا، ولا تبغي منها إلا أن تقوم بقسطها من العمل، وهو بذل الماعون من مال لا تقوم الحركة إلا به، وتصميم لا تتمّ الأعمال إلا به، وإجماع على التعليم لا تخرقه الحزبيات والانتخابات، فهل قامت الأمة بذلك؟ وهل بذلت من مالها ما يكافئ ذلك الجهد الذي بذلته جمعية العلماء؟ يسوء الأمّة أن نقول الحقيقة، ويسوءنا أن نكتمها. هذا معهد عبد الحميد بن باديس هو الخطوة الثانية إلى النهضة العلمية العتيدة بعد المدارس الابتدائية، ومنزلته منها منزلة من يأخذ ليعطي؛ يأخذ منها المتعلّمين، ويعطيها المعلّمين؛ وقد لقينا في تأسيسه من العقبات المالية ما لم نجتزه إلا بالصبر وتوفيق الله، وقد صفّت اللجنة المالية للمعهد حسابها للسنة الماضية وسينشر فيقرأ القرّاء أن المعهد مدين، وها نحن أولاء في السنة الثانية من إنشائه، وقد حفز نجاح التعليم الأمة وأطربها الحادي، فتضاعف عدد التلاميذ، فتضاعف عدد المدرّسين، فتضاعفت النفقات الشهرية حتى زادت على نصف مليون من الفرنكات. وإن ألزم الضروريات السكنى للمدرّسين والتلامذة، والسكنى عقبة كأداء لا يذللها إلا المال الوفير. وقد اشترينا في الأيام الأخيرة دارًا لسكنى شيخين من شيوخ المعهد، بلغت قيمتها مليونًا ونصف مليون، ووضعنا أيدينا على دار عربية تسع مائة وخمسين تلميذًا، وتبلغ قيمتها ونفقاتها أكثر من خمسة ملايين. ولجنة الإسكان جاهدة في إحضار الأماكن بالكراء أو بالشراء، ومن ورائها ستمائة تلميذ يطلبون السكنى ومن أمامها أصحاب أملاك يطلبون الملايين، ولكن أين الملايين؟ قد بلغنا في الاحتياط أبعدَ حد، وقرأنا لكلّ شيء حسابه قبل أوانه، وكشفنا للأمة عن كل شيء ولكن الأمة لم تقدّر الأمر كما قدّرناه، فقمنا بواجبنا، ولم تقم بواجبها، فاللهمّ اشهد. لا نُنكر أن عشرات من المدارس العظيمة قد شيّدتها الأمة بعشرات من الملايين تولّت الجمعيات المحلية قبضها وصرفها، ولا نُنكر أن الأمة في أوائل نهضة من شأنها أن تكثر فيها الجمعيات، ويكثر فيها طلاب المال، وأن نتيجة ذلك الإفقار أو الملل، ولكننا نعلم أن من لوازم النهضات يقظة الفكر، وأن من آثار يقظة الفكر التنبّه لتدجيل الدجّالين، والموازنة بين شعب النهضة وتقديم الأهمّ منها على المهم ... ***

стр. 1193

وهذا عدد يناهز مائتين وستين معلمًا وزّعتهم الجمعية على المدارس وعلى المعهد وكلهم جنود منقطعون للعلم، يأتمرون بأوامر الجمعية، وتسعة أعشارهم فارقوا أهليهم وتغرّبوا، ليقوموا بالواجب ويؤذوا الأمانة وينفعوا الأمة في أجدى الجهات عليها وهي أبناؤها الصغار، ويتحمّلوا التعب وضيق العيش. وقد كانت السكنى هي مشكلة السنين الماضية، فزادت عليها مشكلة غلاء المعاش، وإن الواحد منهم لينفق نفقة مضاعفة: ينفق على نفسه مثل أو أكثر مما ينفق على أسرته. وقد أصبحت المرتبات المقرّرة في الماضي لا تكفي لنصف الضروريات. فهل تقدّر الأمة أن المعلّم ملك لا يأكل ولا يشرب؟! إن جمعية العلماء تعطف كل العطف على أبنائها المعلّمين، وتعترف لهم بأنهم مغبونون في الناحية المادية، وإنها لا يقرّ لها قرار إلا إذا أصبحت حقوق المعلّمين المادية مكافئة لما يقومون به من واجبات، إن المجلس الإداري للجمعية قد درس في اجتماعه الأخير هذه المسألة بكل اهتمام وعطف، وقرّر رفع الأجور بحسب الدرجات ابتداء من أول أكتوبر الجاري، وسينشر القرار في منشور خاص مع الدرجات واللوائح والبرنامج، وهي الأعمال التي أنجزتها لجنة خاصة كوّنها المجلس الإداري تحت إشرافه من قدماء المعلّمين وأصحاب الكفاءات وسمّاها "لجنة التعليم العليا" وأسند إليها كل ما يتعلّق بالتعليم توزيعًا للأعمال والمسؤوليات. والجمعية تحرّض الجمعيات المحلية المتعهدة بمالية المدارس على أن تقوم بتنفيذ ما قرّرته الجمعية في تقدير مرتبات المعلّمين، وعلى أن تبتكر من الوسائل لجمع المال ما يقوم بذلك الواجب، وتحذّرها من الركون إلى عادة قديمة سيّئة، وهي: أن تراخي الجمعيات المحلية وتهاونها وتخاذلها وتقصيرها في العمل، كل ذلك يُحسب على الأمة تقصيرًا في الواجب، وعلى المعلّمين ضياعًا للحقوق؛ وأن هذه العادة هي أم النقائص المخلة بجهازنا التعليمي، وأن الجمعيات المحلية هي الوسيط بين جمعية العلماء ومعلّميها، وبين الأمة، فلتحرص هذه الجمعيات على أن تكون صلة متينة، وواسطة أمينة، ولتؤدِّ الأمانة على أتمّ وجه، ولتكن حازمة في الحق والخير معينة عليهما. ٢ - إلى تلامذة الزيتونة والقرويين ! ... أنتم- يا أبناءنا- نتاج هذه الحركة العلمية المباركة، وأنتم غلة سنة خضراء بين سنين يابسات، وأنتم الركاز الذي أظهرته هذه الرجة العنيفة التي أيقظت جمعية العلماء أمتكم على دويّها ... أفاق آباؤكم من تلك الهزّات، وصكّت آذانهم أصوات تنادي: إلى الإسلام ... إلى القرآن ... إلى سنّة محمد ... إلى لغة العرب ... إلى أمجاد السلف ... إلى تاريخ الإسلام ... إلى العلم ... فوجدوا كتائب الأمم المدلجة في طلب العلم قد حمدت السرى،

стр. 1194

فأقسموا ليكفرن عن خطيئة النوم والغفلة بكم، وليقدمنكم قُربانًا للعلم، وليمسحنّ بأيديكم الكاتبة آثار الأمية وأوضارها. وهم يودّون- بكل مفروح به- لو يزاد من أعمارهم في أعماركم، فوجّهوكم هذا التوجيه الصادق للعلم، ومهّدوا لكم سبل الهجرة إلى منابعه. وإن منهم لمن يبيع قوتَ العيال ليزوّدكم، ويمتهن الأعزة منهم ليسودكم، وما كانوا قبل جمعية العلماء يوجّهون أبناءهم لمفيد، أو لمحمود من المقاصد سديد. وأنتم- يا أبناءنا- بواكير نهضة علمية قد أظلّ زمانها، وجاء إبّانها، وظهرت تباشير فجرها الصادق، ولمعت مخايل مُزنها الوادق، والعلم- إن كنتم لا تعلمون- هو أساس الوطنية، وقطب رحاها، ومركز دائرتها، ودليل سيادتها. لا حق لكم على الوطن، بل الحق كله للوطن عليكم، وإن أوْكد حقوقه عليكم أن تحقّقوا بالعلم مطالبه، وتعمروا بالعلم جوانبه، وتنيروا بالعلم غياهبه. أعيذكم بالله وبشرف العلم وبأمانة الوطن أن تُنفقوا دقيقة من أوقاتكم- بعد قوام الدين والحياة- في غير الطلب والتحصيل للعلم، والقراءة والمذاكرة في العلم. وأعيذكم بالله وبشرف العلم أن تعودوا إلى الوطن كما فارقتموه بنصف قارئ وربع قارئ، وعشر قارئ. وأعيذكم بالله وبشرف العروبة أن تسري إليكم العدوى من ممتهني الوطنية فتمتهنوا العلم، فلقد توهّموا- ضلة- أن الوطن يُخدم بالدعاوى الجوفاء، فحذارِ أن تتوهّموا أن العلم ينال بالدعاوى الجوفاء. كلا ... إن الوطنية لعقيلة كرام، لا يساق في مهرها بهرج الكلام، وكريمة بيت، لا تنال بلَوْ ولا بِلَيْت. وإن العلم كبير أناس، لا يُصاحب إلا بضبط الأنفاس. أعيذكم بالله وبشرف الأبوة أن تعقّوا آباءكم ووطنكم وأن تكونوا سخنة عين لهما، فترجعوا بعد طول الغيبة بالخيبة، وصفر العيبة، وأن اللباب من الشباب هم الذين يكونون كفارة وطهرة لوالديهم، لا كفارًا فجرة بأياديهم. إن طريق العلم محفوف بالعوائق، من مقت يحيق، ووقت يضيق، وإن الأقدار قد وضعت في طريقكم إلى العلم عائقًا جديدًا هو شر العوائق وأضرّها ... هو هؤلاء الدعاة الغاشون، والسماسرة المضلّون، يدعونكم إلى السياسة ليصدّوكم عن العلم، وإلى الحزبية ليفرّقوكم من الجماعة، وإلى الوطنية ليشغلوكم باسمها عن حقيقتها، ويلهوكم بلفظها عن تحصيل أقوى وسائلها، وهو العلم، إنهم يملأونكم بالخيالات صغارًا، لتفرغوا من الحقائق كبارًا، وإنه لنوع من التسميم المرجأ لا يشعر به المصاب إلا بعد فوات الوقت.

стр. 1195

العلم ... العلم ... أيها الشباب لا يلهيكم عنه سمسار أحزاب، ينفخ في ميزاب، ولا داعية انتخاب، في المجامع صخاب، ولا يلفتنكم عنه معلّل بسراب، ولا حاوٍ بجراب، ولا عاوٍ في خراب، يأتم بغراب، ولا يفتنّنكم عنه منزوٍ في خنقة، ولا ملتو في زنقة، ولا جالس في ساباط، على بساط، يحاكي فيكم سنّة الله في الأسباط. فكل واحد من هؤلاء مشعوذ خلّاب وساحر كذّاب. إنكم إن أطعتم هؤلاء الغواة، وانصعتم إلى هؤلاء العواة، خسرتم أنفسكم، وخسركم وطنكم، وستندمون يوم يجني الزارعون ما حصدوا، ولات ساعة ندم ... ... ٣ - إلى أولياء أولئك التلامذة ... لكم الحق- أيها السادة- دينًا وعقلًا وعادة أن توجّهوا أولادكم ما داموا صغارًا حيث تشاءون من وجهات الخير، ما لم يكن في ذلك مأثم أو قطيعة رحم. فإذا بلغوا الرشد تقاضيتموهم برًّا ببر، وإحسانًا بإحسان، فإذا خرجتم في سلطتكم عن حدود الدين، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وهؤلاء التلامذة أبناؤكم وجّهتموهم للعلم واخترتم لهم طريقه، فكان ذلك منكم نهاية البر بهم والنظر لهم، وكان في ذلك رضى أنفسكم ورضى الله ورسوله وصالحي المؤمنين، وكان ذلك منكم معدودًا عند المفكّرين في ما يخدم به الرجال أوطانهم، لأن أبناء اليوم هم ذخائر الوطن في المستقبل، وكل ما نزوّدهم به من تربية صالحة، وأخلاق وعلم فهو إعداد وتجنيد وتسليح للوطن. ولكن ما قولكم- يرحمكم الله- إذا اعترض أبناءكم وهم في طريقهم إلى العلم لصوص يحاولون أن يقطعوا عنهم طريقه، أتسكتون وتقعدون عن نجدتهم؟ وتتركونهم للصوص يعبثون بهم، فتضيع آمالكم وأموالكم، وتخيب نيّاتكم ومقاصدكم؟ أم تهبون سراعًا إلى استخلاصهم من أيدي اللصوص؟ الدين والعقل والعادة، كل هؤلاء يفرض عليكم أن تصونوا أبناءكم وتحفظوهم من هؤلاء اللصوص. إلا أن لصوص العقول أفتك من لصوص الأموال وأشدّ منهم عبثًا وإفسادًا، وإن اللصوص الذين أعنيهم لصوص عقول يتحكّمون بأبنائكم في مطارح هجرتهم إلى العلم. وفي

стр. 1196

مسارح غيبتهم عنكم، فيضلونهم عن سواء السبيل، ويوجّهونهم لغير الجهة التي أردتم، ويأتونهم- كالشيطان- من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ويصدّونهم عن ذكر الله وعن الصلاة وعن العلم إلى أحاديث يزوقونها لهم، تملأ السمع، ولا تملأ العقل، ويصرفونهم عن كتب العلم ودروس العلم إلى جرائد حزبية مملوءة بالكذب والنقائص والمهاترات والسباب. إن هؤلاء اللصوص المأجورين بأموالكم قد نالوا مأربهم في إفساد عقول أبنائكم في غفلة منكم، وصدّوهم عن العلم، وشغلوهم بالسفاسف الحزبية، حتى أصبح المقهى أحبّ إليهم من الجامع، والجريدة أحب إليهم من الكتاب، والمناقشات الحزبية أشهى إليهم من المذاكرات العلمية، وقد فرّقوهم شيعًا وأوزاعًا، بعد أن جمع العلم بين قلوبهم وأفكارهم، وأيسر ما في هذا الداء أنهم يزيّنون لهم عقوقكم، ويهونون عليهم حقوقكم. إن هؤلاء اللصوص يغدون على أبنائكم ويروحون، ويقعدون لهم بكل صراط، ويتنقلون بهم في الإفساد وتضييع الأوقات وتعطيل المواهب من منزلة إلى منزلة، ومن مرحلة إلى مرحلة، وآخر مرحلة لمن تمّ تسليكه على أيديهم أن يقتلعوه من حلقة الدرس ويبعثوا به من تونس إلى الجزائر داعية انتخاب، وخطيبًا يدعو لذلك الصنف الذي تعرفونه من النوّاب. أفلهذا أرسلتم أبناءكم إلى تونس؟ أم أنتم لا تبصرون؟ أليس من المبكيات أن لا ينجح في شهادة التحصيل من جامع الزيتونة إلا ستة أو سبعة من ألف تلميذ وبضع مئات من أبنائنا؟ وما السبب؟ السبب يرجع بالخصوص إلى هؤلاء اللصوص. ... أيها الآباء- وكلنا آباء- إن جمعية العلماء هي الهيئة الوحيدة التي تحضن حركة التعليم العربي في داخل القطر، تقوم بها وتحوطها وتناضل عنها، وتقوم بأمانة الله في توجيه هذا الجيل للدين والعلم. وهي- بطبيعة عملها- المؤتمنة على عقول الصغار حتى لا تضل ولا تطغى، وعلى عقائدهم حتى لا تفسد ولا تزيغ، وإن من أداء الأمانة أن تتقدّم بهذه الحقائق إلى الأمة. كما تقدّمت بالنصائح السالفة إلى التلامذة. وجمعية العلماء تعتقد أنه لا يتمّ إصلاح التعليم في الداخل إلا إذا تمّ إصلاحه في الخارج، لشدة الاتصال بينهما، ولأن التعليم في الخارج هو الذي يغذّي التعليم الداخلي بالمعلّمين، ومحال أن ينال التعليم الداخلي خيرًا من معلّمين يتخرّجون من المقاهي، ويحصلون معلوماتهم من الجرائد الحزبية، ويتدرّبون في الميادين الحزبية على السباب،

стр. 1197

وتنقص التعليم، والتنكّر للعلم، والترويج للأميّة بتمجيد الأميين والسير في ركابهم والتمسّح بأعتابهم، أفيرجى من أمثال هؤلاء المعلّمين خير؟ اللهم لا! ... إن جمعية العلماء مصمّمة على أن تحوط التعليم في الخارج برقابة تمدّها على التلامذة، ونصائح تشتد فيها، ليحذروا أولئك اللصوص، ولينقطعوا إلى العلم، وليضعوا بين أعينهم الواجب الذي ينتظرهم في وطنهم، وهو التعليم. فأعينوها- أيها الآباء- بقوة تجعل بين أبنائكم وبين أولئك اللصوص رَدْمًا، وما هذه القوة بزبر الحديد، ولكنّها بالإعانة والتأييد، وبالمراقبة والتشديد، وبالوصايا الحازمة للتلامذة أن يعرفوا قيمة ما هاجروا إليه، فيقصروا جهودهم وأوقاتهم عليه.

стр. 1198

من مشاكلنا الإجتماعية (٣) أعراس الشيطان * ــ كنّا نفهم أن الشيطان يطوّف ما يطوّف ثم يأوي إلى قلوب أوليائه، لينفث فيها الشر، ويزيّن لها معصية الله، ويحرّكها إلى الفساد والمنكر، ويذكرها بسننه المنسية لتتوب إليه من إهمالها وإضاعتها؛ وما كنّا نعلم أن للشيطان مراجَ خاصة لا يبرحها في فصلين من السنة، ومعظمها في "العمالة الوهرانية"، وما ذلك لطيب في هوائها، أو عذوبة في مائها، أو اعتدال في جوّها، فالشيطان غني عن هذا كله، ولا يعبأ بهذا كله، وإنما ذلك للذة يجدها الشيطان في هواها ... وسهولة انقياد يجدها في أوليائه بها، وقابلية للتسويل والتزّين قلّما يجدها في غيرهم من رعاياه، وصدق الله العظيم، فإن الشياطين لا تنزَّلُ إلا على كل أفّاك أثيم. والشيطان حقيقة روحية، لا تدرك بالحواس، ولا تُعرف بالحدود، ولا تُقاس بالموازين البشرية؛ وإنما نعرفه بآثاره في أوليائه، من القابلية للشر والفساد، والاستجابة للمنكر والباطل، والتهوّر في الفسوق والعصيان، والمسارعة إلى المساخط، والعكوف على الضلال، وسرعة التلقّي لوحي الشيطان وتلبيسه، والمحادة لله ورسوله فيما أمرا به أو نهيا عنه. ويجتمع في مجموع صفاته أنه درب مفتن متمرّس بسلائل آدم، خالي الذرع من الهم إلا بهم، من يوم قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، فهو يتفنّن في تزيين الفواحش لهم، ويعرضها عليهم مزركشة ذات تهاويل، ويضع الأسماء على غير مسمّياتها، ليغرّ بالزركشة ويغري بالاسم، فيضع للأغرار من أتباعه اسم الدين على ما ينقض الدين ويهدمه، واسم الخير على ما يمحو الخير ويعدمه، ويوحي إلى أوليائه بالفواحش مغيّرة العناوين، فيأتونها مبتدرين، ويجترحونها مخلصين، كما يأتي المؤمن القانت فرضَ ربّه، ويستقبل أمره.

стр. 1199

ولكن يبدو لنا أن الشيطان المكلّف بالعمالة الوهرانية بليد القريحة، جامد الفكر، خامد الذوق، جافي الطبع، كثيف الحسّ، خشن المسّ، بدوي النزعة، وحشي الغريزة، فكلّ ما يأمر به أولياءه وأتباعه فهو من جنس طبعه، سمج غث خال من الجمال والفن والذوق، وقد عهِدنا الشيطان "المتمدن " لطيف الإحساس، فنيّ الذوق، وعهدنا أعماله فنية الأسلوب فاتنة المظهر؛ والفتنة هي سلاح الشيطان الأحدّ، يكسو بها أعماله فيصبي الحلماء، ويستنزل النسّاك إلى مواطن الفتاك، أما هذه الأعمال التي نشاهدها من أولياء الشيطان في عمالة وهران فهي سخيفة باردة حيوانية وحشية. ... هذه "الزرد" التي تقام في طول العمالة الوهرانية وعرضها هي أعراس الشيطان وولائمه، وحفلاته ومواسمه، وكلّ ما يقع فيها من البداية إلى النهاية كله رجس من عمل الشيطان، وكلّ داع إليها، أو معين عليها، أو مكثر لسوادها فهو من أعوان الشيطان، ألم ترَ إلى ما يركب فيها من فواحش ومحرمات؛ وما يُهتك فيها من أعراض وحرمات؟ كلّ ذلك مما يأمر به الشيطان "البدوي"، وكلّ ذلك مما ذكرنا به القرآن، وبيّن لنا أنه من أمره ووعده، وتزيينه وإغوائه. كلّما انتصف فصل الربيع من كل سنة تداعى أولياء الشيطان في كل بقعة من هذه العمالة إلى زردة يُقيمونها على وثن معروف من أوثانهم، يسوّله لهم الشيطان وليًّا صالحًا، بل يصوّره لهم إلهًا متصرفًا في الكون، متصرفًا في النفع والضرّ والرزق والأجل بين عباد الله، وقد يكون صاحب القبر رجلًا صالحًا، فما علاقة هذه الزرد بصلاحه؟ وما مكانها في الدين؟ وهل يرضى بها لو كان حيًّا وكان صالحًا الصلاح الشرعي؟ وقد كانت هذه الزرد تقام في أيام الجدوب للاستسقاء غير المشروع، فأصبحت عادة مستحكمة، وشرعة محكمة، وعبادة موقوتة، يتقرّب بها هؤلاء المبتدعة إلى أوثانهم في أوقات الجدوب والغيوث على السواء، يدعوهم إليها شيطانهم في النصف الأخير من كل ربيع، فإذا جاء الغيث نسبوه إلى أوثانهم، وإذا كان الجدب نسبوه إلى الله، عكس ما قال الله وحكم، ثم إذا جاء الصيف فَاءُوا إلى الأعمال الصيفية مضطرين، فإذا أقبل الخريف عادوا إلى تلك العادة النكراء فأنفقوا فيها كلّ ما جمعوه، وتداينوا بالربا المضاعف بما لا تقوم به ذممهم ولا أموالهم؛ فإذا ثَقُل الدين وألحّ الدائن، باع من يملك قطعة أرض أرضه، وباع من يملك دابة دابته، وتلك هي الغاية التي يعمل لها الشيطانان، شيطان الجن، وشيطان الاستعمار! ..

стр. 1200

جُلْ ما شئت في عمالة وهران في النصف الأخير من الربيع، والنصف الأول من الخريف، فإنك تسمع في كل سوق أذانًا بزردة، وترى في كل طريق حركة إلى زردة، وركابًا تشد إلى وعدة. وسرْ ما شئت في جميع الأوقات، وفي جميع طرق المواصلات ترَ القبابَ البيضاء لائحة في جميع الثنايا والآكام ورؤوس الجبال، وسلْ تجد القليل منها منسوبًا إلى معروف من أجداد القبائل، وتجد الأقلّ مجهولًا، والكثرة منسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني. واسأل الحقيقة تجبك عن نفسها بأن الكثير من هذه القباب إنما بناها المعمّرون الأوربيون في أطراف مزارعهم الواسعة، بعد ما عرفوا افتتان هؤلاء المجانين بالقباب، واحترامهم لها، وتقديسهم للشيخ عبد القادر الجيلاني، فعلوا ذلك لحماية مزارعهم من السرقة والإتلاف. فكل معمر يَبني قبة أو قبّتين من هذا النوع يأمن على مزارعه السرقة، ويستغني عن الحرّاس ونفقات الحراسة، ثم يترك لهؤلاء العميان- الذين خسروا دينهم ودنياهم- إقامة المواسم عليها في كل سنة، وإنفاق النفقات الطائلة في النذور لها وتعاهدها بالتبييض والإصلاح، وقد يحضر المعمر معهم الزردة، ويشاركهم في ذبح القرابين، ليقولوا عنه إنه محبّ في الأولياء خادم لهم، حتى إذا تمكّن من غرس هذه العقيدة في نفوسهم راغ عليهم نزغا للأرض من أيديهم، وإجلاء لهم عنها، وبهذه الوسيلة الشيطانية استولى المعمرون على تلك الأراضي الخصبة التي أحالوها إلى جنات، زيادة على الوسائل الكثيرة التى انتزعوا بها الأرض من أهلها. وكأن هؤلاء القوم يعتقدون أن أرواح الأولياء كالثعابين والحيات، تتخذ من الحجارة المجموعة مقرًّا وملجأً، فكلّما وجدوا حجارة مجموعة اعتقدوا أنها مباءة لولي واتخذوها مزازًا. ولقد مررتُ في إحدى جولاتي في تلك المقاطعة بقطعة أرض موات، كأنها مقبرة أموات، مرصّعة بالحجارة، مغطاة بالسدر والدوم، تحفها قطع متجاورات، غُرست زيتونًا وكرومًا وفواكه شتّى، فكأن تلك القطعة من بينها جنة الرجاز التي تخيّلها أبو العلاء المعرّي في رسالة الغفران؛ فشهدت كل واحدة بصاحبها، ثم مررتُ بعد سنة بتلك القطعة، فدلّني تبدّل الأرض غير الأرض على أن صاحبها الأول قامت قيامته، ووجدت تلك الحجارة قد رُكمت على حافة الطريق، ثم مررت بها مرة أخرى في تلك السنة فإذا تلك الحجارة المركومة قد رشّت بالجير الأبيض، وإذا فيها كوى للبخور والشمع، قلت، سبحان من يحي قلوبًا ويميت قلوبًا، سبحان من جعل التوحيد مفتاح السعادة في الدارين. ولقد ماتتْ هذه العوائد الشيطانية قبل الحرب الأخيرة أو كادت تموت، بتأثير الحركة الإصلاحية المطهّرة للعقائد، ثم قضي عليها بتأثّر الناس بالحرب ولأوائها، وقد عادت في السنتين الأخيرتين إلى ما كانت عليه، ودعا داعي الشيطان إليها فأسمع، وكأنّما أذن في

стр. 1201

القانتين بصلاة، أو ثوّب في المستطيعين بحجّ، فإذا هم في اليوم الموعود مهطعون إلى الداعي، رجالًا ونساءً وأطفالًا، يُزجون الرواحل، ويسوقون القرابين، ويحملون الأدوات، تراهم فتقول إن القوم صُبِّحوا بغارة، تسيل بهم الطرق، وتغصّ بهم الفجاج، حتى إذا وصلوا إلى الوثن نُصبت الخيام، وسالت الأباطح بالمنكرات والآثام. وإن لعودة هذه المنكرات لسببًا جديدًا غير العقيدة، فقد ضعفت، وغير المنفعة المادية لدعاة الشيطان، فقد نزرت، وإنما هو تنشيط الحكومة لها، وتحريضها على إحيائها، لأن في بقائها قوّة للاستعمار، ومقاومة للحركة الإصلاحية، وإلهاء لرجال الإصلاح عن البناء والإصلاح، وإنا- إن شاء الله- لهذه المكائد لمتفطنون، وإنا على إحباطها لعاملون، وإنا للحديث عن هذه المخزيات لعائدون. ... يا قومنا، أجيبوا داعي الله، ولا تجيبوا داعيَ الشيطان، يا قومنا إن أصول هذه المنكرات مَفسدة للعقيدة، وإن فروعها مُفسدة للعقل والمال، وإنكم مسؤولون عند الله عن جميع ذلك، يا قومنا إنكم تنفقون هذه الأموال في حرام وإن الذبائح التي تذبحونها حرام لا يحلّ أكلها، لأنها مما أهل به لغير الله؛ فمن أفتاكم بغير هذا فهو مفتي الشيطان، لا مفتي القرآن.

стр. 1202

من مشاكلنا الإجتماعية (٤) الصداق ... وهل له حد؟ * ــ من أمراضنا الاجتماعية التي تنشر في أوساطنا الفساد والفتنة، وتعجّل لها إلى الدمار والفناء - عادةً- المغالاة في المهور، وما يقابلها من المغالاة في الشورة (١)، وقد أفضت بنا العوائد السيّئة فيها إلى سلوك سبيل منحرف عمّا تقتضيه الحكمة، وعما تقتضيه المصلحة، وهو تنزّل الأغنياء للفقراء رفقًا بهم، وتيسيرًا عليهم، فأصبح الفقراء يتطاولون إلى مراتب الأغنياء ويقلدونهم، تشبّهًا بهم، ومجاراة لهم، والضعيف إذا جارى القوي انبتّ فهلك. وقد كانت هذه القضية- وما زالت- أهمّ ما تضمنه منهاجنا في الإصلاح الاجتماعي، فعالجناها بالترغيب والترهيب، وبيان ما تقتضيه الحكمة الشرعية، وما يقتضيه الحكم الشرعي: تناولناها في الخطب الجمعية، وفي دروس التفسير والحديث، وفي المحاضرات العامة، وفي المقالات المكتوبة، وحملنا الحملات الصادقة على العوائد التي لابستها فأفسدتها، حتى صيّرت الزواج الذي هو ركن الحياة، أعسر شيء في الحياة، وبينّا بالشواهد الواقعية ما تجرّه هذه الحالة على الأمة- إذا تمادت- من وخامة العاقبة وسوء المصير، ولكن أعمالنا في هذه القضية لا تظهر نتائجها الكاملة إلا في جيل يكون أقوى إرادة من هذا الجيل الذي ملكت العوائد عليه أمره، فأعمته عن مصالحه، وأفسدت عليه دينه ودنياه، وإن المرأة لنعم العون في هذا الباب، وما دام عقل المرأة لم يرتق إلى معرفة الحقائق، وتبين وجوه المصالح، فإن أملنا في إصلاح هذه الحالة ضعيف والمرأة هي نصفنا "الضعيف القوي" شئنا أو أبينا. وقد حاول بعض أهل الشعور الحي نوعًا من التطبيق العملي لإصلاح هذه القضية، في منطقة مخصوصة تجمعها وحدة قبلية، فحدّدوا للمهر مبلغًا يستوي فيه الفقير والغني، بلا

стр. 1203

نقص فيه، ولا زيادة عليه، ولكنهم غفلوا عن أمرين: الأول أنهم مهما هبطوا بالمبلغ المحدود فإن في الفقراء من لا تصل قدرته إليه، فيصبح هذا التحديد إرهاقًا له وتعنيتًا، والثاني إن إصلاحًا مثل هذا لا يتم إلا إذا سبقه إصلاح في الأخلاق، وإصلاح في التربية، وتقوية للوازع الديني في النفوس، حتى يتغلّب على العوائد المستحكمة؛ ولو أنهم وضعوا حدًّا أعلى للأغنياء بعد إقناعهم بالتزامه، وتركوا للفقراء مجالًا واسعًا يبتدئ من الواحد وينتهي إلى العشرة مثلًا، ليقف كل فقير عند الدرجة التي تنتهي إليها قدرته، ولو أنهم فعلوا ذلك لكان خيرًا وأحسن تأويلًا، ولكان أقرب إلى النظرة العمرية في إيقاف المغالاة عند حد. وقد سُئلنا أن نكتب كلمة في هذا الموضوع تبيّن الحكم الشرعي على وجهه وتجلي الحكمة الشرعية على حقيقتها، فكتبنا هذه الكلمة في بيان الحكم العام، في الحالة العامة، ولم نوجّهها إلى جماعة خاصة، وإنما وجّهناها إلى الأمة كلها لأن مرضها واحد، ولأننا نراعي في أعمالنا- إن شاء الله- الفائدة العامة. ... الصداق نحلة شرعية مشروطة في عقدة النكاح، يعجلها الزوج للزوجة أو يعمر بها ذمّته إلى أجل، ولا نقول ما يقوله الفقهاء المسارعون إلى التعليلات السطحية التي لا تتفق مع الحكمة: إن الصداق عوض عن البضع أو ثمن له، فإن هذا التعليل يدخل بهذه العلاقة الشريفة في باب البيع والشراء والمعاوضات المادية، وحاشا لهذه الصلة الجليلة التي هي سبب بقاء النوع الإنساني أن تكون كصلة الثوب بمشتريه، أو صلة المتاع بمقتنيه! بل إن معناها أعلى وأجلّ؛ إنها إكرام من الرجل القوام، للمرأة الضعيفة، ووصلة بين قلبيهما، وتوثيق لعرى المحبّة بينهما، وتأنيس يسبق العشرة المستأنفة، وبريد يحمل البشرى بالقرب؛ فإذا أدخلناها في باب الأثمان والقيم لم يبقَ إلا أن نسمّي الزوجة بائعة، والزوج مشتر، والخاطب سمسارًا؛ وإننا نتلمّح من الحكمة الإلهية العليا العامة في الجنس كله أن الصداق في الإسلام جبر لما نقص المرأة من الميراث، فمن عدل الله أن نقص لها في ناحية، وزادها في ناحية، وكرمها فأعفاها من تكاليف النفقة في أطوارها الثلاثة، بنتًا وزوجًا وأمًّا، وهذه هي الحكمة التي ندمغ بها الطاعنين في الإسلام، الهازئين بأحكامه، المتعامين عن حِكَمه. وليس للصداق في أصل الشريعة ونصوصها القطعية، وتطبيقاتها العملية، حد منصوص يوقف عنده لا في القلة ولا في الكثرة، وإنما هو موكول إلى أحوالهم في العسرة واليسرة، وطبقاتهم في الغنى والفقر، ولو كان له حد منصوص في القلة لما اختلف الأئمة في حدّه الأدنى، فقال مالك ثلاثة دراهم أو رُبع دينار، وقال أبو حنيفة عشرة دراهم، وقال غيرهما

стр. 1204

خمسة؛ ولما اختلفت مداركهم في المقيس عليه ما هو؟ أهو ما يجب فيه القطع في السرقة؟ أم ما تجب فيه الزكاة في رأي بعض أئمة المالكية؟ وإن كان القياس في الرأيين واهيًا لخفاء أو لبعد العلة الجامعة بين المقيس وبين المقيس عليه. ولو كان له حد منصوص في الكثرة لوقف عنده عمر، ولم يعزم على تحديده، وإن كانت الروايات لا تفيد أنه عزم على التحديد، وإنما نهى عن المغالاة فيه، فرواية أصحاب السنن لقول عمر: لا تغالوا في صدُقات النساء؛ وأن امرأة قالت له: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله تعالى يقول: وآتيتم إحداهن قنطارًا من الذهب (وهذا الحرف من قراءة ابن مسعود)، وأن عمر قال: امرأة أصابت، ورجل أخطأ. فتسليم عمر للمرأة يدلّ على أنه لا حد للأكثر، وهو الحق، وهو الواقع ونهيه عن المغالاة سداد ونظر بالمصلحة، وتأديب للمغالين، وعمر خليفة مصلح حريص على حمل الأمة على القصد في كل شيء، وعلى عدم الاندفاع في التطوّر، وقد فاضت الأموال في عهده من الفيوء والمغانم؛ والمال المفاجئ عامل من عوامل سرعة التطوّر ومجاوزة حدود القصد؛ ومن نظر في وصاياه لعتبة بن غزوان في تخطيط البصرة، شهد ببعد نظره في بناء الأمة على أساس متين، ومن تأمّل نهيه عن المغالاة في الصداق، وعزمه على إلزام المطلق ثلاثًا في اللفظ، علم حرصه على أخلاق الأمة أن يدركها التحلّل والانهيار؛ وإنه لا يعزم تلك العزائم إلا حين يرى الناس تتايعوا (٢) في أمر كانت لهم فيه أناة، كما قال هو في قضية الثلاث، ولله در عمر! ... نرجع إلى الشواهد العلمية من فعل النبي ﷺ ، وعمل أصحابه ﵃، نجدها لا تدل على تحديد في الأدنى ولا في الأعلى، فهذا رسول الله ﷺ أصدقَ نساءَه كما في الصحيح اثنتَيْ عشرة أوقية ونشًّا، والأوقية أربعون درهمًا، والنش نصف الأوقية، فتلك خمسمائة درهم، وتزوّج عبد الرحمن بن عوف على نواة من ذهب، وأخبر النبي ﷺ بذلك فأقرّه، والنواة وزن معروف عندهم، قالوا في تفسيره إنه ربع النش، فهو خمسة دراهم. وفي حديث الواهبة نفسها لرسول الله أنه قال لخاطبها: التمس ولو خاتمًا من حديد ثم زوّجه إياها بما معه من القرآن، يعني بأجرة تعليمها سورًا من القرآن سمّاهنّ.

стр. 1205

أما خمسة الدراهم، وخمسمائة درهم، فهي مال معدود، ولكنه لا يقتضي التحديد للأقل ولا للأكثر، وأما أجرة التعليم فهي مال، ولكنه مجهول في قضية الواهبة، وأما خاتم الحديد فليس بذي بال، وكيفما قدّرت قيمته كانت أقلّ مما جعله الأئمة حدًّا أدنى، ورأيُنا فيه، وفهمنا لحكمته أنه رمز نبوي بعيد المغزى، عالي الإشارة، إلى أن ما يفتتن به الناس بمقتضى طبيعتهم من اعتبار المال في الزواج ليس مقصدًا شرعيًّا، وإن أحقر شيء مما يُسمّى مالًا كافٍ فيه؛ أما القصد الحكيم فهو من وراء ذلك: هو في الإحصان، وقمع الغرائز الحيوانية، وسكون القلب إلى القلب، وتحقيق حكمة الله في التناسل وتسلسل النوع، إلى غير ذلك من الحكم التي ليس منها المال، وإنما المال هنا جاذب مادي موصل يسدّ رغبة سطحية، وما أغلى صداق الواهبة في حكم العقل، إذ سيق إليها علمًا بسور من القرآن يزكيها، لا دراهم معدودة يُفنيها إنفاق يوم أو يومين، ولو وجد ذلك الخاطب خاتمًا من حديد فأصدقها إياه لانتقلت الحكمة إلى باب آخر، وهو إنزال الناس منازلهم في الفقر والغنى بحيث يتزوّج كل واحد بما يملك. وقضية الواهبة- على كل حال- قضية عين، لا تقوم بها حجة، زيادة عن كونها خرجت مخرج التفسير، في أسلوب بليغ من التعبير، ومعتاد في كلام من أوتي جوامع الكلم، كقوله في أحاديث الحث على الصدقة: "ولو بظلف محرق" "ولو بفِرْسِنِ شاة" "ولو بشق تمرة". هذا ولا ننسى أننا نستروح من كلمة الطَّوْل الذي جعله الله موجبًا للانتقال من نكاح الحرائر إلى نكاح الإماء، أن الصداق مال له بال بالنسبة إلى أحوال الرجال. ... والخلاصة أن الشريعة المطّهرة الحكيمة لم تحدّد في الصداق حدًّا أدنى، ولا حدًّا أعلى، لأن الناس طبقات، فقراء وأغنياء وبين ذلك، فإذا انساقوا بالفطرة القويمة، والشريعة الحكيمة، وجروا على منازلهم في المجتمع، صلح أمرهم واستقامت لهم الحياة، وإذا زاغوا عن الفطرة، وحادوا عن الشريعة، وخرجت كل طبقة عن مداها المقدّر لها، هلكوا وشقوا. والدين إنما يخاطب المؤمنين به، المتّبعين لأحكامه، المتأدبين بآدابه، الواقفين عند حدوده، فإذا ترك الأمر مطلقًا كالصداق فإنما يفعل ذلك اعتمادًا على إيمانهم وأمانتهم، وعرفانهم لما تقتضيه مصلحتهم، واعتبارهم للحِكَم قبل الأحكام. واذا صلح المجموع وكان بهذه المنزلة من فهم الدين ومعرفة مقاصده العامة، فبعيد أن يتورّط في العسر والإرهاق والحرج، وبعيد أن يتطاول الفقير إلى منزلة الغني فيقع الفساد في الأرض.

стр. 1206

والدين مع هذا الإطلاق في الصداق، قد ندب الناس إلى التيسير، ونهاهم عن التشديد والتعسير، في الزواج والمهر، حتى تتيسّر إقامة هذه السنّة الفطرية على جميع الناس. نحن لا نبدّل أحكام الله، ولا نقول بتحديد الصداق، ولكننا نقول ونكرّر القول: إن المغالاة في المهور أفضت بنا إلى مفسدة عظيمة، وهي كساد بناتنا وإعراض أبنائنا عن الزواج، واندفاعهم في رذائل يعين عليها الزمان والشيطان، فعلى المسلمين أن يذلّلوا هذه العقبات الواقعة في طريق زواج بناتهم وأبنائهم، وأن يقتلوا هذه العوائد الفاسدة المفسدة، وأن ييسّروا ولا يعسروا وأن يعتبروا في الزواج حسن الأخلاق، لا وفرة الصداق، وفي الزوجة الدين المتين، لا الجهاز الثمين.

стр. 1207

جمعية العلماء والسياسة الفرنسية بالجزائر

стр. 1208

ذكرى ٨ ماي * - ١ - ذكراك يا يوم ... تحزّ في الأحشا إذا أقبل القوم ... وحش تلا وحشا ... يا يوم لم تشرق ... شمس على مثلك أَل الضحى مُغرق ... والملتجَى مُهلك ... ذكراك يا يوم ... لا تأتَلي حوما تعتاد في النوم ... فتطرد النوما ... رِيع الحمى فيكا ... والأهل في غفله لم يُعف عافيكا ... طفلًا ولا طفله ... فيك اعترت لمه ... رهطًا من الشُّمس فقتلوا أمّه ... أحيتهم أمس ساقت لهم نصرًا ... جازَوْه بالكسر

стр. 1209

كمن فدى الأسرَى ... فبات في الأسر ... لهفي على هاوٍ ... على شفا العمر قد تلّه غاو ... فخرّ للصدر ... لهفي على مرضَع ... قد عُفِّرت أُمُّه ما خب أو أوضع ... إلا الشقا أَمَّه ... الشعب مسّته ... فيك اليدالعَسرا أضحى فمستّه ... بالضرّ والعُسرى ... يا يوم، ذكراكا ... لم تبرح البالا لو طاف مسراكا ... بالليث ما صالا ... زرعت أحساكا ... منبتها الصدر فكيف ننساكا ... إنّا إذن غدر

стр. 1210

ذكرى ٨ ماي * - ٢ - يوم مظلم الجوانب بالظلم، مطرّز الحواشي بالدماء المطلولة، مقشعرّ الأرض من بطش الأقوياء، مبتهج السماء بأرواح الشهداء؛ خلعت شمسه طبيعتها فلا حياة ولا نور، وخرج شهره عن طاعة الربيع فلا ثمر ولا نوْر، وغبنت حقيقته عند الأقلام فلا تصوير ولا تدوين. ... يوم ليس بالغريب عن (رزنامة) الاستعمار الإفرنسي بهذا الوطن، فكم له من أيام مثله، ولكن الغريب فيه أن يجعل- عن قصد- ختامًا لكتاب الحرب، ممن أنهكتهم الحرب على من قاسمهم لأواءها، وأعانهم على إحراز النصر فيها؛ ولو كان هذا اليوم في أوائل الحرب لوجدنا من يقول: إنه تجربة، كما يجرّب الجبان القوي سيفه في الضعيف الأعزرل. ... إثنان قد خلقا لمشأمة الاستعمار والحرب؛ ولحكمة ما كانا سليلي أبوّة، لا يتم أولهما إلا بثانيهما، ولا يكون ثانيهما إلا وسيلة لأوّلهما؛ وقد تلاقت يداهما الآثمتان في هذا اليوم في هذا الوطن، هذا مودع إلى ميعاد، فقعقعة السلاح تحيّته، وذلك مزمع أن يقيم إلى غير ميعاد، فجثث القتلى من هذه الأمّة ضحيته. ...

стр. 1211

تستحسن العقول قتل القاتل، وتؤيّدها الشرائع فتحكم بقتل القاتل، ولكن الاستعمار العاتي يتحدّى العقول لأنه عدوّها، والشرائع لأنها عدوّه، فلا يقوم إلا على قتل غير القاتل ... ويغلو في التألّه الطاغي، فيتحدّى خالق العقول، ومنزل الشرائع، وينسخ حكم الله بحكمه، ورحمة الله بقسوته، فيقتل الشيوخ والزمنى والنساء والأطفال. أين النعمان بن المنذر ويوماه من الاستعمار وأيامه؟ كان للمنذر يومان: يوم بؤس ويوم نُعمى، وبينهما مجال واسع للبخت، وملعب فسيح للحظ، فإذا طار طائر النحس في أحد يوميه وقع على حائن أتت به رجلاه، أو محدود لم يلتق مع السعد في طريق، أما الاستعمار فأيامه كلها نحسات، بل دهره، كله يوم نحس مستمر، مُحيت الفواصل بين أيامه ولياليه، فكلّها سود حوالك، يطير طائر النحس منها فلا يقع إلا على أمم آمنة مطمئنة؛ وأين قتلى ضمختْ دماؤها الغريين (١)، من قتلى ضمخت دماؤها أديم الأرض، وخالطت البحار حتى ماء البحار أشكل. ... أمة كالأمم حلّت بها ويلات الحرب كما حلّت بغيرها، وذاقت لباس الجوع والعري والخوف، وتحيّفت الحرب أقواتها وأموالها، وجرّعت الثكل أمهاتها واليتم أطفالها، وأكلت شبابها، وقطعت أسبابها، وصليت نار الحرب ولم تكن من جُناتها، وقدمت من ثمن النصر مئات الألوف من أبنائها قاتلوا لغير غاية، وقتلوا من غير شرف؛ في حين كانت الأمم تقتتل على الملك، والملك مجد وسيادة، وعلى الحرية، والحرية حياة وعزة، أما هذه الأمة فكانت تقاتل لخيال من أمل، وذَماء من حياة، وصبابة من رجاء، وخُلب من وعد علا نداؤه، وتجاوبت في الخافقين أصداؤه، من ديمقراطية زائفة كذبَ نبيّها مرتين (٢) في جيل واحد، فلما سكن الإعصار وتنفّست الأمم في جوّ من السلم، وتهيأت كل أمة أن تستقبل بقايا النار من شبابها، وكلّ أم أن تعانق وحيدها، عاودت الاستعمار ألوهيته وحيوانيته في لحظة واحدة، يحادّ الله بتلك، ويغتال عباده بهذه، وعاد بالتقتيل على من كانوا بالأمس يمدّون حياته بحياتهم، ليريهم مبلغ الصدق في تلك الوعود، ويحدّثهم بلغة الدم ومنطق الأشلاء أنه إنما أقام سوق الحرب ليشتري حياته بموتهم، وليرمّم جداره بهدم ديارهم، فإذا بقي منهم كلب بالوصيد، أو من ديارهم قائم غير حصيد، قضى ذلك المنطق فيه بالإبادة والمحو، وجعل أيامه خاتمة لأيام الدم والحديد، وعطَفه على عدوّ الأمس المشترك عطفًا

стр. 1212

بالفاء لا بثم، وكَذلك كان، فقد فتح الناس أعينهم في يوم واحد على بشائر تدقّ بالنصر، وعلى عشائر من "المنتصرين" تُساق للنحر؛ وفتحوا آذانهم على مدافع للتبشير، وأخرى للتدمير، وعلى أخبار تؤذن بأن الدماء رقأت في العالم كله، وأخرى تقول: إن الدماء أريقت في جزء صغير من العالم، هو تلك القرى المنكوبة من مقاطعة قسنطينة. وفي لحظة واحدة تسامع العالم بأن الحرب انتهت مساء أمس ببرلين، وابتدأت صباح اليوم بالجزائر، وفيما بين خطرة البرق، بين الغرب والشرق، أعلنت حرب من طرف واحد، وانجلت في بضعة أيام عن ألوف من القتلى العزّل الضعفاء، وإحراق قرى وتدمير مساكن، واستباحة حُرُمات ونهب أموال، وما تبع ذلك من تغريم وسجن واعتقال؛ ذلكم هو يوم ٨ ماي. ومن يكون البادئ يا ترى؟ آلضَّعيف الأعزل، أم القوي المسلّح؟ ... لكَ الويل أيها الاستعمار! أهذا جزاء من استنجدته في ساعة العسرة فأنجدكَ، واستصرخته حين أيقنتَ بالعدم فأوجدك؟ أهذا جزاء من كان يسهر وأبناؤك نيام، ويجوع أهله وأهلك بطان، ويثبت في العواصف التي تطير فيها نفوس أبنائك شَعاعًا؟ أيشرّفك أن ينقلب الجزائري من ميدان القتال إلى أهله بعد أن شاركك في النصر لا في الغنيمة ولعلّ فرحه بانتصارك مساوٍ لفرحه بالسلامة، فيجد الأب قتيلًا، والأم مجنونة من الفزع، والدار مهدومة أو محرقة، والغلة متلفة، والعرض منتهكًا، والمال نهبًا مقسمًا، والصغار هائمين في العراء؟ ... يا يوم! ... لله دماء بريئة أُريقت فيك، ولله أعراض طاهرة انتُهكت فيك، ولله أموال محترمة استُبيحت فيك، ولله يتامى فقدوا العائل الكافي فيك، ولله أيامى فقدن بعولتهن فيك، ثم كان من لئيم المكر بهنّ أن مُنعن من الإرث والتزوّج، ولله صبابة أموال أبقتها يد العائثين، وحُبست فلم تُقسم على الوارثين. ... يا يوم! ... لك في نفوسنا السمة التي لا تمحى، والذكرى التي لا تُنسى، فكنْ من أية سنة شئت فأنت يوم ٨ ماي وكفى. وكل ما لك علينا من دَين أن نُحي ذكراك، وكل ما علينا لك من واجب أن ندوّن تاريخك في الطروس لئلا يمسحه النسيان من النفوس.

стр. 1213

الأسابيع في عرف الناس * يعرف الناس من الأسابيع المضافة إلى معانيها ما يتعلق بمصالحهم، ويتّصل بحياتهم والدورية مثل أسبوع العرس، وأسبوع المأتم، وأسبوع الحصاد، وأسبوع الذباب، وأسبوع طَكُّوك، وغير ذلك من الأسابيع المختلفة. هذه الأسابيع وأشباهها يعرفها عامة الناس ويطلقونها إطلاقًا واسعًا لا يتقيّد بالمعنى اللغوي الذي هو سبعة أيام، بل يفهمون منها الظرف الزمني الذي يعمره العمل أو الحادث. ولكن الاستعمار أبا العجائب، وأم الغرائب، يحدث في بعض الأحايين أسابيع ليست في حساب الناس، وليست مما يتصل بمصالحهم وحياتهم، وإنما هي أسابيع ذات معان من مُصاص الشر وعُصارة الظلم، يخفيها أزمانًا ويوري بأضدادها أحيانًا، ثم يُجلِّيها لوقتها المقدّر، فإذا هي الظلم والوحشية والقسوة وما شاء الهوى من قتل الأبرياء، وسجن الضعفاء وتغريبهم وتغريمهم. من هذه الأسابيع الجديدة الوقوع- القديمة المعاني- أسبوع الإرهاب الذي بدأ قبيل انتخاب المجلس الجزائري، ولم ينته إلى الآن، وهو أسبوع لا نذهب بعيدًا عن تسميته، فقد أرشدنا الاستعمار وكفانا المؤونة وسمّاه أسبوع "سبّ فرنسا" لأن التهمة التي بنيت عليها المحاكمات وكانت ذريعة للقتل والسجن والتغريب والتغريم، هي التهمة بسبّ فرنسا! ... فتساءلنا: هل هناك نسب بين سبّ فرنسا والانتخاب؟ وهل هناك تلازم عقلي بينهما؟ فإن لم يكن هذا ولا ذاك فما معنى كون سب فرنسا لا يكون إلا في أيام الانتخاب؟ وما معنى كون العقوبة عليه لا تكون إلّا في أيام الانتخاب؟ كأن مسلمي الجزائر يسكتون عن هذا النوع

стр. 1214

من السباب تعففًا أو رضى، فإذا جاء موعد الانتخاب، ركبهم عفريت السباب، وكأن القوانين المسنونة للعقاب على السب تعطل وتُطوى تلك السنين، حتى إذا جاء وقت الانتخاب بُعثت ونُشرت وشحذت بعد الكلال. إن أذكى الأذكياء ليعجز عن حلّ هذا اللغز. أيها الاستعمار، لا تجعل الشرائع ذرائع للانتقام، ولا تجعل القوانين كوانين للإحراق.

стр. 1215

أفي كلّ قرية حاكم بأمره ؟ * كأن في القطر الجزائري حكومات متعددة لا حكومة واحدة. بل كأن كل قرية فيها متصرف بسيط - حكومة مستبدة ترجع في النقض والإبرام إلى رأي المتصرف لا إلى القانون العام، وكأن القوانين التي يُساس بها هذا القطر ليست مسطرة في الدفاتر، بل في أدمغة أولئك الحكّام المحليين. وذلك كلّه لأن الذين تطبّق عليهم تلك القوانين والأحكام عرب ومسلمون وأنديجان، وتظهر تلك التصرفات الشاذة جلية في معاملة جمعية العلماء ورجالها، والتعليم العربي ومعلّميه ومدارسه وجمعياته، فزيادة على الصفة اللازمة لحكومة الجزائر الاستعمارية، وهي المقاومة للتعليم العربي والدين الإسلامي ولجمعية العلماء القائمة بهما، ترى أن عمّال الحكومة لا يرجعون في ذلك إلى طبيعة حكومتهم لأنها تبرد حقدهم على الإسلام والعربية، بل يرجعون إلى آرائهم الفردية وطبائعهم الخاصة، لأنها هي التي تُطفئ الغيظ وتطفئ نار الحقد. وحكومتهم تسمع وكأنها لا تسمع، وترى وكأنها لا تبصر، لأن أعمالهم ليست شذوذًا في قاعدة ولا خرقًا لإجماع، وإنما هي قيام بفرض لم تأمر به الحكومة، ولا يسوءها القيام به. ... في العام الماضي عطّل متصرف خنشلة مدرسة قاييس بأمره الخاص وإرادته، وما زالت معطلة إلى الآن برغم ما بذلناه من الاحتجاجات الصارخة، وعطل حاكم سور الغزلان مدرسة "سيدي عيسى" بلا سبب، ولم يأذن بفتحها إلا بعد ترضية بسيطة قدّمتها الجمعية المحلية للمدرسة اختصارًا للإجراءات، وعطّل حاكم مايو مدرسة "بي منصور"، ونفى معلّمها من دائرته، وجرّ أعضاء جمعيتها إلى محاكمات مزوّرة أعدّ لها كل ما سوّلته له نفسه الطاغية من

стр. 1216

وسائل باطلة، وقال للجمعية بصراحة إنه لا يرضى أن ينتقل "مكروب" جمعية العلماء إلى "مملكته"، ونبّهنا رؤساءه إلى أعماله فلم يسكنوا متحركًا. واعتدى "نصف شيخ" قرية "ايغيل علي" على حرمة المسجد فاقتحمه بالسلاح، وعلى كرامة خطيبه ومدرّسه فأهانه، واسم هذا النصف شيخ اسم مسلم، ولكن أفعاله ليست أفعال المسلمين؛ بل هو يأتمر بأوامر المبشّرين أو يتطوّع لتنفيذ رغباتهم، وعطّل حاكم "فج مزالة" مدرسة "الربع" من دوار "راس فرجيوه" وأمر القائد أحمد بن عاشور أن يأتيه بمفاتيح المدرسة ففعل ... طاعة لسيّده. ... طالما أفهمنا الحكومة أن هذا التعطيل للمدارس العربية يعد عقوبة للأطفال الصغار الذين لم يقترفوا ذنبًا، وبرهانًا قاطعًا على سوء القصد في معاملة الإسلام والعربية في دارهما، ودليلًا على بعض ما يضمره الاستعمار لهذه الأمة من بقائها تتخبط في الأمية، وإنما هذه الوقائع جزئية متفرقة الأماكن ضربناها مثلًا وعبرة ولو أردنا التقصي لما أمكن. أما الكلية المطردة فلم تتجلَّ إلا في بلدة العجائب، بلدة "عنابة"، ففي هذه البلدة من خصائص المعاملات وبدائع الظلم والمنكر ما يشبه على الناس أنها قطعة أجنبية في القطر الجزائري، لا ينقصها إلا النقود، والحدود، والحواجز الجمركية، والتمثيل القنصلي، وطالما سمعنا أنهم يريدون فصلها عن عمالة قسنطينة، فهل هذا من ذاك؟ وهل هذا لأجل ذاك؟ كل من في هذه البلدة من حكّام، وبوليس سري وعلني، يجهد جهده في حرب جمعية العلماء ومقاومة حركاتها، وكلهم مُرصَد لتتبعّ المنتسبين إليها، وكأنهم يريدون عزل عنابة عن بقية مدن القطر التي استنارت آفاقها بعلم جمعية العلماء، وتعليم جمعية العلماء، وأفكارها ومدارسها، وكأنه ليس في البلدة مجرمون ولا نصّابون يستحقّون اهتمام البوليس وتتبّعه إلا من يدخل البلدة من المنتسبين إلى جمعية العلماء. ومن العجيب في أمر بوليس هذه البلدة أنه يرتكب مع أعضاء جمعية العلماء إجراءات ما عهدنا القانون يسمح بها إلا في ظروف استثنائية وبأوامر خصوصية، فكأنه مطلق اليد والتصرّف في كل ما يتعلّق بنا. منذ ثلاثة أشهر ذهب وفد من جمعية العلماء مركّب من الشيخين محمد الشبوكي وكامل الحناشي إلى عنابة، لتفقّد الحركة الإصلاحية بها، فكان البوليس أتبع لهما من ظلهما من الدقيقة التي وصلا فيها، وما أقاما فيها ليلة حتى دعيا إلى الكوميسارية (١) وحُبسا فيها أربع ساعات ونصفًا وطُرحت عليهما أسئلة غير معقولة ولا معتادة على صورة تشبه بحث المجرمين

стр. 1217

في الشدة والدوران والإرهاق وتغليظ القول: ثم فُتّشت حقائبهما وأوراقهما وكتبهما العربية- طبعًا- وحجزت في الكوميسارية ما يقرب من يومين حتى تدخّلت بعض الهيئات المنتصرة للحق وأوفدت نائبًا شيوعيًّا لفكّ المحجوزات المحرّمة في بلدة عنابة. وفي أثناء رمضان الماضي، ذهب إلى عنابة الشيخ فرحات العابد أحد مديري مدارس جمعية العلماء لقضاء إجازته الصيفية بين أحبابه وأقاربه وليقوم بأحاديث في الوعظ والإرشاد الديني كبقية إخوانه المكلّفين بذلك من الجمعية؛ فاستدعته الكوميسارية وأرهقته تحقيقًا وبحثًا، وسلّطت عليه أعوانها يتعقّبونه في كل حركة وسكون، والرجل معروف في البلدة، وله فيها قرابة وأصدقاء، ولكن ذنبه في نظر الكوميسارية أنه من جمعية العلماء، بدليل أن الأسئلة التي كانت تنهال عليه كلها متعلقة بجمعية العلماء وأعمالها وبرامجها، كأن جمعية العلماء ليست في الجزائر، أو كأن عنابة ليست من الجزائر، أو كأن الإدارة العليا- التي نظنّ أنها تشرف على تلك الكوميسارية- لا تعلم شيئًا عن جمعية العلماء فهي في حاجة إلى تلك التدقيقات التي تأتيها من كوميسارية عنابة. وفي هذه الأيام الأخيرة زار "عنابة" الشيخ أحمد رضا حوحو أحد أعضاء الجمعية لمصالح خاصة له بها، فأقلق البوليس راحته منذ وصوله باقتفائه لخطواته، وضبطه لأنفاسه، ثم استدعاه للكوميسارية- على العادة- وحقّق معه كما حقّق مع إخوانه من قبل؛ وكان الموضوع هو الموضوع ... ما هي جمعية العلماء؟ ما هي أعمالها؟ ما هو برنامجها التعليمي؟ ورئيسها ... ماذا يصنع؟ وأين هو الآن؟ وهل يريد زيارة عنابة؟ ألم تصبح عنابة- بهذا كله- بلدة العجائب والغرائب؟ ألم يُصبح هؤلاء الذين يُسمّونهم رجالَ الأمن رجالَ خوف؟ يخوفون الناس وهم آمنون، ويهيّجونهم وهم مطمئنون، ويعاملونهم معاملة الأجانب وهم في وطنهم ... بلى وإن لهم من وراء ذلك كله غاية هم غير واصلين إليها بإذن الله، وهي حجب "شمس المعارف" على "البوني" (٢) حتى لا تشرق أشعّتها على ذهنه. وإن غاية الغايات لهم في هذا التضييق على جمعية العلماء هي مقاومة الإسلام والعربية بهذا القطر، إن لم يكن في جميع القرى ففي بعضها، ولو سألت أعوان البوليس بعنابة لِمَ تشتدون في ما يلين فيه غيركم، لأجابوك: لا يضرّنا مَن ضلّ إذا اهتدينا ... أما نحن فنقول: إننا مسؤولون عن ديننا ولغتنا وعن نشرهما، فإذا أصبحت عنابة جهنم فإننا سندخل لأجلهما جهنم! ...

стр. 1218

عادت لعترها لميس * ولَميس هذه في مورد المثل هي امرأة كانت لها عوائد شر تعتادها، وأخلاق سوء تفارقها ثم تقارفها، لغلبة الفساد فيها وصيرورته أصلًا في طباعها- والعتر هو الأصل- فسيّرت العرب فيها هذا المثل. أما في مضرب المثل فهي الإدارة الجزائرية، وعترها هو الاستعمار البغيض إلى كل نفس، وما يقتضيه من ظلم وعنت للمستضعفين، وما يبنى عليه من انتهاك لحرماتهم، وما ينتهي إليه من وحشية في معاملتهم، وقتل لمعنوياتهم، ومسخ لأخلاقهم. كل الحكومات الاستعمارية تجعل معنويات الشعوب المغلوبة هدفها الأول فترميها بما يُضعفها، ولكن على التدريج لا على المغافصة، وبالحيلة لا بالقوة، وفي السر لا في العلن. أما حكومة الجزائر فإنها تتعمّد تلك المعنويات بالقتل الوَحِيِّ عمدًا مع الإصرار، وجهرًا ليس فيه إسرار، وعنادًا لا رجوعٍ فيه، ولا توبة منه، وغاية أمرها أنها تسنّ القوانين القاتلة وتتناسى تنفيذها إلى حين، تغليطا للمغفلين وايهامًا للمنتقدين، فإذا عادها من جبروتها عيد، عمدت إلى تلك القوانين فأخرجتها كما يخرج السلاح لوقت الحاجة، فإذا اقتضتها الظروف شيئًا من التعمية والإيهام، وضعت تلك الأسلحة التي اسمها القوانين، في أيدي أسلحة بشرية ممن يلبس لباس هذه الأمة المسكينة وبدعى باسمها- كالعاصي مثلًا- وقالت له: "ارمِ بهذا، فإنما خلقتك لهذا، ورزقتك من أجل هذا، ورفعت ذكرك لمثل هذا، وانتخبتك لتنفيذ هذا، وأوطأت الناس عقبك لتقوم بهذا ... ارْمِ دينك باسم دينك، واخدع أمّتك باسم أمتك، واكذب على تاريخك باسمه، وعفّ رسومه بما بقي من رسمه ... أجهز على البقية الباقية ولك مني الجُنة الواقية، والمنزلة الراقية، وفي خدمتك المذياع، وفي نصرتك

стр. 1219

الأتباع والأشياع ... ارْمِ باسمك لتغطي به اسمي، وقل بلسانك ومن ورائه لساني، لأستدفع بك ما عسى أن يلحق من تهمة، أو يعلق من وصمة، فإني لم أضع للدين لجنة، وللهلال لجنة، وللحج لجنة، إلا لأمحو من أعمالي أثر الهجنة ... ولا تنسَ أن من نعمي عليك أنني أكتبُ وأنسب إليك ... وكفاك فخرًا أن وجودي هو وجودك: وكفاني نجاحًا أن كان "للوظيفة" لا لله سجودك، وكفاني ثقة بك أن صرّحت بأن "مصلحتك هي مصلحتي". وحسبنا جميعًا أننا روحان في جسد، وشعرتان في حبل من مسد، وأننا دنَّا- على شيوع الإلحاد- بمذهب الحلول والاتحاد". هذا ما يقوله لسان الحكومة لصنائعها من أمثال العاصمي، حين تريدهم على تنفيذ رغائبها الاستعمارية، وإن لها في كل ما ترمينا به هذين النوعين من الأسلحة: سلاح القانون، وهو تحت يدها، وهذا النوع المسترذل من السلاح البشري، وهو تحت رجلها ... ولكنها تسكت ما تسكت لحكمة استعمارية ثم تعود ... كما عادت لعترها لميس. ... عادت لعترها (لميسنا) في الصيف الماضي- وقد ماتت تلك العوائد السيئة (عادة الزرد) (١) التي تُنتهك فيها الحرمات، وتستحل المحرمات- فأوعزت إلى صنائعها أن يحيوها، ويسّرت لهم كل ما عسرته الأزمة المالية الخانقة، وأحضرت لهم كل ما غيّبته سنو الحرب الماحقة، وإذا بعاصمي الزرد و "الوعائد" (٢)، ومحيي معالم البدع والعوائد، يدعو إلى وعدة "عابد"، ويقيمها بسيئاتها وموبقاتها وفواحشها، على أسوإ ما كانت تقع عليه من المنكرات التي لا يسيغها عقل ولا دين ولا مروءة، وإذا بآخر في وهران، يدعو إلى زردة أخرى من زرد الشيطان. وإذا بآخرين في غيرها يدعون إلى غيرها، ولم يكتفِ هذا التنشيط الداخلي لهذه الزرد التي صاحبها يفتقر، وآدِبها ينتقر؛ فدعت الجَفَلَى إلى الزردة الكتانية (٣) التي صاحبها "يْزَرَّدْ ويزيد". للحكومة في كل مذهب تذهبه عاصمي وإن لم تسمِّه مفتيًا حنفيًّا. وكل هؤلاء عاصمي في حرفته، "سودته" عبوديته، ولو ساعده الوزن لقلب المثل وقال نفس عاصمي سوّدت عاصميًّا ... وكلهم لا يعرفون معنى للعيب، إذا امتلأ الجيب، ولا يأبه للعار، وان دخل النار، ولا كعاصمي الزرد مشعوذًا يأكل الدنيا بالدين، ويضل عن سبيل المهتدين؛ وجلّ

стр. 1220

دين الله أن يعلق بهؤلاء السماعين للكذب، الأكّالين للسحت، فإن آلمهم كلامنا هذا فليخبرنا فقيههم عن حكم الله في كل ما يقع في "وعدة عابد" التي هو بطلها وجبلها الذي يمسكها أن تزول، وهل كل ما يقع فيها يتفق مع أحكام الإسلام؟ وهل الأموال التي تنفق فيها يرجع شيء منها إلى مصلحة الأمة فتعدّ مما أنفق في سبيل الله؟ كانت هذه العوائد، التي يسمّونها "وعايد"، المنتشرة في العمالة الوهرانية- على الخصوص- من شر ما أوحى الشيطان إلى أوليائه، وتنزل به عليهم؛ وإنما تنزل الشياطين على كل أفّاك أثيم؛ فأمرهم بالفحشاء ووعدهم الفقر إن تركوها؛ وقد ركدت ريحها في السنوات الأخيرة، وأعرض عنها كثير ممن وفّقهم الله، وتأثر بالإصلاح الذي يحارب أمثالها من البدع والمنكرات والآفات، ومنهم من وزعه عنها وازع المروءة، فإن ما يقع فيها لا تحتمله نفس الحر الأبي الغيور على أمّته، ولما جاءت الحرب وفشت الخصاصة في الناس نسوها وهجروها، والفقر ينهى عن الفحشاء والمنكر أحيانًا، إلى أن عادت لميس، فأزّتْ لإحيائها خلفاء إبليس. ... وعادت لعترها (لميسنا) في كل ما جرى من انتخابات في السنة الماضية، لما رأت المسلمين بدأوا يقدرون الانتخاب حق قدره، ويعرفون له قيمته، وبدأوا يتذوّقون معنى الديمقراطية التي أمات الاستعمار معناها الإسلامي في نفوسهم، فكدرت لهم شربها بتدخّلها العلني، وبما تستخدمه من وسائل الترغيب والترهيب، إلى أن كشفت في الانتخابات الأخيرة عن سرّها، وصرّحت عن شرّها، وكان ما كان، مما صدق الخبر فيه العيان. إن الديمقراطية عند حكومة الجزائر كصلاة المنافقين، لا تزكي نفسًا، ولا تنهى عن فحشاء. وتفضلها صلاة المنافق بأن فيها من الصلاة مظهر الصلاة فإن الديمقراطية- عند الأمم التي تنتحلها وتزعمها لنفسها- تتجلّى في عدة مجالى أرفعها الانتخاب، فهو عندهم العنوان الواضح للحرية، والبرهان اللائح على إطلاق الإرادة، والميزان العادل لاختيار الشعب. أما في الجزائر فالانتخابات، منذ سنّت، لعبة لاعب وسخرية ساخر، ورهينة استبداد؛ ولدت شوهاء ناقصة، وما زالت متراجعة ناكصة، وُضعت من أول يوم على أسوإ ما يعرف من التناقض، وأشنع ما يُعلم من التحكم والميز والعنصرية، وهو تمثيل الأكثرية في المجالس المنتخبة للأقلية من السكّان، والأقلية فيها للأكثرية منهم، قد كانت هذه الانتخابات شرًّا مستطيرًا على الأمة الجزائرية وأفتك سلاح رماها به الاستعمار، بعد أن نظر النظر البعيد، وكانت ضربة قاضية على ما كانت تصبو إليه وتستعدّ من وحدة الكلمة واجتماع الشمل،

стр. 1221

فكلّما جهد المصلحون جهدهم في جمع كلمتها- وكادوا يفلحون- جاءت هذه الانتخابات فهدمت ما بنوا وتبرته تتبيرًا، كان هذا كله قبل أن تقف الحكومة مواقفها المعروفة في انتخابات السنة الماضية؛ أما بعد أن ظهرت بذلك المظهر، وسنّت للانتخابات الجزائرية دستورًا عنوانه "الحيف والسيف" وارتكبت فيها تلك الفضائح التي يندى لها الجبين خجلًا، والتي يأنف الفرد المستبدّ من ركوبها، فضلًا عن حكومة جمهورية في مظهرها، ديمقراطية في دعواها، فإن الانتخاب أصبح وبالًا على الأمة ووباءً، وذهب بالبقايا المدّخرة فيها من الأخلاق الصالحة هباءً، وأصبحت هذه الكراسي عاملًا قويًّا في إفساد الرجولة والعقيدة والدين، وإمراض العزائم والإرادات، وفيها من معاني الخمر أنّ من ذاقها أدمن، وفيها من آفات الميسر أنّ من جرّبها أمعن. وقد كنا نخشى آثارها في تفريق الشمل وتبديد المال، فأصبحنا نخشاها على الدين والفضيلة، فإن الحكومة اتخذت منها مقادة محكمة الفتل لضعفاء الإيمان ومرضى العقيدة وأسرى المطامع منّا، وما أكثرهم فينا، خصوصًا بعد أن أحدثت فيها هذه الأنواع التي تجرّ وراءها المرتبات الوافرة، والألقاب المغرية. ليت شعري، إلى متى تتناحر الأحزاب على الانتخاب وقد رأوا بأعينهم ما رأوا؟ وعلامَ تصطرع الجماعات؟ وعلامَ تنفق الأموالُ في الدعايات والاجتماعات إذا كانت الحكومة خصمًا في القضية لا حكمًا؟ وكانت تعتمد في خصومتها على القوة وهي في يدها، وكانت ضامنة لنفسها الفوز في الخصومة قبل أن تنشب. ويحٌ للأمة الجزائرية من الانتخاب، وويل للمفتونين به من يوم الحساب. ... وعادت لعترها لميس في هذه الأيام، وكانت عودتها هذه المرة للمدارس العربية التي تديرها جمعية العلماء، فبعد أن سكتت عليها سنين اتّسق فيها سيرها وعاد إلى الأمة خيرها، عادت عليها في هذه الأيام بالتضييق والتعسير، وأخرجت ما كان مخبوءًا في جعبتها من القوانين والقرارات، وألقت بها في أيدي القضاة وحرسة الأمن ليرهقوا ويغلقوا ويحاكموا، كأن التعليم جريمة يترتب عليها العقاب، وكأن حبل الأمن اضطرب بسبب هذه المدارس ومعلّميها وأطفالها. بدأت دعوة المعلّمين إلى المحاكم نَقَرى، ونحن نقدر أنها ستعمّ، وإن أول المطر قطر ... وإن الأحكام ستكون بالغرامة فالسجن، ولكننا سندخل هذه المحاكم برؤوس مرفوعة، وسنتلقّى هذه الأحكام بنفوس مطمئنة بالإيمان، وسندخل السجون بأعين قريرة، وسنلتقي (بإخواننا) المجرمين في مجالس الأحكام ومقاعد الاتهام ... وحسبنا شرفًا أن يكون

стр. 1222

ذلك في سبيل ديننا ولغتنا، وحسبنا فخرًا أن تكون التهمة "فتح مدرسة دينية أو قرآنية بدون رخصة". وحسب الاستعمار (ديمقراطية) أن يحاكم معلّمي العربية والإسلام، ويسجنهم على التعليم كما يحاكم المجرمين ويسجنهم على الإجرام، في محكمة واحدة، وسجن واحد، وظرف واحد، وقد يكون يوم جمعة في الغالب، أليس هذا احترامًا للإسلام، ومن مصلحته كما يقول العاصمي؟ أليس هذه هي الديمقراطية؟ فما لكم تكذبون؟ ليبلغ الاستعمار ما هو بالغ في التضييق على ديننا ولغتنا والتصميم على هضم حقوقنا بهذه الوسائل التي منها العاصمي، فإن الإسلام حي خالد في داره، وإن العربية حية خالدة في جواره، لا يضيرهما تضييق، ولا يُبطئ سيرهما تعويق. ولكن الذي يغيظ ويحنق هو هذه الدعوى العريضة الطويلة من الاستعمار في تثقيف الشعوب، وتعليم الأمم، وقطع دابر الأمية، وكيف تتفق هذه الدعوى منه مع أعماله التي تقاوم التعليم وتتنكّر له؟ وتنصر الأمية وتحميها، وتغذّي الجهل وتقوّيه، والتي تفضل عصا الشقيّ على قلم الكاتب، فتتساهل مع العصَى حتى تصير عصيًّا، وإن آذت وإن قتلت، وتحطم القلم لئلا يلد أقلامًا، وإن رشحت بالخير، وإن جرت بالنفع. أليس معنى مقاومة التعليم نشر الأمية وتكاثر الأميين؛ لا يقتضي المنطق إلا هذا، ولا يفعل الاستعمار إلا هذا، لأن له مذهبًا في المحافظة على الأمية لئلا تزول، كمذهب العلماء في المحافظة على الحيات السامّة لئلا ينقطع نسلها. كما أنّ الذي يُضحك ويبكي في آن واحد أن تجعل الحكومة من نظمها التي تطالبنا بها في مدارسنا، وتجازي المدارس على التقصير فيها بالتعطيل، استيفاء الشروط الصحية في المدرسة محافظة على صحة التلامذة، ومدارسنا- بحمد الله- مستكملة لهذه الشرائط، ولكن هؤلاء التلامذة حين تُغلق في وجوههم المدرسة فيهيمون في الشوارع فتفسد أخلاقهم، أو يأوون إلى مساكن رطبة فتعتلّ أبدانهم، لا تراهم الحكومة بعين الرحمة والعطف كما كانت ترعاهم وهم في المدرسة، كأن المحافظة على الصحة لا تكون حقًّا للطفل على الحكومة إلا إذا كان تلميذًا في مدرسة عربية، فإذا أغلقتها في وجهه فلا حق له في المحافظة على الصحة. وما لهذه الحكومة لا تذكر المحافظة على الصحة إلا في سياق الحديث على مدارسنا، وأين هي من هذه الألوف المؤلفة التي تنام على الأرصفة في زمهرير الشتاء؟ أين هي من هذه العوالم من الأحياء الذين يسكنون القبور؟ أين هي من هذه المناظر المحزنة التي تقع عليها العين في قلب العاصمة وفي أرباضها؟ أوَادم يحفرون لسكناهم الغيران كالفيران، ينامون فيها هم وأطفالهم، فيفتك بهم السلّ ويغشاهم الموت من كل مكان، ولو أن طفلًا منهم خرج

стр. 1223

من غاره ودخل مدرسة عربية لجاءت الحكومة تسعى وهي تخشى أن يصيبه سوء من عدم المحافظة على الصحة ... أما الخطوة الأولى التي تخطوها الحكومة في حركتها الجديدة ضد المدارس، وتجعلها ذريعة للمحاكمة، فهي إلزام المعلّمين بطلب الرخصة بأسمائهم الخاصة، والحكومة هنا تتجاهل وجودَ جمعية العلماء- المسؤول الأول عن هذه المدارس- لمأرب في نفسها نحن نعرفه، وقد حاولنا إقناع المسؤولين من رجال الحكومة في المفاوضات الرسمية وفي الأحاديث الخاصة بأن طلب الرخصة الشخصية بالنسبة لحركة كحركتنا التعليمية لا يقبل ولا يعقل، لأن المعلّم ليس هو الذي يفتح المدرسة، وليس هو المسؤول عنها، وإنما المؤسّس للمدارس والمسؤول عنها الجمعيات المحلية، ومن ورائهن في المسؤولية جمعية العلماء، ونبسط لهم من الحجج ما يقنع المنصفين منهم فيقتنعون، فإذا جاء التنفيذ يمتنعون، لأن للاستعمار رأيًا أصيلًا في القضية، وقد كانت هذه النقطة إحدى النقط التي كانت سببًا في إخفاق المفاوضات، وما زلنا محتفظين فيها برأينا. وسنشرحه حين ننشر نصوص القرارات، وخلاصة المفاوضات.

стр. 1224

الشك في الإيجاب ... نصف السلب * قرأنا في خطب كثيرة من المسؤولين من رجال الحكومة الجزائرية - وخصوصًا في الأشهر الأخيرة- جملة تتردّد وتُعاد، حتى كادت تكون محورًا لتلك الخطب، أو لازمة لها كلوازم الحديث و "عكاكيزه"، من مثل: "صل على النبي" و"سيدي مرحوم الوالدين" في العربية الشرقية، أو مثل: « N'est-ce pas? Alors» (١) في الفرنسية. هذه الجملة المردّدة هي "أن الجزائر فرنسية". وليس تاريخ ولادة هذه الجملة بالقديم، ولا هي من الجمل المألوفة لألسنة هؤلاء الخطباء، ولا لأسماع الجمهور الخاص الذي يسمعهم، وإنما هي بنت سنة أو سنتين على الأكثر. ونحن نستغرب ترداد هذه الجملة المملولة في هذه الظروف، ونبحث عن العلة الداعية إليها، فلا يهدينا البحث إلا إلى شيء واحد، وهو الشك في منطوقها شكًّا خالط نفوس هؤلاء الخطباء في كون الجزائر فرنسية، أو ليست فرنسية، فهم يردّدون هذه الجملة اصطناعًا لليقين، وترويحًا على العاطفة، وترجيحًا للجانب الذي يهوونه؛ كما يُماري المماري في المعدوم فيقول: إنه موجود، وما درى هؤلاء أن ترديدهم لهذه الجملة في ظرف ذي خصائص وعوارض، يقذف الشك حتى في نفوس المستقيمين من سامعيهم، ويزرع الاحتمال في أذهانهم، لأن عدّها من بدوات اللسان، أو من تحصيل الحاصل الذي تصان عنه أقوال العقلاء، إنما يكون في أول سماع، أما إذا تكررت الجملة، ونبتت في موضعها من كل خطبة، وشهدت القرائن أنها مقصودة، فلا يكون الفهم المتبادر إلا ما ذكرنا من شك القائل، وتشكيك السامع.

стр. 1225

وتصوّرْ- أنت- أن لشخص دارًا تعالم الناس أنها مملوكة له بوجه من وجوه الملك، ورأوه يتصرّف فيها، وينتفع بمرافقها، من غير شرك ولا نزاع، فهل يحسن منه- في غير المعارض المخصوصة- أن يُعلن للملإ، في غير مناسبة، أن الدار داره؟ وهل يجمل به أن يردّد في كل مجمع، هذه الجملة: "داري داري"؟ هل يفيد سامعيه شيئًا جديدًا يحسن السكوت عليه؟ وهل يحمل السامعون هذا التكرار منه محمل التوكيد اللفظي، وهم يعرفون أن التوكيد اللفظي يصحّ في كلام واحد متصل الجمل؛ أما هذه الجملة فهي تقع في كلام متعدد وفي أمكنة مختلفة، وفي أزمنة متباعدة. الفهم الطبيعي المتبادر إلى أذهان جميع الناس، هو أن الرجل طرقه الشك في ملكه للدار، وطاف به شعورٌ بأنها مغصوبة، مثلًا ... فهو يغطّي بهذه الجملة المردّدة غصبًا للدار يوشك أن يفتضح أمره، أو يدفع بها خصمًا في الدار يوشك أن يرفع دعواه، وكأنه بهذه الجملة يهيّئ الجو للسماع الفاشي ... ليستشهد به يومًا ما ... ولكنه مهما كرّر الجملة وردّدها لم يزد على تنبيه الناس إلى أن في الدار حقيقة أخرى من وراء الجملة، وأن في دعوى الملكية قادحًا شرعيًّا تخفيه الجملة، وأن في هذا الترداد تحويمًا على تلك الحقيقة، لا تحويلًا للأذهان عنها، وأن هذا (الرجل) غرس الشك من حيث أراد اقتلاعه. ... كبرت كلمة تخرج من أفواه هؤلاء المستعمرين الجبّارين، محادة لله ولقدرته وخلقه، ومضادة لدينه وسنّته، وطمسًا لحقائق التاريخ والآداب وأصول الأجناس، وعنادًا للطبيعة والأوضاع الجغرافية ونكرانًا للفوارق الملموسة من الدم الجاري، والإرث الساري، والتقاليد المتسلسلة. لو أن البحر الأبيض جفّ والتأمت حافتاه، حتى أصبحت الجزائر ربضًا من أرباض مرسيليا، لما كان لهذه الكلمة موضع في العقل ما دامت تلك الفوارق قائمة، ولو أن الجزائريين كفروا بالواحد، وآمنوا بالثلاثة، لما كان لهذه الكلمة موقع في النفس ما دامت سنن الله في ملكه جارية، ولو أن حاكمًا حكم عليهم بقطع نسبهم من عدنان، وإلصاقه باللاتان، لم يكن حكمه إلا كحكم قاضي الجزائر في الصوم والإفطار، وحكم واليها في المولد النبوي، ما داموا يدينون بالإسلام، وينتمون إلى ذلك النسب السامي العريق في الأصالة والشرف، المحاط بالنبوّة والنور. وهل الجزائر فرنسية؟ ... لا يا قوم لا. إن الله خلقها عربية مُسلمة، وستبقى عربية مسلمة إلى ما شاء الله، وإن الوراثة وسمتها بسمات خالدة، وصفات ثابتة، لا تفارقها حتى يفارق الشمس إشراقها.

стр. 1226

ملكها الرومان قرونا فلم تنقلب رومانية، وبادوا ولم تبد، وبقيت ولم يبق منهم إلا آثار الظلم، ومعالم الطغيان، ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾. وملكها الأتراك- وهم أبناء ملّتها وربائب دينها- فلم تنقلب تركية، سادوا فيها بالانتصار لها، ثم حادوا بالاغترار للزمن، ولكنهم شادوا فيها أبنية الحق من بيوت الله، فتناستْ أمرَهم، وحفظت ذكراهم. وصبغها التاريخ الطويل بأصباغ مما تنفضه أدواره، فكان أثبتها على الزعازع، وأبقاها على وجه الدهر صبغان زاهيان، هما: العروبة والإسلام. إن القوة- إذا لم يزنها العقل- ضعف، وإن العلم- إذا لم تحطه الحكمة- جهل، وإن الملك- إذا لم يحمه العدل- زائل، وإن سلاح الحق من الحرير، يفلّ سلاح الباطل من الحديد، وإن "السيادة"، ليست حسنى ولا زيادة، وإنما هي استعباد، يبغضه العباد وربّ العباد، ويا ويح الأقوياء من غضب الله، وغضب المستضعفين من عباده. ... الاستعمار مذهب يعتنقه الأقوياء، فما لهم يتفاوتون هذا التفاوت البعيد في مظاهره؛ يتفاوتون في الشرّ، يقارفه أحدهم سافرًا ليس عليه نقاب، وداعرًا ليس عليه مسحة من حياء؛ ويجترحه أحدهم معصية في صورة قربان، وفاتكًا في مسوح رهبان، كذلك يتفاوتون في العوراء، ينطق بها أحدهم كاسمها عوراء شوهاء، تجرح وتؤلم، وينطق بها الآخر ملفوفة في معارض النصح، أو محفوفة بمظاهر الإرشاد، أو مبلولة الحواشي بماء كذب من الحكمة، ونحن ... فما سمعنا قط أن الإنكليز مثلًا قالوا: إن الهند إنكليزية، فسبحان من قسّم الآداب، كما فرّق في الأنساب. وهذه الكلمة الدعية المملولة، التي لم يؤيّدها الحق ببرهانه، ولم تضعها الحكمة في مكانها، كلمة مؤذنة باحتقارنا، جارحة لكرامتنا، طاعنة في شرفنا وديننا وتاريخنا، فهل يريد القوم منا- بعد أن باءوا بسوء الأدب- أن نبوء بالإغضاء عليها، والإقرار لها، والرضى بسبتها؟ هيهات هيهات لما يريدون. إننا- والله- لا نقبلها ولا نرضى بمهانتها، ولا نقرّها، ولا نقصر في دحضها بأدلة الحق، ولو أن الاستعمار شرعها زجلًا بالتسبيح في ناشئة الليل، وجعل كفاء سماعها جزاء الأبرار لكان في آذاننا وقر من سماعها، ولعددناها غثة مرذولة ممجوجة مملولة، ولهدينا بالفطرة إلى الطيب من القول: وهو أن الجزائر ليست فرنسية، ولن تكون فرنسية. كلمات قالها أوّلنا، ويقولها أخيرنا، ومات عليها سلفنا، وسيلقى الله عليها خلفنا.

стр. 1227

لجنة "فرانس - إسلام" * - ١ - (كلامنا موجّه إلى فرنسا الاستعمارية، وإلى آلات الاستعمار من عقول، وأفكار، ورجال، وهيئات، فلا تتجاوز الظنون بنا هذه الدائرة). ــ كلمتان أكرهتا على الجوار في اللفظ والكتابة، فجاءت كل واحدة منهما ناشزة على صاحبتها، نابية عن موضعها منها، لأنهما وقعتا في تركيب لا تعرفه العربية، ولا يقبله الذوق العربي. في العربية تركيب الإسناد، والإسلام لا يرضى أن يُسند إلى فرنسا الاستعمارية، ولا أن تُسند هي إليه، وفي العربية التركيب الإضافي، والإسلام لا يسمح أن يضاف إلى فرنسا، ولا أن تضاف هي إليه؛ وفي العربية التركيب الوصفي، والإسلام لا يقبل أن يوصف بالفرنسي ولا أن توصف فرنساب "الإسلامية"؛ وفي العربية التركيب المزجي، والإسلام وفرنسا كالزيت والماء، لا يمتزجان إلا في لحظة التحريك العنيف، ثم يعود كل منهما إلى سنّته من المباينة والمنافرة، وفي الشرائع الاستعمارية الفرنسية بالجزائر مذهب كانوا يسمّون جانبه التأثيري "الإدماج" وجانبه التأثّري "الاندماج" ومعناه قريب من معنى التركيب المزجي، ولكن هذا المذهب التحق بالمذاهب البائدة التي ولدها العتوّ عن أمر الله والعلو في أرض الله، فتلك آراؤه سخرية الساخر، وأولئك رجاله لعنة الأول والآخر، فهل هذه اللجنة تناسُخ لذلك المذهب غير المرحوم؟ وهل رجالها نُسخ من ذلك الطراز المعلوم؟ إننا لا نفهم من هاتين الكلمتين إلا ما نفهمه من كلمتَي "خير- شر" إذا وُضعتا في حيّز كهذا، لكلِّ معنى إفرادي جزئي، وليس لهما معنى تركيبي كلي، فإن كنّا مخطئين فالذنب

стр. 1228

لاختلاف المعنيين، ولاختلاف الطبيعتين، ولاختلاف المزاجين وللبعد السحيق في أذهاننا بين معنى "فرنسا" وبين معنى "الإسلام". أما المعنى الذي نفهمه ولا نخطئ في فهمه فهو يتوقّف على كلمة محذوفة بين الكلمتين؛ وتقديرها هكذا: فرنسا الاستعمارية- عدو- الإسلام، والحذف من مذاهب لغتنا، وحذف ما يعلم جائز ... نعم ... نعم إن فرنسا الاستعمارية عدوّ الإسلام في ماضيها كله، وفي حاضرها، فلم يكتب تاريخها أنها جاورته فأحسنت، أو قدرت عليه فعفت، أو عاملته فصدقت، أو حكمت أهله فعدلت، ودلّ الواقع المشهود على أنه لم يجنِ منها إلا الكيد له بعيدًا، والإضرار به قريبًا، والعمل على محوه في جميع الحالات؛ ويجري علينا حكم المجانين إذا تصوّرنا أن حاضرها في هذا يخالف ماضيها، أو أن آتيها يكون خيرًا من حاضرها؛ لأن ما نقوله عنها صيّره الاستعمار ذاتيًّا فيها، والذاتيات لا تتخلّف، ومنطق الذاتيات لا ينقض. وما دام هذا هو حظ الكلمتين من فهمنا، فما هو حظ اللجنة من تقديرنا؟ وما هو حظ أعمالها في اعتبارنا؟ ... نحن نعد هذه اللجنة "تدجيلة" جديدة في السياسة الفرنسية الاستعمارية تفتّق عنها ذهن مستشرق "حكومي" (١) من الذين يجعلون الاستشراق ذريعة لاستهواء الشرقيين المفتونين بالغرب، الخاضعة عقولهم وأفكارهم لعقوله وأفكاره، وأنا أسمي ثلة من هؤلاء المستشرقين "حكوميين" تسمية صادقة أصدر فيها عن روية وتثبّت، فما هم إلا أذناب لحكوماتهم، وما هم إلا موظفون أو مستشارون حكوميون، وما هم إلا "تراجمة" للحكومات الاستعمارية وأدلاء، يترجمون لها معاني الشرق، ويدلّونها على المداخل إلى نفوس أبنائه وإلى استغلال أوطانه، وما هم إلا آلات في أيدي وزارات الخارجية، تستعملها لإبطال حق الشرق، وإحقاق باطله، ولبقاء الأمم الضعيفة في الاستعباد، أو إرجاعها إلى الاستعباد. فالاستشراق في هؤلاء عند الحكومات الاستعمارية معناه معرفة مداخل أوطان الشرق، ودخائل أبناء الشرق، وابتكار الوسائل لاستعمار العقول أولًا والأوطان ثانيًا، فهم روّاد عقليون قبل القوّاد العسكريين: ولذلك نرى هؤلاء المستشرقين الحكوميين يبنون أمرهم في الشهرة بين الشرقيين على الأبحاث العلمية الخالصة، ويغطون ضراوة الحجاج بطراوة "الحلاج"؛ فإذا طارت الشهرة في الآفاق، ووقع على الثقة بهم الإصفاق، أصبحوا سهامًا

стр. 1229

نافذة لدولهم في جنب الشرق، وأدلاء بارعين على عورات الشرق، ومن هذه الطائفة صاحب فكرة "فرانس- إسلام". من الطبيعي أن تكون أذهان هؤلاء المستشرقين المأجورين منصرفة إلى الاختراع كأذهان الكيماويين والميكانيكيين، وأن تكون هممهم متوجّهة إلى الاكتشاف كهمم الروّاد والفلكيين، ولكن هل يُكتب الخلودُ ورفع الذكر لمن اكتشف "وقف أبي مدين" في القدس كما كتبا لمن اكتشف أميركا ورأس الرجاء الصالح في الأرض، أو لمن اكتشف كواكب المجرّة في السماء؟ إن هذا الصنف من المستشرقين هم الذين سخروا العلم للسياسة، وهم الذين رضوا للعلم بالامتهان، وهم الذين لم يعتصموا بالاستقلال العلمي، فعصفت بهم الأهواء، فأصبحوا مبشّرين بالاستعمار، داعين إلى ضلاله، فهم غير أهل لاحترام العالم العلمي وإجلاله، وهم- من منازل الاعتبار- في المنزلة الدنيا بين ذوي الوظائف السياسية الرسمية، ولست أدري لماذا فوّتوا على أنفسهم أبّهة الوظيفة ومظاهرها؟ ... ... كوّن هذا المستشرق لجنته في فرنسا التي هي أحد طرفي الاسم، وأوحى إلى المغرورين به في شمال أفريقيا ما أوحى، فإذا الدعاية قائمة، وإذا الاسم دائر على الألسنة، ولكن الأغراض غير محددة ولا مفهومة. وانتظر الناس الأعمال التي تفسّر المقاصد، والمقدّمات التي تشعر بالنتائج، فكانت المقدمات أحاديث ومناشير وبرقيات عن فلسطين، وعن قضية المشرّدين، وعن وقف أبي مدين (الجزائري) ثم انتقلت إلى "تدويل القدس"، وهنا فهم مَن لم يكن يفهم، وضاع الفهم ممن كان فاهمًا، أهذه "شكشوشة" (٢) أديان؟ فلماذا- إذن- ذكرت فرنسا في الاسم ولم تذكر المسيحية؟ ... ولم نجد في التاريخ قديمه وحديثه عالمًا غير مسلم حذق العربية فهمًا، وأتقنها حفظًا، وغاص على أسرارها، ولابست روحه روحها، ثم لم تهده إلى حقائق الإسلام، ولم تقف به على بابه، وأقلّ المراتب التي يضعه علمه الكامل بالعربية فيها أن يكون فيه صغو إلى الإسلام، وسير في اتجاهه، وتفتّح ذهن إلى فهمه، وبشاشة نفس مع أبنائه، كأنه يحسّ أنه

стр. 1230

بمقربة منهم، وأن بينهم وبينه رحمًا واصلة، ونسبًا جامعًا، وقد امتحنا هذا الأصل فيمن عرفناه- بخبره أو أثره- من المستشرقين الفرنسيين الذين يأتوننا موظفين، أو تجّار "استشراق" فوجدناهم شذوذًا في القاعدة، فعلمنا أن ضعف تلك العاطفة فيهم آتٍ من ضعف نصيبهم من العربية، والحقيقة هي تلك ... وما كنا نظنّ أن مستشرقًا ما من هؤلاء يستخفّنا برقاه، أو يسترهبنا بسحره، لأننا عرفناهم بسيماهم، وعرفناهم في لحن القول، فساء ظننا بهم تبعًا لسوء ظننا بالاستعمار الذي جعلهم جوارح لصيده، ووسائل لكيده؛ ما كنا نتوهّم ذلك حتى جاء المستشرق صاحب فكرة "فرانس- إسلام" وقعقع الشنّ، فخيّب الظن.
следующие страницы →