سجع الكهّان *
- ٥ -
والعتاق الضمر، والعقبان والحمَّر (١)، والهامة ودُمَّر (٢)، والزامر إذا زمّر، والخادع وما دمّر، والعامر إذا عمّر، والشمّري إذا شمّر، ومن حبس الجيوش جمَّر، ومن
دخل ظفار فحمَّر (٣)، إن للظماء مآرب في ماء مارب (٤)، إنها تلوب على مطلوب، كوَّنه الحيا فكوّن به الحياة، فلا تجد إلا السراب والخراب والغراب.
يا عاد، أودى درم (٥)، فما عاد، ويا سبأ، هل كنت من سيل العرِم على ميعاد؟ أغنى أسلافك عن ماء مأرب، ماءُ يثرب، وبرَّد أحشاءهم ماءُ بردى، واتخذ أبناء قَيْلَة في ظلال النخل مقيلًا، واتخذت غسّان منه (٦) إلى جنان الشام سبيلًا، فماذا أغنى أخلافك اليوم؟ إنهم عُراة، بالسَّراة، وظماء بلا ماء، ورعية لراعٍ غير ترعية (٧)، حطّمهم رعاة البر، فأصبحوا خولًا لرعاة البحر، حفَّ مارب وروافده، فخرب اليمن ومحافده.
يا أخلاف لم يسبق مخلاف، بنيتم السد وأحكمتم للثغور السد، وأحسنتم لأواخي الأخوّة الشدّ، وجددتم للأبناء ما بناه الجدّ. هلّا وجهتم العناية إلى هذه الآية. ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾. إنها- وأبيكم- عبرة العبر، في وصْل المبتدإ بالخبر، أين الجنتان عن يمين وشمال؟ وأين البلدة الطيبة؟ إنها اليوم رمال، وأين القرى الظاهرة والعمارة
стр. 1402
المتكاثرة؟ إنها اليوم قفار، وأين تقدير السير بالأميال، لتيسير الاتصال؟ إنها اليوم مجاهل، يضلّ فيها القطا، ويقطع فيها من المطايا المطا (٨). أجدبت الخمط والأثل، فضلًا عن الكرم والنخل.
أعرض أسلافكم عن هدى الله فباعد بين أسفارهم، وجعلهم أحاديث، ومزقهم كل ممزق. وأعرضتم عن سنن الله فباعد بين قلوبكم، وكنتم أهون عليه من أن يُسَيَّر فيكم حديث، أو يسطّر في شأنكم قصص، أولئك أخذوا على قوّة، فالأحاديث عنها تملأ المسامع، وتهزّ المجامع؛ وأنتم أخذتم على ضعف وانحلال، فالحديث عنكم لا يُثير عزّة، ولا ينير السبيل إلى قدوة.
لو بذل الكُهّان، ما عزَّ وما هان، في أن يأتوا بمثل قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ لما حصّلوا، ولو رقوا إلى سماء البلاغة بسلّم وكان فيهم العض (٩) والملهم والمكلم، لما وصلوا؛ جلّ كلام الله، وقلّ كلام الكاهن.
...
يا أسلاف، ورّثتم الحكمة وسيّرتم الأمثال والفِقَر، وعمرتم من التاريخ صحائف بالمحامد، وشغلتم القرون بالحديث عنكم، وشدتم الباقيات للحضارة، وزيّنتم الحياة بالقوة والبأس الشديد، وسبقتم العالم إلى موارد العزة في الدنيا، ووقفتم في نصف هذه الكرة تحكمون وتتحكّمون، وتصلون شرقها بغربها وتقسمون، فبدتم وما بادت آثاركم ولا أخباركم.
ويا أخلاف، ماذا صنعتم؟ وبماذا اقتنعتم؟ هذه آثار سلفكم، عرف الغريب مواقعها، وجهلتم مواضعها، فهل النسب مدخول؟ أو الانتساب غير منخول؟ ويلكم! إن الألوان، على الدلالة أعوان، سوّد بنو العباس لسؤددهم، وبيَّض العلويون لطهارتهم، وخضَّر العبيديون لدعواهم ودعايتهم، وزرّقتم (١٠) ... لماذا؟ ...
كاهن الحي
стр. 1403
سجع الكهّان *
- ٦ -
أقسم بالذيب الأطلس، والثعبان الأملس، إن المتجر بالأحرار لمُفلس، وإن العاقل بين الأشرار لمُبلس، وإن العربيّ لزنيم إذا بقي في المجلس (١)، ذهب العز الأقعس، وحلّ الجد الأتعس، ونزل من غِيَر الزمان ما أنسى النسيب في الكثيب الأوعس، والتشبيب بالثغر الألعس.
أيها الهائمون في البيد، النائمون على الذل المبيد، الراضون بعيشة العبيد، على البرير والهبيد (٢) لن تزالوا كذلك أبد الأبيد، لا عمر لُبَدِ أو لبيد، حتى تعملوا بقول الشاعر: ومَن ومَن، فهو دين كل زمن (٣).
كتب الله أن الصداقة مطوّية على العداوة، وأن الحضارة متصلة الطرفين بالبداوة، وأن في الإنسان جبلة من الحيوان، ما زال في النزوع إلى أصلها غير وان، وأن الضعيف طعام للقوي، وأن الرشيد في أبناء آدم مجرور بالغوي، وأن من لم تبسُط يدك لتقتله بسط يده لقَتْلك، وأن من قصرت في ختله جدّ في ختلك.
...
ثارٌ للغرب في فلسطين، لم تنبُت عليه شجرةٌ من يقطين، وشياطين تنزو للإغراء إثر شياطين؛ ويوم في أعناقكم بيوم حطّين، تنسيه غريزة الماء والطين، فتذكره نُعرة الجنس
стр. 1404
والدين، أنَسيتم يوم تنادوا مُصْبِحين، وتعادوا مسلّحين، وتداعوا مصطلحين، وتعاووا من كل حدب، وتهاووا من كل صبب، ذؤبان تقدمها رهبان، وغربان تظلّلها صلبان، بنفوس من الحقد ثائرة، وقلوب بالبغضاء فائرة، تنازعكم إرث الإسلام، ومعراج نبي السلام؟ أنسيتم ما فعله صلاح الدين بالمعتدين؟ إن نسيتم أمسكم فهم له ذاكرون، وإن كفرتم بيومكم فهم له شاكرون. أين كنتم يوم أعطوا العهود لليهود؟ أم أين كنتم يوم جاءوكم بالفهود في المهود؟ أم أين كنتم يوم آمنوا بإسحاق وكفروا بهود؟ كلّ ذلك وقع وأنتم شهود، ولكنهم كانوا أيقاظًا وأنتم رقود، أمعنوا في الاستعداد وأمعنتم في الرُّقاد، اعتمدوا على العلم و (الريال) واعتمدتم على الجهل والخيال، جاءُوكُم بصف واحد كملمومة الصخر، وجئتموهم بصفوف متخاذلة، جاءُوكُم على قلب رجل واحد، وجئتموهم بقلوب متنافرة، قادهم إلى الظفر قائد واحد ورأيٌ جميع، وقادكم إلى العار قوّاد متشاكسون ورأيٌ شتيت، ما أضاع السيادة إلا توزيع القيادة، اجتمعوا وافترقتم، فسَلِموا واحترقتم.
تالله ما ضاعت فلسطين اليوم، ولكنها ضاعت يوم وُعدوا بها، فركنوا إلى العمل، وركنتم إلى الكلام، بل ضاعت قبل ذلك بقرون، منذ نبت قرن صهيون، فتماريتم بالنذر، ولم تأخذُوا الحذر.
لا تقولوا إن شرّ دين، ما جرّ التشريد للمتشرّدين، فإن شرًّا منه عقلكم الذي جرّ العار للعرب أجمعين، وكرّ بالخزي على جميع المسلمين.
...
جاء النصر من مصر، فلماذا تخلَّفت البصرة عن النصرة؟ قلب وجف بالنجَف، بعد ما رقأ الدمُ وجفّ، وآخر خفق بالمنتفق، بعد مغيب الشفق وافتراق الرّفق، ما أغنى الخفوق من قلب الشّقوق، وما أجدى الوجيف بعد ما سدَّ الباب وأجيف (٤).
أيها العرب: بعضكم أبرار، وجلكم أشرار، وكلكم أغرار ...
كاهن الحي
стр. 1405
سجع الكهّان *
- ٧ -
بارقٌ في برقة، شمنا من بعيد برقه، فإذا أصوات رجعُها في الآذان خلاف وفرقة، ووقعُها في النفوس أسى وحُرقة، وإذا فرق من رفاق الجهاد تُعادي فرقة فرقة، وإذا إنتاج ذلك كله وليد في خرقة، وقابلةٌ تجهد في الأهباط وتقول: ارقهْ. وإذا الغرب من ذلك الهيكل الملموم يُزايل شرقَه، وإذا الوتد مفروق، والقاعدة فروق، والحمى بالشعواء الصامتة مطروق، وصُواع بني الأب بأيدي بني الأم مسروق، وإذا القيصرية- المحروبة في كل وطن- تبدو في هذا الوطن المحروب قرونها، ويأبى إلا التقحم في المهاوي حرونها، وإذا صفحة من تاريخ ملوك الطوائف تُعاد، فتلقى ممن يعيشون على التفريق الإسعاد.
أي جيران الشمال، ومعاقد الآمال، أعيذكم بالعروبة وهي الأمّ، وبالوطن وهو الهمّ والأمّ، وبعمر، حادي الزّمر، عمر الشهيد، وما عهده بالعهيد، وبما أرقتم من دموع ودماء، لم يبق منها إلا الذماء، وبالإسلام- وهو الذِّمام- أن تختلفوا في الحق، فترضوا بالشقّ، أو توسعوا الشقّ، فتقعوا جميعًا في الرقّ، وأعيذكم أن تغتروا بالوعود الخالبة من الدول الغالبة، فإنما ذلك إبساس من الأيدي الحالبة، وأعيذكم أن تُنْكروا التقسيم وأنتم منقسمون، وأعيذكم أن يكون غرب النيل كشرق الأردن ... وأعيذكم أن ترضوا بالخفض، ولا تقبلوا (الضم)، إن الضم علامة (البناء)، وآية (استقرار) البناء، فاجهدوا في إثبات الضم وخلاكم ذم.
إن هؤلاء الأقوياء كلما عجزوا عن قيادة الجمع قادوهم بواحد ... فاحذروا ذلك الواحد، وإن الجانب الغربي لكم عدوٌّ، فاتّخذوه عدوًّا، واحذروه رواحًا وغُدوًّا، واحذروه قلقًا وهدوًّا.
стр. 1406
ويحَ فزّان، هل أتاها نبا وزَّان؟ شال بها الميزان، فهي رهينة أحزان.
وويح برقة البوارق، من الدخيل الطارق، ومن الأصيل المارق، ومن اللص السارق.
عتبات الفتح بنيت على الكسر، وآسرة الصيد مُنيت بالأسر، وصائدة المناسر (١) صادها النسر، وجسر العروبة إلى المغارب، عصفت به الأعاصير ... فتداعى الجسر، وباذلو الماعون في ساعة العُسْر، جُزُوا في العاقبة بالخسر، ثم كانت خاتمةُ الكيد، إرجاعهم إلى القيد.
كاهن الحي
стр. 1407
شخصيات
عدّة شخصيات تناولتها البصائر، إما بالتقريظ والمدح، أو بالغرض والقدح، وكلها بقلم جامع هذا الكتاب محمد البشير الإبراهيمي، الذي يرجو أن يكون ما وصف به هذه الشخصيات صادقًا مطابقًا لحقيقة الموصوفين به.
стр. 1408
عبد الحي الكتاني *
ما هو؟ وما شأنه؟
ــ
في لغة العرب لطائف عميقة الأثر، وإن كانت قريبةً في النظر؛ ومنها التسمية بالمصدر والوصف به؛ يذهبون بذلك إلى فجّ من المبالغة سحيق، تقف فيه الأذهان حسرى، ويغالَط به الحسّ فيتخيّل ذوبان الموصوف وبقاء الصفة قائمةً بذاتها؛ كأن الموصوف لكثرة ما ألحّت عليه الصفة وغلبت أصبح هو هي أو هو إياها؛ وعند الخنساء الخبر اليقين حين تقول:
* فإنما هي إقبال وإدبار *
وعلى هذا يقال في جواب ما هو عبد الحي؟ هو مكيدة مدبّرة، وفتنة محضرة؛ ولو قال قائل في وصفه:
شّعْوَذَةٌ تَخْطِرُ فِي حِجْلَيْنِ ... وَفِتْنَةٌ تَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ
لأراح البيان والتحليل، كما يقول شوقي؛ ولعفّى على أصحاب التراجم، من أعاريب وأعاجم، ولأتى بالإعجاز، في باب الإيجاز؛ إذ أتى بترجمة تُحمَل ببرقيّة، إلى الأقطار الغربية والشرقية، فيعمّ العلم، وتنتشر الإفادة، وتذيع الشهرة ... ولو أن الرجل وصف نفسه وأنصف الحقيقة في وصفها لما زاد على هذا البيت، ولو شاء "تخريج الدلالات السمعية" (١) على ذلك لَما أعجزه ولا أعوزه؛ ولكن أين من عبد الحي ذلك الإنصاف الذي لم يخلُ منه إلا شيخ الجماعة الذي حادّ الله وقال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
стр. 1409
وإذا أنصفنا الرجل قلنا: إنه مجموعة من العناصر منها العلم ومنها الظلم، ومنها الحق ومنها الباطل؛ وأكثرها الشرّ والفساد في الأرض- أُطلق عليها لكثرتها واجتماعها في ظرف- هذا الاسم المركّب الذي لا يلتقي مع الكثير منها في اشتقاق ولا دلالة وضعية، كما تُطلق أسماءُ الأجناس المرتجلة، وكما يُطلِق علماء الكيمياء على مركّباتهم أسماءَ لا يلمحون فيها أصلًا من أصولها، ومن الأسماء ما يوضع على الفال والتخيّل، فيطيش الفال، وتكذب المخيلة، ومنها ما يوضع على التوسع والتحيّل، فيضيق المجال، وتضيع الحيلة، وإن اسم صاحبنا لم يصدُق فيه إلا جزءُه الأول، فهو عبد لعدّة أشياء جاءت بها الآثار وجرت على ألسنة الناس، ولكن أملكها به الاستعمار؛ أما جزءُه الثاني فليس هو من أسماء الله الحسنى، ولا يخطر هذا ببال مؤمن يعرف الرجل، ويعرف صفات عباد الرحمان، المذكورة في خواتيم سورة الفرقان، وإنما هو بمعنى القبيلة، كما يقال كاهن الحي وعرّاف الحي وعير الحي، وقبّح الله الاشتراك اللفظي، فلو علم العرب أنه يأتي بمثل هذا الالتباس لطهروا منه لغتهم، وتحاموه فيما تحاموا من المستهجنات، ولو أدرك نفاة الاشتراك في الاستعمالات الشرعية زمن عبد الحي، أو أدرك هو زمنهم وعرفوه كما عرفناه لكان من أقوى أدلّتهم على نفيه، ولارتفع الخلاف في المسألة وسجّل التاريخ منقبة واحدة لعبد الحيّ، وهي أن اسمه كان سببًا في رفع خلاف ...
وإذا كانت أعمال الشخص أو آثار الشيء هي التي توضع في ميزان الاعتبار وهي التي تُناط بها الأحكام فهذا من ذاك ولا عتب علينا ولا ملام.
وكأن صاحبنا شعر ببعض هذا- ومثله من يشعر- فموّه اسمه ببضع كنى، ولكنه لم يجرِ فيها على طريقة العرب في تكنية أنفسهم، بل كنى نفسه بأبي الإقبال، وأبي الإسعاد، وما أشبه ذلك مما هو غالب في كُنى العبيد، تفاؤلًا وتروّحًا، وقد رأينا بعض من كتب لعبد الحي، أو كتب عليه، يكنيه بأبي السعادات، وهو لا يعني سعادات ابن الشجري، ولا سعادات ابن الجزري، وإنما يعني سعادات ثلاثًا لكل واحدة منهن أثرٌ في تكوينه أو في شهرته: جريدة "السعادة" لأنها تُطريه، وقرية بو"سعادة" لأنها تُؤويه، ونسخة أو جزءًا من البخاري بخط ابن "سعادة" لأن الخزانة الجليلة تحويه، والرجل مفتون بهذا النوع من الكُنى لنفسه ولغيره، يُغرب فيها ويُبدع حتى كنى الشيخ النبهاني بأبي الحجاز.
هذا وإن لصاحبنا أولادًا صالحين يشرّفه أن يكتنى بأحدهم، فلماذا لم يفعل؟ ...
***
стр. 1410
من سنن العرب أنهم يجعلون الاسم سمة للطفولة، والكنية عنوانًا على الرجولة. لذلك كانوا لا يكتنون إلا بنتاج الأصلاب وثمرات الأرحام من بنين وبنات، لأنها الامتداد الطبيعي لتاريخ الحياة بهم، ولا يرضون بهذه الكُنى والألقاب الرخوة إلا لعبيدهم، وما راجت هذه الكُنى والألقاب المهلهلة بين المسلمين إلا يوم تراخت العرى الشادّة لمجتمعهم، فراج فيهم التخنّث في الشمائل، والتأنّث في الطباع، والارتخاء في العزائم، والنفاق في الدين؛ ويوم نسِي المسلمون أنفسهم فأضاعوا الأعمال التي يتمجّد بها الرجال، وأخذوا بالسفاسف التي يتلهّى بها الأطفال، وفاتتهم العظمة الحقيقية فالتمَسوها في الأسماء والكُنى والألقاب؛ ولقد كان العرب صخورًا وجنادل يوم كان من أسمائهم صخر وجندلة، وكانوا غصصًا وسمومًا يوم كان فيهم مرّة وحنظلة؛ وكانوا أشواكًا وأحساكًا يوم كان فيهم قتادة وعوسجة. فانظر ما هم اليوم. وانظر أيّ أثر تتركه الأسماء في المسمّيات. واعتبر ذلك في كلمة (سيدي) وأنها ما راجت بيننا وشاعت فينا إلا يوم أضعنا السيادة، وأفلتت من أيدينا القيادة. ولماذا لم تشِع في المسلمين يوم كانوا سادة الدنيا على الحقيقة؛ ولو قالها قائل لعمر لهاجت شرّته، ولبادرت بالجواب درّته.
كُني المعرّي وهو صغير بأبي العلاء، ولو تزوّج كالناس وولد له لسمّى أكبر أولاده العلاء؛ وهو اسم عربي فخم تعرف منه كتب السير أمثال العلاء بن الحضرمي، ولكن المعرّي لمّا عقل وأدرك سخافة القصد من كنيته قال هازئًا: "كُنيتُ وأنا وليد بالعلاء فكأن علاءً مات، وبقيت العلامات"؛ وأين إسعاد عبد الحي من علاء المعري؟
...
عرف الناس وعرفنا عرفان اليقين وعلمنا حتى ما نسائل عالمًا، أن هذا الرجل ما زال منذ كان الاستعمار في المغرب- لا كانا- آلةً صمّاءَ في يده، يديره كما شاء، ويريده على ما شاء. يحرّكه للفتنة فيتحرّك، ويدعوه إلى تفريق الصفوف فيستجيب، ويندبه إلى التضريب والتخريب فيجده أطوع من بنانه، ويريد منه أن يكون حمّى تُنهك، فيكون طاعونًا يُهلك؛ وأن يكون له لسانًا، فيكون لسانًا وأذنًا وعينًا ويدًا ورجلًا ومقراضًا للقطع، وفأسًا للقلع، ومعولًا للصدع، وما يشاء الاستعمار إخماد حركة، إلا كانت على يديه البركة، وما يشاء التشغيب على العاملين للصلاح، والمطالبين بالإصلاح، إلا رماهم منه بالداهية النكراء والصيلم الصلعاء؛ وما يعجزه الاضطلاع بعبء، أو الاطلاع على خبء، إلا وجد فيه البغية والضالة؛ وما يشاء التشكيك في رأي جميع، أو التشتيت لشمل مجموع، إلا وجد فيه المشكّك المحكّك، والخادم الهادم؛ وقد تهيّأتْ فيه أدوات الفتنة كلها حتى كأنه أُعدّ لذلك إعدادًا خاصًا. وكأنه "مصنوع بالتوصية"، وكأنما هو رزق مهيّأ مهنأ للاستعمار، وما
стр. 1411
زال الاستعمار مرزوقًا بهذا النوع؛ فالرجل شريف أولًا، وعريق في الشهرة ثانيًا، وطرقي ثالثًا، وعالم رابعًا، وكل واحدة من هذه فتنة لصاحبها بنفسه وللناس به، فكيف بهن إذا اجتمعن؟ وكيف بهن إذا كان اجتماعُهنّ في غير موفّق؟ والرَّجُل بارع يستخدم كل واحدة من هذه في ميدانها الخاص، ويستخدمها جميعًا في الميدان العام: يستخدم العلم في الشهرة، والطرقية في الفتنة، فإذا حزب الأمر اتخذ من أحدهما طليعة، ومن الآخر جيشًا، ومن الشهرة أو الشرف ردءًا؛ ولكن أغلب النزعات عليه، النزعة الطرقية لأنها أكثر فائدة، وأجدى عائدة، وأقرب سبيل، في باب التضليل، ناهيك بدعوى لا يحتاج صاحبها إلى إقامة دليل.
...
كان بلاءُ هذا الرجل محصورًا في محيط، ومقصورًا على قطر، وكان إخواننا في المغرب يعالجون منه الداء العضال، وكنا نعدّ أنفسنا آثمين في السكوت عنه، وفي القعود عن نصرة إخواننا في دفع هذا البلاء الأزرق، فلما تنبّهت عقولهم لكيده، وتفتّحت عيونهم لمكره، وتهاوت عليه كواكب الرجم من كل جانب، فبطل سحره، وقصّرت رُقاه عن الاستنزال، وضلّ سعيه، وقلّ رعيه، انقلب استعمارًا محضًا قائمًا بذاته، وهاج حقده على الأحرار والسلفيين فترصّد أذاهم في الأنفس والأموال والمصالح، وأصبح كالعقرب، لا تلدغ إلا من يتحرك ...
ولكن السوأة التي لا توارى، والزلّة التي تضيق عنها المغفرة، والعظيمة التي يستحي الشيطان أن يوسوس بها، والشنعاء التي لا يقدم عليها إلا من بلغ رتبة الاجتهاد المطلق في علم الشر، هي اجتراؤه في فورة الاستعمار الأخيرة على أعلى رمز تتمثّل فيه أماني الوطن، وأمنع كنف يلوذ به السلفيّون الأبرار، والوطنيون الأحرار.
إن الخطايا قد تحيط بصاحبها فيقتل نفسه مثلًا، ولكن ما صدّقنا أن الحال ينتهي به إلى قتل أمّة إلا هذه المرّة، وإن الزلل ليرسخ إلى أن يصير خلقًا وعادة، ولكن ما عَهِدنا أنه يفضي بصاحبه إلى هذه الدركة التي لا تُبلَغ إلا بخذلان من الله، وما كنا نتصور أنّ شرّ شرّير يتّضع قدره إلى هذا الحدّ، أو يتّسع صدره لحمل هذا الوسام، وسبحان من يزيد في الخَلق ما يشاء.
وكأن الرجل أخذ فيما أخذ عن الاستعمار طريقة التوسّع، وكأنه أصغر المغرب- على سعته- أن يكون مجالًا لألاعيبه ومكايده، فجاوز في هذه المرّة الحدود، وتخطّى الأخدود، واندفع إلى الجزائر وتونس ليبثّ فيهما سمومه، ويتخذ منهما ملعبًا جديدًا لرواياته التي منها
стр. 1412
مؤتمر الزوايا بالجزائر، وليقوم للحكومة بما عجزت عنه من استئلاف النافر، واستنزال العاقّ، وليوحّد بين الأقطار الثلاثة ولكن بالتفريق، ولينقذها من البحر ولكن بالتغريق.
كان عبد الحي فيما مضى يزور هذا الوطن داعيًا لنفسه أو مدعوًّا من أصدقائه، وهم طائفة مخصوصة، فكنّا نولّيه ما تولّى، ولا نأبه له، وكانت تبلغنا عنه هنات كاختصاصه بالجهّال وهو عالم، وانتصاره للطرقية وهو محدّث، إلى هنات كلها تمسّ شرف العلم وكرامة العالم، فكنّا نحمّله ما تحمّل ولا نبالي به، وكان يزور لمامًا، ويقيم أيامًا، ولكنه- في هذه المرّة- جاء ليتمّم خطّة، ودخل الباب ولم يقل حطّة، وصاغ في الجزائر حلقات من تلك السلسلة التي بدأ صنعها في المغرب، دلّتنا على ذلك شواهد الأفعال والأقوال والملابسات والظروف، ثم زار تونس ليؤلّف فيها "تكميل التقييد" (١) وكأنه يتحدّى بهذه الرحلة الطويلة رحلة أبي الحسن المريني (٢) ... وشتّان ما بين الرحلتين. تلك كانت لتوسيع الممالك، وهذه كانت لتوزيع المهالك، ويا ويح الجزائر المسكينة، كأن لم تكفها الفتن المتماحلة حتى تزاد عليها فتنة اسمها "مؤتمر الزوايا"، ولم تكفها النكبات المتوالية حتى تضاف إليها نكبة اسمها "عبد الحي".
إن في رحلة عبد الحي هذه لآيات، منها أن الحكومة أحسّت بإعراض من رجال الزوايا، وانصراف عما تريده منهم بطرقها القديمة، فأرادت أن تؤيّد قوّة القهر بقوّة السحر، فكان عبد الحيّ الساحر العليم، وآية ذلك أنه زار كل واحد من مشايخ الطرق في داره، وأقام عنده الليالي والأيام، ونعتقد أنه تعِب في إقناع الجماعة ولمِّ شملهم، وقد سمعنا من عقلائهم عبارات التشاؤم بمقدمه في هذه الظروف، والتبرّم بتكاليفه في هذه السنوات العجاف، وإن ضيافة هذا الرجل وحدها لأزمة مالية مستقلّة، ولو كان للجماعة شيء من الشجاعة لولّوه الظهر، وصارحوه بالنهر، ولكن الشجاعة حظوظ، والصراحة أرزاق.
...
ويقال، في جواب ما شأنه، إنه الشأن كله، ونقسم بالله الذي خلق الحيَّ وعبد الحيّ، أنه لولاه لما خطر مؤتمر الزوايا على بال واحد منهم، حاشا حواريَّ عبد الحي بتلمسان، وهو
стр. 1413
رجل ليس فيه من صفات الحواريين إلا الصيد، وليس هو من الزوايا في قبيل ولا دبير، ونحن أعرف بالجماعة من عبد الحي، وقد انصرفوا في السنوات الأخيرة إلى أعمالهم الخاصة وساروا في هوى الأمّة، وشاركوا في مشاريعها العامة بقدر الاستطاعة؛ ولو سمعوا نصائحنا لتولّوا قيادتها من جديد ولكن بالعلم وإلى العلم، وعلى ما هم عليه فإن القسوة لم تبلغ بهم إلى حدّ معاكسة شعور الأمّة، حتى يُعرِسوا في مأتمها، لولا هذا المخلوق.
ثم نسأل عبد الحي: لماذا لم يفعل في المغرب ما فعله في الجزائر، فيجمع الزوايا على الدعوة إلى التعليم؟ إنه لم يفعل لأنه لا يرى زاوية قائمة إلا زاويته، وكلّ ما عداها فمنفرجة أو حادّة كما يقول علماء الهندسة، ونسأل رجال الزوايا: لماذا لم يجتمعوا لمؤتمرهم قبل مجيء عبد الحي؟ وهل هم في حاجة إلى التذكير بلزوم العلم والتعليم حتى يأتيهم عبد الحي بشيء جديد في الموضوع؟
يا قوم، إن الأمر لمدبَّر، إن الأمر لمدبّر علمه مَن علِمه منكم وجهِله مَن جهِله، وما نحن بمتزيّدين ولا متخرّصين.
ولو أن عبد الحي كان غير من كان، ونزل باسم العلم ضيفًا على الأمّة الجزائرية غير متحيّز إلى فئة، وغير مسيّر بيد، وغير متأبّط لشرّ، للقي منها كل إكبار وتبجيل ولو أضافته على الأسودين التمر والماء، وإن ذلك لأعظم إعلاءً لقدره، وإغلاءً لقيمته.
...
ولقد كان من مقتضى كون الرجل محدِّثًا أن يكون سلفيّ العقيدة وقّافًا عند حدود الكتاب والسنَّة، يرى ما سواهما من وسواس الشياطين، وأن يكون مستقلًّا في الاستدلال لما يؤخذ ولما يترك من مسائل الدين، وقد تعالت همم المحدّثين عن تقليد الأئمة المجتهدين، فكيف بالمبتدعة الدجّالين؛ وعرفوا بالوقوف عند الآثار والعمل بها، لا يعْدونها إلى قول غير المعصوم إلا في الاجتهاديات المحضة التي لا نصّ فيها؛ ولكن المعروف عن هذا المحدّث أنه قضى عمره في نصر الطرقية وضلالات الطرقيين ومحدَثاتهم بالقول والفعل والسكوت، وأنه خصم لدود للسلفيين، وحرب عوان على السلفية، وهل يرجى ممن نشأ في أحضان الطرقية، وفتح عينيه على ما فيها من مال وجاه وشهوات ميسّرة ومخايل من المُلك، أن يكون سلفيًّا ولو سلسل الدنيا كلها بمسلسلاته؟
إن السلفية نشأة وارتياض ودراسة، فالنشأة أن ينشأ في بيئة أو بيت كل ما فيها يجري على السنّة عملًا لا قولًا؛ والدراسة أن يدرس من القرآن والحديث الأصول الاعتقادية، ومن السيرة النبوية الجوانب الأخلاقية والنفسية، ثم يروّض نفسه بعد ذلك على الهدي المعتصر من تلك
стр. 1414
السيرة وممن جرى على صراطها من السلف، وعبد الحي محدّث بمعنى آخر، فهو "راوية" بكل ما لهذه الكلمة من معنى. تتصل أسانيده بالجن والحن ورتن الهندي (٤) وبكل من هبّ ودبّ. وفيه من صفات المحدّثين أنه جاب الآفاق، ولقي الرجال، واستوعب ما عندهم من الإجازات بالروايات، ثم غلبت عليه نزعة التجديد فأتى من صفات المحدَثين (بالتخفيف) بكل عجيبة، فهو محدّث محدِث في آن واحد؛ وهمّه وهمّ أمثاله من مجانين الرواية حفظ الأسانيد، وتحصيل الإجازات، ومكاتبة علماء الهند والسند للاستجازة، وأن يرحل أحدهم فيلقى رجلًا من أهل الرواية في مثل فواق الحالب، فيقول له: أجزتُك بكل مروياتي ومؤلفاتي إلى آخر (الكليشي) (٥)؛ فإذا عجز عن الرحلة كتب مستجيزًا فيأتيه علم الحديث بل علوم الدين والدنيا كلها في بطاقة ... أهذا هو العلم؟ لا والله. وإنما هو شيء اسمه جنون الرواية.
ولقد أصاب كاتب هذه السطور مسٌّ من هذا الجنون في أيام الحداثة، ولم أتبيّن منشأه في نفسي إلا بعد أن عافاني الله منه وتاب عليّ، ومنشأُه هو الإدلال بقوّة الحافظة، وكان من آثار ذلك المرض أنني فُتنت بحفظ أنساب العرب، فكان لا يُرضيني عن نفسي إلا أن أحفظ أنساب مضر وربيعة بجماهرها ومجامعها، وأن أنسب جماهر حمير وأخواتها، وأن أعرف كل ما أثر عن دغفل في أنساب قريش، وما اختلف فيه الواقدي ومحمد بن السائب الكلبي؛ ثم فُتنت بحفظ الأسانيد، وكدت ألتقي بعبد الحي في مستشفى هذا الصنف من المجانين بالرواية، لولا أن الله سلّم، ولولا أن الفطرة ألهمتني: أن العلم ما فُهم وهُضم، لا ما رُوي وطُوي.
زرت يومًا الشيخ أحمد البرزنجي- ﵀ في داره بالمدينة المنوّرة وهو ضرير، وقد نُمي إليه شيء من حفظي ولزومي لدور الكتب، فقال لي بعد خوض في الحديث: أجزتُك بكل مروياتي من مقروء ومسموع بشرطه ... الخ. فألقى في روعي ما جرى على لساني وقلت له: إنك لم تعطني علمًا بهذه الجمل، وأحر أن لا يكون لي ولا لك أجر، لأنك لم تتعب في التلقين وأنا لم أتعب في التلقّي؛ فتبسّم ضاحكًا من قولي ولم يُنكر، وكان ذلك بدء شفائي من هذا المرض، وإن بقيت في النفس منه عقابيل، تَهيج كلما طاف بي طائف العُجْب والتعاظم الفارغ إلى أن تناسيته متعمّدًا، ثم كان الفضل لمصائب الزمان في نسيان البقية الباقية منه؛ وإذا أسفت على شيء من ذلك الآن فعلى تناسيّ لأيام العرب، لأنها تاريخ، وعلى نسياني أشعار العرب، لأنها أدب.
стр. 1415
وحضرت بعد ذلك طائفةً من دروس هذا الشيخ في صحيح البخاري على قلّتها وتقطّعها؛ وأشهد أني كنت أسمع منه علمًا وتحقيقًا؛ فقلت له يومًا: الآن أعطيتني أشياء وأحرِ بنا أن نوجَر معًا، أنت وأنا؛ فتبسّم مبتهجًا وقال لي: يا بنيّ، هذه الدراية وتلك الرواية. فقلت له: إن بين الدراية والعلم نسبًا قريبًا في الدلالة، تُرادفه أو تقف دونه؛ فما نسبة الرواية إلى العلم؟ وقطع الحديث صوت المؤذّن وقال لي: بعد الصلاة حدّثني بحديثك عن نسبة الرواية إلى العلم، فقلت له ما معناه: إن ثمرة الرواية كانت في تصحيح الأصول وضبط المتون وتصحيح الأسماء، فلما ضُبطت الأصول وأُمن التصحيف في الأسماء خفّ وزن الرواية وسقطت قيمتها، وقلت له: إن قيمة الحفظ- بعد ذلك الضبط- نزلت إلى قريب من قيمة الرواية، وقد كانت صنعة الحافظ شاقةً يوم كان الاختلاف في المتون، فكيف بها بعد أن تشعّب الخلاف في ألفاظ البخاري في السند الواحد بين أبي ذرّ الهروي، والأصيلي، وكريمة، والمستملي، والكشميهي، وتلك الطائفة، وهل قال حدثني أو حدّثنا أو كتاب أو باب؛ إن هذا لتطويل ما فيه من طائل.
ولا أراه علمًا بل هو عائق عن العلم، وقلت له: إن عمل الحافظ اليونيني على جلالة قدره في الجمع بين هذه الروايات ضرب في حديد بارد، لا أستثني منه إلا عمل ابن مالك، وإن ترجيح ابن مالك لإعراب لفظة لأدلّ على الصحة في اللفظ النبوي من تصحيح الرواية، وقد يكون الراوي أعجميًّا لا يقيم للإعراب وزنًا، فلماذا لا نعمد إلى تقوية الملكة العربية في نفوسنا، وتقويم المنطق العربي في ألسنتنا، ثم نجعل من ذلك موازين لتصحيح الرواية؛ على أن التوسّع في الرواية أفضى بنا إلى الزهد في الدراية، وقلت له: إنك لو وقفت على حلق المحدّثين بهذا الحرم، محمد بن جعفر الكتاني ومحمد الخضر الشنقيطي وغيرهما لسمعتَ رواية وسردًا، لا دراية ودرسًا، وإن أحدهم ليقرأ العشرين والثلاثين ورقة من الكتاب في الدولة الواحدة (٦). فأين العلم؟ وقلت له: إن مَن قَبْلنا تنبّهوا إلى أن دولة الرواية دالت بضبط الأصول وشهرتها فاقتصروا على الأوائل، يعنون الأحاديث الأولى من الأمهات وصاروا يكتفون بسماعها أو قراءتها في الإجازات، وما اكتفاء القدماء بالمناولة والوجادة إلا من هذا الباب.
قلت له هذا وأكثر من هذا، وكانت معارف وجهه تدلّ على الموافقة ولكنه لم ينطق بشيء، وأنا أعلم أن سبب سكوته هو مخالفة ما سمع لما ألف- ﵀.
ولقيت يومًا الشيخ يوسف النبهاني- ﵀ بباب من أبواب الحرم فسلّمت عليه فقال لي: سمعت آنفًا درسك في الشمائل، وأعجبني إنحازك باللوم على مؤلّفي السيَر في اعتنائهم بالشمائل النبوية البدنية، وتقصيرهم في الفضائل الروحية، وقد أجزتُك بكل مؤلّفاتي
стр. 1416
ومروياتي وكل مالي من مقروء ومسموع من كل ما تضمّنه ثبتي ... إلخ. فقلت له: أنا شاب هاجرت لأستزيد علمًا وأستفيد من أمثالكم ما يكملني منه، وما أرى عملكم هذا إلا تزهيدًا لنا في العلم، وماذا يفيدني أن أروي مؤلفاتك وأنا لم أستفد منك مسألة من العلم؛ ولماذا لم تنصب نفسك لإفادة الطلّاب، فسكت، ولم يكن له- ﵀ درس في الحرم، وإنما سمعت من خادم له جَبَرْتي أنه يتلقّى عنه في حجرته درسًا في فقه الشافعية.
وكان بعد ذلك يُؤثر محلي على ما بيننا من تفاوت كبير في السن، وتباين عظيم في الفكرة. رحم الله جميع من ذكرنا وألحقنا بهم لا فاتنين ولا مفتونين.
أما أولئك السلف الأبرار فعنايتهم بالرواية والرجال راجعة كلها إلى الجرح والتعديل اللذين هما أساس الاطمئنان إلى الرواية، وقد تعبوا في ذلك واسترحنا، وما قولكم- دام فضلكم- لو فرضنا أنّ محدث القرن الرابع عشر ومسنده عبد الحي عُرض بعجره وبجره على أحمد بن حنبل، أو على يحيى بن معين، أو على عليّ بن المديني، أو على مَن بعدهم من نقّاد الرجال الذين كانوا يجرّحون بلحظة، ويُسقطون العدالة بغمزة في عقيدة، أو نبزة في سيرة، أو بغير ذلك مما يُعدّ في جنب عبد الحيّ حسنات وقُرُبات، فماذا نراهم يقولون فيه؛ وبماذا يحكمون عليه؟ خصوصًا إذا عاملوه بقاعدة (الجرح لا يُقبَل إلا مفسَّرًا).
...
وبعد، "فقد أطال ثنائي طول لابسه" (٧) فليعذرنا عبد الحيّ، ووالله ما بيننا وبينه تِرَة ولا حسيفة؛ ووالله ما في أنفسنا عليه حقد ولا ضغينة، ووالله لوددنا لو كان غير من كان، فكان لقومه لا عليهم، وإذًا لأفاد هذا الشمال بالكنوز النبوية التي يحفظ متونها، ونفع هذا الجيل الباحث الناهض المتطلعّ بخزانته العامرة، وكان روّاد داره تلامذة يتخرّجون، لا سيّاحًا يتفرّجون؛ وعلماء يتباحثون، لا عوام يتعابثون، ولكنه خرج عن طوره في نصر الضلال فخرجنا عن عادتنا من الصبر والأناة في نصر الحق، وجاء يؤلب طائفة من الأمّة على مصالح الأمّة، فهاج الأمّة كلها، وهاج معها هذا القلم الذي يمجّ السمام المنقع، فنفث هذه الجمل، وفي كل جملة حملة، وفي كل فقرة نقرة، فإن عاد بالتوبة، عدنا بالصفح؛ وان زاد في الحوبة، عدنا على هذا المتن بالشرح، ولعلّ هذا الأسبوع هو أبرك الأسابيع على الشيخ، فقد أملينا فيه مجالس في مناقبه جاءت في كتيّب، سميناه- بعد الوضع- "نشر الطيّ، من أعمال عبد الحي"، فإنْ تاب وأدناه، ووفينا له بما وعدناه، وإلا عممناه بالرواية، وأذنَّا لعبد الحي في روايته عنا للتبرّك واتصال السند، وهو أعلم الناس بجواز رواية الأكابر عن الأصاغر.
стр. 1417
الرجال أعمال *
محمد الطاهر بن عاشور وعبد الحميد بن باديس إماما النهضة العلمية في الشمال الإفريقي
ــ
البصائر ميزان حق، ولسان صدق، فهي تزن الرجال بأعمالهم الجليلة، ومواقفهم الشريفة، وتقوّمهم بالقيم الإيجابية، لا بالقيم بالسلبية، وهي تمدح المستحقين للمدح فلا تشين المدح بالغلوّ، وتذمّ المستأهلين للذم فلا تزين الذمّ بالكذب والاختلاق.
و «البصائر» لا تأبه للصيت الطائر في المجامع، والاسم الدائر على الألسنة، والشهرة السائرة في الآفاق، ما لم يكن من ورائها أعمال نافعة تشهد، وآثار صالحة تُعهد، وثمرات طيّبة تُجنى.
وقد صدّرت هذا العدد بصورة اثنين من رجال العلم والعمل بهذا الشمال الإفريقي، توافت شهرتهما وأعمالهما إلى غاية، وتسابقتا إلى أمد، فكان السبق للأعمال. وإذا كانت الشهرة قد تكذب، فإن الأعمال لا تكذب، وهي قائلة في كل واحد منهما كلمة، حظّ العمل فيها من التنويه أوفر من حظ العامل.
ونحن حينما نذكر العمل لا نريد به المعنى القاصر في عرف الفقهاء، وإنما نريد منه هذه الأعمال العامّة النافعة التي فيها ما في النور والماء من غذاء وقوّة وحياة، وفيها ما في الدهر من استمرار وامتداد.
رحم الله الميت، وبارك في عمر الحيّ، إلى أن تتكامل أعماله، وتتحقّق في إصلاح "الزيتونة" آمالنا وآماله.
стр. 1418
- ١ -
الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور علم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره، فهو إمام متبحّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال لها، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقرأ وأفاد، وتخرّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي، وتفرّد بالتوسّع والتجديد لفروع من العلم ضيّقها المنهاج الزيتوني، وأبلاها الركود الذهني، وأنزلتها الاعتبارات التقليدية دون منزلتها بمراحل: فأفاض عليها هذا الإمام من روحه وأسلوبه حياة وجدّة، وأشاع فيها مائية ورونقًا، حتى استرجعت بعض قيمتها في النفوس، ومنزلتها في الاعتبار.
وبعيد جدًّا أن يبلغ الإصلاح في الكلية الزيتونية مبلغه قبل أن تقوم الدراسات العليا فيه على ساق، وقبل أن تنفق لها في عرصاته سوق، وقبل أن تشمل تلك الدراسات التفسير والحديث والأخلاق والأدب والتاريخ.
هذه لمحات دالة- في الجملة- على منزلته العلمية، وخلاصتها أنه إمام في العلميات لا ينازع في إمامته أحد.
وأما العمليات فلا نعدّ منها التدريس في جامع الزيتونة، وإنما نعدّ منها إصلاح التعليم في جامع الزيتونة، وقد اجتمعت في الأستاذ وسائله، وتكاملت أدواته، من عقل راجح لا يخيس وزنه، وبصيرة نافذة إلى ما وراء المظاهر الغرّارة، وفكر غوّاص على حقائق الأشياء، وذكاء تشفّ له الحُجب، واطلاع على تاريخنا العلمي في جميع أطواره، واستعداد قوي متمكّن للتجديد والإصلاح، ومن شأن هذه المواهب المتجمعة في أمثال الأستاذ أنها تكمن حتى تُظهرها الحاجة والضرورة؛ والحاجة إذا ألحّت كشفت عن رجل الساعة، وأخرجت القائم المنتظر، وقد وُجدت الحاجة إلى الإصلاح في كليتنا، فوُجد الرجل المدّخر، فكان الأستاذ محمد الطاهر بن عاشور؛ وإن تدبير الأحوال الاجتماعية لأقوى وأبقى من تدبير الجماعات، وإن تدبير الجماعات لأثر من روح الاجتماع، وإن غفل الناس عن ذلك.
تقلّد الأستاذ مشيخة الجامع للمرّة الأولى فدلّت المصائر على أن التدبير الاجتماعي لم يكمُل، وكان من الظواهر المحسوسة أنها وظيفة جديدة لم يطمئن موطنها، ولم يدمّث موطئها، ولم تهشّ لها النفوس المبتلاة بالتقليد، والمريضة بالمنافسة، خصوصًا وهي- في حقيقتها- نزع للسلطة من جماعة وحصرها في واحد؛ والخروج عن المألوفات العادية يراه المجدّدون وضعًا للإصر، وانطلاقًا من الأسر، ويراه الجامدون فسادًا في الأرض وشرطًا من أشراط الساعة.
стр. 1419
ثم قُلّد الأستاذ مشيخة الجامع للمرّة الثانية، وكان الأمر قد استتبّ، والنفوس النافرة من التجديد قد اطمأنّت، والضرورة الداعية إلى الإصلاح قد رجحت؛ ومعنى ذلك كله أن التدبير الاجتماعي قد كمل، فخبّ الجواد في مضماره، وشعّ نور ذلك الاستعداد من ناره، وكان ما سرّ نفوس المصلحين من إصلاح وإن لم يبلغ مداه بعد.
لم يرَ جامع الزيتونة في عهوده الأخيرة عهدًا أزهر من هذا العهد، ولم يرَ في الرجال المسيرين له رجلًا أقدر على الإصلاح، وأمدّ باعًا من شيخه الحالي، وإذا كان الإصلاح يسير ببطء فما الذنب ذنبه، وإنما الذنب لطبيعة الزمان والمكان، وضعف المقتضيات، وقوّة الموانع، وحسبه أنه حرّك الخامد، وزعزع الجامد، وأجال اليد المصلحة في الإدارة وفي كتب الدراسة وفي أشياء أخر؛ وتلك هي مبادئ الإصلاح التي ينبني عليها أساسه، وحسبه أيضًا أنه نبّه الأذهان إلى أنّ إصلاحات خير الدين كعهد الأمان، كلاهما لا يصلح لهذا الزمان. وشتّان ما زمنٌ كله ممهّد للاحتلال، وزمن كل ما فيه ينادي بالاستقلال.
والحق أن في الجهاز التعليمي بجامع الزيتونة خللًا يحتاج إلى الإصلاح، وعللًا يجب أن تُزاح، ونقائص يجب أن تعالج، وتوافه من النظم يجب أن تُلغى؛ وكلها بقايا من إصلاحات خير الدين، لم تعد تصلح لخير العلم ولا لخير الدين.
فإذا اطمأن بعض أصدقائنا وإخواننا من علماء الزيتونة إلى بقاء ما كان على ما كان، فليعلموا أن وراءَنا من الزمن سائقًا عنيفًا حُطَمَة، يستحثّ البِطاء، ولا يغضّ من أعنّة العجال، وأنّ بين أيدينا ودائع من شباب متطلعّ إلى الكمال، توّاق إلى السبق، حريص على دقائق عمره أن تُنفق إلا فيما يَنْفُق. وهو يريد أن يكون كزمنه وأبناء زمنه، وزمنه ثلاثة: جدّ واتقان ونظام. وأبناءُ زمنه أحالهم العلم عقبان جوّ، وغيلان دوّ. وفرضت عليهم الحياة أن يأخذوا الكثير من العلم، في القليل من الوقت، وأرتهم مصداق ذلك حتى لا يرتاب مرتاب.
وليعلموا أن خصوم الإسلام في ازدياد، وأن سير الإلحاد في اطّراد، وأن العلوم الغربية زاحمت العلوم الإسلامية على نفوس شبابنا فافتتنوا، وأن ضرائر العربية من اللغات الأوروبية يتبرّجن تبرّج الجاهلية الثانية، وقد زاحمنها على ألسنة شبابنا فافتتنوا، وأن التعليم في كلياتنا المشهورة بوضعه الحالي لا يكفُل لنا سدّ أبواب هذه الفتن.
...
ولا أكذب الله، ولا أحاجي عباده، فقد أخرجت الزيتونة طرازًا من الرجال لو لم تفتنهم الوظائف المحدودة لأتوا في الإصلاح الدينى والدنيوي بالعجب، وما زالت هذه الوظائف المقيّدة قيدًا للنبوغ، بل مدفنًا للعبقرية، تنزل المواهب منها بدار مضيعة؛ وكم من عبقرية
стр. 1420
أطفأ شعلتها التشوّف إلى الوظيفة قبل الوصول إليها، لأن ذلك التشوّف يدور بصاحبه في الدائرة الضيّقة التي توصّل إليها، لا في الدائرة الواسعة التي يُشرف منها على آفاق العلم وعوالمه، فما أشام الوظيفة على العلم، وما أضرّ ذلك العرف السائد في تونس بالنبوغ، وهو توارث الوظائف الدينية والشرعية في بيوت مخصوصة، حتى أصبح أبناءُ تلك البيوت يتطلّعون من أول العهد بالطلب إلى الوظائف التي يشغلها ذووهم، كأنها وقف عليهم، أو حق مفروض لهم، وإن ذلك وحده لمشغلة عن طلب الغايات في العلم.
...
إن الإصلاح المرجوّ لجامع الزيتونة لا يبلغ مداه إلا إذا توفّرت فيه ثلاثة شروط: الاستقلال والمال والرجال.
أما الاستقلال- وهو أهم الشروط- فهو أن تصبح الكلية الزيتونية بمنجاة من التسلّط الحكومي كيفما كان لونه، بعيدةً عن المؤثّرات السياسية والتيارات الحزبية، مثبتةً وجودها الذاتي بأنها تؤثّر ولا تتأثّر؛ فمن حاول إخضاعها لنزعة حكومية، أو جرّها لمذهب سياسي، أو توجيهها لوجهة حزبية، فهو مفسد خبيث الدخلة.
وأما المال فإن الإصلاحات تتطلب أموالًا طائلة، ونفقات سخية، ومهما تبذل الحكومة من الخزينة العامة فإن ذلك لا يكفي ولا يُغني، على ما فيه من آفات، فإن الحكومات لا تعطي بدون أخذ، وبدون أن تتّخذ من العطاء وليجةً للتدخّل ومقادة للمسيرين، ودرَّ درُّ الأوقاف الإسلامية لو لم يفسدها سوء الإدارة وتسلّط الاستعمار، إن الكليات حتى في أغنى أمم العالم لا تقوم على مال الحكومة المحدود وحده، وإنما تقوم على عطاء الكرماء وبذل المحسنين، فهل آن لأمّتنا أن تعلم هذا فتعمل به؟
وأما الرجال فإن في الزيتونة رجالًا لو تعاونوا وسلموا من داء المنافسة على الرياسة لحقّقوا الآمال في الإصلاح، ولعجّلوا به، وقد كانوا ينتظرون القائد الحازم فقد وجدوه.
...
إن الإصلاح المنشود للزيتونة لا يتمّ إلا في جوّ بعيد عن القصر ووساوسه، وعن الهيكل الوزاري ودسائسه، وعن الاستعمار ومكائده ومصائده.
وإن الزيتونة لا تتبوّأ مكانها الرفيع إلا بواسطة جهاز داخلي متماسك الأجزاء من علمائها، يؤُمّهم إمام مدرّب محنّك فقيه في المذاهب الإدارية، مجتهد في أصولها.
стр. 1421
وإن ذلك الإمام المدرّب الفقيه المجتهد الجامع لشروط الإمامة في هذا الباب لهو الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
إن الذين يُثيرون في وجهه الغبار، أو يضعون في وجهته العواثير لمجرمون. وإنا- إن شاء الله- للأستاذ الأكبر في طريقه الإصلاحي لمؤيّدون وناصرون.
- ٢ -
باني النهضتين العلمية والفكرية بالجزائر؛ وواضع أسسها على صخرة الحق، وقائد زحوفها المغيرة إلى الغايات العليا، وامام الحركة السلفية؛ ومنشئ مجلة "الشهاب" مرآة الإصلاح وسيف المصلحين، ومربّي جيلين كاملين على الهداية القرآنية والهدْي المحمدي وعلى التفكير الصحيح، ومُحيي دوارس العلم بدروسه الحية، ومفسّر كلام الله على الطريقة السلفية في مجالس انتظمت ربع قرن، وغارس بذور الوطنية الصحيحة، وملقّن مباديها، علم البيان، وفارس المنابر، الأستاذ الرئيس الشيخ عبد الحميد بن باديس، أول رئيس لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأوّل مؤسّس لنوادي العلم والأدب وجمعيات التربية والتعليم، ﵀ ورضي عنه.
وحسبُ ابن باديس من المجد التاريخي هذه الأعمال التي أجملناها في ترجمته؛ وإنّ كل واحد منها لأصل لفروع، وفصل من كتاب، وإذا كان الرجال أعمالًا فإن رجولة أخينا عبد الحميد تقوَّم بهذه الأعمال.
وحسبُه من المجد التاريخي أنه أحيا أمّةً تعاقبت عليها الأحداث والغير، ودينًا لابسته المحدَثات والبدع، ولسانًا أكلته الرطانات الأجنبية، وتاريخًا غطّى عليه النسيان، ومجدًا أضاعه ورثة السوء، وفضائل قتلتها رذائل الغرب.
وحسبه من المجد التاريخي أن تلامذته اليوم هم جنود النهضة العلمية، وهم ألسنتها الخاطبة، وأقلامها الكاتبة، وهم حاملو ألويتها، وأن آراءه في الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي هي الدستور القائم بين العلماء والمفكّرين والسياسيين، وهي المنارة التي يهتدي بها العاملون، وأن بناءَه في الوطنية الإسلامية هو البناء الذي لا يتداعى ولا ينهار. وحسبه من المجد التاريخي أنّ إخوانه الذين حملوا معه معظم الأمانة في حياته، اضطلعوا بحملها كاملة بعد وفاته، في أيام أشدّ تجهّمًا من أيامه، وفي هزاهز ما كان يتخيّلها حتى في أحلامه، فما وهنوا ولا هانوا، ولا ضعفوا ولا استكانوا.
وأنهم استُخلفوا على النهضة فكانوا نعم الخلف، تمّموا وعمّموا، وأجمعوا وصمّموا.
стр. 1422
وأنهم وفوا له ميتًا كما وَفَوْا له حيًّا. واعتزُّوا باسمه بعد مماته، كما كان يعتزّ بهم في حياته. فقد كان- ﵀ على جرأته وبديهته وبيانه وشجاعته- ربما تُدركه الفترة في الرأي في المواقف الحرجة فيلتفت فيرى إخوانه إلى جنبه فيندفع كأنما مسّته كهرباء، وكأنه الأتِيُّ المنهمر، فلا يبقي ولا يذر.
...
ومن غرائب هذه العصابة التي كان ابن باديس شارة شرفها، وطغرى عزّها، أن الشيطان لم يجد منفذًا يدخل منه إلى أخوّتهم فيفسدها، أو إلى علائقهم فيفصمها، أو إلى محبتهم بعضهم لبعض فينفث فيها الدخل، فعاشوا ما عاشوا متآخين كأمتن ما يكون التآخي، متحابين كأقوى ما تكون المحبة؛ ولقد كانوا مشتركين في أعمال عظيمة، معرّضين لعواقب وخيمة. ومن شأن ما يكون كذلك أن تختلف فيه وجوه الرأي وتتشعّب مسالكه، فيكثر فيها اللجاج المفضي إلى الضغينة، والانتصار للرأي المفضي إلى الخلاف، خصوصًا إذا اشتجرت الآراء في مزلقة الاستعمار التي يرصدها لنا؛ فوالذي روحي بيده ما كنا نجتمع في المواقف الخطيرة إلا كنفس واحدة، وما كنا نفترق- وإن اختلف الرأي- إلا كنفس واحدة. وإني لا أجد لفظًا يؤدّي هذه الحالة فينا إلا لفظة "إخوان الصفاء". فلقد- والله- كنا إخوان صفاء، وما زلنا إخوان صفاء، وسنبقى إخوان صفاء، حتى نجتمع عند الله راضين مرضيين إن شاء الله.
إن لهذه الحالة فينا علّة وثمرة: أما العفة فهي أن اجتماعنا كان لله ولنصر دين الله ولتأدية حق الله في عباده، دأبنا في ذلك التعاون على الخير، والاستباق إلى الخير، فلا مجال للمنافسة وحظ النفس. وأما الثمرة فهي هذا النجاح الباهر الذي نلقاه في كل أعمالنا للأمّة، في تطهير العقول، وفي تصحيح العقائد، وفي استجابة داعي القرآن، وفي تمكين سلطان السنّة، وفي صدق التوجه إلى العلم، وفي تشييد المدارس، وفي كثرة الإقبال عليها والبذل لها، وفي كل معالجة بيننا وبين الأمّة.
إن هذا من صنع الله لا مما تصوغه الأهواء النفسية الخبيثة، وما جمعته يد الله لا تفرّقه يد الشيطان.
...
ما زلت آسَى على شيء كلّما ذكرته، وأجد له في نفسي حرارةً ومضضًا، وهو أن تستأثر الجزائر وحدها بتلك المجموعة الباديسية من فكر ثاقب، ورأي أصيل، وعلم غزير، ولسان
стр. 1423
مبين، وأن لا يكون لبقية الأقطار الإسلامية منها حظ؛ وكم كنت أتمنّى لو يقوم برحلة في أطراف العالم الإسلامي داعيًا إلى الله، وإلى الاجتماع على كتاب الله، وكنت نازعته الحديث في هذا مرّات، وقلت له: إن من النقص أن تقضي طول عمرك مدرّسًا لهذه الكتب وهذه القواعد، في طائفة من الطلّاب؛ فإن زدت فمحاضرًا في الجموع، وأن يبقى هذا العلم محصورًا في الجزائر، وكان من حبه- ﵀ لتلامذته وشغفه بتربيتهم أنه يتولّى بنفسه دراسة الكتب العالية طوال السنة، إلا في الجولات المحدودة للوعظ والإرشاد، أو لاجتماعات الجمعيات، فكان يحيل الأمر إليّ تنضلًا. ويقول لي: أنت أعرف بالشرق، وألين عريكة مني (وهذه عبارته بحروفها). وكنا نتفق على الأصل ونسوّف ونسوّف إلى أن فرّق الموت بيننا.
هذه بعض أعمال الرجل العظيم الذي مات فورثت أسرته جثمانه فأقامت له مشهدًا، وورثنا نحن أعماله فأقمنا له معهدًا، وعسى الله أن يوفق أسرته إلى وقف مكتبته على معهده ليعمّ النفع بها كما عمّ النفع بعلمه، وليحيا ذكره بهما معًا، وليس بالكثير في حقّ من وقف حياته الغالية على الأمّة، أن توقف مكتبته الرخيصة على الأمّة.
стр. 1424
دمعة على المنصف *
يعزّ على هذا القلم الذي لا يكاد يجف مداده، ولا تنقطع من القريحة أمداده، أن تصاب تونس العزيزة في مناط أملها، بل في نياط قلبها، فلا يُسمع له جرس، ولا يصرّ بكلمة على طرس.
يعزّ على هذا القلم الذي براه الباري لينضح العسل المصفّى للمقسطين، وينطف الصاب والحنظل للقاسطين، ويرسل الحُمم مدرارًا على المستعمرين، أن تنتهي مظلمة المنصف إلى غايتها الشنعاء من موت الغربة، ومهانة الأسر، وتعنّت الاستعمار، فلا يشنّها شعواء على التعنّت والمتعنتين.
يعزّ على هذا القلم الذي شدَّ الحق أزره، وسدّد المنطق رمايته، أن يموت المنصف غريبًا، مظلومًا، مسلوب التاج، فلا ينفث كلمة تبعث الشجى وتثير الشجن وتحلّ عقدة الرواية.
يعزّ على هذا القلم أن يصرخ الناعي لموت المنصف فلا يجري، وأن يثوّب الداعي بمري الشؤون فلا يمري، وأن تطير نفس تونس الولهانة شعاعًا فلا يتقسّم شظايا، وأن يجب حق الجار فلا يكون أولَ الناهضين بفرضه.
يعزّ على هذا القلم أن تقف به الأقدار موقفَ السيف من يد الجبان، وأن يقعد من ورائه كلالُ الذهن، وجمود القريحة، وفتور الأعصاب حائلات بينه وبين القيام بالواجب.
стр. 1425
لو مات المُنصف بالأغواط (١)، لطافت الجزائر بجثمانه عدة أشواط، ولذهبت فيه مذهب العرب في "ذات أنواط"، ولغسلته بالعبرات المسفوحة، وكفّنته بألفاف القلوب، ودفنته في مستقرّ العقيدة والواجب من نفوسها.
ولو مات "بتَنَس" لتاهت فخرًا على الثغور، وباهت بيوم موته أيامها في غابرات العصور، ومحت بهذه المنقبة جميع ما وسمها به الشعراء من شين، ووصموها به من نقص.
ولو مات بأية بقعة من أرض الجزائر لكانت هي تونس نضرة واخضرارًا، ولاكْتسبت الجزائر بجميع أقطارها شرفًا ممن مات ميتة الشرف فيها، ولقبست معاني عالية من الفداء والتضحية بعُد عهدُها، ولفغمتها نفحة ساطعة من عزّ الإمارة حُرمتها الأنوف الشمّ من أبنائها منذ أيام عبد القادر، ولتسمَّعت نغمةً ساحرة عطلت آذانها منها من عهد عهيد.
إي والله، لو مات المنصف في الجزائر لمات في وطنه، وبين أهله، وفي أمة وفية متعطشّة للعزّ والسيادة، مستشرفة إلى حيث تنقطع علائق الطموح، لا يقل تقديرها للعظماء أمثال الفقيد عن تقدير أختها تونس لهم، ولا يقصر فهمها لمعاني العظمة في الرجال عن فهم أختها تونس لها، ولكنه مات بـ"بو"، في دار غير داره ووطن غير وطنه وناس غير ناسه، لم يستنشق مع حشرجة الموت نفسًا من أنفاس وطنه العزيز، الذي لقي الأذى في سبيله، إلى أن مات في سبيله، ولم يكتحل عند إغماضة الموت بمنظر من تلك المناظر التي كانت هوى قلبه، وشغل خواطره، وصبابة نفسه، ولم يتجرّع مع غصة الموت نطفة من ذلك الماء الذي كان يحمي حوضَه، وبُحرّم على المكدرين خوضه.
وما زالت الموارد للحتوف موارد، وما زالت الدنايا تُحلي المنايا! وما زالت الأوطان محتاجةً إلى هذا النوع السامي من الهمم والعزائم، وإلى هذا الطراز العالي من الرجال، وإلى هذا النوع اللطيف من أنواع الموت! وإلى هذه الدماء الزكية التي تثعب حمراء كالحرية، نقيّة كعقيدة الحق، تجري فتكتسحُ ما في نفوس الأمم من خور وفسولة.
إن موت العظماء حياة لأممهم، فإن كانت في الغربة زادت جلالًا، فإن كانت نتيجة للظلم زادت جمالًا، فإن كانت في سبيل الوطن كانت جلالًا وجمالًا، فإن صحبها سلب العز والملك كانت حلية وكمالًا، وكل ذلك اجتمع في موت المنصف.
مات نابليون غريبًا في جزيرة القديسة "هيلانة"، ونابليون ممن زادوا في تاريخ فرنسا
стр. 1426
صحائف بيضاء، وفي مجدها الحربي أساطين رفيعة، فما كانت موتته الغريبة ثلمة في فرنسا، لأنه مات وفرنسا بيد الفرنسيين.
ومات عبد الحميد أسيرًا في سجنه- وعبد الحميد أكثر أسماء الخلفاء سيرورةً على الأفواه- فما بكت عليه سماء ولا أرض، لأنه مات وتركيا بيد الأتراك.
ومات غيرهما من الملوك والعظماء في غربة وظلم، فكان من ورائهم ما يخفّف الفجيعة فيهم، ويلأم ببعض العزاء ما تصدع بموتهم.
ولكن ... ولكن موت المنصف في قرية نائية من قرى فرنسا- غريبًا عن وطنه وأمّته، مظلومًا في عرشه وملكه، مسلوب التاج، مخفور الذمام- مصيبة يزيد في معناها الشنيع معنى، وهو: أنه مات وتونس ليست للتونسيين!! وأنه مات وتونس ليست طليقة، وهي بالانطلاق خليقة!
...
عزاء للوطن المفجوع فيك يا منصف، وسلوى للقلوب المكلومة بموتك- وما أكثرها- يا منصف! وجزاء تلقاه في هذه الدنيا طيبَ ذكر، وعند ربّك ثمين ذخر، وهيهات أن تجزيك الجوازي من هذه الأمة التي نهجت لها نهج الكرامة، وشرعت لها سنن التضحية، ولقّنتها هذا الدرس السامي من الثبات والإباء والشمم، وعلّمتها كيف تموت الأسود جوعًا وظمأً، ولا تطعم الأذى، ولا ترد القذى.
...
جهد المقلّ يا منصف! ونظار حتى يعاود النشاط هذا القلم، وينحسر الركود عن هذه القريحة، وتنجلي غمرة الأسى، فيتوافى القلم والقريحة على تجلية العبر، من سيرة ليست كالسير.
стр. 1427
إلى الزاهري *
كتبتَ - أيها الشيخ- كثيرًا من الباطل، وسنكتب قليلًا من الحق، ولكنّ قليلنا لا يقال له قليل، ولو كنتَ وحدك ... تكتب بقلمك، وتقول بلسانك، وتعبّر عن فكرك،
لأوليناك جانب الإهمال، وسكتنا عنك طول العمر كما سكتنا عنك في ماضيك القريب، وفي ماضيك البعيد احتقارًا لشأنك، واستهانة بما أهان الله منك، وربّما عذرناك في مجانبتك للصدق بأنك لا تعرفه، وإنما يؤاخذ الإنسان بترك ما عرف، وربّما أثنينا عليك بالوفاء للصاحب الذي صاحبك منذ عققت التمائم، وهو الكذب، وباستقامتك على الجبلة التي جُبلت عليها، وهي الشر، وبالموهبة التي خُصصت بها، وهي البراعة في قلب الحقائق، وربّما رحمناك من هذه النار التي تصلاها، وهي نار الحقد. ومعذرة ... فإن من الميسور أن نُطفئ النار ذات الوقود، وليس من الممكن أن نُطفئ الحقد من صدر الحقود. وهنيئًا لك هذا الذوق اللطيف في أخذك بأحد بيتي ابن الرومي في الحقد، وهي قوله:
وما الحقد إلا توأمُ الشكر في الفتى ... وبعضُ السجايا ينتمين إلى بعض
وتركُك للبيت الثاني وهو قوله:
فحيث تَرى حقدًا على ذي إساءة ... فثم تَرى شكرًا على أحسن القرض
فلم تقصر حقدك على من أساء إليك، ولم تشكُر من أقرضك القرض الحسن، واسترحت من حيث تعب الكرام.
وإذا فهمنا مذهب ابن الرومي كما فهمته، فكل هذه الخصال البارزة فيك فضائل، وآمنَّا وسلَّمنا وقلنا: سبحان المنعم الوهّاب.
стр. 1428
ولكن شأننا اليوم مع هذا الشبح الذي تختفي وراءه حينًا، ويختفي وراءك حينًا آخر، فقد تشابهتما وتشاكل الأمر. وقد انعقد بينكما نوع غريب من الحلول، لم يُعرف في جاهلية ولا إسلام. فأنت تتكلم باسمه، ولستَ إياه. وهو يتكلم باسمك، وليس إياك. ليجد كل واحد منكما في صاحبه ملتحدًا يدفع عنه المسؤولية، ويحمل عنه التبعة احتيالًا ومكر السيئ، ثم تبوءان بالسلامة معًا.
إننا إن أخذنا بمذهب الفقهاء عاملناك بما قالوه في المتسبّب في الجريمة والمباشر لها. وإن أخذنا بمذهب الأدباء، عاملناك بما تُسلمه معنا، وهو أن قائل الشر هو الشاعر الإنسي، لا رئيّه الجنيّ. ولا والله لا نبرح هذه المرة حتى نهدم الصومعة على رأس الراهب. فإن بيت الله- في جلاله- لا يجير عاصيًا ولا فارًّا بخَرْبة، وما كانت صومعتكم بيت الله، ولا كان راهبكم أبا عزّة في قومه ...
أفتظن- يا شيخ- أنك استعذت من هذا الشبح بمعاذ؟ أم يظن هذا الشبح أنه تقلَّد من قلمك سيفًا من فولاذ؟ وما هو إلا سيف أبي حية، ولو سمّيته- كما سمّاه- لعاب المنية.
إنك وذلك الشبح تعيشان في بقيّة من التقية. ولو كنتما صريحين لقلتما لنا ما هو الحق: أأنت مدير أم مُدار؟ وأنت المكتري أم صاحب الدار؟ ولبيَّنَ لنا ذلك الشبح منزلتك عنده: أأنت عبد مأمور، كما يقول بعض الناس؟ أم أنت عامل مأجور، كما يقول آخرون؟ ... إن أرذلَ الرجال، من يتطرف إليه مثلُ هذا الاحتمال؛ أما الحقيقة فهي أنكما شَرِيكَان في جريمة السب والكذب وقلب الحقائق: منك الألفاظ لمكانك في الكتابة، ومنهم المعاني لمنزلتهم في الأمية والتعجرف. أمّا تلك الأسماء، التي تُنعِل بها بعض كلماتك، فاغرُرْ بهما من لا يعرفك ولا يعرفها ... إننا لم ننسَ يوم كنت تنسب مقالاتك في "الوفاق" إلى الأستاذ "بوشاقور" والأستاذ "بوشنتوف" والناس كلهم يعرفون من هما، وما هي دركتهما في الأمية. ولو صحّ فألك واشتق من الكاتب الواحد كُتّاب، كما اشتقّ من اللفظ ألفاظ، لامتلأت الجزائر بالأساتذة والكتّاب؛ ولكذبت الإحصاءات الرسمية في عدد الكاتبين والأميين بهذا القطر؛ ورحم الله أهل الحياء.
وأما قول أحد أسيادك في تصريح له بجريدة "الأسبوع": "إن جريدة الزاهري تناصر حركتنا" فهو سبّة لك ولحركته معًا. ولولا أن تقول- كعادتك- إن هذه وشاية بين متحابين، لشرحنا لك المنطوق من تلك الكلمة والمفهوم.
ونحن نتمنّى لكما دوام الألفة والمحبة، وندعو لكما بذلك؛ وإن كانت أمنية لمحال، ودعاءً في ضلال، فما عهدناك تصبر على طعام واحد، وما عهدنا أسيادك يسقون الشجرة بعد جَنْي الثمرة.
стр. 1429
إن أسيادك- يا شيخ- بارعون في استغلال المواهب والكفاءات والاختصاصات. ولو كنت من أصحاب المبادئ الثابتة لما صحبوك ساعةً من نهار. ولكنهم يستغلّون- إلى حين- اختصاصك في السب والكذب والبهت. وتستغلّ أنت- إلى حين- جندَهم المسخّر لبيع "المغرب العربي" (وما أكثر باعة المغرب العربيّ فيهم)، ولعلّك أعجبك منهم أنهم قوم محظوظون في الزعامة، فطمعت أن تصبح زعيمًا بالمجاورة أو التوهّم كما قالوا في "جحر ضب خرب"، وفاتك أنّ شروط الزعامة عندهم أربعة، وأنت لا تملك منها إلا واحدة ...
...
قد كان يَسعُنا أيها الشيخ أن نعمر سنتنا بالأعمال، وتعمرون سنتكم بالأقوال، فإذا جاء رأس السنة وحلّ وقت الحصاد، قلنا: هذه أعمالنا، وقلتم: هذه أقوالنا، وعرضنا البضاعتين على الأمة لتنظر وتحكم أيتهما أزكى طعامًا، وأعظم عائدة، ثم قلنا لكم: سلام عليكم، وكل عام وأنتم سبّابون عيّابون كذّابون، ورجع كل منا إلى ما يُسر له، وكان يسعنا أن نبدأ من هذه السنة فنعفيكم من السنوات الماضية من تاريخكم التي هي سنوات مغسولة، لا نقطة فيها ولا حرف. وإذا وُضِعت الأعمال في كفة والأقوال في كفة، وهبط الثقيل وارتفع الخفيف، علّل الفارغون أنفسهم بأن ارتفاع الفارغ ارتفاع، وقد شهد الناس بأنه ارتفاع، وكفى. أهذا هو المنطق أيها القوم؟
كان يسعنا هذا، وكان مما ركب في طباعنا هذا، ولأجله سكتنا على تحرشكم المستمرّ سنوات، وفي استطاعتنا أن نسكتَ سنوات أخرى لو أنكم اقتصرتم على السب والكذب اللذين يهدمان صاحبهما قبل أن يهدم بهما الناس، ولكنكم أقمتم لنا الدلائل من أقوالكم وأعمالكم على أنكم تحاربون العلم والدين بسبّ العلماء، وتحاربون التعليم بإفساد المعلمين وأنكم تصدُرون في ذلك عن عمد وإصرار. وأن لكم خطةً مرسومة في الاستيلاء على جميع المشاريع بقصد إفسادها وتعطيلها لأنكم لا تحسنون تسييرها. كل ذلك ليخلو لكم وجه الأمة، وتحلو لكم أموالها، وإن هذه المقاصد منكم لم تبقَ خافيةً حتى على الصبيان.
إنكم أصبحتم كأصنام البابليين التي قال فيها إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾، ولو كان إضلالًا في السياسة لهان الأمر ولكنكم جاوزتم إلى ميادين ليست من اختصاصكم، وتقحَّمتم في مسالك لا تحسنون السير فيها، وافتضحت نيّاتكم المبيتة فاحوجتمونا إلى هذا، وإنكم لتعلمون أن فتح هذا الباب لا يعود بالخير علينا ولا عليكم، ولا على الوطن الذي أكثرتم في التدجيل على الأمة باسمه. ومن لنا بالدليل على أنكم مخيَّرون لا مسيّرون؟
***
стр. 1430
ويحك- يا شيخ- وويح أسيادك. أكلّ هذا الجهد الذي تبذلونه في حرب جمعية العلماء، معدود عندكم من خدمة الوطن؟ أكل هذا الاسم الواسع الذي انتحلتموه لجريدتكم لم يتّسع إلا للتحرّش بجمعية العلماء والتعريض بها وبرجالها؟
إن "المغرب العربي" محتاج إلى غير هذا، وإن كلَّ جزء من أجزائه في حاجة شديدة إلى جمعية كجمعية العلماء ورجال كرجالها، فإذا طوّعت لكم أنفسكم أن تكونوا سبةً على هذا الجزء من المغرب، فلا تكونوا سبةً على بقية الأجزاء، ونزِّلوا أنفسكم منزلة ذلك الذي كان يحلف بالقرآن وهو لا يحفظ إلا ربعه، فقال له قائل: "احلف بربعك" ... أم تظنون أن سكّان المغربين، الأقصى والأدنى، يصدقونكم إذا قلتم: إن جمعية العلماء تخدم الاستعمار؟ أتظنونهم يتركون يقينهم لافترائكم؟ وهم يكادون يطيرون إعجابًا بأعمالها وحملاتها الصادقة على الاستعمار.
ويحك وويح أسيادك ... فارقتم الحياء فراق الأبد، فتحالفتم مع الاستعمار على حرب جمعية العلماء، وركبتم كل عظيمة من المباهتة وقلب الحقائق وإلصاق كل نقيصة فيكم بنا، فهل أمنتم منا أن نجاريكم فنخلع الحياء شهرًا من السنة أو يومًا من الشهر أو ساعة من اليوم فنرميكم بأحجاركم؟
لقد كنتم تسبوننا بألسنتكم في المقاهي ومجالس السوء، وتلقّنون صبيانكم سبّنا، حتى أصبحت أفواههم مستنقعات ... فلم يُقنعكم ذلك لأنه سبٌّ بالمجان، فارتقيتم إلى سبّنا بالكتابة لتّتخذوا منها سلعةً للبيع، ووسيلة لجمع المال. وتضيفوا إلى الهلال الأحمر هلالًا أسود ... ومن الغريب المضحك أنكم تعتمدون في بيع السب على السب، فقد شهد العقلاء أن تسعة أعشار جريدتكم لا تُباع إلا بالسب والتخويف والتهديد وما يُشبه الإكراه، وأن العشر العاشر فقط يباع بالتغليط والتضليل (وعلى النيف) (١). إن هذه لحقيقة لا تستطيعون إنكارها وتكذيبها إلا بالعمل. ولو فعلتم وتركتم بيعها للرغبة والاختيار- كما تباع الجرائد- لأفلست في أسبوع، فجرّبوا إن كنتم منصفين.
أيها القوم: إن الوطن الذي تتوقّف خدمته على بيع السب والكذب لوطن مخذول سلفًا؛ وإن الحزب الذي يريد أن يكملَ بتنقيص غيره لحزب ناقص أبدًا، وإن السياسة التي تغذّى بمثل هذه المطاعم لسياسة ميتة ... بالجوع.
...
стр. 1431
أتذكر- يا شيخ- ماضيك الصحافي، وصحائفك الماضية التي تهاوت في مثل عمر الزهر، من "الجزائر"، إلى "البرق"، إلى "الوفاق"، وقد ماتت كلها بالهزال والتسمّم. ولو كانت مما ينفع الناس لمكثت في الأرض، فاحتفظ بما بقي من أعدادها، فسيحتاج الناس إلى ما فيها يوم ينكس الله طباعهم، ويطمس على بصائرهم، فيصبح السب والكذب عندهم من الفنون الجميلة، فيشيدون المعاهد العالية لتعلّمها، ويقتبسون النماذج الرفيعة من تلك الجرائد.
أتذكُر يوم ضاقت بك الحيل فعرضت همّتك وذمّتك وقلمك في المزاد العلني فكنّا أزهد المشترين فيك؟ كن شريفًا ولو لحظة من عمرك واعترف بهذه الحقيقة. ألم ننصحك نصيحة لو أحيا الله أبويك لما نصحاك بمثلها؟ ولكنها ضاعت كما تضيع المِنّة عند غير شاكر. ألم تفترص الفرصة حين خاطبناك في صندوق الحروف الذي تملكه لنطبع به «البصائر»، بالبيع أو بالكراء، فأخذت منّا عشرة آلاف فرنك لتفكّ بها رهن الصندوق من الطابع الإسباني، وكنت عاجزًا عن فكّه بستة آلاف فرنك؟ فلما حصلت عليه اشتططت وشرطت قرض مائتي ألف فرنك في مقابلة كراء الحروف، فلما يئست منا عرضت نفسك على دكتوريْن لهما ماضٍ عريق في خيانة الوطن لتخدم ركابهما وتزكيهما في الخيانة، في مقابل قناطير من الورق منَّياك بها، فلما لمناك على ذلك قلت لنا بالحرف: "ما نكذبش عليكم، أنا نتبع مصلحتي المادية حيثما كانت" والجملة الأولى هي لازمتك المعروفة عند جميع الناس، وهي لازمة كل كذّاب، إذ لا يكثر من نفي الشيء إلا المتّصف به، ثم كنت متشوّفًا إلى خدمة مَن تُسمّيهم اليوم باللائكيين، ولو أعاروك التفاتة، أو أشاروا إليك بغمزة، لكنت اليوم من عبيدهم المطيعين، ولكانت اللائكية، في نظرك ملائكية، ثم عرّجت على الشيوعيين، ولهم معك ماضٍ معروف، فوجدتهم أيقاظًا، ذاكرين لذلك العهد، مثنين عليك بمثل ريح الجورب، ولوآنستَ في ذلك العهد من جانب الطرُقيّة نارًا، لقلت في غير تردّد: إني أجد على هذه النار هدى. ثم وقع بك الحظ على هؤلاء القوم أو وقع بهم عليك، وهم لم ينسوا ماضيك معهم، وإنما يتناسونه لأمر ستنجلي عنه الغيابة، يوم ينكفئ القدر بما فيه من صبابة. فهل فكّرت بعد هذه الأطوار أن تستقلّ بجريدة لا تناصر بها حركة ولا سكونًا، ولا تعتمد فيها على شخص ولا على حزب؟ وهيهات ... إننا نقامرك - مع الأسف- بما شئت من المال الذي تتحلّب شفتاك شوقًا إليه، وتحسدنا على جمعه وتفريقه، وتتساءل في حيرة المشتاق: أين يذهب هذا المال؟ نقامرُك على أن تصدر جريدة ليس عليها إلا اسمك ووسمك، وليس لها اعتماد إلا على قيمتك الشخصية وسمعتك الاجتماعية، فإن راجت المائة الأولى من العدد الأول قمنا لك بالشرط وإن ثقل، وبؤت بفائدتين: المال ومعرفة أين ذهب بعض المال.
стр. 1432
أيها الشيخ:
"إن البلاء موكل بالنطق"، وإن من قال كل ما يُحبّ، سمع بعض ما يكره. وإن من اشتغل بالناس، يوشك أن يشغله الناس عن نفسه. وإنك ستتجنّى وتتّهم وتتعنّت وتذهب في التأويل كل مذهب، ولكنَّك لا تأتي بشيء جديد، فكل ما تقوله غدًا قد قلته أمس مكررًا ومعادًا، وأنت امرؤ بادي المقاتل لخصومك، بادي الهنات لأصدقائك، ومن كان مثلك لم يَضر عدوًّا، ولم يسرّ صديقًا.
هذا بعض حقّك علينا أدّيناه معذورين، أما حقُّ أصحابك فسنؤدّيه معذورين ومشكورين.
стр. 1433
من نفحات الشرق
الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار *
ــ
علم من أعلام الإسلام، وإمام من أئمة السلفية الحقّة، دقيق الفهم لأسرار الكتاب والسنّة، واسع الاطّلاع على آراء المفسّرين والمحدثين، سديد البحث في تلك الآراء، أصوليّ النزعة في الموازنة والترجيح بينها، ثم له- بعدُ- رأيه الخاص. يوافق ما يوافق عن دليل، ويخالف ما يخالف إلى صواب، لأنه مستكمل للأدوات المؤهلة لذلك، ولأنه يفهم القرآن على أنه أصل ترجع إليه الآراء والمذاهب والفهوم، وأنه كتاب الكون، ودستور الإنسانية، لا كما يفهمه كثير ممن كتبوا في التفسير. فجرّدوا أقلامهم لتسطير أفهام غيرهم، وجرّدوا القرآن من خصائصه العليا، وقيّدوا هدايته العامة بمذاهبهم الخاصّة.
والأستاذ البيطار مجموعة فضائل، ما شئت أن تراه في عالم مسلم من خُلق فاضل إلا رأيته فيه، مجاوز للحدود المذهبية والإقليمية، يزِن هذه المذاهب الشائعة بآثارها في الأمة، لا بأقدار الأئمة، ويعطي كُلًّا ما يستحق، جريء على قولة الحق في العلميات، ولكن الجرأة منه يلطفها الوقار، والوقار فيه تزيّنه الجرأة، فيأتي من ذلك مزاج خُلقي لطيف، متساوي الأجزاء، مُلتحم الخلايا، قل أن تجده في أحد من علمائنا المعدودين.
والأستاذ البيطار مفكّر عميق التفكير، وخصوصًا في أحوال المسلمين، بصير بعللهم وأدوائهم، طَبٌّ بعلاجهم ودوائهم؛ يرى أن ذهاب ربحهم من ذهاب أخلاقهم، وأن معظم بلائهم آتٍ من كبرائهم وأمرائهم وعلمائهم، وهو يعني كبراء الدعوى، وأمراء السوء، وعلماء التقليد. يرجع في ذلك كله إلى استقلال في الفهم والاستدلال، ومقارنات في التاريخ والاجتماع، وتطبيقات مصيبة للحقائق الدينية على السنن الكونية، وله في الإصلاح الديني سلف صدق، حقّقوه علمًا، وطبّقوه عملًا. يعتمد في تحصيله وتربيته على طودَيْن شامخين من أطواد
стр. 1434
العلم والعمل: أحدهما الإمام عبد الرازق البيطار، والثاني الإمام المحدّث جمال الدين القاسمي، عنهما أخذ، وفي كنفهما نشأ، وعلى يدهما تخرّج. فجاء عالمًا من ذلك الطراز الذي نقرأه في التراجم، ولا نجده فيمن تقع عليه العين من هؤلاء العلماء الذين يقرأون ويحفظون وينقلون، ولكنهم لا يفقهون ... هذا العديد المتشابه الذي كأنه نُسخ من طبعة واحدة من كتاب، لا يقع التحريف في واحدة منها إلا وقع في جميعها، ولا يزيد واحد منهم في العدد إلا كما يزيد كتاب في مكتبة، لا كما يزيد فارس في كتيبة، بآية أنهم ما كثروا في الأمة إلا قلّت بهم الأمة، ولا ثقلوا في أنفسهم إلا خف وزنها في الأمم، ولا تغالوا في التعاظم إلا كان ذلك نقصًا من معاني العظمة فيها، وبآية أن علمهم لم يؤهّلهم لقيادة الأمة، فتركوا القيادة لغيرهم، وأصبحوا كأدوات التصدير التي يسبقها حرف الجر، فيدخل عليها ولا يعمل فيها، وبآية أنّ العالم في أوربا لا يعدّ عالمًا إلا إذا زاد في العلم شيئًا، أو كشف من خفيِّه شيئًا، أو جلا من غامضه شيئًا. ونفض- مع ذلك- على العلم من روح زمنه شيئًا؛ ولا عجب ... فالعلم عندهم ياقوتة في منجم، وعندنا ... لفظة في معجم، والأولى تستخرج بالبحث والإلحاح، والثانية تستخرج بمعرفة الاصطلاح، والأولى حظ المجتهد العامل، والثانية حظ المقلّد الخامل.
بدء معرفتي به:
خرجتُ من المدينة- فيمن خرج- إلى دمشق في أخريات سنة ست عشرة ميلادية، وكنت أتمنى لو أن دواعي ذلك الخروج كانت تقدمت ببضع سنوات لأدرك الإمامين اللذين كانت لهما في نفسي مكانة، وهما عبد الرزّاق البيطار وجمال الدين القاسمي. وكنت- وأنا بالمدينة- قرأتُ للقاسمي عدة كتب عرفت منها قيمته ومنزلته، وقرأت عن البيطار وسمعتُ ما دلّني عليه وأدناني منه.
وفي أول اندلاع الثورة الشريفية قدم المدينة من دمشق جندي شاب من آل المارديني، وتعرّف إليّ في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، وتردّد على دروسي مرات في الحرم النبوي، فانعقدت بيننا ألفة روحية لا تأتي بمثلها الأسباب، وذلك الشاب شقيق الاستاذ جودت المارديني، ولأسرة المارديني بدمشق صلة متينة بأسرتَي القاسمي والبيطار. فكنت أسأله عما يهمُّني من دمشق وأحوالها وعلمائها، وعن القاسمي والبيطار. كأن هاتفًا من وراء الغيب القى إليَّ أنني سأرحل إلى دمشق. فأخبرني ذلك الشاب أن الله تعالى أبقى من بيت البيطار وارثًا لعلم الإمامين ومشربهما في الإصلاح، هو الأستاذ محمد بهجة البيطار، وأن له من الشباب المحصل صحبًا قليلًا عددهم، يوافونه على الفكرة، ويلتقون معه على المبدإ، وأنه هو إمامهم ومرجعهم، فشوَّقني حديث الشاب إلى الاستاذ، وعلمتُ أن الروحين تعارفتا، فائتلفتا، ولم يبق إلا تعارف الأجساد.
стр. 1435
ثم رجع الشاب إلى دمشق فأخبر الأستاذ عني بمثل ما أخبرني عنه، فتمّ التجاوب الروحاني بيننا، وتنادت الروابط الفكرية إلى الاجتماع فكان.
ولما دخلت دمشق بعد ذلك بقليل، كان أول من زارني- بعد كرام الجالية الجزائرية- من أصدقائي السوريين الذين عرفوني بالمدينة المنوّرة: الأستاذ عبد القادر الخطيب المظفر، وذلك الشاب المارديني الذي أنساني الزمان اسمه وإن لم لينسني ذكراه، فكاد يطير فرحًا بمقدمي، وطار إلى أبناء المشرب، كما كان يسمّيهم، يؤذن فيهم بزيارتي فزاروني لأول مرة في رهط أذكر منهم شيخ الجماعة الأستاذ البيطار، والأستاذ عبد الحكيم الطرابلسي، والأستاذ جودت المارديني، والأستاذان قاسم ورضا القاسميين والأستاذ سعيد الغزي، والأستاذ عبد القادر المبارك، وكان بيننا في لحظة ما يكون بين إخوان الصفا وإخوان الصبا من تأكُّد المحبة وارتفاع الكلفة وسقوط التحفّظ. ثم تعاقبت الاجتماعات وانتظمت، واتّسقت أسباب اللقاء، واتّسعت آفاق البحث في الأسمار، وكثُر الصحب، وما منهم إلا السابق المغبر، والكاتب المحبر، واللسِن المعبّر، فكنّا لا نفترق من اجتماع إلا على موعد لاجتماع، وكان واسطة العقد في تلك المجالس الأستاذ الجليل والأخ الوفي الشيخ الأستاذ محمد الخضر حسين مدّ الله في حياته. ولقد أقمت بين أولئك الصحب الكرام أربع سنين إلا قليلًا، فأشهدُ صادقًا أنها هي الواحة الخضراء في حياتي المجدبة، وأنها هي الجزء العامر، في عمري الغامر؛ وأني كنت فيها أقرّ عينًا وأسعد حالًا من ذلك الذي نزل على آل المهلب شاتيًا، فوجد الإدبار رائحًا والإقبال آليًا. ولا أكذب الله، فأنا قرير العين بأعمالي العلمية بهذا الوطن (الجزائر)، ولكن ... من لي فيه بصدر رحب، وصحب كأولئك الصحب؟
إن نسيت فلن أنسى ساعات كنت قضيتها في مكتبة آل القاسمي ممتعًا عيني وذهني في مخطوطات جمال الدين، ومسودات مباحثه في التفسير والحديث، وفي ذلك المخطوط الحافل الذي ما رأت عيني مثله في موضوعه، وهو كتاب "بدائع الغرف، في الصنائع والحِرف" لجدّه الشيخ محمد سعيد الحلّاق، أرّخ فيه لصناعات دمشق الجليلة التي أخنى الزمان على أكثرها، وجلا فيه صفحات من مجدها الصناعي البائد.
ويا رعى الله عهد دمشق الفيحاء وجادتها الهوامع وسقت، وأفرغت فيها ما وسقت. وخصّت بالمثقلات الدوالح مجامع الأحباب، وأندية الأصحاب، من الصالحية والجسر والنير بين المزة والربوة. فكم كانت لنا فيها من مجالس، نتناقل فيها الأدب، ونتجاذب أطراف الأحاديث العلمية، على ود أصفى من بردى تصفق بالرحيق السلسل، ووفاء أثبت من أواسي قاسيون، وأرسى من ثهلان ذي الهضبات. لا توبَن في مجالسنا حرمة، ولا يُكلم عرض، ولا يقارف مأثم. وإنما هو الأدب، بلا جدب، نهصر أفنانه، والعلم، بلا ظلم،
стр. 1436
نطلق عنانه. والفن، بلا ضن، نروّق دنانه. والنادرة، بلا بادرة، نتلقفها. والنكتة، بلا سكتة، نتخطفها.
ويا تُربة الدحداح، بوركت من تربة، لا يذوق الغريب فيها مرارة الغربة. ولا زلت مسقطًا لرحمات الله. إنني أودعت ثراك أعزّ الناس عليّ: أبي وابني وجدَّي أولادي. فاحفظي الودائع إلى يوم تُجزى الصنائع.
ويا جنات الغوطة، وقراها المغبوطة، لا زلت مجلى الفطر، والحد الفاصل بين البدو والحضر، أشهد ما عشوتِ من الغرب إلى نار، ولا عشيت منه بنور. ولأنت التي تمسكين دمشق أن تميد، ومن فيها أن يميل. تبارك من رواك بسبعة أودية، وكساك من وشي آذار بخضر الأردية. كم فُتنتُ بمناظرك الشعرية، وأخذت بمجاليك السحرية، وكم تزوّدت عيناي فيك بروضة وغدير، وكم تمتّعت أذناي من جداولك وأشجارك بحفيف وهدير.
ويا يوم الوداع ما أقساك، وإن كنت لا أنساك. لا أنسى بعد ثلاثين سنة ولن أنسى ما حييت موقف الوداع بمحطة البرامكة والأستاذ الخضر يكفكف العبرات، وتلامذتي الأوفياء: جميل صليبا، وبديع المؤيد، ونسيب السكري، والأيوبي، يقدّمون إلي بخطوطهم كلمات في ورقات، ما زلت محتفظًا بها احتفاظ الشحيح بماله.
عهود لم يبق إلا ذكراها في النفس، وصداها في الجوانح، والحنينُ إليها في مجامع الأهواء من الفؤاد. ولولا أن السلوّ كالزمن يتقادم، وأن الهوى مع العقل يتصادم، لقلت مع المتنبي: أبُوكم آدم (١)! ... ولقد راجعتُ "مذكّراتي" المنقوشة في ذاكرتي فوجدتُها حافظة لتلك العهود بأيامها ولياليها وأحاديثها، فليت شعري أيذكر الأحياء من إخوان الصفا مثل ما أذكر؟ ذلك ما تكشف عنه رسالة الأخ الأستاذ محمد بهجة البيطار التي ننشر بعضها بعد هذه الكلمات. وهي التي أثارت هذه الذكريات في نفسي فكتبتها، ليعلم هذا الجيل الذي نقوم على تربيته أن في الدنيا بقايا من الوفاء والمحبة، تتماسك بها أجزاء هذا الكون الإنساني، وأنه لولا هذه البقايا لانحدر الإنسان إلى حيوانية عارمة كالتي بدت آثارها في الجماعات التي جفّت نفوسها من الوفاء والمحبة، فخلت من الإحسان والرحمة، فهوت بها المطامع، إلى ما يراه الرائي ويسمعه السامع. وإن منبت الوفاء الشرق، وإن زارعه وساقيه والقيّم عليه هو الإسلام، وعسى أن تحمل «البصائر» هذه الذكريات إلى الإخوان الأصفياء في دمشق فنتنادم على البُعد، ونلتقي على الذكريات، ونتناشد:
стр. 1437
إِنَّا عَلَى الْبِعَادِ وَالتَّفَرُّقِ ... لَنَلْتَقِي بِالذِّكْرِ إِنْ لَمْ نَلْتَقِ
وعهدًا لأولئك الإخوان أني ما جفوت ولا غفوت، وأني لم أزل- منذ افترقنا- أتسقّط أخبارهم من الصحف ومن السفار، ولولا الهزاهز والفتن ما انقطع بيننا للصلة حبل.
стр. 1438
محمد خطاب *
إذا خلا الاسم من نعوت السيادة، وتجرّد أصله من حروف الزيادة، فصاحبه هو السيد، والصرح أملأ للعيون ممردًا، والسيف أرهب للنفوس مجرّدًا.
...
وأخونا محمد خطاب رجل من رجال الأعمال الذين لا يردّ نجاحهم فيها إلى الإرث، أو المصادفات والمغامرات؛ وإنما يردّ إلى العصامية، والبناء المتأنّي طبقًا عن طبق، ومماشاة العصر الجديد، في الأخذ بوسائل التجديد.
منقطع النظير من بين رجالنا في عدة خلال، لو تفرّقت عليهم ووجدت فيهم لنفعوا أنفسهم، وشرّفوا أوطانهم، فما شئت من حنكة وتدريب، وما شئت من خطًى واسعة في الاختيار والتجريب، وما شئت من نهزة وتشمير. لا تفوت معهما فرصة، وما شئت من ضبط للوقت لا تتجرعّ معه من التفريط غصّة، إلا وجدت كل ذلك فيه؛ شهد الزائرون لمزارعه الواسعة بالمغرب، التي يديرها بنفسه، ويُفيض عليها من عزيمته وذوقه الفنّي، أنها نموذج عال من الفن الراقي في الفلاحة، ومدرسة منظّمة يمارس فيها العملة المخلصون لأنفسهم من أساليب الزراعة والغراسة وآلات الفلح المتنوعة، كل مفيد نافع؛ وإنهم لكثرة ما يتعهدهم بالإحسان والنصح والتدريب يعتبرون أنفسهم شركاء وزملاء لا عملةً ومأجورين. وهذه هي نهاية ما تصل إليه النفوس من السموّ، والهمم من الكمال؛ وهذه أيضًا هي نهاية ما يصل إليه الإحسان، من الرضا والاطمئنان وسدّ منافذ الحسد والحقد، ولو أن أصحاب الأعمال الكبرى ساسوا العمال بمثل هذه السياسة، لما نشأت المشكلة الاجتماعية التي قسمت العالم إلى معسكرين متناحرين.
...
стр. 1439
ومحمد خطاب من الأغنياء الذين يظهرون آثار نعمة الله عليهم، ويحصّنونها بالإحسان، فهو برّ بعماله، برّ بأمّته وبوطنه، وهو نابغة من نوابغ الإحسان، ما يتمنّى المتمنّي أن له به أمّة كاملة من هؤلاء الأغنياء الذين عنا الشاعر واحدًا منهم فعناهم جميعًا، إذ يقول:
يُمَارِسُ نَفْسًا بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً ... إِذَا هَمَّ بِالْمَعْرُوفِ قَالَتْ لَهُ مَهْلَا
ففي ماله حقوق لله، يقسّمها على عيال الله، وفي ماله حقوق لأمّته، يقسّمها على مصالحها العامة، وفي ماله حقوق لوطنه الثاني كفاء لما أفاء عليه من خير، واعترافًا بما لبنيه عليه من فضل الأخوّة، وحقوق لوطنه الأول، بدأت بذوي القربى والأرحام، ورفقاء الصبا والملاعب، وانتهت عند المصالح العامة، والمشاريع النافعة، والكرماءُ المحسنون في الأمم من نفحات الله، ففيهم من آثار رحمته سمة. وعليهم من شمولها مسحة، وعندهم أن غاية المال محامده وفضائله، وأن ثمرته رفع الذكر، وإعلاء القدر، وأن ادخار صنائع المعروف خير من ادخار المال.
ومن اللطائف النفسية في المحسنين أن كل واحد منهم مولع بناحية من نواحي الإحسان، تغلب على طبعه فتكون مجلى لكرمه، ومنتهى لإحسانه، حتى تغطي على النواحي الأخرى، فقد عرفنا من حاضر التاريخ وغابره أن للمحسنين أذواقًا في الإحسان. وفي نفوسهم اتجاهات، معلّلة في الغالب بآثار تتركها المشاهدات والتأملات في أذهانهم وعقولهم، فبعضهم يقف إحسانه على نوع من البؤساء كاليتامى أو المرضى أو الفقراء، وبعضهم يقف إحسانه على المبادئ الفكرية أو الاجتماعية النافعة، وينتهي الشذوذ ببعضهم في الرحمة إلى أن يقف إحسانه على الحيوان الأعجم، يخفف من شقائه، أو يحافظ على بقائه.
وأخونا خطاب مولع- بعد الإحسان العام الذي فُطر عليه- بالإحسان إلى العلم وتعليمه. وقد ملكتْ عليه هذه الجهة هواه، وهام بها هيام المغرم المفتون، يفيض ذلك على لسانه وفي أحاديثه الخاصة والعامة، وإن هذا الاتجاه منه لأصدق دليل على قوّة التمييز، وحسن الاختيار لجوانب الخير التي يخصها المحسنون بإحسانهم، وجوانب الخير تتعدّد وتتشابه، فيقع اختيار المقلّدين السطحيين على أسهلها في المراس، وأخفّها في الحمل، وأقربها لمدح المادحين، ويختار المحسنون الصادقون أثقلها محملًا، وأعمّها إفادة، ولا يشك وطني صادق أن أنفع الأعمال لأمّتنا الجاهلة هو التعليم والإنقاذ من شرّ الأميّة، وأن ألف جائع تطعمهم، وألف عار تكسوهم، لا يغنون عن الأمّة غناءَ عشرة تلاميذ تعلّمهم تعليمًا نافعًا، وتربّيهم تربيةً صالحة.
***
стр. 1440
ولأخينا خطاب في إحسانه إلى التعليم فلسفة دقيقة تزيد في قيمته، وهي أنه لا يضع إحسانه إلا حيث يعتقد أنه يفيد وينفع، ولا يضعه إلا في الأيدي التي تحسن تصريفه، احتياطًا للإحسان أن يضيع في غير مفيد للأمّة، لأن لكل عمل ظواهر تغرّ، ودجلةً يستغلون، ولكل صاف من الحق مكدرات من الباطل، وهو يرى- مصيبًا- أن حركة جمعية العلماء هي أصدق الحركات القائمة بهذا الوطن. وأن رجالها هم أخلص الرجال العاملين لخير الوطن. وأن مبدأها هو أثبت المبادئ النابتة بهذا الوطن؛ لذلك آثر- من سنوات- أن تكون مبرّاته المالية للعلم والتعليم على يدها، فنذر مبلغًا من المال يدفعه مسانهة لرئيس جمعية العلماء، وهو يوزّعه- بالاتفاق مع المحسن الكريم- على أقرب وجوه التعليم إلى النفع، وقد كانت المبرّة في هذه السنة مضاعفة، وكان النفع بها مضاعفًا، نال منها معهد ابن باديس مائتا ألف فرنك، ومدرستي تونس لسكن الطلبة مائة وتسعون ألف فرنك، ومدرسة خطاب بالميلية (مسقط رأس المحسن) مائتا ألف فرنك، ونال جمعية بعثات جمعية العلماء إلى تونس مائة ألف فرنك وصلتها على أقساط، ومدرسة الفلاح بوهران خمسون ألف فرنك، ومدرسة الأمير عبد القادر بمعسكر خمسون ألف فرنك، وجريدة «البصائر» مائة ألف فرنك.
أما مدرستا تونس لسكن الطلبة فهما داران اكترتهما جمعية العلماء لتشارك بهما في تخفيف أزمة إسكان الطلبة وأوكلت التصرّف فيهما لوكيلها الأستاذ الشيخ الشاذلي بن القاضي. وقد كانت الجمعية تدفع ثمن كرائهما في كل سنة، ولكنها في هذه السنة وقعت في ضائقة سببها استنفاد المعهد الباديسي لجهودها المالية، فتأخّر دفع قيمة الكراء عن أجله أشهرًا، ولما علم بذلك هذا المحسن الكريم التزم أن يضاف إلى المبرّة ثمن كراء الدارين وقدره مائتا ألف وأربعون ألف فرنك للسنة، ليخفّف بذلك حملًا ناء به صندوق الجمعية، وليمهّد لها سبيل التفرّغ لمشاريعها الكثيرة.
وقد طلب هذا المحسن الكبير من رئيس جمعية العلماء أن يضع له قائمة جديدة بالمشاريع التي تدخل في المبرّة للسنة المقبلة، فوقع الاتفاق بينهما على المشاريع الآتية: مدرسة الفلاح بوهران، مدرسة الأمير عبد القادر الناشئة بمعسكر، مدرسة قنزات، مدرسة وجامع حيّ "سانت أوجين" بالجزائر، مدرسة وجامع حي "بيلكور" بالجزائر، وسينال كل مشروع حظه من المبرّة في شهر سبتمبر الآتي إن شاء الله.
مدّ الله في عمر الأخ الكريم، وزاده من فضله وخيره، وأسبغ عليه أردية الصحة والعافية، وجعله قدوة في الصالحات، وكفاه كيد الكائدين، وحسد الحاسدين.