في كل قطر إسلامي هم أصحاب مبدئها قبل غيرهم فلا ترضى لأبنائها المبعوثين إلا أن يحذوا حذوها في هذا الباب، وتوجب عليهم أن يتّصلوا بمن هو على شاكلتهم.
والله يتولانا جميعًا بهداه وتوفيقه، ويجنبنا فتن الغرور والزيغ والضلال، ويقينا شرور أنفسنا، ويعصمنا من الآراء المضلّة، ويثبّتنا على الحق والهداية حتى نلقاه لا وانين ولا مقصّرين، ولا مبدلين ولا مغيرين.
стр. 1787
تعليق على كلمة الأستاذ الكبير
الشيخ محمد عبد اللطيف دراز *
- ١ -
الأستاذ الكبير محمد عبد اللطيف دراز عالم من غير الطراز المعروف، يمتاز بدقة الملاحظة، وسعة الأفق، وسداد التفكير، وتبرز فيه خلة من خلال أماثل العلماء وهي الوفاء مقرونًا بالنجدة، والشجاعة مصحوبة بالأناة، وينفرد بخصوصية يندر جدًا أن نراها على أكملها في عالم من علمائنا الدينيين، وهي العناية بدراسة أحوال المسلمين في جميع الأقطار، والافتتان بالبحث عن حركاتهم ونهضاتهم وعلائق بعضهم بالبعض، بحيث تحادثه في هذا الباب فتشرف منه على بحر متلاطم بالمعلومات الصحيحة المدققة عن المسلمين وحكوماتهم وجمعياتهم، ولا تجد له ثانيًا من صنفه في الحرص على الاتصال بكل من يزور مصر من رجال الإسلام وأقطابه في العلم والسياسة، وعلى التبسّط معهم في السؤال والتقصّي في البحث والمدارسة.
ولهذه الميزات في أستاذنا الكبير تتّجه إليه الأنظار دائمًا لرئاسة الجمعيات الإسلامية الكبيرة في مصر، وتتوارد عليه الطلبات لعضوية هذا النوع من الجمعيات خارج مصر، وهو اليوم رئيس جمعية الكفاح لتحرير الشعوب الإسلامية وعضو في الكثير من الجمعيات والمؤتمرات الإسلامية، وقضى من عمره سنوات في إدارة الأزهر ثم في الوكالة، فكان في إدارته حازمًا وكان في وكالته أحزم.
بحكم هذه الخصائص التي أصبحت له ملكات تصدر عنها أعماله نجده أعرف إخواننا العلماء الشرقيين بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، يعرف عنها وعن رجالها- وهو في مصر- ما لا يكاد يعرفه الجزائري إلا بالدراسة والاتصال والعناية المقصودة، وزاده الاتصال بالأستاذ الورتلاني- خمسة عشر عامًا- اطّلاعًا على حقائقها وفقهًا في دقائقها.
стр. 1788
وكما يعرف الأستاذ دراز عن جمعية العلماء كثيرًا تعرف هي عنه أكثر، وليست معرفة جمعية العلماء به جديدة بل ترجع إلى تاريخ نشأتها، فالسابقون الأولون من رجالها يعرفون مواقفه في الثورة المصرية ١٩١٩ ويعرفون شذوذه عن صنفه في اقتحام السياسة واصطلاء نارها ومزاحمة رجالها بمنكب قوي، على حين كان ذلك معدودًا عند علماء الدين نوعًا من الابتداع أو الابتذال، وقد انتخبه المجلس الإداري لجمعية العلماء الجزائريين بالإجماع رئيسًا شرفيًا لها منذ سنوات مع من انتخب لذلك من علماء الإسلام، فإذا تكلم عن جزئية دقيقة من الجزئيات الخاصّة بجمعية العلماء وعلاقاتها الداخلية فكما يتكلّم صاحب الدار عن داره أو كما يتكلم الشريك في علائقه مع شركائه.
...
وأبدأ ... فأشكر للأستاذ الجليل تفضّله بهذه الملاحظات الخالصة، وأؤكد له أن موقعها مني بالخصوص كان موقع صدقة المؤمن الكريم من الفقير إليها، كما أحمده بقلبي ولساني وكل جوارحي على هذا التقدير الجميل لرجل من رجال جمعية العلماء ومفخرة من مفاخرها، تعده- وان قصرت في حقّه- جيشًا لا رجلًا، وعقيدة مجسّمة لا شخصًا، وأَعتبر أن هذا التقدير مصروف لجمعية العلماء في شخص قطب من أقطابها وسابق من سباقها.
وأشكره شكرًا مكرّرًا على هذا النوع اللطيف من العناية بجمعية العلماء في معرض يتراءى بلونين، عتاب وتقرير، وبأسلوب يبدو بصبغتين، نصح وتقدير، وهذه طريقة لا يحسن مثلها إلا أمثال الأستاذ حفظه الله.
أما ما نعاه الأستاذ الكبير علينا متفضلًا فهو حق لا شك فيه، وأنا المسؤول الأول عنه بحكم رئاستي لهذه الحركة التي وجّه الأستاذ إليها لومه وعتابه، فكما أتحمّل على إخواني واجباتها بقدر استطاعتي أتحمّل مسؤولياتها بما فوق استطاعتي، وقد أوقعنا الشاعر- سامحه الله- في الحرج بقوله:
وإن رئاسة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلعها طويل
أقدّم بين يدي تعليقاتي الاعتراف بالتقصير في الاهتمام بالأستاذ الفضيل وأقرّر للحق والإنصاف أنه طالما وخزني ضميري حينما أشعر بهذا التقصير في المواقف التي يجب فيها الاهتمام به كأيام محنته، فأبثّ مَن حولي من الإخوان هذا الشعور فأجد شعورهم مساوقًا لشعوري. وكل ما أذكره الآن من المعاذير- على ضعفها- هو الغفلة والتواكل والاعتماد على ما في القلوب والاطمئنان إلى أن الفضيل غني بالقلوب المحيطة به وبالنفوس المهتمّة بشأنه، وربّما خطر في بال أحدنا أننا أحوج إلى اهتمامه بنا منه إلى اهتمامنا به.
стр. 1789
هذه أعذار أؤكد أنها واقعة وأعتقد أنها واهية، فالغفلة نقيصة وإن لم يبرأ منها أحد فلا تنهض عذرًا عن الحقوق الأدبية ذات الأثر النفسي العميق وبقية الأعذار تتفاوت في وجاهتها ووزنها وقبول العقول لها.
وإذا قصر إخوان الفضيل في جنبه أو قصرت الجزائر كلها، فما ذلك بالذي يضير الفضيل أو ينقص من قيمته شيئًا وإنما يضير المقصّرين، لأنهم يحرمون من ثمرات الاتصال الممتع به، وما هي بالقليلة. ففي الاتصال الكتابي وقوف على الحقائق ومثارات للبحث والسؤال والجواب والاستفتاء والعرض والكشف عن الغوامض، وفيه أبواب من القول تفتح أبوابًا، وأسباب تستتبع أسبابًّا، وما انتقلت العلوم من قطر إلى قطر إلا بذلك الأسلوب الذي كانوا يدعونه المراجعات، إذ كانت تغني كثيرًا عن المثافنة والتلقّي والتلقين.
وكثيرًا ما أطفأ الاتصال الكتابي نائرة وسفر بالرحمة بين قلبين وصدّ نفسًا عن هواها وجلا عن وجه رأي، وعن نفسي أتحدّث، فقد اكتنفتني- وأنا بالجزائر- في حدود سنة ١٩٤٩ أحوال ضاق بها صدري وصبري فهممت أن ألقي حبل الجمعية على غاربها وأهجر الإخوان والأعوان وأنقطع للتأليف، ووافق طفح النفس بالاغتمام أن كان بين يديّ كتاب من الفضيل يتقاضى جوابه فكتبت الجواب وأنا في تلك الحالة، وشرحت له في الأسطر الأخيرة من الرسالة بعض الأسباب التي أدّت بي إلى تلك الحالة وذكرت له ما عقدت عليه العزم من التخلّي لا على وجه المشورة بل على وجه الإخبار بشيء مفروغ منه، فجاءني جواب الأستاذ يثنيني عن تلك العزيمة بأسلوب من الرأي أخذ نفسي أخذة السحر ومسح منها تلك العزيمة المصمّمة مسح السوافي للرسوم، وبتّ وفي النفس هم يعتلج، فأصبحت بفعل تلك الرسالة أو بفضلها صاحي القلب من تلك الدواعي كلها، ولقد قرأت كثيرًا للأدباء القدماء في باب سل السخائم ونقض العزائم، وفيه العجب العاجب من الافتنان في ضروب الاقتدار على ثني أعنّة النفس وصرف أهوائها من جو إلى جو بسحر البيان، ومن ألطف ما قرأت تأثيرًا وأدقّه تعبيرًا قول أديب أندلسي يثني عزيمة عالم عن الرحلة إلى الشرق:
أشمس الغرب حق ما سمعنا ... بأنك قد سئمت من الإقامه
وأنك قد عزمت على رحيل ... بحق الله لا تقم القيامه
ونفثة السحر والتأثير أنه هيّأ لمراده بقوله: "أشمس الغرب" ثم ختم بقوله: "لا تقم القيامة" إشارة إلى أن طلوع الشمس من مغربها من علامات قيام الساعة.
قرأت كثيرًا من هذا النوع ومثّلت نفسي معنيًا به فما وجدت له من التأثير ما وجدت لرسالة الفضيل إلي، وليس مرجع التأثير إلى البلاغة التي يتأثر بها أمثالي بل قوة الرأي وسداد الحجة، ولا أذكر أن كلمة ثنت عزيمتي عن يشيء هممت به إلا كلمة الفضيل هذه، وكلمة
стр. 1790
قبلها لأخينا الأستاذ الإمام عبد الحميد بن باديس ﵀، فقد وقعت مرة في هم برّح بي فصمّمت على الخروج من الجزائر، وزارني بمدينة تلمسان وأنا مصمّم فكشفت له عن ذات صدري، فارتاع ورأى أن إقناعي بالكلام المعتاد لا يثني عزمي فسكت قليلًا وقال: إن خروجك يا فلان أو خروجي يكتبه الله فرارًا من الزحف. فوالذي وهب له العلم والبيان لقد كانت كلمته تلك شؤبوبًا من الماء صبّ على لهب.
стр. 1791
- ٢ * -
ونعود إلى إخواننا في الجزائر فنشهد لهم جميعًا أنهم يحملون للفضيل من الإكبار والتقدير ما هو أهله وما ينتهي أحيانًا إلى المبالغة، ونشهد عليهم أنهم مقصّرون في شيء ينفعهم لو قاموا به ولا يضرّه تقصيرهم فيه، وأنهم حرموا لذلك من فوائد وثمرات أهمّها عدم اطّلاعهم على جهوده وأعماله التي يعدّ كل واحد منها موضع قدوة، والكمال وليد القدوة، وعدم الاتصال بالكاملين مع القدرة عليه نقص، والاكتفاء بالسماع عن النوابغ يفضي في الغالب إلى تصوّرات خاطئة في حقّهم تعلو إلى الغلو أو تسف إلى التفريط، وسير النوابغ كالنصوص يجب أن تؤخذ كما هي وإلا أفسدت القدوة.
والإخوان بالجزائر- في نظرتهم إلى الفضيل- قسمان خاصة وعامة، مع إجماعهم على إكباره وتقديره، فالخاصة يزنون قيمته بالميزان القسط، ويعرفون عن أحواله الخاصّة والعامة ما هو واقع أو قريب من الواقع، أما العامة فيتوهّمون فيه أشياء ينتزعونها من شهرته ومقامه بين الشرقيين وما يتطاير من أخباره ويجسّمها لهم الخيال فتنطوي نفوسهم عليها كأنها حقائق ثم يتناجون بها في المجالس على أنها حقائق.
...
وأنا ... فمن مقاصدي في هذه الرحلة أن أدرس- عن عيان- المهم من القضايا الإسلامية، وأدرس العاملين من رجال الإسلام لآخذ عنهم القدوة الحسنة لنفسي أولًا، ولقومي يوم تنشر مذكراتي عن هذه الرحلة ثانيًا، وأشهد الله أنني استفدت من هذه الدراسة كثيرًا وأكملت جوانب من نقصي، ولا أكذب على الحقيقة فقد كنت ناقصًا وما زلت ناقصًا
стр. 1792
ولكنني أعد من دواعي الكمال، السعي في التكميل، ومن أشنع النقص ادّعاء الكمال، ومن أراد أن يعرف نفسه فليضعها أمام كامل، فكأنما يقابل منه مرآة مجلوة، وقد كنت أحفظ اللزوميات ثم أنسيتها وبقي في نفسي شيء من الاعتزاز بذلك بعد النسيان، مثل اعتزاز الفقير بغناه الزائل، فلما لقيت من حفظ اللزوميات في مثل سنّي ولم ينسها احتقرت نفسي وبرئت من الاعتزاز الزائف.
درست أبا الأعلى المودودي وسليمان الندوي وعبد الغفار خان من باكستان وكتبت عنهم مذكّرات ودرست جماعة من العلماء العاملين في العراق والشام ومصر من الأحياء وممن تأخر موتهم، ودرست أمين الحسيني وحسن البنا والفضيل الورتلاني عيانًا في الحيين وشبه عيان في الميت لاستفاضة شهرته في جميع الأوطان التي زرتها ولخلود الأهرامات التي بناها من النفوس لا من الحجر، ودرست بعض رجال الثورات المادية، وكل ما كتبته من مذكرات عن هذه الدراسات ستنتفع به الأجيال يوم ينشر إن شاء الله، ومفتاح دراساتي هو عمل الرجل وغايته وجهاده، وتفسير العمل عندي ما يبنى على عقيدة لئلا يتناقض، وما تدفعه إرادة لئلا يتراجع، وما يحثّه جهاد لئلا يقف، وما يصحبه تجرّد لئلا يتّهم، وما ينتشر لئلا يضيق فيضيع، وما تكون غايته الخير لئلا يكون فسادًا في الأرض.
وبهذا المقياس درست الأعمال والعاملين ومنهم الورتلاني، ولم يزد الورتلاني عليهم بسابق معرفتي له ولا بكونه خريج المدرسة الإصلاحية التي شاركت في بنائها ولا بالعشرة الملازمة بيننا، فقد تجردت في دراستى له عن كل ما أعرفه عنه من أول النشأة إلى الآن، حتى كأن الفضيل الذي أدرسه غير الفضيل الذي أعرفه، وقد كانت هذه الدراسة وهو في المرحلة الوسطى من عمره وعمله، وهي مرحلة يغلب أن تثبت ولا تحول، وتتمادى ولا تتغيّر، ومن الخطإ أن يبنى تاريخ الرجال على الحقبة الأولى من حياتهم كالذين أرّخوا لحياة ابن خلدون العلمية بما قبل تأليفه للمقدمة، وللرجال مراحل يطولون فيها ويقصرون ويزيدون وينقصون، لذلك كان أصدق تواريخ الرجال ما يكتبه الدارسون المتقصون عنهم بعد موتهم لأن الموت ختم على صحائف الأحياء.
والدراسة المستوعبة للفضيل ليس محلها الجرائد المعدودة الأيام والمقالات المعدودة السطور، وإنما ميدانها الكتب والمذكرات، ولكنني رأيت من الإحسان إلى الجزائر والبر بها بل من حقوقها علي أن أدفع عنها وصمة التقصير بالاعتراف به، والاعتراف بالحق أم الفضائل، وأن أحمل عنها تبعة التقصير، وأن أمسح بهذا الحمل عنها وقع العتاب من رجل تحبّه ويحبّها وهو الأستاذ الجليل محمد عبد اللطيف دراز، وقد تلمحت في ملاحظاته لحظة علوية ومن يدري فلعلّها هي التي حرّكتني إلى أداء واجب مزدوج فيه بر وفيه وفاء وفيه إحسان، وفيه خير- إن شاء الله- لقومي كلهم.
стр. 1793
لذلك كان من الخير الذي تسبّب فيه الأستاذ الجليل أن أتعجّل لإخوان الجزائر الكشف عن بعض جهات الفضيل في هذه المرحلة الثانية من عمره العملي، وهي الجهات التي قد يخطئ فيها وهم الواهمين في أدنى مراتب الوهم وتصوّرات الغالين في أقصى مراتب الإفراط، من أن ملابسته للطبقات العالية أَعْدَتْه بالتعالي، وأن الثروة وخفض العيش أنسياه بلاده، وأن كثرة المحيطين به أنسته أهله، وحديث الثروة حديث مستفيض في المغرب وبعض المشرق، كحديث خرافة، وله دافع طبيعي وهو تعلّق النفوس بالغنى، ولا أقل من الحديث عنه، ويذكي هذا الدافع الطبيعي فينا- معشر الشرقيين- طبيعة المبالغة من غير تحفّظ وأنا من أكثر الناس امتزاجًا بالطبقات كلها في الجزائر لأنها ميدان عملي، فأنا- لذلك- من أكثر الناس فهمًا لنفسياتها، وقد تجد في الطبقات الوسطى من ينطوي لك على تعظيم لا يحد، يجاوره في نفسه وهن يناقض ذلك التعظيم، لو وزن بالميزان العلمي، ولكن هذا التناقض واقع في هذه النفوس لا ينكر ولا يدفع، فإذا عثر عنه العامي أخرجه في معرض متردّد بين الدلال والعتب مثلًا فغطّى عليه، وفي الذين يجلّون الفضيل ويحبّونه نفوس تجمع مع حبّه اعتقادًا أنه ألهاه التكاثر وأنسته الجماعات الحافة به أهله، وهل تجمع المحبّة والإجلال مع هاتين النقيصتين؟ إنهما مما يرمي به العدو عدوّه ولكن ما ذكرته واقع مشهور، وفي النفوس غرائب تجليها التجارب، وان لم يستطع علم النفس تعليلها.
стр. 1794
مذكّرة عن جمعية العلماء إلى الجامعة العربية *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى حضرات أعضاء مجلس الجامعة العربية المحترمين:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
إن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة يتشرّف بأن يعرض على حضراتكم المعلومات والرغبات الآتية، راجيًا أن تنال من مجلسكم الموقر كل اهتمام.
الشعب الجزائري:
إن الشعب الجزائري جزء ثمين من الأمة العربية الماجدة ما زال محتفظًا بخصائص العروبة كأقوى ما يكون الاحتفاظ، ومن ثم فهو رأس مال العرب يجب أن يحافظوا عليه. وهو كذلك جزء له قيمته من الأمة الإسلامية العظيمة، ما زال محتفظًا بشعائره، متصلّبًا في عقائده الكريمة السمحة، ومن ثم فهو رأس مال عظيم للمسلمين يجب عليهم- حيثما كانوا- أن ينظروا إليه نظرة الأخوة المقتضية للنجدة والنصر.
فإذا تمّ للاستعمار الفرنسي ما يريده به من فرنسة واستعجام، فمعنى ذلك أنه ضاع على العرب والمسلمين- كل باعتباره الخاص- رأس مال عظيم، يقوم في العدد بأحد عشر مليونًا، وفي المعنى بذخيرة غالية من ذخائر الإنسانية وفضائلها: من الشجاعة والكرم، والصبر على مكاره الحياة، والثبات على الخصائص الأصلية، وقوة المقاومة الروحية، والوفاء للأصول التاريخية، والاعتزاز بالمقوّمات من لغة وجنس ودين.
стр. 1795
وإذا ضاعت الجزائر، ضاعت معها تونس ومراكش، فضاع على العرب ما يقرب من نصف عددهم، في وقت تتكثّر فيه الأمم القوية بمن ليس من دينها ولا من جنسها.
أشنع أعمال فرنسا في الجزائر:
كانت الجزائر قبل احتلال الفرنسيين لها في سنة ١٨٣٠ دولة مستقلّة غنية، تملك خصائص الدولة في ذلك العصر، وأهمّها العلم بالدين والدنيا، وفيها من الأوقاف الإسلامية الدارّة على العلم والدين ووجوه البر ما لا يوجد مثله في قطر إسلامي آخر، ومنذ تغلّب عليها الاستعمار الفريد في الخبث، وهو يعمل جاهدًا على قتل شخصيتها بالقضاء على الدين واللغة العربية، وكان أول عمل قام به هو مصادرة الأوقاف الإسلامية والمعاهد التابعة لها من مساجد ومدارس وزوايا، وتحويلها إلى كنائس وثكنات واصطبلات وميادين ومرافق عامّة، ثم أصدر قانونًا لا نعرف له نظيرًا في تاريخ البشرية العاقلة يقضي باعتبار اللغة العربية لغة أجنبية في وطنها وبين أهلها، يتوقّف تعليمها على إذن خاص وشروط ثقيلة، وزادت تلك الشروط على الأيام ثقلًا وعنتًا حتى أصبحت في السنوات الأخيرة لا تطاق، وأصبح معلّم العربية يقف في قفص الاتهام مع اللصوص والسافكين، وتجري عليه العقوبات مثلهم بالسجن والتغريم والتعذيب.
ثم دأب الاستعمار (من مائة ونيّف وعشرين سنة) على طمس كل أثر للإسلام والعربية، وقطع كل صلة بينهما وبين الشرق، ليتمّ له مسخ الأمة الجزائرية وإدماجها في الأمة الفرنسية، ولكن المناعة الطبيعية في هذه الأمة وتصلّبها في المحافظة على التراث الإسلامي المقدس وعلى خصائصها الشريفة دفع عنها ذلك البلاء وأنقذها من ذلك المصير.
لمن يرجع الفضل ؟
يرجع الفضل الأكبر في تسطير تاريخ جديد للجزائر بإحياء الدين وما يتبعه من لغة وتاريخ وآداب إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تأسست رسميًا سنة ١٩٣١، فقد استطاعت بفضل الله وعونه أن تقضي على فكرة الاندماج وغيرها من مقاصد الاستعمار، وأن تضع أساسًا متينًا للثقافة الإسلامية العربية في تلك الديار المعزولة، رغم استماتة الفرنسيين في محاربتها، واستطاعت بجهودها الخاصة أن تعمل الأعمال العظيمة الآتي بيانها.
مبدأ جمعية العلماء وغاياتها:
مبدأ جمعية العلماء يرمي إلى غاية جليلة، فالمبدأ هو العلم، والغاية هي تحرير الشعب الجزائري، والتحرير في نظرها قسمان: تحرير العقول والأرواح وتحرير الأبدان والأوطان،
стр. 1796
والأول أصل للثاني، فإذا لم تتحرّر العقول والأرواح من الأوهام في الدين وفي الدنيا، كان تحرير الأبدان من العبودية والأوطان من الاحتلال متعذّرًا أو متعسّرًا،. حتى إذا تمّ منه شيء اليوم، ضاع غدًا، لأنه بناء على غير أساس، والمتوهّم ليس له أمل، فلا يرجى منه عمل.
لذلك بدأت جمعية العلماء- من أول يوم نشأتها- بتحرير العقول والأرواح، تمهيدًا للتحرير النهائي، فوضعت برنامجًا محكمًا لوعظ الكبار وإرشادهم بالدروس والمحاضرات، حتى بلغت من ذلك أقصى غاية من الجهد وأقصى غاية في النتائج، وأصبح الشعب- في جملته- صافي الفكر، مستقلّ العقل، متوهّج الشعور، مشرق الروح، فاهمًا للحياة، واسع الأمل فيها، عاملًا للحرية والاستقلال، مؤمنًا بماضيه، عاملًا على ربط الحاضر ووصله بالوطن العربي الأكبر، متبصّرًا في وزن رجاله، لا ينطلي عليه غش الغشّاشين ولا تدجيل الدجّالين، ومعلوم أن هذه المعاني لا تدخل النفوس دفعة واحدة، وإنما تكمل بالتدرّج، والذي وصل إليه الشعب الجزائري من هذا هو نتيجة نيف وعشرين سنة في أعمال جدية متواصلة، ولكنه لا يتم عادة في أقلّ من خمسين سنة.
أعمال جمعية العلماء في التعليم العربي للصغار:
أولًا: زادت الجمعية على هذا العمل العام آخر خاصًا، وهو العمل على تخريج جيل جديد، يتلقّى هذه المعاني في الصغر، ويثبتها بالعلم الصحيح، لتحارب الاستعمار بسلاح من نوع سلاحه وهو العلم، فأسّست في هذين العقدين من السنين نحو مائة وخمسين من المدارس الابتدائية للعربية والدين، وشيّدتها بمال الأمة، وصيّرتها ملكًا للأمة، وهي تضم اليوم ما يقرب من خمسين ألف تلميذ، من حملة الشهادات الابتدائية في مدارس الجمعية.
ثانيًا: بما أن المساجد، التي هي تراث الأجداد، صادرتها الحكومة الفرنسية وصادرت أوقافها من يوم الاحتلال، فأحالت بعضها كنائس وبعضها مرافق عامة، وهدمت كثيرًا منها لتوسيع الشوارع والحدائق، واحتفظت بالباقي لتتخذ منه حبالة تجرّ أشباه الموظفين الدينيين، وما زالت إلى الآن هي التي تعين الأئمة والخطباء والمؤذنين والقومة، ولكنها تستخدمهم في الجاسوسية والمخابرات، وتجري عليهم المرتبات من الخزينة العامة، لذلك التفتت الجمعية إلى هذه الناحية الحيوية وشيّدت بمال الأمة نحو سبعين مسجدًا في أنحاء القطر، لأداء الشعائر وإلقاء الدروس الدينية، والحكومة الفرنسية تنظر إلى هذه المساجد نظرتها إلى الحصون المسلّحة.
ثالثًا: في الجزائر مئات الآلاف من الشبّان العرب المسلمين، فاتهم التعليم الديني والعربي، ولا تلقاهم الجمعية في المدارس ولا في المساجد، والاعتناء بهم واجب، فأنشأت
стр. 1797
لهم الجمعية عشرات من النوادي المنظمة الجذابة، تلقي عليهم فيها المحاضرات العلمية والدينية والاجتماعية، وأدّت هذه النوادي أكثر مما تؤذيه المدارس والمساجد من التربية والتوجيه.
رابعًا: أنشأت الجمعية للعمّال الجزائريين في باريس وغيرها من مدن فرنسا عشرات من النوادي وزوّدتها بطائفة من الوعّاظ والمعلّمين من رجالها، يتعلّم فيها أولئك العملة ضروريات دينهم ودنياهم، ويتعلّم فيها أبناؤهم اللغة العربية تكلّما وكتابة، ويتربّون على الدين والوطنية، وقد استفحل أمر هذه النوادي وآتت ثمراتها قبل الحرب الأخيرة، ثم قضت عليها الحرب، ثم حاولت الجمعية تجديدها بعد الحرب، غير أن التكاليف المالية تضاعف واحدها إلى الآلاف، فكان ذلك وحده سببًا للعجز.
خامسًا: أنقذت الجمعية عشرات الآلاف من أبناء الجزائر من الأمية، بوسائل دبّرتها ونجحت فيها نجاحًا عجيبًا، وإن هذا العمل من غرر أعمالها لأن الأمية شلل الشعوب.
سادسًا: بعد هذه الجهود كلها، بقي من أبناء الجزائر مليونان من الأطفال محرومين من التعليم بجميع أنواعه، بشهادة الحكومة وإحصاءاتها الرسمية، فلا هي علّمتهم لأن سياسة التجهيل تأبى عليها ذلك، ولا جمعية العلماء استطاعت أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من هذين المليونين، لأن مواردها المالية محدودة، تأتي من اشتراكات قليلة منظمة، ولأن الأغنياء والموظفين لا يجودون عليها بشيء، خوفًا من انتقام فرنسا، ومعلوم أن هذين المليونين، إذا لم يتعلّموا أو يتعلّم معظمهم، كانوا جنودًا للشرّ وأعداءً للإسلام والعروبة، فإذا تعلّم معظمهم غلب الخير فيهم على الشر وأصبحوا جنودًا للعروبة والإسلام والإنسانية.
سابعًا: بعد مساعٍ طويلة مرهقة، دامت سنوات لدى الحكومات العربية، تمّ لجمعية العلماء إرسال بعثات إلى الشرق العربي، من تلامذة معهدها ومدارسها، تدرس في الجملة على نفقة هذه الحكومات، ولكن القدْر الذي تمّ لم يزل قليلًا جدًا لا يحقّق الغرض من المقصود، ولا ما يقاربه، لأنه عبارة عن بعثة في مصر تتكوّن من عشرين تلميذًا، وأخرى في العراق تتكوّن من خمسة عشر تلميذًا، ومثلها في الكويت، وأخرى في سوريا تتكوّن من عشرة، وبعض هؤلاء لا تزال الجمعية هي التي تنفق عليهم، أو تساعدهم لعدم كفاية عون الحكومة لهم.
رغبات جمعية العلماء وآمالها في الحكومات العربية:
تقوم جمعية العلماء بهذه الأعمال الجبّارة التي تفوق قدرتها المالية، وقد تفوق قدرة الأمة أيضًا، وهي- بعد- لم تزل في حاجة ملحّة إلى إكمال وتثبيت ما بنته، ثم إلى إعلاء ذلك البناء والزيادة فيه.
стр. 1798
أما التثبيت والإكمال فبإنشاء عشرات من المدارس الثانوية لتستوعب ما تخرّجه المدارس الابتدائية الحاضرة، وإنشاء عشرات من مدارس المعلّمين والمعلّمات، لأن مدارسها الابتدائية استنفدت كل ما عندها من المعلّمين، وإذا كثرت المدارس الجديدة احتاجت إلى معلّمين جدد، وعليه فإنشاء هذا النوع من المدارس ضروري لنمو هذه الحركة وتقدّم هذه النهضة، وإلا تعطّلت وانهارت، ولا واسطة بين الطرفين.
وأما إعلاء البناء والزيادة فيه فبمضاعفة عدد المدارس الابتدائية إلى المئات.
واجب جمعية العلماء هو التبليغ الصادق للحكومات العربية، الممثّلة في جامعة دولها، وواجب الحكومات الإسراع بالنجدة، بالكيفية التي تراها، بعد أن تؤمن بما شرحناه لها من حالة الجزائر، في المذكّرات المتتابعة للحكومات وللجامعة، والله يعلم أن ما شرحناه ووصفناه قليل من كثير، ولا يقف في طريقها احتمال اعتراض فرنسا على هذه النجدة، فالوقت والضرورة والواجب لا يتسع لهذا الاحتمال، فقد آن لحكوماتنا العربية أن تقف موقف الحزم والصلابة من فرنسا المتعنتة التي تحارب الثقافة والإنسانية- فضلًا عن العربية والإسلام- في المغرب العربي، ولا تتساهل كما تساهلت في قضية المعهد الثقافي بالجزائر، وفي المعهد الثقافي في طنجة، وفي قضية احداث قنصليات في عواصم المغرب ولو لتأشيرة الحجاج، وفي قضية الباخرة فوزية وغيرها.
ونحن نؤكّد لرجال حكوماتنا العربية بالصدق والشرف، أن تساهلهم في تلك القضايا زاد من جرأة فرنسا علينا وعليهم، وحكوماتنا تعلم كما نعلم أن بيدها أسلحة قوية، تستطيع أن تحارب بها فرنسا ولكنها لا تستعملها، ومن تلك الأسلحة إقفال المدارس والقنصليات الفرنسية حقًا وعدلًا ومقابلة بالمثل. إن فرنسا لا تفهم إلا هذه اللغة ولا ترجع عن غيّها إلا باستعمال هذا السلاح.
بادروا لنجدة إخوانكم ...
على حكوماتنا العربية أن تبادر بهذه النجدة، ما دام في الرمق بقية، ولها في تحويل الأموال اللازمة عدة طرائق هي أعلم الناس بها، فلها أن ترسل مشرفًا من جهتها يقوم بالصرف على بناء المدارس والمعاهد اللازمة، وجمعية العلماء ترحّب بهذا لأنها تفخر بأنها أدقّ الجمعيات الإسلامية نظامًا، وأقواها أمانة وثقة في المال، وأحرصها على المحاسبة التي تقوّي الأمانة، ولها أن تسلّم المال إلى الجمعية وتلزمها بالمحاسبة الدقيقة على كل فلس تدفعه، والجمعية تقوم بذلك حامدة شاكرة.
ولتعلم حكوماتنا الموقّرة أن كل جنيه تدفعه للأمة الجزائرية بواسطة جمعية العلماء، لينفق في هذا السبيل، يقع موقع الغيث على النبات، لأنه ينقذ طفلًا عربيًا حرًّا مسلمًا من
стр. 1799
الشر، ويحرّر عقلًا من الوهم، ولتعلم كذلك أنه ليس علينا تحديد المبلغ وإنما علينا أن نصوّر الحالة ونبلغ الأمانة التي كلفتنا الأمة الجزائرية بتبليغها إلى الحكومات العربية، وقد بلغنا، وطال الأمد، وهي تنتظر، ونكل الأمر بعد ذلك إلى هيئة حكوماتنا، مبلغ تقديرها لحرمة الرحم، وإذا كانت لا تستطيع تحرير الجزائر تحريرًا عسكريًا لاستحالة ذلك في الوقت الحاضر، فلا أقل من أن تعاوننا بالحظ الأوفر على تحرير العقول، فهو واجب يهوّن القيام بالواجب العسكري أو السياسي.
قد تعتذر بعض الحكومات العربية- وهي صادقة- بأنه ما زال في شعوبها ملايين من الأطفال محرومون من التعليم، ونحن نلاحظ على هذا العذر بأنه يوجد بإزاء الملايين المحرومة ملايين أخرى متعلمة، بخلاف الجزائر فليس فيها إلا المحروم، وليس هناك خير يسلي عن الشر.
وفي هذا المقام يجب أن نذكر حضراتكم بنسبة المتعلمين من أبنائنا في المدارس الفرنسية مؤيدة بالأرقام المأخوذة من أدق المصادر الرسمية الحديثة لسنة ١٩٥١، فقد وقعت مناقشة في المجلس الجزائري، في قضية تعليم الجزائريين، وتقدّمت المعارضة بتقارير مدروسة رسمية فضحت بها الحكومة، ومن تلك التقارير الدامغة نقتطف هذه الأرقام.
قال التقرير المفحم الذي لم تستطع الحكومة له ردًا ما ترجمته بالحرف: بلغ عدد التلامذة الأوربيين سنة ١٩٥٠ في مدارس الجزائر ٩٧٤٠٠، بينما لم يتجاوز عدد التلامذة المسلمين ٨٢٨٦٤ تلميذًا. ولما كانت الأغلبية الساحقة من سكّان الجزائر مسلمة فتكون إذن نسبة التلاميذ الأوربيين إلى التلامذة المسلمين كنسبة ٤%، وهذا الفرق يرتفع كثيرًا في المدارس الثانوية، فبينما يبلغ عدد الطلبة المسلمين في هذه المدارس ٣٢١٤ تلميذًا والافرنسيين ٥١٧٧، نرى أن الطلبة الأوربيين يفوقونهم بمقدار ٥٠٠ ضعفًا (١٥٦ أوربي في مقابل مسلم واحد) وباقي المسلمين لا يحق لهم الدخول في هذا النوع من المدارس. وفي عام ١٩٥١ بلغ عدد التلاميذ من المسلمين الجزائريين الذين وجدوا أمكنة في التعليم الابتدائي ١٩٨٦٧٨ تلميذًا في وطن مسلم يبلغ عدد سكّانه أكثر من عشرة ملايين نسمة، بينما يبلغ عدد التلامذة من الأوربيين في هذه المدارس ١١١٤٠٢ تلميذ من جالية أوربية لا تزيد عن المليون نسمة في الجزائر.
هذه فقرات مترجمة حرفيًا عن تقرير المعارضة، ومقدمه فرنسي، وقد نقص من تعداد المسلمين الجزائريين ولكنه أحسن في تسميته للأوربيين بالجالية.
ثامنًا: سبق لجمعية العلماء أن جلبت عشرات من تلامذتها للدراسة بمعاهد الشرق العربي على نفقة حكوماته، ولكنه عدد قليل بالنسبة لحاجة الجزائر ولقدرة الحكومات
стр. 1800
العربية، فالشعب الجزائري يعتقد ويأمل في آن واحد أن حكومات العرب تستطيع أن تعلم من أبناء الجزائر آلافًا وتؤثرهم على أبنائها، حتى تحفظ التوازن بين أجنحة العروبة.
وعليه، فمن رغبات الشعب القوية، ومن آماله الواسعة، أن ترتفع نسبة هذه البعثات إلى المئات حتى تصل إلى الآلاف بالتدريج، كل ذلك لتسد جمعية العلماء في سنين عوز الجزائر إلى المعلمين في مدارسها.
تاسعًا: جمعية العلماء في حاجة شديدة إلى الكتب المدرسية المتنوّعة لتلامذتها الابتدائيين، وهي تجري في تعليمها على المنهاج المصري، لقربها من مصر ولسهولة جلب هذه الكتب، فمن حقّها أو من دلالها على جامعة الدول العربية ووزارة المعارف المصرية أن تقدم لها هدايا سنوية سخية من هذه الكتب لتوزعها بالمجان على فقراء التلاميذ.
عاشرًا: لجمعية العلماء مكتب في القاهرة يشرف على هذه البعثات، يجلبها ويقوم عنها بالإجراءات القانونية، ويسدّ خللها، ويوزّعها على الأقطار العربية، ويراقبها، ويكمل نقائصها في التربية والمال ويعين المحاويج منها، ويقوم بنفقات المنتظرين وإسكانهم، وقد بلغت نفقاته الشهرية في هذه السنة ثلاثمائة جنيه، وكلّما زادت البعثات زادت نفقاته، ونتوقع أن تبلغ نفقاته الشهرية في السنة الدراسية المقبلة ٥٠٠ جنيه مصري، فمن العدل أن تعتبره الحكومات العربية مؤسسة من مؤسسات الجمعية يجب الالتفات إليه والعناية به، وهو زيادة على ذلك همزة وصل بين شرق العرب وغربهم، بل نقطة اتصال بين أجزاء العالم الإسلامي كلها، ومن التواضع أن ننسبه إلى الجزائر، بل هو للعرب كلهم، وطالما خدم- على حداثته- قضايا العرب، ولا منة.
والمكتب يعلن شكره لجامعة الدول العربية، فقد عرفت قيمته، فقررت إعانته منذ أكثر من سنة بمبلغ مائة وعشرين جنيهًا مصريًا في كل شهر، ثم عرفت توسّعه في الصالحات، فرفعت هذا المبلغ إلى مائتين ابتداء من هذا الشهر، وان الخجل لا يمنعنا أن نقول: إن رجال هذا المكتب محتسبون بأعمالهم لأنهم لا يعملون لأنفسهم وإنما يعملون لرفع شأن العروبة والإسلام.
الجزائر تعتزّ بعقيدتها وعروبتها:
يبقى شيءآخر قد يخفى على كثير من الناس، فوجب علينا أن ننبّه حضراتكم إليه، وهو أن الجزائر لا تقاس بأختها مراكش في هذا الباب، فكل من تونس ومراكش ما زالت لها شخصية معترف بها في الآفاق الدولية، ولها حكومة كيفما كان حالها، وما زالت العربية في كليهما رسمية، ولها كثير من الشأن في الوظائف وما زالت أوقافها
стр. 1801
قائمة، وما زال في تونس جامع الزيتونة ثاني الأزهر يضمّ هو وفروعه آلافًا من طلّاب العربية والدين، وفي فاس جامع القرويين يتلو الزيتونة في الدرجة، أما الجزائر البائسة فلم يبق فيها من هذا أثر ولا عين كما أسلفنا في المقدمة، وإنما هي تعتزّ بعقيدتها وعروبتها، وتعيش بهما وتعيش لهما.
إننا لا نبعد إذا قلنا إن الجزائر أتعس حالًا من فلسطين، فمن وراء فلسطين دول وشعوب عربية وأمم إسلامية، وذكر لها في المحافل الدولية، وجدل عنيف في قضيتها يشترك القريب والأجنبي فيه، أما الجزائر المسكينة فليس لها شيء من هذا، ونعيذ أبناء العمومة أن ينسوها، وأن لا يقوموا ببعض حقها، وأن لا يستغلوا هذه القوة الكامنة في أبنائها.
وزير فرنسي ينكر على فرنسا أعمالها البربرية:
لقد كنا حينما نتكلم مع إخواننا في الشرق عن المحن القاسية التي تتخبّط فيها الجزائر منذ قرن وربع، ونصوّر لهم شناعة الاستعمار الفرنسي، وتجر الأحاديث إلى الأرقام التي تضمنتها هذه المذكّرة، كنا نحسّ بشيء غير قليل من الخجل، خشية أن يحمل كلامنا على شيء من المبالغة والتهويل، حتى أراد الله أن يؤيد الحق بشهادة من فرنسي مسؤول، سبق له أن ولي الوزارة في بعض الحكومات الفرنسية، وشأنه كشأن سائر زملائه أن يحطب في حبل أمته، ولكنه رأى في هذه المرة من مصلحة دولته أن تقلع عن هذا التهوّر، وتجاهل العواقب الوخيمة وهاله هذا التخبّط الذي ترتكس فيه السياسة الفرنسية، نتيجة للحقد العنصري، والغرور والكبرياء اللاتينيين، فزار الجزائر على رأس وفد للبحث والدراسة، فبحث فعلًا ولقي قادة الحركات الجزائرية، وجاء بفكر مبني على السماع والظن، ورجع بفكر مبني على المشاهدة واليقين. ويظهر أن حضرة الوزير الفرنسي يحمل روحًا متألمة من حال دولته وأمته، فخشي عليها من العواقب التي تنتج عن الاستعمار في التهوّر، والإمعان في المطامع المهلكة، وعقد ندوة صحافية في باريس حضرها الكثير من المسؤولين، وألقى عليهم بيانًا شاملًا لكثير من الحقائق الواقعية، وتناول الأركان الثلاثة التي تبنى عليها السياسة الفرنسية التي ترمي إلى إذلال الجزائريين ثم إلى إفنائهم، وهي السياسة والاقتصاد والثقافة، ففضح بيانه الحكومة الاستعمارية للشعب الفرنسي وللرأي العام العالمي.
نقتصر من بيانه على النقطة الأساسية التي تهمّنا وهي الثقافة، لأن شهادته فيها مطابقة للواقع الذي كنا نتحدث به، ومؤيّدة للأرقام التي كانت تجري في أحاديثنا مع إخواننا، والصفات الوحشية التي كنا نصف بها أعمال الفرنسيين في الجزائر، وما كابدته الأمة الجزائرية- وجمعية العلماء خاصة- من العنت والإرهاق، وقد ترجمت معظم الجرائد العربية هذا البيان، نقلًا عن الجرائد الباريسية، فرأينا أن نقتطف منه ما يتعلق بجمعية العلماء
стр. 1802
وأعمالها- والحق ما شهدت به الأعداء- وهذا هو نص ما به الحاجة من بيان الوزير الفرنسي المذكور، زيادة في تنوير أذهان حضراتكم.
قال الوزير ما ترجمته: وأخيرًا أحدّثكم بإجمال عن المشكل الثقافي:
الجزائر محرومة من كل شيء:
"لقد رأينا رأي العين كيف أن مليونين من أبناء المسلمين لا يتلقّون أي علم على أي مقعد مدرسي، وذلك بعد أن بسط عليهم النظام الاستعماري رحمته طيلة ١٢٥ عام. رأينا المسلمين لا يشاركون في التعليم الابتدائي إلا على نسبة ١٠ بالمائة، وليس لهم في التعليم العالي إلا نحو ثلاثمائة طالب. رأينا الأبواب العلمية كلها موصدة في وجه المسلمين، وخرجنا من كل ذلك بنتيجة عظيمة وهي أننا إذا كنّا في فرنسا نجهل معنى العنصرية، فإن العنصرية في القطر الجزائري هي القانون الرسمي المعمول به.
رأينا التعليم الحر الذي تقوم بنشره جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعلمنا أن هذه الجمعية تشرف على ما يزيد عن مائة وخمسين مدرسة، وأنها تعلم قرابة ٤٥ ألفًا من البنين والبنات تنتشلهم من بين أيدي الجهل والإهمال، فنحن لا يسعنا إلا أن نثني الثناء الحار على هذا المجهود الصالح الذي تقوم به هذه الجمعية، وإننا لنشجّعها على الاستمرار فيه، ونشيد بمجهودها وأعمالها، كما أننا نعلمكم بأننا سنشهر بهذه العقبات التي تلقاها في طريقها، وهذه المثبطات التي يريدون بها الفتّ في عضدها، فقد رأينا المدارس التي أقفلت بأمر الحكومة، ورأينا المدارس التي بنتها الأمة وأنفقت فيها الأموال الغزيرة ولم تأذن الإدارة بفتحها، وعلمنا أن عددًا كثيرًا من المعلمين يضطهدون وينالون نصيبًا من أعمال الزجر، ورأينا في قسنطينة معهد عبد الحميد بن باديس وأعجبنا به ولكننا علمنا بعد ذلك أن الإدارة لا تعتبر لشهاداته أدنى قيمة ولا تعترف بها، في الوقت الذي لم تستطع فيه هي نفسها أن تحدث مثل ذلك أو ما يشابه ذلك.
ثم رأينا مشكل فصل الدين عن الدولة، واطّلعنا على حال المسلمين وأوقافهم تجاه الحكومة: إنها حقيقة لمأساة من أفظع ما يمكن أن يتصوّره الناس، فقانون ١٩٠٥ لم ينفّذ، وبينما تحرّرت بقية الأديان من ربقة الحكومة نرى الدين الإسلامي يومًا فيومًا سقوطًا بين أيدي الإدارة المباشرة الحكومية، فالحكومة هي التي تدير ما جلّ وما قلّ من أمور المسجد والدين، ورأينا أن المدير إذا أراد مكافأة أحد فرّاشيه عيّنه إمامًا أو مفتيًا. لقد خرجنا بحقيقة لا غبار عليها ألا وهي أن الدولة تعمل على قتل اللغة العربية وعلى تحطيم الدين الإسلامي وعلى تجهيل الأمة، والعلماء يعملون على خط مصادم للخط الحكومي، فهم يقومون
стр. 1803
بالجهود المحمودة لإحياء الإسلام وتطهيره من الخرافات ونشر اللغة العربية ورفع الأمية عن الأمة، غير مبالين بالعقبات ووسائل الزجر والتنكيل.
وختامًا أيها السادة أؤكد لكم أننا لم نتعب كثيرًا في البحث عن الثعبان الاستعماري في هذه البلاد، بل ان هذا الثعبان نفسه قد أخرج لنا رأسه منذ اللحظة الأولى، فعرفناه بكل ما انطوى عليه من سوء ولؤم، ولقد تأكّد لنا أن الدستور الجزائري الذي خلناه حقيقة واقعة، ما هو إلا تدليس وتلبيس وأنه أصبح صورة مشوّهة لنظام ديمقراطي مبني على السرقة الانتخابية والغش.
سنقول لفرنسا كل هذا، وسنشرح لها كل ذلك، وما قلناه لكم إنما هو قطرة من بحر. سنقول لفرنسا بصراحة وشدة: حذار، فإذا لم يقع الاستماع لصوت الحق، وإذا لم تسد في هذه الأقطار سياسة العدل، فإن الجزائر سوف تغدو قريبًا مثل مراكش ومثل تونس، فإذا لم يقع عمل بات وسريع لفائدة الجزائريين فإنه لا لوم عليهم ولا تثريب إذا ما ركبوا المراكب التي تدعو إليها اليأس.
لا ريب أننا سنجد من يقول لنا عندما نصيح صيحة الخطر وننادي بوجوب السرعة في عمليات الإنقاذ: انكم لستم من الفرنسيين الصالحين. سنقول لهم في قوة وجرأة: كلا، بل إننا نحن الصالحون من الفرنسيين، لأن الفرنسي الصالح هو الذي يقول لأمّته كلمة الحق ولا يخفي عنها شيئًا، ولا يرتكب جريمة السكوت، وسنكون أيها السادة- ونعدكم بهذا- من أحسن الفرنسيين."
هذه هي شهادة الوزير الفرنسي للجزائر على دولته- والفضل ما شهدت به الأعداء- وبها نختم هذه المذكّرة والسلام.
عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة
محمد البشير الإبراهيمي
الفضيل الورتلاني
стр. 1804
«الزاب» في دائرة المعارف الإسلامية *
موقع زاب افريقية في جنوب مقاطعة قسنطينة من القطر الجزائري، وهو اسم لإقليم يضيقه الاستعمال العرفي ويوسّعه، فقد كان في القرون الهجرية الأولى إلى القرن الثامن يطلق إطلاقًا واسعًا حتى يشمل سهول الحضنة ومدنها الواقعة في سفوح الأطلس الجنوبية وهي المسيلة ومقرة وطبنة الرومانية وتعرف اليوم باسم "بريكه".
والمسيلة هي التي كانت تعرف قبل الإسلام باسم زابي، ثم سمّيت بعد الفتح الإسلامي بالمحمدية؛ والمسيلة، وهي التي ولد فيها الشاعر ابن رشيق القيرواني، واستقرّ فيها الشاعر ابن هاني الأندلسي لأن ممدوحه جعفر بن فلاح كان أميرًا عليها، وانتظمت إمارته إقليم الزاب كله، فلذلك اتّسع مسمّى الزاب عند مؤرّخي ذلك العصر، لأن الاسم كان لكل ما شملته الإمارة، واسم الزاب متردّد كثيرًا في شعر ابن هاني قبل أن يتصل بالفاطميين.
و"مقرة" تقع شرقي المسيلة بنحو مائة ميل، و"طبنه" تقع شرقي "مقرة" بنحو ثلاثين ميلا، ومن مقرة خرجت أسرة المقري صاحب كتاب نفح الطيب وهو الذي يقول: أصل سلفنا من "مقرة" إحدى قرى زاب افريقية، انتقلوا في المائة السادسة إلى تلمسان، الخ، ومن طبنة خرجت أسرة أبي مضر الطبني إلى الأندلس وهي أسرة أخرجت أعلامًا في الأدب والشعر والعلم.
وهذه المدن يذكرها الرحّالون من المشارقة والمغاربة، ذكرها ابن حوقل الرحّالة البغدادي وذكرها البكري صاحب المسالك والممالك وغيرهما وقد دخلوها كلهم ووصفوها وصف المعاين.
стр. 1805
ومن العجيب أنكم تنقلون (١) كلام البكري مترجمًا مع أن القطعة المتعلقة بشمال أفريقيا من كتابه "المسالك والممالك" مطبوعة في الجزائر من عشرات السنين.
أما الزاب اليوم فهو يطلق على قطعة صغيرة في سفوح الجبال الفاصلة بين سهول الحضنة والصحراء. وعاصمة الزاب الإدارية والتجارية في يومنا هذا هي مدينة بسكرة. والزاب مقسّم إلى ثلاثة أقسام متصلة متقاربة: الزاب الظهراوي، ومن قراه طولقة وليشانه وبوشقرون وفرفار وفوغاله والعامري، وجميع هذه القرى تعتمد على زراعة النخيل وتنتج أجود أنواع التمر في العالم، وتسقى بالآبار الارتوازية الغزيرة، ثم الزاب الغربي ويشمل قرى ليوه والصحيرة والمخادمة وبنطيوس وأورلال وأوماش، واعتمادها على زرع النخيل أيضًا، ثم الزاب الشرقي ومن قراه سيدي عقبة (مدفن عقبة بن نافع الفهري فاتح أفريقية) وشتمة، والدروع وتهوده، وقرى الزاب الشرقي تسقى من ماء الأنهار المتحدرة من جبال أوراس.
أما الدوسن وأولاد جلال فهما خارجان عن الزاب وتقعان غربيه.
وقول المؤرخين "زاب أفريقية" يحترزون به عن زاب الموصل أو العراق، فهناك واديان ينبعان من جبال الأكراد أحدهما الزاب الأصغر بين الموصل وأرييل، والثاني الزاب الأكبر بين أربيل وكركوك وكلاهما من روافد دجلة، وما زالا معروفين بهذا الاسم إلى اليوم.
أرى أن زاب العراق يجب أن يعرّف في هذه المادة من دائرة المعارف الإسلامية.
стр. 1806
الرق في الإسلام *
تمهيد:
يرى كثير من الباحثين الغربيين في شرائع الإسلام أنه شرع الاسترقاق ومكّن له وحماه، وجعله كلمة باقية في أتباعه، وأبقاه سمة مميزة له، حتى إنه كلما ذكروا الإسلام ذكروا معه الاسترقاق كنقيصة اختصّ بها، ويذكرون معه تعدّد الزوجات، ونقص ميراث المرأة، وضرب الحجاب عليها، واستبداد الرجل بالعصمة والطلاق، وينتزعون من إباحة التسرّي بالإماء في الإسلام بلا حد دليلًا- في زعمهم- على أنه هو المقصود من شرعية الاسترقاق، ويعمون عن جميع حكم الإسلام وأحكامه في هذه القضية، ولا يرون إلا أنه دين اتباع للأهواء واسترسال في الشهوات، كل ذلك لينفروا قومهم ويصدّوهم عن سبيله، ولينفسوا عن أنفسهم ذلك الحقد المتأجج على الإسلام والمسلمين.
وهذا الصنف من الباحثين المسيحيين في شؤون الإسلام لا يصدرون في أبحاثهم عن أذهان صافية ومنطق مستقيم وفهم صحيح لأصول الإسلام وحقائقه، ولا يستندون إلى اطلاع واسع على كتبه وتاريخه ولا يبحثون بحثًا مجردًا عن الهوى والغرض، ولا يحبسون أفكارهم عند الحقيقة ليَحْمِلوها لمن يقرأ كلامهم، ولا تذهب بهم هممهم إلى الماضي البعيد من تاريخ الإسلام وأسباب امتداد سلطانه وانتظامه بالمشارق والمغارب، وآثاره في أتباعه الأولين وسير رجاله البارزين في العلم والحكم، والحرب والسلم، والاجتماع والتشريع ... لا شيء من هذا فيما بلونا من أمرهم، وإنما يصدرون عن أهواء غالبة، وأحقاد دفينة وتعصّب موروث، يرثون كل ذلك عن سلفهم من رجال الكنيسة وفلول الحروب الصليبية، وعن التصويرات التبشيرية العصرية التي يخطّطها أئمة الكهنوت، وينفق عليها المهوسون من أتباعهم، وتحميها الدول الاستعمارية بالجيوش والأساطيل.
стр. 1807
وخصلة أخرى ذميمة ركبت كل الكاتبين الغربيين حين يكتبون عن الشرق عمومًا، وعن الإسلام والمسلمين خصوصًا، وهي القصور في الاستقراء، والعقم في الاستنتاج والسطحية في التفكير، فنراهم يقفون على الجزئيات فيجعلون منها كليات، ويبنون عليها أحكامهم، ويوهمون قرّاءهم من بني جلدتهم ومن تلاميذهم منا أنهم استقرأوا ذلك الموضوع استقراءً تامًا، وخرجوا منه بحكم لا ينقض، وعلى هذه الطريقة الخاطئة والمنهاج الأعوج درج أولهم وآخرهم، ومن كتب منهم في التشريع الإسلامي، ومن كتب في تاريخ الإسلام، وكل من كتب في فروع الشرقيات، وان لهم لخطيئة أخرى علتها الغرض والهوى والجهل مجتمعات، - وهذا الثالوث إن اجتمع كان آفة الفكر وجائحة التاريخ- وهي أنهم يحكمون على الإسلام بأعمال المسلمين وأحوالهم المخالفة له، ليتوصلوا إلى غرضهم في تنقص الإسلام والازراء عليه والحط منه، ولا يريدون أن يفهموا أن الإسلام شيء وأن المسلمين شيء آخر، ولو فهموا هذا لفهموا معه أن المسلمين لو أقاموا دينهم ومشوا على صراطه السوي لما طمع الغربيون من أوطانهم في قلامة ظفر، ولما ظفر هؤلاء الباحثون الحاقدون بثغرة يدخلون إليهم أو ينفذون إلى دينهم منها، ولو جارينا هؤلاء الباحثين المسيحيين في منطقهم هذا وكايلناهم صاعًا بصاع لقلنا لهم: ان الاستعمار الذي هو رجس من عمل الشيطان محسوب على المسيح، وان محاكم التفتيش نسخة من أعمال المسيح، ولكننا لا نجاريهم، لأننا نعلم من كمالات المسيح وتعاليم المسيح ما لا يعلمون.
ثم دخل عامل جديد على مباحث الغربيين المتعلقة بالإسلام، وهو السياسة الاستعمارية المبنية على إذلال المسلمين وابتزاز أموالهم واحتجاز خيرات أوطانهم، فكان من أسلحة هذه السياسة، بعد الحديد والنار وتشويه الإسلام وتقبيحه في نفوس أبنائه الجاهلين به، وتشجيع الخرافات لإفساد عقائده، وإلقاء الشبهات في كثير من حقائقه، وتزهيدهم بكل الوسائل في أحكامه حتى يهجروها، وإذا زاغت العقائد وهجرت الأحكام وسادت الخرافات فأي سلطان مادي أو معنوي يبقى للدين على نفوس معتنقيه؟ وهذا هو الذي يرمي إليه الاستعمار في كل ما يكتب عن الإسلام وفي كل ما يعامل به المسلمين، وقد بلغ مراده منا لولا هذه الهبّة الأخيرة التي لاحت تباشيرها ونرجو أن يتم تمامها، ويحسن ختامها.
كان طبيعيًا للدول المسيحية المستعمرة أن تجنّد جنودًا لفتح الأوطان، وتجنّد جنودًا أخرى لفتح الأذهان، فكان الجند الثاني مؤلفًا من هؤلاء الباحثين الذين يكتبون في شؤون الإسلام، فتصدّى فريق منهم لتشويه التاريخ الإسلامي، وفريق للطعن في أحكامه، والقدح في فضائله، وفريق لفتنة الأجيال الناشئة من أبنائه ببريق الحضارة الغربية، ويصحب ذلك كله تحقير الشرق وحضارته وعلومه، وفي مقدّمتها حضارة الإسلام وعلومه، وان هدفهم في كل أعمالهم هو الدعائم التي تبنى عليها الأسرة الإسلامية، ينالونها بالتوهين ثم بالهدم، لعلمهم
стр. 1808
أن الأسرة هي أساس الأمة، فإذا صحّ بناء الأسرة صحّ بناء الأمة، والعكس بالعكس، ونحن لا نعلم دينًا سماويًا ولا قانونًا وضعيًا بنى الأسرة على صخرة ثابتة، مثل الدين الإسلامي، ولكن أهله- هداهم الله- فرطوا في التليد، ثم أفرطوا في التقليد، فكانت عاقبة أمرهم خسرًا، ولو أنهم عادوا إلى الله وإلى تعاليم دينه لعادت عليهم عوائد بره ورحمته.
ويزيد السر في هذه الحملات القلمية على الإسلام انكشافًا واتضاحًا أن هؤلاء القوم ينقمون من الإسلام كدين أنه زكّى نفوس أبنائه حتى حقّقوا المثل العليا للإنسانية، وهؤلاء القوم يحاولون أن لا يسجّل التاريخ مثلًا أعلى للإنسانية غيرهم، وأنّى يكونون كذلك والمثل العليا لا تتحقق إلا بالعنصر الروحي وهم مفلسون منه، وينقمون منه كنظام اجتماعي سياسي انه ساد نصف المعمورة قرونًا، فهم يخشون أن تتهيّأ له الوسائل فتعود له تلك السيادة كرة أخرى، لذلك نجدهم يكتبون عنه كتابة الحاقد الموتور، فلا يبالون بحقيقة تاريخية يشوّهونها، ولا بحق ثابت ينكرونه، ولا بحسنة بارزة يطمسونها، وأعانهم على ذلك سوء حال المسلمين في القرون الأخيرة، وانحلال عرى جامعتهم، وانحطاط مستوى تربيتهم، واستغراق جمهرة فقهائهم في التقليد للأشخاص والعادات، تقليدًا يكاد يكون تأليهًا، وهجرهم للينابيع الصافية لشريعتهم، وانقطاع الصلة الوثيقة بينهم وبين سلفهم وهي التاريخ المتسلسل، وجهلهم بكل ما يدور حولهم، وهل أتاك أن كثيرًا من فقهائنا لا يعلمون شيئًا عن هذه المطاعن الموجّهة للإسلام، ولو علموا لما استطاعوا لها دفعًا، وأنى يعلمون وهم غير متصلين بزمنهم؟
إن لميدان الكلام والأقلام رجالًا، وان لميدان الصدام والحسام رجالًا، وقد خلا الميدانان منا، فلا نلم المتطاول علينا بقلمه أو بسيفه، ولْنلمْ أنفسنا، فالدهر دول والضعفاء للأقوياء خول.
على أننا لا ننكر أن في أولئك الباحثين نفرًا يتحرّون الحقائق، ويتّسمون بسمات العلماء من الإنصاف والتمحيص وخدمة العلم لذات العلم، وقد انتهى البحث بهؤلاء إلى الاعتراف بمحاسن الإسلام دينًا ونظامًا اجتماعيًا تحوطه أحكام عادلة حكيمة، وإلى الاعتراف بمعجزات القرآن في العلوم الكونية، ولكن هذه الفئة قليلة وليس في قدرتنا أن نحجر على الباحثين والكاتبين أن يكتبوا في أحوالنا، وأقلّ الواجب أن نرد الفرية، وأن نكشف المرية، وأن نحمد لمن ينتقدنا بانصاف ولمن ينبّهنا على عيوبنا.
ونعود إلى موضوعنا وهو "الرق في الإسلام".
تحرّرت أمريكا من استعمار أوربا لها، والاستعمار استعباد، وتحرّرت بعد ذلك دول أوربا من استبداد ملوكها، والاستبداد استعباد، وتحرّر كثير منهم من طغيان الكنيسة وهو
стр. 1809
أشنع أنواع الاستعباد، فرسخت أصول الحرية في هذه الأمم، واستمرأوا طعمها، وجنوا ثمراتها، وتنوّعت مناحيها من حرية الرأي والمعتقد إلى حرية الاجتماع والقول، فأرادوا أن يخرجوا على العالم بشيء جديد، فتداعوا إلى مؤتمر، وأسفر المؤتمر عن قانون سمّوه "قانون إلغاء الرق" يحرّم ملك الرقيق والاتّجار به، وعرضوه على حكومات العالم فوافق عليه الكثير منها، ومنها الدولة العثمانية، وكانت دولة الخلافة الإسلامية إذ ذاك، ولكنها كانت من الضعف بحيث لا تستطيع أن تخالف لأوربا رأيًا وإن كان سخيفًا أو مرادًا به غير ظاهره، ولا تستطيع أن تمنع النخاسة في ممالكها الواسعة الممتدة الأطراف، ولما كان مما ورثه الأوربيون عن أسلافهم وعن الكنيسة عداوة الإسلام، وكان من أعمال الكنيسة تعهّد تلك الشجرة الخبيثة، شجرة الحقد على الإسلام وأهله، بالسقيا والتنمية، كان من ثمرة ذلك الحمل على الإسلام وإلصاق النقائص كلها به كلّما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فقد اتّفقت حكومات أوربا وأمريكا على تحريم الاسترقاق وتضييق الخناق على المتّجرين بالرقيق، وبقيت بعض الحكومات الإسلامية متساهلة في ذلك- صدقت الحملة من الحكومات المسيحية وكتابها على الإسلام من هذه الثغرة وهي الاسترقاق- فعابوه بأنه دين استرقاق لا دين حرية، وفهموا أن الاسترقاق أصل من أصوله كالصلاة والحج وحكم من أحكامه لا يجوز للحاكم المسلم أن يلغيه ولا أن يهدمه، وقد تكشفت الحكومات الأوربية والكتاب الأوربيون في هذه القضية عن جهل فاضح بمقاصد الإسلام وسياسته في تنظيم الاجتماع الإنساني، وهذا هو ما نحاول توضيحه في هذه الكلمة.
دين التحرير:
استشرف العالم الإنساني قبيل البعثة المحمدية إلى دين سماوي عام، يحرّر الإنسانية تحريرًا كاملًا في جميع جوانب الحياة، ويبتدئ بتحرير العقل الذي هو القوة الروحية المصرفة للإنسان، والمميزة بين الخير والشر، وكان ذلك الاستشراف بعد أن عجزت نبوّة الأنبياء وحكمة الحكماء عن تحريره، فجاء الله بالإسلام دينا سماويًا عامًا كاملًا ليحقق للإنسانية آمالها في التحرير العام، فكان الإسلام هو دين التحرير، وهو النبأ الذي كان أصحاب الأرواح الصافية يترقبونه، وهو الأمنية التي كانت تملأ نفوس المصطفين الأخيار من عباد الله ثم ماتوا قبل أن تتحقق.
نقول: إن الإسلام هو "دين التحرير العام"، فنرسل هذا الوصف إرسالًا بدون تحفّظ ولا استثناء، لأنه الحق الذي قامت شواهده وتواترت بيّناته، ومن شواهده وشهوده تلك الأجيال التي صحبت محمدًا وآمنت به واتّبعت النور الذي أنزل معه، ثم الذين صحبوهم، ثم الذين اتّبعوهم بإحسان، ونحمد الله على أن العلاقة بين الألفاظ ومعانيها لم تنقطع عند جميع
стр. 1810
العقلاء من أجناس البشر، والعقلاء هم حجة الله على من سواهم، وما زال الخير يسمّى خيرًا، والشرّ يسمّى شرًا، والفضيلة فضيلة، والرذيلة رذيلة. فالسارق يسرق وهو يعتقد أنه متعد على مال الغير، والمتبع لخطوات الشيطان لا يقول رضي الله عن إبليس، وإنما يقول- لعنه الله- وإن هذه لمن أسرار فطرة الله التي فطر خلقه عليها يواقعون الشر ولا يسمّونه خيرًا، فيسجّلون بذلك الشهادة على أنفسهم، إلا المطبوع على قلوبهم، الفاقدين للشعور، كالذين إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، وكصرعى التقليد للحضارة الغربية الذين استرقتهم الشهوات فاستباحوا المحرمات باسم الحرية. وكالمسيرين للدول الغربية، أسكرتهم القوة فبغوا على الضعفاء وسلبوا أوطانهم، وسمّوا بغيهم استعمارًا.
إن من الظلم والحيف والغش والفساد في الأرض تسمية الأشياء بغير أسمائها، لأنه قطع للأسباب عن مسبباتها، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾، إن منه قطع الدوال عن مَدلولاتِها، وان أعظم شرور هذه الحضارة الغربية أنها فتحت الباب لهذا النوع من المسخ وشجّعت عليه، فأفسدت الفطرة، والضمير الذي سمّاه محمد ﷺ "وازع الله في نفس المؤمن".
والتحرير الذي جاء به الإسلام شامل لكل ما تقوم به الحياة وتصلح عليه المعاني والأشخاص، والدين الإسلامي لا يفهم التحرير بالمعنى الضيّق، وإنما يفهمه على أنه كل إطلاق من تقييد، أو تعديل لوضع منحرف، أو إنصاف لضعيف من قوي، أو نقل شيء من غير نصابه إلى نصابه. قالت أسماء بنت أبي بكر حينما بعث لها أبوها بجارية تقوم لها بعلف الفرس: فكأنما أعتقني.
حرّر الإسلام العقل وجميع القوى التابعة له في النفس البشرية، والعقل هو القوة المميزة للمتضادات والمتنافرات التي بني عليها هذا العالم، كالصلاح والفساد، والخير والشر، والنفع والضر، ولذلك جعل مناطًا للتكاليف الدينية والدنيوية، وقد يطرأ عليه ما يطرأ على الموازين المادية من الاختلال فيتعطل أو ينعكس إدراكه، والإسلام يعلو بتقدير العقل والفكر إلى أعلى درجة، ويقرّر أن إدراك الحقائق العليا في الدين والكون إنما هو حظ العقول الراجحة والأفكار المسددة، وأن العقول المريضة والأفكار العقيمة تنزل بصاحبها إلى الحيوانية بل إلى أحط من الحيوانية، ففي القرآن العظيم ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾.
ولهذه المنزلة التي وضع الإسلام العقل فيها حماه من المؤثرات والأمراض والعوائق، وأحط دركة يرتكس فيها العقل هي الوثنية، فهي أكبر معطل له عن أداء وظيفته حين لا يسمو إلى الجولان في العوالم الروحية وحين تفتنه الماديات بظواهرها من طريق الجوارح الحسية.
стр. 1811
أعلن الإسلام من أول يوم حربًا شعواء على الوثنية بجميع أنواعها، وهي أشدّ ما كانت سلطانًا على النفوس، وتغلغلًا فيها، وإفسادًا لفطرة الخير وإطفاء لنورها، حتى اجتثّها ومحا آثارها من النفوس ومن الآفاق، وعمر مكانها بالتوحيد. أتدرون السر في تلك الحملات على الوثنية؟ هو تحرير العقل من نفوذها وسلطانها حتى يواجه أمانة الدين الجديد صحيحًا معافى، ويؤدي الوظيفة التي خلق لأدائها؛ وما هدم أصحاب محمد الأصنام بأيديهم إلا بعد أن هدم محمد الوثنية في نفوسهم، وبعد أن بنى عقولهم من جديد على صخرة التوحيد، ولولا ذلك لما أقدم خالد على هدم طاغية ثقيف.
وحزر الخلطاء بعضهم ببعض بما شرعه من أحكام عادلة تقوم بالقسط، وترفع الحيف والظلم، ووقف بكل واحد عند حدّه، وحفظ له حقوقه.
فحد الحدود بين المرأة والرجل وبين المحكوم والحاكم وبين الفقير والغني وبين العبيد والسادة وبين العمّال وأصحاب المال، وهذه الأنواع من التحرير تناولتها النصوص القطعية من القرآن والأحاديث، واكتنفتها في صلب النصوص مؤثرات من الترغيب والترهيب تزيدها قوة ورسوخًا في النفس، فأما تحرير المحكومين من الحاكمين فلا مطمع أن يأتي فيه على وجه الدهر ما جاء به الإسلام من شرائع العدل والإحسان والشورى والرفق والرحمة وعدم المحاباة حتى في النظرة والكلمة والمجلس.
وأول ما يسترعي النظر من ذلك سيرة محمد ﷺ وأقضيته في حياته وما أدبه به ربّه من مثل قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾، ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾، ثم سيرة الخلفاء الراشدين في الحكم فإنها كانت مثالًا من أحكام النبوّة التي هي وحي يوحى، وإن الأمثلة التي ضربها عمر في إقامة العدل وقوة الاضطلاع، لأمثلة خالدة على الدهر، فاق بها من قبله، وأعجز من بعده، وما أروع قوله: "من رأى منكم فيّ اعوجاجًا فليقوّمه"، وأروع منه قول مجيب من أفراد الرعية: "لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوّمناه بسيوفنا"، وأبلغ منهما في الروعة أن يحمد عمر ربّه على أن يكون في أمة محمد ﷺ من يقوّم عمر بسيفه.
والتشريع الإسلامي تشريع متّصل الحلقات من العقائد والعبادات إلى الآداب والمعاملات. وكلّه يرمي إلى غاية واحدة، وهي إنشاء أمة متّحدة المبادئ والغايات، متناسقة ما بينهما، لتحمل الأمانة كاملة صحيحة إلى الأجيال اللاحقة، وقد تمّ للإسلام ما أراد عدة قرون، وما زلنا- بحمد الله- نحمل بقايا من ذلك، ولولاها لكنّا في الغابرين.
وحرّر الإسلام الفقير من الغني، فجعل للفقراء حقًا معلومًا في أموال الأغنياء، ووجه التحرير هنا أن الفقير كان يسأل الغني فيعطيه أو يحرمه تبعًا لخلقه من تسهل أو كزازة، فإذا
стр. 1812
أعطاه شيئًا أخذه على أنه مكرمة ممنونة، تجرح نفسه، وان أشبعت بطنه، ولكن الإسلام ألزم الغني بدفع الزكاة للفقير وسمّاها حقًا معلومًا، وتسمية هذا المال حقًا لله تشعر الغني بالرضا والتسليم والاطمئنان إلى إخلافه ومضاعفته، وترفع عن الفقير غضاضة الاستجداء ومهانة السؤال، وتطهّر نفسه مع ذلك من رذيلة الحقد على الغني، وهذا الحقد هو أساس الشيوعية ومن عجائب الإسلام في إدخال التربية النفسية في الأحكام، أنه لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء من العمليات إلا بعد أن يمهّد للنفس ويعمرها بخوف الله وحده، ويقنعها بالآثار التي تترتب على المأمور به أو المنهى عنه، فإذا جاء دور العمل كانت النفس مطمئنة بالعلم وراضية بالعمل مهما شق، ولهذا كانت عقائد الإسلام وعباداته وأحكامه وآدابه كلها مترابطة وكلها متعاونة على تهذيب المسلم، ولهذا السر أيضًا صلح شأن المسلمين الأولين، لأنهم أقاموا الدين كله، عينيًا في العينيات، وكفائيًا في الكفائيات، وكانوا لا يتهاونون في الصغيرة، احتياطًا للكبيرة، ومن أوامر القرآن: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.
وحرّر الإسلام الحيوان الأعجم من الإنسان، وحرّم عليه أن يحمله ما لا يطيق من الأحمال والأعمال، وأن يجيعه أو يعطشه، فإذا فعل به شيئًا من ذلك بيع عليه جبرًا بحكم الحاكم، وأوصى في الرفق بالحيوان وصايا زاجرة، وفي حديث نبوي أن امرأة دخلت النار بسبب هرة أمسكتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل خشاش الأرض، وأن امرأة عاصية لله دخلت الجنة بسبب كلب وجدته يلهث عطشًا على حف بئر فأدلت خفها وسقته، وما من شيء تفعله جمعيات الرفق بالحيوان في هذا العصر إلا وقد سبق الإسلام إلى أكمل منه.
وحرّر الإسلام المرأة من ظلم الرجال وتحكّمهم، فقد كانت المرأة في العالم كله في منزلة بين الحيوانية والانسانية بل هي إلى الحيوانية أقرب، تتحكّم فيها أهواء الرجال وتتصرف فيها الاعتبارات العادية المجرّدة من العقل، فهي حينًا متاع يتخطّف، وهي تارة كرة تتلقف، تعتبر أداة للنسل أو مطية للشهوات، وربّما كانت حالتها عند العرب أحسن، ومنزلتها أرفع، يرون فيها عاملًا من عوامل ترقيق العواطف وإرهاف النفس، ودواء لكثافة الطبع وبلادة الحسن، ويجدون فيها معاني جليلة من السمو الإنساني، وأشعارهم- على كثرتها- عامرة بالاعتراف بسلطان المرأة على قلوبهم وبشرح المعاني العالية التي يجدونها فيها، ولا عبرة بما شاع عنهم من وأد البنات، فإنه لم يكن عامًا فاشيًا فيهم، وتعليله عند فاعليه يشعر أنه نتيجة حب طغى حتى انحرف، وأثر عقل أسرف في تقدير العواقب، لا نتيجة كراهية لنوع الأنثى، وعلى كل حال فالوأد خطأ كبير، وجريمة شنيعة، وشذوذ في أحكام الرجال خارج عن نطاق الانسانية، وحسبه تسفيه قوْلِه تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
وجاء الإسلام فنبّه على منزلتها وشرفها وكرم جنسها، وأعطاها كل ما يناسب قوّتها العقلية وتركيبها الجسمي وسوّى بينها وبين الرجل في التكاليف الدينية، وخاطبها بذلك
стр. 1813
استقلالًا تشريفًا لها، وإبرازًا لشخصيتها، ولم يجعل للرجل عليها سبيلًا في كل ما يرجع إلى دينها وفضائلها، وراعى ضعفها البدني بالنسبة للرجل، فأراحها من التكاليف المادية في مراحل حياتها الثلاث، من يوم تولد إلى يوم تموت، بنتًا وزوجًا وأمًا، فأوجب على أبيها الإنفاق عليها وتأديبها ما دامت في حجره إلى أن تتزوّج، وهذا حق تنفرد به البنت على الابن الذي يسقط الإنفاق عليه ببلوغه قادرًا على الكسب، فإذا تزوّجت انتقل كل ما لها من حق أدبي أو مادي من ذمة الأب إلى ذمة الزوج، فتأخذ منه الصداق فريضة لازمة، ونحلة مسوّغة وتستحق عليه نفقتها ونفقة أولادها منه بالمعروف، فإذا خلت من الزوج ولها أولاد مكتسبون وجبت الحقوق على أولادها، ولا تنفق شيئًا من مالها إلا باختيارها، ووصايا القرآن والسنّة وأحكامها في بر الأمهات معروفة، وهي أظهر من الشمس، فالإسلام أعطى المرأة وأولادها من الإعزاز والتكريم ما لم يعطها إياه دين آخر ولا قانون وضعي وأعطاها حق التصرّف في أموالها، وحق التملّك من دون أن يجعل للزوج عليها من سبيل، وأحاطها بالقلوب الرحيمة المتنوّعة النوازع، المتلوّنة العواطف: قلب الأب وما يحمل من حنان، إلى قلب الزوج وما يحمل من حب، إلى قلب الولد وما يحمل من بر ورحمة، فهي لا تزال تنتقل من حضن كرامة وبر إلى حضن كرامة وبر، إلى أن تفارق الدنيا، وبين المهد واللحد تتبوّأ المراتب الكاملة في الانسانية.
نرى من هذه المعاملة الصريحة للمرأة في الإسلام أنه سلّحها بأحكام قطعية، وحماها بتشريع سماوي عادل ولم يكلها إلى طبائع الآباء الذين يلينون ويقسون، ولا إلى أهواء الأزواج الذين يرضون ويغضبون، ولا إلى نزعات الأبناء الذين يبرّون ويعقون، وإنما هي أحكام إلهية واجبة التنفيذ، لا تدور مع الأهواء والعواطف والنزعات وجودًا وعدمًا.
ولا ينقض علينا هذه الأصول شذاذ العصور المتجاوزون لحدود الله الخارجون عن الفطرة الصحيحة كمسلمي زماننا الذين منعوا المرأة المسلمة كل أو جل حقوقها، وحسب هؤلاء أنهم ظلموا أنفسهم قبل أن يظلموا المرأة، وأنهم هدموها فهدمتهم عن غير قصد، في أبنائهم، وأفسدوا كونها، فحرموا عونها.
وفي موضوع "المرأة في الإسلام" يتدخّل علماء الغرب ملاحدة ومتألهين، ويتعاطون ما لا يحسنون من القول في هذا الموضوع. ويجعلون منه ذريعة للنيل من الإسلام، ولقد ناظرنا جماعة منهم في الموضوع فأفحمناهم وألقمناهم حجرًا، قلنا لهم: هاتوا مثالًا نتناقش فيه، فقالوا: الميراث، قلنا: من أي جهة؟ فإن المرأة ترث بعدة أسباب، فنظر بعضهم إلى بعض، هل يراكم من أحد، وكادوا يتسلّلون، وكأنهم كانوا لا يعرفون إلا أن المرأة مظلومة في القرآن الذي يقول: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فقال لنا أحدهم: نعني ميراث البنت مع أخيها، فقلت: أنتم قوم تبنون الحياة كلها على الحساب، فهلم "نتحاسب"، ولنفرض أن
стр. 1814
مورثًا مسلمًا مات وترك ابنًا وبنتًا وثلاثمائة نقدًا، قال الإسلام: للإبن مئتان، وللبنت مائة، فقلتم، هذا ظلم ... هذا غبن ... هذا إجحاف ... ولم تفهموا أن الإسلام نظر إلى المرأة ككل، ونظر إلى مراحل حياتها الثلاث كمنظومة متناسقة، فإذا نقص لها في جزئية، جبر لها في جزئية أخرى، ولنجرِ معكم على مثالنا ولا نخرج عنه، ولنفرض أن الأخوين الذكر والأنثى تزوّجا في يوم واحد، وليس لهما من المال إلا ذلك الميراث، فالذكر يدفع لزوجته مائة صداقًا، فيُمسي بمائة واحدة وأخته تأخذ من زوجها مائة صداقًا فتصبح ذات مائتين، والذكر مطلوب بالإنفاق على نفسه وزوجته وأولاده إن ولد، وأخته لا تنفق شيثًا على نفسها ولا على أولادها.
فهذا هو الميزان العادل في الإسلام يتجلى من هذا المثال، وتتجلى منه رحمة الله في هذا المخلوق الذي ركبه الله على ضعف، ورشّحه لحمل أعظم أمانة، وهي تربية الناشئة وإعدادها للحياة.
هذه أنواع قليلة من التحرير العام الذي جاء به الإسلام، ألمعنا إلى بعضها الماعًا وأطلنا في تحرير المرأة قليلًا، لأن خصوم الإسلام يتخذون منها نقطة الهجوم عليه، وحديثهم في موضوع المرأة أكثر من حديثهم في الاسترقاق، لأن مركز المرأة في المجتمع ممتاز، ولأن الحياة كلها تتوقف عليها، ولأن جوانب الحديث عنها متعددة، فالحجاب والطلاق والوظيفة والعمل والتعلّم والاختلاط والميراث، والانتخاب أخيرًا ... كلها جوانب للحديث عنها هجومًا ودفاعًا.
أفمن حرّر المعاني والقوى والأجناس والأصناف والأشخاص، ثم حرّر الحيوان الأعجم، لا يحرّر الأرقاء من بني آدم؟ ...
وهات الحديث عن الرقيق وقل ... ان الحديث عن الرقيق رقيق
الاسترقاق في التاريخ:
الاسترقاق قديم ممتد مع تاريخ البشر، وأصله الظلم المتأصل في الغرائز، فكانت القبائل في أطوار البداوة يغزو قويّها ضعيفها فيأسر الرجال ويسبي النساء والذراري، ويتبع السبي الاسترقاق.
وجاءت الحضارات فلم تنسخ هذه السنّة، وإنما وضعت لها حدودًا وقوانين، صيرتها شرًا منظّمًا. وشأن الحضارات قديمها وحديثها أنها لا تهذّب الغرائز الحيوانية في الإنسان، وإنما تموّهها بطلاء ظاهر وتخترع لها من حيل العقل والعلم ما يزيدها ضراوة بالشر واحتيالًا لارتكابه وتبصيرًا بطرقه، فالحضارة القائمة الآن لا تسبي النساء والأطفال في حروبها،
стр. 1815
ولكنها ترتكب ما هو شر من السبي، وهو القتل الذريع الشنيع للضعيفين المرأة والطفل، وتأسر المقاتل، والأسر استرقاق في أبشع صوره، ولا تزال الألوف المؤلفة من أسارى الحرب الأخيرة تحت أيدي الغالبين يسخّرونهم في أشقّ الأعمال.
وجاءت النبوّات الخاصة فلم تفعل شيئًا في إصلاح هذه المفسدة، بل سايرت فيها مذاهب العامّة، وفيها ما أباح الاسترقاق لغير الأمم المفضلة بالنبوّة، إلى أن جاءت النبوّة المحمدية العامة بالتشريع التام الكامل، والإصلاح العام الشامل، فكان لها تدبير حكيم لعلاج هذه المشكلة التي لم تحلها الحضارات ولا النبوات.
عمل الإسلام في الرق:
أول ما بدأ به الإسلام في إصلاح قضية الاسترقاق التضييق في أسبابها فحصرها في سبب واحد وهو الكفر، الموجب للجهاد الديني في أهله ثم يورث من جهة الأمَة فقط، فابن الأمَة رقيق.
والقتال بين البشر بحسب أسبابه يرجع إلى نوعين: الأول وهو المتعارف بين الناس منذ صاروا شعوبًا وقبائل إلى الآن، هو القتال للتسلّط أو للغنيمة أو للتشفّي أو توسيع رقعة المملكة واستغلال الغالب لوطن المغلوب، وهذه هي حرب البغي والعدوان، وليست لها غايات إنسانية، ولا بواعث شريفة، وحروب هذه العصور كلها من هذا القبيل، وغاياتها كلها شر، وقد أيّدتها الحضارة الحاضرة بعلومها وصنائعها فزادتها شرًا على شر وفظاعة وفتكًا على فتك، والتاريخ يحمّل علماء هذه الحضارة تبعات هذه الشرور كلها بما يخترعون من وسائل التدمير، وكان واجب الأمانة أن يوجّهوا علومهم لحياة البشر لا لموتهم، وهذا النوع من القتال لا يبيحه الإسلام ولا يبيح استرقاق من يسبى فيه.
النوع الثاني: هو ما جاء به الإسلام وسمّاه جهادًا وهو قتال المعارضين لدعوته، الواقفين في سبيلها، بعد تبليغهم الدعوة، وتمكينهم من النظر فيها بالعقل والروية وانظارهم إلى المدة الكافية لذلك، فإن لم يقبلوها بعد ذلك ولم يقفوا في طريقها تركوا وشأنهم، ولا إكراه في دين الإسلام بالنص القرآني القاطع، وإنما الواجب في الإسلام التبليغ والبيان، وإن لم يقبلوا دعوة الإسلام ووقفوا في طريقها يصدّون الناس عنها بالكلام أو بالتحريض وجب في حكم الإسلام قتالهم وقتل المقاتلة منهم فقط أو أسرهم، وسبي النساء والذراري واسترقاقهم، فهذا هو شرط الاسترقاق في الإسلام، وفيه- كما ترى- تضييق لدائرته الواسعة المتعارفة في البشر قبل الإسلام، وتخصيص لعمومها، واستقراء ما أدخله الإسلام على هذه القضية من إصلاح يكاد يمحو آثارها من الوجود. وفي الحديث النبوي تقسيم بديع لأنواع القتال وفيه
стр. 1816
أن المشروع منه أنواع، وهو أن يكون لإعلاء كلمة الله، وكلمة الله في جملتها هي توحيده الخالص والإذعان للأحكام التي جاء بها كتابه وبيّنها نبيّه، ومنها جمع البشر على ما يسعدهم ويرفع من بينهم أسباب الشرور والعداوات.
إن رأي الإسلام في الحرب أنها مفسدة لا ترتكب إلا لدفع مفسدة أعظم منها، وأعظم مفسدة هي الوثنية التي تعطّل العقول وجميع المواهب التابعة لها المتصرفة بأمرها، وإذا تعطل العقل تعطّلت ثمراته وفوائده وأصبح الناس في حكم المجانين، وتسلطت عليهم الأوهام، وأصبح نظرهم إلى الحقائق زائغًا منحرفًا، وحسبهم نتيجة لذلك أنهم يؤلهون أشياء كلها أحط من الإنسان، ومنها ما هو من صنعه، وقد بينّا سابقًا كيف حرّر الإسلام العقل منها لأنها بخس له ولقيمته.
المقاصد العامة في التشريع الإسلامي:
وللتشريع الإسلامي في كل قضية عامة تدعو حاجة الناس إليها وتدخل صميم حياتهم، مقاصد بعيدة المدى، شديدة المواقع، واضحة الآثار في المجتمع الإسلامي، وعلى هذه المقاصد بنيت الأحكام الفرعية، والذي يغفل عن هذه المقاصد لا يسلم من الخطإ في النظر إلى الجزئيات، ولا يضمن الإصابة في ترجيح دليل على دليل عند التعارض.
وباعتبار هذه المقاصد العامة في التشريع الإسلامي كانت الشريعة الإسلامية نظامًا اجتماعيًا كاملًا كافلًا لمصالح الجمهور ضابطًا لها، صالحًا لكل زمان ولكل مكان ولكل جنس.
وكل من يستقرئ أحكام الشريعة الإسلامية المنصوصة في المعاملات العامة، ثم يعمل نظره في استخراج هذه المقاصد، يخرج بحقيقة- ترمي إليها جميع النصوص-، وهي أن من مقاصد الإسلام إبطال الاسترقاق بالتدريج، لأن غضاضته لا تدفع إلا بإبطاله، وإذا كانت إباحته بحكمة فليكن إبطاله بحكمة.
ذلك أن الإسلام جاء بجلب المصالح ودرء المفاسد، فإذا وجدت قضية عامة يتجاذبها الصلاح والفساد- وهما ضدّان- فهنا تأتي حكمة الإسلام وبعد نظره ودقته في الترجيح، والإسلام لم يخترع الاسترقاق ولم ينشئه، وإنما وجده فاشيًا في العالم، درجت عليه الأمم كلها من أحقاب قديمة متطاولة، ودخل في حياتهم وتمكّن، ونزل منها منزلة الضرورات الحيوية، وتعوده الفريقان السادة والعبيد، وبنى كل واحد منهما أمره على ما قسم له من الأعمال، ورأى ان الخير فيه، وأن خروجه منه مضيعة له وقضاء على حياته، واطمأن إلى هذا كله من يوم أدرك وعقل، وقد فصلت الحياة وقوانينها والمواضعات العرفية وظائف
стр. 1817
الفريقين في عشرات القرون، فأصبح الخروج عنها كالخروج من الحياة، ولكل من السيادة والعبودية آثار متطرفة في نفوس أصحابها لا يجمعها وسط، فالسادة تعوّدوا الاعتماد على العبيد في تصريف مصالحهم الحيوية المتنوّعة شريفها وخسيسها من منزلية وفلاحية، فإذا فارقهم العبيد ضاعت تلك المصالح كلها إذ لا يستطيع القيام بها بنفسه، فضاعت المصالح فاختلّ التوازن الاجتماعي، والعبيد تعوّدوا الاعتماد على السادة في معاشهم وكسوتهم وتدبير ضرورياتهم كلها فإذا فارقوهم وتحرّروا دفعة واحدة لم يستطيعوا الاستقلال بالحياة، واختلّ التوازن الاجتماعي أيضًا.
فجاء الإسلام بعلاج المعضلة، وهو أنه حرّم من أول يوم معاملة العبيد بالقسوة التي كانت مألوفة يرتكبها المالك لأنها شيء معتاد، ويتحمّلها العبد لأنها شيء معتاد فأوجب معاملتهم بالإحسان والرفق والرحمة، وبالغ نبي الإسلام في التلطّف والحنو على هذا الصنف حفظًا للكرامة الإنسانية، فسمّاهم إخوانًا للمالكين وفرض لهم المساواة معهم من المأكل والملبس وحدّد لهم مقدار العمل، فقال في حديثه المشهور الذي هو دستور كامل لهذه القضية في جمل قصيرة، ولفظه في حديث أبي ذر: «إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللهُ تَحْتَ يَدِهِ أَحَدًا مِنْ إِخْوَانِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا يُكَلِّفْهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ».
ومن عرف مقدار تأثّر الصحابة بالدين ومبالغتهم في امتثال أوامره واجتناب نواهيه ومسارعتهم في تنفيذها، عرف أنهم نفّذوا هذا الدستور بمجرد سماعه كما وقع لأبي ذر راوي الحديث، فإنه كان لا يستأثر بأكلة دون غلامه ولا يلبس حلة إلا ألبس غلامه مثلها.
من لي بالباحث الغربي المنصف المُبَرَّإِ من وصمة الغرض والحقد والهوى ليعلم مواقع الإنسانية في دين الإسلام- وما أكثرها- ثم يعلنها في قومه، وإذًا لأعلن كثير منهم إسلامه بإعلانها. ومن مواقع الإنسانية في الإسلام ما شرعه هذا الحديث العظيم في معاملة العبيد، فليعلم هؤلاء الباحثون الجاهلون لمحاسن الإسلام، أو المتجاهلون لها، وليعلم من بعدهم الواضعون للقوانين من بني جلدتهم، والمسيّرون لشعوبهم من الحكام ليعلموا جميعًا- فيما يعلمون- أن محمدًا ﷺ سبقهم من أربعة عشر قرنًا إلى إعلان حقوق الإنسان التي ما زالوا يتخبطون فيها بين السلب والإيجاب، وما زالوا ينقضون بالفعل ما أبرموه فيها بالقول، وليعلموا جميعًا أن محمدًا ﷺ سبقهم كذلك إلى إعلان حقوق العبيد وإقرار الكرامة الإنسانية لأول مرة في تاريخ العالم- بل نقولها جهيرة مدوية لا تتوارى بحجاب ولا تستتر بجلباب، أنه أعلن بحديثه السابق ولأول مرة في تاريخ الحضارة البشرية إلغاء الرق الذي يتبجحون بابتكاره، ولكن بمعنى حكيم غير الذي يفهمونه من الإلغاء المسطّر على الأوراق في قوانينهم: أنه محا آثار الرق في نفوس الأرقاء، وآثار الاسترقاق في نفوس السادة، وأي
стр. 1818
معنى يبقى للرق بعد هذا؟ أي معنى يبقى لهذه الكلمة بعد أن فقدت معناها أو تصافت نفوس الفريقين وتلاقت على الأخوة والمساواة، واستشعر كل فريق منهما عزة النفس، وحظّه من تلك العزّة، وكرامة الإنسان ونصيبه من تلك الكرامة؟
إن كلمة العبقرية في ذلك الحديث هي كلمة "إخوانكم" وقد جاءت في أول الجملة لتكون أول ما يقرع الأسماع فتفعل فعلها في النفوس، وخصوصًا في ذلك الزمان. فالعبد حين يسمع تلك الكلمة يحسّ كأن نفسه الذليلة انتقلت في رحلة روحية من عالم إلى عالم، وكأنه استلم صك التحرير فجأة بيده وأنه أصبح أخًا لسيّده لا عبدًا له، وهذا ما لم تسمعه أذن في أطوار الحضارات التي من شأنها أن ترقي العقول، ولا في أطوار النبوّات التي من شأنها أن ترقي الأرواح، والسيد المالك حين يسمعها تتطامن نفسه الشرهة وأخلاقه الشرسة وغرائزه المتشبعة بحب التملّك والتسلّط ويتنزّل من عالم الاستعلاء إلى عالم الاستواء، فيرى ببصيرته أن هذا المخلوق أخ، وليس من الرجولة ولا من الإنسانية أن يمتهن الأخ أخاه.
وأي معنى يبقى للرق بعد هذا؟
على أن التشريع الإسلامي عند تكامله انتهى إلى تشريع أحكام كثيرة كلها في مصلحة الرقيق وترجيح جانبه وإعلاء كلمته، وكلها ترمي إلى بطلان الرق من ذاته تدريجيًا، والتدرّج سمة واضحة الحكمة من سمات التشريع الإسلامي تظهر في التفاوت الزمني بين العبادات، فقد شرعت الصلاة بمكة ولم تشرع بقيتها إلا بعد الهجرة، وفي أزمنة متفاوتة أيضًا، وتظهر في تحريم الخمر وتحريم الربا، وتظهر في وصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن وأوصاه بعرض شرائع الإسلام عليهم واحدة واحدة وأن لا يعرض عليهم الثانية حتى يتقبّلوا الأولى.
وهذه التشريعات المنصوصة وما تفرّع عنها بالاجتهاد أو القياس هي الدليل القاطع على ان إبطال الاسترقاق وقطع دابره كانا من مقاصد الإسلام، ولكن بطريقته التدريجية الحكيمة كما وقع في تحريم الخمر، ولو أن المسلمين بعد خلافة عمر نفّذوا تلك التشريعات بحزم لما بقي للاسترقاق بينهم أثر. رأى محمد ﷺ أن إبطال الرق دفعة واحدة يفضي إلى مفاسد اجتماعية وإلى شلل محقق في المرافق الحيوية كما أسلفنا القول فيه، فجاء بذلك الدستور الذي أزهق روحه، بحيث أصبح رقيق ذلك الزمن أسعد حالًا وأوفر كرامة بآلاف المرات من أحرار هذا الزمن الذين يسامون سوء العذاب من الأقوياء المتحضرة، بدأ محمد ﷺ الحملة على الاسترقاق بالترغيب في العتق، وأحاديثه في ذلك لا تكاد تحصر، حتى أنه جعل العتق أصلًا يقاس عليه جميع القربات، فكثيرًا ما كان يقول: من فعل كذا فكأنما أعتق رقبة، فكأن الإسلام يعد عتق العبيد أشرف أعمال الخير، يقدّر ثوابها بثوابه، ولا دليل أدلّ من هذا
стр. 1819
على رغبة الإسلام في تحرير الرقيق، وقطع دابر الاسترقاق، وقد كان المسلمون الأولون يتبارون في العتق، ويبعثون في الأسواق حاشرين لشراء العبيد بنيّة العتق اغتنامًا لأجره، وتحقيقًا لحكمته.
ثم جعل عتق الرقاب عقابًا دنيويًا على كثير من المخالفات وكفّارة لها عند الله، فقتل الخطإ يكفر بعتق رقبة بعد الدية، ومن مكفرات الحنث في اليمين عتق رقبة، وفي الظهار الذي لم يبلغ أن يكون طلاقًا عتق رقبة، وجعل العتق عقوبة دنيوية على الذنوب، واعتباره ماحيًا لها عند الله، هو طريق إلى التقليل من عدد الأرقاء والتقليل من الشيء مدرجة لزواله.
وهنالك كثير من الأحكام في التشريع الإسلامي توجب العتق إيجابًا وتفضي إلى التقليل.
فمنها أن السيد إذا ضرب عبده أو أمته ضربًا يجاوز حد التأديب أو الكي بالنار فإنه يعتق عليه جبرًا بحكم الحاكم.
ومنها أن الجارية إذا ولدت من سيّدها فإنها تحرّر من أعمال الإماء، وتزول عنها هجنة الرقيق، وتحرّر بموت سيّدها وتسمّى أم ولد في الاصطلاح الفقهي.
ومنها أن العبد إذا كان يملكه أشخاص اشتكوا في قيمته فعتق أحد الشركاء نصيبه الذي يملكه فإن الحاكم يعتق بقية الأجزاء على أصحابها جبرًا، ويصبح حرًا مهما كان الجزء الذي بُني عليه العتق قليلاً. ومنها أن العبد إذا ادّعى أن سيّده عتقه وأنكر السيد ذلك فإن قول العبد يرجح على قول سيّده بيمين.
وهناك أحكام كثيرة من هذا الباب كلها تحقق ذلك المقصد العام وهو الغاء الرق، وللفقهاء كلمة متداولة في تعليل هذه الأحكام وهي قولهم: "لتشوف الشارع للحرية" وهي كلمة صريحة الدلالة على أن هؤلاء الفقهاء يفهمون أن الإسلام أحكام مبنية على حِكَم، وأن الحكمة في ترجيح جانب العبيد هي التقليل من عددهم، وأن التقليل يفضي بطبيعته إلى الزوال.
حكم التسرّي وحكمته في الإسلام:
أما التسرّي الذي يعيبه الحاقدون على الإسلام، وهو وطء الجواري بملك اليمين، فحكمه الإباحة بالنص القاطع من القرآن وهو النوع الثاني من النوعين الجائزين في قرب النساء، وأولهما التزوّج بالحرائر بشروطه المعروفة، وما عدا هذين النوعين حرام ومجاوزة لحدود الله، وليس في الإسلام حكم بلا حكمة في جميع علائق البشر بعضهم ببعض، فإن وجد حكم بلا حكمة، ولو دقيقة، فهو إما توسّع في الاجتهاد، وإما خطأ من العباد،
стр. 1820
والحكمة الواضحة في التسري تتألف من عدة عناصر، فهو تأليف بين العنصرين المتفاوتين وهم السادة والعبيد بعلاقة نفسية جسمية، وتقريب بينهما، وتنقيص من النفور الطبيعي بملابسة طبيعية، ولا يخفى ما في هذا من طي المسافة بين السيادة والعبودية، ومن الحكم الظاهرة فيه أنه خطوة واسعة إلى التحرير ووسيلة قوية من وسائله، فإن الأمة إذا ولدت من سيّدها ترتفع درجة عن العبودية حتى في الاسم فتسمّى أم ولد، وترتفع إذًا بطريق شرعية إلى التحرير، فهي من الذرائع المحققة لحكمة الإسلام في العتق ولمقصده في التشوّف للتحرير، وكل هذا زيادة على ما تحصل عليه أم الولد من سيّدها من الاستيلاء على قلبه والحظوة عنده، ولقد وصل كثير من أمهات الأولاد من طريق هذه الحظوة إلى درجات رفيعة لم تبلغها الحرائر. وأما المبالغة في الإكثار منهن إلى درجة مستهجنة بناء على عدم تحديد الشرع لعدد خاص- فهذا من سوء تصرّف المسلمين- لا من حسن تصريف الإسلام.
الاسترقاق عند المسلمين اليوم:
ترك المسلمون منذ قرون صفة الجهاد في سبيل نشر دعوتهم الدينية، فلم يبق سبب للاسترقاق الحقيقي، والموجود عند بعضهم اليوم من الرقيق إنما هو متوارث أو مجلوب من الشعوب الوثنية في افريقيا، أو مجلب عليه بالقوة من غير الوثنيين، وهذان النوعان الأخيران قد يدخلهما التزوير من الجانبين، وحكم إباحة الاسترقاق في الإسلام قائم لا تنسخه هذه القوانين الوضعية، وغلبة الظن مُحكمة في الإسلام ولكن الأحوط في مسألة الاسترقاق هو اليقين، فإذا غلب الظن في صحة الرق رجعنا إلى القاعدة العامّة، والمقصد الأمين وهو تشوّف الشارع للحرية، وغلبنا جانبها على جانب الاسترقاق، فإذا كان المالك من المتأدبين بأدب الإسلام ومنها إكرام الانسانية في شخص الرقيق، والإحسان إليه، ومعاملته على أساس الأخوة لا العبودية، فهنا يسوغ له الإقدام على ملك الرقيق المشبوه بغلبة الظن ما دام الملك ينقله من حالة سيئة إلى حالة حسنة، وعلى الجملة فالقضية في هذا الزمان من المتشابه الذي تعتوره أحكام الحظر والإباحة، والمبالغة في الاحتراز أقرب إلى رضى الله وإلى قصد الشريعة.
ونقول إنه إذا كان الاسترقاق مباحًا بشروطه فإن باب العتق مفتوح على مصراعيه، فإذا ملك بنيّة العتق فإن عمله أعرق في الإنسانية وأدنى إلى مراضي الله.
إذا تقرر في الذهن ما أصلناه في هذه الفصول القصيرة لم يبقَ معنى لهذه الضجة التي يتردد صداها حينًا بعد حين في ما وراء البحار من أوربا وأمريكا في التشنيع على الإسلام بأنه يبيح الاسترقاق، وعلى المسلمين وحكوماتهم بأنهم يزاولون شراء الرقيق ويبيحون الاتّجار
стр. 1821
فيه، وما لهؤلاء القوم المشنعين على الإسلام لا يمنعون تجارة (الرقيق الأبيض) المتفشية بينهم، والمسجّلة عليهم وعلى حضارتهم عارًا لا يمحى؟ وما بالهم يرون القذاة في أعين غيرهم، ولا يرون الخشبة المركوزة في أعينهم؟ وما بال إنسانيتهم انحصرت في الإشفاق على عشرات أو مئات أو آلاف من العبيد يملكهم المسلمون بإحسان، ولم تتسع رحمتهم وإشفاقهم لمئات الملايين من الشعوب التي استعبدوها في أفريقيا وآسيا، فأذلوا رقابهم، ومسخوا معنوياتهم، وجرّدوها من كل أسباب الحياة؟
ثم ان لنا موقفًا نصفّي فيه الحساب مع هؤلاء الكتّاب الناعقين، ومن وراءهم من الحكومات المتفقة على إبطال الاسترقاق، ونردّ عليهم دعواهم وزعمهم أن ذلك القانون هو أشرف عمل إنساني تمّ على أيديهم وسبقوا إليه كل من مضى ومن حضر من الدول والأديان، وأنه هو الغرة اللائحة في جبين هذه الحضارة، والصفحة المشرقة في تاريخها، إلى آخر ما يفيضونه من النعوت على هذه (العملية).
نقول لهم أولًا: أمن الإنسانية ما تفعله أمريكا مع الزنوج إلى اليوم، وما تفعله جنوب أفريقيا مع الزنوج فيها؟
ونقول لهم ثانيًا: أمن الإنسانية والتحرير، استعماركم لأفريقيا وآسيا؟ وما فعلتموه من الفضائح في فتحهما، وما تفعلونه من الموبقات إلى اليوم في استعباد أهلها؟
قد يكون كلامكم في إلغاء الاسترقاق صحيحًا ومعقولًا عند الناس لو لم تقرنوه بجريمة الاستعمار في آن واحد، فلم تزيدوا على أن سفهتم أنفسكم، ونقضتم قولكم بفعلكم، وصيّرتم تلك الغرة المزعومة، عرّة معلومة، من الذي يصدقكم في تحرير الآلاف من العبيد، بعد أن استعبدتم مكانهم مئات الملايين؟ فكأنكم ما وضعتم ذلك القانون إلا تلهية للعالم، وتغطية عن الجريمة التي ارتكبتموها، وكأنكم ما رضيتم للشعوب الضعيفة أن تسترق أفرادًا، فألغيتم ذلك النوع الفردي، وأبدلتموه بالاسترقاق الجماعي (وبالجملة) على لغة التجّار.
فكان حقًا عليكم- لولا النفاق- أن تزيدوا كلمة في عنوان ذلك القانون فيصير (إلغاء الاسترقاق الفردي) ولو فعلتم لكنتم صادقين في الواقع، وإن كذبتم على الحقيقة والتاريخ، والكذب في الشر يصيّره شرّين.
إن هؤلاء القوم لم يزيدوا على أن حرّروا العبد زعمًا، واستعبدوا الأحرار فعلًا، ثم لجوا في الزعم سترًا للشناعة وتغطية عن الشر، وإلهاء للأغرار، وهيهات أن تغطى الشمس بالغرابيل. وإذا كان إلغاء الرقيق عملًا إنسانيًا، فاستعباد الأحرار بماذا يسمّى؟ وأنهار الدماء التي سالت بالأمس القريب في الهند الصينية وفي كوريا، والتي تسيل اليوم في شمال أفريقيا وشرقها ... تسيل، في أي سبيل؟
стр. 1822
أيها القوم العائبون على الإسلام ... لا تنهوا عن المنكر الجزئي حتى تنتهوا عن المنكر الكلي ... واذكروا ما هو محسوب عليكم وعلى حضارتكم من المتناقضات الشنيعة، وأشنعها أنكم استعبدتم شعوب أفريقيا كلهم نساءها ورجالها وأطفالها أبشع استعباد وقع في التاريخ، ثم جئتم تتباكون على مئات منهم نقلوا من الاستعباد الغاشم إلى الاستعباد الراحم، ومن الاستعباد الذي يجيع البطون، ويعري الظهور، ويخرج من البيوت- إلى الاستعباد الذي يشبع ويكسو ويؤوي، وبعبارة أجمع ... من الاستعباد الذي يميت إلى الاستعباد الذي يحصي ... ومن استعباد لا ضمير له، ولا إنسانية فيه، ولا رحمة معه، إلى استعباد كله ضمير وإنسانية ورحمة ... ومن استعباد حقيقي إلى شيء ليس فيه من الاستعباد إلا اسمه.
لقد فضحكم الله بشيء أعماكم الغرور عن التبصّر فيه، فكانت افريقيا هي الفاضحة. إن قانونكم الذي تتبجّحون به كان منصبًا على افريقيا، وكانت هي المعنية به، إذ كانت سوقًا لتجارة الرقيق ... ثم كانت هي هدفكم ومزدحمكم في الاستعمار فلم يبقَ منها شبر ولا شخص إلا وهو خاضع لسلطانكم الظالم الغاشم.
أما أن هؤلاء الأفريقيين لو فرّوا من وجوهكم- إذ لم يستطيعوا صفعها- ليكونوا عبيدًا للمسلمين لكانوا أعقل العقلاء، لأن ما يلقاه العبد في الشرق الإسلامي من سيد عات عنيف جبّار، لا يساوي عشر معشار الشعوب المستعبدة من حكوماتكم المتحضرة وظلم السيد المسلم العاتي لعبده يعد رحمة في جنب الظلم الاستعماري، على أن ظلم السيد المسلم لعبده يعد جريمة توجب عتقه رغمًا عليه في حكم الإسلام، أما المظالم المسلطة منكم على هذه الشعوب فهي جرائم جماعية، تتفق عليها حكومات متحضرة، وتسنّ لها القوانين من البرلمانات، ويزيّنها الفلاسفة والعلماء، ويحثّ عليها الخطباء، ويتغنّى بها الشعراء، وتجبى لها الأموال من الخاصة والعامة عن طوع واختيار، كما تجبى لسبل الخير العام.
أيها القوم: إنكم بهذا التجنّي على الإسلام تريدون أن تشغلوا المسلمين بالباطل عن الحق، وتسكتوهم بالاستعباد الموهوم عن الاستعباد المحقق، وبقضية الآحاد عن قضية مئات الملايين ولكنهم لا يسكتون ...
سمعنا كثيرًا عن غرائب التطورات، ولكننا لم نسمع أن إبليس أصبح واعظًا مذكرًا يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر حتى رأيناه رأي العين، ولكن هل يصدق العقل ما تراه العين وتسمعه الأذن من هذا؟
يتلخّص هذا العرض المختصر في نقط:
أولأ: أن الإسلام لم ينشئ الاسترقاق ولم يشرّعه.
стр. 1823
ثانيًا: أنه وجده عادة راسخة في الأمم وضرورة من ضرورات حياتها.
ثالثًا: أن روح الإسلام تستهجنه وتعتبره نقيصة إنسانية.
رابعًا: أنه بادر بإصلاحه وإزهاق روحه بحيث لم يبق منه إلا اسمه.
خامسًا: أنه رأى أن إبطاله دفعة واحدة يؤدي إلى مفسدة اجتماعية هي أعظم ضررًا من إبقائه، فسنّ له من الآداب والأحكام ما جعله يتلاشى من تلقاء نفسه بالتدريج.
سادسًا: أبرز نقطة في هذا الإصلاح، اعتماده على النفوس والضمائر، باعتبار العبد أخًا لسيّده، ليستشعر الكرامة والعزة، فترتفع معنوياته، فيصبح إنسانًا في المجتمع لا بهيمة كما كان، ثم سوّى بينه وبين سيّده في مظاهر الحياة لتزول الفوارق الحسيّة، كما زالت الفوارق النفسية، ثم ألزم المالكين بحدود لا يتجاوزونها في الاستغلال المادي، وأوصاهم بالرفق والإحسان إلى إخوانهم، حتى كان آخر ما أوصى به في مرض الموت قوله ﷺ : «استوصوا بالضعيفين خيرًا: المرأة والرقيق»، وأنه رغب في العتق ووعد عليه الثواب الجزيل في الحياة الباقية- والإيمان بالحياة الباقية هو أساس عقيدة المؤمن- حتى جعل العتق أصلًا لأعمال البر كلها، وأنه قرّر عتق الرقاب عقوبة على عدة مخالفات يرتكبها المسلم وكفارة عنها عند الله، وأنه شرع من أسباب التحرير أشياء كثيرة، منها ما هو بسيط، ومنها ما هو مخالف في ظاهره لقواعد المعاملة، كل ذلك لتشوّفه للحرية، وللتقليل من عدد الأرقاء حتى يزول مع الزمن.
стр. 1824
كلمة لصحيفة "الأهرام " *
أنا مدمن قراءة من عهد الصغر، فقد بدأت قراءة الكتب وعمري تسع سنوات في السنة التي فرغت فيها من حفظ القرآن، وكان أستاذي- وهو عمّي شقيق والدي الأصغر- يتولّى تربيتي وتوجيهي، ويأخذني- مع حفظ القرآن- بحفظ مختارات من الشعر العربي البليغ في معانيه، الفصيح في ألفاظه، الغريب في فهمه؛ فما حفظت القرآن حتى كنت أحفظ معه بضعة الألف بيت من الشعر ما بين أبيات مفردة ومقطع مع فهم المفردات، وأعانني على الفهم ما صحب حفظي للقرآن من حفظ الكثير من الألفاظ اللغوية الفصيحة من كتاب "كفاية المتحفّظ" للأجدابي، و "الفصيح" لثعلب و "الألفاظ الكتابية" للهمداني. من ذلك الحين شغفت بالقراءة، وكان عمي ينير لي الطريق ويسايرني من إرشاده في كل داجية كوكب وفي كل معضلة تعترضني شعاع هاد فيختار لي ما أقرأ لتستقيم ملكتي من الصغر، وقد وجّهني أول ما وجّهني إلى رسائل بلغاء الأندلس وأشعار شعرائها، فعكفت- زيادة على دروس الدين والقواعد- على قراءة الموجود من رسائل أبي عامر بن شهيد، وابن برد، وابن أبي الخصال، وأبي المطرف بن عميرة، ولسان الدين بن الخطيب من كتابه ريحانة الكتاب، والموجود من أشعار ابن زيدون وابن عمّار وابن شهيد وابن دراج القسطلي، وابن خفاجة، وبعض هذه الرسائل كانت مخطوطة في مكتبة أسلافي، وبعضها نجده في الكتب المؤلفة في تاريخ العلماء والأدباء بالأندلس مثل نفح الطيب، وقد كررت تلك الرسائل والدواوين مرات متعددة كدت أحفظ معظمها، وكان عمّي يتعصّب للأدب الأندلسي ويبدي ويعيد في استحسانه ويعدّه أقرب لمزاجنا وأكثر ملاءمة مع روحانيتنا وعواطفنا.
ولما بلغت من العمر أربع عشرة سنة لحق عمّي بربّه وكان قبل وفاته بسنتين أو ثلاث وجّهني لقراءة كتب المشارقة التي تجمع بين جزالة التركيب ووضوح المعاني، كالبيان
стр. 1825
والتبيين والبخلاء والحيوان للجاحظ والأغاني للأصفهاني والكامل للمبرد وحثّني على قراءة مقدمة ابن خلدون والعقد الفريد لابن عبد ربّه وبهجة المجالس لابن عبد البر، فقرأت عليه بعضها في حياته وقرأت جميع ما أوصاني به بعد وفاته.
ازداد شغفي بالقراءة من ذلك الحين، وقد أصبحت في درجة من الفهم والإدراك أفرّق فيها بين الغث من الكتب والسمين، وانصرفت إلى شعراء الشرق البارزين فقرأت المئات من دواوينهم ودرستها وقرأت كثيرًا من الكتب المؤلفة في موضوع الأدب كالعمدة لابن رشيق وكتب العسكري والجرجاني والآمدي وقدامة بن جعفر.
كررت قراءة بعض الكتب التي قرأتها مرات ودرستها، فما أبقى كتاب فيها في نفسي أثرًا يحملني على معاودة قراءته في كل سنة أو في كل فسحة تأتي من وقتي ولا وجدت في نفسي لقراءته ما يجده الجائع لالتهام الطعام إلا بضعة وعشرين من الكتب ودواوين الشعر فإنها استولت على شعوري، وأصبحت جزءًا من إحساسي، وبلغ شغفي بقراءتها مبلغ الافتتان.
ولنقتصر هنا على كتب الأدب من نظم ونثر فإن السرد لجميع الكتب ذات التأثير في نفسي يطول.
من الشعر الذي كان له الأثر الذي لا ينصل صبغه من نفسي شعر المتنبي لما فيه من فحولة وقوة أسر، وسداد حكمة وسيرورة أمثال، وإصابة أهداف، وتخطيط لدساتير البطولة، وتحديد لمواقع الكرم وتلقين لمعاني الذياد والحفاظ وتمثيل لبعد الهمم، وان المتنبى في بعض ما يصف من الذين يقولون ما لا يفعلون.
وشعر أبي فراس الحمداني لما يشيع في جوانبه من الانتخاء بالعروبة، والتنويه بشعائر العرب وأخلاقهم ومآثرهم وأمجادهم، ولأنه أصدق من المتنبي في كثير مما يدّعيه المتنبي.
وشعر البحتري لحلاوته وانسياغه في اللهوات، وسلامته من المعاضلة والتعقيد وجميع العيوب التي وصم بها أستاذه أبو تمّام.
وشعر الشريف الرضي لرقّته وانطباعه وبراعته في الوصف وصدقه في الفخر حين يفخر بأصوله الغر الميامين ... والفخر بأولئك الأصول هو الينبوع الثر من ينابيع شعره.
وشعر المعري في اللزوميات لدقته في وصف الدخائل النفسية، وتدسّسه إلى المكامن الروحية وتغلغله إلى مدب السرائر الخفية وسعة رحمته بالحيوان، وتنويهه بالفضائل والمكارم والكمالات وتمجيده للعقل الذي هو ميزان لا يخيس ومعيار لا يخس.
وشعر ابن خميس التلمساني لبراعته المدهشة في المزاوجة بين المعاني الحضرية الرقيقة، وبين التراكيب البدوية الجزلة، حتى كأنه بقية من طبقة عدي بن زيد العبادي.