بأن يروك ماضيًا في الحال ... وواقفًا تندب في الأطلال
وعاكفًا في الدِّمن البوالي ... تبكي على عمارها الخوالي
منتصرًا لعصبة جهّال ... صيرها الظلم إلى الزوال
يا سوءَ حظ اليمن المحلال ... وشؤمَها إن انبرت للفال
وبخسها في الوزن والمكيال ... وغبنَها في الحال والمآل
أن كان مثل فاضل الجمالي ... في علمه وعقله الصوّال
وروحه وفكره الجوّال ... يأسى على طاغوتها المزال
من شدّها بأوثق الأحبال ... وسامها بالقهر والإذلال
وسامها بالفقر والإقلال ... وراضها بالسجن والأغلال
وعهدها وهو عليها الوالي ... أدهى من الطاعون والزلزال
فكم رأت فيه من الأهوال ... والنُّوَب الفظيعة الثقال
والكُرَب الكثيرة الأشكال ... والعُقَد العويصة الإشكال
ومن وباء سيط بالوبال ... ومن خباء نيط بالخبال
وعاد من فظاعة الأحوال ... عهد "سَبَا" في سالف الأحوال
أضحت بنوه من فساد الحال ... والظلم من إمامها الدجّال
عطشى وماء النهر كالجريال ... منهمر بعذبه السلسال
جائعةً والقوت كالرمال ... فقيرةً وهي ركاز المال
عاريةً حتى من الأسمال ... والحوكُ في جدودها الأوالي
قد كان فيهم مضرب الأمثال ... عزلاء حتى من عصيّ الضال
والسيف فيها أحد الأنجال ... شقيةً بالظلم والنكال
والسعد قد كان على الأجيال ... وسْمًا لَها وشارة احتيال
وتُربُها قد ثار عن غلال ... وعن جنًى غض وعن ظلال
وماؤها ينساب كالصلال ... بين الصخور الشم والتلال
من هم غيوث البذل في النوال ... وهم ليوث الغاب في الصيال
في النسب العد الصميم العالي ... والحسب العريق في الجلال
ما لكِ يا مُنْبِتة اللآلي ... والحجر الحرّ الكريم الغالي
ما لك يا منتجة الأبطال ... ذوي الحفاظ المر والفعال
ما لك يا مزرعة الغوالي ... عزت عن الأشباه والأمثال
ما لك يا منبتة العوالي ... من الرماح الذبل الطوال
أصبحت فى جدب وفي امحال ... جرداء مثل الغادة المعطال
وصرت بعد الحسن والجمال ... شَوْهاء مثل البائر المتفال
стр. 1857
ما لبنيك النجب الأبطال ... أضحوا على الأيام والليالي
بعد الهدى في التيه والضلال ... وبعد وَسْمِ المجد في الأغفال
شِدتِ لنا في الأعصر الخوالي ... حضارة مَدَّت على الأجيال
رِواق عزّ بحلاها حالي ... وخُلِّدَتْ آثارُها الغوالي
صحائف في الكتب والرمال ... بدائع المفتنِّ والمثّال
لم يجر منشيها على مثال ... ولم تزل آياتها في الحال
سحر النهى وفتنة الخيال ... وعقلة العقل وشغل البال
حتى أتت حثالة الأنسال ... وعصبةُ الفسَّاق والأنذال
رهط الخنا والغيّ والمِحال ... من كل عيّ مائق تنبال
لم يجر لولا شخصه بالبال ... محارب لله لا يبالي
مستقذر الإزار والسربال ... مستقبح العثنون والسبال
كأنما صيغ من الأوحال ... أو من رجيع الحمر والبغال
أسيمر الجلدة ذو اختيال ... متصل المنكب بالقذال
وإن عددته من الجهّال ... فالجهل لا يرضى به بحال
عاثت عياث القرد والثعالي ... وداستْ الأحرار بالنعال
وحكمت أهواءها في المال ... والعرض والابشار والأحوال
أَنَرْتَجي العدل من العذال ... ونَطْلُبُ النصر من الخذال؟
стр. 1858
جمعية
جمعية تداعتْ ... بقوة الإيمانِ
لردّ ما أضاعت ... من هديها الروحاني
وهدم ما أشاعت ... عصائب الشيطان
وكفّ ما أذاعت ... بالإفك والبهتان
تُحيي لنا ما اسطاعت ... هداية القرآن
قد أدبرت وارتاعت ... كتائب الطغيان
وأقبلت وانصاعت ... طوائف البرهان
فَلْيَهْنِها ما ابتاعت ... من تُحف الرضوان
إذا العقول جاعت ... حامت على الأوثان
أو النفوس الْتاعت ... هامت بدين ثاني
وخسرت إذ باعت ... بَاقِيَها بالفاني
...
القلب لا ينساها ... في سائر الأحيان
ولم تزل ذكراها ... وظيفة اللسان
لعلّ أو عساها ... ترقى إلى كيوان
بالغة مناها ... في المال والسلطان
стр. 1859
الطائرة
دعا بي الشوق إلى الترحالِ ... والشوق إنْ يدعُ غرلم كالِي
فلم أودّع طلّتي وآلي ... حتى امتطيت جمة التصهال
بهيمة صيغت على منوال ... واجتمعت والطير في مثال
تدين بالإسراع والإعجال ... لا تقتضي بالريث والإمهال
طعامها النار ولا تبالي ... تحيا على الإحراق والإشعال
فاعجب لها مشدودة الرحال ... بالليل والإبكار والآصال
سمينة في الخصب والإمحال ... وثيقة الأضلاع والأوصال
لم تَشْكُ من أين ولا كلال ... قد جمعت غرائب الأشكال
طيارة تهزأ بالجبال ... وبالشعاب الخضر والأوحال
وبالروابي الغبر والتلال ... ما وطئت قط على الرمال
إلّا بقدر الرفع والإنزال ... إن حركت زفت زفيف الرال
وزأرت في الجو كالرئبال ... كأنها سفينة في الآل
وآية العلم بكل حال ... مبصرة جلت عن الجدال
وتقطع الألف من الأميال ... في مثل عمر ساعة الوصال
بالطير لا بالوخد والأرقال ... يا حسنها قريبة المنال
لو لم تكن مدنية الآجال ... أن بليت بالنقض والإخلال
لم تعتمد إلّا على عز وآل ... يا سعد دالت دولة الجمال
فاسعد إذا ما شئت باشتمال ... لا تخش من ملامة العذال
بما جرى ذكرك في الأمثال ... عوذتها بكلمة الجلال
وبالحواميم وبالأنفال ... وما أتى فى سبعه الطوال
نؤم نجدًا برزة المجالي ... ذات الرّبى والأكم الحوالي
стр. 1860
بالنور والحصباء كاللآلي ... سحر النهى وفتنة الخيال
ومبعث الشعر الرصين الغالي ... ومرتمى شوارد الأمثال
ومنبت الأمجاد والأبطال ... مجلى البيان الحر والأمثال
فاض على الملوك والأقيال ... والحق النساء بالأطفال
وفار من نميره السلسال ... فجال بين جالها والجال
...
زرنا سعودًا كعبة الآمال ... وواحد الآحاد في الرجال
ومورد القصّاد والحلَّال ... ومصدر النزاع والنزال
شب مع التوحيد والكمال ... على التُّقَى وصالح الأعمال
مملكة مشدودة الأوصال ... بالعلم والعقل وبالرجال
محمية الغابات بالأشبال ... محبوكة الأطراف بالعمّال
موزونة الأبعاد والأطوال ... محدودة بالسيف من أوال
إلى حدود الشام والعوالي ... محفوفة بالسعد والإقبال
стр. 1861
إنْ أردتَ
إنْ أردتَ الدهرَ تغدو ... كاتبًا يعلو ويُعْلَى
ثم تغدو صحفيًا ... من ذَوِي "الأهرام" أعلى
لاتَخَفْ فالأمر سهلٌ ... ممكنٌ صنعًا وجَعلا
قم فدجّل ثم ضلّل ... واجعل المرأة بعلا
واجعل الكنية صونًا ... لا مرئي قد ساءَ فعلا
فلكم غطت سخيفًا ... ولو ان الاسم يعلى
وامنح الطاج أجرًا ... وامنح الكاتب جعلا
واجعل العنوان تاجًا ... واجعل الامضاء نعلا
واملإ الجسمَ هواءً ... وفقاقيعَ وسعلا
واجعل الخادع برا ... واجعل الاسفل أعلى
وادْعُ بالخير لحيّ ... ضم دكوان ورِعلا
فإذا أنتَ بهذا ... كاتب قولًا وفعلا
وإذا بحّ حمار ... دع نعم دأبًا ودع لا
...
إنْ أردتَ الدهر تغدو ... شاعرًا يَرْعَى وُيرْعَى
فاجعل الألفاظ أصلًا ... والمعاني الغرّ فرعا
واجعل السخف مجنا ... والخنا ترسًا ودرعا
وإذا نابك نَقد ... لا تضق بالنقد ذرعا
إنما الناس سَوَامٌ ... في مراعي الجهل صرعى
стр. 1862
إلى الأستاذ صالح الأشتر
شائنك الأبتر ... يا صالح الأشترْ
إن كان من لحم ... فأنت كالنشتر
نثرك قد جارى ... نظم أخي ششتر
الناس أسقاط ... فَبِعْ ولا تشتر
والأصل ختار ... وفرعه أختر
والدهر ذو هُتر ... وأهله أهتر
كلهم دونًا ... عمّم ولاتختر
إيّاك أن تعيا ... في النص أو تفتر
إن ضاقت الأرض ... فبطنها أستر
والعرب في مصر ... كالعجم في تستر
أنثاهم زن ... وبنتهم دختر
ويومهم جورٌ ... وقلبهم أفتر
وأمسهم كَلّ ... وبيتهم دفتر
سوآتهم كثر ... ماضمّها دفتر
من مان في شفع ... كذبْه إن أوتر
حسامه أمضى ... وقوسَه وتر
في شرّه أعطى ... عن خيره قتّر
قد ساءت الحال ... ورثنا يستر
стр. 1863
غار على أحسابه
غار على أحسابه أن تُمتهنْ ... حرّ على مجد الجدود مؤتمنْ
فما ونى في حفظه ولا وهن ... سيف من الرحمن مطرور الشبا
...
بيضتَ وجه العرب في المجامع ... أبلغتَ صوتهم إلى المسامع
فخاب كل طامح وطامع ... وغض من سَوْرته واكتأبا
...
أوقرتَ سمع المبطلين حججا ... فاعترضوا بحرًا يمور لججا
ومخطئ في رأيه من هجهجا ... بالليث جوعان الحشا ملهبا
...
جئناك في وفد وأي وفْدِ ... ما منه إلّا بالعزيز يفدي
جئناك للأرفاد لا للرفد ... وللثنا نسوقه لا للحِبا
...
جئناك في الإخوان نزجي التهنيه ... لا زلتَ من عيشك في بُلهنيه
ودمتَ في خفض وفي رُفهنيه ... وكل من جاراك في الفضل كبا
...
أبوك في أفق المعالي أسعد ... في رتبة علياؤها لا تُصعد
لو أن متن كوكب يقتعَد ... لما امتطى أبوك إلّا كوكبا
***
стр. 1864
كأنه قد سخر البيانا ... فانكشف الغيب له عيانا
أو أنه قد جاور الريّانا ... وحاور الغر الفصاح العربا
...
سمعته يخطب في المدينه ... شيحان يحمي عرضه ودينه
في موقف يُنسي الفتى خدينه ... فكان سهمًا للعدى مصوَّبا
...
لست إذا أرسلتها يمينا ... بخائف في القول أن أمينا
لَمن دعاك الحارس الأمينا ... ما حاد عن حاق الهدى ولا نبا
***
стр. 1865
عبد العزيز العلي المطوع
عبدَ العزيز العليا ... نلتَ المقام العليَا
فالدين كنز ثمين ... أصبحت منه مليّا
والكف ينهلُّ جودًا ... وسميّه والوليّا
من يرجُ عندك خيرًا ... لم يلق مطلا ولِيّا
ان ريع للحق سرب ... كنتَ النصيرَ الوليّا
رأي وعقل وفهم ... يتلو جلي جليّا
لو ينشر الله عبسًا ... ومازنًا وبليّا
الفوك صغت حلاهم ... لأصبعيك حليّا
قد أورثتك قريش ... فخارها النوفليا
وقلّدتك تميم ... لواءها النهشبيّا
إرث العروبة محضًا ... مؤثلًا أزليّا
حويتَه مُضَريًا ... وحُزْتَه وائليّا
إن المعاليَ هم ... ما بتَّ منه خليّا
стр. 1866
ـ[آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي]ـ
جمع وتقديم نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.
الجزء الخامس
١٩٥٤ - ١٩٦٤
الناشر: دار الغرب الإسلامي.
ــ
стр. 1867
دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
стр. 1868
آثَارُ الإِمَام
مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي
стр. 1869
ـ[صورة الشيخ البشير الإبراهيمي]ـ
تونس ١٩٦١
ــ
стр. 1870
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
- ١ - *
لم تفاجئني هذه المجموعة من الوثائق والنصوص التي تحمل اسمين عزيزين على نفسي، أولهما اسم الثورة الجزائرية، وثانيهما اسم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ولا أعتقد أنني الوحيد الذي لا تفاجئه هذه الوثائق، لأن كل عارف بالتطور التاريخي وكل متحل بالإنصاف يعرف علاقة الشيخ الإبراهيمي بالثورة من دون أن تزيده المجموعة التي بين أيدينا إلا قناعة وتأكيدًا، ولذلك قلت إنني شخصيًّا لم أفاجأ عندما اطلعت على ما ترك الشيخ الإبراهيمي من وثائق حول الثورة من بيان أول نوفمبر ١٩٥٤ إلى بيان أبريل سنة ١٩٦٤ الشهير، أي سنة واحدة قبل رجوع الشيخ إلى ربه. فقد عشت شخصيًّا تلك الأيام التي ترويها هذه الوثائق رغم أنني كنت ما أزال في سن مبكرة وكنت أتتبع مواقف جمعية العلماء منذ ١٩٤٧. ومن ثمة لم تفاجئني البيانات والبرقيات والتصريحات والخطب والأحاديث والنداءات التي حررها أو ألقاها الشيخ الإبراهيمي باسم جمعية العلماء وجبهة التحرير الوطني، وإذا شئت باسم الشعب الجزائري، بين ١٩٥٤ و ١٩٦٤.
ان الذين يعرفون الظروف التي ولدت فيها الثورة، سيما منذ سنة ١٩٤٥، يدركون أن هناك رجالًا كانوا يُعِدُّون لها بطرق مختلفة، وليس بطريق واحد، فمنهم من كان يعدّ لها بتوفير الأسلحة والتدريب العسكري، ومنهم من كان يحضر لها بتدبير المال والوسائل المادية، ومنهم من كان يخطط لها بالتكوين المعنوي وتربية النفوس على حب الوطن والجهاد في سبيله، ولكنهم كانوا جميعًا يعتقدون ان "دروسهم" لاعداد الثورة تكمل بعضها البعض، وأنه من الخطإ إعطاء الأولوية لهذا المدرس أو ذاك. ولكن بعض المتحزبين
стр. 1871
المتأخرين لم يرقهم هذا التحليل، ورأوا أن من الوطنية عدم التسامح مع خصومهم الحزبيين، واعتقدوا أن الثورة إنما هي وليدة حزب وليست وليدة شعب، بل هي في نظرهم وليدة جماعة صغيرة كانت تعمل في الخفاء وليست وليدة قيادة وطنية مؤمنة وعريضة كانت تعمل سرًا وعلانية.
والواقع أن هؤلاء الحزبيين هم الذين ستفاجئهم الوثائق التي تضمنتها مجموعة الشيخ الإبراهيمي اليوم، لأنهم لم يكونوا منصفين عندما لم يقرأوا تاريخ الثورة في كل منعطفاته، أو عندما حصروا الثورة في حزب أو جماعة. ولعلهم كانوا يظنون أن التاريخ لن يبوح بوثائق الإبراهيمي وأمثاله ولن يكشف عن آراء ومواقف جزائريين آخرين لا يقلون إيمانًا (ولا نقول يتفوقون) بالثورة عن الذين أصبحوا معروفين أنهم صانعوها.
ولعل من سلبيات الكتابة عن الثورة الجزائرية حتى الآن هو عدم تحديد معانيها ومدلولاتها. فهل الثورة عندنا هي حمل السلاح فقط؟ إن كان الأمر كذلك فإن هناك العديد من الثوريين الذين لم يحملوا السلاح وإنما كانوا اللسان الناطق باسم الذين حملوه، ولولاهم لبقى الثوار في حصار مادي وسياسي ومعنوي قاتل، كما حصل لثوار الجزائر الذين خاضوا الحرب ضد العدو منذ هزيمة الأمير عبد القادر سنة ١٨٤٧ من دون أن يسمع بهم أحد، مما ساهم في إفشال ثوراتهم، أو هل الثورة هي فكرة تختمر وتنضج حتى تصبح مشروعًا حضاريًّا كبيرًا وعملًا مباشرًا قابلًا للإنجاز؟ أو هي شرارة بندقية ولعلعة رصاص ينطلق من كل صوب لإجبار العدو على التخلي عما اغتصبه اغتصابًا؟
إن الجواب على مثل هذه التساؤلات هو الذي سيُعفي الكثيرين من الكتاب من الخوض في موضوعات أصبحت بلا طائل مثل: من أعد للثورة؟ وما منطلقها؟ وما أهدافها القريبة والبعيدة؟ وما علاقتها بالتراث الوطني؟ وما انتماؤها الفكري؟ كما أنه هو الجواب الذي سيعطي ما لله لله وما لقيصر لقيصر، وبه ينتهي الجدل العقيم الذي يدور حول دور كل من جمعية العلماء وحزب الشعب في تفجير الثورة، وهو الجدل الذي حاول البعض المزايدة فيه بتقديم أحدهما على الآخر بدون دراية ولا دراسة موضوعية. ونعتقد ان نَشْرَ الوثائق والنصوص التي نحن بصددها سيساعد على وقف ذلك الجدل العقيم، فهي وثائق ونصوص تبرهن على أن جمعية العلماء كانت في الطليعة الثورية وأن رئيسها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي كان لسانها البليغ المعبر عن توجهاتها وعقيدتها في وقت كانت فيه الأحزاب وقادتها تشهد تحجرًا بل تراجعًا، مما جعلها تواجه أزمات حادة بعثرت كثيرًا من الآمال والعقائد في استراتيجية التنظيم نفسه وفي زعمائه.
стр. 1872
إن التفسير الحزبي لتاريخ الثورة قد أساء إلى الثورة نفسها حتى الآن. فمن جهة ندعي أنها ثورة شعبية وتلقائية ومن جهة أخرى ندعي- باسم حزب كذا- أنه لولا الزعيم الفلاني ولولا التنظيم الخلّاني لما كانت الثورة أصلًا، وهذا افتئات على الواقع وعلى حق الشعب في الانتماء والاختيار، ومع ذلك فإننا نذكر، للمقارنة والتوضيح، أن زعماء الحركة الوطنية ليسوا سواء في الثبات على المبدإ، وفي الالتزام بحق الشعب في الحرية والذاتية السياسية، ويبدو لنا أن الشيخ الإبراهيمي، كزعيم وطني، كان الوحيد الذي لم ينحرف عن الخط الذي رسمته الجمعية، كما انحرف غيره من الزعماء عن الخط الذي رسمه تنظيمهم. فقد واصل الشيخ الإبراهيمي الدفاع عن مبادئ الجمعية وحق الشعب الجزائري في التمتع بشخصيته السياسية والحضارية خارج البوتقة الاستعمارية الفرنسية، وقد وقف الشيخ الإبراهيمي مع هذا المبدإ سواء كان في الجزائر أو في الخارج، وعندما أعلن الشعب ثورته كان الشيخ الإبراهيمي أول من احتضنها من الزعماء (نقصد بالخصوص مصالي وعباس) رغم أنه كان في المشرق بعيدًا عن الوطن.
وستكشف الوثائق التي نقدمها أن الإعلان عن ذلك الاحتضان والدعوة إلى الالتحام بالثورة كان منذ الأيام الأولى لشهر نوفمبر ١٩٥٤.
ومن الإنصاف أن نقول إن هناك فرقًا بين تبنّي الثورة والدعوة لها وبين الانضمام لجبهة التحرير والالتزام بشرعيتها. والذي يدرس تطور الأحداث خلال خريف وشتاء ١٩٥٤ يدرك أن اللجنة التي كونت جبهة التحرير وأعلنت الثورة لم تكن معروفة حتى لزعماء الحزب الذي خرجت منه، فما بالك بقادة التنظيمات الأخرى، ولا سيما من كان منهم بالخارج مثل الشيخ الإبراهيمي. ومن الطبيعي أن يبادر الشيخ الإبراهيمي إلى تأييد الثورة والدعوة لها دون التسرع في الانضمام للهيكل الذي يقود الثورة، وهو جبهة التحرير، وإذا كانت جبهة التحرير غير معروفة في أول الأمر حتى لأقرب الناس في الحزب الذي خرجت منه فمن باب أولى وأحرى ألا تكون معروفة للشيخ الإبراهيمي وغيره من الجزائريين. حقيقة أن الجبهة قد عينت ممثلين منها في الخارج، وكان مقر هؤلاء بالقاهرة أيضًا، ولا شك أن الاتصالات قد وقعت بين هؤلاء وبين الشيخ الإبراهيمي، ولكن هؤلاء الأعضاء كانوا أيضًا مجهولين لدى الشيخ الإبراهيمي، وكانوا قبل الثورة مجرد ممثلين لحزب له زعيم معروف للشيخ الإبراهيمي، فإذا بهم يصبحون ممثلين لتنظيم آخر ليس له زعيم معروف. إضافة إلى ذلك فإن الصلة الوطيدة التي كانت بين بعض أعضاء مكتب المغرب العربي وبين السلطات المصرية كانت لا تساعد الشيخ الإبراهيمي على إعلان تأييده السريع لجبهة التحرير من أول وهلة، مكتفيًا بتبني الثورة باعتبارها حدثًا شعبيًّا وتاريخيًّا، في انتظار انجلاء الوضع عن هيكلة الثورة وقيادتها الجديدة.
стр. 1873
وأن من يطالع (بيان أول نوفمبر) سنة ١٩٥٤ يلاحظ، بدون شك، أن هناك غيابًا لمبادئ جمعية العلماء التي رسمتها للجزائر ماضيًا ومستقبلًا، كما يلاحظ أن البيان لا يجيب على بعض النقاط بوضوح كالهوية والإسلام والعروبة، وأنه ليس ميثاقًا أو عريضة مرجعية ذات فلسفة وتصورات حضارية، وإنما هو وثيقة سياسية- صحفية- كتبت فيما يبدو على عجل وصيغت في عبارات بسيطة وعملية. فكيف نتوقع أن يتبنى الشيخ الإبراهيمي ذلك البيان على علاته، وهو الأديب النابغ والممثل الرمز لجمعية أخذت على عاتقها استرجاع الشخصية العربية- الإسلامية للجزائر؟ نقول هذا لكي يكون مفهومًا عند من لم يفهم بعد لماذا احتضن الشيخ الإبراهيمي الثورة من أول وهلة ولم يفعل ذلك مع جبهة التحرير، ولكي يكون مفهومًا أيضا أن بضعة أسابيع، وربما بضعة أشهر، قد مرت خلال سنة ١٩٥٤، دون أن يربط كل الجزائريين اسمَ الثورة باسم جبهة التحرير، والمعروف أن المسألة ظلت في الخارج بدون حل إلى مارس ١٩٥٥، عندما تكونت في القاهرة جبهة أخرى سمّيت "جبهة تحرير الجزائر" حضرها ممثلون عن كل الاتجاهات الوطنية، بما فيها وفد جبهة التحرير الوطني. وببدو أن الشيخ الإبراهيمي قد لعب دورًا أساسيًّا في تكوين جبهة تحرير الجزائر المذكورة وفي لملمة أطراف كانت متباعدة مثل ممثلي مصالي وممثلي مكتب المغرب العربي. وقد جاء في البيان الصحفي الصادر عن مكتب جمعية العلماء بالقاهرة (٢١ مارس ١٩٥٥) بعد إعطاء تفصيل عن الوضع العسكري والسياسي في الجزائر ما يلي: "من أجل ذلك اتحدنا نحن الجزائريين المسؤولين المقيمين بالقاهرة، في جبهة واحدة، هي (جبهة تحرير الجزائر) عاملين على مساندة الشعب الجزائري في كفاحه القومي من أجل الحرية والاستقلال".
ونود أن نبدي ملاحظة هامة هنا، وهي أن رأي الشيخ الإبراهيمي عندئذ لم يكن مجرد رأي سياسي يعبر عن قبول كذا أو رفضه، مثل بقية الزعماء، وسواء تعلق الأمر بممثلي جبهة التحرير الوطني أو تعلق الأمر بالسلطات المصرية، فإن رأي الشيخ الإبراهيمي كان عبارة عن (فتوى) تقول للشعب الجزائري إن الجهاد قد حق عليك وإن السلطات الفرنسية في الجزائر إنما هي سلطات كافرة يجب مكافحتها شرعًا. بالإضافة إلى الوزن السياسي لهذه الفتوى، فالشيخ الإبراهيمي كان من رجال الدين البارزين وكان مشهودًا له بالتعمق في الفقه والأصول وأحكام الشريعة الإسلامية، وكان زعيمًا لهيئة تجمع إلى الدفاع عن الدين الإسلامي حرية التعليم العربي، وإحياء الشخصية العربية- الإسلامية، ولذلك قلنا إن رأيه ليس في وزن رأي زعيم آخر في بلاده أو في خارجها، فقد كان ينظر إليه على أنه يمثل فتوى شرعية للجهاد والتحرير، وستلاحظ أن العناوين وروح المقالات التي ستقرأها مليئة بالعبارات الدينية والجهادية، مثل (الرضى بسلب الدين كف)، ومثل (موالاة المستعمر خروج عن الإسلام)، كما أنها مليئة بقوة البيان وبلاغة الأسلوب، وهو أمر قامت عليه شهرة الشيخ الإبراهيمي أيضا كحافظ وأديب ولغوي.
стр. 1874
وتضم مجموعة الوثائق قضايا أخرى عديدة لا سبيل لذكرها جميعًا، وإنما نكتفي بالإشارة إلى بعضها مصنّفة هكذا:
١ - العروبة والإسلام، وهو الموضوع العزيز على الشيخ الإبراهيمي الذي جعل منه شعار جريدة «البصائر» عند توليه تحريرها.
٢ - اللغة العربية والتعريب في الجزائر، وقد عالج هذا الموضوع في عدة مناسبات منها الرسالة التي بعث بها إلى مؤتمر التعريب في الرباط، ومداخلته في مجمع اللغة العربية
بالقاهرة.
٣ - تاريخ الجزائر عمومًا ولا سيما منذ الاحتلال، فقد خصص لذلك مقالات منها (صفحات مشرقة في تاريخ الجزائر)، و (يوم الجزائر الثائرة)، و (الإسلام في
الجزائر)، إلخ.
٤ - الربط بين التاريخ الإسلامي وثورة الجزائر، وقد تمثل ذلك في مقالاته (عبرة من ذكرى بدر)، و (نفحات من فتح مكة)، و (شرعة الحرب في الإسلام) و (من وحي العيد).
٥ - الصلة بين قضية الجزائر والدول الإسلامية مثل دور الدول الإسلامية في المؤتمر الآسيوي- الافريقي (باندونغ)، وأسبوع الجزائر بالعراق، و (يوم الجزائر)، وغيرها
من الكلمات التي ألقاها في جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة، والبرقيات التي وجهها إلى بعض الملوك والرؤساء العرب والمسلمين.
٦ - الأدب والثقافة، وفي هذا النطاق نجد الكلمة التي ألقاها في المؤتمر الثالث للأدباء العرب، وهي عن حرية الأديب، ثم النهضة العربية في الجزائر، ثم حياته هو الشخصية "أنا" ...
وقد شاء القدر أن يكون آخر عمل في المجموعة وفي عهد الاستقلال هو: خطبة الشيخ الإبراهيمي في أول جمعة صليت في مسجد كتشاوة بعد إعادته لحظيرة الإسلام إثر غياب دام قرنا وثلاثين سنة، وكانت الخطبة رمزية فقط فهي لا تمثل حدثًا أدبيًا بارزًا. كما كان الشيخ الإبراهيمي مشهورًا بذلك في الأربعينات والخمسينات في مثل تلك المناسبات. كما يشاء القدر أن تجمع المجموعة أيضا بيانًا أعلنه الشيخ حول تجربة الجزائر المستقلة على قصرها، وبداية انحراف الثورة عن مسارها. فقد لاحظ الشيخ الإبراهيمي بنظرته الثاقبة أن الثورة التي دعا إليها في نوفمبر ١٩٥٤ قد حادت عن طريقها منذ برنامج طرابلس والممارسات العشوائية التي تلت الاستقلال وبداية الدخول في متاهة الغموض الفكري والتقليد الأعمى لتجارب
стр. 1875
الدول الأخرى والابتعاد عن تجربة الجزائر والمبادئ التي وضعها الشيخ عبد الحميد بن باديس وحافظ عليها الشيخ الإبراهيمي باسم جمعية العلماء. وبذلك يكون الإبراهيمي قد دق ناقوس الخطر في الوقت المناسب، ولكن الآذان كانت صماء فلم تفق إلّا بعد فوات الأوان، أي بعد أحداث أكتوبر ١٩٨٨ وما تلاها من اهتزازات وتداعيات ما نزال نتجرع علقمها وصابها إلى اليوم. ولكن حسب الشيخ الإبراهيمي أنه أعد جيلًا ثوريًّا ودعا إلى الثورة منذ بدايتها، يوم أن كانت حركة شعبية وجهادية، وأنه حذّر قومه من العواقب الوخيمة يوم أن أصبحت الثورة شعارات وخطبًا ومناصب وأفكارًا مستوردة من كل الأسواق العالمية.
ولا حرج عليه بعد ذلك. فكم من نبي أضاعه قومه.
مينيابوليس، ١٨/ ٨/ ١٩٩٣
أبو القاسم سعد الله
стр. 1876
- ٢ -
منذ سنوات قليلة صدَّرت قسمًا من هذا الكتاب حين طبع تحت عنوان "في قلب المعركة". وقد ضمّ عندئذ حوالى أربعين موضوعًا كلها تتناول الثورة الجزائرية من قريب أو من بعيد. ثم بدا للمشرفين على تراث الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أن يجمعوا ما نشر في كتاب "في قلب المعركة" مع ما عثروا عليه للشيخ من موضوعات جديدة، أو موضوعات قديمة ولكنها كانت مبتورة وأصبحت الآن مستكملة، وأدخلوها ضمن السلسلة التي تحمل عنوان "آثار الإمام الإبراهيمي". فنتج عن ذلك هذا الجزء الخامس الذي نقدّمه. وهو جزء جمع حوالي خمسة عشر عنوانًا جديدًا، وإذا كان الكتاب الأخير يكاد يكون مقصورًا على الثورة الجزائرية وسيرة الشيخ، فإن الموضوعات المضافة تُوسّع من نطاق معرفتنا لآثار الشيخ الإبراهيمي الأخرى. ففيها موضوعات ذات أهمية، لها علاقة بالأدب والتاريخ وحياة بعض الأدباء والشعراء والمفكرين.
إن الطابع المشترك بين موضوعات هذا الكتاب هو تحريرها خلال عشر سنوات (١٩٥٤ - ١٩٦٤)، أي مرحلة الثورة والسنتين الأوليين للاستقلال. وهي المرحلة التي عاش الشيخ معظمها في المشرق العربي الإسلامي (١٩٥٤ - ١٩٦٢). وعاش أقلها في الجزائر. وسيلاحظ القارئ أن كل الموضوعات تحمل بصمات هذه المرحلة، من تقلبات سياسية وقيادية في المشرق، وتطورات للثورة نفسها، والأحداث الأولى لاستقلال الجزائر.
وقد حاولت أن أصنف المواد الجديدة التي لم يضمها كتاب "في قلب المعركة"، فكانت كما يلي:
стр. 1877
أ) ـ[الجزائر وفرنسا]ـ: وهي التي لها علاقة وطيدة بالثورة الجزائرية، وتشمل:
١ - اللائحة الداخلية لجبهة تحرير الجزائر (١).
٢ - التكالب الاستعماري على الجزائر، وهو موضوع جيد، غير أنه مبتور، تعرض فيه الشيخ للاستعمار، والمقال لا يحمل تاريخًا أيضًا.
٣ - الاستعمار والشيطان، مقالة أرسلها الشيخ إلى جريدة الجمهورية المصرية، في مايو ١٩٥٥، ولا نعرف الآن هل نشرتها أم لا.
٤ - الاستعمار الفرنسي في الجزائر، من أهم الموضوعات الجديدة. (انظر لاحقًا).
٥ - جهاد الجزائر وطغيان فرنسا، مقالة كتبها بمناسبة يوم التضامن مع الشعب الجزائري في مصر، ١٥ مارس، ١٩٥٨.
٦ - في الذكرى الأولى للثورة، مقالة نشرت في مجلة "العرفان"، في شهر ديسمبر ١٩٥٥.
٧ - حديث لمجلة جمعية الشبان المسلمين، وفيه إنارات تعبر عن فكر الشيخ وبعض الخلفيات عن حياته.
ب) ـ[شخصيات]ـ: ويتضمن مقالات الشيخ عن كامل كيلاني، والدين في شعر شوقي، وفي مهرجان أحمد شوقي، وجمال الدين الأفغاني.
ج) ـ[الرسائل]ـ: وهي في الجملة قصيرة عدا تلك الموجهة إلى بعض علماء المملكة السعودية. وتشمل رسالة إلى أبي الأعلى المودودي، وإلى عبد الله كنّون، وإلى جمال عبد الناصر وشكرى القوتلي (رسالة واحدة موجهة للاثنين معًا)، وإلى مفتي السعودية، وإلى رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية أيضًا.
د) ـ[متفرقات]ـ: وتتضمن مقدمة كتاب العقائد الاسلامية لابن باديس الذي نشره محمد الصالح رمضان، واقتراحًا بتوسيع لجنة الفتوى، وإجازة إلى الشيخ محمد الفاسي.
حقيقة أن الموضوع الرئيسي في هذه الآثار هو: الجزائر وثورتها وتاريخها مع الاستعمار الفرنسي وموقف الشيخ من ذلك. وقد نوهنا بذلك في التصدير الذي كتبناه لكتاب "في قلب
стр. 1878
المعركة". ونودّ أن ننوه الآن بأمور أخرى. من بين الموضوعات الجديدة والمطولة موضوع "الاستعمار الفرنسي في الجزائر"، وهو حوصلة أربع محاضرات كان الشيخ قد ألقاها على طلبة معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة. لقد ابتعد فيها الشيخ عن موضوع الأدب والسياسة المباشرة، وعالج فيها تاريخ الجزائر بطريقة تلفت النظر. فكيف عثر الشيخ على المصادر؟ هل اعتمد على حافظته القوية فقط؟ والواقع أنه لم يستعمل الهوامش والتوثيق، ولم يلق المحاضرات من صفحات مكتوبة، وإنما ارتجلها كما هي عادته، ثم كتبها بعد الأسابيع الأربعة المحدّدة. وقد تصرّف في ذلك دون الارتباط بما ألقاه على الطلبة. ولكنه كان موفقًا غاية التوفيق في المنهج. فقسم تاريخ الجزائر إلى مراحل وانتهى به إلى عهد الاحتلال الفرنسي، وتحدث عن دور الأحزاب وجمعية العلماء، ونحن نجد آراء جديدة في هذه الدراسة حول القضايا المعاصرة من وجهة نظر دارس ومحلل ومعاصر، وليس كاتبًا لمقالة أو خاطرة سريعة. وكان الأجدر أن تطبع هذه المحاضرات- رغم أنها غير كاملة- في كراسة وحدها لتعميم فائدتها على الجيل الحاضر.
وقد وصف الإبراهيمي منهجه في الدراسة فقال: "وألممت فيما كتبت بشيء من تاريخ الجزائر من يوم أسلمت، ومن يوم تعربت، ثم بشيء من أخبار الدول التي قامت بها من أهلها، ثم مررت بتاريخ العهد التركي، وهو أطول العهود فيها، مرورًا أهدأَ مما سمعه الطلاب مني وأبطأ" أي أنه توسع في العهد التركي (العثماني) أكثر من غيره، ولم يتوسّع الشيخ في تناوله للاحتلال، وما صاحبه من تطورات سياسية وثقافية واجتماعية، رغم أنه عالج ذلك بتوسع، كما ذكرنا، ونفهم من المدخل الذي كتبه الشيخ لمحاضراته أنه قدمها بعد كتابتها، إلى إدارة المعهد لتطبعها وتوزعها على الطلاب. فهل طبعت المحاضرات فعلًا عندئذٍ؟ إننا لم نجد تعليقًا يفيدنا ذلك (٢).
ولعل من أفضل ما كتب الشيخ الإبراهيمي في هذه الدراسة هو وصفه للأحداث والشخصيات التي عاصرها أي منذ العشرينات، فقد ألقى أضواء كاشفة على قيادات ذلك الوقت، سيما الأمير خالد، والحاج محمد بن رحال، والدكتور موسى، والدكتور ابن جلول، وهي القيادات التي سماها "سياسية" فقط. كما تحدث عن الحركات الأخرى التي سماها "الوطنية" والتي منها جمعية العلماء وحزب الشعب وحزب البيان. ومن الأسف أن حديثه عن هذه "الهيئات" كما يسميها لم يغط سوى جمعية العلماء، وانقطع النص بعد ذلك. فلم نعرف هل أكمل الحديث عن الحِزْبَيْن المذكورين أو لم يكمله.
стр. 1879
ومن الموضوعات الجديدة التي تلفت النظر أيضا كلمة الشيخ عن المفكر الثائر جمال الدين الأفغاني. فلأول مرة نطلع على تقدير الشيخ للأفغاني في عبارات قوية عرّض فيها "بعلماء القشور والرسوم" الذين ينظرون إلى الأفغاني على أنه "ليس عالمًا دينيًا بالمعنى الذي يفهمونه من الدين" لأن العالم الديني عندهم هو "حاكي أقوال وحافظ اصطلحات وراوي حكايات". وقال ان "أصحاب العقول المدبّرة والأفكار المثمرة، والبصائر النيرة، والموازين الصحيحة للرجال، فإنهم يرون الأفغاني عالمًا أي عالم، وفردًا انطوى على عالم، وحكيمًا أي حكيم، وأنه أحيى وظيفة العالم الديني وأعادها سيرتها الأولى، وأنعش جَدَّها العاثر، وجدّد رسمها الداثر". وكانت علاقة الشيخ الإبراهيمي تاريخيًا بفكر الشيخ محمد عبده ورشيد رضا أوضح من علاقته بفكر الأفغاني لأنه كتب بنفسه عن ذلك في عدة مناسبات، وكانت جمعية العلماء تعتمد في ظاهر الأمر مذهب الشيخ عبده وتفضله على مذهب الأفغاني، ولكن الإبراهيمي في كلمته الجديدة ظهر منتصرًا للأفغاني انتصارًا كبيرًا. ومع ذلك فقد كنا نتمنى أن لو تعرض الإبراهيمي إلى صلة مذهب الأفغاني بالفكر السياسي والإصلاحي في الجزائر. ذلك أن كلمته اقتصرت على الحديث عن شخصية وحكمة ودور الأفغاني كوجه من وجوه الشرق والإسلام.
تمنى الإبراهيمي في مقالته "فرنسا وثورة الجزائر"- وهي مقالة قديمة أضيف إليها ذيل- أن يقيّض الله لثورة الجزائر مؤرخًا من أبنائها "مستنير البصيرة" مسدد الفكر والقلم، صحيح الاستنتاج، سديد الملاحظة، فقيهًا في ربط الأسباب بالمسببات" ليكتب "تاريخًا لا يقف عند الظواهر والسطحيات ... بل يتغلغل إلى ما وراء ذلك من الأسباب النفسية التي تحرك فرنسا إلى هذه المجازر البشرية وإلى العوامل التي تدفع المقاتلين (الجزائريين) إلى هذه الاستماتة في حرب حارت فيها عقول ذوي العقول ... " وأضاف "لا نخطط الخطوط لذلك المؤرخ المرتقب، ولا نحدد الحدود لذلك المؤرخ، ولا نقدم له صورة هينة، فذلك المؤرخ الذي أعدَّه الله لهذه المنقبة لعله لم يولد بعد، وإنما الشرط فيه أن يكون جزائريًّا". إن هذا الرأي يضع مواصفات المؤرخ الذي سيكتب تاريخ الثورة، كما يضع أيضًا مواصفات للمؤرخ عمومًا، كالثقافة المتينة، وقوّة الاستنباط، والبحث عن العلل والأسباب والغوص وراء الظواهر، ومعرفة الدوافع الباطنية.
أتينا بهذه العينات من كتابات الشيخ الإبراهيمي في الموضوعات الجديدة ليعرف القارئ أننا أمام مادة غزيرة أخرى تكشف عن هوية الشيخ المتمثلة في الوطنية والعروبة والإسلام. وعلينا أن نضيف إلى ذلك كتاباته المجهولة عن شوقي في المقالتين المذكورتين إذ يقدم الشيخ فيهما خلاصة رأيه في هذا الشاعر الذي أحبَّ الإبراهيمي شعره حتى كان يحفظ الكثير منه منذ كان في العشرين من عمره. وقد روى في مكان آخر أنه عند توقفه بمصر ممنة ١٩١١ ذهب إلى
стр. 1880
منزل شوقي (كرمة ابن هانئ) وقرأ على الشاعر جملة من أشعاره التي وصلت إلى الجزائر، وطالما كان الإبراهيمي يحدثني عن قيمة شعر شوقي ويرويه ويضعه في مصاف أعاظم الشعراء.
وأعرف شخصيًّا مدى المودة التي كانت تربط بين الشيخ الإبراهيمي وكامل كيلاني الذي كنت أراه يتردد على مركز جمعية العلماء بالقاهرة حيث مكتب الإبراهيمي وغرفة نومه. ولكني لم أكن أعرف أن الشيخ قد كتب منوهًا بمجموعة من كتب كيلاني، حتى اطلعت على مقالته في هذه الآثار. ويتصل بذلك رسائله إلى كل من المشائخ أي الأعلى المودودي وعبد الله كنون.
أما رسائله إلى مفتي المملكة العريية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وإلى رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بها، الشيخ عمر بن حسن. وإلى الرئيسين عبد الناصر وشكري القوتلي، فموضوعها مختلف. فالرسائل الأولى تتعلق بالثورة الجزائرية ودور رجال الدين في المملكة وحثهم على دعوة أهل البلاد للتبرع بالمال للثورة كما تقتضيه الأصول الإسلامية والأخوة العربية. وهي رسائل جمعت بين لغة الإبراهيمي البيانية وثقافته الدينية العميقة ومهارته الدبلوماسية أيضا. ويكفي أن نعرف أن هذه الرسائل قد حملها وفد جزائري رسمي كان متوجهًا إلى السعودية. وفي رسالته إلى الرئيسين، ناصر والقوتلي، تهنئة لهما بوحدة مصر وسورية وميلاد الجمهورية العربية المتحدة، وتحذير من المتخاذلين والمثبطين. وقد عشنا معًا هذا الحدث التاريخي، ولكني كنت في أمريكا عندما انهارت تلك الوحدة، فلم أدر كيف كان شعور الشيخ الإبراهيمي عندئذٍ. ولا شكّ أنه قد أصيب بالحسرة والأسى أيضًا، غير أن عزاءه كان في ثورة الجزائر فهي التي كانت تبشر بمستقبل عربي زاهر.
وتكشف هذه الآثار أيضًا عن زيارة الشيخ الإبراهيمي إلى الشاعر حافظ إبراهيم سنة ١٩١١، وبعض التفاصيل عن خط سفره من القاهرة إلى الحجاز (بور سعيد، حيفا، تبوك، المدينة المنورة)، وعن دروسه في الأزهر وغيره ثلاثة أشهر على: يوسف الدجوي، والحسين عبد الغي محمود، ونجيب شيخ الرواق العباسي، وسعيد الموجي. وقد ذكر الشيخ الإبراهيمي أن ابن باديس قد تلقاه في تونس سنة ١٩٢٠ أثناء رجوعه من الشام، وهي معلومة جديدة تدل على التواصل بين الشيخين منذ لقائهما في المدينة المنورة سنة ١٩١٣. كما تدل على أن ابن باديس لم يقطع صلته بتونس، فلعله كان يذهب إليها من حين إلى آخر، حتى قبل أن تثير الصحف الاستعمارية الضجة حول زيارته لها خلال الثلاثينات عند ما جاء للترحيب بعودة صديقه عبد العزيز الثعالبي، ١٩٣٧. وفي إجازة الشيخ الإبراهيمي لمحمد الفاسي لقطة قديمة- جديدة في آنٍ واحد. وهذه الإجازة هي من آخر ما كتب الشيخ (١٩٦٤) إذ كان عندها على فراش المرض. وهي لا تضيف جديدًا لأسانيد الإبراهيمي العلمية التي نعرفها، ولكن الرجوع إلى أسلوب الإجازات الذي طالما انتقد الإبراهيمي القدماء على تساهلهم فيها أمر يلفت النظر أيضًا.
стр. 1881
ان آثار الإبراهيمي ما تزال في نظرنا متفرقة ولم تجمع كلها. ومن الذين نظن أنهم كانوا يملكون منها ويعرفون عنها الكثير أو القليل، كاتبه السيد عبد الرحمن الذي كان المتكفل برقن ما يكتبه الشيخ أو يمليه عليه اختزالًا، والذي كان يقُومُ له بتنظيم كل المواعيد والاتصالات مع الجامعة العربية والسلطات المصرية والجهات والهيئات والشخصيات المختلفة. فهو الذي كان يعرف "أسرار" الإبراهيمي، وقد بقى معه عدة سنوات، بعضها قبل وصولي شخصيًّا إلى القاهرة، خريف ١٩٥٥.
كما أن الشيخ أحمد الشرباصي كان موضع ثقة الإبراهيمي ومحل سره في أمور كثيرة. وكان الشرباصي عندئذٍ شيخًا في مقتبل العمر، نشيطًا في الأزهر وفي جمعية الشبان المسلمين، وفي الهيئات العربية والإسلامية. وكان الإبراهيمي يعامله معاملة خاصة، ويخاطبه بعبارة "ولدنا" ونعتقد أن أوراق عبد اللطيف دراز، والحاج أمين الحسيني، والأمير الخطابي، ومحمد علي الحوماني، وأحمد الشقيري، وشخصيات أخرى مصرية وسعودية وسورية ... تتضمن مجموعة من رسائل الشيخ الإبراهيمي وآثاره المكتوبة الأخرى وعلى الباحثين المهتمين أن يواصلوا البحث عنها. وعندئذٍ لن يكون هذا الجزء الخامس من آثار الشيخ سوى جزء من أجزاء أو حلقة من سلسلة طويلة.
١٨ رمضان ١٤١٧هـ / ٢٧ يناير ١٩٩٧م.
أبو القاسم سعد الله
جامعة آل البيت (الأردن)
стр. 1882
السياق التاريخي (١٩٥٤ - ١٩٦٥)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن إيمان الإمام محمد البشير الإبراهيمي بالجهاد وسيلة لتحرير الوطن من الاستعمار هو من إيمانه بربه الذي أنزل في كتابه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾، وأنزل: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، ومن اقتناعه بأن الفرنسيين لا يخضعون إلّا للقوّة، حيث كتب سنة ١٩٥٠ يخاطب الشعب الجزائري ويغرس في قلبه هذه الحقيقة: "إن القوم- الفرنسيين- لا يدينون إلّا بالقوّة، فاطلُبها بأسبابها، وَأْتها من أبوابها، وأقوى أسبابها العلم، وأوسع أبوابها العمل، فخُذْهُما بقوّة تَعِشْ حميدًا وتمُتْ شهيدًا" (١)، ويضاف إلى ما سبق معرفة الإمام بنفسية الشعب الجزائري الذي فُطر على حُبّ الجهاد، دفاعًا عن دينه، وعرضه، وأَرضِه التي سُمّيت في فترة من تاريخه: "أرض الجهاد"، وسُمّي أحدُ أبواب عاصمته "باب الجهاد" (٢). فمسألة تحرير الجزائر عن طريق الجهاد مسألة مفروغ منها بالنسبة للإمام الإبراهيمي، وإن تقول المتقولون، وأَرْجَف المرجفون.
بيد أن الإمام كان مقتنعًا أن إعلان الجهاد من غير إعداد للشعب هو إلقاءٌ به إلى التهلكة، وتضحية بأبنائه من غير جدوى، وكان يؤمن أن أهم إعداد لذلك الجهاد هو تحرير عقول الجزائريين ونفسياتهم، لأنه "محال أن يتحرر بَدَنٌ يحمل عقلًا عبدًا" (٣). ولا شك أن
стр. 1883
تحرير العقول أصعب وأشق من تحرير الحقول، ذلك أن تحرير الحقول يستطيع أن يقوم به كل شخص، أما تحرير العقول فلا يقدر عليه إلّا راسخ في العلم عميق في الفهم، صادق في العزم، مخلص في القصد.
من أجل ذلك قضى الإمام الإبراهيمي أزهر مراحل عمره في تحرير عقول الجزائريين وتغيير ما بأنفسهم، وقد عمل في سبيل هذا الهدف في عدّة جبهات:
١) جبهة الطرقية المنحرفة وعلماء الدين الرسميين، الذين ضلّ سعيهم، واتخذوا الفرنسيين أولياء لهم، ورضُوا بالدنية في دينهم، وأوحوا إلى الشعب الجزائري أن الاستعمار قضاء وقدر لا مرَدَّ له، وأن رفضه ومقاومته محادة لله. وكذبوا، وصدق الله القائل عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾. وهل يوجد من هو أفحش من الاستعمار الفرنسي الذي اغتصب البلاد، واستعبد العباد، وأهان الدين، وانتهك الأعراض، ونشر الجهل، وحرَّم العلم، وأمر بالمنكر ونَهَى عن المعروف؟
٢) جبهة المستَلَبِين، الذين نالوا نصيبًا من الثقافة الفرنسية، فانسلخوا من دينهم، واحتقروا لغتهم، وسخروا من تاريخهم، وكان أكبر همهم أن ترضى عنهم فرنسا، فدعوا إلى إدماج الجزائر فيها طوعًا أو كرهًا. وقد كان الإمام الإبراهيمي يعتبرهم ضحايا يجب إنقاذهم، ومرضى يجب إسعافهم. وقد أرجع الإمام سبب ضلالهم إلى الطرقيين الذين أشاعوا الخرافات، ونسبوها إلى الإسلام، وإلى المستشرقين الذين شوهوا صورة الإسلام، وعرضوه في أبشع الصور تنفيرًا منه. وقد استطاع الإمام أن ينقذ كثيرًا من هؤلاء المستلبين، وأن يعيدهم في ملتهم، بعد أن عرَّفهم بحقيقة الإسلام، وبأمجاد المسلمين التاريخية، ومنجزاتهم العلمية، وقد استفادت الثورة- فيما بعد- مِنْ خدمات طيبة قدَّمها هؤلاء.
٣) جبهة "الطرقية السياسية" (٤)، وهم الذين أبدلوا الجزائريين "الزعيم" بشيخ الطريقة، وحصروا القضية الوطنية في شخص، وهذا ما سماه بيان أول نوفمبر ١٩٥٤ "التوجيه المنحرف" للحركة الوطنية، وما ندَّد به مؤتمر الصومام في وثيقته سنة ١٩٥٦. وقد أشار الشاعر مفدي زكريا إلى هذه الفكرة بقوله:
وتأبى الزعامات كبح الطموح، ... فتصنع للخُلف شكلًا جديدًا.
وتغزو السياسة فكر الزعيم ... فيصبح فكر الزعيم بليدًا
كأن الزعامة إعصار جان ... ولم أر للجان عقلًا رشيدًا (٥).
стр. 1884
٤) الجبهة الفرنسية، فقد عمل على نزع هيبة الفرنسيين ورهبتهم من صدور الجزائريين، وكان يردّد في مقالاته وخطبه أن قوّة الفرنسيين من ضعف الجزائريين، الناشئ عن التفرّق، والجهل، والكسل، ويوحي إليهم بعدم الاستسلام "فلا أظلم من الظالم إلّا من يخضع لظلمه ويحترم قوانينه الظالمة"، و"لا تستيئسوا، إن لم يكن لكم بعض ما لديهم من القوّة المادية، فعندكم من القوّة المعنوية ما لو أحسنتم تصريفه واستغلاله لغلب ضعفكم قوّتهم" (٦). وكان يُشيع لفظ الحرية حتى تألفه الأُذُن، ويهفو إليها القلب، وتسعى إلى نيلها اليد، وفي هذا الإطار يدخل وصفُ مؤسسات الجمعية والمنتسبين إليها بالحرية، فمدارسها حرّة، وتعليمها حر، ومعلموها أحرار، ومساجدها حرّة، وصحافتها حرّة .. وقد أشار المسؤولون الفرنسيون إلى بعض أعمال الإمام الإبراهيمي في هذا الشأن، حيث جاء في تقرير والي وهران إلى الوالي العام الفرنسي "إن الإبراهيمي ليس فقط محركًا للضمير العام، ولكنه أصبح المحرك لكل الأنشطة السياسية المحلية الأهلية ذات الطموح المضاد لفرنسا" (٧). ومن وسائله في ذلك ما حدّثني به الأستاذ أحمد بن ذياب- في أفريل ١٩٨٦ - من أن الإمام الإبراهيمي كان ينظم الأزجال باللهجة العامية يندّد فيها بفرنسا، ويدعو إلى عدم رهبتها، والاستعداد لطردها من الجزائر، ويسرب تلك الأزجال إلى المدَّاحين لإنشادها في الأسواق، والمناسبات الاجتماعية والأعياد الدينية.
حقق الإمام- وجمعية العلماء- نجاحًا كبيرًا في تحرير عقول الجزائريين، فنبذ أغلبهم الطرقية، ولم يعودوا "فقراء" (٨) إلى شيوخها، وتبرأوا من الاندماجيين الذين أصرُّوا على موقفهم، وتخلصوا من ظاهرة تقديس الزعيم وعبادة الشخص، وأخرَجُوا الاستعمار من صدورهم فخرج- بعد حين- من أرضهم. ولاحظ الإمام في جولاته عبر التراب الوطني، وفي اتصالاته بمختلف فئات الشعب أن الوعي قد انتشر، وأن تحرير العقول والنفوس قد تمّ أو يكاد يكتمل، فأيقن أن ساعة فرنسا في الجزائر قد اقْتَرَبَتْ، وأنها آتية لا رِيْبَ فيها، وأدرك أن هذه "الظواهر الهادئة، ما هي إلّا أواخر فورة وأوائل ثورة" (٩) و "ليُوشكنَّ أن يغير الله ما بنا بعد أن غيرنا ما بأنفسنا" (١٠).
стр. 1885
عند ذلك انتقل الإمام إلى مرحلة جديدة وهي بداية "تدويل القضية الجزائرية"، فسافر إلى باريس مبشرًا ونذيرًا: التقى الإمام وفود الدول العربية والإسلامية إلى مؤتمر الأمم المتحدة، فحياها "باسم الجزائر العربية المسلمة المجاهدة"، وبشر تلك الوفود بقوله: "إن الجزائر ستقوم قريبًا بما يدهشكم من تضحيات وبطولات في سبيل نيل استقلالها، وإبراز شخصيتها العربية الإسلامية" (١١)، وأنذر فرنسا بأن مرحلة الكلام قد انتهت و"أن بعد اللسان لَخَطيبًا صامتًا هو السنان، وإننا لرجال، وإننا لأبناء رجال، وإننا لأحفاد رجال ... وإن فينا لقطرات من دماء أولئك الجدود، وإن فينا لبقايا مدخرة سيُجَلِّيها الله إلى حين" (١٢).
ثم سافر الإمام إلى المشرق، ليهيئ شعوبه وحكوماته ودوله لمساعدة الجزائر، وقد نجح الإمام نجاحًا كبيرًا في هذه المهمة، دل على هذا النجاح سرعة تجاوب الدول العربية شعوبًا وحكومات مع الشعب الجزائري، واحتضان جهاده، وإمداده بمختلف أنواع المساعدات المالية والعسكرية والدبلوماسية، حيث تكفلت المملكة العربية السعودية بعرض قضية الجزائر في هيئة الأمم المتحدة (١٣)، وذلك في شهر ديسمبر سنة ١٩٥٤.
وأخذت الصيحة- في أول نوفمبر ١٩٥٤ - الذين ظلموا، حين أعلن الشعب الجزائري جهاده، فعَقَدت الدهشة ألسِنَة بعض السياسيين الجزائريين، وانطلقت ألْسِنَة "التقدميين" تندد "بالإرهاب"، وتشجب "العنف"، ولكن شخصية واحدة كانت يقظة مع خيوط فجر ذلك اليوم، وعرفت أن الفجر صادق، وأن المؤذن حقيقي، فاستجابت للنداء. إنها شخصية الإمام محمد البشير الإبراهيمي.
إن أول مؤيد للجهاد الجزائري هو الإمام محمد البشير الإبراهيمي، فقد أصدر مكتب جمعية العلماء بالقاهرة يوم ٢ نوفمبر ١٩٥٤ بيانًا (١٤)، حَمَل فيه على فرنسا، وحمَّلَها عاقبة ما ارتكبته في الجزائر، وأكَّد لها أننا "سنكون سبب موتها"، ثم ذكَّر حكومات المشرق العربي بواجبها في "إمداد وتشجيع" هذه الحركات المتأججة في المغرب العربي.
ثم أكّد ذلك البيان ببيان آخر يوم ٣ نوفمبر ١٩٥٤، حَيَّى فيه الثائرين الأبطال الذين سفَّهوا زعْمَ فرنسا أن الجزائر راضية بها مطمئنة إليها، والذين شدوا عضد إخوانهم في تونس
стр. 1886
والمغرب، والذين وصَلُوا حلقات الجهاد الذي هو طبيعة ذاتية في الجزائري، ثم ذكَّرهم بجرائم فرنسا في حق دينهم ودنياهم، وأنه ليس أمامنا إلّا "بقاء كريم أو فناء شريف" (١٥).
ثُمَّ عزَّز الإمام ذانيك البيانين بثالث وجَّهه إلى الشعب الجزائري المجاهد، حياه فيه، وذكَّره بغدر فرنسا، وأياديه البيضاء عليها، ونكرانها لجميله، "فلم تُبْقِ لكم دينًا ولا دنيا". وحذَّر فيه الجزائريين من النكوص والتراجع، وأكَّد لهم أن فرنسا "تنظر إليكم مسالمين أو ثائرين نظرة واحدة، وهي أنها عدو لكم، وأنكم عدٌّ لها، ووالله لو سألتموها ألف سنة لما تغيرت نظريتها العدائية لكم، وهي بذلك مصممة على محوكم ومحو دينكم وعروبتكم وجميع مقوماتكم". ثم يدعوهم جميعًا "إلى الكفاح المسلح ... فهو الذي يسقط علينا الواجب، ويدفع عنا وعن ديننا العار" (١٦).
لقد كانت هذه البيانات الصادرة كلها في العَشْر الأوائل من نوفمبر ١٩٣٤، عن أهم شخصية دينية وسياسية جزائرية- من غير أن يطلب منه طالب، أو يضغط عليه ضاغط- كانت تلك البيانات ضربة قاضية على كل مناورة يمكن أن تلجأ إليها فرنسا في حال سكوته.
كما قدَّمت تلك البيانات دعمًا قويًا للمجاهدين، ونفخت في الثورة روحًا وهي في أوهن مراحلها، حيث أخرجت الشعب الجزائري من التردد والحيرة اللذين كان يمكن أن يُصَابَ بهما، لجهله بمصدر الثورة، وتوجُّهِها، فبيانات الإمام الإبراهيمي شهادة للشعب الجزائري على شرعية المولود- الثورة- وصحته ...
وكما أدّت هذه البيانات دورًا هامًا في تقبل الشعب بسرعة للثورة، كانت بمثابة جواز مرور للمسؤولين عنها- الثورة- إلى قادة جل الدول العربية والإسلامية، الذين لم يكونوا يعرفون مسؤولًا واحدًا من مسؤولي الثورة، وزاد من تقبل قادة تلك الدول للثورة ومسؤوليها طلب الإمام الإبراهيمي من شيخ الجامع الأزهر يوم ١٢ نوفمبر ١٩٥٤ أن يدعوَ المسلمين إلى الجهاد ضد فرنسا (١٧)، الأمر الذي جعل الضابط الفرنسي سِرْفْييِ، المتخصص في علم الاجتماع، يكتب في جريدة لُومُوند ( Le Monde) " ان جمعية العلماء هي المسؤولة عن هذه الحوادث" (١٨). ولا شك أن هذا الضابط يعلم أن الجمعية ليست هي التي أطلقت
стр. 1887
الرصاصات، ولكنها هي التي حررت عقول من أطلقوا تلك الرصاصات وأنفسهم، "فثورة الفاتح من نوفمبر كانت ترجمة عملية لفكرة العلماء العربية الإسلامية" (١٩)، حيث "لم تنجح حركة سلفية في بلد عربي أو إسلامي وتأخذ طريقها إلى الحياة العملية لتكون أساس النضال كما نجحت في الجزائر" (٢٠).
لقد أزعجت هذه البيانات الذين في صدورهم مرض، وفي قلولهم غل لجمعية العلماء ولرئيسها الإمام محمد البشير الإبراهيمي، لأنهم كانوا يتمنون أن لا تؤيد الجمعية جهادَ شعبٍ علمته معنى الجهاد، ووجوبه، أو أن يتأخر تأييدها، فيصبح لا قيمة له، كإيمان فرعون الذي لم يعلنه إلّا بعد أن أدركه الغرق، فرُدَّ عليه.
لذلك، فإن بعض من كتبوا عن ثورة الشعب الجزائري أهملوا الإشارة إلى هذه البيانات وموقف الإمام محمد البشير الإبراهيمي من جهاد شعبه، ومنهم من أشار إلى تلك البيانات وإلى ذلك الموقف على استحياء، ومنهم من فرّق بين موقف الإمام الإبراهيمي وبياناته وبين موقف الجمعية، فقالوا إن هذه البيانات تعبير عن موقف شخصي للإمام الإبراهيمي الذي كان بالقاهرة، وبالتالي فهي لا تعبر عن موقف الجمعية.
ولنسأل هؤلاء الجناة على الحقيقية التاريخية: إذا كان الإمام يتكلم باسمه الشخصي، ولس باسم جمعية العلماء، فلماذا يوقع تلك البيانات بصفته رئيس جمعية العلماء؟ ولماذا يصر على ذكر مصدر تلك البيانات، وهو مكتب جمعية العلماء بالقاهرة؟
ولنسألهم مرة أخرى: لو لم تكن تلك البيانات باسم جمعية العلماء، فلماذا سكت عنها هؤلاء العلماء؟ ولماذا لم يستنكروها؟ أو يتبرأوا منها؟ أو يشجبوا موقف الإمام؟
إن الحقيقة التي يؤمن بها هؤلاء المزوِّرُون للتاريخ، وتستيقنها أنفسهم، ولا تنطلق بها ألسنتهم ولا تسطرها أقْلامُهُم، هي أنه كَبُر عليهم أن تُغَبِّر الجمعية ورئيسها في وجوههم، وتحوز الجمعية ورئيسها بالسَّبْق تفضيلًا، فتحتضن جهاد الشعب الجزائري، وتتركهم في ضلال مبين، رغم ادعائهم التحليل العميق والتنبؤ الدقيق.
لقد كان في إمكان الإمام الإبراهيمي أن يلتزم الصمت وينتظر تطور الأوضاع كما فعل بعض السياسيين المحترفين، أو أن يندد "بالإرهاب" ويستنكر "العنف " كما فعل الشيوعيون،
стр. 1888
أدعياء الثورية، أو أن يصدر البيانات باسمه الشخصي ليجنِّبَ الجمعية التي يرأسها ويقودها السُّوءَ، ولكنه أدرك بحسه العميق وتحليله الدقيق أن هذا الذي وقع في أول نوفمبر بالجزائر هو "ثورة" وليس "فورة"، وأن هذه الثورة تتميز "بحسن التدبير والنظام والإحكام، وأن الثورة شعبية غير متأثرة بالتأثرات الحزبية، وأن طابعها عسكري، حازم، عارف بمواقع التأثير" (١).
من أجل ذلك، فهذه الثورة في أمسِّ الحاجة إلى مساندة هيئة ذات مصداقية لدى الشعب الجزائري، وتزكية شخصية موثوق بها لديه، ليحتضن الثورة ويُمِدَّها بأمواله وبنيه.
ولم يكن في الجزائر آنذاك هيئة موثوق بها وبرئيسها وأعضائها إلّا جمعية العلماء، فالشيوعيون لا تأثير لهم على الشعب الجزائري، لا قبل الثورة ولا في أثنائها ولا بعدها، فإدارتهم "إدارة مكتبية- بِرُوقراطية- لا صلة لها بالشعب، ولم تكن قادرة على تحليل الحالة الثورية تحليلًا صحيحًا .. (و) كان خضوع الحزب الشيوعي الجزائري للحزب الشيوعي الفرنسي خضوع بني وِي- وِي" (٢٢)، وكانوا أسارى نظريتهم الخيالية القائلة "بأنه من المحال تحرير الوطن الجزائري قبل انتصار طبقة العمال في فرنسا" (٢٣)، والقائلة بنفي "صفة الثورة على طبقة الفلاحين عامة والفلاحين الجزائريين منهم خاصة" (٢٤)، وأعضاء حزب أحباب البيان كانوا محدودي التأثير على الشعب الجزائري بسبب منطلقاتهم الفكرية التغريبية، وإيمانهم بإمكانية الوصول إلى نوع من الكيان السياسي المشترك بين الجزائريين والفرنسيين تحت السيادة الفرنسية.
وأما أعضاء حزب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، فقد كان بأسهم بينهم شديدًا، فقد انقسموا على أنفسهم، وصار يلعن بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا من أجل الزعامة والنفوذ الشخصي.
إن بيانات الإمام الإبراهيمي المتتالية المؤيدة للثورة، الداعية إلى تأييدها كانت مَدَدًا إلهيًا لها في أول عهدها، وفي مرحلة ضعفها، لأنها جعلت الشعب الجزائري يطمئن إليها ويثق بها، ويقبل عليها من غير تردد، ومن غير ضغط أو إكراه، "فدَفْع الجماهير إلى الثورة ضد المستعمر يكون دائمًا باسم الدين، لأن العربي في الجزائر- الذي لا يملك شيئًا يقتات به- ليس لديه إمكانية أخرى للتعبير عما يريده وما يرفضه في المجال السياسي سوى السير
стр. 1889
وراء ما يعتقد أنه طبقًا لعقيدته الإسلامية، ومن هنا كانت استجابته لتوجيه العلماء. (و) يلعب هؤلاء العلماء دورًا كبيرًا في إشعال الروح الدينية لدى الشعب، وفي دفعه من الناحية الدينية إلى الثورة ضد المستعمرين" (٢٣).
ولم يمض إلّا ثلاثة أشهر منذ إعلان الجهاد حتى تداعى أبناء الجزائر المقيمون في القاهرة، وفي مقدمتهم الإمام الإبراهيمي، وحرَّروا ميثاقًا، وأسسوا تنظيمًا سُمِّيَ "جبهة تحرير الجزائر"، "لخدمة الجزائر، والكفاح في سبيل تحريرها واستقلالها، مساندين بذلك جيش التحرير".
إن أثر الإمام الإبراهيمي في ذلك الميثاق ليظهر جليًا، وإن حقيقة الجزائر لتبرز فيه بروزًا قويًا، حيث وُصِفتْ بـ "العربية المسلمة"، ونصَّ البند الرابع على أن "الجزائر عربية الجنس، مسلمة العقيدة، فهي بالإسلام والعروبة كانت، وعلى الإسلام والعروبة تعيش" (٢٦)، وإن المرء ليتساءل عن تغييب هذا الميثاق عن أدبيات الثورة الجزائرية ووثائقها ونصوصها.
وراح الإمام الإبراهيمي- وقد أنقضت السنون ظهره، وأوهنت السبعون عظمه- يتنقل بين البلدان العربية ليحث مسؤوليها على تقديم المساعدات للجهاد الجزائري، ويدعوهم إلى الضغط على فرنسا، ويطالبهم بمقاطعتها اقتصاديًا، ومن هذا القبيل ما شهد به أحد المسؤولين العرب آنذاك، حيث قال: "كان- الإبراهيمي- يلتقي بصاحب العرش وولي العهد، كما كان يلتقي برئيس الوزراء ووزير الخارجية، حاثا إياهم على نصرة الجزائر سياسيًا وعسكريًا وماديًا" (٢٧)، و"لا شك في أن للشيخ البشير تأثيره الأكبر على الوفد العراقي- في الأمم المتحدة- في اندفاعه دفاعًا عن الجزائر" (٢٨)، كما "كانت له جهود موجهة إلى رجال الفكر القومي والصحافة وعلماء الدين .. يذكي فيهم الحماس والغيرة دفاعًا عن الجزائر" (٢٩)، "ففي كل الأحوال كان الشيخ البشير- ﵀ محفزًا للحكومة العراقية ومتتبعًا ما يجري في العراق من أجل الجزائر المجاهدة" (٣٠). وقد سجَّل الشعراء بعض نشاط الإمام الإبراهيمي الذي لم تقعده الأمراض والسن عن السعي الحثيث لحشد التأييد الشعبي والرسمي لقضية وطنه، ومن ذلك ما جاء في "ملحمة العروبة" للشاعر العراقي مصطفى نعمان البدري:
стр. 1890
فإذا "البشير" يجوب آفاق البلاد بقلب كابر
ويحاضر العربان في تاريخ أمجاد غوابر
ويحشِّد الرأي العميم لنصرة البلد المصابر
فيمد فيهم نخوة الشجعان تثأر للعوائر (٣١)
وكان الإمام الإبراهيمي- عندما لا تسمح له ظروفه الصحية أو التزاماته بالتنقل- يزوِّدُ مبعوثي الثورة إلى بعض البلدان العربية برسائل إلى علمائها من ذوي التأثير المعنوي والكلمة المسموعة، ليسهِّلوا لدى سلطات بلدانهم مهمة أولئك المبعوثين (٣٢) ..
وقد بلغ اندفاع الإمام الإبراهيمي في الدعوة إلى مساندة وطنه، والعمل على دعم جهاده إلى درجة قد يعتبرها بعض الناس تجاوزًا للحدود، وعدم مراعاة اللِّيَاقاتِ، حيث بعث برقية إلى الملك سعود يقترح عليه تكليف الأستاذين أحمد الشقيري وعبد الرحمن عزام، أو أحدهما "بالاستعداد لمتابعة قضايا الجزائر والدفاع عنها" (٣٣).
وقد قدَّم الإمام الإبراهيمي للثورة الجزائرية خدمات كبيرة في الميدان الإعلامي بأحاديثه التي ألقاها في الإذاعات العربية، وخاصة في إذاعة "صوت العرب" سنة ١٩٥٥، حيث لم يكن للثورة آنذاك جهاز إعلامي منظم، فكان لتلك الأحاديث دورها الكبير في تحسيس الشعوب العربية بالقضية الجزائرية، والمسارعة إلى دعمها، كما كان لها تأثير بالغ على الجزائريين للالتفات حول الثورة، وتأييدهم لها، ومساعدة أُسَر المجاهدين والشهداء.
وقد استغل الإمام الإبراهيمي حدثًا سياسيًا هامًا، هو انعقاد المؤتمر الإفريقي- الآسيوي بباندونغ في شهر مايو ١٩٥٥، فوجه رسالة صوتية إلى الدول الإسلامية المشاركة فيه، وعددها أربع عشرة دولة، وهي رسالة تتماشى مع ما أشرنا إليه في السياق التاريخي للجزء الرابع من هذه الآثار، وهو سعيه إلى إحياء فكرة الجامعة الإسلامية، وإخراجها من مرحلة الآمال إلى مرحلة الأعمال.
لقد ذكَّر الإمام تلك الدول بما يجب أن يُذَكِّر به عالِمٌ مسلم حر، وعرَّف بما يجب أن يعرفه المسؤولون المسلمون، ودَلَّهم على ما تمتلكه الأمة الإسلامية من أنواع القُوَى،
стр. 1891
ونبَّهَهُم إلى حسن استغلال تلك القُوَى لتحقيق أهداف أمتهم البعيدة والقريبة، ومنها تحرير فلسطين- قلب العالم الإسلامي- والمغرب العربي- الجناح الغربي للأمة الإسلامية (٣٤).
إن الإمام الإبراهيمي عندما يخاطب المسؤولين ويستنصرهم، ويستعديهم على الاستعمار لا يفعل ذلك انطلاقًا من اعتبارات سياسية أو مصلحية فقط، ولكنه يستند إلى مبادئ الإسلام وأصول الدين التي تفرض عداوة الظالم، وتوجب مقاومته بجميع أنواع القوى، وتحرِّم موالاة ذلك الظالم، لأن تلك الموالاة في حقيقتها "خروج عن الإسلام"، ولا يشفع لأولئك الموالين أعذار يعتذرون بها، أو معاذير يلقونها فـ "الموازين الإسلامية دقيقة تزن كل شيء من ذلك- المداراة، وطلب المصلحة- بقدره، وبقدر الضرورة الداعية إليه، وأظهر ما تكون تلك الضرورات في الأفراد لا في الجماعات ولا في الحكومات" (٣٥).
وهناك ميدان آخر ملأه الإمام الإبراهيمي باسم الجزائر، وكان فيه فارس المنابر، إنه ميدان المؤتمرات الأدبية، والمنتديات الفكرية، واللقاءات العلمية، ولولا الإمام الإبراهيمي لما علا للجزائر في ذلك الميدان صوت ولما ذُكِر لها اسم، مثل المؤتمر الثالث للأدباء العرب، ومؤتمر التعريب بالرباط، وندوة الأصفياء، وقد كان الإمام في تلك المؤتمرات والندوات واللقاءات أحرص على استقلال الأمة العربية أدبيًا وفكريًا ولغويًا من حرصه على الجوانب السياسية والاقتصادية التي لا تبرز- بما فيه الكفاية- خصائص الأمم ومميزات الشعوب؛ وإنما الذي يبرز تلك الخصائص ويجليها هو آدابها وأفكارها ولغاتها، "فيجب أن يظل أدبنا عربيًا في أصوله وقواعده، لا شرقيًا ولا غربيًا، يجب أن يظل أدبنا عربيًا يستمد شخصيته وأهدافه من حاجاتنا الواقعية لا المفتعلة ولا المزيفة" (٣٦)، ولذلك ينذر ويحذر من الآثار السيئة والعواقب الوخيمة التي تصيبنا من مخلفات الاستعمار الفكرية واللغوية في بلداننا المغاربية "التجارب تدل على أنها ستبقى فينا بقية غير صالحة تحمل أَلْسِنَة تَحِنُّ إلى اللغة الفرنسية، وتختار مخرج الغين الباريسية (٣٧) على مخرج الراء العدنانية، وأفئدة "هواء" تحن إلى فنون فرنسا وفتونها، وعقول جوفاء تحن إلى التفكير على النمط الفرنسي، ونفوس صغيرة
стр. 1892
تحن إلى حكمها الذي يرفع الأذناب على الرؤوس، وهمم دنية تحنُّ إلى حمايتها ... وهيهات أن يتحرّر شعب ولسانه مستعبَدٌ للغة أجنبية، أو يتحرر شعب متنكر للسانه، فاستقلال العرب لا يتم تمامه إلّا بتعريب ألسنتهم، وأفكارهم، وهممهم، وذممهم" (٣٨).
ومن حرصه على هذا الاستقلال اللغوي، وغيرته على اللغة العربية لم يتردد في أن يصدع بالنقد اللاذع لأكبر مؤسسة لغوية في العالم العربي، وهي مجمع اللغة العربية بالقاهرة، حيث قال في كلمته التي ألقاها باسم الأعضاء الجُدد في ذلك المجمع: " .. وأشد ما كنا ننكر من أعماله- المجمع- استعانته بالمستشرقين في شأن هو من خصائص الأمة العربية، ولكننا كنا لا نستطيع الجهر بما ننكره على المجمع، ولا نشيع قالة السوء عنه، لأننا نعلم أنه ناشِئٌ، وأن النشأة مظنة للنقص، وننتظر به مرور الزمان واستحكام التجارب، ومواتاة الفرص حتى يصلح من شأنه بنفسه، والزمان يقيم الأمت، ويقوِّمُ السمت، إلّا شيئًا واحدًا ما كنا نقبل فيه عذرًا ولا نتسامح فيه فتيلًا، وهو مسألة الاستعانة بالمستشرقين، ولقد كنا نستسيغ الاستعانة بالأجنبي في بناء سد، أو مد سكة، أو تخطيط مدينة مما سبقنا إليه الأجانب وبرعوا فيه، أما الاستعانة بهم في شأن يخصنا كاللغة فلا!! ومتى رأينا مستشرقًا بلغ في العربية وفهم أسرارها ودقائقها ومجازاتها وكناياتها ومضارب أمثالها ما يبلغه العربي في ذلك كله؟ على أن بعض أولئك المستشرقين الذين كانوا أعضاء بهذا المجمع كانوا مستشارين في وزارات الخارجية من بلدانهم، وهذا قادح آخر يضاف إلى قادح قصورهم في اللغة العربية" (٣٩).
وجاء نصر الله، وحطَّم الهلالُ الصليبَ (٤٠)، وأرغم الشعبُ الجزائريُّ المجاهدُ فرنسا على تسفيه نفسها، ونَسْخِ أكذوبتها القائلة إن الجزائر فرنسية، وأجبرها بالقوّة على الاعتراف بـ "أن هذه الأمة الجزائرية المسلمة ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت، بل هي بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها، وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدود معيَّن، هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة" (٤١).
стр. 1893
وعاد الإمام إلى الجزائر التي أحبَّها حبًا جمًّا، وأعطاها سواده وبياضه، وخدَمَها دون مَنٍّ، ولا انتظار جزاء ولا شكور، ولم ينغص عليه فرحته باستعادة الجزائر استقلالها، وبعودته إليها إلّا ما وجد فيها من شنآن بين المسؤولين بسبب السلطة التي كان أكثرهم يعتبرونها تشريفًا لا تكليفًا، ويرونها امتيازات لا أمانات يجب أن تؤَدَّى.
ولم تسمح له سنه والأمراض التي أنهكت جسمه أن يقوم بنشاط كبير في هذه الفترة. ومن أهمّ أنشطته ذات المغزى التاريخي إمامته المسلمين في أول صلاة جمعة في جامع كتشاوة الذي أعاده الله سيرته الأولى، بعد أن حوَّلته فرنسا إلى كاتدرائية. ومن أهم ما جاء في خطبته تحذيره الجزائريين من مخلفات فرنسا- المادية واللغوية والبشرية- في الجزائر، وخطورة هذه المخلفات على مستقبلها، فالاستعمار "قد خرج من أرضكم، ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم، ولم يخرج من ألسنتكم، ولم يخرج من قلوب بعضكم، فلا تعاملوه إلا فيما اضْطرِرْتُم إليه " (٤٢). وإن الذي تعانيه الجزائر اليوم هو بسبب ما جَناهُ عليها هؤلاء الذين لم تخرج فرنسا من ألسنتهم، وأفكارهم وقلوبهم.
ورأى الإمام ببصره الانحرافَ الذي وقع فيه من قُدِّرَ له أن يكون على رأس القيادة في الجزائر في هذه الفترة، وأدرك ببصيرته عواقب ذلك الانحراف وخطره على مستقبل الجزائر، فصدع بكلمة الحق بحكمة، وهدوء، ونصح ذلك المسؤولَ أن يرجع إلى الجادَّة، ويفيء إلى الصواب (٤٣). ولكنه- بدلًا من ذلك- ضاق صدره، وأخذته العزة فمدَّ يده إلى الإمام، الذي يمثل نصف قرن من الجهاد، وكنزًا من العلم والمعرفة، وذخيرة من التجارب ورَمْزًا للشعب الجزائري، فآذاه، فكانت عاقبة ذلك المسؤول خسرًا. وقد اعترف أخيرًا أنه يتحمل نصيبًا كبيرًا من مسؤولية الأزمة التي تتخبط فيها الجزائر اليوم.
وجاء أجَلُ الإمام الإبراهيمي، يوم ٢٠ مايو ١٩٦٥، فَرَجَعَتْ نفْسُه المطمئنة إلى ربِّها راضية مرضية، بعد أن أكرم الله صاحبها بالجهاد في سبيل دينه، ولغة كتابه، ودارٍ من ديار الإسلام، وحاز- كما تمنّى- في ثَراها قبرًا وإن لم يملك منه شبرًا.
وقد تلقّى العلماء والمفكرون في العالم العربي والإسلامي خبر موت الإمام بحزن عميق، ولوعة كبيرة، لمعرفتهم بمقدار الخسارة التي أصابت الأمة، وعظمة الثغرة التي كان يسدّها، فعثروا عن ذلك بكلمات صادقة، وعبارات مؤثرة، ومنها هذه القصيدة للشاعر الكبير عمر بهاء الدين الأميري، التي تطفح بالصدق، وتلخص بعض جهاد الإمام، وتُكْبِرُ عِلْمَه:
стр. 1894
جَلَّ المصاب، وَمُجْتُ في أحزانه ... وعجزت عن كظم الأسى وبيانه
فوَجَمْتُ والقلب الرؤوم جَوٍ على ... فَقْدِ "البشير" يغذ في خفقانه
والدمع رغم رُجُولتي وتجلدي ... بح الزفير وبُلَّ من تهتانه
قالوا: أتبكي؟ كيف لا أبكي أبًا ... وأخًا وأستاذًا فريد زمانه
أبكي المودة والوفاء سجية ... والنُّبْل، كان يشعّ من أردانه
أبكي الفضيلة والمروءة والنَّدَى ... والمكرمات تسير في ركبانه
أبكي الثقافة والحصافة والحِجا ... والذوق وازَى العلم في ميزانه
أبكي أبيا عبقريا ماجِدًا ... أبكي إمامًا جل في أقْرانِه
أبكي بصيرته وحِكْمَةَ فَصْلِهِ ... أبكي سَدادَ الرأي في إبَّانِه
أبكي امتدادًا لابن باديس الذي ... للدين جَدَّدَ ما مضى من شانه
أبكي، أَجَلْ أبكي وليس بضائري ... دَمْعُ الأبي الحر فيض حَنانِه
...
قد كان- رغم السن- منذ لقيته ... خِلِّي الأثير، وكنت مِنْ خِلّانِه
حُدِّثْتُ في باريس أيام الصبا ... عن فضله، وقرأْتُ دُرَّ بيانه
فقدرت فيه مَحامدًا ومَحاتِدًا ... وتَطلَّعَت نفسي إلى أَكْوانِه
ولقيته فازْدَدْتُ في إكباره ... وأحَبَّ وجداني سَنا وِجْدانه
كان "الفضيل" (٤٤) ورهْطُه طلابه ... عِرْفانُهُم كالفيض من عِرْفانِه
كان "التبسي" (٤٣) و"المبارك" (٤٦) صحبه، ... لكنه المرموق في إخوانه
حتى إذا خرج الجهاد بعزمه ... عن داره للرحب من أوطانه
ألفيته بطلًا يشد على العدا ... وأبًا رحيم القلب في أعوانه
في عالَم الإسلام يخفق دائبًا ... من "مصره" يسعى إلى "بغدانه"
من "قدسه" لـ "حجازه " لـ "شآمه" ... ويلم، لا ليجم في "لبنانه"
لكنه يجري وراء طماحه ... وكفاحه حتى لـ "باكستانه"
стр. 1895
ما كان يومًا رهن أرض أو سما ... بل كان للإسلام في أركانه
يعلي لأمته تواعد مجدها ... أفقًا وعمقًا في امتداد زمانه
...
طُوبى لمن عمر الحياة بوَعْيه ... وبسعيه والموت في حسبانه
طُوبَى لِمُدَّخِر ليوم حسابه ... ما قَدْ ينال به ندى رحمانه
طُوبَى لمن زكى معارج نفسه ... بِتُقَى الإله وعاش من عبدانه
ومضى إلى دار البقاء يحفه ... من ربِّه المنان فيض حنانه
طُوبَى "بشير" الخير لُقِّيتَ الْمُنى ... بجوار رَبِّك في رِحاب جِنانِه
في مقعد الصدق المرجى ناعِمًا ... بكنوز ما يحبوه من رضوانه (٤٧)
...
اشتملت الأجزاء الأول والثاني والرابع والخامس على بعض المقالات قد يراها الناس دون مستوى مقالات الجزء الثالث، ولكننا حرصنا على إثباتها لما لها من قيمة تاريخية، حيث تعتبر شهادات حية، ومواقف هامة ومعبّرة عن حوادث وقضايا.
رحم الله الإمام الإبراهيمي وإخوانه الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولم يبدلوا تبديلًا، وأنزلهم منازل المُكْرَمينَ من عباده في مقعد الصدق، مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. ونسأله تعالى أن يُعينَنا للحفاظ على ما ورثناه عن الإمام الإبراهيمي من مبادئ وقيم ومثل، التي يجمعها شعارُ جمعية العلماء الخالد:
"الإسلام ديننا؛
العربية لغتنا؛
الجزائر وطننا".
محمد الهادي الحسني
البليدة (الجزائر)، ٦ نوفمبر ١٩٩٦