وإدارته، فكنت أطاوله في ذلك وأعلله، ثم اضطربت أحوال سوريا في النصف الأخير من ١٩١٩ وتبين لي مصير فيصل ومصير سوريا فقلبت الرأي على وجوهه وعواقبه، وجاءتني من الجزائر أخبار متواترة تفيد أن الجو فيها أصبح صالحًا للعمل المثمر في العلم وفي السياسة، فعقدت العزم على الرجوع إلى الجزائر، وقد كنت تزوجت في تلك المدّة بدمشق ومات والدي وولدي بها.
رجعت إلى الجزائر في أوائل سنة ١٩٢٠ على نية القيام بعمل علمي عام يعقبه عمل سياسي، فوجدت الجو أصلح مما تركته سنة ١٩١١ بسبب تأثير الحرب وويلاتها في النفوس، ولكن الاستعداد في الأمة لم يكن كافيًا للقيام بعمل يعتمد عليها، فاتفقت أنا وجماعة من إخواني العلماء الأحرار على أن نبتدئ بإكمال الاستعداد في الأمة وقررنا الوسائل المؤدية إلى ذلك، وكان الجهد شاقًا والنتائج بطيئة، ولكننا صبرنا عشر سنوات مع مواصلة ذلك الجهد الشاق، وجاءت سنة ١٩٣٠ حدًا فاصلًا بين الماضي والحاضر، ففيها تم للاحتلال الفرنسي من العمر مائة سنة، وأقامت فرنسا المهرجانات ابتهاجًا بذلك، وسخطت الأمة العربية الإسلامية على ذلك، ورأت في بعض مواد المهرجان إهانة سافرة لها وامتهانًا لِمَجْدِها وجرحًا لكرامتها وافتراءً على تاريخها، واستغللنا نحن ذلك كله في إثارة نخوتها وإيقاظ إحساسها وإكمال استعدادها للعمل، وفشلت تلك المهرجانات بأعمالنا وبعوامل أخرى خارجية، وخسرت فرنسا آمالها المرجوة منها كما خسرت الأموال الطائلة التي أنفقتها عليها.
تأسيس جمعية العلماء الجزائريين:
تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في سنة ١٩٣١، وكانت عوامل تكوينها طبيعية بسيطة عن قصد، لئلا تثير من الاهتمام ما يدعو إلى مقاومتها قبل أن تستوي على سوقها فتكون الضربة القاضية عليها، ولو قضي عليها إذ ذاك لما استطعنا تجديدها في عشرات السنين، وعشنا في ظل تلك البساطة سنة ثبتنا فيها قواعد العمل، واتّصلنا بطبقات الأمة ووثقنا فيها العلائق بها، وما جاءت السنة الثانية حتّى بدأت الأيدي المتدسسة تعمل عملها، ولكنها لم تؤثر شيئًا لأن مبادئ الجمعية تغلغلت في ذلك الزمن القصير إلى مستقر العقيدة من نفوس من كمل استعدادهم من الأمة.
عملي في الجمعية:
أخجل حين أتحدث عن عملي في الجمعية، فلأترك الشهادة للواقع الذي عرفه من عرفه، وسيعرفه كل من بحث عنه، وإنما أنا معتز بالثقة التي أولانيها إخوان من يوم تكونت هذه الجمعية، فلم أزل وكيلها من يومئذ نائبًا عن الرئيس الإمام عبد الحميد بن باديس باني
стр. 2032
نهضة الجزائر بجميع فروعها، وكنت أقوم عليه بكثير من الأعمال إلى أن توفاه الله في السادس عشر أبريل سنة ١٩٤٠ وأنا في الاعتقال، فانتخبني إخواني رئيسًا للجمعية، وما زلت متشرفًا بهذه الرئاسة إلى الآن، وكان من أعمالي بعد خروجي من الاعتقال ثلاث سنوات أن أسّست في سنة وبعض السنة نحو سبعين مدرسة عربية حرّة متفرقة في جهات القطر بمال الأمّة، وقد وصل عدد المدارس الابتدائية الحرّة التي أسستها الجمعية بسعيي وإشرافي وبمال الأمة الخالص نحو مائة وخمسين مدرسة منها الضخم الفخم ومنها دون ذلك، وتحتوي هذه المدارس على نحو خمسين ألف تلميذ، وعلى نحو أربعمائة معلم، يتوّجها معهد ثانوي فخم يأوي نحو ألف تلميذ، وهو بجميع مرافقه ملك للأمّة.
موقف الاستعمار منّي:
يقبح بالمجاهد أن يذكر للناس ما أصابه في سبيل الله من بلاء، ولكنني مطلوب بهذا كجزء من تاريخ حياتي، فلأذكر- استحياءً- لقراء "المصوّ" بعض ذلك.
لا أذكر الملاحقات الجزئية والمضايقات فتلك طبيعة الاستعمار مع كل عامل على غير هواه، وإنما أذكر الكليات الكبرى، فقد أصدرت الحكومة الفرنسية أمرًا باعتقالي في أوائل الحرب العالمية الثانية بدعوى أن وجودي خطر على الأمن العام، وتم نفيي عسكرّيًا يوم ١٠ أفريل سنة ١٩٤٠ إلى قرية نائية في الجنوب الوهراني، ودام ذلك النفي ثلاث سنوات إلّا قليلًا، ولما أطلق سراحي وُضِعت تحت المراقبة الإدارية سنوات إلى أن انتهت الحرب، وفي يوم انتهاء الحرب دبّر المعمرون مذابح ٨ ماي ١٩٤٥، وفي ليلة ٢٧ منه كبست داري بقوّة عسكرية، ففتشوا منزلي وساقوني إلى السجن العسكري بالعاصمة، في غسق الليل وبصورة مزعجة محاطًا بقوات أخرى من داري إلى السجن وبينهما نحو ٨ كيلومترات، ولبثت في زنزانة ضيقة تحت الأرض لا آرى الضوء ولا استنشق هواء الحياة نحو سبعين يومًا، وكانوا لا يخرجونني منها إلّا ربع ساعة في ٢٤ ساعة مع حراسة مشدّدة، فلما انهارت صحتي نقلوني إلى حجرة منفردة على وجه الأرض وفيها بعض وسائل الحياة، ولما أكملت مائة يوم نقلوني ليلًا في طائرة خاصة مخفورًا إلى السجن العسكري بمدينة قسنطينة حيث كان مسرح الحوادث الدامية الفظيعة التي ارتكبتها عصابات المعمرين ضد الأهالي الآمنين، وكان هذا النقل تمهيدًا لمحاكمتي في محكمة عسكرية على الحوادث التي دبّرها الاستعمار وأهله، وكنت إذا اشتدّ علي المرض نقلوني إلى المستشفى العسكري تحت الحراسة الشديدة في حجرة منفردة، ولبثت في السجن العسكري ومستشفاه أحد عشر شهرًا، ولبث في المعتقلات عشرات الآلاف من رجال الجمعية وأنصارها وأتباع الحركات الوطنية مثل تلك المدة، ثم بدا للاستعمار فأطلق سبيل الجميع باسم العفو العام لا باسم الرجوع إلى الحق.
стр. 2033
وبعد خروجنا من السجون والمعتقلات، وبعد فتح المدارس التي عطلوها نتيجة لتلك الحكاية المدبرة، رجعت إلى عملي من تعمير المدارس القديمة وتأسيس مدارس جديدة، حتى بلغت العدد الذي ذكرناه، ونجحت في إحياء اللغة العربية نجاحًا منقطع النظير.
رحلتي إلى الشرق:
في يوم ٧ مارس سنة ١٩٥٢ خرجت من الجزائر إلى الشرق في رحلة منظمة البرنامج واضحة القصد، وأقمت في القاهرة أسبوعًا ثم سافرت إلى باكستان فأقمت بها قريبًا من ثلاثة أشهر استوعبت فيها زيارة المدن الباكستانية من كراتشي إلى كشمير وما بينهما، وألقيت في هذه المدن نحو سبعين محاضرة في الدين والاجتماع والتاريح وأمراض الشرق وعلاجها، ثم رحلت عنها إلى العراق، فاستوعبت مدنها من البصرة إلى حدود تركيا وإيران من جبال الأكراد، وألقيت فيها عشرات المحاضرات الاجتماعية والدروس الدينية، ثم رحلت عنها بعد نحو ثلاثة أشهر إلى الحجاز في حج سنة ١٩٥٢ نفسها، وألقيت كثيرًا من المحاضرات والأحاديث، ثم رجعت إلى القاهرة يوم ٢٤ أكتوبر من تلك السنة، ثم ترددت منها على العراق والحجاز وسوريا والأردن والقدس مرات متعددة وألقيت في جميعها كثيرًا من المحاضرات.
الغرض من هذه الرحلات أمران رئيسيان: الأول مشاركة دعاة الخير في هذا الشرق في ما يدعون إليه، وأنا أرى أن هذا فرض عليّ يجب أن أؤديه، والثاني التعريف بالجزائر المنسية من إخوانها، ودعوة الحكومات الإسلامية والعربية على الخصوص إلى إعانتها في نهضتها الثقافية.
أما الغرض الأول فقد حققته بنفسي لأنني أملكه، وأما الغرض الثاني فقد تحقق جزء يسير منه، وأنا ساع في تحقيقه على صورة أكمل، والجزء الذي تحقق هو أن كثيرًا من الحكومات العربية قررت قبول بعثات من تلامذة جمعية علماء الجزائر يدرسون في معاهدها على نفقتها، ولنا اليوم بفضل هذه المساعي خمسة عشر طالبًا في العراق وخمسة عشر طالبًا في الكويت وثلاثون طالبًا في سوريا ونحو خمسين طالبًا في مصر.
وقد كونت في القاهرة مكتبًا باسم الجمعية ليشرف على هذه البعثات، وستتسع أعماله باتساع البعثات وتزايد أعدادها، ولي مع الحكومات العربية وعود، إن تمت فسيبلغ عدد الطلاب إلى مئات، وتسدد جامعة الدول العربية بعض نفقات المكتب.
стр. 2034
أولادي:
أسرتي الخاصة لم تزل بالجزائر، وقد عاش لي من الأولاد ابنان وبنتان، وأكبر الولدين محمّد يباشر أعمالًا طفيفة من التجارة يستعين بها على حاجيات الأسرة، وقد قطعته عن الدراسة- بعد أن وصل إلى سنة البكالوريا- عوائق منها مرض خطير معطل ألمّ به، ومنها اضطراره إلى القيام بالعائلة في سنوات اعتقالي، ونصيبه في الدراسات العربية والفرنسية قوي وافر، وأما أصغر الولدين أحمد فقد درس الطب في جامعة الجزائر ودرس العربية في البيت، وحظه منها لا يقل عن حظه من الفرنسية، وهو في هذه السنة يكمل السنة الخامسة للطب في جامعة باريز، ويحضر الأطروحة في السنة الآتية، ويستعدّ للتخصّص، وهو في الثالثة والعشرين من عمره، وسيكون من الأوائل الذين تخرجهم جامعة الجزائر في هذه السن.
حالتي المادية:
ليس لي مال موروث ولا مكتسب، وأهلي يعيشون في الجزائر على مرتب شهري من صندوق الجمعية، تضايقهم فيها نفقات الولد الذي يدرس في باريس، أما أنا فلا أدري الحكمة التي بنى عليها محرر "المصور" هذا السؤال المحرج، ولا أدري أأجيبه بالواقع؟ أم أجيبه بظن الناس وتقوّلهم؟ فَلْأُجِبْهُ بالاثنين: فالناس يظنون أنني أتقاضى مرتبًا من الحكومة السعودية أو من غيرها من الحكومات العربية. وليس لهذه الظنون حقيقة ولا ظلّ من الحقيقة، أما الواقع- وسامح الله الأخ الذي أدمج هذا السؤال في الأسئلة فأحرجني بالسؤال، وأحوجني إلى الإجابة ... - الواقع يا سيّدي السائل أنني أعيش بالدين (بفتح الدال)، ولي في خلاص هذا الدين طريقة وهي قضاء الدين بالدين، كما قالوا في من يغسل الدم بالدم، ولا أدري أيؤاخذ القانون على هذا؟ وما دخل القانون إذا لم تقع مطالبة؟ على أن إقامتي بمصر مؤقتة، وقد دخلتُها شريفًا وسأخرج منها إن شاء الله أشرف مما دخلتُها.
стр. 2035
في الذكرى الأولى للثورة الجزائرية *
إنه لمن السنن المقدّسة أن نحتفل بمرور عام على ظهور هذا المولود إلى عالم الوجود، وإنه لمن دواعي فخرنا أن نحتفل بذلك، فسلام على هذا المولود، وسلام على الأم الولود، وسلام على الحافظ لمهده، وسلام على الحارسين لهذا المهد، وسلام على المربّي إلى أن ينشأ نشأته الحرة إلى أن يصبح مستقلّا، فيبلغ ما يبلغه الرجال، بل سلام عليه وهو يمرّ بما تفرضه السُّنَن الإلهية في المواليد فيدبّ ثم يشبّ.
هذا المولود الذي ستكون نتيجته أو ثمرته أو بلوغه الأَشُدّ أن تبلغ الجزائر كل استقلالها، هذا المولود الذي هو تلك الثورة العارمة التي شَنَنّاها على الاستعمار الغاشم ولن تكون نتيجتها إلا التحرير إلّا بلوغ الحرية التامّة للوطن الجزائري بل المغربي كله، هذا الوطن الذي اصطبغ بدم أبنائه وسيظلّ هكذا إلى أن ينتصر الحق.
هذا الوطن الذي يهبّ أبناؤه الآن هبّة رجل واحد لنصرة العروبة والإسلام، فلا نرى منهم إلّا الثائر أو المهيّأ للثورة على الأقلّ والدافع إليها والممهّد لها، هؤلاء هم إخوانكم العرب المسلمون الذين يطلبون قلوبكم ويأملون بعواطفكم، وتلك هي الجزائر العربية المسلمة التي تخصّكم كما تخصّهم منذ ثلاثة عشر قرنًا.
فالإسلام قد دخل الجزائر ونبت في قلوب الجزائريين منذ عهد عقبة بن نافع وحسّان بن النعمان، وهذا التاريخ المجيد للعروبة والإسلام في الجزائر يعرفه الفرنسيون حق المعرفة، هؤلاء الذين يَدّعون بكل وقاحة أن الجزائر قطعة من فرنسا دون أن يلحظوا الأدلّة ضدّهم في اختلاف اللغة والعادات والدين، وذلك البحر الذي يفصلنا عنهم يشهد بالوقائع التاريخية بيننا وبينهم منذ أن كنّا بَرْبَرًا إلى أن صرنا عربًا ومسلمين. فأين العقل النيّر في العالم الذي
стр. 2036
يُميّز الحق من الباطل؟ وأين الضمير الحي الذي يعترف بهذه الحقيقة؟ فإن من المؤسف أن لا نرى أثرًا لشيء من هذا، وأن العالَم لا يدين إلّا للقوّة، وأن أقوال فرنسا الباغية وإذعاءاتِها لَتجد أذنًا صاغية في هذا العالَم الضالّ الذي يتجاهل الحقيقة الباهرة في إسلام الجزائر وعروبتها، بل وصمودها على العروبة والإسلام برغم فتوحات غير المسلمين لها الذين لم يستطيعوا أن يحوّلوا فيها رجلًا عن دينه بينما استطاع هذا التحويل مَنْ فتح الأندلس العربية المسلمة.
إلى هذا الحدّ تعمى فرنسا عن الحقائق، وإلى هذا الحدّ تتجاهل الحرية والعدل والمساواة التي تسمّي نفسها بها، بينما الحقيقة الواقعة التي لا ريب فيها أن هذه المعاني السامية لا بدّ أن يوجد أحدها في أية أمّة من الأمم، وقد توجد كلها مجتمعة في شعب من الشعوب إلّا فرنسا هذه التي برهنتْ على أنها لا تحوي معنًى واحدًا منها.
وهذا قول خبير بفرنسا أقوله عن علم ودراية، وأنا الجزائري الذي عرف فرنسا في بلده المستعمَر من قبلها، المظلوم بحكمها، الملتاع بقسوتها، وأؤكّد لكم أنه لا يستطيع إنسان أن يعرف فرنسا على حقيقتها إلّا أن يراها في الجزائر، فهناك يرى فيها الأنانية المجسّمة والوحشية القصوى.
نعم فالجزائري هناك لا يمكن أن يبصر نور الحرية والحياة لأنهما وقف على فرنسا، وفرنسا وحدها.
نعم أيها الإخوان العرب، لِنُمجِّدْ ثورة الجزائر المقدّسة، لنمجّد هذه الثورة التي تحمي الوطن العربي الجزائري المسلم، لنمجّدها فتمجيدنا لها هو تمجيد للنبل والشهامة، للحمى والذمار، وستنتصر هذه المثل العليا، وسَيَحيا هؤلاء الأبطال الذين سينصرونها، هؤلاء الذين يجاهدون جهاد شخص واحد فلا يعترفون بكلمة أنت أو هو أو أنا أو أنتما أو أنتم، فكلها ضمائر في بطون الكتب ليس لها شأن في جهادهم الموحّد وقلبهم الواحد الفرد.
стр. 2037
في السعودية وباكستان
والعراق وسوريا
(مارس ١٩٥٦ - أغسطس ١٩٥٧)
ــ
стр. 2038
كامل كيلاني: باني الأجيال *
من الكتب ما يقرؤه القارئ فيجد فيه نفسه، حتى لكأنه منه أمام مرآة صقيلة، ومنها ما يقرؤه فتضيع فيه حقيقته ومعالمه، فكأنه فيه خلق آخر،: أزيد أو أنقص أو مشوّه. وكُتُب شيخ أدباء العصر الأستاذ الكبير كامل كيلاني، التي نسقها على أعمار الأطفال والشبّان حتى وصلهم بالرجولة، هي من الصنف الذي يجد فيه كل طفل- وكل شاب- نفسه، لا يعدوها ولا يضيعها، بل يكفيه أن يقرأ الكتاب- من المجموعة- فيجد فيه مع حقيقة نفسه مبلغ عمره.
قرأتُ هذه المجموعة الممتعة من كتب كامل كيلاني، فوجدتُها كأنما صيغتْ من الصورة الكاملة لعقلية الطفل- أو الشاب- كما يجب أن تكون في الذهن والتصوّر ... فخرجت قوالب تصبّ عليها عقول الأطفال والشبّان، كاملة بالفعل والتصديق: يستقيم فيها الزائغ، ويصحّ عليها المئوف. فلا يقطع الطفل مراحله إلى الشباب، ولا الشاب مراحله إلى الرجولة، إلّا وهو مستقيم الملَكات، مصقول المواهب، سديد الاتجاه في الحياة، مرتاض اللسان على البيان العربي ... ولا يصل واحد منهما إلى ذلك الحدّ حتى تكون هذه الكتب قد خزنتْ فيه ثروة من فصيح اللغة العربية: مصفّاة من الحشو، منَقّاة من الدخيل، سمتْ عن الساقط المبتذل، وجانبت الغريب الوحشي، ووقفت عند المأنوس السهل، الذي لا يتعثر فيه لسان، ولا يتعسر معه فهم، ولا تنفر منه أذن، ولا ينطوي من معناه على عوراء، ولا يتنافر نظمه، ولا يتعسر هضمه. وتكون هذه الكتب العجيبة قد تدرّجت معه، وتدرّج هو بها- في مراحله العقلية والذهنية والبيانية، وفي أطوار نموّه الجسماني- تدرّجًا طبيعيًا هادئًا، متناسقًا مقدرًا، كنقل الأقدام في المشي الوئيد، حتى كأنها نسخة مقدودة من وجوده، أو مثال مفصّل على أقطاره وحدوده.
стр. 2039
وكُتُب كامل كيلاني نفحة من نفحات الفطرة الأولى للأطفال، تحبّب إليهم القراءة، وتجذبهم إليها، وتقرّب ميولهم ... يقرؤها الذكر والأنثى، فلا يشعر واحد منهما بإيثار ولا استيثار.
وكُتُب كامل كيلاني، لطفل العجم تعريب، ولطفل العرب تدريب، ولهما معًا تسهيل للتلاقي وتقريب! وأكبر حسناتها أنها ترقّي الذوق، وتنبّه الإحساس، وشرّ آثار التربية السيئة في الطفل عثر الذوق وبلادة الإحساس!
قرأت هذه الكتب وأنا شيخ كبير، فنقلتني إلى ذلك العالَم الجميل الذي يتمنّى كل شيخ مثلي أن يعود إليه: عالم السذاجة والغرارة، والبراءة والطهارة ... ورجعت بي إلى فصل افترار الحياة عن مباسمها، وإقبال الآمال على مواسمها، فوددتُ لو انحدرت- في سلّم الحياة- إلى ذلك العهد، ثم صعدتُ بإرشاد كتب كيلاني إلى رأس السلّم، حتى أقضي ما بقي لي من العمر في الصعود والانحدار، ليبنى عقلي بتلك اللبنات الثمينة، ويتجدّد طبعي منقّحًا- في كل مرّة- تنقيحًا "كيلانيًا" عبقريًا.
كان هذا النمط العالي من كتب التربية دَيْنًا واجب الوفاء من ذمم علمائنا، فقضاه عنهم هذا المربّي الصامت الصابر الذي اقتحم الميدان وحده، ونصب حيث لا مُعين، وظمئ حيث لا مَعين. فإذا جحدتْه الأجيال التي بَنَى فيها، فحسبُه سلوى أن ستحمده الأجيال التي بنى لها.
...
للأستاذ كامل كيلاني منزلته الرفيعة في الأدب، وله وزنه الراجح في العلم، وهو- في ذلك كله- رجل كالرجال، يصطرع حوله النقد، ويتطاير عليه شرر الحسد والحقد ... ولكنه- بما جوّد وأتقن وابتكر من هذه الكتب بل من هذه الطرائف في التربية- أصبح مَبْدَأً لا رجلًا.
والمبادئ الصالحة حظها الخلود، ومن شأنها أن تستمدّ معاني الخلود من جحد الجاحدين وحمد الحامدين على السواء.
...
أبقى الله شيخ أدباء العصر، كاملًا للنفع، وعاملًا للرفع، وهَدَى أنصار العروبة وقادة أجيالها إلى الانتفاع بهذه الكنوز التي أثارها، والاندفاع في هذه السبل التي أنارها.
стр. 2040
رسالة شكر لباكستان *
على أثر مغادرته كراتشي بعد إبْلَالِه من مرضه وبعد تأدية مهمته التي وفد إليها على رأس الوفد الجزائري أدلى فضيلة الشيخ البشير الإبراهيمي بكلمة إلى الصحافيين الباكستانيين الذين جاءُوا لتوديعه في أفريل ١٩٥٧.
وفي ما يلي خلاصة تلك الكلمة:
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى الأمام أيها الإخوة الباكستانيون.
(١) لقد قدر لي أن أزور باكستان قبل بضعة أشهر رئيسًا لوفد جبهة التحرير الجزائرية وبعد إنجاز المهمة التي من أجلها انتجعنا هذه الديار الشقيقة اضطرتني أسباب صحية لم يكن إلى دفعها من سبيل للبقاء في كراتشي مدة غير يسيرة قضيت أكثرها في مستشفى جناح، وإني لأشكر لباكتسان حكومة وشعبًا موقفها من الوفد الجزائري وما اسبغت علي شخصيًّا طيلة مدة مرضي من عنايتها، وما لقيت من سهرها على صحتي حتى أذن الله بالشفاء.
(٢) إن زيارتي هذه هي الزيارة الثانية التي أتشرف فيها بلقاء إخواني الباكستانيين، وقد كانت الأولى سنة ١٩٥٢ حين مثلت بلادي في مؤتمر شعوب العالم الإسلامي. وفي أثناء هاتين الزيارتين أُتيح لي أن أتجول في مختلف نواحي باكستان الغربية، وأن أتغلغل في داخل البلاد حتى بلغت كشمير شمالًا وكويتا شرقًا والتقيت طبقات الشعب وألقيت عشرات المحاضرات في المعاهد والجامعات وكثيرًا من الخطب في الاجتماعات الشعبية التي انعقدت لاستقبال وفد الجزائر في المدن والقرى كي تستمع منه إلى صوت الجزائر المجاهدة، كما أنني ألقيت خطبًا جمعية كثيرة واستمعت إلى خطباء كثيرين واجتمعت بسروات البلاد وعلمائها وتجّارها، مما هيأ لي من الخبرة بشؤون هذه الدولة الإسلامية الناشئة ما ملأني أملًا بالمستقبل الزاهر الذي ستحظى به، وبالدور العظيم الذي ستمثله في خدمة الإسلام والإنسانية. والحق ان الهمم التي جاهدت حتى نالت الحرية، وكافحت حتى انشأت هذه
стр. 2041
الجمهورية الإسلامية الشابة لجديرة بأن تمثل ذلك الدور فتحقق مبادئ قائدها العظيم محمد علي جناح وتعاليم فيلسوفها إقبال وما أناط بها العالم الإسلامي من آمال.
الأمر الذي يكاد يلمسه كل زائر متفحص لباكستان هو أنها- بلا شك- في مقدمة الأقطار الإسلامية التي لم يأنس أهلها بعد بأي مبدإٍ سياسي أو مذهب اجتماعي غير الإسلام، فهم في الحقيقة مستغنون به عن القوميات والوطنيات وأشباهها من المبادئ التي لا يعدو أن يكون ما فيها من فضائل ومميزات الأشياء يسيرًا بالقياس إلى فضائل الإسلام ومميزاته العظيمة.
ومعنى ذلك أن باكستان لم تَعْشُ ولن تعشو بحول الله عن سواء السبيل وما عليها إلّا أن تمعن في سلوكه، وقد عرفته بحزم وبصيرة، حتى يقتدي بها العالم الإسلامي، ويهتدي بسلوكها العالم الإنساني، وتكون هادية الركب وحادية القافلة إلى صراط العزيز الحميد.
(٣) إن نشوء باكستان على أساس الدين كان معجزة من معجزات هذا العصر اضطرت الكثيرين من علماء الاجتماع وفحول القانون الدولي إلى إعادة النظر في النظريات التي كانت عندهم كالحقائق المسلمة والتي تؤكد أن العصر الذي كانت تقوم فيه الدول على أساس الدين قد انقضى، ولئن كانت باكستان معجزة العصر في نشأتها فلتكن كذلك في بقائها الخالد، وأرجو أن يذكر كل باكستاني وكل باكستانية أن من المصلحة بل من الواجب عمل المستحيل لحماية باكستان مما عساه أن ينحرف بها عن المبادئ التي وجدت على أساسها.
فلينسَ إخواننا الباكستانيون كل شيء ... وليذكروا باكستان، وليضعوا مصلحتها فوق كل اعتبارآخر، وهذا ما هم فاعلوه- بلا شك- إن شاء الله.
(٤) أتمنى من أعماق نفسي لباكستان قوّة ونجاحًا وازدهارًا، كفاء ما انطوت عليه نفوس أبنائها من الاستعداد الصحيح للتفوق في معترك الحياة، وما امتلأت به قلوبهم من حب الإسلام والمسلمين والرغبة في سعادة الإنسانية قاطبة. وأرجو أن يأخذ الله بيدهم حتى يحققوا في كل يوم نصرًا وتقدمًا جديدين في كل ميدان من ميادين الحياة لكي يكون على الدوام يومهم خيرًا من أمسهم ومستقبلهم أفضل من حاضرهم.
وإلى الأمام أيها الإخوان الأعزاء!
стр. 2042
أسبوع الجزائر في العراق *
مستمعينا الأفاضل:
يسعدنا أن نقدّم إليكم في برنامج صوت الجزائر اليوم، هذا الحديث القيّم الذي ارتجله فضيلة العلّامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي نيابة عن جبهة التحرير الوطني الجزائري، في المهرجان الوطني الرائع الذي أُقيم أثناء الشهر المنصرم، بمناسبة افتتاح أسبوع الجزائر، في العراق الشقيق. قال الأستاذ:
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حضرة صاحب الجلالة الملك العظيم،
حضرة صاحب الفخامة رئيس لجنة أسبوع الجزائر،
حضرات السادة أعضاء لجنة أسبوع الجزائر،
حضرات الإخوان الأفاضل المستجيبين لدعوة الحق والخير.
أيها الملأ الكريم، هذه الكلمة القصيرة التي ستسمعونها من أخيكم، ليست محاضرة للتعريف بالثورة الجزائرية وأبطالها، ولا خطبة تمجيد لزعمائها، أو تأبين لشهدائها. لا هذا ولا ذاك، لأن الوقت والمناسبة يأبيان ذلك، وإنما هي صوت من الجزائر يجب أن يسمع في هذا الوقت والجمع حافل، فعزيز على الجزائر أن يقام لها في العراق الشقيق أسبوع، ثم لا يكون لها فيه صوت مرفوع.
إن ثورة الجزائر شبّت عن طوق الأقوال، وأصبحت في مرحلة لا غناء فيها للخطب وإن طالت، ولا للأقلام وإن صالت وجالت، وإنما الغناء فيها للإيمان الثابت، يظاهره العمل الصامت، ولزكاة الأخوّة، يؤدّيها عربي الشرق، حقّا، ويأخذها عربيّ الغرب مستحقًّا، فتنقلب في يده سلاحًا يقتل به عدوّ الفريقين. وقد أعربت هذه الثورة عن نفسها وفرضت على العالم أن يسمع صداها ويتعرّف مداها ويلمس آثارها، ويتتبع أخبارها باهتمام وعناية. لأن الدم الباقي من جسم الاستعمار، يتردّد اليوم في لهوات الجزائر. وأعداء الاستعمار يتمنّون أن تكون الجزائر له مقبرة، وأنصاره يعلّلون نفوسهم بالأباطيل، ويتمنون أن تكون الجزائر له دار نقاهة وموطن استجمام، يعاود منه الكرّة على الفرص المتخلّفة في هذا الشرق. ولقد كان
стр. 2043
هذا الاستعمار في أول أمره استغلالًا ومصلحة، وتسلّطًا وقهرًا، فأصبح في آخر أمره وعمره مرضًا وسعارًا، نهايته أن يقتل ويقتل.
وما دامت الأقوال لا غناء فيها للثورة الجزائرية، فليرح خطباء العربية وشعراؤها وكتّابها ألسنتهم وأقلامهم من التغني بالثورة الجزائرية وأبطالها، وليوجّهوا عنايتهم إلى التي هي أوفى بذمام الأخوّة، وهي مدّ الأيدي لإعانة أولئك الأبطال المجاهدين، في سبيل العروبة التي هي أم الجميع، والإسلام الذي هو دين الجميع، وإنما تكافأ الأعمال بالأعمال، لا بالأقوال، فإن قالوا ففي فتح الأبصار والبصائر على ما جرى وما يجري في أرض الجزائر، على أيدي الفرنسيين من أعمال وحشية، وفي التحذير مما وراءها من عواقب مخيفة.
إن إخوانكم المجاهدين الجزائريين، ومن ورائهم الشعب الجزائري كله، قد وقفوا في مرحلتهم الأخيرة، المتصلة بيومكم هذا عند دستور شوقي، الذي سنّه فقال:
في الأمر ما فيه من جدّ فلا تقفوا ... من واقع جزعًا أو طائرٍ طرِبَا
ضُمُّوا الجهود وخلوها منكرة ... لا تملأوا الشدق من تعريفها عجبا
أفي الوغى ورحى الهيجاء دائرة ... تحصون من مات أو تحصون ما سلبا
وآية تطبيقهم لهذا الدستور، أن الجيش الفرنسي يعجز عن قتل المحاربين الجزائريين، فيعمد إلى القرى العامرة بالمستضعفين من النساء والولدان والشيوخ، فيهدمها عليهم، فلا يكاد ينجو من الموت أحد منهم. ولا ينزعج الأحياء من هذه المناظر المذهلة، بل يفرّ من استطاع منهم إلى مجالات الثورة، مبشّرًا بما وقع، مخبرًا بما يهمّ من اتجاه العدوّ وحركاته.
أيها الإخوة الكرام:
إن إخوانكم ما ثاروا إلا بعد أن آمنوا بأن الموت المعجّل، ومعه الشهادة، أشرف من الموت البطيء يصحبه الذلّ والهوان. وأن الموت الشريف أكرم عند الله والناس من الحياة المهينة. وأن هذه الحالة إذا طالت أكثر مما طالت، بردت العزائم، وماتت الهمم العربية، والحمية الإسلامية. فهم حين يقاتلون الاستعمار، ويقتلون أهله، إنما يقاتلون معه هذه المعاني الخبيثة التي ابتلاهم بها وشرّها ضعف الأخلاق، وخور العزائم، وما كادوا يقتلون طائفة من عدوهم، وتقتل منهم طائفة، حتى تنَبّهت فيهم طبائع الآباء والأجداد، ودبّت فيهم الحمية التي نشرت دين الله في أرضه، وهانت عليهم الحياة الذميمة، في طلب الحياة الكريمة.
أيها الإخوة الكرام:
إن الشعب الجزائري قد جمع الفضائل من أطرافها، بهذه الثورة، فهو يجاهد منذ شبّت لظاها بالعزيزين النفس والمال، وهو مصمّم على هذه التضحية الثقيلة، إلى أن يفنى، أو
стр. 2044
يحكم الله له بالنصر، وقد اطردت معه سنّة الله في نصرة الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، بما آمن وصبر وضحّى، ولقد أصبح يناجز عدوّه فيجرّعه الغصص ويكايده فيفوّت عليه الفرص، غير أن الزمن طويل، والحرب ليست مركب كل يوم، فإذا كانت ذخيرة الشعب الجزائري من الإيمان لا حدّ لها، ورصيده من الشجاعة والصبر لا ينفد، فإن طاقته المادية معرّضة للنفاد، والعدوّ لدود لئيم، وله أعوان على الشر، وصريخ قريب في البرّ والبحر. وإخوانكم الجزائريون مفصولون عن بني العمومة في هذا الشرق، باللجج الخضر، والفلوات الغبر، لا يجتمعون بهم في صعيد، ولا يأوون منهم إلى ركن شديد، ولا يعتضدون منهم بباع مديد، أو برأي سديد، أو بعون مفيد.
وإخوانكم الجزائريون ينطوون على اعتبارات موروثة، تحُلّ في مستقر العقيدة من نفوسهم، منها أنهم إخوانكم في الدين، تجمعهم بكم عقائده وشعائره وآدابه، وتجمعهم بكم هذه اللغة التي غيّرت التاريخ، وبنت الحضارة الإنسانية طبقًا عن طبق، وكانت لسانها المعبّر أحقابًا مديدة. وتجمعهم بكم خصائص العروبة، وشمائل العرب، الذين انحدرتم جميعًا من أصلابهم، واتصلتم جميعًا بأنسابهم، فهم حين يستصرخونكم، إنما يستصرخون فيكم هذه الوشائج والعروق والدماء والأرحام.
وتالله لو أن ذاهبًا ذهب من العراق، على هذه الصحارى المتصلة، فانتهى به المطاف إلى مخارم الأطلس الأشم، ثم أرهف سمعه لما يحمله الأثير من قمم جبال الأوراس لسمع جميع الأصوات، إلا صوتين لم يركّبا في طبع الجزائريين، هما صوت البكاء، وصوت المكاء، بكاء الهالع، ومكاء الخالع. ولكنه يسمع الحنين، حنين الأبطال، إلى النزال، ويسمع الأنين، أنين العاجزين لخلوّ الراحة، لا لألم الجراحة. ويسمع هينمة التكبير، عند النفير، ويسمع صوت الاستصراخ لبني العمومة في هذا الشرق.
ولعمر العروبة وما أنجبت! إنها لكلمات، تنطوي على ذكريات. فلقد كان يستغيث بها الطفل العربي فتعقد لها المحافل، وتجهّز الجحافل. وتقولها المرأة العربية فيهيج لها العرق الحرّ، ويتأجج الحفاظ المرّ.
أيها الإخوة الكرام:
إن ثورة الجزائر في حقيقتها العليا صفحة ذهبية في تاريخ العروبة الطويل، وقبسة نورانية من مشرق الإسلام، ونفحة علوية من أرواح الفاتحين الأولين: عقبة، وأي المهاجر، وحسّان، وموسى، وطارق، وإن أعمال إخوانكم المجاهدين الجزائريين أعمال وصلت أمجاد العرب في الآخرين بأمجادهم في الأولين، وإن مواقف الشعب الجزائري في هذه الثورة كلها حسنات ذهبت بسيئات العرب، وكفرت عن جميع ما اجترموه من ذنوب في جنب الإسلام والعروبة.
стр. 2045
وإن التعاون الذي ظهر بين أفراد الشعب الجزائري، في هذه الثورة، هو التفسير الصحيح لكلمة الأخوّة الإسلامية.
وجملة القول، من غير محاباة ولا غلوّ، أن الثورة الجزائرية فصل غريب في تاريخ الإنسانية، قرئ قبل أن يكتب، وفهم قبل أن يتمّ. وسيكون بعد أن يكتب بابًا ممتازًا في تاريخ الثورات التحريرية، يجد فيه الدارسون شذوذًا في كل قاعدة من قواعد الثورات، وهدمًا لكثير من النظريات الثورية السالفة في حياة الشعوب.
أيها الإخوة الكرام:
إننا لا نعلّمكم شيئًا جديدًا عن الثورات، فقد سبقتمونا إليها، وكنتم أئمتنا فيها، ونلتم استقلالكم بالضحايا والدماء والأشلاء، وما من قطر عربي أو إسلامي استقلّ بدون ثورة، وإنما هي بثّ من متعب إلى مستريح، وشكوى خابط في الدياجي، طال ليله، فطال ويله، إلى أخ كريم له، قد أطلق سراحه، وتبلّج على نور الحرية صباحه. فاعذروا إخوانكم الجزائريين إذا ألحّوا، واعذلوا إخوانكم العراقيين إذا هم بالنجدة شحّوا. إنكم لم تجتمعوا في هذا المكان والزمان لبناء بيت أو تكفين ميت، وإنما اجتمعتم لإحياء شعب من بني أبيكم، حياته حياتكم، وعزّه عزّكم، وفي انتصاره انتصاركم، وفي اندحاره اندحاركم. وقد أحالكم على الأنساب، وهي أرحام، وعلى اللغة وهي قوام، وعلى الخصائص وهي ذمام، وعلى الدين وهو عروة اعتصام؛ إنكم أسميتم هذا الأسبوع أسبوع الجزائر، وجعلتم براعة استهلاله هذا اليوم، وهذا الاجتماع الذي زاده حضور جلالة الملك الشاب بهاءً وإشراقًا، فأصبحت هذه الإضافات عقودًا في أعناقكم، يجب الوفاء بها على أكمل وجه، يشرّف العراق والجزائر، ويقوم بحق صاحب الجلالة، الذي لم يكفه أن حضر حتى تكلّم، ولم يكفه أن تكلّم حتى افتتح الاكتتاب.
اجعلوا هذا الأسبوع كالينبوع، يفور ولا يغور، وكماء دجلة يفيض ولا يغيض. وكيوم الجمعة عند القانت الأوّاب، تقلّ حركاته، وتكثر بركاته، وسلام عليكم في المؤمنين الصادقين، وسلام عليكم في الباذرين للخير والباذلين.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2046
في مصر
(أغسطس ١٩٥٧ - سبتمبر ١٩٦٢)
ــ
стр. 2047
الجزائر *
في الجزائر مواريث ثمينة، ومعادن دفينة، وخصائص مكينة من فضائل جذمين عريقين هما يعرب ومازيغ، ومن مآثر أمّتين عظيمتين هما العرب والبربر، فكل ما عرفه التاريخ عن الأمّتين من الأخلاق الكريمة والفضائل، وشهد به وسجّل، هو متماثل متقارب فيهما كالشجاعة والشهامة والإباء والحفاظ وحماية الحقيقة، والكرم والصدق في القول والفعل، والوفاء بالعهد والوعد، والمحافظة على الجار إلى حدّ الموت في سبيله، والانتصار للضعيف، والإحسان في محلّه، وإغاثة الملهوف، يصرف ذلك كله فيهم قلوب ذكية ومعاطس حمية، وكل ذلك ظاهر المخايل والمشابه في أخلافهم الجزائريين المتحدرين من تلك السلائل الكريمة.
وقد تماسّت الأمّتان في عصور عريقة في القدم وتنَفّست الجزيرة العربية بعدة موجات من الهجرة إلى الشمال الإفريقي يشير التاريخ إلى بعضها، وتشهد السمات والسحن والشمائل بالباقي، وان تلك القبائل المهاجرة اندمجت في البربر وامتزج القليل في الكثير فتكون مزاج من التأثّر والتأثير بينهما، وتجاوبت تلك الخصائص، وتقاربت المنازع في الأمّتين، وما تمّ الامتزاج إلا لأن الخصائص الجنسية فيهما كانت متقاربة متجانسة تسهّل الامتزاج وتمهّد للفعل والانفعال.
ووصل الإسلام إلى الجزائر قلب الشمال الإفريقي في بضع عشرات من السنين من شروق شمسه يحمل الخير والسلام والهداية ومكارم الأخلاق، فشدّ ما وجد من تلك الخلال الكريمة وأحكم، وطابع الإسلام المعروف هو تقريب المتباعدين وتوحيد المتنافرين، فكانت الطبيعة البربرية أسرع إلى تقبل تعاليمه مما كان ينتظر، وإذا شوهد بعض تلكؤ عن الإذعان فذلك من آثار اليهودية التي طاف طائفها ببعض القبائل قبل الإسلام كرهط الكاهنة
стр. 2048
بجبل أوراس، ولقد أعان الإسلام على سرعة الانتشار يُسْر مدخله إلى النفوس، ومساوقة بساطته للبساطة التي تتسم بها الطبيعة البربرية إذ ذاك.
ثم جاءت موجة الغارة الهلالية في أواسط المائة الخامسة للهجرة فغمرت سهول الجزائر بعد سهول تونس، وكان من آثارها الصالحة في الجزائر- على كثرة الأضرار والمفاسد التي تصحب التغلب عادة- أن عرّبتها ومكّنت لِلِّسان العربي فيها، وما صحا الفريقان من غمرة الانتصار والانكسار، حتى ذكروا أن الإسلام يجمعهم ففاءوا إلى السكينة وركنوا إلى السلم، وأووا إلى كنف الأخوّة الإسلامية فتصاهروا وتجاوروا وتناصروا وتقاسموا رقاع الأرض فوسعتهم جميعًا، وبسطت اللغة العربية سلطانها على ألسنتهم وأخيلتهم وأفكارهم فأهلتهم إلى العلم الصحيح والأدب والفن واصطنعوها ترجمانًا لأفكارهم، ولم يشهد تاريخ الإسلام أمّة من الأمم الأعجمية التي دانت به وخضعت أرواحها لسلطانه تنازلت عن لسانها للّسان العربي عن طوع واختيار، وتنازلت عن روحانياتها لدين الإسلام إلا أمّة البربر، فقد نزلت عن لغتها ومقوّماتها كلها إلى الإسلام ولغته، وبذلك أصبحت الأمّة البربرية كلها أمة عربية، ويشهد لذلك أنه قامت في الشمال الافريقي دول بربرية الاسم والعصبية لأول العهد الإسلامي ووسطه يرأسها ملوك عظام من صميم البربر، وخدمهم بالشعر شعراء فحول في الأغراض الملوكية بالمدح والتمجيد وكافأوهم بسنيّ الصلات والجوائز، وما علمنا قط أن شاعرًا خدمهم بالشعر البربري إلا في الفرط والندرة، ولو كان لنقل إلينا خبره لتوفّر الدواعي على نقله.
الأمة الجزائرية اليوم لم تزل على عهد أولئك الأسلاف الذين ساهموا في بناء الحضارة الإسلامية وشادوا لها من صروح العلم ما بقيت آثاره مشهودة إلى اليوم في قلعة بني حماد، وتيهرت، وبجاية، وتلمسان، وأنجبوا لها أئمة أعلامًا في التشريع والتاريخ والأدب والفن وعلوم اللسان العربي، فالأخلاف اليوم على عهد أولئك الأسلاف، لم يتنكروا للإسلام، ولم يجفوا العروبة على كثرة ما ابتلاهم به الدهر من صروفه ومصائبه، ودهاهم فتنه وويلاته، من شمال الأبيض المتوسط من حروب، وعلى كثرة ما صبّ عليهم جار السوء من العرق اللاتيني من غارات، وهبّ عليهم من تِلْقائِه من أعاصير مكتسحة، فقد كانوا يخرجون من تلك الأعاصير الجارفة أصفى ما يكونون جوهرًا، وأثبت مِمَّا كانوا عزائم وبصائر.
أحفاد أولئك الأجداد، وفروع تلك الأصول هم الذين يُحْيُون اليوم في الجزائر مآثر الأسلاف، ويقيمون الشواهد الحية على بطولتهم واستماتتهم في الذياد عن حرية وطنهم، فيشنونها ثورة شعواء أطارت ألباب طغاة الاستعمار وأوليائه في كل ركن من أركان المعمورة، ويقاتلون جيشًا وفير العدد متكامل العُدد، ولكنه مستعار الأسلحة والقلوب. يقاتلون أدعياء العلم والمدنية وحُثالة العنصر اللاتيني، وبقية السيوف الجرمانية من حربين لم يفصل بينهما من الزمن إلّا حاجز يسير.
стр. 2049
يقاتلون جيشًا استعمارًيا يظاهره جميع أنصار الاستعمار وقوى الشر المنتشرة في العالم، ومن ورائه ملايين من الشعب الفرنسي وقد تمالأوا على العدوان وتراضوا بالظلم والتجرّد من الإنسانية، يحملون قلوبًا تلتذ بمنظر الدماء والأشلاء وتفور بالحقد والبغضاء للإسلام والعروبة والشرق حتى للمسيح وتعاليمه، ومن وراء الجميع رئيس مفتون بالرئاسة أعماه الغرور عن رؤية الحقيقة، وأصمّته العنجهية عن سماع صوت الحق، فهو يتخبّط في ليل داج من الشبهات والأضاليل، وفي مجهل طامس من الدعاوى والأكاذيب، وكلما قلب الرأي وأداره هجم به على نتيجة تناقض رأيه، وكأن الله- جلّت قدرته- نصبه نذير شؤم لقومه بسوء العاقبة ووبال الأمر، وويل لهذا الشعب المضلّل الذي أفلس في الرجال أكثر من إفلاسه في المال، وربّاه الإلحاد وفساد الأخلاق ونقصان العقل إن تمادى في اتّباع خطوات هذا الرئيس المغرور.
الاستعمار كله رجس من عمل الشيطان، ويمتاز الاستعمار الفرنسي بأن آثار الشيطان فيه واضحة، ومخايل الشيطان عليه لائحة، فهو لا يقنع بالسيطرة على الظواهر بل يتدسس إلى مكامن السرائر ليفسدها أو يبتليها بالوهن والانحراف عن سبيل الفطرة، فهو لا يهدأ له بال حتى يدخل شيطانه في العلاقة بين الناس وبين خالقهم ... يدخل في العقائد الدينية فيشوبها بشوب الشرك والضلال، ويدخل في العبادات البدنية فينصب للناس أئمة للصلاة وهم يتجسسون عليهم، ويمنع صومهم، ويجعل من الولد جاسوسًا على شريكه، ومن الجار جاسوسًا على جاره، كل ذلك ليقضي على وشائج القربى بين الناس ويفسد وسائل المحبة والثقة بين أفراد المجتمع، ويقضي على أسباب التماسك بين أفراد الأسرة، ويسري منهم إلى أجزاء الأمة، ويدخل في التعليم فيحرم تعليم العربية ويعاقب عليه كما يعاقب على الجرائم.
وفي جنب ذلك يفتح الباب على مصراعيه للرذائل ومفسدات الأخلاق؛ فالخمر والزنا وغيرهما من الموبقات حلال في شريعة هذا الاستعمار باسم الحرية، وكل ما يحفظ الأسرة والأمة والأخلاق من عوامل التفتت والانحلال حرام في تلك الشريعة.
стр. 2050
يوم الجزائر *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوان:
يسعدني أن أقف على منبر جمعية الشبان المسلمين فأرسلها باسم الجزائر تحية خالصة مضمخة بدماء الشهداء إلى جميع الشعوب التي هزّتها الحوادث المروعة التي تتكرّر مع كل شارقة في أرض الجزائر ... أحيي فيهم هذه الروح الإنسانية التي حرّكتهم إلى الانتصار لإخوانهم الذين يخوضون معركة يشهد التاريخ المنصف أنها أعظم معركة سجّلها بين الحق والباطل، وبين الحرية والاستعباد، وبين المظلوم والظالم، وبين الخير والشر، وبين الضعف والقوّة، ويشهد التاريخ كذلك أنه لم يشهد بعد عصر النبوّة معركة تنتصر فيها الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، ويتجلّى فيها سرّ الإيمان وسرّ الروح مثل هذه المعارك الدائرة في الجزائر، حيث تنازل فيها قُوَى الخير، قليلة العدد معدومة المدد، قوى من الشرّ كثيرة الأعداد، موفورة الامداد، متصلة الإسناد، كاملة الاستعداد، فتدحرها وتنتصر عليها ... لم يشهد التاريخ شعبًا ثار لحرماته المنتهكة فهزّ العالم من أطرافه وانتصر له سكان القارّتين مثلما شهد من الشعب الجزائري وشعوب آسيا وافريقيا، تداعت هذه الشعوب لميقات يوم معلوم دعوه يوم الجزائر يعقدون فيه الاجتماعات لإعلان السخط وإقامة النكير على الاستعمار عمومًا وعلى الاستعمار الفرنسي في شمال افريقيا خصوصًا ... ولجمع الإعانات المالية لينتعش بها إخوانهم الجزائريون وتتجدّد بها قواهم في قتال عدوّهم ...
إن أيام الجزائر هي جميع الأيام التي يتألف منها عمر الثورة، فكل يوم أغرّ محجل واضح الشيات مملوء من أبنائها بالفعال والمآثر، ولكن لتخصيص هذا اليوم بالنسبة للجزائر بتواطؤ وإجماع من هذه الشعوب الهائلة التي يزيد عددها على نصف سكان المعمورة، سرّ
стр. 2051
عميق، ففي توقيت الوقت وتحديده بيوم استحضار إجماعي لبلايا الاستعمار في العصور المتعاقبة واستجماع للذكريات والأحاسيس التي تختلج في نفوس هذه الشعوب، وما منها إلا من اكتوى بنار الاستعمار، على تفاوت حظوظها من شرّه، وتفاوت أنصبتها من الشعور به. ومن أسرار هذا التوقيت أنه يكون ملتقى للعواطف، وحافزًا للهمم، ومثيرًا للعزائم، ومذكرًا بحقوق الجار على جاره والأخ على أخيه، وحقوق المشتركين في البلاء بعضهم على البعض، في هذا اليوم يتوافى نصف شعوب الأرض على داع مسمع من الحق يدعو إلى نجدة الجزائر في محنتها وإلى إعلان السخط على الاستعمار الفرنسي.
أما نحن معشر الجزائريين فنرى في إقامة هذا اليوم بهذه الصورة نصرًا معجّلًا لنا ونجاحًا موفّقًا لثورتنا، ومددًا من العناية الإلهية مهيّأ لنصرتنا وضربة قاصمة للاستعمار كنا نحن السبب فيها.
ونحن جازمون بأن الاستعمار الفرنسي المتداعي الأركان يرمي من هذا الإجماع بما يفسخ عقده ويوهن كيده ويجعله يؤمن بعد ذلك العناد والإصرار على الشرّ والفساد بأن قوى الشعوب من قوّة الله، وأن أنصاره وأعوانه لا يغنون عنه فتيلًا، فيا ويح العاملين في الظلام إذا تبلج الفجر في وجوههم، وويل لمستعبدي الشعوب من يقظة الشعوب، وويلهم إذا اجتمعت تلك الشعوب وتقاسمت بشرف الحرية لتنتقمنّ من المستعمرين ولتقضينّ على الاستعباد. ولله درّ شوقي إذ يقول:
صَوْتُ الشُّعُوبِ مِنَ الزَّئِيرِ مُجَمَّعاً ... فَإِذَا تَفَرَّقَ كَانَ بَعْضَ نُبَاحِ
أيها الإخوان:
إن هذه الدعاية الواسعة التي أحاطت بهذا اليوم ونبّهت عنه ودلّت عليه وأثمرت هذا اليوم العظيم، لتنويه بالثورة الجزائرية، وتعظيم لشأنها، وحسن ابتكار لوسائل النصر فيها، وأذان جهر من الحق، يسمع الصمّ عن هذه الثورة القاعدين الساكتين عن كلمة الحق فيها، وعن إيقاف فرنسا عند حدّ، وتوبيخ ضمني للحكومات والشعوب التي تمدّ هذا الغي وتقدّم لها العون على الشرّ والفساد، وسخرية حارّة بأولئك الشواذ الذين فسد ذوقهم الإنساني فولولوا وصاحوا وتظاهروا بالرحمة والإشفاق على كلبة فارقت الأرض وعوت منذرة لذلك الفريق المشفق بسوء المصير ثم ماتت، ولم يشفقوا على هذه الملايين المعذّبة في الأرض التي تموت بالآلاف في أرض الجزائر، إلا أن كل جنس يرحم جنسه ويشفق عليه، فهنيئًا لهم ما اختاروا وفي سبيل الكلاب ما صاحوا وولولوا وأرسلوا من عبرات.
أيها الإخوان:
من حسنات هذا اليوم وآثاره الجليلة أنه يجمع قلوب الشعوب الآسيوية والافريقية على ذكر الجزائر والجزائريين بأشرف ما يذكر به إنسان، فيذكرون أنواع البلاء التي يصبّها عليهم
стр. 2052
الاستعمار الفرنسي، ويذكرون أمثلة البطولة التي تتسم بها أعمالهم، ويذكرون الدماء التي تسيل والأرواح التي تزهق وكل الجرائم الوحشية التي يرتكبها الجيش الفرنسي باسم الحضارة الأوروبية، وفي أثناء العمل الذهني في هذه الذكريات ينكشف الحق عن مصاصه وهو إكبار المجاهدين الجزائريين وإجلال مقصدهم وغايتهم من هذه الثورة، وهو الحرية والاستقلال، واحتقار فرنسا وجيشها وحضارتها وعلمها الذي غرّت به العالم حينًا من الدهر، وفي هذا اليوم الذي نسب إلى الجزائر ستلتقي همم مئات الملايين من شعوب آسيا وإفريقيا على خاطر واحد في ساعة من نهار، وهو بغض الاستعمار والحنق عليه، ووجوب الإجهاز عليه والإجماع على زواله والراحة منه، واحتقار فرنسا التي افتضحت أمام العالم وانكشف ثوب الزور الذي كانت تلبسه، وهدمت بأعمالها الشنيعة المجرّدة من الإنسانية كل ما بنته لها دعايتها من محاسن، ولا يقصر هذا السخط على الحكومة الفرنسية وحدها بل يتجاوزها إلى الأمّة الفرنسية نفسها، لأنها متواطئة مع حكوماتها على إبادة الجزائريين بسكوتها على ما تفعله هي وجيشها، فلم يسمع العالم نأمة في استنكار تلك الأعمال التي تسوّد تاريخ فرنسا وتقضي على سمعتها.
أيها الإخوان:
هل أتاكم أن الجيش الفرنسي يأتي في الجزائر أنواعًا من الفظائع ينكرها حتى الشيطان من تقتيل جماعي؟ لا أشك أن أخبار هذه الفظائع وصلتكم ووصلتم من علمها إلى عين اليقين، وكيف لا تصلكم وأنتم منها قاب قوسين، ولو أن مستشرفًا أرهف السمع لسمع من مخارم الأطلس الأشمّ حيث يتطامن على حدود ليبيا، لسمع تكبير المجاهدين ممزوجًا بمعمعة النيران في منازلهم وفيها أولادهم والمستضعفون من ذويهم، ممزوجة بصراخ الاستغاثة من الأطفال والنساء والشيوخ حيث لا مغيث، ولرأى منظرًا يذهل النفوس ويدمي العيون ويذهب الرشد، فإذا رجع هذا المستشرف إلى رشده حكم بمبلغ تأثير الإنسانية في أفراد الجيش الفرنسي وقادته ومبلغ حظهم من هذه الحضارة التي تزعمها أمّتهم، وعلم بالمشاهدة أن ذلك الجيش الوحشي عجز عن قتل المجاهدين بما حشد من أسلحة فتّاكة فانقلب إلى هذه الأصناف العاجزة عن الدفاع من أطفال ونساء وشيوخ ليطفئ بقتلهم غيظه ويشفي بتعذيبهم صدره.
أيها الإخوان:
إن المفروض في الحضارة أنها تهذّب الأخلاق وتلطّف الحيوانية فتدنيها من الرحمة وتشيع الفضائل في النفوس، وإن الجندي هو أولى الناس بالتربية الفاضلة والأخلاق الحميدة. فما لهذا الجيش الذي لم تترك أمّته فضيلة إلا انتحلتها لنفسها، ولا حضارة للأقدمين إلا ادّعت أنها وارثتها بالفرض والتّعْصِيب، يفضح أمّته هذه الفضيحة الشنعاء ويعقّها هذا العقوق الأطلح ويسجّل عليها خزي التاريخ ولعنة الأجيال.
стр. 2053
كلا، فحرام أن نظلم الجندي الفرنسي وحده، فلو زكا الأصل لزكا الفرع، ولو طاب المولد لطاب المحتد، ولكنها أصول مظلمة ومن ثم كانت ظالمة، وشعب مطبوع على الاستطالة واحتقار الشعوب الأخرى، يعتقد أن وجوده في عدم غيره وحياته في موت الشعوب الضعيفة، فهو جار في الشرّ على عُرف أصيل. ويقول المغرورون بالظواهر المفتونون بالألوان السطحية الذاهبون إلى عامل التأويل، إن الذين يقومون بتلك الموبقات في الجزائر إنما هم أجانب عن فرنسا من السنغال أو جنود اللفيف الأجنبي، وأين الرئيس الفرنسي الصميم الذي لا يتمّ أمر في نظام الجند الفرنسي إلا بعلمه واطّلاعه ورضاه وأمره؟ وفات هؤلاء أن السنغاليين وفرقة اللفيف إنما هي موضوعة بالقصد الأول في الجيش الفرنسي لمثل هذه المنكرات من هتك الأعراض واستباحة الحرمات علانية، والرئيس إذا لم ينهَ عن المنكر فهو آمر به.
أيها الإخوان:
أين هذا من حضارة الإسلام في طوره الأول التي يتفننون في رميها بكل نقيصة، وأين آداب القتال التي شرعها الإسلام من آداب القتال في هذا العصر المتحضر؟
أين هذه الأعمال الوحشية من رحمة الإسلام التي أمر بها الخليفة الأول في وصيته المشهورة لجيش متوجه للغزو ومنها: لا تقتلوا إلا من قاتلكم ولا تقتلوا طفلًا ولا امرأة ولا شيخًا ضعيفًا.
إننا معشر الجزائريين نعلم عن فرنسا، بحكم المجاورة بيننا وبينها، ما لا يعمله غيرنا.
وقد مسّنا من عذاب باستعمارها لنا ما لم يمسس غيرنا من غيرها، فإذا حكينا عنها فإنما نحكي عن عيان، ويعلم الله أننا في ما نحكيه عنها غير متجنّين ولا مفترين ولا متأثرين بالعداوة.
أيها الإخوان:
إني أرجو أكيد الرجاء أن تكون أيام العرب والمسلمين جميعًا يوم الجزائر حتى تنتصر الجزائر وتنتصر العروبة والإسلام في الجزائر ... وفّقنا الله جميعًا وسدّد خطانا، وأنجح مسعانا ونصرنا على القوم الظالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2054
الثائر الإسلامي جمال الدين الأفغاني *
ولدنا الأبرّ الأستاذ الجليل الشيخ أحمد الشرباصي- أبقاه الله-.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
يعز عليّ أن لا أشارككم في هذه الحفلة التي تحيون بها رجلًا نعده سلفًا لنا في الشجاعة وعدم الرضى بالضيم، وفي الجهر بقول الحق، وفي كثير من الخلال الصالحة.
ويعزّ على هذا اللسان أن تجيء ذكرى الأفغاني ولا يتحرك فيها بكلمة، وأن يُدْعَى من جمعية الشبّان فلا يستجيب، وجمعية الشبّان هي منتجع هواه، ومنبرها هو أول منبر ارتفع عليه صوته، وقاعتها هي التي تجاوبت أرجاؤها برجع كلامه.
ويعزّ عليّ أن أحرم من الاستفادة من آراء إخواني الخطباء الذين يسعدون في هذه الليلة بالحديث عن جمال الدين، وإنّني لفقير إلى الاستفادة منهم.
ولكن المرض الذي تعرفه برح بي وأقعدني عن الحضور، وتسلّط على فكري فما يبضّ بكلمة، وعلى لساني فما ينطق إلا بصعوبة، إنني عاجز عن القعود على الكرسي ولو دقيقة واحدة، وعلى عذري لكم وللإخوان الحاضرين فإنني أمليت بصعوبة على الكاتب كلمة في آخر لحظة أملاها خاطر كليل، ولسان غير بَليل، فجاءت خَشِبَة لم يهذبها انتقاد، ولم يعمل فيها نظر معاد، وأنتم أولى من يقوم بالاعتذار عنّي عند إخواني.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الإبراهيمي
...
стр. 2055
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوان:
أحيي هذه الذكرى الجميلة، ذكرى جمال الدين الأفغاني، تحية فيها معنى الإجلال والإكبار، ومعنى الاعتزاز والافتخار للمقيمين لذكراه.
أحيي الذين فكّروا فيها، والذين أقاموها وأحيوها، والذين سعوا لها وحضروها، والذين تكلموا فيها وشرحوها، فجلوا جوانب سيرة هذا العبقري، وكشفوا عن مكامن العِبَر وعن وجوه التأسي فيها.
إن هذه الذكريات التي تُقيمها الأمم لعظمائها لا تنفع الأموات، لأنهم قد خرجوا من الدنيا وفرغوا من تبعاتها وتكاليفها، وتركوا لمن بعدهم من أعمالهم ما ينير لهم سبل الحياة، بعد أن أدّوا واجبهم لأممهم خيرًا ونفعًا وجمالًا، وقاموا لعقائدهم ومباديهم ما يجب لها من إبانة وتثبيت وتمكين في الأرض، وإنما تنفع الأحياء لأنها تجعلهم متصلين دائمًا بعظمائهم وسلفهم الصالح حتى كأنهم بينهم أحياء يأمرون وينهون، ويعظون ويرشدون ويردون الضالّ عن ضلالته، ويوقظون الغافل من غفلته، ولو أننا عرفنا كيف نستفيد من حفلات المولد النبوي التي تقام آلاف المرات في كل سنة، وطهرناها من المجانة واللهو والعبث والمنكرات، التي تبعدنا عن الله وتحجبنا عن حقائق الدين التي جاء بها صاحب الذكرى، ووجّهناها إلى تلك المعاني السامية المطربة في سيرته العملية، ورمينا بها إلى الغايات التي هي حقيقة الإسلام وأخلاق المسلم- لو فعلنا ذلك- لنقلناها من باب البدع المنكرة إلى باب السنن الاجتماعية الصالحة المحمودة، ولكان منها في كل مظلمة شعاع هاد، وفي كل معضلة نور نمشي به في الظلمات فلا نخاف ضلالًا ولا زيغًا.
إن من البر بأنفسنا أن نذكر- مع كل شارقة- عظماءنا ومصلحينا الذين كان لهم أثر مشرق في تاريخنا، وأن نحيي ذكرياتهم لنحيا بها ونأخذ العبر منها ونجعلها دليلنا إذا أظلمت علينا السبل، وقدوتنا إذا أعوزنا الإمام القائد.
العلماء الربّانيون في هذه الأمة ثلّة من الأولين، وقليل من الآخرين، والحكماء في هذه القلة قلة أخرى، لا تلد القرون منهم إلا الواحد بعد الواحد، ولا يجيء الواحد إلى الوجود إلا بعد فترة من تحكّم الأهواء واستيلاء الخمول، وسفه القيادة، والبعد عن هداية الدين، والجهل بأمور الدنيا وبالصلة الوثيقة بينها وبين الدين، وانطماس المعالم المنصوبة والأعلام الهادية فيهما، فيكون ظهوره تجديدًا للدين والدنيا معًا، ودعوة للعزة فيهما معًا، وإصلاحًا لما أفسدته الغفلة منهما معًا، ورمًّا لما تشعث من بنائهما معًا.
ومن هذا القليل جمال الدين الأفغاني.
стр. 2056
والأفغاني ينظر إليه الخليون الفارغون من علماء القشور والرسوم على أنه ليس عالمًا دينيًا بالمعنى الذي يفهمونه من الدين ومن العالم الديني الذي هو عندهم حاكي أقوال وحافظ اصطلاحات وراوي حكايات، يجلس في حلقته فيفيض في الحلال والحرام وفي الزهد والرقائق بكلام مقطوع الصلة بالقلب، مقصور على اللسان، فهو لا يؤثر، ومن ثم فهو مقصور على سمع السامع فهو لا يتأثر، وليس فيه إلا قال فلان، وقال فلان، وليس منه قلت، ولا ارتأيت، ولا فكرت، حتى إذا فرغ من الكلام فرغ كل شيء منه، وخرج من الدرس فوجد البدع والمنكرات بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يهتز لها هزة الغضب، ولا يتأثر لها تأثّر المنكر، بل يجاري البدع والمبتدعين ويكثر سوادهم، ويكون حجة على الدين لا حجة له.
أما أصحاب العقول المُتَدَبّرة والأفكار المثمرة، والبصائر النيّرة، والموازين الصحيحة للرجال، فإنهم يرون في الأفغاني عالِمًا أي عالم، وفردًا انطوى على عالم، وحكيمًا أي حكيم، وأنه أحيى وظيفة العالم الديني وأعاد سيرتها الأولى، وأنعش جدها العاثر، وجدّد رسمها الداثر.
كان العالم الديني في نَأْنَأَة الإسلام أقوى نفوذًا وأوسع سلطة من الخليفة والملك والأمير، وكان الأمراء القاسطون يخشون ذلك النفوذ الواسع ويضيقون به ويتبرمون منه.
كان القاسطون من الخلفاء والأمراء بعد دولة الراشدين يخشون سلطة العلماء ونفوذهم الروحي، لأن في ذلك النفوذ حدًا من استبدادهم ووقوفًا في طريق شهواتهم الحيوانية، فعمدوا إلى حيلة تتابع فيها أولهم وآخرهم وهي: إلصاق الحاجة بالعلماء، أو تحنيكهم بحلاوة الشهوات حتى يتخذوا منها مقادة لهم يجرونهم بها إلى مجالسهم وغشيان قصورهم، والحضور في محافلهم، فوقع الكثير في هذه الحبالة، ونجا من عصمه الله من هذه المكيدة، ونقرأ في تراجم الكثير من الزهّاد المتورعين أنهم كانوا يمتنعون من وطء بساط السلطان، وأكل طعامه، وأخذ جوائزه والولاية له، لأنهم كانوا يرون أن ذلك كله ترويض على ما بعده من إذلال وامتهان، وذريعة إليه، ولكن تلك الحيلة أخذت مأخذها من النفوس مع تطاول الزمن وإلحاح الإغراء حتى ضاع ذلك النفوذ الواسع، الذي كان يمسك الأرض أن تميد ويحرس الإسلام من طرق هذه المعاني الخبيثة من الداخل ومن الخارج، إلى أن اختلّ أمر الدين والدنيا معًا بين المسلمين، وكانت الخاتمة ما نراه اليوم في المجتمع الإسلامي من تخاذل وتفكك وانحلال، وهذه هي عواقب بُعْد العلماء عن الرأي وعدم تدخلهم في الشؤون العامة، وهكذا كان علماء عصر جمال الدين يريدون لجمال الدين أن يكون.
стр. 2057
والعلماء المصلحون متفاوتون في الاستعداد بالميادين التي جلوا فيها بمقتضيات الضرورة والزمان والمكان، فأحمد بن حنبل رأى أن العقيدة التي يريد الخليفة أن يغرسها بالقوة هي عبث بعقائد الحق كلّها، وأنها ستسري- إن سكت عنها- لبقية العقائد، لا سيّما والذي يرعاها خليفة، وتربتها التي نبتت فيها بغداد، وبغداد عاصمة الإسلام إذ ذاك، فالآراء التي تؤمر منها تنتشر في العالم الإسلامي كله، فوقف أحمد فيها المواقف المشهورة، ولاذ بقية العلماء وهم أئمة الدين وقادة المسلمين بسلاح الضعفاء المترددين، بعضهم بالتقية وبعضهم بغيرها من ذرائع سلامة البدن، والعز بن عبد السلام رأى أن طغيان المماليك في مصر واستهتارهم يؤديان إلى ضياع المصالح، واختلال السابلة، فوقف منهم موقفه الذي خلّد اسمه، وأحمد بن تيمية رأى أن ضلال العقائد واستفحال البدع وتسلط المبتدعين على عقول العامة قد طغت بحارها، فوقف منهم طول عمره موقف الخصم اللدود حتى خضد شكوتهم وفل شباتهم، ومحمد بن تومرت رأى اقتناع علماء الدين في تغيير المنكر بالمرتبة الأخيرة التي لا بلاء فيها ولا جهاد، وهي التغيير بالقلب، فانتقل إلى أعلى رتبها وهي التغيير باليد، فكان يغير المنكرات بيده، ولولا مخرقة شابت أفكاره لكان في عداد المصلحين العظام، وجمال الدين رأى أن أنكر المنكر في زمنه هو عبث الأمراء المستبدين أو الأمراء الضعفاء بمصالح المسلمين، وأنهم أضاعوها في سبيل شهواتهم الشخصية، وأنه لولا سكوت العلماء وقعودهم مع الخوالف لما تمادى أولئك الأمراء في غيّهم، فوجّه جهوده ووقف مواهبه على هذا الميدان السياسي، والسياسة في نظر الإسلام هي من لباب الدين، لأنها حامية لشرائعه وشعائره وحدوده، وموقف الأفغاني من شاه إيران وسلطان العثمانيين وخديوي مصر مشهورة، فالأفغاني باتّساع معلوماته، وباستعداده الفطري، وبِبُعد نظره، وبصراحته وشجاعته، وبحسن فهمه لأمراض المسلمين، ومعرفته بأصناف عِلاجها، مصلح سياسي، اجتماعي مستكمل الأدوات لا يشق له غبار ولا يصطلى له بنار.
ولم يتخذ الأفغاني وطنه الذي ينتسب إليه مركزًا لحركاته وأعماله، لأَنَّ ذلك الوطن لا يصلح مركزًا لانبعاث حركة فكرية شاملة، لبعده وانقطاعه عن بقية الأوطان الإسلامية، واختار مصر قاعدة للحملات الصادقة التي حملها على استبداد الأمراء وخمول العلماء، وغفلة العامة، وشيء آخر من بواعثه على اختيار مصر واتخاذها قاعدة لحركاته، وهو أن مصر لم تزل حاضنة العروبة، وحافظة عهودها من لدن الفتح الإسلامي، ولم تزل كعبة العرب ومهوى أفئدتهم منذ قرون، وكل مبدإٍ يتعلّق بإصلاح شؤون المسلمين العامة، فمن دواعي نجاحه أن يكون منبعثًا من أرض العرب لمكانهم من النبوة ومنزلتهم من القرآن.
стр. 2058
أيها الإخوان:
الذكرى من الذكر، فماذا تذكرون في هذه الليلة عن جمال الدين الأفغاني، وماذا تدّخرون من آثارها في نفوسكم لليالي المقبلة من أعمالكم؟ اذكروا أنه كان عالمًا شجاعًا، قوّالًا للحق جريئًا فيه، واذكروا أنه كان لا يخشى في كلمة الحق يقولها ولا في الحق يدعو إليه لومة لائم، واذكروا أن جميع الثغر التي أُتينا منها فعِلّةُ العلل فيها آتية من سكوت علماء الدين وبعدهم عن شؤون المسلمين العامة. وقد جزاه الله في الدنيا جزاءً عاجلًا فرزقه طرازًا من التلامذة المستعدين، نفخ فيهم من روحه، وربّاهم على مباديه، وكانوا من بعده حمَلَة فكرته، الشارحين لها بالعمل، وحسبكم بالأستاذ الإمام محمد عبده.
وإن جمال الدين اقتحم هذا الميدان فكان حجة لبعض العلماء، وحجة على بعضهم. رحمة الله على جمال الدين جزاء ما قدّمه للإسلام والمسلمين، وكفاء ما سنّه للعلماء من أسى حسنة لم نزل نتقلّب في أعطافها، وندين له بالفضل فيها.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 2059
الذكرى الثالثة لثورة نوفمبر *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوان:
هذه ذكرى ثلاثة أحوال مرّت على جهاد إخوانكم الجزائريين، وثورتهم على العتوّ الفرنسي ثورة قوّضت أركانه، وأتت بنيانه من القواعد، وجلبت عليه الوبال والخبال، وستنتهي- في رجاء كرأي العين- بتحرير دينهم، وعروبتهم، وأعراضهم ورقابهم من قبضته، فبهذا اليوم سلخت الثورة ثلاث سنوات كل أيامها غرّ محجلة، وكل لياليها كليلة القدر مقدسة مبجّلة، وكل وقائعها انتصارات للفئة القليلة على الفئة الكثيرة مسجّلة، وكل نتائجها ثمرات من الوعد بنصر الله معجلة.
فتعالوا بنا في هذا المشهد، وأخبار النصر متوالية، وأصوات البشائر بقرب ساعة الفتح العزيز متعالية، نرسل إلى أولئك المجاهدين الأبطال تحيات زكية، تخالطها نفحات مسكية، تحملها عنا أمواج الأثير لا نسمات الصبا، ودعوات للولي الحميد بالنصر والتأييد، تطير بها أجنحة الإنابة، إلى مشارف الإجابة، نزجيها إمدادًا كالغيث في وقت الحاجة إليه، ونعدها إن لم تسعد الحال إسعادًا بالقلوب، إلى أولئك الأبطال الذين كتبوا بدمائهم الصفحات الأخيرة من تاريخ ذلك الشمال الملتحم الأجزاء، كما كتب أسلافهم الأولون أمثال عقبة والمهاجر وطارق الصفحات الأولى منه، ولا عجب فهؤلاء الأبطال متصلون بتلك الأنساب، متحدرون من تلك الأصلاب، ففيهم من الخصائص النفسية الموروثة ما ترون من آثار، وتسمعون من أخبار، ولا ترتابوا في أن هذا من ذاك.
...
стр. 2060
نحييكم- أيها المجاهدون الأبطال- عنا وعن جميع إخوانكم الذين أظلهم الإسلام معكم بلوائه، ولفّتهم العروبة معكم في ملاءتها، تحية المعجب بمشاهدكم في سبيل الله وفي سبيل نصرة دينه، وبمواقفكم التي بيضتم بها وجه كل مسلم وكل عربي، وبالأمثال الشوارد التي ضربتموها في البطولة والشجاعة، وبالسُّنَن التي سننتموها للمسلمين والعرب في الاستخفاف بالموت في سبيل الحياة، وفي الصبر والثبات والثقة بالله ثم بالنفس، وبالأعمال الخارقة التي ظهرت على أيديكم مقرونة بالتحدي للظلم وأشياعه، والطغيان وأتباعه، فليت شعري هل تدرون أنكم أحييتم بأعمالكم طارقًا في الأولين، وصلاح الدين في الآخرين، بعد أن لم يبق لنا منهما إلا الاسم ... نلوكه بألسنتنا ونتيمّن بإطلاقه على أبنائنا.
من كان يظن أن ثورتكم تبلغ إلى هذا الحدّ من القوّة والصولة، ومن الجلالة والروعة، لو جرت الأمور على قواعد مذهب عبّاد المادة: شعب مفكّك الأوصال، مجرّد- إلى درجة العري- من كل ما يسمّى نظامًا وقوّة، وقد سلبه اللصوص كل شيء من أسباب القوّة المادية، يثور في وجه دولة من أقوى دول العالم بجيوشها وأسلحتها، ومصانعها، ووسائل القوّة فيها، ثورة تذهلها عن نفسها، وتذهب بصوابها، وتبتليها بحالة من الفوضى والاضطراب لا يوجد لها نظير بين المغلوبين في الحروب ذات القوى المتكافئة، ثم تنتهي بعد ثلاث سنوات إلى إفلاسها في الرأي والمال معًا، وإن الإفلاس في الرأي لشر من الإفلاس في المال.
إن هذا لغريب في أذواق المفتونين بالقوة المادية، أما المجاهدون من عرب الجزائر فإنهم يبنون أمرهم على غير هذا الأساس، يبنون أمرهم على سموّ المعاني التي يقاتلون من أجلها، وأنهم على الحق، وأن عدوّهم على الباطل، ذلك لأنهم قوم جدّدوا صلتهم بالله ناصر المستضعفين، وقامع العتاة، فجدّد الله معهم عوائد نصره، وغيّروا ما بأنفسهم من استكانة ورضى بالدون والدنية، فغيّر الله ما بهم تثبيتًا لعهده، وإنجازًا لوعده، وقد وخزتْهم عقيدة الإيمان والحق من كل جانب، فقارعوا عدوّهم بهما، فأوبقته جَرائِرُه وخذلته قواه، ولم تغنِ عنه آماله الغرّارة ولا جيوشه الجرّارة شيئًا، فهو يتخبّط في حِبالةٍ يتعذّر الخلاص منها.
أيها الإخوان:
إن الفرنسيين- ومن ورائهم الدول الغربية المستعمرة كلها- ليعلمون هذا كله، يعلمون منزلتنا في الروحيات، ومدى تأثير الروحيات فينا، ويعلمون أننا قوم نُصِرَ أوائلنا بالقوّة الروحية، وما تستتبعه من عقيدة وإيمان، فملكوا الدنيا، وسادوا الكون، وأن أواخرنا سيجرون على ذلك العرق، فلم يزالوا بنا حتى أزاغونا عن ذلك الأصل، فتمارينا وتشككنا، ثم ضعفنا وتفكّكنا، فوكلنا الله إلى أنفسنا، فما يبالي في أي واد هلكنا، وبهذه السياسة ساستنا فرنسا من يوم احتلت أرضنا إلى الآن. فبعد أن جرّدتنا من الدنيا وأسباب القوّة فيها،
стр. 2061
تدسست إلى مكامن الإيمان والعقيدة من نفوسنا لتطفئ تلك الشعلة الإلهية فيها، وتجتث أصل الإيمان منها، ولكن الأعراق الأصيلة في الإيمان تظاهرها الأعراق الأصيلة في العروبة والصلابة الفطرية، هتفت بأولئك الدساسين: أن قفوا مكانكم ولا كرامة ... وقد يئسوا بعد قرن وربع قرن من تأثير تلك الدسائس، وكانت العاقبة أن وقع ما كانوا يتوقعونه، وها هي ذي الثورة المضطرمة في الجزائر تبيد خضراءهم، ويأكل ضعفها قوّتهم، وتجيئهم كل يوم بما لا يحتسبون، وتستنزف من مواردهم ما يعجز العادّون عن عدّه ...
أيها الإخوان:
أُخِذَ هذا الشرق المسكين أخذة السحر بعلوم فرنسا وفنونها، وقوّتها وحضارتها، وجمال أرضها حتى أصبح يفتخر بلغتها وآدابها، وينعتها بأنها أم الحرية، ومنارة العرفان، وحارسة العدل الإنساني.
أما الجزائري فإن هذه الرقى لم تستهوه مهما جوّدت أبواق الدعاية نغماتها، وما أفاق بعض الشرقيين من ذلك التخدير إلا عند احتلال فرنسا لسوريا وارتكابها الموبقات التي لا يهتدي إليها الشيطان، ثم انكشف الغطاء، وظهرت فرنسا على حقيقتها الكاملة في الاعتداء الثلاثي على مصر، وما عهده ببعيد، فإذا هي مجموعة فضائح عريانة لا تتستّر بجلباب، ولا تتوارى بحجاب.
أيها الإخوان:
إن فرنسا لم تزل في المنزلة التي خلقها الله عليها، وهي دركة الإنسانية القريبة من الحيوانية في الحد الفاصل بينهما، وآية ذلك أننا نقرأ في تاريخ الاحتلال الفرنسي لأرضنا تفاصيل الأعمال الوحشية التي ارتكبها الجيش الفرنسي مع الشعب الجزائري وصنوف التعذيب والتحريق للأحياء، وكيف كان أولئك المساكين يأوون إلى الكهوف الجبلية يعتصمون بها من الموت هم وأطفالهم ونساؤهم وما يملكون من حيوانات فيأتي الجنود الفرنسيون بأوامر من قادتهم فيسدّون منافذ الكهوف بالحطب ويضرمون فيها النار حتى يموت كل حي في الكهف احتراقًا أو اختناقًا، موتًا قاسيًا بطيئًا يذوقون في كل دقيقة لونًا منه، ويحرمونهم من الموت الوحيّ المريح، ونراهم يفتخرون بهذه الأعمال، ويسجّلونها في كتبهم ورسائلهم، وها هم أولاء بعد قرن ورُبُع قرن، وبعد أن تبدلت العقول، وفعل الزمان فعله في النفوس فبدل الشراسة لينًا والقسوة رحمة، ها هم أولاء يتفننون في أساليب التعذيب للمدنيين الجزائريين، فيقتلون الأطفال والنساء والعجزة والقعدة وعلماء الدين بأساليب وحشية من سمل للعيون، وامْتِلاخٍ للأظافر، وتمزيق لأوصال الأحياء، وما يخجل الشيطان ويأنف من تسويله والإغراء به، فكأن العالم كله تحوّل، والعقليات كلها تطوّرت، إلا الفرنسي، والعقلية الفرنسية فإنهما متحجران ثابتان في محلهما.
стр. 2062
أيها الفرنسيون:
ماذا أبقيتم من المخزيات؟ انتهكتم الأعراض، وقتلتم الصبيان والنساء والشيوخ، ورجال الدين حقدًا على الدين، قتلتموهم في المساجد، وفي أوقات الصلوات، وهم بين يدي الله، فهل تطمعون بعد الذي وقع منكم أن يجمعكم مع الجزائريين سقف واحد؟ هيهات لقد وصل الحقد بكم إلى حد يضل معه كل رأي. إنكم لم تتركوا موضعًا للرحمة في قلب المسلم إلا لطختموه بمخزية.
هما حالتان:- بعد أن وقع منكم ما وقع - إما أن يفنى الجزائريون عن آخرهم، وإما أن ترتحلوا غير مأسوف عليكم.
أما أنتم- أيها الإخوة المستمعون- فخذوا العبر من المبتدإ إلى الخبر من هذه الثورة التي هي الغرّة اللائحة في تاريخ الثورات، ولا تقفوا عند مظاهرها فيكون حظكم من الإعجاب بالبطولة الخارقة لأحكام العادات، والتمدح بالصمود للعدوّ والإنكاء في العدوّ فتضل عنكم وجوه الاعتبار، وكم أضعنا بهذه السطحية فوائد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2063
الدين في شعر أحمد شوقي *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
هاج عليّ عرق النسا، فلم يؤلمني منه إلا أنه فوّت عليّ الحضور بنفسي لإسماع المستجيبين لدعوة شوقي ما أحفظه من شعره في الموضوع الذي خصّصه لي الأخ الكريم الأستاذ الجليل مسجّل الفضائل الإسلامية والأمجاد العربية الشيخ أحمد الشرباصي وهو " الدين في شعر شوقي "، وإذا فاتني ذلك الخير فلا يفوتني أن أبعث إليكم بهذه الكلمة التي كتبتها في اللحظة الأخيرة متلفعة بملاءة من خجل التقصير في حقكم وحق شوقي، وإن لكم عليّ لحقًا أوجبه وفاؤكم لشوقي حين قلّ الأوفياء له حتى كاد ينسى ويُجفى، وإن لشوقي عليّ لحقًّا أوجبته على نفسي حين غاليت بقيمته في شعراء العربية غابرهم وحاضرهم، وسلام عليكم في الأوفياء.
الدين في شعر شوقي:
ونعني بالدين هنا ما هو أعمّ من الإسلام. فإن شوقي تغنّى بكل دين استحدث خلقًا أو ثبت فضيلة إنسانية أو زرع محبة بين الناس، أو أنشأ حضارة أو زاد فيها أو ولد فنًّا، أو كان إرهاصًا بدين أكمل. لا يبالي أكان ذلك الدين سماويًا أو من مواضعات البشر.
وشوقي يرى- في ما يفهم من شعره- أنه ما من نفس منفوسة إلا وهي منطوية على دين يسيرها في الحياة ويحدّد لها نهجها. وأن جميع هذه النفوس مؤمنة بالله طالبة الوصول إليه وإنما اختلفت بها الطرق المؤدّية إليه فتعثّرت، وطلاب الغايات المكانية كثيرًا ما يتعثّرون فتكون العثرات عائقة عن الوصول فكيف بطلاب الغايات الروحية، ولا مفرّ من
стр. 2064
ضلال في هذه المسالك ما لم يكن لها دليل سماوي، وكذلك لبث البشر أحقابًا يتخبطون إلى أن أذن الله بفتح باب الوحي.
وشوقي يلمس في مناحيه الفكرية آراء ومنازع صوفية للقدماء ويكسوها حللًا شعرية تذهل بروعتها عن تعرف حقيقة رأيه ويغطي الافتتان بالصور الشعرية على التفكير في أصل الرأيين فضلًا عن الفروق والجوامع بينهما، ولشعر شوقي في بعض المواقف إشراق كإشراق البرق، يبهر فيخفي فيه ما يكاد يظهر.
يقول شوقي في حالة البشر قبل بعثة الأنبياء:
رَبِّ شقت العباد أزمانَ لاكُتْـ ... ـبٌ بها يُهتدى ولا أنبياءُ
ذهبوا في الهوى مذاهب شتّى ... جمعتها الحقيقة الزهراء
فإذا لقّبوا قوّيًا إلها ... فله بالقوى إليك انتهاء
وإذا آثروا جميلًا بِتَنْزِيـ ... ـهٍ فإن الجمال منك حباء
وإذا أنشأوا التماثيل غرًّا ... فإليك الرموز والإيماء
وإذا قدروا الكواكب أربا ... بًا فمنك السنا ومنك السناء
وإذا ألهوا النبات فمن آ ... ثار نعماك حسنه والنماء
وإذا يمّموا الجبال سجودًا ... فالمراد الجلالة الشماء
وإذا يُعبد الملوك فإن الـ ... ـملك فضل تحبو به من تشاء
وإذا تعبد البحار مع الأسماك ... والعاصفات والأنواء
وسباع السماء والأرض والأر ... حام والأمهات والآباء
لعلاك المذكرات عبيد ... خضع والمؤنّثات اماء
جمع الخلق والفضيلة سرّ ... شفّ عنه الحجاب فهو ضياء
ويقول:
ربّ هذي عقولنا في صباها ... نالها الخوف واستباها الرجاء
فعشقناك قبل أن تأتي الرُّسْـ ... ـل وقامت بحبك الأعضاء
ووصلنا السرى فلولا ظلام الـ ... ـجهل لم يخْطنا إليك اهتداء
وشوقي يحضّ أهل الأديان جميعًا على التسامح، ويشدّد النكير على من يتخذونها أداة للتنازع والاختلاف، ويقول إنها كلها لله، وإن لم تكن كلها من الله، وما دامت كلها لله فهي رحم جامعة. ومن البرّ بهذه الرحم والرعاية لهذا النسب أن لا نتعادى فيها، ونفس شوقي ينبوع متدفق بالرحمة والحنان قبل أن تكون ينبوعًا متدفّقًا بهذه الروائع من الحكمة والبيان، وإنه لأصدق صادق حين يقول:
стр. 2065
خلقت كأنني (عيسى)، حرام ... على قلبي الضغينة والشمات
وحين يقول:
ولا بِتُّ إلا كابن مريم مشفقا ... على حُسَّدي مستغفرًا لعداتي
ولإغراق شوقي في الدعوة إلى التسامح سبب آخر وهو أن الدعوة العثمانية التي هي ليلاه ومناط هواه، ومَعْقِد رجائه في إعزاز الإسلام كانت راعية للأديان الثلاثة، وتحت لوائها طوائف من اليهود والمسيحيين، فكان يخشى أن تتخذ منهم أوروبا ذريعة للتشويش على هذه الدولة الإسلامية، وكذلك كانت الحال في مصر، فكان يوجّه دعواته البليغة في أسلوبه الشعري المؤثّر للمسلمين والأقباط أن لا يتخذوا من اختلاف الدين سببًا للشقاق فيطمع الذين في قلوبهم مرض في توسيع شقة الخلاف.
يقول في مرثية بطرس غالي:
نُعلي تعاليم المسيح لأجلهم ... ويوقرون لأجلنا الإسلاما
الدين للديّان ﷻ ... لو شاء ربّك وحّد الأقواما
يا قوم بان الرشد فاقصوا ما جرى ... وخذوا الحقيقة وانبذوا الأوهاما
هذي ربوعكم وتلك ربوعنا ... متقابلين تعالج الأياما
هذي قبوركم وتلك قبورنا ... متجاورين جماجمًا وعظاما
فبحرمة الموتى وواجب حقهم ... عيشوا كما يقضي الجوار كراما
ويقول:
إنما نحن مسلمين وقبطا ... أمة وُحِّدَتْ على الأجيال
سبق النيل بالأبوّة فينا ... فهو أصل وآدم الجَدُّ تَالي
ويقول وهو من المبالغات التي لا تخلو من مؤاخذة:
جعلنا مصر ملّة ذي الجلال ... وآلفنا الصليب على الهلال
وأقبلنا كصف من عوال ... يَشُدُّ السمهري السمهريا
أما تمجيد الإسلام فلا نعرف شاعرًا عربيًّا قبل شوقي مجد الإسلام وجلا فضائله ومحاسنه كما مجّد وجلا شوقي، ولا نعرف شاعرًا بعد شرف الدين البوصيري دافع عن حقيقة الإسلام كما دافع شوقي، وإذا كان البوصيري نظم لامية الإسلام بعد لاميّتيْ العرب والعجم وقال في دين محمد وكتابه:
الله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوم قيلا
стр. 2066
ثم ضرب له ذلك المثال الشرود في قوله:
لا تذكر الكتب السوالف عنده ... طلع الصباح فأَطْفِئ القنديلا
فإن شوقي أتى في مدائحه وسائر شعره بالأعاجيب وضرب العشرات من الأمثال الشوارد، وأعانه على ذلك معارف عصره وعجائب العلم في عصره، وامتداد التاريخ بخيره وشرّه في ما بين عصر البوصيري وعصره، وتداعي الأمم على المسلمين تداعي الأكلة على القصاع، فكل ذلك أرهف إحساس شوقي وهاج شاعريته وأثار أشجانه، فهبّ يدافع عن الإسلام ويجهّز من شعره الكتائب لا الكتب.
إن شعر شوقي في الأفق الذي تستقرّ فيه الحكمة مجاورة للبيان، والذي يشارف السدرة التي لا مطمع في الوصول إليها لأحد، ولا يحلق إليها ولو بجناح لبد، فلا يستفيد منه إلا الذي يقرأه بالتدبر والاهتمام وتصفية الذهن، وعند ذلك يعلم أية براعة أوتيها هذا الرجل، وأية قسمة من إشراق الذهن وجبروت العقل رزقها في هذه الحملة التي أعدّه الله لقيادتها في نصرة هذا الدين. وفي أثناء ذلك تجد الغرائب من عرض سماحة الإسلام وخصائصه، وجمعه بين القوة والرحمة، وبنائه على العدل والإحسان وتجاريبه الناجحة في هداية البشر وفي بناء الحضارة وفي إمامة العلم، وفي قيادة العقل، ثم يدسّ في تضاعيف ذلك دعوات عامة إلى التسامح تجري في النفوس جريان الماء، لأنه يعلم أن قومه مغلوبون على أمرهم لا يقدرون على الانتصاف لأنفسهم، فهو يقرعهم على ذلك ويدعوهم إلى الاتحاد ونفض غبار القرون والأخذ بأسباب القوّة، وان لهم في كل مكرمة إمامًا وما عليهم إلا أن يتّحِدُوا، ولا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من هذه الفنون، يخرج إليها من عمود القصيدة ولو كانت في الرثاء أو في الأغراض البعيدة، حتى قال بعض ناقديه: إن شعره خال من وحدة القصيدة.
أيها الإخوان:
والتديّن أثر الدين في النفس أو ممارسة شعائره بالجوارح وليس من موضوعنا المحدّد البحث عن تديّن شوقي بمعنى إقامته لرسوم الدين وشعائره، لأننا في شغل شاغل عن ذلك بهذا الفيض المدرار الذي يفيض به شعر شوقي في التغالي بالإسلام وتاريخه وأمجاده، وبهذا الإيمان القوي بالله وقضائه، وبهذا التصوير لبدائع مصنوعاته، وبهذا الترديد اللذيذ للقرآن والحضّ على التمّسك به، وبهذا التكرار الحلو للمقدّسات الإسلامية من ملائكة وأنبياء وصحابة وأماكن وأيام، فيغشى في شعره ذكر الله وجبريل ومحمد وإبراهيم وموسى وعيسى وعمر وخالد ومكة والمدينة وبدر والقدس، وأسماء كثيرة لبناة المجد الإسلامي والعربي يكرّرها فلا تملّ، ويصفها في أماكنها فلا تختلّ، ويسمها بسيمائها ويصفها بخصائصها،
стр. 2067
ويجلّي موضوع العبرة فيها والقدوة بها، فتتألف من ذلك كله في عامة شعره صور بديعة تأخذ النفس أخذة السحر وتفضي به إلى الاعتبار ثم الاقتداء.
وشيء آخر يدلّ دلالة واضحة على إيمان شوقي بما يقول في ذلك وهو أن مما يثقل ميزان الممدوح أو المرثي في حكم شوقي أن يكون مقيمًا لدينه كما يريد الله، حتى الدولة العثمانية لم يفرغ عليها تلك الحلل الخالدة إلا لأنها تخدم الإسلام وتؤمّل لإعزازه.
يقول شوقي في رثاء حسين شيرين:
أبدًا يراه الله في غلس الدجى ... في صحن مسجده وحول كتابه
ويقول في تعزية لأهل دمياط:
بني دمياط ما شيء بباق ... سوى الفرد الذي احتكر البقاء
تعالى الله لا يبقى سواه ... إذا وردت بريته الفناء
وأنتم أهل إيمان وتقوى ... فهل تلقون بالعتب القضاء
ملأتم من بيوت الله أرضا ... ومن داعي البكور لها سماء
ولا تستقبلون الفجر إلا ... على قدم الصلاة إذا أضاء
ويقول في وصاياه الخالدة للأجيال:
ويا جيل الأمير إذا نشأتا ... وشاء الجد أن تعطى وشئتا
فخذ سبلًا إلى العلياء شتى ... وخلّ دليلك الدين القويما
وضِنَّ به فإن الخير فيه ... وخذه من الكتاب وما يليه
ولا تأخذه من شفتي فقيه ... ولا تهجر مع الدين العلوما
وصل صلاة من يرجو ويخشى ... وقبل الصوم صم عن كل فحشا
ولا تحسب بأن الله يُرشى ... وأن مزكّيًا أمن الجحيما
ويقول في بعض تلك الوصايا:
يا مديم الصوم في الشهرالكريم ... صم عن الغيبة يومًا والنَّمِيمْ
وإذا صلّيت خف مَن تَعْبُدُ ... كم مصلّ ضج منه المسجد
واجعل الحج إلى أم القرى ... غِبَّ حج لبجوت الفقرا
وتسمح وتوسع في الزكاة ... إنها محبوبة عند الإله
فرض البِرَّ بها فَرْضَ حكيمْ ... فإذا ما زدت فالله كريم
стр. 2068
وفي هذه القطع منازع لطيفة في فقه الدين تدلّ على ما لشوقي- ﵀ من رسوخ في فهم حقيقة الدين ومعنى التديّن.
ويقول في مناجاة شعرية لربّه هي ثمرة كمال إيمانه وخوفه منه:
وياربّ هل تُغني عن العبدحَجَّةٌ ... وفي العمر ما فيه من الهفوات
وتشهد ما آذيت نفسًا ولم أضر ... ولم أبغِ في جهري ولا خطراتي
ولا غلبتني شقوة أو سعادة ... على حكمة آتيتني وأناةِ
ولا جال إلّا الخير بين سرائري ... لدى سدّة خيرية الرّغَباتِ
ولا بتّ إلا كابن مريم مشفقا ... على حُسَّدِي مستغفرًا لعداتي
ولا حُمِّلَتْ نَفْسٌ هوى لبلادها ... كنفسي في فعلي وفي نَفَثاتي
وإني ولا مَنٌّ عليك بطاعة ... أجل وأغلي في الفروض زكاتي
أبالغ فيها وهي عدل ورحمة ... ويتركها النساك في الخلوات
وأنت ولي العفو فامْحُ بناصع ... من الصفح ما سوَّدْتُ من صفحاتي
ويقول في الشيخ جاويش وأعماله للإسلام:
يقولون ما لأبي ناصر ... وللترك، ما شأنه والهنودْ؟
وفيمَ تحمل هَمَّ القريب ... من المسلمين وهم البعيد
فقلت وما ضرّكم أن يقوم ... من المسلمين إمام رشيد
أتستكثرون لهم واحدًا ... وليّ القديم نصير الجديد
سعى ليؤلف بين القلوب ... فلم يَعْدُ هديَ الكتاب المجيد
يشدّ عُرَا الدين في داره ... ويدعو إلى الله أهل الجحود
وللقوم حتى وراء القفار ... دعاة تغني ورُسْلٌ تشيد
وهو يشير بهذا البيت إلى ما يبذله المبشّرون في سبيل دينهم:
...
أما توحيد الله والإيمان بقضائه وقدره وغيبه وبعثه ونشوره فإن دارس شعر شوقي يستفيد منه ما لا يستفيده من كتب الكلام الجافة بأنواع من الاستدلال الوجداني فتدخل النفوس من أيسر طريق وتتغلغل إلى مكامن اليقين فيها، فتنتهي بها إلى غاية الغايات من الإيمان الصحيح.
يقول في الروح:
الروح للرحمن ﷻ ... هي من ضنائن علمه وغيابه
стр. 2069
ويقول في مشكلة القضاء:
القضاء معضلةٌ ... لم يَحُلَّها أَحَدُ
كلما نقضْتَ لها ... عقدة بدت عقد
أتعبت معالجها ... واستراح مُعْتَقِد
ويقول في تولستوي:
طوانا الذي يطوي السموات في غد ... وينشر بعد الطي وهو قدير
ويقول في رثاء صديق:
فَعَليَّ حِفْظُ العهد حتى نلتقي ... وعليك أن ترعاه حتى نحشرا
...
ومن دلائل إيمانه القوي بالله ورسوله ومحبته لهما محبة ملكت شعوره، تلك المدائح النبوية التي أرى أنّه تفوّق فيها على السابقين الأولين، وبذ فيها السوابق القرح من المجيدين في هذا الباب الذي لم يُجِدْ فيه قبله إلا اثنان أو ثلاثة في تاريخ الملة الإسلامية.
وإنّ في مدائح شوقي أنواعًا من الحكم، وأصنافًا من العلم وأمثالًا مضروبة ونصائح ومذكرات لا توجد في مدائح غير شوقي، وبلغ من اعتزاز شوقي بمدائحه أن يقول في قرية صديق له:
قد كان شعري شغل نفسك فافترح ... من كل جائلة على الأفواهِ
فاقرأ على "حسّان" منه لعله ... بفتاه في مدح الرسول مُباهِ
أيها الإخوان:
يؤخذ على شوقي أنه مع جلالته في الإيمان ومتانة العقيدة يطغى عليه الجبروت الشعري فيقع في هفوات تدخل في باب الإغراق والغلوّ أو في باب التساهل والاستخفاف. وقد سبقه إلى الوقوع في أمثالها من فحول الشعراء ابن هانئ الأندلسي والمتنبي والرضي من غير إكثار. ولعمري إن بعض ما وقع لشوقي من ذلك يجاوز حدود التأول، لا لأن موقع هذه الأشياء التي تساهل فيها شوقي في باب التوفيقيات، وللتوفيقيات في الإسلام آداب مخصوصة وموارد منصوصة لا يستمح فيها، ولا يشفع فيها العذر والتأويل.
من هذه المبالغات قوله:
وجه الكنانة ليس يُغضِب ربَّكم ... أن تجعلوه كوجهه معبودا
ولّوا إليه في الدروس وجوهكم ... وإذا فرغتم واعبدوه هجودا
стр. 2070
وقوله:
جعلنا مصر ملّة ذي الجلال ... وآلفنا الصليب على الهلال
وقوله في مهرجان:
مهرجان طوّف الهادي به ... ومشى بين يديه جبرئيل
وقوله لأم الخديوي عباس:
وقفي الهودج فينا ساعة نتناوب نحن والروح الأمين
وقوله لعباس حلمي:
يُحَيّيكَ (طه) في مضاجع طهره ... ويعلم ما عالجت من عقبات
وقوله في نفس ميتة:
نُجِلُّ سِتْرَ نعشها ... كالكسوة المسيره
وننشق الجنة من ... أعواده المُنَضَّره
وقوله في جورجي زيدان:
ولا يزل في نفوس القارئين له ... كرامة الصحف الأولى على التالي
وقوله في تلامذة ماتوا في حادث اصطدام:
توابيت في الأعناق تترى زكية ... كتابوت موسى في مناكب إسْرالِ
وقوله في أمين الرافعي:
تنشد الناس في القضية لَحْنًا ... كالحواري رَتَّلَ الإنجيلا
وقوله في مرثية الشريف حسين:
اغسلوه بطيب من وَضُوء الرُّ ... سلِ كالورد في رباه البواسم
وخذوا من وسادهم في المصلّى ... رقعةً كفنوا بها فرع هاشم
واستعيروا لنعشه من ذُرَى المِنْـ ... ـَرِ عُودًا ومن شريف القوائم
واحملوه على البراق إن استطعـ ... ـتُمْ فقد جَلَّ عن ظهور الرواسم
وأديروا إلى العتيق حسينا ... يبتهل ركنه وتدع الدعائم
وقوله في جرح سعد زغلول:
منايا أبى الله إذ ساورتك ... فلم يَلْقَ نابيه ثعبانها