← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

ونبَّهَهُم إلى حسن استغلال تلك القُوَى لتحقيق أهداف أمتهم البعيدة والقريبة، ومنها تحرير فلسطين- قلب العالم الإسلامي- والمغرب العربي- الجناح الغربي للأمة الإسلامية (٣٤). إن الإمام الإبراهيمي عندما يخاطب المسؤولين ويستنصرهم، ويستعديهم على الاستعمار لا يفعل ذلك انطلاقًا من اعتبارات سياسية أو مصلحية فقط، ولكنه يستند إلى مبادئ الإسلام وأصول الدين التي تفرض عداوة الظالم، وتوجب مقاومته بجميع أنواع القوى، وتحرِّم موالاة ذلك الظالم، لأن تلك الموالاة في حقيقتها "خروج عن الإسلام"، ولا يشفع لأولئك الموالين أعذار يعتذرون بها، أو معاذير يلقونها فـ "الموازين الإسلامية دقيقة تزن كل شيء من ذلك- المداراة، وطلب المصلحة- بقدره، وبقدر الضرورة الداعية إليه، وأظهر ما تكون تلك الضرورات في الأفراد لا في الجماعات ولا في الحكومات" (٣٥). وهناك ميدان آخر ملأه الإمام الإبراهيمي باسم الجزائر، وكان فيه فارس المنابر، إنه ميدان المؤتمرات الأدبية، والمنتديات الفكرية، واللقاءات العلمية، ولولا الإمام الإبراهيمي لما علا للجزائر في ذلك الميدان صوت ولما ذُكِر لها اسم، مثل المؤتمر الثالث للأدباء العرب، ومؤتمر التعريب بالرباط، وندوة الأصفياء، وقد كان الإمام في تلك المؤتمرات والندوات واللقاءات أحرص على استقلال الأمة العربية أدبيًا وفكريًا ولغويًا من حرصه على الجوانب السياسية والاقتصادية التي لا تبرز- بما فيه الكفاية- خصائص الأمم ومميزات الشعوب؛ وإنما الذي يبرز تلك الخصائص ويجليها هو آدابها وأفكارها ولغاتها، "فيجب أن يظل أدبنا عربيًا في أصوله وقواعده، لا شرقيًا ولا غربيًا، يجب أن يظل أدبنا عربيًا يستمد شخصيته وأهدافه من حاجاتنا الواقعية لا المفتعلة ولا المزيفة" (٣٦)، ولذلك ينذر ويحذر من الآثار السيئة والعواقب الوخيمة التي تصيبنا من مخلفات الاستعمار الفكرية واللغوية في بلداننا المغاربية "التجارب تدل على أنها ستبقى فينا بقية غير صالحة تحمل أَلْسِنَة تَحِنُّ إلى اللغة الفرنسية، وتختار مخرج الغين الباريسية (٣٧) على مخرج الراء العدنانية، وأفئدة "هواء" تحن إلى فنون فرنسا وفتونها، وعقول جوفاء تحن إلى التفكير على النمط الفرنسي، ونفوس صغيرة

стр. 1892

تحن إلى حكمها الذي يرفع الأذناب على الرؤوس، وهمم دنية تحنُّ إلى حمايتها ... وهيهات أن يتحرّر شعب ولسانه مستعبَدٌ للغة أجنبية، أو يتحرر شعب متنكر للسانه، فاستقلال العرب لا يتم تمامه إلّا بتعريب ألسنتهم، وأفكارهم، وهممهم، وذممهم" (٣٨). ومن حرصه على هذا الاستقلال اللغوي، وغيرته على اللغة العربية لم يتردد في أن يصدع بالنقد اللاذع لأكبر مؤسسة لغوية في العالم العربي، وهي مجمع اللغة العربية بالقاهرة، حيث قال في كلمته التي ألقاها باسم الأعضاء الجُدد في ذلك المجمع: " .. وأشد ما كنا ننكر من أعماله- المجمع- استعانته بالمستشرقين في شأن هو من خصائص الأمة العربية، ولكننا كنا لا نستطيع الجهر بما ننكره على المجمع، ولا نشيع قالة السوء عنه، لأننا نعلم أنه ناشِئٌ، وأن النشأة مظنة للنقص، وننتظر به مرور الزمان واستحكام التجارب، ومواتاة الفرص حتى يصلح من شأنه بنفسه، والزمان يقيم الأمت، ويقوِّمُ السمت، إلّا شيئًا واحدًا ما كنا نقبل فيه عذرًا ولا نتسامح فيه فتيلًا، وهو مسألة الاستعانة بالمستشرقين، ولقد كنا نستسيغ الاستعانة بالأجنبي في بناء سد، أو مد سكة، أو تخطيط مدينة مما سبقنا إليه الأجانب وبرعوا فيه، أما الاستعانة بهم في شأن يخصنا كاللغة فلا!! ومتى رأينا مستشرقًا بلغ في العربية وفهم أسرارها ودقائقها ومجازاتها وكناياتها ومضارب أمثالها ما يبلغه العربي في ذلك كله؟ على أن بعض أولئك المستشرقين الذين كانوا أعضاء بهذا المجمع كانوا مستشارين في وزارات الخارجية من بلدانهم، وهذا قادح آخر يضاف إلى قادح قصورهم في اللغة العربية" (٣٩). وجاء نصر الله، وحطَّم الهلالُ الصليبَ (٤٠)، وأرغم الشعبُ الجزائريُّ المجاهدُ فرنسا على تسفيه نفسها، ونَسْخِ أكذوبتها القائلة إن الجزائر فرنسية، وأجبرها بالقوّة على الاعتراف بـ "أن هذه الأمة الجزائرية المسلمة ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت، بل هي بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها، وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدود معيَّن، هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة" (٤١).

стр. 1893

وعاد الإمام إلى الجزائر التي أحبَّها حبًا جمًّا، وأعطاها سواده وبياضه، وخدَمَها دون مَنٍّ، ولا انتظار جزاء ولا شكور، ولم ينغص عليه فرحته باستعادة الجزائر استقلالها، وبعودته إليها إلّا ما وجد فيها من شنآن بين المسؤولين بسبب السلطة التي كان أكثرهم يعتبرونها تشريفًا لا تكليفًا، ويرونها امتيازات لا أمانات يجب أن تؤَدَّى. ولم تسمح له سنه والأمراض التي أنهكت جسمه أن يقوم بنشاط كبير في هذه الفترة. ومن أهمّ أنشطته ذات المغزى التاريخي إمامته المسلمين في أول صلاة جمعة في جامع كتشاوة الذي أعاده الله سيرته الأولى، بعد أن حوَّلته فرنسا إلى كاتدرائية. ومن أهم ما جاء في خطبته تحذيره الجزائريين من مخلفات فرنسا- المادية واللغوية والبشرية- في الجزائر، وخطورة هذه المخلفات على مستقبلها، فالاستعمار "قد خرج من أرضكم، ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم، ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم، فلا تعاملوه إلا فيما اضْطرِرْتُم إليه " (٤٢). وإن الذي تعانيه الجزائر اليوم هو بسبب ما جَناهُ عليها هؤلاء الذين لم تخرج فرنسا من ألسنتهم، وأفكارهم وقلوبهم. ورأى الإمام ببصره الانحرافَ الذي وقع فيه من قُدِّرَ له أن يكون على رأس القيادة في الجزائر في هذه الفترة، وأدرك ببصيرته عواقب ذلك الانحراف وخطره على مستقبل الجزائر، فصدع بكلمة الحق بحكمة، وهدوء، ونصح ذلك المسؤولَ أن يرجع إلى الجادَّة، ويفيء إلى الصواب (٤٣). ولكنه- بدلًا من ذلك- ضاق صدره، وأخذته العزة فمدَّ يده إلى الإمام، الذي يمثل نصف قرن من الجهاد، وكنزًا من العلم والمعرفة، وذخيرة من التجارب ورَمْزًا للشعب الجزائري، فآذاه، فكانت عاقبة ذلك المسؤول خسرًا. وقد اعترف أخيرًا أنه يتحمل نصيبًا كبيرًا من مسؤولية الأزمة التي تتخبط فيها الجزائر اليوم. وجاء أجَلُ الإمام الإبراهيمي، يوم ٢٠ مايو ١٩٦٥، فَرَجَعَتْ نفْسُه المطمئنة إلى ربِّها راضية مرضية، بعد أن أكرم الله صاحبها بالجهاد في سبيل دينه، ولغة كتابه، ودارٍ من ديار الإسلام، وحاز- كما تمنّى- في ثَراها قبرًا وإن لم يملك منه شبرًا. وقد تلقّى العلماء والمفكرون في العالم العربي والإسلامي خبر موت الإمام بحزن عميق، ولوعة كبيرة، لمعرفتهم بمقدار الخسارة التي أصابت الأمة، وعظمة الثغرة التي كان يسدّها، فعثروا عن ذلك بكلمات صادقة، وعبارات مؤثرة، ومنها هذه القصيدة للشاعر الكبير عمر بهاء الدين الأميري، التي تطفح بالصدق، وتلخص بعض جهاد الإمام، وتُكْبِرُ عِلْمَه:

стр. 1894

جَلَّ المصاب، وَمُجْتُ في أحزانه ... وعجزت عن كظم الأسى وبيانه فوَجَمْتُ والقلب الرؤوم جَوٍ على ... فَقْدِ "البشير" يغذ في خفقانه والدمع رغم رُجُولتي وتجلدي ... بح الزفير وبُلَّ من تهتانه قالوا: أتبكي؟ كيف لا أبكي أبًا ... وأخًا وأستاذًا فريد زمانه أبكي المودة والوفاء سجية ... والنُّبْل، كان يشعّ من أردانه أبكي الفضيلة والمروءة والنَّدَى ... والمكرمات تسير في ركبانه أبكي الثقافة والحصافة والحِجا ... والذوق وازَى العلم في ميزانه أبكي أبيا عبقريا ماجِدًا ... أبكي إمامًا جل في أقْرانِه أبكي بصيرته وحِكْمَةَ فَصْلِهِ ... أبكي سَدادَ الرأي في إبَّانِه أبكي امتدادًا لابن باديس الذي ... للدين جَدَّدَ ما مضى من شانه أبكي، أَجَلْ أبكي وليس بضائري ... دَمْعُ الأبي الحر فيض حَنانِه ... قد كان- رغم السن- منذ لقيته ... خِلِّي الأثير، وكنت مِنْ خِلّانِه حُدِّثْتُ في باريس أيام الصبا ... عن فضله، وقرأْتُ دُرَّ بيانه فقدرت فيه مَحامدًا ومَحاتِدًا ... وتَطلَّعَت نفسي إلى أَكْوانِه ولقيته فازْدَدْتُ في إكباره ... وأحَبَّ وجداني سَنا وِجْدانه كان "الفضيل" (٤٤) ورهْطُه طلابه ... عِرْفانُهُم كالفيض من عِرْفانِه كان "التبسي" (٤٣) و"المبارك" (٤٦) صحبه، ... لكنه المرموق في إخوانه حتى إذا خرج الجهاد بعزمه ... عن داره للرحب من أوطانه ألفيته بطلًا يشد على العدا ... وأبًا رحيم القلب في أعوانه في عالَم الإسلام يخفق دائبًا ... من "مصره" يسعى إلى "بغدانه" من "قدسه" لـ "حجازه " لـ "شآمه" ... ويلم، لا ليجم في "لبنانه" لكنه يجري وراء طماحه ... وكفاحه حتى لـ "باكستانه"

стр. 1895

ما كان يومًا رهن أرض أو سما ... بل كان للإسلام في أركانه يعلي لأمته تواعد مجدها ... أفقًا وعمقًا في امتداد زمانه ... طُوبى لمن عمر الحياة بوَعْيه ... وبسعيه والموت في حسبانه طُوبَى لِمُدَّخِر ليوم حسابه ... ما قَدْ ينال به ندى رحمانه طُوبَى لمن زكى معارج نفسه ... بِتُقَى الإله وعاش من عبدانه ومضى إلى دار البقاء يحفه ... من ربِّه المنان فيض حنانه طُوبَى "بشير" الخير لُقِّيتَ الْمُنى ... بجوار رَبِّك في رِحاب جِنانِه في مقعد الصدق المرجى ناعِمًا ... بكنوز ما يحبوه من رضوانه (٤٧) ... اشتملت الأجزاء الأول والثاني والرابع والخامس على بعض المقالات قد يراها الناس دون مستوى مقالات الجزء الثالث، ولكننا حرصنا على إثباتها لما لها من قيمة تاريخية، حيث تعتبر شهادات حية، ومواقف هامة ومعبّرة عن حوادث وقضايا. رحم الله الإمام الإبراهيمي وإخوانه الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولم يبدلوا تبديلًا، وأنزلهم منازل المُكْرَمينَ من عباده في مقعد الصدق، مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. ونسأله تعالى أن يُعينَنا للحفاظ على ما ورثناه عن الإمام الإبراهيمي من مبادئ وقيم ومثل، التي يجمعها شعارُ جمعية العلماء الخالد: "الإسلام ديننا؛ العربية لغتنا؛ الجزائر وطننا". محمد الهادي الحسني البليدة (الجزائر)، ٦ نوفمبر ١٩٩٦

стр. 1896

في مصر (نوفمبر ١٩٥٤ - مارس ١٩٥٦) ــ

стр. 1897

نداء إلى الشعب الجزائري المجاهد: * نعيدكم بالله أن تتراجعوا ... ــ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أيها المسلمون الجزائريون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله وأحياكم، وأحيا بكم الجزائر، وجعل منكم نورًا يمشي من بين يديها ومن خلفها. هذا هو الصوت الذي يُسمع الآذان الصم، وهذا هو الدواء الذي يفتح الأعين المغمضة، وهذه هي اللغة التي تنفذ معانيها إلى الأذهان البليدة، وهذا هو المنطلق الذي يقوم القلوب الغلف، وهذا هو الشعاع الذي يخترق الحجب والأوهام. كان العالم يسمع ببلايا الاستعمار الفرنسي لدياركم، فيعجب كيف لم تثوروا، وكان يسمع أنينكم وتوجعكم منه، فيعجب كيف تؤثرون هذا الموت البطيء على الموت العاجل المريح، وكانت فرنسا تسوق شبابكم إلى المجازر البشرية، في الحروب الاستعمارية، فتموت عشرات الآلاف منكم في غير شرف ولا محمدة، بل في سبيل فرنسا، وتوسيع ممالكها، وحماية ديارها، ولو أن تلك العشرات من الآلاف من أبنائنا ماتوا في سبيل الجزائر، لماتوا شهداء وكنتم بهم سعداء. أيها الإخوة الجزائريون: اذكروا غدر الاستعمار ومماطلته. احتلت فرنسا وطنكم منذ قرن وربع قرن، وشهد لكم التاريخ بأنكم قاومتموها مقاومة الأبطال، وثرتم عليها مجتمعين ومتفرقين، نصف هذه المدة.

стр. 1898

فما رعت في حربها لكم دينًا ولا عهدًا، ولا قانونًا ولا إنسانية، بل ارتكبت كل أساليب الوحشية، من تقتيل النساء والأطفال والمرضى، وتحريق القبائل كاملة، بديارها وحيواناتها وأقواتها. ثم حاربتم معها وفي صفها، وفي سبيل بقائها نصف هذه المدة، ففتحت بأبنائكم الأوطان وقهرت بهم أعداءها، ورحمت بهم وطنها الأصلي، فما رعت لكم جميلًا، ولا كافأتكم بجميل، بل كانت تنتصر بكم، ثم تخذلكم، وتحيا بأبنائكم، ثم تقتلكم، كما وقع لكم معها في شهر مايو سنة ١٩٤٥، وما كانت قيمة أبنائكم الذين ماتوا في سبيلها، وجلبوا لها النصر، إلّا أنها نقشت أسماء بعضهم في الأنصاب التذكارية، فهل هذا هو الجزاء؟ طالبتموها بلسان الحق، والعدل، والقانون، والإنسانية، من أربعين سنة، بأن ترفق بكم، وتنفس عنكم الخناق قليلًا، فما استجابت. ثم طالبتموها بأن ترد عليكم بعض حقوقكم الآدمية، فما رضيت. ثم طالبتموها بحقكم الطبيعي، يقركم عليه كل إنسان، وهو إرجاع أوقافكم ومعابدكم وجميع متعلقات دينكم، فأغلقت آذانها في إصرار وعتوّ. ثم ساومتموها على حقوقكم السياسية بدماء أبنائكم الغالية التي سالت في سبيل نصرها، فعميت عيونها عن هذا الحق الذي يقرره حتى دستورها، ثم هي في هذه المراحل كلها، سائرة في معاملتكم من فظيع إلى أفظع. أيها الإخوة الجزائريون الأبطال: لم تبقِ لكم فرنسا شيئًا تخافون عليه، أو تدارونها لأجله، ولم تبقِ لكم خيطًا من الأمل تتعللون به. أتخافون على أعراضكم وقد انتهكتها؟ أم تخافون على الحرمة وقد استباحتها. لقد تركتكم فقراء تلتمسون قوت اليوم فلا تجدونه؟ أم تخافون على الأرض وخيراتها، وقد أصبحتم فيها غرباء حفاة عراة جياعًا، أسْعَدُكُم من يعمل فيها رقيقًا زراعيًّا يباع معها ويُشْتَرى، وحظكم من خيرات بلادكم النظر بالعين والحسرة في النفس؟ أم تخافون على القصور، وتسعة أعشاركم يأوون إلى الغيران كالحشرات والزواحف؟ أم تخافون على الدين؟ ويا ويلكم من الدين الذي لم تجاهدوا في سبيله، ويا ويل فرنسا من الإسلام: ابتلعت أوقافه وهدمت مساجده، وأذلت رجاله، واستعبدت أهله، ومحت آثاره من الأرض، وهي تجهد في محو آثاره من النفوس. أيها الإخوة المسلمون: إن التراجع معناه الفناء. إن فرنسا لم تبقِ لكم دينًا ولا دنيا، وكل إنسان في هذا الوجود البشري إنما يعيش لدين ويحيا بدنيا، فإذا فقدهما فبطن الأرض خير له من ظهرها.

стр. 1899

وإنها سارت بكم من دركة إلى دركة، حتى أصبحت تتحكم في عقائدكم وشعائركم وضمائركم، فالصلاة على هواها لا على هواكم، والحج بيدها لا بأيديكم، والصوم برؤيتها لا برؤيتكم، وقد قرأتم وسمعتم من رجالها المسؤولين عزمها على إحداث (إسلام جزائري) ومعناه إسلام ممسوخ، مقطوع الصلة بمنبعه في الشرق وبأهله من الشرقيين. إن الرضى بسلب الأموال قد ينافي الهمة والرجولة، أما الرضى بسلب الدين والاعتداء عليه فإنه يخالف الدين، والرضى به كفر بالله وتعطيل للقرآن. إنكم في نظر العالم العاقل المنصف لم تثوروا، وإنما أثارتكم فرنسا بظلمها الشنيع وعُتُوِّها الطاغي، واستعبادها الفظيع لكم قرنًا وربع قرن، وامتهانها لشرفكم وكرامتكم، وتعديها المريع على مقدساتكم. إن أقل القليل مما وقع على رؤوسكم من بلاء الاستعمار الفرنسي يوجب عليكم الثورة عليه، من زمان بعيد، ولكنكم صبرتم، ورجوتم من الصخرة أن تلين، فطمعتم في المحال، وقد قمتم الآن قومة المسلم الحر الأبي فنعيذكم بالله وبالإسلام أن تتراجعوا أو تنكصوا على أعقابكم. إن التراجع معناه الفناء الأبدي والذل السرمدي. إن شريعة فرنسا أنها تأخذ البريء بذنب المجرم، وأنها تنظر إليكم مسالمين أو ثائرين نظرة واحدة، وهي أنها عدو لكم وأنكم عدو لها. ووالله لو سألتموها ألف سنة، لما تغيرت نظريتها العدائية لكم، وهي بذلك مصممة على محوكم، ومحو دينكم وعروبتكم، وجميع مقوماتكم. إنكم مع فرنسا في موقف لا خيار فيه، ونهايته الموت، فاختاروا ميتة الشرف على حياة العبودية التي هي شر من الموت. إنكم كتبتم البسملة بالدماء، في صفحة الجهاد الطويلة العريضة، فاملأوها بآيات البطولة التي هي شعاركم في التاريخ، وهي إرث العروبة والإسلام فيكم. ما كان للمسلم أن يخاف الموت، وهو يعلم أنها كتاب مؤجل، وما كان للمسلم أن يبخل بماله أو بمهجته، في سبيل الله، والانتصار لدينه، وهو يعلم أنها قربة إلى الله وما كان له أن يرضى الدنية في دينه، إذا رضيها في دنياه. أخلصوا العمل وأخلصوا بصائركم في الله واذكروا دائمًا، وفي جميع أعمالكم، ما دعاكم إليه القرآن من الصبر في سبيل الحق، ومن بذل المهج والأموال في سبيل الدين، واذكروا قبل ذلك كله قول الله ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقول الله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

стр. 1900

أيها الإخوة الأحرار: هلموا إلى الكفاح المسلح. إننا كلما ذكرنا ما فعلت فرنسا بالدين الإسلامي في الجزائر، وذكرنا فظائعها في معاملة المسلمين، لا لشيء إلّا لأنهم مسلمون، كلما ذكرنا ذلك احتقرنا أنفسنا واحتقرنا المسلمين، وخجلنا من الله أن يرانا ويراهم مقصرين في الجهاد لإعلاء كلمته، وكلما استعرضنا الواجبات وجدنا أوجبها وألزمها في أعناقنا، إنما هو الكفاح المسلح فهو الذي يسقط علينا الواجب، ويدفع عنا وعن ديننا العار، فسيروا على بركة الله، وبعونه وتوفيقه، إلى ميدان الكفاح المسلح، فهو السبيل الواحد إلى إحدى الحسنيين: إما موت وراءه الجنة، وإما حياة وراءها العزة والكرامة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة محمد البشير الإبراهيمي الفضيل الورتلاني القاهرة ١٥ نوفمبر ١٩٥٤

стр. 1901

مبادئ الثورة في الجزائر بيان من مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة * ــ أذاعت عدة محطات عالمية في الليلة البارحة أن لهيب ثورة اندلع في عدة جهات من القطر الجزائري، وَسَمَّتْ عدة بلدان من وطننا العزيز بعضها صحيح اللفظ، وبعضها محرف، ولكننا عرفناها ولو من لحن القول، لأنها أفلاذ من ذلك الوطن العزيز الذي لا نسلوه ولو سلا المجنون ليلاه، لأننا درجنا على ثراه من نوط التمائم، إلى لوث العمائم، وستختلط مع ثراه أعظمنا الرمائم. ثم قرأنا في جرائد اليوم بعض تفصيل لما أجملته الإذاعات، فخفقت القلوب لذكرى الجهاد الذي لو قسمت فرائضه لكان للجزائر منه حظان بالفرض والتعصيب، واهتزت النفوس طربًا لهذه البداية التي سيكون لها ما بعدها، ثم طرقنا طارق الأسى لأن تكون تلك الشجاعة التي هي مضرب المثل لا يظاهرها سلاح، وتلك الجموع التي هي روق الأمل لا يقودها سلاح. إن اللحن الذي يشجي الجزائري هو قعقعة الحديد في معمعة الوغى، وإن الرائحة التي تعطر مشامه هي رائحة هذه المادة التي يسمونها البارود. أما نحن المغتربين عن الجزائر فوالله لكأنما حملت إلينا الرياح الغربية- حين سمعنا الخبر- روائح الدم زكية، فشارك الشم الذي نشق السمع الذي سمع والبصر الذي قرأ، فيتألق من ذلك إحساس مشبوب يصيّرنا- ونحن في القاهرة- وكأننا في مواقع النار من خنشلة وباتنة. هذه بوادر الانفجار الذي يؤدي إليه الضغط، على كلّ واع في الأرض إلّا فرنسا، وهذا هو الحرف الأول من أبجدية أطول من الأبجدية الصينية مما تنطوي عليه نفس الجزائري

стр. 1902

لفرنسا من غل وحقد وبغضاء، ومَنْ غرس الحنظل جنى المر، فقد غرست فرنسا أسباب هذه المعاني في نفسه، ثم عاملته معاملة لا يعامل الحيوان الأعجم بعشر معشارها، في حقبة من الزمن تمتد إلى مائة وأربع وعشرين سنة. وهذه عواقب السياسة البليدة التي تسوس بها فرنسا شمال أفريقيا في هذا الزمن الذي تحرك ما فيه حتى الحجر، وثارت فيه كل الشعوب المظلومة تنتصر لنفسها من ظلم الطغاة، فلم تتعظ فرنسا بشيء من ذلك، ولم توقظها النذر المتلاحقة والحروب الماحقة، ولا ذكرت أمسها القريب حين أحاطت بها خطيئاتها وأوبقتها جرائرها فسقطت فريسة تحت أرجل عدوها في مثل فواق الحالب. ووالله لو أن فرنسا أبقت في قلوبنا مثقال ذرة من الرحمة لها، لأشفقنا عليها من هذا الإفلاس الذي أصابها في رأس مالِها من مال ورجال ورأي وفكر، حتى لو أن قائلًا قال لها: إن اليوم غير الأمس، لحاولت من عنادها أن ترد الشمس. تأجج اللهيب بتونس فقلنا: هذا نذير من النذر الأولى، وعسى أن تكون لفرنسا فيه عبرة، وتأجج في مراكش، فقلنا: عسى أن يكون لها فيه مزدجر، وها هو ذا يتأجج في الجزائر، ولو كانت فرنسا على بقية من كياس وعقل لجارت تيار الزمن ولم تعاكسه ولضمنت لنفسها البقاء مع الناس، ولو بضع سنين، فأما الدوام مع الظلم فلا مطمع فيه، وإن كانت في ريب من تحول الأحوال فلتسأل رفات أمها روما .... ولكن الذي علمناه من احتكاكنا بهذه المخلوقة العجيبة ودرسناه من أهوائها وطبائعها أنها لا تصدر عن عقل، ولا تَرِدُ على بصيرة، وأنها لا ترضى المشاركة في الحياة وأن القاعدة التي تبني عليها أمرها هي: إما ربح كامل، وإما خسار شامل، وأن حياتها مشروطة بموت غيرها، وعليه فلماذا تلوم الناس إذا اعتقدوا أن حياتهم مشروطة بموتها؟ الشمال الأفريقي قطع متجاورات من إرث العروبة والإسلام، اجتمعت في كل شيء وهو من صنع الله، واجتمعت في شيء واحد من عقل الشيطان وهو الاستعمار الفرنسي، فإذا اجتمعت اليوم في الثورة على ظلم فرنسا وطغيانها، فلعل هذا هو آخر الجوامع الإلهية التي تغض بها إلى أولها، كما تغض الحلقة الأخيرة من السلسلة المفصومة إلى الحلقة فإذا هي دائرة ... ومن صنع الله للأمم الضعيفة حينما يهيّئُها لأن تكون من الأئمة الوارثين أن يخلف فيها من الاستعدادات ما لم يكن فهو كائن، فكيف بالأمة التي أعطاها كل شيء، فملكت بالعدل وساست بالإحسان، وسارت على نور الحق، ثم زاغت عن صراطه قليلًا فتخلى عنها قليلًا، وها هي ترجع إليه قليلًا، وتسير إلى مرضاته دبيبًا، وتغيّر ما بنفسها عسى أن يغير حكمه عليها.

стр. 1903

إن أعداءنا الأقوياء بالأمس هم اليوم ضعفاء، وقد أصبحوا يلوذون بأكناف الأقوياء لذلك نراهم في هلع دائم يحسبون كل صيحة عليهم، يتقاوون وهم يتهاوون، وعلامة ضعف الضعيف أن يكثر الحديث عن قوته وَيُدِلّ بها على الضعفاء وأن يكثر اهتمامه بما يقوله الناس فيه، وأن يغضب للهمة واللحظة لا غضب الكبرياء المقرون بالتحدي، ولكن غضب الضعف المقرون بالشكوى، وهكذا يفعل الفرنسيون اليوم. ولقد صاح الرئيس جمال عبد الناصر بالأمس صيحة وهتف بالجزائر التي هي قطعة ثمينة من وطنه العربي الأكبر، فثارت ثائرة الفرنسيين ولم يجدوا منطقًا تؤيده الحجة ولا حجة يثبتها المنطق إلّا قولهم إن الجزائر قطعة من فرنسا، وهي أغنية بلهاء ليس فيها ذوق ولا انسجام. تعوز هذه الحركات المتأججة في المغرب العربي- وهي سائرة إلى الالتحام والانسجام- لفتات صادقة من حكومات الشرق العربي بالإمداد والتشجيع، فإن أخشى ما نخشاه على هذه الحركات أن تشتعل ثم تنطفئ لعدم الوقود. ولو أن أغنياءنا في هذا الشرق - ممن ينفقون الملايين على شهواتهم الشخصية- أنفقوا بعض ذلك في سبيل إخوانهم المعذبين لتحررت أرض المغرب كلها ومعها فلسطين. إن هذه البوارق التي لاحت في جو مصر من تصريحات الرئيس جمال عبد الناصر ومن رجال الثورة ستتبعها صواعق تنقض على الاستعمار الفرنسي، فتدكه دكّا، وإننا واثقون بأنها لا تضيع هباء في الهواء، معتقدون أن لكل كلمة من تلك الكلمات موقعًا مكينًا من كل نفس من إخوانهم في المغرب العربي. إن فرنسا ابتلعت أجزاء الوطن الواحد على ثلاث لقم، ثم أوهمتنا وأوهمت العالم أن هذه العملية لا تسمى ابتلاعًا، وإنما هي تكييف كيماوي تصبح به أمة متمدنة، وكذبها الله وكذبها طبع السوء فيها فكنا في حشاها أشواكا تخزّ وأوجاعًا تؤلم، فإذا هدأ الوخز والإيلام فإنما هي هدأة عارضة ثم تعود وستلفظنا مكرهة عند الحشرجة الأخيرة من حياتها، وسنكون سبب موتها. عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة محمد البشير الإبراهيمي والفضيل الورتلاني

стр. 1904

أوسع المعلومات عن بداية الثورة في الجزائر * بيان مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة ــ انفجر بركان الثورة المباركة في الجزائر ليلة اليوم الأول من نوفمبر الحالي وقد كنا نحن الجزائريين الموجودين خارج الجزائر نترقب هذه الثورة ونتوقعها، نترقبها لأنها الأمل الوحيد في تحريرنا من العسف الفرنسي الذي لا يعرفه إلّا من ابتلي به، ونتوقعها لأن هذا هو وقتها، ولأن فرنسا لا تفهم إلّا هذه اللغة ولا يفتح آذانها إلّا هذا الصوت. ومضى على الثورة عشرة أيام ونحن نحترق شوقًا إلى الاطلاع على حقيقة ما يجري هناك، وكيف ابتدأت الثورة؟ وما هي العناصر التي قامت بها؟ وبأية صبغة تصطبغ؟ وإلى أي اتجاه تتجه؟ وهل انتشرت؟ حتى نبني على مقدماتها الصحيحة نتائج صحيحة. ونستطيع أن نتحدث عليها بالصدق ونصفها لإخواننا الذين لا يعرفون الجزائر، ونصورها بصورتها الحقيقية من غير مبالغة نغرهم بها، ولا تقصير يثبط العزائم، وحتى نغذيها بما نستطيع من وقود روحي أو مادي، إذ لا يستطيع العاقل أن يتحدث عن شيء يجهل تفاصيله وإن كان يعرف أسبابه. لبثنا هذه المدة نتلقى الأخبار من محطات الإذاعات العالمية، ومن الجرائد المحلية المستقية من وكالات الأنباء، ولكنها لا تشفي غليلًا في هذا الباب، وقد توقعنا في الضليل حينما تذكر أسماء القرى والأماكن محرفة بسبب الترجمة، وأن استنتاجنا نحن الجزائريين العارفين بأجزاء وطننا لا يكون صحيحًا مفيدًا إلّا إذا عرفنا أسماء الأماكن والقرى صحيحة الألفاظ لنستخرج الفائدة من شلل المواقع والمسافات بينهما من التشابه في الخصائص، بحيث تكون طبائعها التكوينية تتعاضد على ما ينفع الثورة، ويدفعها إلى الدوام والانتشار.

стр. 1905

واليوم وصلنا العدد رقم ٢٩٢ من جريدة «البصائر» لسان حال جمعية العلماء الجزائريين المؤرخ بيوم الجمعة ٩ ربيع الأول سنة ١٣٧٤ الموافق ٥ نوفمبر سنة ١٩٥٤ وهو أول عدد يصلنا بعد الثورة. وفي افتتاحيته سرد مرتب للحوادث التي حدثت في ساعة واحدة من الليلة الأولى للثورة، ففهمنا من هذا السرد المجرد من التعاليق أشياء كثيرة منها أن وقوع عدة حوادث في لحظة واحدة يشهد بحسن التدبير والنظام والإحكام، ومنها أن الثورة شعبية غير متأثرة بالتأثرات الحزبية، ومنها أن طابعها عسكري حازم، عارف بمواقع التأثير. وها نحن أولاء ننشر جدول الحوادث التي وقعت في ظرف ست ساعات من ليلة واحدة، نقلًا عن العدد المذكور من «البصائر»، وقد استندت فيه إلى شهادة المعاينة، وإلى الرسميات: ـ[حوادث الليلة الليلاء]ـ ... ليلة ١ نوفمبرسنة ١٩٥٤ ما نصّه بالحرف: "فوجئت البلاد الجزائرية بعدد عظيم من الحوادث المزعجة، وقعت كلها ما بين الساعة الواحدة والساعة الخامسة من صبيحة الاثنين غرة نوفمبر، وهو عيد ذكرى الأموات (عند المسيحيين) ولقد بلغ عدد تلك الحوادث ما يزيد عن الثلاثين، ما بين الحدود التونسية وشرقي عمالة وهران، إلّا أن عمالة قسنطينة وخاصة جهاتها الجنويية كانت صاحبة المقام الأول فيها وكادت تتركز الحوادث في جهات جبال أوراس، في خط يسير من باتنة إلى خنشلة، ثم يشمل الجنوب. وتلي عمالة قسنطينة بعض جهات العمالة الجزائرية، كبلاد القبائل والعاصمة الجزائرية وبوفاريك. إننا إلى حدّ هذه الساعة لا نملك التفاصيل المقنعة عن هذه الحوادث وأسبابها، وليس بين أيدينا إلّا ما تناقلته الصحف وشركات الأخبار (١)، فلا نستطيع أن نعلق عليها أدنى تعليق، إلى أن تتبين لنا طريق الصواب، فليس من شأن «البصائر» أن تتسرع في مثل هذه المواطن. لكننا، من جهة أخرى، رأينا أنه لا يمكن أن يخلو هذا العدد من جريدتنا من ذكر هذه الحوادث التي تناقلت صحف العالم بأسره تفاصيلها، فقررنا الاكتفاء بذكر أهمها، تاركين للزمن كشف الحقائق عن أسرارها، ولسوف نتتبع ذلك بغاية الدقة والاهتمام.

стр. 1906

مدينة الجزائر: انفجرت قنبلة من الصنع المحلي أمام بوابة راديو "الجزائر" فاحدثت به أضرارًا، وقد وجدت قنبلتان لم تنفجرا. ووقعت محاولات إحراق مستودع زيت الوقود الذي يملكه مسيو موري، والذي يخزن ثمانية أطنان من البترول في شارع دينا، ولقد تنبه الحرس وأطفئت النيران ولم تقع الكارثة. في مدينة بوفاريك: انفجرت قنبلة في مستودع خزن الفواكه، فاحترق المستودع الذي تبلغ قيمته خمسة ملايين وأحرقت الصناديق الخشبية المعدة للتصدير، وقيمتها ٢٥ مليونًا. في بابا علي: وقع إحراق معمل الورق وتمكنت فرق المطافئ بعد جهد جهيد من إخماد النيران. في مدينة العزازقة: وقعت مهاجمة دار الجندرمة (٢) ورميت بسبع وأربعين رصاصة تبين أنها من رصاص البنادق الطليانية صنع سنة ١٩٤٦. وفي الوقت نفسه وقع إشعال النار في مستودع البهش (٣) (قشر الفرنان) الذي تملكه إدارة الغابات والمياه، فكانت الخسائر به عظيمة جدًا، والتهمته النيران، وبلغت قيمة الخسائر نحو الخمسين مليونًا. ولقد حطمت في ذلك الوقت أعمدة الأسلاك التابعة لإدارة البريد فأصبحت المدينة في عزلة تامة. في بقية بلاد القبائل الكبرى، وحول مدن وقرى: بوغني- دلس- بوبراق- برج منايل- وغيرها وقع تحطيم وإتلاف أعمدة الأسلاك التليفونية. في ذراع الميزان: وقع التحام قتل فيه أحد حراس الغابة. في تيزي نتليته قتل أحد حراس الغابة أيضا. إلى غير ذلك من مثل هذه الحوادث في عدة قرى ببلاد القبائل. في عمالة وهران: وقعت محاولة تحطيم المولد الكهربائي في وليس، لكن العملية لم تسفر عن خسائر. في جهة كسان: وقعت مهاجمة ضيعة أحد المستعمرين، وجرح أحد الحراس، والتجأ أحد أصحاب الضيعة إلى دار الجندرمة، لكنه لم يكد يصلها حتى أصابته رصاصة أردته قتيلًا. ووقعت مهاجمة دار الجندرمة فجرح أحد حراسها الليليين. في عمالة قسنطينة: كانت الحوادث كثيرة، وخاصة في شرقها وجنوبها.

стр. 1907

وفي خنشلة: وقعت مهاجمة إدارة الحوز الممتزج (٤)، وكوميسارية (٣) البوليس كما وقعت مهاجمة رجال العسكرية، ووقع تحطيم الخزان الكهربائي، وقتل ثلاثة من رجال الجيش. وسحبت السلطة من المنطقة حراس الغابة والسواحين، ثم احتلت فرقتان عسكريتان أريس ورفعت عنها الحصار. وأعلنت حالة الحصار في كامل تلك الجهة وباتنة وبسكرة وخنشلة، ومنع التجول إبتداء من الساعة الثامنة. وقطعت الأسلاك البرقية على طريق أريس. في بسكرة: وقع تفجير قنبلة أمام المعمل الكهربائي، كما انفجرت قنابل أخرى أمام الثكنة العسكرية، وأمام الكوميسارية، وفي محطة السكة الحديدية، ولقد جرح أحد رجال البوليس كما جرح أحد الحراس. أما الطريق بين بسكرة وأريس فقد منع التجول بها، وأخذت طائرة عسكرية تحوم حول كامل تلك الجهات. ولقد أرغم رجال مسلحون عربة نقل كبيرة على الوقوف وأنزلوا ركابها واختاروا منهم ثلاثة ثم أمروا الباقين بالرجوع إلى مقاعدهم. أما الثلاثة فهم قائد مْشُونَشْ، ومعلم فرنسي وزوجته- لم يمضى على زواجهما أكثر من شهرين- فقد أطلقوا عليهم الرصاص، فمات القائد والمعلم وجرحت زوجته جراحًا خطيرة، وهي الآن في مستشفى أرّيسْ. في الأوراس: وهي المنطقة الجبلية الوعرة الشاسعة، وقعت عدة حوادث في شتى الجهات، وكان الرجال المسلحون يباشرون العمليات ثم ينسحبون إلى الجبال ويدمرون وراءهم الجسور، ولقد قتل واحد منهم وجرح آخرون، وحاولوا الاستيلاء على منجم ايشمول، لكنهم انسحبوا بعد معركة عنيفة أطلقت خلالها ستمائة طلقة نارية. وحوصرت مدينة (أرّيسْ) المركزلة في الأوراس من طرف الرجال المسلحين. في باتنة: وقع إطلاق الرصاص بقوة مدى ساعة من الزمن، كان يسمع على مسافة كيلومترين من المدينة، وهوجمت ثكنة فرقة الشاسور (٦) فقتل بها جنديان، واكتشفت قنبلة في مستودع التنكات، لكنها لم تنفجر.

стр. 1908

في الخروب: وقع إطلاق القذائف النارية على حارس مستودع الوقود العسكري، لكنه لم يصب بسوء. في السمندو: وقعت مهاجمة دار الجندرمة وكسر بابها الخارجي، وأطلق الرصاص على من بداخلها. واسفرت كامل هذه الحوادث عن سبعة من القتلى، وعدد من الجرحى لم يعرف بعد. هذه خلاصة وجيزة عن الأعمال التي وقعت يوم الاثنين، لخصناها بغاية الدقة عن الصحف الفرنسية، ولربما عدنا إليها في مستقبل الأيام بشيء من الإطناب، إن اقتضى الحال ذلك. ولقد قابلت الحكومة (٧) هذه الحوادث بتجهيز كامل قواها العسكرية، واستنجدت بفرنسا فأمدتها سريعًا بثلاث من فرق المظلات، وسلحت البوليس وشددت الحراسة في المدن والقرى حول الإدارات والجسور وغيرها، ثم ألقت القبض، يومي الإثنين والثلاثاء، على جماعات مختلفة في عدة مدن. ولقد عقد الوالي العام ندوة صحفية تكلم فيها عن هذه الحوادث، فقال إنها حوادث أمليت إملاء من الخارج، واستشهد طويلًا بأقوال مذياع "صوت العرب" من القاهرة، وقال إن الذين دبّروا هذه الحوادث ونفذوها، يريدون أن يتخذوا منها حجة لدى هيئة الأمم المتحدة لتفنيد ما تقوله فرنسا من أن الأمن مستتب بالقطر الجزائري. أما الصحف الفرنسية فقد انقسمت إلى قسمين، سواء بالجزائر أو بالبلاد الفرنسية، فالقسم الملي المتطرف ينادي بوجوب الزجر والبطش واستعمال الشدة لاستئصال جذور هذه الحركات، أما الصحافة الحرة والتقدمية والمنصفة، فتنادي بوجوب استئصال الداء بواسطة دراسة عادلة للوضعية الجزائرية وتحقيق العدل والإنصاف في سائر الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالمشاكل الكبرى لا تحل بالعنف والبطش والإرهاب، إنما تحل بالدراسة والمفاهمة الصريحة والرجوع إلى الحق". عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة محمد البشير الإبراهيمي والفضيل الورتلاني

стр. 1909

حول ثورة الجزائر والمغرب العربي * ثلاث صرخات ... ـ[الصرخة الأولى]ـ: موجّهة إلى ذات الآذان الصمّاء عن الحق، وعن عويل الباكين، فرنسا التي تتمارى بالنذر وتعمى عن الحقائق، وتكفر بسنن الله في أمثالها من الظالمين، وتسجد للأقوياء، وتتألّه على الضعفاء. هذه نتيجة سياستك البليدة، وهذا جني غرسك الخبيث. زرعت الحنظل فتجرعي مرارته، وحاربت الله في دينه، ومحارب الله محروب، فأخزاك في جميع المواقف، ورماك بالإفلاس في المال والرجال والرأي والسياسة. حاولت أن تقطعي ما وصل الله من أجزاء الشمال الافريقي، وأن لا تجمعيها إلا في بلاياك ومصائبك، فكان ظلمك أكبر جامع لشملها، وأعظم موحّد لها في بغضك، ثم في الثورة عليك، ويا ويحك إذا انفجرت عليك موجات الغضب من القلوب المملوءة حقدًا عليك، والصدور التي ضاقت بظلمك وطغيانك، وقد رأيت وسترين ما يقضّ مضجعك. ابتلعت المغرب العربي قطعة قطعة، وستخرجين منه دفعة واحدة بإذن الله. وـ[الصرخة الثانية]ـ: موجّهة إلى أبناء المغرب العربي كلهم: اعلموا أيها المواطنون الأحرار، أن مهر الحرية غال، وأنه لا ينقد إلا دماء تراق، ونفوسًا تزهق، فوطّنوا أنفسكم على تحمّل الشدائد والمكاره، وإن وطنكم عزيز فادفعوا في تحريره الثمن الباهظ. إنكم قمتم بواجب لا يقبل منكم أداؤه إلا بالمحبة وطهارة القلوب، واقتحمتم ميدانًا لا تنتصرون فيه إلا بالاتحاد وجمع الكلمة، وتسوية الصفوف، وتنظيم الخطط، والصبر على

стр. 1910

البلاء في الأنفس والأموال، لأن كل بلاء يصيبكم في هذا السبيل فبلاء الاستعمار البغيض أشدّ منه وأنكى. أيها الأحرار: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وـ[الصرخة الثالثة]ـ: موجّهة إلى الشعوب العربية وحكوماتها: يا أبناء العمومة: إن هذه الشعوب الثائرة في تونس والجزائر ومراكش، هم إخوانكم، وأجزاء من جسمكم، ونصف عددكم، والقطع الخصيبة من وطنكم، والسهام الرابحة من رأس مالكم، وقد ابتلاهم الله باستعمار منهوم، لم يترك لهم درهمًا في جيب، ولا ريشة في جناح، ولا عقلًا في دماغ، فإذا ثاروا اليوم فإنما يثورون لشرف هو شرفكم، وكرامة هي كرامتكم، فالآن وجب حق الأخ على أخيه، من إسعاف يشدّ العزيمة ونجدة تقوّي الأمل، وأن عدوّهم هو عدوّكم، لم تجدوه دائمًا إلا في مواطن الخذلان لكم، وجلب الشر إليكم، وكفى بموقفه منكم في قضية فلسطين. إن المجاملات لا تنفع مع هؤلاء المتألّهين، فأروهم من أنفسكم القوة والمعاملة بالمثل يحترموكم. أنتم قادرون إن شاء الله على نجدة إخوانكم في موقفهم الفاصل، الذين هم فيه، وعارفون بوجوه النجدة، ولا تحتاجون- بحمد الله- إلى من يعرفكم بواجب، أو يدلّكم على كيفية أدائه، وإنما نحن مذكرون متألمون، وذكرى المتألم تنفع المؤمنين.

стр. 1911

إلى الثائرين الأبطال من أبناء الجزائر والمغرب العربي * اليوم حياة أو موت: بقاء أو فناء ــ حيّاكم الله أيها الثائرون الأبطال وبارك في جهادكم وأمدكم بنصره وتوفيقه وكتب ميتكم في الشهداء الأبرار وحيّكم في عباده الأحرار. لقد أثبتم بثورتكم المقدسة هذه عدة حقائق: الأولى: أنكم سفهتم دعوى فرنسا المفترية التي تزعم أن الجزائر راضية مطمئنة فأريتموها أن الرضى بالاستعمار كفر وأن الاطمئنان لحكمها ذل، وأن الثورة على ظلمها فرض. الثانية: أنكم شددتم عضد إخوانكم المجاهدين في تونس ومراكش، وقويتم آمالهم في النصر، وثبتم عزائمهم في النضال، وقد كان من حقهم الثابت أن ينتظروا هذه النجدة منكم فجئتم بها في وقتها وكفَّرْتُم عن التقصير بهذه المباغتة المفزعة لعدوّكم. الثالثة: أنكم وصلتم بثورتكم هذه حلقات الجهاد ضد المعتدين الظالمين، الذي كان طبيعة ذاتية في الجزائري منذ كان، وكشفتم عن حقيقته الرائعة في إباء الضيم والموت في سبيل العزة وجلوتم عن نفسيته الجبارة ما علق بها في السنين الأخيرة من صدإ الفتور. الرابعة: أنكم بيّضتم وجوهًا وأقررتم عيونًا، وسررتم نفوسًا، مملوءة بحبكم معجبة بصفاتكم القديمة في الجهاد، راثية لحالتكم الغابرة. أيها المجاهدون الأحرار: إن فرنسا لم تترك لكم دينًا ولا دنيا: فأوقافكم مصادرة لم يبق منها أثر ولا عين، ومساجدكم حولت إلى كنائس ومرافق عامة، وأرضكم الغنية مغصوبة، وأعراضكم

стр. 1912

مستباحة، وكرامتكم مهدورة، وقد أراقت فرنسا من دماء أبنائكم أنهرًا في الحروب الاستعمارية والإجرامية، ولا تزال حتى الآن تطمع في تسخير الملايين منكم لإذلال الأحرار من أمثالكم، كما فعلت في مدغشقر والهند الصينية، ولا تزال تساوم بكم وبخيرات أرضكم الدول الكبرى لمصالحها، كأنكم ضرب من البضاعة، ولقد عرفنا من خبث فرنسا ما يحملنا على الاعتقاد بأن ما تنويه من غدر وما تخفيه من حقد أعظم من أن يوصف فانتبهوا أشدّ الانتباه. أيها الأحرار الجزائريون، أيها المكافحون في جميع أقطار المغرب العربي: اعلموا أن الجهاد للخلاص من هذا الاستعباد قد أصبح اليوم واجبًا عامًا مقدّسًا، فرضه عليكم دينكم وفرضته قوميتكم، وفرضته رجولتكم، وفرضه ظلم الاستعمار الغاشم الذي شملكم، ثم فرضته أخيرًا مصلحة بقائكم لأنكم اليوم أمام أمرين: إما حياة أو موت، إما بقاء كريم أو فناء شريف.

стр. 1913

من جمعية العلماء الجزائريين إلى القائدين عبد الناصر والسادات * ___ السيد الرئيس جمال عبد الناصر والسيد الوزير أنور السادات ــ بمناسبه الجهاد الذي يقوم به إخواننا الجزائريون ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم، دلّل رجال الثورة في مصر من جديد على مروءتهم الكاملة، وعلى وفائهم الدائم لإخوانهم الأحرار المكافحين في المغرب العربي، فلقد كان أول صوت ارتفع عاليًا مُدوّيًا بعد اندلاع الثورة الجزائرية هو صوت الرئيس جمال عبد الناصر في تصريحاته القوية المتزنة لجريدة "كارفور" الاستعمارية. والصوت الثاني هو صوت السيد القائم مقام أنور السادات وزير الدولة وسكرتير المؤتمر الإسلامي العام. وبهذه المناسبة أرسل السيدان البشير الإبراهيمي والفضيل الورتلاني يشكران القائدين العظيمين بالبرقيتين التاليتين: السيد الرئيس جمال عبد الناصر: شكرًا عميقًا لا نهاية لأثره، على تصريحاتكم العبقرية لجريدة "كارفور" الاستعمارية، وإن الجزائر والمغرب العربي في كفاحهم المرير ليحيون في سيادتكم مثال البطولة الفذّة ويأملون رعايتكم الكريمة، أبقاكم الله سندًا للمجاهدين الأحرار ومخيفًا للظالمين الأشرار. أما تهجمات فرنسا على مقامكم الكريم فقد أكسبتكم قلوب ثلاثين مليونًا من المغاربة ومئات الملايين من العرب والمسلمين، بل حتى الأوربيين المنصفين. السيد القائم مقام أنور السادات سكرتير المؤتمر الإسلامي العام بالقاهرة: شكرًا جزيلًا على كلمتكم العبقرية لجريدة "الجمهورية" عن شقيقتكم المكافحة وعن فرنسا أخبث شيطان.

стр. 1914

حيّاكم الله وزملاءكم القادة الأبرار وقوّى بكم جهاد الأحرار وأخاف بكم الظالمين الأشرار وبارك رعايتكم لإخوانكم باستمرار. عن مكتب جمعية العلماء الجزائريين بالقاهرة البشير الإبراهيمي والفضيل الورتلاني

стр. 1915

برقية إلى الملك سعود * حضرة صاحب الجلالة الملك سعود ملك المملكة العربية السعودية- الرياض. يا صاحب الجلالة: ما زلنا نعتقد أن جلالتكم أعلم الناس بالحركتين الإصلاحية السلفية، والثقافية العلمية العربية بالجزائر، وأعلم الناس بآثارهما الطيبة في الأمّة الجزائرية، وإنكم أكبر أنصارهما والمقدّرين لثمراتهما والعاملين على تغذيتهما والمرجوّين لاحتضانهما. ما زلنا نعتقد ذلك وندين لله به فصدّق الله ذلك بخطوتكم الجريئة في توصية مندوبكم في مجلس الجامعة العربية بإثارة القضية الثقافية العربية الإسلامية بالجزائر، ثم بأمركم الكريم له بعرض قضية الجزائر السياسية على مجلس الجامعة أيضًا ليقرّر عرضها على جمعية الأمم المتحدة باسم حكومة جلالتكم. تتبعنا هذه الأطوار باهتمام مصحوب بالاغتباط والسرور والدعاء لجلالتكم إلى أن قرأنا أن سفيركم بواشنطن تكلّم باسم جلالتكم في قضايا الجزائر الدينية والثقافية والسياسية كلامًا رسميًّا قوّيًا واضحًا جريئًا، عليه نور إيمانكم وعزيمتكم، وعليه سيماء انتصاركم للإسلام والعروبة. نحن على يقين من أنكم ما بدأتم إلا لتتمّوا، فاسمحوا لنا- يا صاحب الجلالة- أن نلفت نظر جلالتكم إلى أن من بين رجالات العرب رجلين متخصصين في الإلمام التام بشؤون الجزائر من جميع نواحيها مع الإخلاص والغيرة والجراءة، ومع الصدق في خدمة جلالتكم، وهما الأستاذ أحمد بك الشقيري والأستاذ عبد الرحمن عزام باشا، فإذا وافق نظركم السامي على أن تكلفوهما أو أحدهما بالاستعداد من الآن لمتابعة قضايا الجزائر والدفاع عنها باسم

стр. 1916

جلالتكم كعون وتعزيز لسفارتكم بواشنطن، إن رأيتم هذا ووافقتم عليه كنتم قد وضعتم القضية في يد محام بارع عالم بأدلتها وبراهينها، محيط بجزئياتها وكلياتها. ولكم النظر العالي في تفاصيل الموضوع وكيفياته. ونحن- على كل حال- نشكر جلالتكم باسم الأمّة الجزائرية السلفية المجاهدة، ونهنئها بما هيّأ الله لها من اهتمام جلالتكم بها وبقضاياها، ونعدّ هذا الاهتمام مفتاح سعادتها وخيرها، وآية عناية الله بها، وأولى الخطوات العملية لتحريرها. أيّدكم الله بنصره وتولّاكم برعايته، ونصر بكم الحق كما نصر بكم التوحيد، وجعلنا من جنوده في الحق. محمد البشير الإبراهيمي

стр. 1917

ميثاق جبهة تحرير الجزائر * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تداعى أبناء الجزائر المسؤولون المقيمون في مصر إلى مدارسة كل ما جرى ويجري في بلادهم من عدوان وتنكيل وتقتيل وتشريد، من جانب استعمار غاشم حقود. ولقد استقرّ رأيهم على الوثيقة التالية والتي وقّعها السادة: محمد البشير الإبراهيمي، أحمد مَزْغَنَّه، أحمد بيوض، محمد خيضر، الشاذلي مكي، الفضيل الورتلاني، حسين الأحول، أحمد بن بلّة، حسين آيت أحمد، محمد يزيد. في الجزائر العربية المسلمة، اليوم، كفاح مسلّح خطير، لأجل استرجاع سيادتها واستقلالها، دفعها إليه استعمار بغيض، تسلّط عليها بقوة الحديد والنار، واسترق خيراتها، وحاول طمس معالمها، وتحطيم كيانها، وجرّدها من كل حق في الحياة الحرّة العزيزة الكريمة، ضاربًا صفحًا عن تطور الزمن، وعن أن الاستعمار لم يعد في القرن العشرين أسلوبًا صالحًا للبقاء. ولقد كان من الطبيعي، والحالة هذه، أن تتوحّد جهود المسؤولين الجزائريين الموجودين في القاهرة الموقعين أسفله، وأن يكونوا يدًا واحدة في خدمة الجزائر، والكفاح في سبيل تحريرها واستقلالها مساندين بذلك جيش التحرير، وعاملين على إنجاح الحركة الثورية القومية القائمة الآن في الجزائر. ولقد اقتنع الجميع بما تضمنته هذه الديباجة، وقرّروا بالإجماع ما يأتي: ١ - يعتبر الشعب الجزائري، على اختلاف أفراده وهيئاته- فيما يختص بالكفاح الرهيب- كتلة واحدة هي الأمّة الجزائرية. ومن شذّ شذّ في النار.

стр. 1918

٢ - تسمّى الهيئة المنضوي تحت لوائها أبناء الجزائر المسؤولون المقيمون في القاهرة "جبهة تحرير الجزائر". ٣ - تعمل الجبهة لتحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي ومن كل سيطرة أجنبية، مستعملة كل الوسائل الممكنة لتحقيق أهدافها. ٤ - الجزائر عربية الجنس، مسلمة العقيدة، فهي بالإسلام والعروبة كانت، وعلى الإسلام والعروبة تعيش. وهي في ذلك تحترم سائر الأديان، والمعتقدات والأجناس، وتشهّر بسائر النظم العنصرية الاستعمارية. ٥ - الجزائر جزء لا يتجزّأ من المغرب العربي، الذي هو جزء من العالم العربي الكبير، وان اتجاهها إلى العروبة، وتعاونها مع الشعوب، والحكومات، والجامعة العربية أمر طبيعي. ٦ - الإيمان بوجوب توحيد الكفاح بين أقطار المغرب العربي الثلاثة: تونس، الجزائر، مراكش. ٧ - جبهة تحرير الجزائر مستعدة من الآن لتندمج في هيئة أجمع وأشمل للأقطار المغربية الثلاثة بنظام يوضع، ومسؤوليات تحدّد. وتهيب بالقائمين على الحركات التحريرية في كل من تونس ومراكش أن يضعوا أيديهم في يدها، وأن يعملوا معها على تأسيس هيئة تنتظم الجميع. ٨ - تنتهز الجبهة هذه الفرصة لتبعث بتحياتها الأخوية إلى سائر المكافحين في الجزائر، سواء منهم من حمل السلاح، أم من كان عاملًا وراء الميدان؛ وإلى المساجين والمعتقلين السياسيين ضحايا القمع والإرهاب، مترحّمة على الشهداء. ٩ - وتهيب جبهة تحرير الجزائر في القاهرة بإخوانها في العالميْن: العربي والإسلامي، وبأحرار الدنيا جميعهم، ليناصروا الجزائر في كفاحها من أجل حرّيتها واستقلالها، فهم بذلك يناصرون الديمقراطية الحقّة، والإنسانية المعذبة، والمبادئ السامية. لقاهرة في ٢٤ جمادى الثانية ١٣٧٤هـ / ١٧ فبراير ١٩٥٥م. إمضاءات الأعضاء المؤسّسين

стр. 1919

اللائحة الداخلية لجبهة تحرير الجزائر * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الفصل الأول ـ[المادة الأولى]ـ: ١ - تعمل جبهة تحرير الجزائر في مصر لتنسيق أعمالها مع جبهة التحرير في الجزائر تنسيقًا وثيقًا، وتسعى عاملة جهدها لحثّ الشعب الجزائري بهيئاته وأفراده على تأييد حركة الكفاح من أجل الحرية والاستقلال. ٢ - ومن مهام الجبهة مراقبة التطوّر السياسي في الداخل والخارج، ودرس الحالة، وتعبئة جهودها للدعاية لصالح القضية الجزائرية بكل الوسائل الممكنة. ـ[المادة الثانية]ـ: ولتحقيق المهام شكّلت الجبهة لجنتين، ومكتبًا إداريًا: أ) لجنة المساعدة للعمل الإيجابي في الداخل، ومهمتها تدبير حاجيات جيش التحرير. ب) لجنة الاتصالات، ومهمتها العمل على إثارة الرأي العام الدولي فيما يتعلق بالقضية الجزائرية، واتخاذ كل الإجراءات والأسباب للحصول على العون الأدبي والسياسي والمادي من الشعوب والحكومات لصالح القضية الجزائرية. ج) المكتب الإداري ويتكوّن من سكرتارية، وأمانة للصندوق، ومهمته تسيير الإدارة، وإعداد جدول الأعمال، والمحافظة على أموال الجبهة، وعلى أوراقها، ووثائقها. ٣ - تسيّر اللجنتان والمكتب الإداري وفق ما تسطره الجبهة. ٤ - يجوز للجبهة أن تنشئ ما تراه ضرورة من اللجان والمكاتب في مصر وغيرها. ٥ - لا يحضر جلسات الجبهة، ولا يشارك في مناقشاتها غير الأعضاء المؤسسين الذين أمضوا الميثاق أو الذين يتفق الأعضاء على حضورهم.

стр. 1920

٦ - لا يكون اجتماع الجبهة صحيحًا إلا إذا حضره ثلثا الأعضاء الموجودين في القاهرة ساعة انعقاد الاجتماع. ٧ - تجتمع الجبهة مرة في الأسبوع على الأقل. ٨ - كل المراسلات والاتصالات تكون وتتمّ باسم الجبهة، وعلى الصورة والكيفية اللتين تحددهما الجبهة. ٩ - يمكن للأعضاء أن يقوموا بأعمال خارج نطاق الجبهة على شرط أن لا تكون متنافية مع هذه اللائحة، أو مع الميثاق. ١٠ - لا يقصد من هذه اللائحة حصر أوجه نشاط الجبهة، وإنما المقصود منها وضع النقط الرئيسية لحسن سير العمل. ١١ - هذه اللائحة قابلة للتعديل استجابة للمصلحة العامة وبموافقة جميع الأعضاء. القاهرة في: ٢٥ جمادى الثانية ١٣٧٤هـ / ١٨ فبراير ١٩٥٥م. إمضاءات الأعضاء المؤسسين

стр. 1921

بيان من جبهة تحرير الجزائر عن عزم الحكومة الفرنسية إعلان حالة الطوارئ في الجزائر * ــ عرضت الحكومة الفرنسية على البرلمان الفرنسي مشروعًا بقانون إعلان حالة الطوارئ في الجزائر، ويرمي القانون المقترح إلى قيام حالة حرب حقيقية تتجمّع فيها السلطات المدنية والعسكرية في يد واحدة، ويسمح فيها بإجراء الاعتقالات وتفتيش البيوت ليلًا ونهارًا وإغلاق المحال العامة وإلغاء حرية التنقل. وتفيد البيانات التي أدلى بها وزير الداخلية الفرنسية أمام البرلمان الفرنسي عند تقديم مشروعه بأن الأمر لا ينحصر في تعزيز العمليات العسكرية ضد جيش التحرير الوطني الجزائري فحسب، بل يرمي إلى جعل الاضطهاد المسلّط على الشعب الأعزل أشد وأنكى، وإيجاد حالة استثنائية لإخماد صوت الشعب الجزائري بالقوة العسكرية. ونرى من واجبنا إزاء خطورة التدابير التي طلبت الحكومة الفرنسية استصدارها من البرلمان الفرنسي- وتوقع تفاقم العمليات العسكرية ضد الوطنيين الجزائريين إثر صدورها- أن نُشَهِّر بالجراثم الجديدة التي تحاك حيالها ونكشف النقاب عن ألاعيب الدعاية الاستعمارية الفرنسية التي تزعم أن الأمن مستقرّ في الجزائر حيث لا يوجد في زعمها إلا حفنة من المشاغبين. في الوقت الذي تعد فيه الحكومة الفرنسية تدابير تعلن بها حالة الحرب ضد شعب كامل وتهيّئ بها حملة قمع عسكرية وبوليسية شاملة، سوف تفوق جميع ما اقترفه الاستعمار الفرنسي من فظائع في شمال أفريقيا إلى يومنا هذا. لقد اختارت الحكومة الفرنسية سياسة الإرهاب التي لا مراعاة فيها للسكان العزّل، وتقصد بها القضاء على جيش التحرير الوطني الجزائري، وأن تغرق في بحر من الدماء رغائب الشعب الجزائري الوطنية.

стр. 1922

إن الحكومة الفرنسية لتضلّ السبيل إذا كانت تعتقد أن الإرهاب وقوّة جيوشها وبوليسها تمكّنها من إقرار السيطرة الفرنسية والاستغلال الاستعماري بالجزائر. لقد أثبتت الحوادث منذ أول نوفمبر ١٩٥٤ أن شعبًا كاملًا متحدًا وعازمًا على الدفاع عن حقوقه يقاوم الاستعمار الفرنسي، وأن الاضطهاد مهما يكن وحشيًّا وشديدًا لن يؤدّي إلا إلى إذكاء روح المقاومة في الجماهير الجزائرية. لذلك فإن جبهة تحرير الجزائر توجّه نداء للشعب الجزائري حتى يقضي على التدابير الجهنمية التي ينوي الاستعماريون اتخاذها ضده وذلك بتعزيز وحدته في العمل، فإن تلك الوحدة كفيلة بتحطيم القوّة الاستعمارية، وهي الردّ الوحيد على سياسة الإرهاب والدم المراق التي تنتهجها الحكومة الفرنسية. وتتّجه جبهة تحرير الجزائر إلى جميع الديمقراطيين في العالم وإلى كل المنظمات الدولية والحكومات الحرّة للمساهمة في وقف الجرائم الجديدة التي يعدّها الاستعمار الفرنسي في الجزائر. وإن جبهة تحرير الجزائر تتجه إلى الشعب الفرنسي ورجاله الديمقراطيين لمقاومة التدابير الجديدة التي ستتخذ باسمه.

стр. 1923

بيان من جبهة تحرير الجزائر * حضرات السادة: إن الجزائر تجتاز أزمة شديدة الخطورة من يوم انفجار الحوادث الدامية في فاتح نوفمبر سنة ١٩٥٤، وإن الحالة السائدة من ذلك اليوم إلى الآن لا تزداد إلا سوءًا واشتدادًا يومًا فيومًا، وهي- لذلك- حقيقة بأن تثير اهتمامكم واهتمام العالم كله. الشعب الجزائري طلب حقوقه المشروعة بالوسائل السياسية، وقدّم من البراهين على استحقاقه لذلك ما فيه الكفاية والإقناع، فلما أعياه الأمر لجأ إلى الموت فشهر السلاح، وعقد العزم على التحرّر والخلاص وحمل المستعمر الظالم على احترام حقوقه بهذه الوسيلة التي لم يبقَ له سواها، وهو ماض في سبيل التحرير مهما كلّفه ذلك. ولقد لجأ الاستعمار الفرنسي مصدر هذه الحوادث الدامية مرّة أخرى إلى وسائله القديمة الرجعية، أي إلى القمع بمختلف أنواعه، ليحلّ المشكلة بهذه الطريقة التي لا تزيد المشكلة إلا تعقيدًا. إن الصراع القائم الآن في الجزائر ليس نتيجة لعلّة طارئة أو لطفرة عارضة، وإنما مصدره الأصيل وعلّته الأساسية هو الاستعمار وآثاره الطبيعية فيه من استعباد وإذلال وقضاء على الحريات وامتهان للكرامة الإنسانية، وزاد نار الصراع لهيبًا تلك الخرافة التي لفّقتها الأوهام الاستعمارية وهي (أن الجزائر ثلاث مقاطعات فرنسية). هذه الفرية التي أراد الاستعمار الفرنسي أن يضلّل بها الرأي العام العالمي فرية مفضوحة واضحة البطلان، والحقيقة أن الجزائر كانت دولة مستقلة قبل سنة ١٨٣٠، والشعب

стр. 1924

الجزائري بارز الخصائص والمقوّمات، لم يعترف ولن يعترف بالواقع الاستعماري، وقد قاومه مقاومة مسلحة متواصلة عشرات السنين في سلسلة طويلة من الثورات من سواحل البحر الأبيض إلى تخوم الصحراء الكبرى، وإن أسماء الأمير عبد القادر بن محيي الدين والحاج أحمد المقراني وبو عمامة وغيرهم من أبطال الثورات وقادتها ما زالت خالدة مجيدة، عامرة بصفحات البطولة، وما خفتت المقاومة المسلّحة حتى انتقل الشعب الجزائري إلى ميدان السياسة والمطالبة بحريّته واستقلاله من طريقها، ولم يسكت يومًا واحدًا، ولم يرض دقيقة واحدة بالوضع الاستعماري: فكيف يكون وطنه قطعة من فرنسا؟ وها هو اليوم يحمل السلاح ليكذب تلك الفرية وليحصل على الحياة الحرّة الكريمة. ولكن فرنسا بمحاولتها بسط سلطانها الاستعماري، وإنكارها كل حق في الحياة للشعب الجزائري، كانت دائمًا تجيب بسلاح القوّة على مطالب الشعب الجزائري ومطامحه المعقولة المشروعة، وفي الأيام الأخيرة تجرّأت حكومة فرنسا غير متردّدة وحدّدت موقفها الإجرامي بلسان أحد وزرائها المسؤولين، عندما صرّح بأن المفاوضة الوحيدة التي يمكن أن تجريها فرنسا في الجزائر هي الحرب ... وما دَرَى أن هذا التصريح هو التكذيب القاطع لدعوى دولته أن الجزائر ثلاث مقاطعات فرنسية. إن النظم الاستعمارية التي أكره عليها الشعب الجزائري تستمد براهينها من تلك القاعدة الحيوانية وهي أن الحق للأقوى، ومن هنا يتضح أن الادّعاء الاستعماري بأن الجزائر ثلاث مقاطعات فرنسية هو ضرب من الغش والتضليل والبهتان، ذلك بأن الوقائع والحقائق والقوانين الفرنسية نفسها تدحضه وتسفهه، فإن ما يطبّق من التشريعات الفرنسية بالجزائر رسميًّا مبني على أساس عنصري بغيض من وجود طبقتين: سادة ومسودين، ونوعين من المواطنين: أعلى وأدنى، ومكتبين انتخابيين لا يمتزجان: مسلم وأوروبي، وإنها لنظم تشهد بتكذيب تلك الدعوى، ويزيد في شناعتها ما ترتكبه الإدارة الاستعمارية من سوء التطبيق، وأشنعه التزوير العلني في انتخابات المجلس الأهلي. على أن وجود مجلس جزائري خاص، واستقلال مالية الجزائر، وإدارة شؤون الدين الإسلامي من طرف الإدارة الفرنسية، وبسط السلطة العسكرية على نصف القطر الجنوبي، ووجود حواجز جمركية بين الجزائر وفرنسا، كل أولئك أدلة ووقائع لا تنكر، تدحض تلك الدعوى المضلّلة. ومن هنا كانت النتيجة الحتمية الطبيعية للسياسة الفرنسية، المشبعة بروح الاحتقار والاستفزاز والعداء، أن يحمل الشعب الجزائري السلاح ليدافع عن حرّيته وحقوقه في الحياة الإنسانية، حين لم يجد سبيلًا آخر للمفاهمة.

стр. 1925

إن الدماء- يا حضرات السادة- تسيل اليوم أودية في الجزائر، ومنذ فاتح شهر نوفمبر سنة ١٩٥٤ تنقل فرنسا عشرات الآلاف من جنودها للجزائر من وطنها ومن ألمانيا ومن الهند الصينية، ليقاتلوا المجاهدين الجزائريين، ويقوموا بعمليات قمع شنيعة وحشية رهيبة، تساندهم فيها القوات المصفحة وقوات الطيران، ولم تقتصر هذه القوات على قتال المقاتلين، بل معظم فتكها موجّه إلى النساء والأطفال والشيوخ والعزّل، وإن ما يرتكبه الجيش الفرنسي اليوم في الجزائر من مآسٍ وفظائع يفوق حدّ التصوّر، وما يجري في محاكمها من أحكام السجن والتغريم أكثر من ذلك، والجرائد الفرنسية ناطقة بالكثير من ذلك، ولنضرب لكم قليلًا من الأمثلة دليلًا على ما يقاسيه الشعب الجزائري من أهوال وويلات على يد الجيش الفرنسي. ففي ناحية قرية "فم الطوب" في جبال أوراس زجّ بالشيوخ والنساء والأطفال في كهوف أحد المناجم المهجورة وأضرمت فيها النيران حتى ماتوا اختناقًا بالمادة التي في الدخان، وفي قرى "زلاطو" و "أشمول" و "يابوس" امتدّت أيدي الجنود الآثمين إلى العذارى فانتهكوا حرماتهن، وجرّدوهنّ من الثياب، ثم قتلن شرّ قتلة ببقر بطونهن بالخناجر والحراب أمام ذويهن. وفي قرية "أريس" هاجمت دبابة عسكرية يوم ٢٣ فبراير الأخير طفلًا لم يجاوز السابعة من العمر فخلطت أجزاءه بالتراب نكاية في الشعب وتفننًا في إلقاء الرعب في القلوب. وفي يوم ١٨ يناير الماضي من هذه السنة أخذت يد العدوان نحو مائة وخمسين ما بين سيدة وشيخ كرهائن، ثم عادت فقتلتهم في فجر اليوم الثاني ذبحًا. وهناك كثير من المساجين السياسيين اختطفوا من السجون ليصرعوا غيلة في الفيافي والقفار، إن هذه الفظائع لتذكرنا بأمثالها مما كان الجيش الفرنسي يرتكبه في الجزائر في حملته الأولى عليها سنة ١٨٣٠ وما تلاحق من سنيّ المقاومة الشعبية، حتى تنتهي بنا إلى مذابح شهر ماي سنة ١٩٤٥ التي أباد فيها الفرنسيون من مدنيين وعسكريين أكثر من خمسة وأربعين ألف مسلم عربي جزائري، وإلى الحملات الإرهابية في جبال القبائل سنة ١٩٤٧ وإلى ما جرى من مثل ذلك في قريتي "دعشمية" و "شامبلان" سنة ١٩٤٨، وتذكّرنا في الأخير بما جرى من عمليات الإبادة في "دوار سيدي علي بوناب" سنة ١٩٤٩، وبما جرى في مذبحة جبل الأوراس سنة ١٩٥٢، ومقتلة "بلدة الأصنام" في السنة نفسها، ومؤامرة باريس سنة ١٩٥٣. ولا نندفع في ضرب الأمثلة بعد هذا فإنه شيء طويل. وسط هذه الأحداث الدامية تبلورت مقاومة الشعب الجزائري وتطورت حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، وهي تكاد تنتظم الشعب كله، ولا عجب إذا عمّ الظلم أن تعمّ الثورة

стр. 1926

عليه، وإن عمليات التخريب والهجمات القوية الخاطفة على الأعداء جارية متواصلة، بحيث لا يكاد يمضي يوم إلا ويسجّل للفدائيين الوطنيين عملًا أو أعمالًا من هذا القبيل، ففي القطاع الشرقي من الجزائر وفي جبل أوراس على الخصوص يصطبغ الكفاح القومي بلون الحرب السافرة المدوية، حيث يلحق المجاهدون الخسائر ذات البال بالقوات الاستعمارية، أما في وسط القطر وفي بلاد القبائل فالهجمات الخفيفة المتكرّرة من الفدائيين تزعج القوّات الفرنسية دائمًا وتسبّب لها أضرارًا مختلفة، وأما في الناحية الغربية من القطر فعمليات التخريب هي السائدة، وهي تتزايد حتى أصبح أثرها ملموسًا في الأوساط التجارية، مما جعل النشاط الاقتصادي في البلاد في حكم المشلول. إن الحالة الراهنة في الجزائر، والتي تزداد وتشتدّ على مرّ الأيام، هي الظاهرة البيّنة على أن الشعب الجزائري مصمّم على تحرير نفسه من السلطان الاستعماري، وعلى أن يجعل بيده حدًّا لنظام مبناه على القوّة والبطش، وإذلال أحد عشر مليون عربي، وإخضاعهم لحياة الذل السياسي والاستغلال الاقتصادي. وإن هذا الاستعمار الفرنسي، بمعارضته العنيفة للرغائب القومية المشروعة للشعب الجزائري، ويرفضه لجميع الوسائل المعبّرة عن أماني الشعب القومية، وبازدرائه للكفاح السياسي السلبي، لذلك كله فهذا الاستعمار هو الذي يتحمل وحده مغبّة هذه الدماء المراقة في الجزائر، ويتحمل وحده عواقب هذا الانفجار، لأنه- هو وحده- كان السبب فيه. وإذا كان الشعب الجزائري قد التجأ إلى السلاح، فإنما فعل ذلك لإنهاء الوضع الاستعماري؛ أما المشكلة الجزائرية فهي فى حقيقتها مشكلة سياسية قبل كل شيء، وبعد كل شيء. ومن القواعد المقرّرة في عالمنا الحديث أن الحق المطلق في التقرير النهائي لمصائر الشعوب هو أساس لكل تشريع وطني أو دولي، وعلى ذلك الأساس فالشعب الجزائري هو صاحب الحق في تقرير مصيره والتمتعّ بكامل سيادته، وليس لغيره الحق في أن ينصب نفسه نائبًا عنه في تقرير مصيره. إننا من أجل أن نحمل أولئك الذين ينكرون على الأمّة الجزائرية حياة العزّ والكرامة على أن يحترموا حقوقها التي كفلتها لها الطبيعة والقوانين الإنسانية، ثم ينكرون عليها جهادها في سبيل تلك الحياة، من أجل ذلك اتحدنا نحن الجزائريين المسؤولين المقيمين بالقاهرة، في جبهة واحدة، هي (جبهة تحرير الجزائر)، عاملين على مساندة الشعب الجزائري في كفاحه القومي من أجل الحرية والاستقلال، وإننا لنعرب عن رغبتنا الملحّة في أن نرى اتحادنا هذا يتّسع حتى ينتظم سائر الحركات الاستقلالية الوطنية في كل من تونس ومراكش.

стр. 1927

ولا يفوتنا بهذه المناسبة أن نشكر سائر الشعوب والحكومات العربية والإسلامية والأسيوية على عواطفها وميولها الفعّالة التي ما برحت تبديها نحو المشكلة الجزائرية، كما نوجّه نداءنا الحار إلى كل الديمقراطيين الأحرار في سائر أنحاء العالم ليشاركونا في العمل للإسراع والتعجيل بتحقيق الأماني الديمقراطية المشروعة للشعب الجزائري ولشعوب المغرب العربي كله، خدمة للحق وإنقاذًا للسلام، وضمانًا للأمن في هذه الناحية من العالم.

стр. 1928

كيف تنجح الثورة في الجزائر ؟ * الثورة القائمة في الجزائر، يتوقف نجاحها على تحقيق ثلاثة أشياء: الإطالة، والتعميم، والسلاح، وبهذه الثلاثة نجحت كل الثورات التي وقعت في العصور القريبة على الاستعمار، فثورة ليبيا على الاستعمار الإيطالي دامت عشرات السنين، حتى أقضت مضاجع الطليان من عسكريين وسياسيين، وثورة الهند الصينية على الفرنسيين الغاصبين دامت ثماني سنوات. وإذا كان من سرّ نجاح ثورة الشهيد عمر المختار اعتصامه بالجبل الأخضر، فإن في الجزائر عشرات من الجبال تفوق الجبل الأخضر في الارتفاع ووعورة المسالك وكثافة الغابات الطبيعية، وليس جبل أوراس بأولها ولا بآخرها، وهي ممتدة على طول القطر الجزائري من حدود تونس إلى حدود مراكش، وتوازيها سلسلة الأطلس الصغرى على طول سواحل مقاطعة قسنطينة وثلثي مقاطعة الجزائر، وفيها من القمم الصخرية الوعرة والغابات ما لا يقلّ عن قمم وغابات الأطلس الأكبر. فالجزائر مسلّحة بهذا السلاح الطبيعي، الذي لا يوجد في غيرها إلا قليلًا، غير أنه لا يحسن الاعتماد عليها كثيرًا في هذا العصر الذي من أسلحته الطائرات والقنابل الثقيلة وأسلوب التطويق والحصار الذي يقطع الإمداد على المعتصمين بالجبال، ثم هذا الأسلوب الذي اهتدت إليه إيطاليا في أخريات ثورة عمر المختار، وهي ترحيل سكان القرى بالجبل وفي سفوحه وإبعادهم عن المجاهدين، ثم وضعهم الأسلاك الشائكة المكهربة على ما يقرب من مئتي كيلومتر على الحدود المصرية، وهذا الصنيع نفسه قد بدأت فرنسا في سلوكه بجبل أوراس، فقد أفادت وكالات الأنباء أنها أمرت سكان القرى الآمنة بالنزوح عنها كيدًا لهم ومكرًا بهم، حتى تنزل النكال بالثائرين ولو بتسليط النار على الغابات كلها.

стр. 1929

وأما تعميمها فهو شرط أساسي لنجاحها لأنه يوزّع القوى الفرنسية، ويقوّي تأثير الرعب في نفوس المعمّرين أصحاب المزارع والضياع، وهذا التعميم متوقف على الأسلوب الذي يجري عليه الثائرون في جبل أوراس، وعلى التوجيه السرّي الذي يباشره الدعاة إلى الثورة، والمغذّون لها بالرأي والإمدادات المادية. وأما التسليح فهو أصعب الأشياء، لأن الجزائر محاطة بمراكش وتونس ولا يمكن التسليح إلا منهما، وفرنسا محتاطة من عشرات السنين لهذه القضية بخصوصها، وما احتلّت فزان إلا لهذا، وما بادرت بمفاوضة التونسيين وإسكات الفدائيين في تونس إلا لهذا. فعلى الرجال والهيئات العاملة لخير الجزائر خاصة والمغرب العربي عامة حصر أعمالهم واهتمامهم في هذه النقطة، ومع الجدّ والعزيمة والصدق والصبر وحسن التدبير، يهون كل عسير.

стр. 1930

التكالب الاستعماري على الجزائر * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أيها الإخوة: لا تعجبوا من هذا التهافت الشنيع من فرنسا على الجزائر، ومن هذا التكالب الفظيع على بقاء سلطانها الممقوت فيها، وبقاء ظلها البغيض ممدودًا عليها، ولا تعجبوا من تخاذل حُججها ومنطقها في الميدان السياسي كلّما عرضت القضية الجزائرية. لا تعجبوا من هذا كله، فإن الاستعمار مرض عضال في أهله، لا يزال بهم حتى يقضي عليهم، ومن أعراض هذا المرض ما ترون وما تسمعون من هذيان ونباح. وإن هذا المرض لم يسلم منه ساسة الإنكليز مع وفور حظهم من اعتبار الواقع. ومن عقابيل هذا المرض فيهم ما ترونه من تخبّط في الأردن واليمن. ولا تعجبوا من سقوط أمريكا حامية الاستعمار، ومن ممالأتها العالمية له حتى أصبحت شريكة في اجتراح كل ما أصاب الجزائريين من بلايا. لا تعجبوا فالاستعمار ملة واحدة، وكله رجس من عمل الشيطان وقد وَجَد في أمريكا رائده الأول هدفه، وهو الطمع والاستغلال والأنانية مجموعًا بعضها مع بعض، ولكن هذه الأقانيم الثلاثة وجدت في أمريكا على الطريقة اليهودية التي عنوانها: "غنم بلا غرم"، فما زالت بها سياسة الإنكليز تجرّها جرًّا في الحروب الأخيرة إلى أن أغرقتها فاضطرّ الأمريكان إلى تبديل ذلك العنوان من مقت وخسران. لقد يئس الاستعمار من القارة الآسيوية حينما أفاقت من نومتها الطويلة على قعقعة الأحداث، بعد أن وجد فيها رجال استطاعوا أن يجعلوا من القوة المعنوية في شعوبهم أسلحة تفلّ الحديد وتطفئ النار، وأن يجعلوا من الفطام على الشهوات ما يقتل الشهوات في أوكارها.
следующие страницы →