فيه، وما لهؤلاء القوم المشنعين على الإسلام لا يمنعون تجارة (الرقيق الأبيض) المتفشية بينهم، والمسجّلة عليهم وعلى حضارتهم عارًا لا يمحى؟ وما بالهم يرون القذاة في أعين غيرهم، ولا يرون الخشبة المركوزة في أعينهم؟ وما بال إنسانيتهم انحصرت في الإشفاق على عشرات أو مئات أو آلاف من العبيد يملكهم المسلمون بإحسان، ولم تتسع رحمتهم وإشفاقهم لمئات الملايين من الشعوب التي استعبدوها في أفريقيا وآسيا، فأذلوا رقابهم، ومسخوا معنوياتهم، وجرّدوها من كل أسباب الحياة؟
ثم ان لنا موقفًا نصفّي فيه الحساب مع هؤلاء الكتّاب الناعقين، ومن وراءهم من الحكومات المتفقة على إبطال الاسترقاق، ونردّ عليهم دعواهم وزعمهم أن ذلك القانون هو أشرف عمل إنساني تمّ على أيديهم وسبقوا إليه كل من مضى ومن حضر من الدول والأديان، وأنه هو الغرة اللائحة في جبين هذه الحضارة، والصفحة المشرقة في تاريخها، إلى آخر ما يفيضونه من النعوت على هذه (العملية).
نقول لهم أولًا: أمن الإنسانية ما تفعله أمريكا مع الزنوج إلى اليوم، وما تفعله جنوب أفريقيا مع الزنوج فيها؟
ونقول لهم ثانيًا: أمن الإنسانية والتحرير، استعماركم لأفريقيا وآسيا؟ وما فعلتموه من الفضائح في فتحهما، وما تفعلونه من الموبقات إلى اليوم في استعباد أهلها؟
قد يكون كلامكم في إلغاء الاسترقاق صحيحًا ومعقولًا عند الناس لو لم تقرنوه بجريمة الاستعمار في آن واحد، فلم تزيدوا على أن سفهتم أنفسكم، ونقضتم قولكم بفعلكم، وصيّرتم تلك الغرة المزعومة، عرّة معلومة، من الذي يصدقكم في تحرير الآلاف من العبيد، بعد أن استعبدتم مكانهم مئات الملايين؟ فكأنكم ما وضعتم ذلك القانون إلا تلهية للعالم، وتغطية عن الجريمة التي ارتكبتموها، وكأنكم ما رضيتم للشعوب الضعيفة أن تسترق أفرادًا، فألغيتم ذلك النوع الفردي، وأبدلتموه بالاسترقاق الجماعي (وبالجملة) على لغة التجّار.
فكان حقًا عليكم- لولا النفاق- أن تزيدوا كلمة في عنوان ذلك القانون فيصير (إلغاء الاسترقاق الفردي) ولو فعلتم لكنتم صادقين في الواقع، وإن كذبتم على الحقيقة والتاريخ، والكذب في الشر يصيّره شرّين.
إن هؤلاء القوم لم يزيدوا على أن حرّروا العبد زعمًا، واستعبدوا الأحرار فعلًا، ثم لجوا في الزعم سترًا للشناعة وتغطية عن الشر، وإلهاء للأغرار، وهيهات أن تغطى الشمس بالغرابيل. وإذا كان إلغاء الرقيق عملًا إنسانيًا، فاستعباد الأحرار بماذا يسمّى؟ وأنهار الدماء التي سالت بالأمس القريب في الهند الصينية وفي كوريا، والتي تسيل اليوم في شمال أفريقيا وشرقها ... تسيل، في أي سبيل؟
стр. 1822
أيها القوم العائبون على الإسلام ... لا تنهوا عن المنكر الجزئي حتى تنتهوا عن المنكر الكلي ... واذكروا ما هو محسوب عليكم وعلى حضارتكم من المتناقضات الشنيعة، وأشنعها أنكم استعبدتم شعوب أفريقيا كلهم نساءها ورجالها وأطفالها أبشع استعباد وقع في التاريخ، ثم جئتم تتباكون على مئات منهم نقلوا من الاستعباد الغاشم إلى الاستعباد الراحم، ومن الاستعباد الذي يجيع البطون، ويعري الظهور، ويخرج من البيوت- إلى الاستعباد الذي يشبع ويكسو ويؤوي، وبعبارة أجمع ... من الاستعباد الذي يميت إلى الاستعباد الذي يحصي ... ومن استعباد لا ضمير له، ولا إنسانية فيه، ولا رحمة معه، إلى استعباد كله ضمير وإنسانية ورحمة ... ومن استعباد حقيقي إلى شيء ليس فيه من الاستعباد إلا اسمه.
لقد فضحكم الله بشيء أعماكم الغرور عن التبصّر فيه، فكانت افريقيا هي الفاضحة. إن قانونكم الذي تتبجّحون به كان منصبًا على افريقيا، وكانت هي المعنية به، إذ كانت سوقًا لتجارة الرقيق ... ثم كانت هي هدفكم ومزدحمكم في الاستعمار فلم يبقَ منها شبر ولا شخص إلا وهو خاضع لسلطانكم الظالم الغاشم.
أما أن هؤلاء الأفريقيين لو فرّوا من وجوهكم- إذ لم يستطيعوا صفعها- ليكونوا عبيدًا للمسلمين لكانوا أعقل العقلاء، لأن ما يلقاه العبد في الشرق الإسلامي من سيد عات عنيف جبّار، لا يساوي عشر معشار الشعوب المستعبدة من حكوماتكم المتحضرة وظلم السيد المسلم العاتي لعبده يعد رحمة في جنب الظلم الاستعماري، على أن ظلم السيد المسلم لعبده يعد جريمة توجب عتقه رغمًا عليه في حكم الإسلام، أما المظالم المسلطة منكم على هذه الشعوب فهي جرائم جماعية، تتفق عليها حكومات متحضرة، وتسنّ لها القوانين من البرلمانات، ويزيّنها الفلاسفة والعلماء، ويحثّ عليها الخطباء، ويتغنّى بها الشعراء، وتجبى لها الأموال من الخاصة والعامة عن طوع واختيار، كما تجبى لسبل الخير العام.
أيها القوم: إنكم بهذا التجنّي على الإسلام تريدون أن تشغلوا المسلمين بالباطل عن الحق، وتسكتوهم بالاستعباد الموهوم عن الاستعباد المحقق، وبقضية الآحاد عن قضية مئات الملايين ولكنهم لا يسكتون ...
سمعنا كثيرًا عن غرائب التطورات، ولكننا لم نسمع أن إبليس أصبح واعظًا مذكرًا يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر حتى رأيناه رأي العين، ولكن هل يصدق العقل ما تراه العين وتسمعه الأذن من هذا؟
يتلخّص هذا العرض المختصر في نقط:
أولأ: أن الإسلام لم ينشئ الاسترقاق ولم يشرّعه.
стр. 1823
ثانيًا: أنه وجده عادة راسخة في الأمم وضرورة من ضرورات حياتها.
ثالثًا: أن روح الإسلام تستهجنه وتعتبره نقيصة إنسانية.
رابعًا: أنه بادر بإصلاحه وإزهاق روحه بحيث لم يبق منه إلا اسمه.
خامسًا: أنه رأى أن إبطاله دفعة واحدة يؤدي إلى مفسدة اجتماعية هي أعظم ضررًا من إبقائه، فسنّ له من الآداب والأحكام ما جعله يتلاشى من تلقاء نفسه بالتدريج.
سادسًا: أبرز نقطة في هذا الإصلاح، اعتماده على النفوس والضمائر، باعتبار العبد أخًا لسيّده، ليستشعر الكرامة والعزة، فترتفع معنوياته، فيصبح إنسانًا في المجتمع لا بهيمة كما كان، ثم سوّى بينه وبين سيّده في مظاهر الحياة لتزول الفوارق الحسيّة، كما زالت الفوارق النفسية، ثم ألزم المالكين بحدود لا يتجاوزونها في الاستغلال المادي، وأوصاهم بالرفق والإحسان إلى إخوانهم، حتى كان آخر ما أوصى به في مرض الموت قوله ﷺ : «استوصوا بالضعيفين خيرًا: المرأة والرقيق»، وأنه رغب في العتق ووعد عليه الثواب الجزيل في الحياة الباقية- والإيمان بالحياة الباقية هو أساس عقيدة المؤمن- حتى جعل العتق أصلًا لأعمال البر كلها، وأنه قرّر عتق الرقاب عقوبة على عدة مخالفات يرتكبها المسلم وكفارة عنها عند الله، وأنه شرع من أسباب التحرير أشياء كثيرة، منها ما هو بسيط، ومنها ما هو مخالف في ظاهره لقواعد المعاملة، كل ذلك لتشوّفه للحرية، وللتقليل من عدد الأرقاء حتى يزول مع الزمن.
стр. 1824
كلمة لصحيفة "الأهرام " *
أنا مدمن قراءة من عهد الصغر، فقد بدأت قراءة الكتب وعمري تسع سنوات في السنة التي فرغت فيها من حفظ القرآن، وكان أستاذي- وهو عمّي شقيق والدي الأصغر- يتولّى تربيتي وتوجيهي، ويأخذني- مع حفظ القرآن- بحفظ مختارات من الشعر العربي البليغ في معانيه، الفصيح في ألفاظه، الغريب في فهمه؛ فما حفظت القرآن حتى كنت أحفظ معه بضعة الألف بيت من الشعر ما بين أبيات مفردة ومقطع مع فهم المفردات، وأعانني على الفهم ما صحب حفظي للقرآن من حفظ الكثير من الألفاظ اللغوية الفصيحة من كتاب "كفاية المتحفّظ" للأجدابي، و "الفصيح" لثعلب و "الألفاظ الكتابية" للهمداني. من ذلك الحين شغفت بالقراءة، وكان عمي ينير لي الطريق ويسايرني من إرشاده في كل داجية كوكب وفي كل معضلة تعترضني شعاع هاد فيختار لي ما أقرأ لتستقيم ملكتي من الصغر، وقد وجّهني أول ما وجّهني إلى رسائل بلغاء الأندلس وأشعار شعرائها، فعكفت- زيادة على دروس الدين والقواعد- على قراءة الموجود من رسائل أبي عامر بن شهيد، وابن برد، وابن أبي الخصال، وأبي المطرف بن عميرة، ولسان الدين بن الخطيب من كتابه ريحانة الكتاب، والموجود من أشعار ابن زيدون وابن عمّار وابن شهيد وابن دراج القسطلي، وابن خفاجة، وبعض هذه الرسائل كانت مخطوطة في مكتبة أسلافي، وبعضها نجده في الكتب المؤلفة في تاريخ العلماء والأدباء بالأندلس مثل نفح الطيب، وقد كررت تلك الرسائل والدواوين مرات متعددة كدت أحفظ معظمها، وكان عمّي يتعصّب للأدب الأندلسي ويبدي ويعيد في استحسانه ويعدّه أقرب لمزاجنا وأكثر ملاءمة مع روحانيتنا وعواطفنا.
ولما بلغت من العمر أربع عشرة سنة لحق عمّي بربّه وكان قبل وفاته بسنتين أو ثلاث وجّهني لقراءة كتب المشارقة التي تجمع بين جزالة التركيب ووضوح المعاني، كالبيان
стр. 1825
والتبيين والبخلاء والحيوان للجاحظ والأغاني للأصفهاني والكامل للمبرد وحثّني على قراءة مقدمة ابن خلدون والعقد الفريد لابن عبد ربّه وبهجة المجالس لابن عبد البر، فقرأت عليه بعضها في حياته وقرأت جميع ما أوصاني به بعد وفاته.
ازداد شغفي بالقراءة من ذلك الحين، وقد أصبحت في درجة من الفهم والإدراك أفرّق فيها بين الغث من الكتب والسمين، وانصرفت إلى شعراء الشرق البارزين فقرأت المئات من دواوينهم ودرستها وقرأت كثيرًا من الكتب المؤلفة في موضوع الأدب كالعمدة لابن رشيق وكتب العسكري والجرجاني والآمدي وقدامة بن جعفر.
كررت قراءة بعض الكتب التي قرأتها مرات ودرستها، فما أبقى كتاب فيها في نفسي أثرًا يحملني على معاودة قراءته في كل سنة أو في كل فسحة تأتي من وقتي ولا وجدت في نفسي لقراءته ما يجده الجائع لالتهام الطعام إلا بضعة وعشرين من الكتب ودواوين الشعر فإنها استولت على شعوري، وأصبحت جزءًا من إحساسي، وبلغ شغفي بقراءتها مبلغ الافتتان.
ولنقتصر هنا على كتب الأدب من نظم ونثر فإن السرد لجميع الكتب ذات التأثير في نفسي يطول.
من الشعر الذي كان له الأثر الذي لا ينصل صبغه من نفسي شعر المتنبي لما فيه من فحولة وقوة أسر، وسداد حكمة وسيرورة أمثال، وإصابة أهداف، وتخطيط لدساتير البطولة، وتحديد لمواقع الكرم وتلقين لمعاني الذياد والحفاظ وتمثيل لبعد الهمم، وان المتنبى في بعض ما يصف من الذين يقولون ما لا يفعلون.
وشعر أبي فراس الحمداني لما يشيع في جوانبه من الانتخاء بالعروبة، والتنويه بشعائر العرب وأخلاقهم ومآثرهم وأمجادهم، ولأنه أصدق من المتنبي في كثير مما يدّعيه المتنبي.
وشعر البحتري لحلاوته وانسياغه في اللهوات، وسلامته من المعاضلة والتعقيد وجميع العيوب التي وصم بها أستاذه أبو تمّام.
وشعر الشريف الرضي لرقّته وانطباعه وبراعته في الوصف وصدقه في الفخر حين يفخر بأصوله الغر الميامين ... والفخر بأولئك الأصول هو الينبوع الثر من ينابيع شعره.
وشعر المعري في اللزوميات لدقته في وصف الدخائل النفسية، وتدسّسه إلى المكامن الروحية وتغلغله إلى مدب السرائر الخفية وسعة رحمته بالحيوان، وتنويهه بالفضائل والمكارم والكمالات وتمجيده للعقل الذي هو ميزان لا يخيس ومعيار لا يخس.
وشعر ابن خميس التلمساني لبراعته المدهشة في المزاوجة بين المعاني الحضرية الرقيقة، وبين التراكيب البدوية الجزلة، حتى كأنه بقية من طبقة عدي بن زيد العبادي.
стр. 1826
وشعر أبي اسحاق بن خفاجة الذي لو كتب عنوانه "روضة وغدير" لكان أصدق عنوان.
وشعر شوقي في الآخرين لما فيه من سمات التجديد، ومنازع التوليد، وصدق التمثيل لعصرنا هذا بما فيه من عظمة المادة، وسموّ الإدراك وتقدّم العلم والمعرفة والوفاء للأسلاف الذين أصلوا الحضارة، وخلّدوا المؤثرات التي طاولت الدهر ولاتساع جوانبه للانسانية كلها.
هذا كله في أحد ركني الأدب وهو الشعر، وأما النثر فأهم الكتب التي تركت في نفسي وفي ملكتي آثارًا لا تمحى- كتاب البخلاء للجاحظ لإبداعه في تصوير نقيصة البخل ولنفسية البخلاء وجمعه لنوادرهم في البخل، وانقياد اللغة له في الحديث عن الغرائز والأخلاق، وتعمّقه في فهم طبقات الناس، ثم كتاب الحيوان له لجمعه بين العلم والأدب، وإحاطته بكل ما يتعلق بالحيوان من طباع وغرائز مختلفة وأقوال الحكماء والشعراء فيه، ثم كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ولا تسألني عن خصائصه التي أثرت في نفسي وجلبت قيادي إليه حتى تركتني أجدّد قراءته من أوله إلى آخره في كل عقد من سني عمري وكلما قرأته تجددت آثاره في نفسي وتجاوبت أصداؤه بين جوانبي فبعث فيّ روحًا جديدة- لا تسألني عن ذلك فكل أديب قرأه وكرّر قراءته وجد في نفسه من التأثّر مثل ما أجد، أو فوق ما أجد، وتجددت عنده صوره من روعة الأدب العربي وجلاله.
هذه هي أمهات الكتب الأدبية التي أثّرت في نفسي بعد تأثّري بأمهات الكتب الدينية الصحيحة، وأصلها كلها كتاب الله.
إن الكتاب الذي يقرأ كالطعام الذي يؤكل، فطعام يعطي آكله القوة والفراهة، وطعام يعطي آكله الضعف والهزال، وان المتبحّر في قراءة الأصول الأدبية في أدبنا العربي بمعناه الواسع العام لا يعرف في أدبائنا الناشئين أثر الكتب التي قرأوا وما قرأوا إلا النزر اليسير.
نصيحتي الخالصة للأدباء الناشئين أن يوفوا حظّهم من قراءة الكتب العامرة التي تقوى بها الملكة، ويفحل الطبع وتزكو الثمرة، فإني أرى في كثير مما أقرأ هذه الأيام من الآثار الأدبية لناشئتنا أعراضًا تشبه أعراض فقر الدم في الأجسام: نحول واصفرار.
стр. 1827
كلمة لِـ"مجلة الإذاعة المصرية " *
"ودّعنا عامًا فطوينا صفحة من تاريخنا، وبدأنا عامًا جديدًا وصفحة جديدة، فماذا حقّقت بلادنا من ناحية، ومن ناحية أخرى ماذا حقّقت بلادنا العربية من أمانيها في هذا العام الفائت، وماذا نأمل من عامنا الجديد؟ ".
ــ
هذه الجملة بألفاظها وجّهتها إليَّ "مجلة الإذاعة المصرية" الغرّاء، طالبة رأي فيما تضمنته جملتها الأخيرة وهي تعني (ببلادنا) بلاد المجيب الخاصة.
والرأي المجمل في القضية أن أماني البلاد العربية كلها ترجع إلى واحدة يتدرّج إليها من الاستقلال إلى الاستقرار، إلى الاتحاد، إلى الوحدة، وهي النقطة التي تنتهي إليها الآمال، وهي مناط العزة والقوة والسعادة وكل المعاني التي تطلبها العروبة الصحيحة من العرب وتحثّهم على سلوك سبلها.
وتتفاوت الشعوب العربية بعد الأمنية العامة في الأماني الخاصة المحققة لها، فالمغرب العربي أمنيته الخاصة هي الاستقلال، وأمنية سوريا هي الاستقرار، وأمنية اليمن انتشار التعليم وإفاضة العدل.
أما الواقع الذي تفتح عليه العين، وتوضع عليه اليد فهو أن كل الشعوب العربية لم تتحقق لها أمنية واحدة من الأماني الكثيرة، ومضى العام المودع وأعوام قبله متشابهة المبادئ والخواتم، ولم تلمع فيها بارقة أمل في بلوغ أمنية من الأماني المرجوّة، وليس في الأفق بشائر تدل على قرب تحققها إلا هذا الوعي المتأجج الذي يزداد على الأيام، وتزيد في تأججه الحوادث المتتالية، وإلا هذه الفورات المتجددة في المغارب الثلاثة: تونس والجزائر ومراكش، وإلا هذه القلوب التي أصبحت تتواصل بعد انقطاع، وتتألّف بعد انصداع، وتتعارف بعد تناكر طال أمده، وإلا هذه المظاهر المتمثلة في المؤتمرات المتلاحقة من علماء الشعوب العربية وساستهم وأولي الأمر فيهم، وليقل الناس في هذه المؤتمرات ما شاءوا، فرأينا فيها أنها ارهاصات لأمر خطير.
стр. 1828
يجب أن تتضافر الشعوب العربية على إلحاق آخر قافلتهم بأولها، فإن بين الطرفين بعدًا بعيدًا في الثقافة والتفكير والاتصال بالعصر وأسباب الثروة وفهم الحياة وأوضاع الاجتماع، وان هذا التباعد هو أقوى أسباب التنافر بينهم.
ويجب عليهم أن يجتهدوا في تكوين رأي عام في كل شعب عربي ليسهل عليهم تكوين رأي أعمّ يوجّه ويرشد وينشئ ويخاف ويرجى، فإن بعض الشعوب العربية لم يتكوّن فيها رأي عام إلى الآن، وما زالت تسيطر عليها النزعات الفردية التي هي علامة التفكّك، وأساس التخاذل، وبعض شعوبهم وجد فيها رأي عام ولكنه لم ينضج. والرأي العام لا ينضج إلا في ظل الاستقرار والثقافة الهادئة الموحّدة، وسدّ الأبواب عن التيارات الأجنبية الهادمة مثل الشيوعية، والمذاهب الفكرية الأوربية التي تبلبل الأفكار.
...
نعم ودّعنا عامًا. ولكننا ودّعنا هذا العام غير مأسوف عليه لأنه لم يأتنا بشيء جديد ولم يطلع علينا شموس أيامه وأقمار لياليه بمفيد، ورمتنا أحداثه بما يؤخر ولا يقدم، ويبعد الآمال ولا يقربها، ولم يرنا في أعدائنا المستعمرين ما يسرّ، فلا يزالون متنمّرين علينا ممعنين في استعبادنا، وأضعفهم- وهي فرنسا- لا تزيد على الضعف إلا فتكًا بنا واستعبادًا لنا، وخنقًا لحريتنا الشخصية، فضلًا عن الحرية العامة، وتصاممًا عن طلباتنا، نسالمها حينًا عسى أن نصل إلى حقوقنا الطبيعية بالسلم والعقل فتقتلنا باسم المدنية والتمدين، ونثور عليها فتقتلنا باسم الثورة والخروج عن السيادة، ولم يبق لنا بعد أن سدّت علينا منافذ الحياة إلا أن نموت شرفاء، وإن لنا معها ليومًا، وان ساعة الحساب لقريبة إن شاء الله.
نعم ... وطوينا صفحة من حياتنا، ولكننا لم نسجّل فيها كلمة شرف ولا جملة فخر. ان الأمة المستعدة للحياة هي التي تكتب تاريخها بيدها كلمة كلمة وسطرًا سطرًا وصحيفة صحيفة، من مقدمته إلى خاتمته، كما كتب أجدادنا العرب وأسلافنا المسلمون.
ان التاريخ شهيد فإما لنا وإما علينا، ومن المحزن أنه شهيد علينا بالتخاذل والتفكك والركون إلى لغو القول وصغائر العمل وهو لا يسجّل إلا جلائل الأعمال.
هذا بالنسبة إلى أوطاننا الخاصة، أما وطننا العام فهو كلّ والكل بأجزائه، وهذه الأجزاء كلها جمعتها الآلام، فجمعتها الآمال، ويسرّنا أن هذه الآمال قويت في النفوس وتجاوزت الخاصة إلى الجماهير الشعبية وهي مناط الرجاء، فإذا عمّ هذا وتغلغل وصحبه من الأعمال ما يقوّيه تحققت الأماني، أما الآمال من غير أعمال فإن الأعوام تمرّ عليها وهي مُعرضة، وكما مرّ علينا هذا العام ولم نسطر في صحائفه سطرًا، ولم نسجّل في أيامه عملًا، يمر ثان
стр. 1829
وثالث ورابع، ولا يقف لنا واحد منها في محطة لعرض ولا لطلب، أقولها كلمة صريحة أحكمتها التجربة والاختبار: إن آمال العرب خاصة والمسلمين عامة كانت وما زالت معلّقة بمصر، متّجهة إلى مصر، يقلّدونها الزعامة ويبايعونها بالإمامة، وهم يعتقدون بحق أنها أهل لقيادة هذه المجموعة وجمع شتاتها. وأنا منزعج من هذا التفاوت بين أجزاء العروبة في الثقافة والقوة والغنى النسبي، لأنه يصير بقية الأجزاء الضعيفة كَلًّا على الجزء القوي، فإذا أراد العرب أن يسعدوا فليقوِّ كل شعب منهم نفسه بنفسه، ليصبح في يوم قريب نافعًا منتفعًا، معينًا معانًا، آخذًا معطيًا، وبهذا نخرج من مرحلة الإعانة والاستعانة إلى ثمرتهما وهي التعاون، وحينئذٍ نحمل التاريخ على التسجيل والإعجاب والأعوام على الائتمار، أما الآن فليس لنا على الأيام نهي ولا أمر، وليس لنا في التاريخ خل ولا خمر.
يعلم الله أني غير متشائم، ولكن هذا بعض رأيي.
стр. 1830
الجزائر وطن *
هذا الاسم أصبح علمًا تاريخيًا وجغرافيًا على هذه القطعة الثمينة الواسعة من شمال إفريقيا، مشخصًا لها تشخيصًا واقعيًا لا ينصرف الذهن إلى غيرها عند إطلاق الاسم ولا يتردد سامع في مسماه.
وهذه القطعة ذات خصائص طبيعية وخصائص مكتسبة، اجتمعت كلها في نقطة واحدة تصدق رواد الحق وأنصار الحقائق، وتكذب المبطلين من أصحاب الفكر الزائغ والرأي الضال والهوى الأعمى.
هذه النقطة التي تعرب عن نفسها وتسفه كل من يريد تغطيتها هي أن الجزائر وطن بربري قبل الإسلام يضم جماهر القبائل البربرية وأصولها الأولى، ووطن عربي إسلامي منذ دخله الإسلام يصحب ترجمانه الأصيل وهو اللسان العربي، فمنذ ثلاثة عشر قرنًا انتقل هذا الوطن من صبغة إلى صبغة، من صبغة جنسية ليس معها ما يعصمها من الألوان الروحية إلى صبغة جنسية معها ما يحميها من الانحلال والتقلب وهي العروبة المعتصمة بالإسلام، وليس لها في النظر التاريخي الصحيح إلّا هذان الطوران وهاتان الصبغتان، ومن السفه لو ادعى الرومان الذين ملكوها قرونًا أنها صارت بذلك رومانية إلا بضرب من التوسع في التعبير والتساهل في الإطلاق الاصطلاحي، وقد لبثوا فيها قرونًا ثم خرجوا منها مدحورين لأنها ليست رومانية بالطبع، ولو كانت كذلك لما صحّ أن يقال إنهم خرجوا منها إلا إذا صحّ أن الإنسان يخرج من جلده، ومن أسفه السفه دعوى مجانين السياسة من الفرنسيين أنها قطعة من فرنسا. واذا حكم الواقع بأن دعوى الرومان سفيهة ودعوى الفرنسيين مجنونة، حكم بما هو فوق السفه والجنون على فكرة ثالثة خاطئة كاذبة راجت في السنين الأخيرة على ألسنة
стр. 1831
قوم يحاولون أن يغيّروا أوضاع الله وأوضاع خلقه بكلام يقولونه. هذه الفكرة هي أن الجزائر ليست وطنًا موجودًا، وإنما هي وطن يتكوّن (١) ... كأنهم يفسرون الأوطان القائمة على خصائصها الطبيعية ومدلولاتها العرقية بالمعاني الجيولوجية، فهي تتكون على نحو مما تتكون المعادن في مئات السنين أو في آلافها، ولو صحّ رأيهم هذا لما صحّ أن يوجد وطن على ظهر الأرض، وليت شعري ماذا تكون الجزائر إن لم تكن وطنًا. وماذا تراهم يقدرون من الزمن لتمام تكوينه بعد أن لم تكف لتكوينه ثلاثة عشر قرنا في نظرهم؟
إن هؤلاء القوم دلّوا بكلمتهم هذه على حقيقتهم الكاملة، وهي أنهم يكفرون بالحقائق والسنن وأنهم لو انبسطت أيديهم في الكون لمسخوا محسوساته كما مسخت حقائقه في عقولهم. إن معنى قولهم أن الجزائر وطن يتكون وليس وطنًا سويًا أنه لا وطن في أذهانهم، ولكنهم خافوا الجبه بالتكذيب فنزلوا درجة وأبقوا للوطن شيئًا من معناه تعمية وسترًا على شيء في أذهانِهِم، ومن عاش خمسين سنة آتية وسألهم هل تم التكوين؟ يجيبونه بأنه في طور التكوين ما دام لم ينته إلى معنى الذي يريدونه لكلمة وطن.
стр. 1832
الإستعمار *
كلمة "الاستعمار" إحدى الكلمات المظلومة باستعمالها في ضدّ معناها الوضعي، مع خُلُوِّها من النكتة التي يلمحها العرب في مثل هذا النوع من الاستعمال، حين سموا البيداء المهلكة مفازة، واللديغ سليمًا، والغادية قافلة، والنكتة الغالبة في تسمية الشيء باسم ضده هي التفاؤل أو التفريج أو حسن الأدب في الخطاب أو عدم صكّ الأسماع بسوء القول.
وكلمة "الاستعمار" آتية من "عمر" ضدّ "خرب" مع أن التفسير العملي لهذه الكلمة هو الخراب والتخريب، وليس فيها شيء من معنى الإعمار والتعمير، ولا أدري أي صارف صرف الجيل الذي مضى قبلنا من الكتّاب والمترجمين عن ترجمة هذه الكلمة من لغاتها الأصلية بمعناها الحقيقي وهو التخريب والظلم والتسلط والقهر، إذا لم تكن الغفلة والتقليد للغالب والدهشة من أعماله واستعظامها في النفوس الدليلة، فإذا كان المستعمر هو الذي حملهم على هذا الاستعمال وهذه التسمية- وهوَّنَها عليهم- بالترغيب أو الترهيب أو الاستغفال، فهذا أكبر قادح في موازينهم العقلية والفكرية، فإن الاستهانة بالألفاظ تفضي إلى الاستهانة بالمعاني، والأسماء الجميلة لا تستر المعميات القبيحة إلّا عند الصبيان وأشباه الصبيان من أمثالنا وأمثال الجيل السابق من أسلافنا الذين أقرّوا هذا الاستعمال.
ولسنا نعني من الاستعمار مظاهره المادية التي تقع عليها العين والتي ليس وراءها قلب يقظ، فإن هذه المظاهر التي تراها الأعين قد تشهد بصحّة الاستعمال من غرس الجنات وإجراء المياه إليها وتمهيد الطرق وعقد الجسور، فإنّ العين لو نطقتْ لقالت هذا تعمير، ولكننا نعني الاستعمار بمعناه التام من أسبابه إلى أعقابه، ومن أسراره المطوية إلى آثاره المرئية.
...
стр. 1833
إلى الأستاذ عبد العزيز الميمني *
أنا أحمل لأخي الفاضل العلّامة الشيخ عبد العزيز الميمني من الإكبار لقدره بعد الاجتماع به أضعاف ما كنتُ أحمل من الشوق إليه قبل رؤيته، ذلك أنني كنت أعرف من آثاره المكتوبة، وآثار المرء هي بعضه لا كلّه، هي أجزاء من نفسه تمليها قريحة ويعبّر عنها لسان ويسطّرها قلم، أما الآن فقد عرفت الميمني كلّه، عرفت منه ما وراء القريحة واللسان والقلم، عرفته وعرفني فكانت معرفته بي مكمّلة لمعرفتي به، لأن مناقلة الحديث ومنازعة الرأي وإدارة البحث على فكرة تجلي الجوانب النفسية التي لا يصوّرها القلم ولا تسجّلها الصحيفة ولا يقعقع بها البريد، وتفضي إلى اشتراكية روحية جميلة أين منها هذه الاشتراكية المادية التي تلوكها الألسنة لفظًا وترشح بها الأقلام كتابةً.
ما زلتُ منذ قرأت آثار أخي الميمني واطلعت على أعماله الجليلة لتاريخنا العلمي، أشهد أنه منقطع النظير في سعة الاطلاع على تراثنا الذي تشتت ومزقته الأحداث، فلم تبق منه إلّا صبابة، ولم يبق من العارفين بها إلا عصابة، ولم يبق من وسائل إحيائها وربط أجزائها إلّا ما يكثر فيه الخطأ وتقل الإصابة.
وأخي الميمني- ولا أحابيه- يرجع مع سعة الاطلاع إلى ذهن مشرق، ورأي في تصحيح النصوص سديد، وحافظة هي رأس المال لمن يتعاطى هذه الصناعة، وحظ من العرب مفرداتها وأساليبها يندر أن يتاح لمن نشأ مثل نشأته، فهذه هي الأصول التي بوأته علمائنا المنزلة التي اعترت بها كل منصف، والمنصفون هم الناس وإن قلّوا. وأصل الأصول في نفس أخينا الميمني إخلاص في خدمة العلم عامة، وافتنان بلغ حدّ التتيم بما أثل علماء الإسلام للحضارة الانسانية، وغيرة بلغت أقصى حدّها على بقايا هذا التراث، أن
стр. 1834
يضيعها الورّاث، كما أضاعت ما قبلها الأحداث، ثم حرص شديد- ولا حرص الفقير الحانق، في المحل الخانق، على الفلس والدانق- على وصل ما انقطع وربط ما انتشر من هذا التراث النفيس الذي كان أهله عونًا مع الزمان عليه، فكان من آثار هذه الخلال فيه أن رأيناه يطوف الآفاق وينقّب المكاتب للحصول على كتاب عربي غفل الزمان عن نسخة يتيمة منه ليولد منها ثانية يردّ بها غربة الكتاب إلى تأهيل وغرابته إلى تأنيس ولبسه إلى توضيح، وله في هذا الباب المناقب الكبر التي عجز عن تحصيلها غيره، فهو يشبه محمد بن اسماعيل البخاري حين تفرقت الأحاديث في الأمصار فرحل إليها كلها، ليجمع منها ما شت، ويصل من حبالها ما انبت.
وهذا الفن الذي أصبح أخونا الميمني إمامًا فيه وعلَمًا من أعلامه فن قديم، وضع أصوله الأولى أسلافنا فيما كانوا يحرصون عليه من معارضة نسخهم من الكتاب بنسخته الأصلية، وبما كانوا يلتزمونه من كتابة الساعات وإن كثرت على نسخهم مع شهادة مؤلف الكتاب بخطه أو بخط مَن يرويه عنه مباشرة، ومن دقّتهم في باب المعارضة أنهم يكتبون عن الكلمة التي انتهى بها المجلس هذه الجملة (بلغ مقابلة أو سماعًا)، وكانوا لا يجيزون الأخذ من كتاب ليس عليه هذه الشهادات، كما كانوا يرجعون في الخلاف إلى الأصول القديمة، وحكاية المعرّي مع شيوخ بغداد معروفة، حينما روى كلمة يوم بالياء وعارضوه بروايتها بالباء واستظهروا بنسخ جديدة من كتاب للسكيت أو لغيره، فقال لهم هذه نسخ جديدة رواها أشياخكم على الغلط فارجعوا بنا إلى النسخ القديمة بدار العلم فوجدوها كما قال. وهذا أصل له فروع منها عنايتهم بتصحيح التصحيف وتأليفهم المؤلّفات الخاصة فيه، ولو أن باحثًا تتبّع هذه الأصول واستقصاها في كتاب لكان ذلك إسكاتًا لهؤلاء المتبجّحين من الغربيين الذين يزعمون أن هذا الفن الذي يطلقون عليه (فن خدمة النصوص) هو من مبتكراتهم ومن خصائص حضارتهم العلمية الحاضرة، وأنا فما انطوت نفسي على ثقة بهؤلاء المستشرقين حين يتكلمون عن كتبنا ولغتنا وآثار أسلافنا، ولعلنا نتفق جميعًا على عدم الثقة بهم حين يحكمون آراءهم في ديننا وتاريخنا وآدابنا وشؤوننا الاجتماعية، وإن كنت لا أنكر أن لبعضهم جهودًا مشكورة في إحياء بعض كتبنا، وهذا أيضًا ليس له كبير شأن، فإن القوم متعاونون كل شيء ميسر لهم، وكل شيء يطلبونه من المراجع يجدونه منهم على طرف الثمام، ومن ورائهم جمعيات ومجامع تمدّ وتسعف، ولو كنا نجد عشر العون الذي يجدونه وعشر التسهيلات التي تهيّأ لهم من المال والمكاتب الزاخرة الميسرة الأسباب، لصنعنا العجائب في هذا الباب.
ومن التحذلق الغالب على معظمهم أنهم يعدون من أمانة النقل إبقاء الخطأ الصريح على حاله، فكلمة "غير" مثلًا لا تحتمل غير معناها في مقامات الاستثناء مثل استعمالها في جملة:
стр. 1835
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾، وقد يسهو ناسخ فيترك الغين بلا نقط، فيجدها جرمقاني من هؤلاء الجرامقة فيكتب في التعليق عليها (في نسخة أخرى: عير)، ويعدّ هذا من الفنّ، ولا يكون هذا من الفن إلّا إذا كان الخطأ من الفن وكان الجهل من الفن، وما أُتي هؤلاء إلا من سطحيتهم في العربية وقلّة محصولهم منها، أما العربي فلا يحكم على كلمة (عير) في مثالنا إلّا أنها خطأ يصحّح، لا احتمال يضعف أو يرجح.
وعلى ذكر حظ هؤلاء الجرامقة من العربية أقول إنني تقصّيت أخبار الكثير من مشهوريهم فلم أجد واحدًا منهم برع في العربية كما يبرع العربي في لغات الغرب نطقًا وكتابة، بل جميعهم لُكْنُ الألسنة والأقلام، وإنما ينْبُه شأنهم عند أقوامهم وحكوماتهم لأنّ لهم فيهم مآرب أخرى، ولا أعتقد أن مستشرقًا غربيًا ينبغ في العربية ولو ركب الصعب، وشرب في القعب، وادّعى الولاء في بني كعب.
وقد وُجد في عصرنا هذا جماعةٌ من أبناء العرب والإسلام اشتغلوا بهذا الفن وكانت لهم فيه مقامات محمودة، ونشروا كتبًا لأسلافنا على طريقة العرض والمقابلة بين النسخ والمراجع، فاستولى بعضهم على الأمد الأقصى من الدقّة والضبط، ولكن هذه الطبقة قليلة العدد، وسدّد بعضهم في الإحسان وقارب، وتطفلتْ جماعات على هذه المائدة فلم يأتوا بسديد ولا بمفيد، ولم يزيدوا على أن زاحموا التجّار الجاهلين، ونراهم يقلّدون سخفاء المستشرقين في طريقة (غير وعير)، ويسترون نقصهم بهذا التقليد الذي لا يصلح مواتًا من الكتب، ولا يحصي أمواتًا من المؤلفين. ونشر الكتب كنشر الأموات، يجب أن يكون إشاعة للحياة في جميع أجزاء الكتاب، ومن المحزن أن الظروف وفساد الأخلاق ساعدت على ظهور طائفة جمعتْ ضيقَ الذرع إلى جفاف الضرع، ولم يكتف أحدهم بطبع الكتاب حتى يعلق عليه افتتانًا بهذا اللقب الجديد الذي يفيده قولهم: (نشره فلان وعلّق حواشيه)، وقرأنا فوجدنا التعليق، أصعب على القارئ المغرور من التحليق، ووجدناهم في تلك الحواشي، أشبه بحالة الطواشي، ذكر ولا آلة، وعائل وهم عالة، ومن عجيب أمر بعضهم أنهم يبنون آراءهم في الحق على أسس من الباطل، ويبنون استنتاجات سخيفة على تناسب الألفاظ وتجانسها في الحروف والأوزان، ولو أن نسّابة زعم أن الأقباط من الأسباط لِتَشابُهِ اللفظين، وان ذارعين من نصر بن قعين لِتجانس الفقرتين، لما كان أسخف مما تبض به هذه الأذهان العقيمة القاحلة، ومن غريب أمر بعضهم أنهم يخوضون في تعليقاتهم في الأنساب- أنساب الأشخاص وأنساب الآراء وأنساب الأبيات- فيقعون في تخليط يلحق البيتَ بغير قائله، والابن بغير ناجله، كل ذلك لأنهم أتوا هذا الأمر من غير استعداد له ولا استكمال لأدواته، ومن أيسر أدواته معرفة المظان والصبر على مكاره التنقيب والبحث عنها، ونراهم حين يرمون بنسخ الكتاب الذي ينشرونه إلى السوق يروّجون له بالدعاية والإعلان، وأنه بتحقيق فلان،
стр. 1836
فيكون حظ الناشر من الدعاية أكبر من حظ المنشور، والبضاعة الثمينة لا تباع بالمناداة، وسيان عندي في السخافة والضعة مَن نشر من هؤلاء كتابًا وسمّى عمله فيه تحقيقًا ومَن طبع كتابًا من كتب المعرّي وكتب على ظهره (حقوق الطبع محفوظة لذرية المؤلف من صُلبه).
...
وأخي الأستاذ الميمني من أعرف الناس بذلك النوع الذي كان يجري بين العلماء والأدباء من أسلافنا وخصوصًا بالأندلس من تردّد الرسائل بينهم في موضوع علمي أو أدبي، ويطلقون عليه اسم (المراجعة)، وقد شاع هذا النوع واختص بمبادئ وخواتيم وملامح كادت تفرده عن بقية الأنواع كالأخوانيات وغيرها، ومن أمثلته بين علماء الشرق ما وقع من مراجعات بين المعرّي وداعي الدعاة، ورسالتي هذه إلى أخي الأستاذ هي احتذاء لذلك النوع وإحياء له وفتح لبابه، فليحملها على محمله، وليسمها باسمه، وليضع اللبنة الثانية في بنائه، ويقيني أن لأخي الأستاذ من سعة الصدر ما ينقل هذه المراجعة من باب التنبيه إلى باب التنويه، وأن له من حرية الرأي ما جعله يقول كلمة الحق في سيبويه وأنصاره المؤولين لخطأه في تلفيق بيت "فلسنا بالجبال ولا الحديدا"، فأتى بها شاهدًا مجروح الشهادة، وكلمة الحق في العلم ككلمة الحق في الدين، كلتاهما سابغة الأثواب، مرجوة الثواب.
...
جرى على لساني في أول اجتماع سعدتُ فيه بلقائكم إنشاد بيت مشهور لسحيم عبد بني الحسحاس وهو:
أشْعارُ عَبْدِ بني الحَسْحَاسِ قُمْنَ لَهُ ... يومَ الفَخار مقام الأصْل والوَرقِ
ورويتُ (الورَق) بفتح الراء، لا لأنني أحفظه هكذا بل لأنني أفهمه هكذا، وعادتي أنني أحكّم الفهم في الحفظ لا العكس، ولست أنكر كسر الراء ولا أجهل معناه، وقد سمعتُ مئات من الأدباء ينشدونه بالكسر وكنت أناقشهم فيه برأي الذي سأبيّنه في هذه الكلمة فيرجعون إلى الحق.
بادرتم أيها الأخ الفاضل إلى رواية البيت بكسر الراء، وفسرتم الورِق بمعناه المعروف وهو الفضة وزدتم عليه الرقة، وكأنكم توهمتم أنني لا أعرف الورِق بالكسر ولا أعرف معناه، فقرأت عليكم آية الكهف دفعًا لذلك التوهم ولكنكم لم تسمعوني، كما أنشدتكم قسمًا من الرجز شاهدًا على المعنى الذي قصدته، وهو قول الراجز: اغفر خطاياي وثمر ورَقي.
стр. 1837
وهو يعني المال بجميع أنواعه، وراجعتكم في ذلك المجلس بأن الورَق وهو المال عامة أنسب بقصد الشاعر من الورِق الذي هو مال خاص، ولكن حرصكم على رواية الكسر أضاع صدى تلك المراجعة، ثم سافرتُ إلى دواخل باكستان ونسيت هذه القضية، ولما رجعت من جولتي وشرفتموني بالزيارة للمرة الثالثة ذكرتم لي آية الكهف على أنكم تذكرتموها بعد انفضاض المجلس الأول، فتنبه في خاطري أمران، الأول توهمكم أنني لا أعرت الورق بالكسر ومعناه، ولقد عرفتُ هذه الكلمة ومعناها وأنا ابن سبع سنين حينما مررت بموضعها في سورة الكهف في طريقي إلى البقرة، ولقد حفظت القرآن وأنا ابن تسع وكان عمّي ﵀ يفسّر لي كل كلمة من غريب القرآن أثناء الحفظ. والثاني أنكم أردتم بذكرآية الكهف الاستشهاد لقصد سحيم كأنّ وجود لفظ الورق في القرآن دليل على أنه هو المقصود لسحيم، وهذا لا يستقيم، ولو ذُكرتْ لفظة الورق في القرآن أكثر مما ذكرت كلمة الصبر لم تكن دليلًا على ذلك، وإنما يكون الذكر في القرآن دليلًا على أن اللفظة عربية، أما استعمالات البلغاء فهي راجعة إلى مقاصدهم، وليس نزاعنا في وجود لفظ الورق في لغة العرب ولا في معناه عندهم وهو الفضة، وإنما نزاعنا في شيء آخر وهو حمل كلام سحيم على هذا المحمل، وهل هذا المحمل يشبه مقاصد البلغاء في مقامات الفخر ومقامات ذوي الهمم من غيرهم.
لهذا أردتُ أن أراجع أخي الفاضل بهذه الرسالة متطارحًا على فضله، ناشرًا للمعنى الذي أراه أرجح ولدليلي على الأرجحية، وقد أملى هذه الكلمات خاطر كليل، يجول في جسم عليل، ورشح بها فكر حائر، بين باكستان والجزائر، والفضل لسيدي الأخ في إثارتها في نفسي، فقد بَعُد عهدي بتذكر الأسماء والأبيات، فضلًا عن المباحث والموضوعات، فإنْ حرّكتْ هذه الكلمة في نفس الأستاذ كامنًا أو أثارت كمينًا، فكتب من معلوماته الواسعة ما يوجه الوجيه عنده كنت سعيدًا مرّتين: مرّة بما كتبت ومرّة بما كتب، ولعلّ ذلك يحفزه ويحفزني إلى مراجعات أخرى في موضوعات أوسع.
...
يا سيدي الفاضل: إن التصميم على رواية في الشعر يحتمل المعنى غيرها لا يُقْبَلُ إلّا من رجل يستطيع أن يأتي بإسناد متصل بالثقات إلى الشاعر، فيقول أنشدني فلان قال أنشدنى فلان وهكذا صاعدًا إلى أن يقول الأخير أنشدني عبد بني الحسحاس لنفسه قوله:
أشْعارُ عَبْدِ بني الحَسْحَاسِ قُمْنَ لَهُ ... يومَ الفَخار مقام الأصْل والوَرِقِ
стр. 1838
هكذا بكسر الراء، وينقلها لأهل عصره بشهادة السماع المتصل المنصوص فيه على كسر الراء، فيصبحون كلّهم وكأنّهم سمعوها من فم سحيم، كما نرى في أسانيد الحديث واللغة والشعر والخبر عند القدماء، فكانوا يحافظون في الرواية حتى على الخطأ ثم يصحّحونه، كما رووا عن ابن دريد إنشاده لبيت:
أنكحها فقدها الأراقم مِن جنـ ... ـبِ وكان الحباء من أدمِ
بالخاء المعجمة، ثم صحّحوا له هذا الخطأ، وانه الحباء بالحاء المهملة. وأعتقد أن أخي الأستاذ يوافقني على أن هذه السلسلة انقطعت من قرون ولا طمع لنا في معرفة ما نطق به سحيم في بيته: هل هو فتح الراء أو كسرها؟ فلم يبق لنا- بعد فقدان الرواية- في ترجيح أحد المعنيين المحتملين إلّا تحكيم قوانين البلاغة وأساليبها، ومقاصد البلغاء ومنازلهم في الفصاحة والبلاغة، فهلم نتبيّن منزلة سحيم فيهما من غير التفات إلى الموضع الذي وضعه علماء الطبقات فيه، ثم هلم نوازن بين الكلمتين المتماثلتين، وأيتهما أقرب إلى قصد الشاعر، وأيتهما تؤدّي غرضه كاملًا، وأيتهما يتساوق معناها مع الفخر، وأيتهما أشبه بمنزله في الفصاحة والبلاغة، فإذا اتفقنا على أن سحيمًا لا يزل عن درجة البلاغة ولا يدفع عن منزلة البلغاء في عصره، فالورَق ألْيقُ بقصده وأشبه بمعرِض كلامه وأنسب لمنزلته وأكمل أداء لغرضه، لأن الورِق بالكسر مال خاص وليس بالثمين ولا مما يتسلح به المتفاخرون في مقامات الفخر، والورَق بالفتح هو المال الشامل للفضة وغيرها، وهو يريد أن أشعاره تقوم له مقام الأصل الذي فاته، ومقام المال الذي حُرمه، فإذا فاخره الناس بالأصول الجليلة والأموال المتنوعة فاخرهم بشعره ففخرهم، لا مقام مال مخصوص محتقر، لا يفاخر به الناس، ولو نزلتْ به همته دون بلاغته لذكر الذهب لأنه أغلى وأثمن عند جميع الناس، ولم يعجزه أن يأتي في روي البيت الثاني بالباء، والشعراء بطبيعة الشعر فيهم يؤثرون المبالغة والتسامي في مقامات الفخر لا التنزل والإسفاف، فكيف نرضى لسحيم وهو مَن هو في البلاغة وعلو الهمة أن يحبس قصده وغرضه عند هذا المعنى القاصر المنحط، وأين الفضّة من الذهب؟ وأين هما من حمر النعم؟ وأين هما من النجائب والجنائب؟ إنكم يا سيدي الفاضل بتصميمكم على كسر الراء وضعتم صاحبكم سحيمًا- الذي خدمتموه بطبع ديوانه- في منزلة من سقوط الهمة لا يحسد عليها، ورجعتم به إلى طينته التي يريد أن ينسلخ منها، وصورتموه للناس رجلًا لا يعرف من المال غير أحط أنواعه وهو الفضة، ولا تسمو همته حتى في التخيلات الشعرية إلى أكثر من الفضّة التي كان يباع بها ويشترى، فهو عبد في الخيال كما هو عبد في الحقيقة، وأية قيمة لشعر قوّمه صاحبه بالفضة وقنع بهذه القيمة حتى في أوسع مجالات الفخر؟ إذن فهو شعرٌ عبدٌ لأنه شعرُ عبدٍ، فإذا أتيتم له هذا القصد فإن النقاد يحملونه على المبالغة أيضًا كما هو طبع الشعر والشعراء، وانظر- يا رعاك الله- ماذا
стр. 1839
يبقى من الوزن لهذه القيمة إذا جردت من المبالغة الشعرية؟ لا شك أنه لم يبق إلّا أن يقوم بنسال الشعر وفتات البعر، وإذن يصدق فيه قول زميل له حرّ: وشرّ الشعر ما قال العبيد، وقد انتقدوا شاعرًا أندلسيًا ضاق عطنه حتى في باب الأماني التي هي أوسع مجال تسرح فيه أخيلة البائسين والكسالى فقال أو مثل ما حدثوا عن ألف مثقال، فقصر أمنيته على ألف مثقال من أمير عُرف عنه أنه يهب آلاف المثاقيل.
وليتكم يا سيدي صيرتم كسر الراء معنى يحتمله اللفظ أو أسبغتم عليه وصف الأرجحية، كل ذلك كان يُقبل منكم ويناسب فضلكم وتحريكم المعروف، وفي وجوه الاحتمال منادح ومخارج، ولكنكم صممتم على الكسر وعلى الفضّة، كأنه المعنى الذي لا يحتمل اللفظ غيره، حتى بعد أن أنشدتكم الشاهد على الورَق بمعنى المال، وهو: اغفر خطاياي وثمر ورقي.
فإذا كان لأخي الفاضل مستند في تصميمه فلا جائز أن يكون رواية مسلسلة إلى سحيم تثبت أنه كان ينطق هذا اللفظ بالخصوص بالكسر، وإنما يجوز أن يكون مستنده ضبطًا لقلم بعض الثقات أو بقول بعضهم (بكسر الراء) كما هو معتاد، وهذا كله لا حجّة فيه ما دامت البلاغة تنافيه، وسمو المقصد يجافيه، ولو أني سمعتُ بأذني سحيمًا ينشد بيته ويكسر الراء لما حكمت عليه بالخطأ ولكني أحكم عليه بالإسفاف وسقوط الهمة أوّلًا وبانحطاط ذوقه البياني ثانيًا، ولو أن بليغًا من بلغاء العرب سمع سحيمًا ينشد هذه اللفظة بالكسر وهو لا يعرفه، لَحكم عليه بأنه عبد النفس إن لم يكن عبد البدن.
هذا وقد تناولتُ- عند وصولي في الكتابة إلى هذا المحل- نسخة ديوان سحيم التي تفضلتم بإهدائها إليّ وكشفت عن محل البيتين فوجدت الشارح يقول: الورِق الدراهم والورِق المال، ووجدتُ الناسخ ضبط الكلمتين بكسر الراء ضبط قلم، فلاح لي أمران: الأول أن ضبط الكلمة الثانية بالكسر غير صحيح، وأن الشارح أراد أن الورِق بالكسر الدراهم والورَق بالفتح المال، لأن هذا هو مشهور اللغة، ولو كان يريد أنهما من المشترك اللفظي الذي يدلّ بصورة واحدة على معنيين لقال: والورِق المال أيضًا، فزاد كلمة (أيضًا) كما هو المعتاد في الأساليب القاموسية عند ذكرهم لمعاني المشترك اللفظي. والأمر الثاني أن هذه العبارة ذكرتني بأن استعمال الورِق بالكسر اسمًا للمال منقول وإنْ لم يكن مشهورًا، وذكرت ذكرًا غامضًا أن هذا مرّ بي ولكني نسيته لطول العهد وليس معي ما أراجعه لأنني على جناح سفر، فإذا ثبت هذا اغتفر تصميمكم على الكسر ولم يغتفر تصميمكم على تفسيره بالفضّة. وعلى هذا الاحتمال- إن صحّ- فلنقرأ الورِق في بيت سحيم بالكسر ولنفسره بالمال عامة، لأن حرصنا ليس على اللفظ وإنما هو على المعنى الذي يشرّف سحيمًا ويبيّض وجهه.
стр. 1840
وليسمح لي أخي الأستاذ أن أسلك مسلكًا آخر في الاحتجاج لسحيم وأنه لم يقصد إلا الورَق بالفتح لأنه يشمل جميع المتمولات، ولأنه سالم من الاشتراك اللفظي الذي هو عرضة للاحتمالات، وذلك أنني لا أشك أن سحيمًا سمع القرآن إنْ لم يكن حفظه أو حفظ شيئًا منه، والقرآن هو المثل الأعلى للبلاغة، كما أنه الحجّة في تقرير المقاصد الإنسانية العالية، وإذا تأملنا القرآن واستعرضنا نظمه الكريم وجدناه يذكر الذهب والفضّة في معارض خاصة ويذكر المال أو الأموال في معارض أخرى تخالفها ... يذكر الذهب والفضّة غالبًا في مقامين من مقام الافتتان بالزائف وجزائه في الآخرة، وفي مقام الترغيب فى الجنّة بذكر أنواع النعيم الباقي الذي ألف الناس نوعه في الحياة الدنيا، فيذكر الذهب والفضّة فيما زيّن حبه من متاع الدنيا ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾، ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾، ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾، ويذكرهما في التذكير بسوء عقبى الافتتان بهما وكنزهما وعدم تصريفهما في النفع والخير ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، كما يذكرهما في أصناف النعيم الأخروي الباقي ترغيبًا للناس في العمل الذي يفضي بهم إلى الجنّة كما هي سنّة القرآن في أسلوب الترغيب بالميول النفسية، ووصف نعيم الجنّة الباقي بما يماثله من نعيم الدنيا الفانية ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾، ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾، ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾.
أما المال والأموال فإنما يذكرهما في المعارض الفطرية الثابتة والسنن النفسية الراسخة، مثل ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، من آيات كثيرة كلها تدخل في باب تقرير السنن الكونية وآيات الله في الأنفس والآفاق.
وانظر- أعزك الله- لو قال قائل في غير القرآن: الورق والبنون زينة الحياة الدنيا، أكان كلامه يعدّ إلّا من أسخف السخف؟ أو قال: إنما ورقكم وأولادكم فتنة، أكان هذا الكلام يحسب إلّا من حكمة الزط في غرائز البط؟ أو قال: جاهدوا في سبيل الله بورقكم وأنفسكم، أكان ينظم إلّا في عداد القَعَدة المثبطين عن الجهاد؟ ومن بلاغة القرآن المعجزة أن يستعمل المال في مقام والأموال في مقام أعلى منه كالجهاد، لأنّ الجمع فيه قصد الشمول من المال الذي هو اسم جنس، واسم الجنس شامل كاسم الجمع ولكن الجمع أشمل منهما، ولما كان الجهاد يحتاج إلى النبال والقسي، والحبال والعصيّ، والرحال والرواحل، والأقتاب والأحلاس، والوص، والزاد والعلوفة، وكلها متمولات، حَسُنَ في قانون البلاغة وأسلوب الترغيب أن يعبر في آيات الجهاد بالأموال.
стр. 1841
وصاحبنا سحيم، الشاعر الرقيق، الذي أدرك النبوة وأظلته دولة الخلفاء الراشدين، لا يحمل كلامه إلا على الاعتبارات الفطرية التي قررها كتاب الفطرة، وما سحيم إلّا من ناشئة الصحراء العربية، وما مقاصده إلّا من نوع مقاصد العرب، وما أخيلته وأمانيه إلّا من نوع أخيلة شعراء العرب وأمانيهم، يرمون فيها المرامي القصية وبركبون فيها من المبالغة والإغراق ما يخرجهم عن أفق الحقائق، وحسبك شهادة الله لهم بأنهم في كل واد يهيمون.
وقولهم "المرء ابن بلدته لا ابن جلدته" كلمة أصيلة في الحكمة الاجتماعية، فإن المرء إذا نشأ في قوم لا يجمعهم به عرق نسب، ينشأ كواحد منهم، ولو باعدت بينهم وبينه الخصائص الجنسية والدموية، ومن أبين ما يجتمع معهم فيه اللغة: ألفاظها ومعانيها وأساليبها وأسرارها، وسحيم لم يخرج عن هذه القاعدة، فهو مع سواد الجلدة وجامعة النسب، عربي اللغة والأدب، أما الشعر فهو قابلية خاصة بحيث لو تفتّق لسانه على لغة قومه لكان شاعرًا في لغتهم، على نسبة تلك اللغة في الضيق والاتساع.
ويؤيّد ما حملنا عليه كلام صاحبنا سحيم- وهو الأولى بل المتعين- أن العرب ما كانت تعد الفضّة بل ولا الذهب مالًا يزين صاحبه ولا متاعًا مما يفتخر به جامعه، وإنما يعدونهما قيمًا للأشياء وكما هو الاعتبار الصحيح الذي جاء به الإسلام بعد ذلك، فهما وسيلة لا مقصد، وهما معبر لا مستقر، وإنما المال عندهم الثاغية والراغية وضربهم المثل بحمر النعم معروف، وإضافتهم ربيعة إلى الفرس مشهور، ووصفهم مضر بالحمراء معلوم، وهي ألقاب تمدّح وإعظام، ومن كلام رجل منهم- لم أذكر اسمه الآن- وقد سُئل عن أفضل المال فقال: مهرة مأمورة وسكة مأبورة، قيل ثم ماذا؟ قال: عين فوارة في أرض خوارة، قيل فأين أنت من الذهب والفضّة؟ قال: حجران تصطكان، إنْ أنفقتهما فقدا وإنْ تركتهما لم تزيدا.
هذه- أبقى الله سيدي الأخ- بعض اعتبارات العرب للمال يجب أن يحمل كلام صاحبنا سحيم عليها، لأنه شاعر عربي ولشعراء العرب في التصور والتصوير موازين كموازين شعرهم تختل بحركة اختلاس، ويدركها الزحاف بحرف يزيد أو ينقص، وقد قرأ أخوكم هذا من صغره ما تفرق من شعر هذا العبد في الكتب، ووقف على شعره الفاحش في مجموعة من نوعه يملكها أحد الأصدقاء بالمغرب الأقصى، فوجدته حرّ الأخيلة عميقها، صادق التصورات، عربي النزعات، بدوي الخصائص الشعرية، جاريًا ملء عنانه في الميادين التي جرى فيها الشعراء، ومنها ميدان الفخر، فلذلك تراني لا أجيز لنفسي أن تحمل ألفاظه المحتملة إلّا على الأسمى من معانيها والأرفع من أغراضها، ومنها لفظ الورق.
ويا سيدي: إن في معاني الألفاظ العربية عمومًا وخصوصًا، وإن للخصوص مواضعه في التراكيب تبعًا للمقاصد، وللعموم مواضعه فيها كذلك، والمقاصد والأغراض هي المتحكمة
стр. 1842
في تتريل الألفاظ منازلها، فهل ترضى لصاحبك الذي أحييته أن تُميته فتجعل أشعاره البليغة قائمة مقام الفضّة لا الذهب ولا غيره من الأموال لا سيما مع وجود معنى للورق يفي بالغرض الأشرف، وتسمية العرب للمال بمعناه العام وَرَقًا تسمية عريقة النسب في البلاغة، قريعة لتسميتهم إياه بالريش، وقد استعاروا الاسم الأول من ورق الشجر لأنه يظلّل ويحمي ويثمر، كما استعاروا الاسم الثاني من ريش الطائر لأنه يكسو ويحمل ويعلو بصاحبه، ولكن الاسمين اشتهرا حتى استغنيا عن القرائن، وللعرب تخيلات صادقة دقيقة في معاني الألفاظ المشتقة والمنقولة تدلّ على سداد تصرفاتهم الذهنية.
...
ثم إن لكل زمن موازينه للأشياء واعتباراته إياها، وموازين الأزمنة هي قوانين التطور، ولا تفلت منها الطبقات العليا في المجتمعات البشرية كالشعراء والعلماء والملوك، ولا معنى للتطور إلا اختلاف الاعتبارات حتى يصبح القبيح حسنًا والحسن قبيحًا، ولهذا نرى أن معروف البداوة منكر في الحضارة وحسن الحضارة قبيح في البداوة، وإذا خرجنا من باب القبح والحسن والعرفان والنكر إلى باب السمات والألوان نجد القياس مطردًا، وكذلك يقال في أساليب الكلام من شعر وخطب وأحاديث عادية، فنجد النقاد يفرقون بين شعر البادية وشعر الحاضرة بسمات ثابتة يدركها كل دارس باحث، ولكل تطور أسباب طبيعية آتية من تحرك الاجتماع البشري وعدم استقراره على حال، وقد رأوا في شعر عدي بن زيد العبادي رقة ليست من سمات الشعر الجاهلي فحكموا بأن مأتى ذلك إنما هو لنشأته في ريف العراق، وغشيانه للحيرة وتردده على ملوكها، وصوغه الشعر فيهم، والحيرة هي حاضرة العرب في الجاهلية، ومن هنا كانت الفروق واضحة بين الشعر الجاهلي وبين شعر الخضرمة والإسلام، وبين هذه الأنواع كلها وما جاء بعدها في مراحل الحضارة الإسلامية.
فلننظر- على هداية قانون التطور وآثاره- إلى العصر الذي كان فيه سحيم وإلى مفهوم المال عندهم وإلى منزلة الفضّة من بين أنواع المال بينهم، نتبيّن أن الفضّة ليست بشيء في اعتبار ذلك العصر وعند أهله، وأن الفضّة لم تخطر على بال سحيم حينما قذف بيتيه في وجوه المفاخرين، وإذا كان أثر الشعر في نفس سامعه متصلًا بأثره في نفس قائله، فكيف يتصور أن يقوم شعره بشيء لا قيمة له في نفوس سامعيه ومفاخريه، أو له قيمة نازلة، والمعروف أن الشعراء ليس لهم باب يدخل عليهم منه المال إلّا جوائز وصلات الأمراء والرؤساء ثمنًا لما يمدحونهم به، والجوائز والصلات في ذلك العصر وبعده بقليل لم تكن بالفضّة ولا بالذهب، وإنما كانت في الأعم الأغلب بكرائم النعم والخلع والطرائف، لذلك لا نسمع في شعرهم إلّا ذكر الذود والعكره والهنيدة والجامل العكنان، وقد دامت هذه
стр. 1843
الحال إلى عهد الخلفاء الأُول من بني مروان، وحكاية جرير مع عبد الملك معروفة حينما مدحه بقصيدته الحائية وذكر فيها ابنته أم حزرة وقوله:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فقال عبد الملك: وما يرضي أم حرزة؟ فقال كذا من الإبل، فأمر له بها.
وكما كانت الجوائز بهذا الصنف من المال كانت شرائع المكارم وشعائر المروءة تؤدى بها أيضا لأنها مال ذلك العصر، وإذن فسحيم كان في دولة الإنعام بالأنعام- وإنْ لم يكن مدّاحًا بحكم عبوديته- لا في دولة الصفراء والبيضاء، وكان من جيل لا يفهم من الصفراء والبيضاء إلا أنهما أداتان للمال وليستا المال نفسه، ناهيك بجيل يفرض أهل الرأي فيه لخليفتهم عمر نصف شاة في اليوم لا دنانير ودراهم، فكيف يخطر ببال شاعر عبد أن يفاخر الأحرار بشعره ويقومه بما عندهم من الفضّة، وهو يعرف أنها ليست من أموالهم ولا مما يفاخرون به، وإنما يفاخر المرء بما تجرى به المفاخرة عند أهل زمنه، وقد تطورت الحالة بعد سحيم بزمن وأصبح الممدوحون يجيزون مادحيهم بالذهب والفضّة لكثرتهما وبناء الحضارة المادية عليهما، فأصبحت نفوس الشعراء تتطلع إلى هذين الحجرين.
وأين زمن سحيم وجيل سحيم من الزمن الذي يقول أحد شعرائه لرئيس:
إني حلفت لئنْ لقيتك سالمًا ... بِقُرى العراق وأنتَ ذُو وَفْرِ
لَتُصَلِّيَنَّ على النبيّ محمّدٍ ... وَلَتَمْلأَنَّ دراهِمًا حِجْرِي
والذي يقول فيه أبو دلامة:
إذا جئتَ الأميرَ فَقُلْ سلامٌ ... عليكَ ورحمةُ الله الرحيمِ
وأما بعد ذاك فلِي غريمٌ ... من الأعراب قُبِّحَ من غريمِ
له مائةٌ عليَّ ونصفُ أخرى ... ونصف النصف في صَكٍّ قديمِ
دراهمُ ما انتفعتُ بها ولكنْ ... وصلتُ بها شيوخَ بني تَميمِ
...
ولله ذلك الطراز العالي من البلاغة العربية، وتلك الصفوة الممتازة من شعراء العربية، وتلك الطائفة المختارة من المدونين والرواة الذين جمعوا لنا ففرقنا، وحفظوا لنا فأضعنا، ورووا لنا شعر العبيد والنساء والنساك والفتاك والعدائين وعوران قيس وأغربة العرب، ﵏ وروح أرواحهم وهدانا إلى حفظ ما بقي من تلك الذخائر.
стр. 1844
ولله هذه اللغة الشريفة التي بلغ من ديموقراطيتها أن تسعى هرولةً إلى كل مَن يسعى إليها حبوًا، والتي أضفتْ ظلها وأفاضت نهلها وعلّها حتى على الإماء والعبيد، وأكلة الكباث والهبيد، ثم تبنت القرائح والألسنة من جميع الأجناس، واذكر في الكتاب هذه الأسماء اللامعة في شعراء العربية من غير العرب، اذكر سابقًا البربري، وأبا عطاء السندي، وعلي بن العبّاس الرومي، ومهيارًا الديلمي، واذكرْ إبراهيم بن سهل الإشبيلي لأنه يهودي تعرّب ولا تذكرْ السموأل بن عاديا لأنه عربي تهوّد.
وأختم القول بما بدأته به وهو أنني أحمل لأخي العلّامة الميمني كل إجلال وتقدير، وأغالي بقيمته في علمائنا العاملين، وله منّي تحيات تلمع مع البروق، وتتجدد في كل غروب وشروق.
стр. 1845
فلسطين واليهود *
كتبتُ قبل ست سنوات مجموعة مقالات في جريدة البصائر كانت طلائعها مبشرات تحتوي على تحميس للعرب في حرب اليهود، وبيان حقوق العرب وأحكام الاستدلال عليها من التاريخ. وكشف الأخلاق والطبائع اليهودية وبثهم للدسائس والمكائد في كل حركة يأتونها، ولا عجب في استرسالي في تلك المقالات، فنحن الجزائريين بلونا من تلك المكائد ما جعلنا أفقه الناس في تلك المخزيات التي يأتيها اليهود في العالم، وتلك الطرائق في امتصاص أموالهم وتسخيرهم بالمال، وبراعتهم في الدعاية والتضليل وإنفاقهم الملايين في بث الفتن وإفساد الأخلاق.
نحن أفقه الناس في الطبيعة اليهودية لأن يهود الجزائر من بقايا الجالية اليهودية التي هاجرت مع العرب عند الجلاء عن الأندلس. وقد عاشوا مع العرب المسلمين في الأندلس قرونًا فرأوا فيها من حسن الرعاية ومن صنوف البر والتكريم ما وصلوا به إلى مراتب الكرامة وولاية الوزارة. وعاملهم المسلمون في أيام ملكهم معاملة الأخوة فلم يُمْنَعوا عن مال ولا جاه، فلما جاء طور الانتقام نالهم منه ما نال المسلمين، وكانت النزعة المسيحية في عداوة أعداء المسيح الأُوَل على أشدّها.
...
كارثة فلسطين من أعمق الكوارث أثرًا في نفوس المسلمين الصادقين، وجميع الكوارث التي حلّت بالمسلمين عدل من الله تخفى على البسطاء أسراره، وتظهر للمتوسمين أسبابه، إلا قضية فلسطين فإن وجه العدل الإلهي فيها واضح مسفر، ذلك أن العرب ومن
стр. 1846
ورائهم المسلمون لم يُؤْخذوا فيها على غرة. بل كانوا يحيطون علمًا بنيّات اليهود ومطامعهم في إقامة دولة في أرض الميعاد، وتحقيق حلمهم القديم الذي تزوّدوا به من يوم خرجوا من فلسطين أذلة صاغرين في سبي بابل، وما زالوا يغذون أبناءهم جيلًا بعد جيل بعودة ملك إسرائيل إلى بنيه، ويسندون أوهامهم فيه إلى نصوص دينية ووعود إلهية على لسان بعض أنبيائهم افتراها أحبارهم، وأيّدوها بتلك الوعود المصطنعة لترسخ في مستقر العقائد من أبنائهم ويتوارثونها فيما يتوارثون.
...
إن أجدادنا لم يأخذوا فلسطين من يد اليهود وإنما أخذوها غلابًا من أيدي الروم وحرّروها من استعمارهم، وفي تحريرها تحرير لليهود أنفسهم، فماذا ينقم اليهود منا؟ ولماذا ينتقمون منا؟، ولماذا يجزون إحساننا لهم بالإساءة، ولماذا يستعينون علينا بأعدائنا وأعدائهم. إنه اللؤم المتأصل، والأنانية المركبة في الطباع المريضة، إن اللؤم قرين الضعف ودليله، فحيث ترى ضعف الطباع ترى لؤم الطباع، وقد جرت الدول الإسلامية في تاريخها الطويل على معاملة اليهود بالحسنى، معاملة إلّا تكن معاملة عُمَرية فهي بمقربة منها إلا في الفرط والندرة حينما ينقض اليهود عهدًا أو يظاهرون عدوًا، وما أكثر ما يقع منهم ذلك لأنه طبيعي فيهم لا يكادون يصبرون عليه. ولقد كانوا يعيشون عند الاحتلال الفرنسي للجزائر مع العرب المسلمين معززين مكرمين ويزيدون عليهم باحتكار التجارة وبعض الصنائع وبالبراعة في طرق الاقتصاد، وكثير منهم دخل الجزائر مع الجاليات الأندلسية التي اختارت الجزائر وطنًا لها. ولم يلقوا من الحكم الإسلامي إلّا الرفق والإحسان، ولكنهم ما كادوا يخالطون الفرنسيين حتّى تنكّروا للمسلمين فقبلوا الجنسية الفرنسية دفعة واحدة بقانون كريميو ( CREMIEUX) الوزير اليهودي المشهور، ومنذ أصبحوا يتمتعون بالجنسية الفرنسية ازداد تنكرهم للمسلمين وتفاقم شرّهم، وازدادوا جرأة على سلب أموال المسلمين وتفقيرهم تحت حماية القانون الفرنسي، وما ضمتهم فرنسا إلى جنسيتها إلّا لتحقيق الغرض الاستعماري الذي لا يقدر أحد قدرتهم عليه.
...
التاريخ في سلسلته الزمنية الطويلة يشهد أن بني إسرائيل لم يكن لهم ملك مادي في فلسطين ولا في غيرها كالذي تتأثله الأمم بالقوة والغلبة، وإنما كان لهم في فلسطين وما حولها من أرض الكنعانيين سلطان ديني أساسه النبوات، تسانده من القوة المادية ما تحتاج إليه الدعوات الدينية عادة، وما يظهر به ذلك السلطان الديني من مظاهر الملك المادية،
стр. 1847
ولكن ذلك الملك وذلك المظهر لا يخرج عن نطاق الدين المؤيد بالعلم والحكمة، كما وقع لداود وسليمان فمُلكهما كان دينيًا محضًا، وهل يحتاج بناء الملك المادي في مألوف العادة إلى تسخير الجند والطير والريح؟ وقد انقضى ذلك النوع من الملك بانقضاء زمنه، ولم تَجْرِ به سنة الله في الأمم والملوك، وكل ما يذكر عن ملوك بني إسرائيل فهو متأثر بذلك النوع أو مصبوغ بصبغته، وفيما عدا تلك الفترات الدينية التي كان يقوم فيها الملك على الدين، أو يؤيد فيها الملك بالخوارق، أو يعضد بالعلم والحكمة، فإن بني إسرائيل لم يظهروا في التاريخ كأمة مدنية تستطيع بمؤهلاتها البشرية ومواهبها الفطرية المشاعة بين الأمم أن تقيم دولة أو تؤسس حضارة ذات خصائص جنسية منتزعة من الطبيعة الإسرائيلية من غير اعتماد على عامل خارجي عَبْر الخوارق، وقد دعاهم موسى إلى الملك وأكّد لهم ذلك بوعد الله بعد أن يقوموا بالأسباب العادية التي لا يقوم الملك إلا عليها، وأهمها الغلاب والقتال في سبيله فأبوا عليه وعَنَّتوه جريًا على الطبيعة المتأصلة فيهم من الجبن والمذلة وحب المكسب المادي الميسَّر الهنيء، وقالوا له تارة: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ وقالوا له مرة أخرى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. وقد لقي موسى الْأَلَاقِيَ في سبيل دعوتهم إلى دخول الأرض المقدسة وإعدادهم للملك وفَهْم سنن الله فلم يفلح.
واليهود في أخلاقهم النفسية وطبعهم الأصيل شعب أنانيٌّ يُحِبُّ الاستئثار بالفضائل الإنسانية من دون أن يعمل لها أو يضحي في سبيلها، ليذهب به الغرور كل مذهب في تمجيد الجنس اليهودي واصطفاء الله له على الشعوب إلى درجة أن دماء الأمم الأخرى وأموالها كلها مباحة له، لأنها مخلوقة لأجله، وتَملُّك الغير لها إنّما هو اعتداء وغصب، فسرقة أموال الناس في نظرهم ليست سرقة وإنما هي استرجاع لِحَق كان مغصوبًا، وهم ينتحلون لذلك نصوصًا من وضع أحبارهم ولكنهم يُسْندونها إلى الله، ويسوقونها في صورة تدليل من الله بجنسهم ويجادلون الله فيها كما يجادل الكفء الكفء، حتى قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، والأحباء هم قرابة الملك أو المقربون منه. وقد مرّت بهم في تاريخهم فترات ترتفع فيها يد الله عنهم ويوكلون إلى أنفسهم فيضيع تدبيرهم ويتكشفون عن جهل بتدبير البيوت فضلًا عن تدبير الممالك والدول، ويتناهبهم الأقوياء من الفرس والرومان فيبيدون خضراءهم ويستبيحون حرماتهم ويتقاسمهم السيف والتشريد والسبي، فلا يذهبون في ذلك إلى تعليله بعلله المعقولة، ولا يرجعون فيه إلى موازين صحيحة من أحوال الأمم، ولا يفقهون أن سنن الله تنالهم كما تنال غيرهم، وإنما يقولون: ملحمة كتبها الله على بني إسرائيل. كلمة يقولونها كلما أحاطت بهم خطيآتهم والتحمتهم الأمم وذاقوا عواقب الأنانية والكيد والاغترار واحتقار الأمم وعدم الاعتبار للسنن الإلهية، ولاعتبارهم الملك وعزة الحياة
стр. 1848
استحقاقًا إلهيًا لا نتيجة للجهاد والقراع. لم يشهد لهم التاريخ موقف دفاع عن حوزة، ولا سجَّل لهم صفحة واحدة في حماية حمى أو ذود عن حرمة وطن حازوه في ظل النبوّة، ذلك أن اليهود لا وطن لهم ولا وطنية في طباعهم بمعناها المعروف عند الأمم، فادعاءهم للوطن القومي تدجيل وتضليل، وإنما الوطن القومي حلم دعا إليه منهم المهووسون جرْيًا وراء أَخْيلةٍ من الماضي العريق من غير تبصّر في طبائع الأشياء، وأَلْهِيَةٍ ابتكروها لهم ليسلوهم بها عن المصائب التي جَرَّتها عليهم أنانيتهم، وشيء زيّنته لهم التطورات المتلاحقة في العالم، والداعي الأصيل إلى ذلك في نفوسهم هو حب المال، إذ كل شيء عند هؤلاء القوم ما عدا المال هو وسيلة لا مقصد في الفلسفة اليهودية، وقد كذبوا وعد الله لهم على لسان موسى من أن الأرض المقدسة كتبها الله لهم، وكتب لهم فيها التمكين إذا أخذوا بأسبابه وأهمّها القتال، وهم لا يحبّون القتال لأنه يؤدّي إلى القتل وهم أحرص الناس على الحياة.
ولو أن أمة غير الأمة الإسرائيلية كانت سليمة الفطرة، وكانت سليمة النفوذ من آثار الاستعمار الفرعوني الطويل سمعت من نبي كموسى عُشُرَ ما سمعه بنو إسرائيل من موسى من وعد الله إياهم بالملك والتمكين إذا أخذوا بأبسط الأسباب لذلك لأقبلوا على الموت مستبشرين، ولكن بني إسرائيل كذَّبوا وعد الله ولم تفدهم مواعظ موسى في تلك القلوب الغُلْف وفي تلك النفوس التي قتل الذل منها كل عرق يخفق بالعِزّة، وما هو إلا أن جاوزوا البحر وأهلك الله عدوّهم وهم ينظرون، حتى حنوا إلى ما كانوا عليه من ذل واستعباد ووثنية هي من آثار الذل والاستعباد الطويل، فأَغْواهم السامري واتَّخذوا عجلًا من ذهب وعَكَفوا عليه وقالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾، وقالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، وإنك لا ترى في تاريخ الأمم النفسي أخلاقًا أفسدها الاستعباد ولم ينجح فيها علاج الأنبياء ولا معجزاتهم، وهم أطباء الأرواح المريضة، كما ترى في أخلاق هذه الأمة المتبجحة باصطفاء الله لها دون الأمم.
سقنا هذه الكلمة القصيرة المجردة من التنسيق التاريخي لنرى أن هذه الأمة ليست أمة مُلْك في تاريخها الطويل، وأنها لا تملك وسائله التي يملكها غيرها، فإذا قام لها ملك ففي ظل النُبُوَّة والخوارق وهي وسائل غير كسبية، وإذا تقلص عليها ذلك الظل تداعت عليها الأمم وأوْسعتها قتلًا وسبيًا وتحيفًا، ولم يزل هذا دأبهم إلى أن جاء الإسلام.
جاء الإسلام وكان من مقاصده الأولى بناء المملكة الإسلامية على صخرة السنن الإلهية والأسباب والمسببات لا على الخوارق، وكان من مقاصده نشر هدايته وفضائله في أرض النبوات الأولى بعد تطهيرها من الجبروت الروماني ومن الاستخذاء اليهودي، وإنا لنتلمح في قصة الإسراء والمعراج- وهما من صنع الله- ثم من اتجاهات نبي الإسلام وتوجيهاته ما يشعر بأن فتح الإسلام لمواطن الأنبياء ومدافنهم كان هو المقصد الأول للإسلام، وكأن
стр. 1849
خروج النبي بنفسه إلى تبوك من طريق الشام رمز إلى ذلك وإيحاء به وإنذار للرومان، ثم نتلمح في تجهيزه لجيش مُؤْتَة لقتال الروم ومن يُواليهم من العرب والأنباط في مشارف الشام أنه خطوة ثانية ثم نتلمح في تجهيزه لجيش أسامة وهو في مرض موته تأييدًا لتلك المرحلة، وكلّها إنذارات للروم حقّقها ما بعدها.
تمّ فتح المسلمين لفلسطين في أيام عمر، وكان هذا الفتح كسائر الفتوحات الإسلامية يحمل الهدى والسلام ويفتح الأذهان قبل البلدان، وكان ينطوي على معنى الثأر لموسى ودينه وقومه اليهود لو كانوا يعقلون، فقد قطع دابر الرومان ودولتهم من فلسطين، وطهّرها من ظلمهم واستعبادهم لليهود، فلم يروا ناصرًا قويًا مثلما رأوا في الإسلام لو كانوا يقدّرون النعمة ويشكرونها، وبفتح المسلمين لفلسطين وفيها بيت المقدس رجع إرث النبوّة إلى النبوّة واجتمعت مساجد الإسلام الثلاثة في يد واحدة قوية قادرة على حمايتها، وعادت القبلة الأولى إلى الوجوه التي كانت تستقبلها وإلى النفوس المطمئنة لعبادة الله وحده فيها، وإلى الأيدي القادرة على حملها، وإلى أبناء العم لو كان اليهود يرعون للأرحام حرمة، وفي فتح أصحاب محمد لبيت المقدس تتجلى الفروق بين الطبيعتين العربية واليهودية، وشتان ما بين من يبذل مهجته في سبيل الله وتثبيت دينه الحق في الأرض، وبين من يكذب وعده ويشترط على رسوله، ويتألَّى عليه أن يؤتيه الملك والعز وهو نائم ناعم ويستعلي على خلقه.
...
قضية فلسطين في جوهرها وحقيقتها واعتبارها التاريخي قضية إسلامية من حيث إن فيها المسجد الأقصى ثالث المساجد المقدسة في حكم الإسلام، وهو أول قبلة صلى إليها المسلمون قبل الكعبة، ولئن نسخ هذا المعنى فإن الخصائص الأخرى من الاحترام الديني وشد الرحال إليه لم تنسخ، وان المتوسمين في آيات الله المستخرجين لدقائق الحكم منها يتلمحون من الأسرار في اختيارها قبلة أولى وفي كونها كانت نهاية للإسراء وبداية للعروج ما يضعها في موضع من الاحترام يوجب الدفاع عن مشاعرها، ودفع كل معتدٍ على حرماتها أن تدنس بوثنية، وتطهيرها من كل من يريد بها شرًا أو يريد فيها بإِلْحاد وإنها ميراث النبوّة وضعه الله في أيدٍ قادرة على حمايتها، وقد دافعت عنها بالفعل، وأقامت البرهان على اضطلاعها بحمايتها مدة أربعة عشر قرنًا كاملة، وحاربت عليها أمم الأرض، وما سلبها الله من اليهود وأورثها المسلمين إلا لأن اليهود كانوا أعجز الناس عن حمايتها.
ومن حيث أن فيها الصخرة التي هي أول محطة لاتصال الأرض بالسماء، ذلك الاتصال الذي كان سببًا فيما فاض على الأرض من بركات السماء، ولو شاء الله لكان المعراج بعبده
стр. 1850
محمد من مكة التي هي موطنه ولكن كانت له في هذه الرحلة الأرضية حِكَم ولنا فيها عبر، فقد كانت رمزًا إلى أنَّ مُلْكَ الإسلام سيتسع حتى يبلغ في مرحلته الأولى ممالك النبوّة قبله ومواطنهم ومواطئ أقدامهم ومدافنهم، وسينشر فيها هدايته وسَيَبْسُطُ عليها حمايته وكذلك وقع، ومواريث النبوّة لا يستحقّها إلا الأنبياء والمضطلعون بها من أممهم، ولقد قال ﷺ : «زُوِيَتْ لِيَ مِنَ الْأَرْضِ فَأُرِيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا».
...
من التزوير على التاريخ أن يقال إن اليهود احتلّوا فلسطين بالقوة العسكرية كما يحتل القوي الغالب أرض عدوّه الضعيف المغلوب، ألَا إن كلمة الحق التي يقف الواقع بجنبها شاهدًا لا يكذب هي أن ملوك العرب وزُعَماءَهُم المتحكمين في مصائرهم المنفّذين لإرادة المستعمر هم الذين سلّموا فلسطين لليهود سائغة هنية وحقّقوا للإنجليز غايتهم وما شرطه اليهود عليهم من تسليم فلسطين فارغة من العرب كما تسلم الدار المبيعة فارغة من الساكن، فاصطنعوا لذلك التسليم المقرّر وسائل وأعذارًا من التخاذل والمشاكسات بين القادة العسكريين حتى تمّ الأمر بذلك التسليم المهين، وكلّ ذلك تمَّ وفق خطة مدبرة متصلة الحلقات من الانجليز وأعوانهم منا في مقابلة نفع مادي شخصي زائل ومناصب مضمونة لعدة رجال من العبيد باعوا قومهم بتلك الوظائف، وما زلنا نراهم رأي العين يتقلبون في تلك الوظائف الذليلة وينفّذون أغراض الاستعمار ويدافعون عنها، وقد حنّ لهم الدهر فنالوا ما نالوا. فيا ويحهم ان عَقَّهم الدهر وصحا من تلك اللوثة، وما صحوه منها ببعيد، وما مصرع فاروق وعبد الله ببعيد من الذين باعوا فلسطين بالثمن الزهيد، ومهما تكن تلك الوظائف مضمونة من الانجليز فإن وراءها الموت والعار والسبّة الخالدة ووراءها هبة الشعوب وثورات المكبوتين.
أما الصهيونية فهي قديمة ولقد كانت في مرحلتها الأولى نسيجًا من أحلام وخيالات وأماني، ولكن كثرة ملابسات القائمين بها للدول الاستعمارية نقلتها من طور إلى طور حين وجد كل من الاستعمار الأوروبي والصهيونية في صاحبه عونًا ومساعدًا على أغراضه، ولم تزل المصالح المادية تقرب بينهما حتى اجتمعا في بعض النقط فتعاهدا على تقارض العون والمساعدة إلى نهاية الشوط، وصاحب ذلك ضعف الشعوب العربية وإحباطها وجهلها، فكان ذلك كله معينًا على تنمية الفكرة، وجاءت الحرب العالمية الأولى والعرب على تلك الحالة فاتفقت دول الاستعمار على تشتيت العرب وتمزيق أوطانهم واستغلال الكنوز التي يجهلونها في أرضهم وأهمها البترول، ولما كان نظر الاستعمار بعيدًا وعلم أن انتصاره في تلك الحرب يضمن له تشتيت العرب وتمزيق بلادهم ولكنه لا يضمن له بقاءهم على تلك الحالة طويلًا فرأى أن يرميهم بالداهية الدهياء وهي تحقيق الوطن القومي لليهود.
стр. 1851
مداعبات إخوانية
стр. 1852
إلى ولدنا الأستاذ عبد الحميد الهاشمي *
كنتَ أهديتَني زجاجةَ عطر ... يبعث النشوتين تِيهًا وفخرا
أَبِأَنفاس جِلِّقٍ مَزَجُوهُ ... فأتى بالعبير يزخر زخرا
أم ربى النَيْرَبَين قد علمته ... كيف يحيى الجماد إنْ مسّ صخرا
ولو اني إذْ ذاك أوتيتُ رشدي ... صنته في خزائن الصون ذخرا
ولَحرَّمتُ أن يمس أُنُوفًا ... أو ثغورًا سُودَ الطواحن بُخْرا
غير أني فعلتُ ما يفعل العا ... صف يذرو بنات مَخرِ وَمَخرا (١)
نازعتْنيه بالأكف رجال ... ليس يألون للنفائس دَخرا (٢)
تركوا الظرف كالخلية هفا (٣) ... وألّحوا فعاد كالعظم نخرا
وجزاء الجميل ذكر وشكر ... فاغنَمِ الحسنيين وابعثْ بأخرى
стр. 1853
" كليّة" الأعظمي *
غيري تراه قانعًا غير ظمي ... للعمل المرتّب المنظّم
أما أنا فلو هشمت أعظُمي ... لم أستسغ صنع أخينا الأعظمي
... ومن يسيغ خردلًا بالخلّ؟ ...
يا عبرة غطت على كل العبر ... المبتدأ من فعله صار الخبر
ولو جرت أحكامه على الإبَر ... صيرها مثل الصواري في الكبر
... وقال للناس اقعدوا في الظل ...
مدرسة حبتْ خطًى وما مشت ... صورها كلية فانتفشت
ولو دعاها معهدًا لانتعشت ... وانصرفت لها العيون وعَشَت
... وأصبحت أهلًا لحمل الكَلّ ...
لا تعظم الأشياء بالأسماء ... ولا يقاس النور بالظلماء
إن سراب البيد غير الماء ... وإن دعوت النهر بالدأماء
... جعلت كل عائب في حِل ...
فكن حكيمًا صادقًا في الوصفِ ... وكن صناعًا ماهرًا في الرصف
ولا تسوّ ثمرًا بالعصف ... فالحكم للشيء بحكم النصف
... كالحكم للجزء بحكم الكلِّ ...
كلاهما غشّ وأيّ غشّ ... ينفح أهليه بريح الحُشّ
ويورد الظمآن رشحَ النشّ ... يا مَنْ وصفت جلمدًا بالهشّ
... اِنطحه يشهدْ عمرك المُوَلِّي ...
стр. 1854
إلى ولدي الأديب عمر بهاء الدين الأميري *
لك الخير، إني عن "كراتشي" لَراحل ... على غير ما كانت تشد الرَّواحلُ
ستحملني في الجوّ مرتاعة الحشا ... يَدين لها القاصي وتطوى المراحل
...
أدرتُ المنى عن مستهل من الحيا ... يُغاث به قَحْط ويخضرّ قاحل
ويسقى به غرس ذَوَى بين أمة ... يمسّكها سلك من الدين ناحل
ولكن زوى عني الأماني أنها ... بلاد بها ربع العروبة ماحِلُ
تَقاسَمها الأعجام بعد ابن قاسم ... فذاب بها الضاري وغاب الحلاحل
وقام بحمل الدين فيها عصابة ... "مكاحلهم" يوم اللقاء المكاحل
...
سأذكركم والشوق يزداد وَقْده ... إذا ما دَنَتْ من "أندونيسيا" السواحل
стр. 1855
إلى الدكتور فاضل الجمالي *
تضمنت برقية الجمالي ... لفظًا خلا من رونق الجمال
إذْ ليس من مراتب الكمال ... وليس من محاسن الخصال
أن تدعو الضيف ولا تبالي ... رفيقه الحقيق بالإجلال
تعدني إنْ زرتُ باحتفال ... متوج بالبشر والإقبال
بشرط أن أزور كالمحتال ... وآمن من تابع أو تال
تحسبني طفلًا من الأطفال ... يصاد باللطف وبالدلال
يخدع في الموجود بالمحال ... ويؤثر النفس على العيال
يا حضرة الدكتور ذي الأفضال ... مالَكَ لا تعبأ بالرجال
ولا تجيل الرأي في مجال ... من قبل إقدام على الأفعال
هذا الذي ترميه بالإهمال ... أحق بالتعظيم والإجلال
هذا فتى أضحى من الأبطال ... وزاد في الفضل على الرجال
رأي رَمَى الآراء بالإبطال ... وعزمة كالنار في اشتعال
وجرأة كالليث في الصيال ... وهمة كالنجم في التعالي
ما زال مذْ شبّ على الفصال ... وعرف اليُمنَى من الشِّمال
حربًا على الطغيان والضلال ... سلمًا على الإصلاح والإجمال
سهمًا مصيبًا في حشا الأنذال ... مثل شهاب الرجم في الثلالي
يقذف كل خادع محتال ... ولم يزل يخطُر كالرئبال
ماضي الشبا محدّد النصال ... مهيأ للذود والنضال
أترتضي وأنتَ ذُو الأعمال ... لقومك العرب وذُو الآمال
стр. 1856
بأن يروك ماضيًا في الحال ... وواقفًا تندب في الأطلال
وعاكفًا في الدِّمن البوالي ... تبكي على عمارها الخوالي
منتصرًا لعصبة جهّال ... صيرها الظلم إلى الزوال
يا سوءَ حظ اليمن المحلال ... وشؤمَها إن انبرت للفال
وبخسها في الوزن والمكيال ... وغبنَها في الحال والمآل
أن كان مثل فاضل الجمالي ... في علمه وعقله الصوّال
وروحه وفكره الجوّال ... يأسى على طاغوتها المزال
من شدّها بأوثق الأحبال ... وسامها بالقهر والإذلال
وسامها بالفقر والإقلال ... وراضها بالسجن والأغلال
وعهدها وهو عليها الوالي ... أدهى من الطاعون والزلزال
فكم رأت فيه من الأهوال ... والنُّوَب الفظيعة الثقال
والكُرَب الكثيرة الأشكال ... والعُقَد العويصة الإشكال
ومن وباء سيط بالوبال ... ومن خباء نيط بالخبال
وعاد من فظاعة الأحوال ... عهد "سَبَا" في سالف الأحوال
أضحت بنوه من فساد الحال ... والظلم من إمامها الدجّال
عطشى وماء النهر كالجريال ... منهمر بعذبه السلسال
جائعةً والقوت كالرمال ... فقيرةً وهي ركاز المال
عاريةً حتى من الأسمال ... والحوكُ في جدودها الأوالي
قد كان فيهم مضرب الأمثال ... عزلاء حتى من عصيّ الضال
والسيف فيها أحد الأنجال ... شقيةً بالظلم والنكال
والسعد قد كان على الأجيال ... وسْمًا لَها وشارة احتيال
وتُربُها قد ثار عن غلال ... وعن جنًى غض وعن ظلال
وماؤها ينساب كالصلال ... بين الصخور الشم والتلال
من هم غيوث البذل في النوال ... وهم ليوث الغاب في الصيال
في النسب العد الصميم العالي ... والحسب العريق في الجلال
ما لكِ يا مُنْبِتة اللآلي ... والحجر الحرّ الكريم الغالي
ما لك يا منتجة الأبطال ... ذوي الحفاظ المر والفعال
ما لك يا مزرعة الغوالي ... عزت عن الأشباه والأمثال
ما لك يا منبتة العوالي ... من الرماح الذبل الطوال
أصبحت فى جدب وفي امحال ... جرداء مثل الغادة المعطال
وصرت بعد الحسن والجمال ... شَوْهاء مثل البائر المتفال
стр. 1857
ما لبنيك النجب الأبطال ... أضحوا على الأيام والليالي
بعد الهدى في التيه والضلال ... وبعد وَسْمِ المجد في الأغفال
شِدتِ لنا في الأعصر الخوالي ... حضارة مَدَّت على الأجيال
رِواق عزّ بحلاها حالي ... وخُلِّدَتْ آثارُها الغوالي
صحائف في الكتب والرمال ... بدائع المفتنِّ والمثّال
لم يجر منشيها على مثال ... ولم تزل آياتها في الحال
سحر النهى وفتنة الخيال ... وعقلة العقل وشغل البال
حتى أتت حثالة الأنسال ... وعصبةُ الفسَّاق والأنذال
رهط الخنا والغيّ والمِحال ... من كل عيّ مائق تنبال
لم يجر لولا شخصه بالبال ... محارب لله لا يبالي
مستقذر الإزار والسربال ... مستقبح العثنون والسبال
كأنما صيغ من الأوحال ... أو من رجيع الحمر والبغال
أسيمر الجلدة ذو اختيال ... متصل المنكب بالقذال
وإن عددته من الجهّال ... فالجهل لا يرضى به بحال
عاثت عياث القرد والثعالي ... وداستْ الأحرار بالنعال
وحكمت أهواءها في المال ... والعرض والابشار والأحوال
أَنَرْتَجي العدل من العذال ... ونَطْلُبُ النصر من الخذال؟
стр. 1858
جمعية
جمعية تداعتْ ... بقوة الإيمانِ
لردّ ما أضاعت ... من هديها الروحاني
وهدم ما أشاعت ... عصائب الشيطان
وكفّ ما أذاعت ... بالإفك والبهتان
تُحيي لنا ما اسطاعت ... هداية القرآن
قد أدبرت وارتاعت ... كتائب الطغيان
وأقبلت وانصاعت ... طوائف البرهان
فَلْيَهْنِها ما ابتاعت ... من تُحف الرضوان
إذا العقول جاعت ... حامت على الأوثان
أو النفوس الْتاعت ... هامت بدين ثاني
وخسرت إذ باعت ... بَاقِيَها بالفاني
...
القلب لا ينساها ... في سائر الأحيان
ولم تزل ذكراها ... وظيفة اللسان
لعلّ أو عساها ... ترقى إلى كيوان
بالغة مناها ... في المال والسلطان
стр. 1859
الطائرة
دعا بي الشوق إلى الترحالِ ... والشوق إنْ يدعُ غرلم كالِي
فلم أودّع طلّتي وآلي ... حتى امتطيت جمة التصهال
بهيمة صيغت على منوال ... واجتمعت والطير في مثال
تدين بالإسراع والإعجال ... لا تقتضي بالريث والإمهال
طعامها النار ولا تبالي ... تحيا على الإحراق والإشعال
فاعجب لها مشدودة الرحال ... بالليل والإبكار والآصال
سمينة في الخصب والإمحال ... وثيقة الأضلاع والأوصال
لم تَشْكُ من أين ولا كلال ... قد جمعت غرائب الأشكال
طيارة تهزأ بالجبال ... وبالشعاب الخضر والأوحال
وبالروابي الغبر والتلال ... ما وطئت قط على الرمال
إلّا بقدر الرفع والإنزال ... إن حركت زفت زفيف الرال
وزأرت في الجو كالرئبال ... كأنها سفينة في الآل
وآية العلم بكل حال ... مبصرة جلت عن الجدال
وتقطع الألف من الأميال ... في مثل عمر ساعة الوصال
بالطير لا بالوخد والأرقال ... يا حسنها قريبة المنال
لو لم تكن مدنية الآجال ... أن بليت بالنقض والإخلال
لم تعتمد إلّا على عز وآل ... يا سعد دالت دولة الجمال
فاسعد إذا ما شئت باشتمال ... لا تخش من ملامة العذال
بما جرى ذكرك في الأمثال ... عوذتها بكلمة الجلال
وبالحواميم وبالأنفال ... وما أتى فى سبعه الطوال
نؤم نجدًا برزة المجالي ... ذات الرّبى والأكم الحوالي
стр. 1860
بالنور والحصباء كاللآلي ... سحر النهى وفتنة الخيال
ومبعث الشعر الرصين الغالي ... ومرتمى شوارد الأمثال
ومنبت الأمجاد والأبطال ... مجلى البيان الحر والأمثال
فاض على الملوك والأقيال ... والحق النساء بالأطفال
وفار من نميره السلسال ... فجال بين جالها والجال
...
زرنا سعودًا كعبة الآمال ... وواحد الآحاد في الرجال
ومورد القصّاد والحلَّال ... ومصدر النزاع والنزال
شب مع التوحيد والكمال ... على التُّقَى وصالح الأعمال
مملكة مشدودة الأوصال ... بالعلم والعقل وبالرجال
محمية الغابات بالأشبال ... محبوكة الأطراف بالعمّال
موزونة الأبعاد والأطوال ... محدودة بالسيف من أوال
إلى حدود الشام والعوالي ... محفوفة بالسعد والإقبال