نطلق عنانه. والفن، بلا ضن، نروّق دنانه. والنادرة، بلا بادرة، نتلقفها. والنكتة، بلا سكتة، نتخطفها.
ويا تُربة الدحداح، بوركت من تربة، لا يذوق الغريب فيها مرارة الغربة. ولا زلت مسقطًا لرحمات الله. إنني أودعت ثراك أعزّ الناس عليّ: أبي وابني وجدَّي أولادي. فاحفظي الودائع إلى يوم تُجزى الصنائع.
ويا جنات الغوطة، وقراها المغبوطة، لا زلت مجلى الفطر، والحد الفاصل بين البدو والحضر، أشهد ما عشوتِ من الغرب إلى نار، ولا عشيت منه بنور. ولأنت التي تمسكين دمشق أن تميد، ومن فيها أن يميل. تبارك من رواك بسبعة أودية، وكساك من وشي آذار بخضر الأردية. كم فُتنتُ بمناظرك الشعرية، وأخذت بمجاليك السحرية، وكم تزوّدت عيناي فيك بروضة وغدير، وكم تمتّعت أذناي من جداولك وأشجارك بحفيف وهدير.
ويا يوم الوداع ما أقساك، وإن كنت لا أنساك. لا أنسى بعد ثلاثين سنة ولن أنسى ما حييت موقف الوداع بمحطة البرامكة والأستاذ الخضر يكفكف العبرات، وتلامذتي الأوفياء: جميل صليبا، وبديع المؤيد، ونسيب السكري، والأيوبي، يقدّمون إلي بخطوطهم كلمات في ورقات، ما زلت محتفظًا بها احتفاظ الشحيح بماله.
عهود لم يبق إلا ذكراها في النفس، وصداها في الجوانح، والحنينُ إليها في مجامع الأهواء من الفؤاد. ولولا أن السلوّ كالزمن يتقادم، وأن الهوى مع العقل يتصادم، لقلت مع المتنبي: أبُوكم آدم (١)! ... ولقد راجعتُ "مذكّراتي" المنقوشة في ذاكرتي فوجدتُها حافظة لتلك العهود بأيامها ولياليها وأحاديثها، فليت شعري أيذكر الأحياء من إخوان الصفا مثل ما أذكر؟ ذلك ما تكشف عنه رسالة الأخ الأستاذ محمد بهجة البيطار التي ننشر بعضها بعد هذه الكلمات. وهي التي أثارت هذه الذكريات في نفسي فكتبتها، ليعلم هذا الجيل الذي نقوم على تربيته أن في الدنيا بقايا من الوفاء والمحبة، تتماسك بها أجزاء هذا الكون الإنساني، وأنه لولا هذه البقايا لانحدر الإنسان إلى حيوانية عارمة كالتي بدت آثارها في الجماعات التي جفّت نفوسها من الوفاء والمحبة، فخلت من الإحسان والرحمة، فهوت بها المطامع، إلى ما يراه الرائي ويسمعه السامع. وإن منبت الوفاء الشرق، وإن زارعه وساقيه والقيّم عليه هو الإسلام، وعسى أن تحمل «البصائر» هذه الذكريات إلى الإخوان الأصفياء في دمشق فنتنادم على البُعد، ونلتقي على الذكريات، ونتناشد:
стр. 1437
إِنَّا عَلَى الْبِعَادِ وَالتَّفَرُّقِ ... لَنَلْتَقِي بِالذِّكْرِ إِنْ لَمْ نَلْتَقِ
وعهدًا لأولئك الإخوان أني ما جفوت ولا غفوت، وأني لم أزل- منذ افترقنا- أتسقّط أخبارهم من الصحف ومن السفار، ولولا الهزاهز والفتن ما انقطع بيننا للصلة حبل.
стр. 1438
محمد خطاب *
إذا خلا الاسم من نعوت السيادة، وتجرّد أصله من حروف الزيادة، فصاحبه هو السيد، والصرح أملأ للعيون ممردًا، والسيف أرهب للنفوس مجرّدًا.
...
وأخونا محمد خطاب رجل من رجال الأعمال الذين لا يردّ نجاحهم فيها إلى الإرث، أو المصادفات والمغامرات؛ وإنما يردّ إلى العصامية، والبناء المتأنّي طبقًا عن طبق، ومماشاة العصر الجديد، في الأخذ بوسائل التجديد.
منقطع النظير من بين رجالنا في عدة خلال، لو تفرّقت عليهم ووجدت فيهم لنفعوا أنفسهم، وشرّفوا أوطانهم، فما شئت من حنكة وتدريب، وما شئت من خطًى واسعة في الاختيار والتجريب، وما شئت من نهزة وتشمير. لا تفوت معهما فرصة، وما شئت من ضبط للوقت لا تتجرعّ معه من التفريط غصّة، إلا وجدت كل ذلك فيه؛ شهد الزائرون لمزارعه الواسعة بالمغرب، التي يديرها بنفسه، ويُفيض عليها من عزيمته وذوقه الفنّي، أنها نموذج عال من الفن الراقي في الفلاحة، ومدرسة منظّمة يمارس فيها العملة المخلصون لأنفسهم من أساليب الزراعة والغراسة وآلات الفلح المتنوعة، كل مفيد نافع؛ وإنهم لكثرة ما يتعهدهم بالإحسان والنصح والتدريب يعتبرون أنفسهم شركاء وزملاء لا عملةً ومأجورين. وهذه هي نهاية ما تصل إليه النفوس من السموّ، والهمم من الكمال؛ وهذه أيضًا هي نهاية ما يصل إليه الإحسان، من الرضا والاطمئنان وسدّ منافذ الحسد والحقد، ولو أن أصحاب الأعمال الكبرى ساسوا العمال بمثل هذه السياسة، لما نشأت المشكلة الاجتماعية التي قسمت العالم إلى معسكرين متناحرين.
...
стр. 1439
ومحمد خطاب من الأغنياء الذين يظهرون آثار نعمة الله عليهم، ويحصّنونها بالإحسان، فهو برّ بعماله، برّ بأمّته وبوطنه، وهو نابغة من نوابغ الإحسان، ما يتمنّى المتمنّي أن له به أمّة كاملة من هؤلاء الأغنياء الذين عنا الشاعر واحدًا منهم فعناهم جميعًا، إذ يقول:
يُمَارِسُ نَفْسًا بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً ... إِذَا هَمَّ بِالْمَعْرُوفِ قَالَتْ لَهُ مَهْلَا
ففي ماله حقوق لله، يقسّمها على عيال الله، وفي ماله حقوق لأمّته، يقسّمها على مصالحها العامة، وفي ماله حقوق لوطنه الثاني كفاء لما أفاء عليه من خير، واعترافًا بما لبنيه عليه من فضل الأخوّة، وحقوق لوطنه الأول، بدأت بذوي القربى والأرحام، ورفقاء الصبا والملاعب، وانتهت عند المصالح العامة، والمشاريع النافعة، والكرماءُ المحسنون في الأمم من نفحات الله، ففيهم من آثار رحمته سمة. وعليهم من شمولها مسحة، وعندهم أن غاية المال محامده وفضائله، وأن ثمرته رفع الذكر، وإعلاء القدر، وأن ادخار صنائع المعروف خير من ادخار المال.
ومن اللطائف النفسية في المحسنين أن كل واحد منهم مولع بناحية من نواحي الإحسان، تغلب على طبعه فتكون مجلى لكرمه، ومنتهى لإحسانه، حتى تغطي على النواحي الأخرى، فقد عرفنا من حاضر التاريخ وغابره أن للمحسنين أذواقًا في الإحسان. وفي نفوسهم اتجاهات، معلّلة في الغالب بآثار تتركها المشاهدات والتأملات في أذهانهم وعقولهم، فبعضهم يقف إحسانه على نوع من البؤساء كاليتامى أو المرضى أو الفقراء، وبعضهم يقف إحسانه على المبادئ الفكرية أو الاجتماعية النافعة، وينتهي الشذوذ ببعضهم في الرحمة إلى أن يقف إحسانه على الحيوان الأعجم، يخفف من شقائه، أو يحافظ على بقائه.
وأخونا خطاب مولع- بعد الإحسان العام الذي فُطر عليه- بالإحسان إلى العلم وتعليمه. وقد ملكتْ عليه هذه الجهة هواه، وهام بها هيام المغرم المفتون، يفيض ذلك على لسانه وفي أحاديثه الخاصة والعامة، وإن هذا الاتجاه منه لأصدق دليل على قوّة التمييز، وحسن الاختيار لجوانب الخير التي يخصها المحسنون بإحسانهم، وجوانب الخير تتعدّد وتتشابه، فيقع اختيار المقلّدين السطحيين على أسهلها في المراس، وأخفّها في الحمل، وأقربها لمدح المادحين، ويختار المحسنون الصادقون أثقلها محملًا، وأعمّها إفادة، ولا يشك وطني صادق أن أنفع الأعمال لأمّتنا الجاهلة هو التعليم والإنقاذ من شرّ الأميّة، وأن ألف جائع تطعمهم، وألف عار تكسوهم، لا يغنون عن الأمّة غناءَ عشرة تلاميذ تعلّمهم تعليمًا نافعًا، وتربّيهم تربيةً صالحة.
***
стр. 1440
ولأخينا خطاب في إحسانه إلى التعليم فلسفة دقيقة تزيد في قيمته، وهي أنه لا يضع إحسانه إلا حيث يعتقد أنه يفيد وينفع، ولا يضعه إلا في الأيدي التي تحسن تصريفه، احتياطًا للإحسان أن يضيع في غير مفيد للأمّة، لأن لكل عمل ظواهر تغرّ، ودجلةً يستغلون، ولكل صاف من الحق مكدرات من الباطل، وهو يرى- مصيبًا- أن حركة جمعية العلماء هي أصدق الحركات القائمة بهذا الوطن. وأن رجالها هم أخلص الرجال العاملين لخير الوطن. وأن مبدأها هو أثبت المبادئ النابتة بهذا الوطن؛ لذلك آثر- من سنوات- أن تكون مبرّاته المالية للعلم والتعليم على يدها، فنذر مبلغًا من المال يدفعه مسانهة لرئيس جمعية العلماء، وهو يوزّعه- بالاتفاق مع المحسن الكريم- على أقرب وجوه التعليم إلى النفع، وقد كانت المبرّة في هذه السنة مضاعفة، وكان النفع بها مضاعفًا، نال منها معهد ابن باديس مائتا ألف فرنك، ومدرستي تونس لسكن الطلبة مائة وتسعون ألف فرنك، ومدرسة خطاب بالميلية (مسقط رأس المحسن) مائتا ألف فرنك، ونال جمعية بعثات جمعية العلماء إلى تونس مائة ألف فرنك وصلتها على أقساط، ومدرسة الفلاح بوهران خمسون ألف فرنك، ومدرسة الأمير عبد القادر بمعسكر خمسون ألف فرنك، وجريدة «البصائر» مائة ألف فرنك.
أما مدرستا تونس لسكن الطلبة فهما داران اكترتهما جمعية العلماء لتشارك بهما في تخفيف أزمة إسكان الطلبة وأوكلت التصرّف فيهما لوكيلها الأستاذ الشيخ الشاذلي بن القاضي. وقد كانت الجمعية تدفع ثمن كرائهما في كل سنة، ولكنها في هذه السنة وقعت في ضائقة سببها استنفاد المعهد الباديسي لجهودها المالية، فتأخّر دفع قيمة الكراء عن أجله أشهرًا، ولما علم بذلك هذا المحسن الكريم التزم أن يضاف إلى المبرّة ثمن كراء الدارين وقدره مائتا ألف وأربعون ألف فرنك للسنة، ليخفّف بذلك حملًا ناء به صندوق الجمعية، وليمهّد لها سبيل التفرّغ لمشاريعها الكثيرة.
وقد طلب هذا المحسن الكبير من رئيس جمعية العلماء أن يضع له قائمة جديدة بالمشاريع التي تدخل في المبرّة للسنة المقبلة، فوقع الاتفاق بينهما على المشاريع الآتية: مدرسة الفلاح بوهران، مدرسة الأمير عبد القادر الناشئة بمعسكر، مدرسة قنزات، مدرسة وجامع حيّ "سانت أوجين" بالجزائر، مدرسة وجامع حي "بيلكور" بالجزائر، وسينال كل مشروع حظه من المبرّة في شهر سبتمبر الآتي إن شاء الله.
مدّ الله في عمر الأخ الكريم، وزاده من فضله وخيره، وأسبغ عليه أردية الصحة والعافية، وجعله قدوة في الصالحات، وكفاه كيد الكائدين، وحسد الحاسدين.
стр. 1441
ولا يفوتنا تسجيل منقبة جديدة للأخ خطاب. فقد جرى- أيام زيارته لنا بالجزائر في الشهر الماضي- ذكر مدرسة ندرومة العظيمة التي شيّدت في هذه السنة بمساعي رئيس جمعية العلماء، وجهّزت منها خمسة أقسام، والعزائم معقودة على تشييد عشرة اقسام أخرى في السنتين الآتيتين. فذكر رئيس الجمعية دارًا ملاصقة للمدرسة، يملكها رجل ندرومي مقيم في المغرب، تصلح أن تضاف إلى المدرسة وتخصّص للبنات. فهزّت الأريحية هذا المحسن الأصيل، وتعهّد أن يشتريها من صاحبها- وهو صديقه- ويدفع ثمنها من ماله، ويهبها للمدرسة، مشاركة لأهل ندرومة الكرام فيما بنوا للعلم وشادوا.
...
إن الكاتب لتراجم الرجال، والمسجل لأعمالهم، معرّض للمبالغة وشهادة الزور فيما لهم وما عليهم؛ فقد يضفي عليهم أوصاف الكمال وهم عراة منها، وقد يجرّدهم منها استرسالًا مع الهوى، إلا الكاتب في تراجم المحسنين للعلم، والباذلين للصالح العام، فإنه مجبر على الاتصاف بالإنصاف، جبرًا لا اختيار معه؛ وكلما هم بزيغ أو جرى مع الهوى لفّه الإحسان بعجاجته، ورجع به إلى الإنصاف مكرهًا، ولإحساس العرب بتأثير الإحسان وسلطانه نحلوه صفات الملك والاستعباد.
وأخونا محمد خطاب من طراز يقل وجوده في الأمم، لا سيّما في مثل أمّتنا التي أفسد الجهل تربيتها، وأنساها حقوق الأخوّة، وحقوق الوطن، وحقوق المجتمع، فوجود رجل مثله فيها يكون حجة لها، وحجة عليها، وقد وُجد في زمن تأكّدت فيه حقوق المجتمع على علمائه وأغنيائه، وأشقى الأمم أمّة يجبن علماؤها، ويبخل أغنياؤها، وأشقى منها أمّة تغلط في موازين الرجال، وتضلّ عنها مواقعهم، وما يضلّها عنهم، وما يضلّهم عنها إلا المجرمون الغشاشون المتشبّهون بما ليس فيهم. وما أكثرهم في أمّتنا! ...
...
ونحن ممن لا يجازف بكلمة الوطنية، ولا يعبث بها، فيضعها في غير مواضعها، وينحلها حتى للخائنين بقصد، والخائنين بجهل؛ ولكننا نشرّفها ونضعها في المكان اللائق بها. وعندنا للوطنية موازين. فالوطني كل الوطني هو الذي ينفع وطنه بعمل، وأبناءَ وطنه بعلم: فالعامل المبرّز في الاقتصاد، المزاحم للغريب عن خيراته، الذائد له عن موارده وطني كامل الوطنية، وهذه الجيوش المرابطة في ثغور المدارس من المعلمين الذين ينزعون العصي من أيدي أبناء الأمّة، ويضعون فيها الأقلام، هم الوطنيون الصادقون؛ وهذا الفلاح المتقن
стр. 1442
لفلاحته، المجاري فيها للأوربي الدخيل، وطنيّ من الصميم، وهذا المتموّل الذي يضع ماله في قطعة أرض يحفظها ويحسن استغلالها، فينتفع وينفع أبناء جنسه، لا في مقهى يجمع الشبان على البطالة والمجانة وفساد الأخلاق وقتل الوقت بالهذر الفارغ، وطنيّ من الطراز الأول.
أما الأقوال بلا أعمال، والدعاوى بلا بيّنات، فاسم الإجرام بها أولى.
هذه سيرة رجل، ولكنها سجل عظات، ما أردنا بها مدحه، فما ذلك من عادتنا، وإنما سقناها ذكرى لمن يعد نفسه في الرجال، وليس له مثل هذه الأعمال.
стр. 1443
ذكرى مبارك الميلي *
لا يظلّنا يوم ٩ فبراير الغربي، حتى تتجدّد لنا من أخينا العزيز ذكريات، تمدّها حسرات، تتبعها زفرات، فنذكر مكانه في الميدان وقد خلا منه، ونفتقد نفوسنا فنجدها ما سلت عنه، ونعوذ بالتجلد فيخذل، وبالنسيان فلا ينجد، ونعود إلى خمس من السنين نسألها: أما فيك وفي أحداثك التي ابتدأت بعد موت مبارك بثلاثة أشهر ما يذهل فينسي، أو يشغل فيسلي؟ فتقول: لا ...
...
وسنو الخطوب، كسنيّ الخصوب، متشابهة الأواخر بالأوائل، تنتهي كما تبتدئ، وقد طلعت علينا تلك السنة السوداء بالداهية الدهياء، وهي موت مبارك، فانتزعت منا فارسًا من الميدان، أحوج ما كنا إلى رأيه وعلمه، وغنائه وكفاءته، ثم انتصفت علينا بالصيلم الصلعاء وهي حادثة ٨ ماي، ثم انتهت وإخوان العهد كلهم في غيابات السجون والمعتقلات، ثم توالت الخطوب، وتواترت الفتن، وامتحن هذا الوطن بأشنع ما تمتحن به الأوطان: نقص في الرجال، ونقض للعهود، وضلال في الرأي، واختلاف فيه، وبقيت هذه الفئة القليلة مزوّدة بإيمانها بالله، متكثرة بأعمالها للعلم، تلقى الجفاء والتنكّر من القريب، فتعتصم بالصبر، وتلقى الكيد والتربّص من الغريب، فتتحصّن بالثبات؛ وهي على ذلك إلى أن يفتح الله بينها وبين قومها بالحق، ويحكم بينها وبين خصمها بالعدل، وهو خير الفاتحين، وأحكم الحاكمين، والعاقبة للمتّقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
...
стр. 1444
ولكن هل أنصفنا أخانا مباركًا، وأنصفنا العلم معه إذا كان حظه منا بعد موته ذكريات تقام في كل عام، لا ذكرًا يتردّد في كل يوم، وكلمات عنه تقال فتذهب مع الريح أو تكتب فتدفن مع الأوراق؟ ذلك هو السؤال الذي كان يعتلج معناه في الصدور، وتختلج ألفاظه على الألسنة قبل أسبوعين، فقد كنت قبيل يوم الذكرى في جماعة من إخوان العهد، وأبناء الوفاء، نتذاكر في ذكرى هذه السنة، لأخينا مبارك، وما ينبغي أن نسلكه فيها من المسالك: آحتفالٌ يقام وخطب تلقى كالمعتاد؟ إن هذا تقليد مملول، أساء الناس تصريفه، وأساءوا التصرّف فيه، حتى أصبح لا يحرّك إحساسًا، ولا يثير عاطفة، ولا يهزّ شعورًا، ولا يأتي بخير، أصبح نوبة تعتاد، لا باعثًا يقتاد.
وتشعّب القول، فتشعّب الرأي حتى قال قائل حصيف: إن خير البر وأبقاه، وأحسن الذكر وأوقاه، ذلك الصنيع الجليل الذي أحيينا به ذكر عبد الحميد بن باديس، وإن المعهد لأبلغ من ألف خطبة تقال، وأسير من ألف مقالة تنشر، وأنفع للأمّة من ألف احتفال يقام، وأدلّ على الوفاء والاعتراف بالجميل لعبد الحميد بن باديس من ألف شاهد، فهلّا سلكنا في إحياء ذكر أخينا مبارك شِعبًا غير شعب الاحتفالات والمقالات؟ وهل عدلنا بأعمالنا وعظمائنا عن هذه المبتذلات؟ ...
وكانت هذه الكلمات الحصيفة التي تنطوي على رأي، وتحتوي على حكمة، مغيرةً للحديث من مجرى إلى مجرى، فبردتْ الحمية للاحتفال والخطب والمقالات، ورحنا ندير القول في الذكر الدائم، لا في الذكرى العابرة ...
...
إن لأخينا مبارك الميلي على «البصائر» حقًّا، فقد تولّى إدارتها فأحسن الإدارة، إلى أن عطّلتها الحرب الأخيرة، وأجال قلمه البليغ في ميادينها، فما قصر عن شأو، ولا كبا دون غاية، وهي كانت ميدانًا لنشر كتابه (الشرك ومظاهره) فصولًا، وجمعه كتابًا، ولكن ماذا عسى أن تقوم به «البصائر» في وفاء هذا الدين الذي عليها لمبارك الميلي؟ ... إن مقالةً أو مقالات تنشرها عنه في السنة- وهي كل ما تستطيع- لا تخلص ذمة، ولا تفي بدين، وإنما تملك «البصائر» التوجيه والإعداد.
وإن لأخينا مبارك الميلي على جمعية العلماء حقوقًا، فقد كان مرجعها يوم تحلولك المشكلات، وتضلّ الآراء، فيشرق عليها بالرأي كأنه فلق الصبح، وقد كان معقلها يوم تشتبه المسالك، وتكاد الأقدام تزلّ، فيثبت على الحق كالجبل الراسي، وكان منها بحيث لا يجترئ عنها مجترئ، ولا يفتري عليها مفتري، إلا رمته منه بالسيف الذي لا تنبو مضاربه.
стр. 1445
ويمينًا لولا ملازمة المرض الذي أودى به، وتأثيره في قوّته البدنية، وفي قوّته العقلية، لكان فلتةً في البطولة العلمية بهذا الوطن، كما كان آيةً في الذكاء ودقّة الفهم والجلد على البحث والاطلاع، وإنّ واجب جمعية العلماء في هذا النوع الطريف من إحياء ذكره ينحصر في ترويج الباقي من مؤلفاته المطبوعة، وإعادة طبعها طبعًا فنيًّا مصحّحًا، وإتمام تاريخه للجزائر.
وإن لأخينا مبارك الميلي على الأمّة الجزائرية حقوقًا بما علّم وكتب، وبما نصح وأرشد، وبما ردّ على الدين من عوادي المبتدعين، وبما وقف من مواقف في الإصلاح الديني والدنيوي. فمن وفائها له، ومن أدائها لبعض حقه، أن تنشط جمعية العلماءِ على إقامة معهد ثان بعاصمة الجزائر تطلق عليه اسم مبارك الميلي، وتحصي به ذكره، وتخدم به لغتها ودينها، وتخطو به في العلم خطوة للأمام.
هذه معان لما دار في ذلك المجلس، نعرض مقدّماته مسلمةً مقبولة، ونُلزم جمعية العلماء والأمّة بالتفكير في تحقيق النتائج.
стр. 1446
ثناء كعرف الطيب ... *
" أثارة من أعمال رابح الفرقاني "
ــ
في الشعراء مسلم، وفي المحدّثين مسلم، ولا أدري أي باعث من البواعث التي تعتلج في النفس، أذكرني الساعة ببيت من ديوان مسلم بن الوليد، ولم يذكرني بحديث من صحيح مسلم بن الحجّاج.
إن ألوان النفس لغريبة، وان سلطان الخواطر عليها لنافذ، وإن تأثّر النفس الشاعرة بالشعر لأدنى إلى طبيعتها، وأسرع نفاذًا إلى سرائرها، أو لا ... فما الذي طاف بنفس حزينة مطمئنة إلى الايمان بالقدر، مرتقية من الإيمان به إلى الرضى به، فيطير بها من حديث: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس"، مثلًا، ويقع بها على قول الشاعر: "ثناءٌ كعرف الطيب يهدى لأهله" ثم يقف بها عند هذا المصراع لا يتعداه، ولا يسمح لها أن تتعدّاه، مع حفظها له ولما قبله، وإيداعها إياه في الحافظة التي لا تضيع ولا تخون.
النفس نفسي ... إن زكيتها فما أنا عليها بالمتهم، وان دسيتها فما غيري عنها بالمسؤول، وإن ذكرتها بما فيها فما ضررت الناس ولا نفعتهم، وأنا لا أتهم نفسي بقسوة، ولا أزن طبعي بجفاء، ولا أدفعها عن رقّة وحنان ورحمة، وأشهد، لقد خلقت رقيق الإحساس، سليم دواعي الصدر، سريع الاستجابة إلى التسامح والإغضاء، رحيمًا بالبائسين، شفيقًا عليهم، مسعدًا لهم بما أملك من لسان ثرّ، وجاه نزر، ولا أذكر المال، ولا- والله- ما تأثّرتْ نفسي في حياتي الحافلة بالأحداث تأثّرين متباينين، لمؤثرين متقابلين، مثل ما تأثرتْ في هذه الأيام: تأثّر الحزن المكتوم لحادثة فاس (١) التي ذهبت بطائفة من شبابنا،
стр. 1447
وبرجل فذّ من رجال العمل المنظّم فينا؛ وتأثّر الارتياح والرضى المستعلن لمبرّة المحسنين من آل السبتي.
أهو خلل في المزاج يصوّر التافه خطيرًا، ويُصير الجهام مطيرًا؟ أم هو طول العشرة للأيام يسوّل للنفس، ويهوّل على الحسّ؟ أم هو التطوّر، يفسد التصوّر؟ أم هي روحة من هواء الجبال التي تبدّت في الصبا، وتندّت بالصَّبا؟ أم هي لمحة من الأجداد الأشاوس، الذين اختطوا "المحمدية" و "نقاوس" (٢)؟ لا أدري ... ولو شئت لدريت أن هذا الأخير، غير جدير بالتأخير ... من الكوارث ما يُطلق الألسنة فتندفع في التصوير والتهويل، أو في التخفيف والتقليل، إلى غير حدّ في ذلك كله، تبعث الأسى والشجى في النفوس، أو تبعث العزاءَ والسلوى إليها ... وإن منها لما يرمي الألسنة بالحصر، ويُشرج الحنايا على الغمّ، ويطوي الوجوه على الوجوم.
وإن كارثة فاس لمن النوع الثاني، وكلما لاءم النسيان جرحها، نكأت الذكرى ترحها، وعني أحدّثكم، فقد بلغني خبرها بعد أيام من وقوعها، لبعدي عن مواقع الأخبار، وانقطاعي في مطارح الأسفار، فكأنني صعقت لهول الحادث وفظاعته، ولم أحتمل سماع تفاصيل الحادثة ممن سمعها من المذياع، أو قرأها في الصحف، وبقيتُ على تلك الحالة من التأثر، لا أستسيغ إعادة أخبارها، ولا أنشط لكتابة كلمة عنها إذا حاولت ذلك، حتى أفضتْ بي تلك الحالة إلى نوع من سوء الأدب لست بأهله، ونمط من التقصير في الواجب ليس لي بعادة.
بقيتُ على تلك الحالة التي لم أعهدها من نفسي، ولم يعهدها الملابسون لي مني، حتى سمعت خبر إحسان الأخوين الكريمين: الحاج عمر السبتي، والحاج محمد السبتي، وتكرُّمهما بدار كاملة المرافق على الطلبة الجزائريين المهاجرين في طلب العلم بفاس، فكأنما نشطت من عقال وكأنما مسح ذلك الخبر كل ما ألمّ بنفسي من حزن، وإن هذا ليس بغريب من آثار الإحسان في النفوس؛ ونشطت بعد ذلك لكتابة هذه الكلمة القديمة الجديدة، أُوفّي بها أربعة حقوق لأربع جهات: حق أبنائنا الشهداء في ذكرهم، وإعلان التفجّع عليهم في كل مناسبة؛ وحق إخواننا أعضاء جمعية الطلبة الجزائريين بفاس، فقد وازنوا الأمّة، في علوّ الهمّة. فقاموا مقامها، وواسوا عنها، وبكوا بعيونها، واستبكوا باسمها، واضطلعوا بالواجبات عن الأسر المفجوعة؛ وحق الأمّة المغربية الماجدة التي كفكفت دموع أختها، بعطف المليك، وتأبين الشاعر والخطيب، وتعزية العالم والمعلم، وعناية الأحزاب، واغتمام
стр. 1448
الجمهور، حتى أنسوا الأبناء هناك ألم الغربة، وهوّنوا على الآباء هنا وقع المصيبة، وذكروهم أن التربة التي وارت أبناءهم إنما هي تربتهم، وكم وارت قبلهم من رفات أجدادهم، وحق المحسنين الكريمين من آل السبتي في التقدير لعملهما والثناء عليهما.
وأنا لا أزن عمل هذين المحسنين بقيمته المادية، وإنما أزنه بقيمته المعنوية، ولا أعدّه إحسانًا إلى الطلبة، وإنما أعده إحسانًا إلى الجزائر كلها من المغرب كله، كان سرًّا مخبوءًا في النفوس الكريمة من أبنائه، فأبرزته الفاجعة للوجود، وتولّى الأخوان الكريمان عن المغرب إسداءَ عارفة إلى الجزائر، لا تنساها، ما بلّ بحر صوفة، كما تقول العرب، ولو أن هذين المحسنين تبرّعا بالملايين من المال، لَمَا وقعت في النفوس موقع دار للسكنى، ولو كانت خصًّا، فكأن القائمة كفارة عن الساقطة، وما ألطف الاختيار، وما ألطف موقعه، وقلْ ما شئت في الحوادث، قل إنها تفرّق الجمع، وقل إنها تشتّت الشمل، وقل إنها تريق الدموع والدماء، ولكن يجب أن تقول أيضًا: إنها تجمع القلوب على التعاطف، وتمهّد للبعداء أسباب التعارف، وتعرّف ذوي الرحم كيف يصلون الأرحام.
أنا باسم جمعية العلماء وباسم الأمّة الجزائرية أتقدّم إلى المغرب وساكنيه، من مليكه الهمام، إلى علمائه الأعلام، إلى محسنيه الكرام، إلى أحزابه وهيئاته وجمعياته، بإحسان عن إحسانهم، وثناء على اهتمامهم، تحملهما هذه الكلمات التي معناها عرفان الجميل، وحقيقتها مكافأة الجزيل بالقليل، وإن عرفان الجميل لألذ وأشهى إلى النفوس الكريمة من كل مفروح به ... وعذرًا أيها الإخوان، إذا جئنا بعدكم، فإننا رأينا غيوث اهتمامكم لم تزل متوالية، وكلمات شعرائكم وكتابكم لم تزل متواصلة، ومن عادة الشاكر المثني أن تكون كلمته هي الأخيرة.
وحيّا الله المغرب ومليكه، ومعادن الخير من رجاله، الواصلين لرحم الأخوّة. وحيّا الله ذلك الأخ البرّ الذي تمثّلت فيه الجزائر بالمغرب، فكان لسانها الذاكر الشاكر، وكان في هذه الفاجعة وكأن فيه من كل أسرة مفجوعة فلذة، فكان هو المعزِّي وهو المعزَّى، وكان وحده القائم بشروط الوفاء، من تأبين ورثاء، وتسلية وعزاء، ومكافأة للمحسنين وجزاء، ذلكم- فاعرفوه- هو الأستاذ رابح خطاب الفرقاني.
стр. 1449
سؤال وجوابه *
لمحة من أخلاق الشاعر محمد العيد
ــ
سألنا جماعة من الأدباء بيان ما أثنى به الأعرابيّ على بعلته، وذكروا أنهم قرأوها في افتتاحية "للبصائر" قريبة العهد، فما فهموا مرجع إشارتها، وسألوا عن البعلة- مؤنث بعل- هل هي فصيحة.
أما البعلة فهي فصيحة، ومن قرأ عرف، وأما ما أثنى به الأعرابي على بعلته، فهو إشارة إلى قوله يخاطب زوجته:
أَثْنِي عَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فَإنَّنِي ... مُثْنٍ عَلَيْكِ بِمِثْلِ رِيحِ الجَوْرَبِ
وريحُ الجورب من الرجل العرقة التي تمكث فيه أيامًا، ولا تزور الماء إلا لمامًا، هو (طيب عاطر الأنفاس) فالثناء بمثله ثناء بأخبث شيء في الدنيا، ولم يبق من استيفائه لشرائط المكروه إلا أن يصدر عن ذي فم أبخر ...
بهذه المناسبة- وإن كانت مستقذرة- أكرّر النصيحة لأدبائنا الكسالى، وأجعلُ هذه النصيحة غسولًا للجورب ورجله، أن لا يقنعوا من الأدب بما يلقاهم منه في أيام الطلب في الكتب المقرّرة، فإن ذلك القدر النزر لا يربي ملكة، ولا يصقل ذهنًا، ولا يكوّن أديبًا، إنما يربي الملكات الأدبية الصحيحة ويقوّمها- الإدمان، إدمان القراءة المتأنية المتدبرة لكتب الأدب الحرّة الأصيلة، والاستكثار من حفظ الشعر واللغات والأمثال، ومعرفة مواردها ومضاربها، والتنبّه لمواقع استعمالها من كلام البلغاء، من شعراء وخطباء وكتّاب، ثم ترويض القرائح والألسنة والأقلام على المحاذاة؛ ذلك أدنى أن تستحكم الملكة، وتنقاد القريحة فتجري الأقلام على سداد، ويمدّها الفكر من تلك المعاني بأمداد، وتوضع الكلمات في
стр. 1450
الجمل، في موضع اللآلئ من العقد، وما جاء حسن العقد منظومًا، إلا من حسنه منثورًا، ثم تكون الحِكم والأمثال والنكت كفواصل الجمان في العقود الثِّمان.
...
انتقاد. وردّه:
انتقد بعض الأدباء تجريدنا للشاعر محمد العيد من الألقاب التي هو أحقّ بها وأهلها، واقتصارنا في وصفه على لقب: "شاعر الحِكم والمثل"، فيما صدرنا به قصيدته الحكيمة في احتفال بسكرة.
ونحن نقول لهذا المنتقد المخلص، إننا جرّدنا شاعرنا من تلك الألقاب مخلصين، عن عمد، لأمرين خطيرين. أما الأول فهو أن هذه الألقاب الأدبية أصبحت كالألقاب الحكومية، يتمجّد بها من لا يستحق التمجيد، ليكمل بها نقصه، ويوازن بإيقاعها رقصه، حتى أصبح الناس مترددين في وجه الاستحقاق وعلّته، أهو كماله لينقص بها؟ أم نقصه ليكمل بها؟
وقد أصبحت هذه الألقاب موردًا آجنًا لكثرة طرّاقه، وأسرف الفارغون في خلعها على الفارغين، ونظرنا ... فإذا هي لم تنفق كاسدًا، ولم يَنْبُه بها خامل، وانما مكّنت للزور ومهّدت، وسوّت بين السابق وبين المتخلف، فتعسر التمييز، واعتبر أثرها في قائدين: (قائد) الجيوش في الميدان و (قائد) الجحوش في الدوار، ذاك يبلغ المجد صاعدًا، وهذا يريده قاعدًا، فهل يستون مثلًا؟ ولكن اللقب سوّى بينهما على رغمي ورغمك.
وكل شيء كثرت فيه الدعوى، وعمت به البلوى، وجمع الاشتراك فيه أخلاطًا وأنماطًا، وعربًا صرحاء وأنباطًا، ترفّعت عنه الهمم العالية، وأذاله التبذّل فنزل به إلى قرارة البخس، وإن كان في نفسه جليلًا. وما بعبث خلقُ الله الناسَ طبقات، وجعله الأقدار درجات، وتقديره الأرزاق قسمًا، وتوزيعه المواهب حظوظًا وحصصًا، كذلك ... وما بعبث تخصيص العرب كل نفيسة من الأشياء باسم يميّزها من جنسها: ففي الشعر عيون، وما كله بعيون، وفي النساء عقائل، وما كلهن عقائل، وفي النجوم دراري، وما كلها دراري؛ وفي الجوهر فرائد، وما كله فرائد، وفي المال كرائم، وما كله كذلك.
فإذا فسد الذوق، فأطلقنا الأسماء الخاصة على الجنس العام، وقلنا في الأمَة الوكعاء: إنها عقيلة نساء، وفي العنز الجرباء إنها كريمة مال، ثم أوغلنا في التشبيه على هذه الطريقة، فقلنا في شموع (المولد): إنها كواكبُ دُرّية، وفي صواريخ الصبيان: إنها قنابل ذريّة- إذا فعلنا ذلك- أفسدنا اللغة أولًا، ثم أفسدنا الأخلاق ثانيًا، وملأنا العالم بالزور والغرور.
стр. 1451
مما أفسد نظام الأمم كثرةُ الأمراء، ومما شوّه جمال الأدب في عصرنا كثرة الشعراء، ولم يكف ذلك حتى كثر فيهم أمراء الشعراء، ولقد كنّا نسمع بملوك الطوائف في الحكم، ولكننا لم نسمع إلا في هذا العصر بملوك الطوائف في النظم، ففي كل قطر شعراء وأمير شعراء، ينازعه حبل الإمارة شاعر أو شاعران أو شاعرون (فقد مللنا جمع التكسير لكثرة ما تردد، كما سئمنا من مفهومه هنا لكثرة ما تعدّد)؛ وإن نتيجة النتائج لهذه الكثرة أن تنتهي إلى شيوعية في الأدب تقضي على جيّده بذنب رديئه.
لو كانت هذه الألقاب صاحبتْ ذويها كأسمائهم من يوم الولادة، لوسعنا العذر في السكوت على نقصها وشينها، كما وسعنا العذر فيمن سمّوه "منصورًا" فشبّ مخذولًا، ودعوه "نفيسًا" فجاء مرذولًا، ولكنها تأتي مع الفتوّة أو مع الكبر، فواجبٌ أن نحتاط لها، وأن لا نجعلها عناوين على الإحسان، وموازين للرجحان.
وأما الأمر الثاني فهو أن محمد العيد وأمثاله من المحسنين لفنونهم، قد شبّوا عن طوق هذه الألقاب الجوفاء، فزهد فيها زهدًا كأنه طبيعي فيه، شأن المتشبعّ بفنّه، المتقن لصنعته، حسبه من الشهود الإتقان والإحسان؛ أما هذه الألقاب فإنهم لا يرونها بالعين التي يراها بها الناقصون: لا يرونها مكفلةً لهم، ولا زائدةً فيهم، فهم كالسيوف، أروع ما تكون مجرّدة، وإذا كانت قيمة الحاوي بجرابه، فما كانت قيمة السيف - في عقل العقلاء- بقرابه، وإنما هي بالجوهر والفرند، ثم بالتصميم في الضريبة.
إن الألقاب لا تزيد في قيمة محمد العيد إلا بمقدار ما زادت "الباشوية" في قيمة طه حسين.
على أننا نعتناه بالنعت المفصَّل على ذاته، المفصِّل لآياته، وهو: شاعر الحكمة والمثل، إذ هما قاعدة شعره، وخاصتا مقاطعه وقصائده، ويزيد على تناول الحكمة والمثل بأنه "صدّاح غير مدّاح".
стр. 1452
السلطان محمد بن يوسف *
آليْت بالحظائر المستره
والآي في رقوقها مسطره
والكعبة الجليلة المطهره
والروضة الشريفة المنوّره
إنّي أسوق الواعظات المنذره
صادعةً رادعةً محذّره
ناصحة لقومنا مذكّره
واسمةً بالهون كل نكره
من خابط في الظلمة المعتكره
ووارد سؤرَ المياه الكدره
وعابد للنجمة المنكدره
دليلها الحق، ومن ينصف يره
...
إنّ أميرَ المسلمين جوهره
وصورةٌ من خلق مصوّره
ونسخةٌ من أدب محرّره
وقطعةٌ من حكم مقرّره
وقطرة من الهدى منحدره
في الدهر من جد الشراف حيدره
стр. 1453
مناقب على المدى مدّخره
لمن غدا بين الملوك مفخره
وإن أتتْ أيامه بأخره
...
إنا إذا الحمد تلوْنا سوره
ثم جلوْنا- كالمرايا- صُوره
ثم حدوْنا في البرايا زمره
سقنا إليه شمسه وقمره
ومن يطب مولى الموالي عنصره
فمن تمام فضله أن ينصره
...
من ادّعى وصف الكرام الخيره
فاستشهدوا أخلاقه وسيره
واستنبئوا من الزمان غيره
وسائلوا: مَنْ قادَه وسيّره؟
فالزيرُ- إن تنشده- حلفُ الزيرَه
...
يا عصبة في الغيّ ليست مقصره
قد عميت عن الهدى والتبصره
لا تفرحي: إن الغنى والسيطره
لم يبرحا إلى الهلاك قنطره
لا تمرحي: إن الهوى والأثره
جالبةٌ كلّ البلا أو أكثره
تسمّعي: إن الليالي مخبره
بأن أيّام الصعود مدبره
...
قد كتب الدهر ووالى عِبره
وصدّقت رُؤى العيون خبره
стр. 1454
أن قصورَ الظالمين مقبره
عمارها إلى الخراب معبره
...
ليس من عادتنا أن نثني على الأشخاص لذواتهم أو لمقاماتهم التي قرّرتها الأوضاع والمصطلحات، وإنما نثني- إذا أثنينا- على الأعمال الصالحة، فينصرف الثناء إلى العاملين بالتبَع.
وليس مما رُكب في طباعنا الصغو إلى الملوك، أو انتحال النزعة الملكية مذهبًا، فقد قرأنا عن كثير من غابري ملوك الإسلام ما زهدنا فيهم، وما كرّه إلينا نظام الملكية، وبلوْنا من حاضريهم ما يتبرأ منهم الإسلام من المنديات، وعلمنا علم اليقين أن أعمال الغابرين والحاضرين منهم هي التي أفضت بالإسلام والمسلمين إلى هذه المنزلة من الحطة والهوان؛ فأصبحنا نعتقد أن الملكية نظام لا يعتزّ به الإسلام، ولا يحيا عليه المسلمون، ولا يستطيعون أن يجاروا به أمم الحضارة في هذا الزمان، خصوصًا مع ما انتحلوه لأنفسهم وتعبدوا به رعاياهم من هذا التألّه الكاذب، وهذه الحقوق التي لم يأذن بها الله، وهذه المميزات التي زادها طولُ الزمن، واستحكام الجهل رسوخًا، والتي استمسكوا بها حتى في هذا العصر العالم اليقظان، عصر الدساتير المسنونة بإرادة الأمم، فلا يحاكمون، وإن خربوا الدين والدنيا، ولا يعاقبون، وإن أهلكوا الحرث والنسل، ولا يعاتبون، وإن انتهكوا الحُرُمات، وجاهروا بالمنكرات، وإنك لتسمّيهم ملوكًا لترفعهم عن مقام العبيد، فتجبهك الحقيقة بأنهم عبيدٌ لشهواتهم وأهوائهم؛ وإنك لتلتمسهم في مواطن الحفاظ من أوطانهم، والاحتفاظ بأموالها، والاختلاط بأهلها، والمشاركة لهم في النعماء والبأساء، فلا تجدُهم إلا في أوربا، و (بواليع الأموال في أوربا)، ومُغريات أوربا، يجرونها إلى ديارهم طوعًا، فتجرّهم إلى ديارها كرهًا، ويأخذونها تفاريق فتأخذهم جملة ... ويقتبسونها نورًا، فتقبسهم نارًا؛ وإنك لتجدهم حيث شئت إلا في مقام القدوة في الخير والصلاح.
فإذا أثْنينا اليوم على محمد بن يوسف ملك المغرب، فإنما نثني على أعماله الجليلة ودينه المتين، ومواقفه المشرّفة المجيدة في نصر الحق على الباطل، ودحض البدعة بالسنة، وفي الدفاع عن حقوق وطنه، وفي سيرته النبيلة التي هي مضرب المثل في ملوك الإسلام.
وإذا أحببناه فلأنّ في أعماله وخصاله ومواقفه ما يفرض حبّه فرضًا على كل مسلم صادق الإسلام.
وإذا أعجبنا به فلأنّ كل فصل من سيرته موطنُ إعجاب.
стр. 1455
وإذا نصرناه بما نملك من كلام فلأنه ملك مسلم مظلوم ... مظلوم في أمّته، ثم مظلوم ببعض أمّته، وليس في أنواع الظلم أحزّ في الصدور من هذا النوع، وليس فيها أدعى لانتصار ذوي النخوة العربية والشهامة الدينية من هذا النوع.
...
نعرف عن جلالة السلطان محمد بن يوسف كل ما يجب أن يعرفه عالم مسلم، حرّ الفكر، مستنير البصيرة، موقوف المواهب على خدمة الإسلام، وإصلاح المسلمين عن ملك مسلم ممتاز بين ملوك المسلمين- في عصر كثر فيه الملوك- خصوصًا في هذه الرقعة العربية- كثرةً معاكسة لسير الزمن، منافرة لسيرة أبناء الزمن، فكانوا وباء للأجساد، ووبالًا على الأرواح، وجائحة مرسلة على الأموال، ومطايا يستعملها الأجانب لاستغلال الأوطان، ثم للاستيلاء عليها.
نعرف عنه دراسةً، ونعتقد فيه وجدانًا، ونشهد منه عيانًا، ما يرفعنا عن الأخذ فيه بالتقليد، ويربأ بنا أن ننتقل في الحكم عليه من رأي قديم إلى رأي جديد، كما تربأ بنا عادتنا في الحُكم على الرجال، أن نحابيه أو نتعصّب له، جريًا مع هوى غالب، أو انتصارًا لمذهب جامع.
فالنتيجة التي انتهتْ إليها الدراسة، واطمأن لها الوجدان والعيان في هذا الملك العظيم حقًّا، هي أنه ملك مسلمٌ صحيح الإسلام، مؤمن متين الإيمان، سلفي العقيدة والتعبّد، قديم في دينه، جديدٌ في دنياه، مجدّد مصلح في الدين والدنيا، واسع الاطلاع على أحوال زمنه، يقظان العقل في أسرار السياسة المحيطة به، شجاع الرأي في الجدل المحتدم فيها، يمارس من الأجانب هولًا واحدًا،- ومن الأقارب أهوالًا، يعمل لشعبه دائمًا، ويعمل لنفسه قليلًا لمعنى يرجع إلى شعبه، وهو أن يرسم لهم خطوط الاقتداء والتأسي، ومن رأينا فيه أنه لو تأتت له الوسائل ولاينته الظروف، لطوى مراحل التقدّم بالمغرب في مرحلة.
هذه الخلال هي سر عظمته عندنا، وهي سر حبنا إياه، وإعجابنا به، وانتصارنا له، ولو أنّي حكمتُ هذا الحكم قبل أن أجتمع به في الرحلة الأخيرة إلى باريز، لكان فيه شوبٌ من التقليد والاتكاء على السماع الذي شان العقائد، وأفسد التاريخ، وغطّى الحقائق؛ ولكنني طابقت بين السماع والعيان، وصحّحت الاستدلال في تلك الساعة التي تحدثتُ فيها إليه، وتحدث إليّ، مجردًا من الكلف والرسميات، في بلد غربة وموطن حريّة، وقد زُوِيت في تلك الساعة القصيرة، أطراف تلك النفس الكبيرة، وكانت ساعةً من تلك الساعات المعدودة في التاريخ، التي يلتقي فيها عالم مسلم، بملك مسلم، فلا يجري على لسانيهما إلا ما يرضي الله، وينفع الناس.
стр. 1456
لمحتُ في هذا الملك الديمقراطي ملاءمة الفضائل الفطرية فيه، للفضائل المكتسبة بالدرس والتجربة والاحتكاك، فالذكاء الفطري يمازج الإلمام الواسع بما يجري في الكون، والإيمان بالعاقبة يزاوج الاحتفاظ الشديد بحقوق المسلمين، والإيثار يساند الإقدام، والصبر على المكاره يقارن الصراحة في قولة الحق، طرازٌ من الأخلاق متلائم النّسب، متلاحم النسج، متناسب العرض، في شخصية واحدة، يزيّن ذلك كله بساطة متناهية، هي بساطة المسلم الصادق المتشبع بالفضيلة، الذي لا تزدهيه المظاهر، ولقد وقع نظري وذهني- وأنا أحادثه- على صغيرة من آثار تلك البساطة، ولكنها مبعث الروعة والجلال، وهي تجرّد هذا الملك من تلك العهون والذلاذل (ولا أقول: الحُلي) التي يزيّن بها بعض ملوكنا وأمرائنا صدورهم، وأعناقهم، وتراقيهم، على ضرب مما كان يزيّن به العرب جمالهم ... فلا يكون معناها عند العقلاء إلا أن أصحابها فرغت بواطنهم من معاني السلطان، فعمروا ظواهرهم بهذه (الشرطان)، وعلى أن الزمان انتهى من السخرية بهؤلاء إلى هذه الدرجة، فعوّضهم من الأعمال التي يتجمّل بها الرجال، بهذه الحِلْية التي يتجمّل بها غيرُهم ...
...
والمحنة الأخيرة! ...
والمحنة الأخيرة لهذا الملك المظلوم كانت جرحًا في قلب كل مسلم طاهر السريرة، لما وسمتْ به من التلاعب بالدين الإسلامي، والعبث به، وجعله سلمًا لأغراض سياسية استعمارية، ولما وُصمت به من الإهانة لملك مسلم صالح ذي سلطة دينية لم يخلّ فيها بشرط، تستند على بيعة شرعية قرّرتها الأوضاع والرسوم، وثبتها الإجماع على الرضا، ومكّن لها الاختبار والامتحان، واستوى في إيجابها نطقُ الناطق وسكوتُ الساكت، ولم ينقض الملك لها عهدًا، ولا نكثَ عقدًا، ولم يأت في حالتي الشدة والرخاء إلا ما يقتضي توكيدها، ويُوجب تجديدها، فالاعتداء على الأوضاع الإسلامية اعتداءٌ على الإسلام في نظر المسلمين، والإهانة لملك مسلم صالح إهانة للإسلام.
أما ما خُتمت به الرواية فإكراه من السلطة الاستعمارية لا يقرّه شرع سماوي، ولا قانون إنساني، وارتكاب من الملك لأخف الضررين، تعلو فيه حجةُ العاذر على شبهة العاذل، وهو - في حقيقته- بناء على السيف، وما للبناء على السيوف دوام، وإمعان في الحيف، والممعن في الحيف، ممعن في ظلام؛ وإنما يدوم على تقلبات الزمن بناءٌ أساسه العقل، وحائطه العدل ...
стр. 1457
ذكرى عبد الحميد بن باديس *
يموت العظماء فلا يندثر منهم إلا العنصر الترابيّ الذي يرجع إلى أصله، وتبقى معانيهم الحية في الأرض، قوّة تحرّك، ورابطة تجمع، ونورًا يهدي، وعطرًا ينعش، وهذا هو معنى العظمة، وهذا هو معنى كون العظمة خلودًا، فإن كل ما يخلف العظماء من ميراث، هو أعمال يحتذيها من بعدهم، وأفكار يهتدون بها في الحياة، وآثار مشهودة ينتفعون بها، وأمجاد يعتزّون بها ويفخرون، والاعتزازُ والفخز من الأغذية الروحية الحافظة لبقاء الجماعات، وهذه المجموعة من ميراث العظماء هي التي تسلسل بها الحياة متشابهة الأطوار قرونًا، ولولاها لانفصمت حلقاتها، فكان لكل فرد قانونٌ خاصّ، وحياة خاصّة، مقطوعة الصلة بمن قبلها ومن بعدها، فيفسد النظام ويختل الوزن وينعدم التشاكل، فينعدم التعاون.
والعظمة الحقة- عظمة الخير والجمال والمنفعة- مستمدّة عناصرها الأولى من ينابيع النبوّة، التي هي مثال لتصفية النفس من كثافة المادة وكدورة الأثرة، فهي متصلة بالله، شعر البشر بذلك أو لم يشعروا، واعترفوا بالألوهية أو جحدوا، فكل عظيم أفاد وهدى ونفع وأسعد، فهو سائر على قدم النبوة، أو هو حواريّ لمست روحه شرارة من قبس النبوّة، ومن وزن العظمة بهذا الميزان، ذاد عن حياضها أبالسة الشر من عظماء القوة والطغيان، الذين ظلموا العظمة فاقترضوها، ثم فرضوها، وعظماء العصبيات الجنسية المحدودة الذين ضاقوا عن العظمة، فضاقت بهم، فكل هؤلاء يشيل بهم ميزان الخير الدقيق، وإن رجح بهم ميزان (الخبز والدقيق).
ومن الغرائب التي ينطوي عليها الاجتماع البشريّ أن أفراده وجماعاته يشعرون بالقصور عن مراتب العظمة، ويشعرون أنهم مفتقرون إليها، لا تستقيم لهم حياة بدونها، فإذا لم
стр. 1458
يوجد فيهم عظيم، ولم تسقه إليهم المقادير، ساقته الأساطير، فتصوّر لهم أخيلتهم عظيمًا، ويُفيضون عليه من التمجيد ما يصوّره مثلًا أعلى، ويصيره مرجعًا أسمى، ثم يعمدون إلى معاني العظمة الكاملة المتفرّقة فيهم، فيخلعونها عليه إعارة، ليأخذوها عنه استعارة، بالقدوة والاتصاف في الأعمال، أو بالتمثل والاستشهاد في الأقوال، ومثل ما فعلوا في العظماء فعلوا في الحكماء مرسلي الحكم، في الكلم، واعتبر ذلك بلقمان في الأوّلين، وجحا في الآخرين، فإننا نجد هذا الاسم دائرًا على الألسنة عند طوائف كثيرة من الأمم، يردّون الحكمَ والأمثالَ إليه؛ ومثله- على نسبة ما- البهلول، والفياش، والمجذوب، عند بعض العرب، و"ماريوس"، وصاحبه عند الفرنسيين وغيرهم عند غيرهم، وكل ذلك يدلّ على أن أفراد النوع مولعون بالعظمة والشهرة، مفتونون بالحكمة والمثل، حتى إنّ أحدهم يرسل المثل، أو يصوغ الحكمة ثم ينسبها إلى غيره ممن ملأ أذهان الناس، وشغل حيّزًا واسعًا من شعورهم، ليكون ذلك أسيَر للمثل، وأبقى للحكمة، وإن هذا لنوع من "القرابين" الروحية للمعاني المتألهة.
والعظمة الحقيقية كالشعر المطبوع، تستند على الطبع الموهوب، والاستعداد الفطري ثم تأتي الأدوات في الدرجة الثانية، مساوقة للطبع، متناسقة مع الاستعداد، حتى تتمكّن وتثبت، وتقابلها عظمة صناعية زائفة، تحشد لها الأسباب، وتجلب المعاني، وتستعار لها الأدوات، أو تشترى من السوق، فتأتي متداعية متهافتة، لا تستقرّ ولا تثبت، ثم تموت قبل صاحبها أو تموت بموته.
وكما أن استحكام القوافي في الشعر لا يأتي من معرفة أحكام القوافي في العروض، لا تأتي العظمة بالتكفف والصنعة، ولا بالاستعارة والتقليد.
...
وعبد الحميد بن باديس عظيم بأكمل ما تعطيه هذه الكلمة من معنى، فهو عظيم في علمه، عظيم في أعماله، عظيم في بيانه وقوّة حجّته، عظيم في تربيته وتثقيفه لجيل كامل، عظيم في مواقفه من المألوف الذي صيره السكوت دينًا، ومن المخوف الذي صيره الخضوع إلهًا، عظيم في بنائه وهدمه، عظيم في حربه وفي سلمه، عظيم في اعتزازه بإخوانه، ووفائه لهم، وعرفانه لأقدارهم. وإذا كان من خوارق العادات في العظماء أنهم يبنون من الضعف قوّة، ويخرجون من العدم وجودًا، وينشئون من الموت حياة، فكل ذلك فعل عبد الحميد ابن باديس من الأمّة الجزائرية.
***
стр. 1459
وهذه الذكريات التي يقيمها الناس لعظمائهم، والمذكرات التي ينصبونها لبقاء أسمائهم محفوظةً، وأعمالهم ملحوظة، هي تجديد للعهد بهم، وتمديد للاتصال الروحاني الذي يربط الفروع بالأصل، ويحثّ على التأسّي والاستمرار، ودعوة متجدّدة إلى مبادئهم، وردعٌ للمتطاولين الذين يهتبلون الغفلة وفراغ الميدان فيتعاظمون، فهي- في بعض غاياتها- حراسة للعظمة الحقيقية من العظمة الصناعية، وكأنها تصحيح لحدودها، وتفقّد لموازينها، ومراقبة دائمة للتزوير أن يلمّ بها، فيطغى عليها، فيفسد على الناس أمرها وآثارها، وهذه النقطة وحدها تعدّ من محسنات التكرار لأقوال العظماء، والترديد لفضائلهم في كل سنة.
...
وذكرى عبد الحميد بن باديس هي ذكرى أعماله وآثاره في الأمّة، فهذه اليقظة المتفشية فيها، وهذه الحركات السارية كالنار في الضرام، وهذه النظرات الجديدة في الحياة، وهذه الاتجاهات المسدّدة فيها، وهذا التجدّد في الأذهان والعقول، وهذا التصلّب في المقاومة، وهذه الأقلام الجارية بالبيان العربي، وهذه الألسنة المحلولة العقد في الخطابة، كلها مذكّرات بعبد الحميد، وفي كل منها أثر من يده، وأثارة من عقله، ونفخة من روحه، دعا إليها، وجهر بها، وعمل لها، وغرسها في نفوس تلامذته بالدرس، وفي عقول جلسائه بالمذاكرات، وفي عامة الأمّة بالمحاضرات.
إن هذه النهضة التي لم تزل في تباشيرها، ستمدّ مدّها حتى تصبح تاريخًا حافلًا، وستنشئ بنفسها مؤرّخها المنصف، ويومئذ يضطر ذلك المؤرّخ إلى إرجاع العناصر إلى أصولها، فيجد عبد الحميد بن باديس "واضع الأس والحجر".
...
في مثل هذا اليوم من شهر أفريل من كل سنة، تتبارى الأمّة الجزائرية في إقامة الذكرى لعبد الحميد بن باديس، إحياءً لذكره، واعترافًا بفضله، وتتولّى مدارس جمعية العلماء وشعبها تنظيمها والإشراف عليها، وتعميرها بالخطابة والشعر، وتخليدها بالكتابة، وتشترك فيها الأحزاب السياسية، ومنظّمات الطلبة في خارج الجزائر، وكل ذلك بعض حقوق إمام النهضة على رجال النهضة، ولكن أكبر حقوقه علينا في التخليد، وأعوَدها علينا بالنافع المفيد، هو البناء والتشييد. فليس بنافعنا ولا بنافعه أن نبكي في كل سنة ونعدّد، ولا أن نكرّر فضائله ونردّد، وإنما الذي يعود عليه بأجر من دعا إلى خير، وسنّ سنّةً حسنة، ويعود علينا بفائدة من غرس غرسًا فسقاه، وعمل صالحًا فأبقاه، هو تشييد المعاهد العلمية وتعميرها، وتعهّدها بالعناية، وإمدادها بأسباب البقاء، وقد كان المعهد الباديسي بدءَ العمل، فلا يكوننّ الختام.
стр. 1460
الفضيل الورتيلاني *
وصلتنا من بيروت كلمة من الأخ الكريم الحاج خليل أبو الخدود- ومعها تصريحات لولدنا الأبرّ الأستاذ الفضيل الورتيلانى- قبيل الاجتماع العام لجمعية العلماء، وكنا إذ ذاك منهمكين في إعداد الاجتماع، وفي استقبال السنة الدراسية وشؤون المدارس والمعهد الباديسي، وما يستلزمه ذلك من أدوات ووسائل وتجديد في الأجهزة اللازمة من برامج ومال ورجال، ولقد كان إسكان تلامذة المعهد- وعددهم يشارف السبعمائة- كافيًا لاستنفاد الجهد، واستغراق الوقت، وقارنت تلك الجهود تأخّر «البصائر» عن مواقيتها لأسباب داخلية اقتضاها التجديد، لذلك كله تأخّر نشر الكملة وما معها من تصريحات إلى هذا العدد، فمعذرة إلى الأستاذين الفاضلين، البعيدين عنا بعد الدار، القريبين منا قرب العمل المشترك، والفكرة الجامعة: أبي الخدود والورتيلاني.
...
وقد كنا قرأنا في الجرائد الشرقية خبر عفو أمير اليمن عن المتهمين في الحركة الانقلابية التي كان من آثارها قتل أبيه يحى حميد الدين، فلم يحرّك منا هذا العفو شعرة، كما لم يثر منا ذلك الانقلاب إلا الألم، ولا يستطيع أحد أن يتهمنا في هذا بجفاء الطبع، أو جفاف العاطفة، فنحن من أشد الناس افتتانا بالعروبة والعرب، وأرقّهم إحساسًا في النوائب التي تنوبهم، وأعمقهم أسىً للحالة التي هم عليها، ولكن رأينا في ملوك العرب معروف، ومن رأينا في الكثير منهم أن كل ما يصدر منهم من عقد ونقض وعفو ومؤاخذة فهو ناشئ عن خطرات من الوساوس الفردية، لا عن بواعث من المصلحة العامة، وأنهم عدموا القوانين
стр. 1461
المقيّدة، فاستحكمت فيهم النزعات المطلقة، فأصبحوا- في نظرنا- يوجدون، فكأنهم - في فراغ الحياة- ما وُجدوا، ويُفقدون فكأنهم- لهوان الخطب- ما فقدوا، ومن رأينا في ذلك الانقلاب أنه أحط من بصيرة المتبصرين بدرجات، وأنه متأخر عن وقته بسنوات، وأنه لو صحبته البصيرة، وكان العلم والعقل من ذرائعه، لكان تطورًا لا انقلابًا، ولما سال فيه ملء محجم من الدم.
...
وقالت تلك الأخبار: إن العفو شمل الأستاذ الفضيل الورتيلاني المتهم بتدبير الانقلاب والاغتيال، وتباشر أصدقاؤه وعارفو فضله بهذا العفو، كأنهم رأوا فيه حدًّا للحالة التي يعيش عليها، وكأنهم يرون أن تلك التهمة- على بطلانها- عاقت الأستاذ الفضيل عن مواصلة جهاده في سبيل العرب والمسلمين، فالعفو يضمن له متابعة الكفاح.
والأستاذ الورتيلاني ابن بار من أبناء جمعية العلماء، وغصن من دوحتها الفينانة، فتح عينيه على شعاعها، وسار في الحياة من أول خطوة على هداها، وقضى عنفوان شبابه في أحضانها، وتخرّج في العلم والعمل على قادتها، وبزّ الجياد القرّح في ميادينها، ورمى الغايات البعيدة بتسديدها، وراض عقله على التفكير الصائب، ولسانه على الحديث الصادق، في الإصلاح الديني الذي هو أساس مبادئها، فجذبه استعداده القوي منه إلى العمل في ميدان الإصلاح الاجتماعي، وجرّته غيرته المحتدمة على وطنه إلى العمل للإصلاح السياسي، وهذه أنواع من الإصلاح متشابكة الأصول، متشابهة الفروع، تفصل بينها فواصل اعتبارية دقيقة، ولكن الأجرياء المقدمين يرونها متلازمة، متوقفًا بعضها على بعضها، فلا يتم جزء منها إلا بتمام جميعها، ومن هؤلاء ولدنا الفضيل، فلما ضاق عنه وطنه الأصغر، طار إلى وطنه الأكبر.
ولمكان الأستاذ الورتيلاني منا، ومكانته عندنا، وعدّنا إياه من أبنائنا البررة، ورجالنا الأفذاذ، ويقيننا بطهارة ذمّته من القاذورات، وتسامي همّته إلى بناء المأثرات، نرى أن كلمة "العفو عنه" كما تقول الجرائد، سبة لم يسب بأفحش منها، ولا نظن أن ولدنا الفضيل ارتاح لها، أو وقعت منه موقعًا، لما نعرفه فيه من الشمم وكبر النفس، وما زالت كلمة العفو في مثل هذه المواطن ثقيلة على النفوس الحرّة، لا يطرب لها إلا المذنبون الضارعون، كالذي يقول: "رأيت العفو من ثمر الذنوب"، وإذا كان العفو لا يكون إلا عن جانٍ، فإقراره إقرار للجناية، ومتى كان الفضيل جانيًا حتى يعفى عنه؟ أو حتى يكون العفو عنه مدعاة للسرور والابتهاج؟ وقد وقع لنا مثل ذلك مع الاستعمار، يظلمنا، ثم يبدو له فيقول: عفوت عنكم، فلا يكون أحز في نفوسنا من ظلمه إلا عفوه.
стр. 1462
كل ذنب الفضيل أنه أراد أن يعالج ناحية من نواحي تلك المملكة الشقية، فعاجلته الأيدي الخفية- التي لا تريد إصلاحًا- بتلك الحادثة.
وبعض ذنبه- إن كان هذا يسمّى ذنبًا- أن جرأته على مصارحة الأمير القتيل بلزوم الإصلاح، وتنبيهه إلى مواقع الخطر المترتّب على الإهمال، كل ذلك جرّأ الطائشين على التعجّل بأمر لم يجيلوا فيه روية، ولا تدبّروا له عاقبة، والمعاني الكبيرة لا تحتملها العقول الصغيرة، وأعان على ذلك ظلم طال أمده واتّسع مداه، وتظلّم خفت صوته فلم يتردّد صداه.
إننا نعلن- نيابة عن الأستاذ الورتيلاني بما لنا عليه من حق الأبوّة- أنه يستحق التبرئة والاعتذار إليه، لا العفو، إذا كانت العقول قد ثابت إلى رشدها، وطهر الجو من الروائح الاستعمارية التي أفسدته؛ أما إذا كان الإمام لا يحسن الإمامة، وكان السيف لا يقطعُ إلا أوصال جاليه، فخير للفضيل أن تتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق من أن تكتب في تاريخه الحافل "طرة" وهي أنه (مجرم معفو عنه).
...
إننا قوم لا نرضى من الأخلاق إلا أن تكون عقائد، وإن هذه الاعتبارات هي التي أسكتتنا عن الحديث في هذا العفو، وإن لامنا عن هذا السكوت اللاءلمون؛ أما ما جرّته تلك التهمة على الأستاذ الفضيل من تنكّر الملوك له، وضيق الحكومات به، فهو امتحان البطولة، وطالما أدّاه الأبطال قاسيًا ثقيلًا؛ وما زالت العليا تعي غريمها، كما يقول ابن خميس؛ وهو دليل البطولة، والبطولة منها عليها شواهد.
وأما ما لقيه بسببها من تجهّم بعض الأصدقاء، فهو دليل على أن صداقتهم كانت على دخن، أو من شماتة بعض الخصوم، فهو دليل على أنه كان غيظ الحاسد، ومسيح الدجاجلة، وكل ذلك مما يغلي قيمة الفضيل، ويبين عن صفاء جوهره، وأن تلك الغمّة العارضة ما زادت على أن كانت تلقيحًا في رجولته، وتنقيحًا في أصدقائه، وافتضاحًا لخصومه ...
стр. 1463
ـ[آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي]ـ
جمع وتقديم نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.
الجزء الرابع
١٩٥٢ - ١٩٥٤
الناشر: دار الغرب الإسلامي.
ــ
стр. 1464
دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
стр. 1465
آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي
стр. 1466
ـ[صورة الشيخ البشير الإبراهيمي]ـ
القاهرة، ١٩٥٢
ــ
стр. 1467
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
محمد الغزالي (*)
ــ
كانت القاهرة- لأكثر من ثلث قرن مضى- ملتقى عدد من المجاهدين الكبار يجيئون إليها في ظل عقيدة جامعة، وأخوة وثيقة، ولغة مشتركة، وآمال واحدة.
وكان المسلمون ينظرون إلى الزعماء القادمين نظرة حب جارف وإعزاز بالغ، كانوا يرون النظر في وجوههم عبادة، والحديث معهم والأنس بهم قربى إلى الله.
أذكر من هؤلاء الحاج محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر، وقائد جهادها الأول، زارني يومًا في وزارة الأوقاف- وكنت مسؤولاً عن المساجد- فزكَّى بعض المشروعات التي أقوم بها، ورسم لي طريق إنجاحها، وشعرت كأنه يعد نفسه مسؤولًا عن مستقبل الإسلام في مصر، فهو يهتم به اهتمامي أنا به أو أكثر، ولا عجب فدار الإسلام واحدة وإن اختلفت منابت الأفراد ....
وأذكر من أولئك الزعماء اللاجئين إلى القاهرة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي. عرفته، أو تعرفت إليه، في أعقاب محاضرة بالمركز العام للإخوان المسلمين ... كان لكلماته دوي بعيد المدى، وكان تمكنه من الأدب العربي بارزًا في أسلوب الأداء وطريقة الإلقاء، والحق أن الرجل رُزِق بيانًا ساحرًا، وتأنقًا في العبارة يذكرنا بأدباء العربية في أزهى عصورها.
لكن هذا ليس ما ربطنا به أو شدَّنا إليه- على قيمته المعنوية- إنما جذبنا الرجل بإيمانه العميق، وحزنه الظاهر على حاضر المسلمين، وغيظه المتفجر ضد الاستعمار، ورغبته
стр. 1468
الشديدة في إيقاظ المسلمين ليحموا أوطانهم ويستنقذوا أمجادهم، وخُيّل لي أنه يحمل في فؤاده آلام الجزائريين كلهم وهم يكافحون الاستعمار الفرنسي، ويقدمون المغارم سيلًا لا ينقطع حتى يحرروا أرضهم من الغاصبين الطغاة، وكان في خِطاباتِهِ يزأر كأنه أسد جريح، فكان ينتزع الوَجَل من أفئدة الهيابين ويُهيّج في نفوسهم الحمية لله ورسوله، فعرفت قيمة الأثر الذي يقول: "إن مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشهداء".
إن الخطيب أو الكاتب يوم يستمد توجيهاته من قلبه ويصبها في نفوس تلامذته إنما يُكوّنُ فيالق من أولي الفداء، ويصنع قذائف حية من رجال ينسفون الباطل نسفًا، وذلك ما أحسسناه ونحن نستمع إلى الشيخ البشير الإبراهيمي في القاهرة، فعرفنا لماذا ضاق به الفرنسيون وطاردوه، ومن ثَمَّ قررنا الالتفاف به والاستمداد منه.
ومن الخطإ تصوُّرُ أن الشيخ الكبير كان خطيبًا ثائرًا وحسب ... لقد كان فقيهًا ذكي الفكرة بعيد النظرة. ووقع لي معه حوار في مسألتين طريفتين. قال لي مرة: لعلك قرأت في السيرة الشريفة أن أصحاب رسول الله ﷺ ما كانوا ينصرفون عن مجلسه إلَّا على ذَوَاق- وزن جمال-.
قلت: نعم.
قال: فما الذواق الذي ينالونه في مجلسه؟
فتَرَيَّثْتُ قليلاً ثم أجبت: لعلهم كانوا يتناولون بعض الأطعمة أو الأشربة كما يقع في عصرنا هذا عندما تُقَدِّم للأضياف والوافدين أقداحًا من الشاي أو غيره ...
قال لي: ظننتك أفضل من أن تجيب هذه الإجابة الساذجة، أذلك شيء ينوِّه به الأصحاب الكرام؟
قلت في تلهف: فما هذا الذواق الوارد في السنة؟
قال: إنه تذوق أرقى، ألا تذكر الحديث الشريف: «ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا».
إن المجلس النبوي تظلله الحكمة، ومقام النبي فيه ترقيق القلوب، ورفع المستوى، وتخليص الروحانية من شوائب الأرض، وجعل البشر في مصاف الملإ الأعلى ... فما ينصرف أحد عن هذا المجلس الزكي إلا وقد تذوق نازلًا من السماء، ولا يعود إلى أهله إلا بذخر يعليه ويعليهم.
الحق، ان هذا المعنى كان جديدًا علي، غير أني شعرت بأنه الحق، وأنه أولى كثيرًا من تفسير الذواق بأنه طعام أو شراب ...
стр. 1469
وسألني مرة: ما تقول في هذه الذبائح التي تملأ ساحات مِنًى، يتحلل بها الحجاج والعامرون من مناسكهم؟ فلم أدر ما أقول، كل ما استطعت أن أجيب به أنها من شعائر الحج والعمرة قربة إلى الله وطعمة للفقراء، وفي الآية ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ ائأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا ائبَائِسَ ائفَقِيرَ﴾.
قال: ليت الحجيج يحققون هذه الغاية فيأكلون ويتصدقون ويفرح بصنيعهم البائسون الفقراء، إنهم يذبحون ويدعون ذبائحهم على الثرى لا يقربها إنس ولا وحش، فتضيع سدى، وقد نُهينا عن إضاعة المال. حبذا لو وضعت خطة للإفادة من هذا الخير المبذول وتعميم النفع به ...
وما تمناه الشيخ البشير الإبراهيمي نفذ بعد ثُلُث قرن، فقد عرفت الآن أن ما يذبح يكون بقدر حاجة الفقراء، والباقي يوجه لسد ثغرات الجوع، والجفاف في أماكن أخرى ... وهذا هو الفقه الصحيح وحسن التصرف في تنفيذ أحكام الشرع الشريف.
كان لقاؤنا بالشيخ البشير الإبراهيمي مصدر متعة أدبية وعلمية تجعل أدباء القاهرة وعلماءها يهرعون إليه ويتزاحمون عليه، ولكن الرجل كان يشرد بين الحين والحين، فنحس أنه معنا وليس معنا، كان جسمه معنا وقلبه معلقًا بالجزائر يتحسس أبناءها، ويتبع العراك الدائر بين الإسلام والصليبية في هذه القطعة الغالية من دار الإسلام، وكنت أشعر بأنه يكتب إلى رجاله أو المسؤولين عن الكفاح الجزائري يشير عليهم بالرأي ... وأستطيع الجزم بأنه ما ضعف يومًا ولا استكان ولا يئس من روح الله، ولا شك في أن الله ناصر جنده، ومعز المجاهدين المسلمين.
وهناك أمر لا يعرفه الكثيرون، لقد حاول أن يسد الفجوة بين جماعة الإخوان ورجال الثورة المصرية، فإن الفريقين يقدرونه ويصغون إلى نصحه، ولكن الشر كان قد تفاقم بين الفريقين وعزَّ على العلاج، فتوقف محزونًا.
وظل الشيخ البشير، ومعه بعض الجزائريين يرتبون الأمور بين القاهرة الموالية للمجاهدين، وبين أرض المعركة التي احتدم فيها القتال وتضاعف الشهداء، ولا أنسى من بين أصحاب الشيخ الأخ الفضيل الورتلاني الذي زاملني في الدراسة وأنا في تخصص الدعوة والإرشاد قبل مجيء الإبراهيمي ببضع سنين، وكان الشيخ الفضيل عملاقًا في مبناه ومعناه ورجلًا له وزنه، وكان يتبع الشيخ البشير على أنه تلميذ وفي له، ويتعاونان على نصرة القضية الجزائرية بكل ما لديهما من طاقة ...
قال لي الشيخ البشير: إنكم بليتم بالاستعمار مثل ما بلينا، وشعرتم بضراوته مثل ما شعرنا، لكنكم لا تعرفون أن ما أصابنا نوع شاذ من الاستعمار يشبه السرطان من بين أنواع
стр. 1470
العلل المهلكة، إنه كان يريد محو شخصيتنا وعقيدتنا ولغتنا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، ومن المستحيل الإبقاء عليه أو البقاء معه. إن معنى ذلك الموت الخسيس، وأولى بنا أن نموت جميعًا في ميادين الكفاح والتضحية من أن نموت على هذا النحو الذي يراد لنا ...
والجزائري إذا غضب تحول إلى شخص آخر، وقد كنت ألمح تغيرًا عضويًا في وجهه بل في كِيانِه كله عندما يتحدث عن ضرورة الجهاد إلى آخر رمق وعن ضرورة بقاء الجزائر مسلمة تتكلم بلغة الوحي وتحل العربية محل الفرنسية. (وها قد نصر الله الجزائر، ونضر وجوه المجاهدين وعاد الدخيل من حيث جاء، واندحر أتباعه وأعوانه).
فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم ... كباطل من خلال الحق منهزم
ومعرفتي بالشيخ البشير الإبراهيمي تجعلني أتساءل عن حدود الوفاء للقيم والمبادئ التي عاش من أجلها ومات في سبيلها؟.
إني أتخيله حيًا، وأتصور أنه يسمع رجلاً يرطن بالفرنسية، ما أحسبه يتركه دون تقريع وتعنيف بالغين. وله الحق في غضبه فإن الاستعمار العسكري ذَنَبٌ والاستعمار الثقافي هو الرأس، والحية لا تموت بقطع ذَنَبِها، بل الأمر كما قال الشاعر:
لَا تَقْطَعَنْ ذَنَبَ ائأَفْعَى وَتُرْسِلَهَا ... إنْ كُنْتَ شَهْمًا فَأَتْبِعْ رَأْسَهَا الذَّنَبَا
وعلى الجزائر أن تحرر ثقافتها من التبعية كما حررت أرضها من الاستعمار، والخطوات البطيئة في هذا المضمار لا ترضي شهداءها الأبرار، بل البدار، ليتأكد الانتصار، وتتضاعف الثمار.
стр. 1471
السياق التاريخي (١٩٥٢ - ١٩٥٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لقد أتى على الجزائر حين من الدهر لم تكن- عند أخواتها- شيئًا مذكورًا، فَنُسِيت بعد أن كان اسمها على كل لسان، وجُهِلت بعد أن كانت معروفة لدى كل إنسان. ولو اقتصر الأمر على الجهل والنسيان لهان، ولكنه جاوز ذلك إلى تصديق كثير من العرب والمسلمين بأنها قطعة من فرنسا، وتسليمهم بأنها امتداد لها.
وقيَّض الله للجزائر من يُجَلِّي صورتها لأَخَواتِها، ويذكِّرُهُن بها، ويعرفها لهن بأجلى بيان وأفصح لسان، ذلكم هو الإمام محمد البشير الإبراهيمي، الذي كان يَرُدُّ - في المشرق- على من يَصفه بعلَّامة الجزائر بأنه "علَامة" الجزائر، وأنه علامة رَفْع، فقد جمع الله فيه "أقباسا من روح جمال الدين، ولمحات من إصلاح محمد عبده، وفيوضا من علم رشيد رضا" (١).
من عوامل نجاح أية حركة هو أن تُرتِّبَ مراحلها، وتضبط أطوارها، بحيث لا تسبق مرحلةٌ مرحلةً، ولا يجاوز طورٌ طورًا، ولا تُسْتَعْجَل نهاية فترة قبل أن تستوفِيَ أَمَدَها، ويحينَ أجلها، ولا تخترق سُنَن الله في النمو الطبيعي لأي كائن.
وكذلك كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد أعطت لكل مرحلة حقها، ولم تطلب منها ما لا تحتمله ظروفها الاجتماعية وأحوالها النفسية وأوضاعها السياسية، فلم تتجاوز مرحلة إلى التي بعدها إلا بعد الاطمئنان إلى تمام المرحلة السابقة، فأقامت كيانها طبقًا عن طبق، وأعلت بنيانها سافًا بعد سافٍ، مما جعلها تسلم من الانتكاس، وتنجو من الارتكاس.
стр. 1472
بلغت الجمعية- بعد عشرين سنة من تأسيسها- أشدها، واستوت على سوقها، واستغلظ عودها وتجذرت مبادئها في عقول الجزائريين، ورسخت في قلوبهم، بعد أن رأوا بأعينهم وأدركوا ببصائرهم حجم التغيير النفسي والتطور العلمي والوعي السياسي الذي أحدثته، فعلقوا عليها آمالهم:
جمعية العلماء المسلمين، ومَن ... للمسلمين سواكِ اليوم منشود
خاب الرجآ في سواكِ اليوم، فاضطلعي ... بِائعِبْءِ، مذ فرَّ دجال ورعديد
أمانة الشعب، قد شُدت بعاتقكم ... فما لغيركمُ تُلقَى المقاليد (٢)
وأدركت الجمعية أن المسؤولية الملقاة على عاتقها- دينيا وعلميًا وسياسيًا- أكبر من طاقتها، وأضخم من إمكاناتها، فولَّت وجهها إلى أخواتها، وقررت أن تستغل عمقها الاستراتيجي، وهو العالم العربي والإسلامي.
لقد بدأت جمعية العلماء هذه المرحلة بفتح مكتب لها في آخر سنة ١٩٥٠ بالقاهرة، فهي أهم مركز حضاري وثقافي وسياسي في الشرق آنذاك، وهي مقر جامعة الدول العربية، وملتقى صفوةِ المفكرين وخِيرَةِ العلماء العرب.
ثم خطت الجمعية خطوة أخرى في خريف سنة ١٩٥١، فعينت كوكبة من العلماء ذوي السمعة الواسعة، والشهرة الذائعة، والمكانة الرائعة والمصداقية الكبيرة في أوطانهم وفي العالم الإسلامي، عينتهم رؤساء شرفيين لها (٣)، ليقوموا بالتعريف بها وبالقضية الجزائرية التي تجاهد في سبيلها في أوساطهم ولدى المسؤولين في أوطانهم.
ثم اتصلت مباشرة- بواسطة رئيسها الإمام الإبراهيمي- في آخر سنة ١٩٥١ بالوفود العربية والإسلامية في مؤتمر الأمم المتحدة الذي عقد بباريس، حيث "اقترح عرض قضية الجزائر على الجمعية العامة في دورتها الحالية" (٤).
ثم أوفدت رئيسها إلى المشرق في مارس ١٩٥٢، سفيرًا للجزائر، وناطقًا باسم شعبها، ومعرفًا بقضيتها، ومطالبًا- وهو من لا يعجزه بيان ولا يخونه لسان- بحق الأخ على أخيه، ومذكِّرًا بواجب الأخ نحو أخيه، "وأنها- الجمعية- لا ترضى بما دون الواجب، ولا ترضى لنفسها بالتصدق والامتنان والمجاملة" (٥).
стр. 1473
غادر الإمام الإبراهيمي الجزائر يوم ٧ مارس ١٩٥٢؛ موليًا وجهه شطر المشرق العربي، وكانت سمعته العلمية والسياسبة قد سبقته عن طريق ما سَلَفَ ذِكْرُه، وعن طريق جريدة البصائر التي كان الإمام يحرص على إرسالها إلى شخصيات مرموقة في المشرق، وعن طريق كثير من الطلاب العرب الذين كانوا يدرسون في فرنسا، وكانوا على صلة بشُعَب جمعبة العلماء فيها، وأصبحوا- بعد عودتهم- مسؤولين وأساتذة مثل محمد المبارك، وعمر بهاء الدين الأميري، وصبحي الصالح، وجميل صليبا.
كانت سفارة الإمام الإبراهيمي إلى المشرق متعددة المهام، متنوعة الجوانب. وقد جرى التركيز- حتى الآن- عند الحديث عن هذه السفارة على الجوانب التربوية والعلمية، وأُهمل الجانب السياسي المحلي والعري والإسلامي، وهو جانب لا يقل أهمية عن الجوانب، التربوية والعلمية إن لم يفقها.
إن الجانب السياسي لهذه السفارة سيتجلَّى إِنْ قُدِّر للوثائق الرسمية للدول التي زارها، ولجامعة الدول العربية أن تنشر، أو ظهرت مذكرات الشخصيات السياسية التي التقى بها، أو اُطُّلعِ على تقارير السفارات والقنصليات والمخابرات الفرنسية في تلك الدول في ذلك العهد.
إنه ليس معقولًا أن يلتقي الإمام الإبراهيمي- ذو النظرة الشمولية للقضايا- ملك دولة أو رئيسها مدة ساعة أو أكثر؛ ليقتصر في حديثه معه على قبول عددٍ من الطلبة الجزائريين في معاهد وجامعات بَلَدِ ذلك الملك أو الرئيس، كما أنه ليس معقولاً أن يقبل الإمام أن تطول سفارته حولين كاملين (٥٢ - ٥٤) من أجل الحصول على عددٍ من المنح مهما كَثُر، لو لم يكن السعي لتحرير الجزائر هو الهدف الحقيقي لرحلته.
إن الذي يقرأ- بتمعن- بعض ما كتبه الإمام الإبراهيمي في هذين السنتين يُحِسُّ البعد السياسي لمهمته، المتمثل في السعي لتحرير الجزائر، فقد جاء في مقاله الرائع "تحية غائب كالآيب" (٦)، وهو يخاطب وطنه: " ... وأما فِراقك فشدة يعقبها الفرج"، ويصف عمله في الشرق بأنه "سعيٌ في كشف غمتك"، ويَهوِّنُ عليه غيابه "فلا يَهُولَنَّك فراغك مني أيامًا، فعسى أن يكون المسك ختامًا، وعسي أن تسعد بآثار غيبتي أعوامًا"، ويبعث بتحياته إلى الشباب الجزائري ويُذَكِّر بالمهمة التي أُعِدُّوا لها " ... ومن شُبَّان ربيناهم للجزائر أشبالًا، ووترناهم لعدوها قِسِيًّا ونِبالًا، وصوَّرنا منهم نماذج للجيل الزاحف، بالمصاحف، وعلمناهم كيف يُحْيُون الجزائر، وكيف يَحْيَون فيها".
стр. 1474
وقد بيَّن في مذكراته إلى جامعة الدول العربية أن غاية الجمعية "هي تحرير الشعب الجزائري" (٧)، و"أنها بدأت بتحرير العقول تمهيدًا للتحرير النهائي" (٨)، وأنها "تربيه لا على المطالبة بحقه؛ بل أخذ حقه بيده" (٩)، وذكَّر هذه الجامعة بأنها "ملزمة- بروح ميثاقها- أن تحرر كل عربي بالمستطاع من وسائلها" (١٠)، وأنها "إذا كانت لا تستطيع تحرير الجزائر عسكريًا لاستحالة ذلك في الوقت الحاضر، فلا أقل من أن تعاوننا بالحظ الأوفر على تحرير العقول" (١١)، مع مطالبة "حكوماتنا العربية أن تقف موقف الحزم والصلابة من فرنسا المتعنتة" (١٢)، وفي هذا الإطار يندرج اجتماعه باللجنة السياسية لجامعة الدول العربية وطلبه منها "أن تُعْنى عناية خاصة بالقضية الجزائرية، وتساعد الشعب الجزائري على الحصول على حقه في تقرير مصيره" (٨٣).
والذي أراه هو أنه ما مَنعَ الإمام الإبراهيمي من إبراز هذا الجانب السياسي في سفارته، والتركيز عليه في كتاباته في الصحف والمجلات، وفي ندواته الصحفية، وأحاديثه الإذاعية، وخطبه الجماهيرية، إلا خشيته من انتقام فرنسا من مدارس جمعية العلماء بإغلاقها، وبطشها بمعلمي الجمعية بسجنهم، ونتيجة ذلك كله حرمان آلاف التلاميذ، وضمهم إلى أضعاف أضعافهم المشردين في الشوارع. أما في المجالس الخاصة فكان حديثه "عن استقلال الجزائر وتحريرها من نير الاستعمار" (١٤).
لم يُنْس الإمامَ الإبراهيمي همُّ وطنه همومَ أشقائه في المغرب وتونس، فبعث برقيات احتجاج وتنديد إلى المسؤولين الفرنسيين على موقفهم تجاه السلطان الشرعي للمغرب محمد الخامس، الذي بعث إليه برقية يذكِّرُه فيها "أن التفريط- في الأمانة- خيانة لله وللوطن والتاريخ" (١٥)، وطالب الجامعة العربية "اتخاذ موقف أسرع وأجرأ وأحزم" (١٦)، كما أثار القضية التونسية- في رحلته إلى باكستان- مع وزير خارجيتها، وخصها بكلام مؤثر في مؤتمره الصحفي هناك (١٧).
стр. 1475
إن الإمام الإبراهيمي يؤمن أن أكبر عللنا التي أطمعت أعداءنا فينا، وأطالت أيامهم في بلداننا هي تفرق كلمتنا، وتمزق شملنا، وتصدع صفنا؛ فقضى حياته داعيًا إلى الوحدة، جامعًا للشمل، راتِقًا للصف بين أبناء الوطن الواحد وبين أقطار الأمة. وقد صادف وجوده في المشرق بداية الخلاف بين حكومة الثورة المصرية وبين جماعة الإخوان المسلمين، فاستغل مكانته لدى الفريقين، وسعى- بوازعه الديني، وحسه السياسي- إلى رأب الصدع، فاجتهد "أن يسد- بينهما- الفجوة" (١٨).
لقد شغلت وحدةُ المسلمين فكر الإمام الإبراهيمي، وملكت عليه مشاعره، وأخذت نصيبًا موفورًا من كتاباته، ومحاضراته، ونصائحه للحكام ولقادة الأحزاب. وهو ينظر إليها- كما أسلفت- من زاويتين: الزاوية الدينية، فالمؤمنون إخوة، وأمة واحدة بنص القرآن الكريم، وهم جسم واحد بنص حديث رسول الله ﷺ ؛
والزاوبة السياسية لدرء الأخطار التي تحيط بهم، وجلب المنافع إليهم. وقد ضرب لهم المثل بالغرب الذي يفرقه كل شيء، ويوحِّدُه الكيدُ للمسلمين، حتى يصبح ذلك الكيد كَالرَّحِمِ "يرعاها الغربي للغربي" وأنه لولا- تلك الغَرْبِيَّة- ما استعبدت السبعة سبعين (١٩).
من أجل ذلك اعتبر الإمام الإبراهيمي "السبب الأكبر لرحلتي هذه بعد الدراسة والتعارف هو السعي في إحياء الجامعة الإسلامية التي هي خير ما يجتمع عليه الشرق وأممه وملله" (٢٠)، فجدد- بذلك السعي- هذه الفكرة التي كان الغرب يرتعد لمجرد ذكرها، لأن معناها بروز كتلة سياسية على المسرح العالمي، تهتدي بالإسلام وتتخذه شرعة ومِنْهاجًا، ويتعاون أجزاءها للتخلص من السيطرة الأجنبية سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، بل وتقدم للبشرية مشروعًا حضاريًا قويمًا يحررها من إرهاب الشيوعية غير الفطرية، وينقذها من استغلال الرأسمالية غير الخلقية.
إن أولى الناس بالتجاوب مع الإمام الإبراهيمي في كل ما دعا إليه هم نُظراؤه من العلماء، ولكن يبدو أنه كان كمن يطرق حديدًا باردًا؛ نستشف ذلك من مقاله القيم "وظيفة علماء الدين" (٢) ومقاله "متى يبلغ البنيان؟ " (٢٢).