ثم ضرب له ذلك المثال الشرود في قوله:
لا تذكر الكتب السوالف عنده ... طلع الصباح فأَطْفِئ القنديلا
فإن شوقي أتى في مدائحه وسائر شعره بالأعاجيب وضرب العشرات من الأمثال الشوارد، وأعانه على ذلك معارف عصره وعجائب العلم في عصره، وامتداد التاريخ بخيره وشرّه في ما بين عصر البوصيري وعصره، وتداعي الأمم على المسلمين تداعي الأكلة على القصاع، فكل ذلك أرهف إحساس شوقي وهاج شاعريته وأثار أشجانه، فهبّ يدافع عن الإسلام ويجهّز من شعره الكتائب لا الكتب.
إن شعر شوقي في الأفق الذي تستقرّ فيه الحكمة مجاورة للبيان، والذي يشارف السدرة التي لا مطمع في الوصول إليها لأحد، ولا يحلق إليها ولو بجناح لبد، فلا يستفيد منه إلا الذي يقرأه بالتدبر والاهتمام وتصفية الذهن، وعند ذلك يعلم أية براعة أوتيها هذا الرجل، وأية قسمة من إشراق الذهن وجبروت العقل رزقها في هذه الحملة التي أعدّه الله لقيادتها في نصرة هذا الدين. وفي أثناء ذلك تجد الغرائب من عرض سماحة الإسلام وخصائصه، وجمعه بين القوة والرحمة، وبنائه على العدل والإحسان وتجاريبه الناجحة في هداية البشر وفي بناء الحضارة وفي إمامة العلم، وفي قيادة العقل، ثم يدسّ في تضاعيف ذلك دعوات عامة إلى التسامح تجري في النفوس جريان الماء، لأنه يعلم أن قومه مغلوبون على أمرهم لا يقدرون على الانتصاف لأنفسهم، فهو يقرعهم على ذلك ويدعوهم إلى الاتحاد ونفض غبار القرون والأخذ بأسباب القوّة، وان لهم في كل مكرمة إمامًا وما عليهم إلا أن يتّحِدُوا، ولا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من هذه الفنون، يخرج إليها من عمود القصيدة ولو كانت في الرثاء أو في الأغراض البعيدة، حتى قال بعض ناقديه: إن شعره خال من وحدة القصيدة.
أيها الإخوان:
والتديّن أثر الدين في النفس أو ممارسة شعائره بالجوارح وليس من موضوعنا المحدّد البحث عن تديّن شوقي بمعنى إقامته لرسوم الدين وشعائره، لأننا في شغل شاغل عن ذلك بهذا الفيض المدرار الذي يفيض به شعر شوقي في التغالي بالإسلام وتاريخه وأمجاده، وبهذا الإيمان القوي بالله وقضائه، وبهذا التصوير لبدائع مصنوعاته، وبهذا الترديد اللذيذ للقرآن والحضّ على التمّسك به، وبهذا التكرار الحلو للمقدّسات الإسلامية من ملائكة وأنبياء وصحابة وأماكن وأيام، فيغشى في شعره ذكر الله وجبريل ومحمد وإبراهيم وموسى وعيسى وعمر وخالد ومكة والمدينة وبدر والقدس، وأسماء كثيرة لبناة المجد الإسلامي والعربي يكرّرها فلا تملّ، ويصفها في أماكنها فلا تختلّ، ويسمها بسيمائها ويصفها بخصائصها،
стр. 2067
ويجلّي موضوع العبرة فيها والقدوة بها، فتتألف من ذلك كله في عامة شعره صور بديعة تأخذ النفس أخذة السحر وتفضي به إلى الاعتبار ثم الاقتداء.
وشيء آخر يدلّ دلالة واضحة على إيمان شوقي بما يقول في ذلك وهو أن مما يثقل ميزان الممدوح أو المرثي في حكم شوقي أن يكون مقيمًا لدينه كما يريد الله، حتى الدولة العثمانية لم يفرغ عليها تلك الحلل الخالدة إلا لأنها تخدم الإسلام وتؤمّل لإعزازه.
يقول شوقي في رثاء حسين شيرين:
أبدًا يراه الله في غلس الدجى ... في صحن مسجده وحول كتابه
ويقول في تعزية لأهل دمياط:
بني دمياط ما شيء بباق ... سوى الفرد الذي احتكر البقاء
تعالى الله لا يبقى سواه ... إذا وردت بريته الفناء
وأنتم أهل إيمان وتقوى ... فهل تلقون بالعتب القضاء
ملأتم من بيوت الله أرضا ... ومن داعي البكور لها سماء
ولا تستقبلون الفجر إلا ... على قدم الصلاة إذا أضاء
ويقول في وصاياه الخالدة للأجيال:
ويا جيل الأمير إذا نشأتا ... وشاء الجد أن تعطى وشئتا
فخذ سبلًا إلى العلياء شتى ... وخلّ دليلك الدين القويما
وضِنَّ به فإن الخير فيه ... وخذه من الكتاب وما يليه
ولا تأخذه من شفتي فقيه ... ولا تهجر مع الدين العلوما
وصل صلاة من يرجو ويخشى ... وقبل الصوم صم عن كل فحشا
ولا تحسب بأن الله يُرشى ... وأن مزكّيًا أمن الجحيما
ويقول في بعض تلك الوصايا:
يا مديم الصوم في الشهرالكريم ... صم عن الغيبة يومًا والنَّمِيمْ
وإذا صلّيت خف مَن تَعْبُدُ ... كم مصلّ ضج منه المسجد
واجعل الحج إلى أم القرى ... غِبَّ حج لبجوت الفقرا
وتسمح وتوسع في الزكاة ... إنها محبوبة عند الإله
فرض البِرَّ بها فَرْضَ حكيمْ ... فإذا ما زدت فالله كريم
стр. 2068
وفي هذه القطع منازع لطيفة في فقه الدين تدلّ على ما لشوقي- ﵀ من رسوخ في فهم حقيقة الدين ومعنى التديّن.
ويقول في مناجاة شعرية لربّه هي ثمرة كمال إيمانه وخوفه منه:
وياربّ هل تُغني عن العبدحَجَّةٌ ... وفي العمر ما فيه من الهفوات
وتشهد ما آذيت نفسًا ولم أضر ... ولم أبغِ في جهري ولا خطراتي
ولا غلبتني شقوة أو سعادة ... على حكمة آتيتني وأناةِ
ولا جال إلّا الخير بين سرائري ... لدى سدّة خيرية الرّغَباتِ
ولا بتّ إلا كابن مريم مشفقا ... على حُسَّدِي مستغفرًا لعداتي
ولا حُمِّلَتْ نَفْسٌ هوى لبلادها ... كنفسي في فعلي وفي نَفَثاتي
وإني ولا مَنٌّ عليك بطاعة ... أجل وأغلي في الفروض زكاتي
أبالغ فيها وهي عدل ورحمة ... ويتركها النساك في الخلوات
وأنت ولي العفو فامْحُ بناصع ... من الصفح ما سوَّدْتُ من صفحاتي
ويقول في الشيخ جاويش وأعماله للإسلام:
يقولون ما لأبي ناصر ... وللترك، ما شأنه والهنودْ؟
وفيمَ تحمل هَمَّ القريب ... من المسلمين وهم البعيد
فقلت وما ضرّكم أن يقوم ... من المسلمين إمام رشيد
أتستكثرون لهم واحدًا ... وليّ القديم نصير الجديد
سعى ليؤلف بين القلوب ... فلم يَعْدُ هديَ الكتاب المجيد
يشدّ عُرَا الدين في داره ... ويدعو إلى الله أهل الجحود
وللقوم حتى وراء القفار ... دعاة تغني ورُسْلٌ تشيد
وهو يشير بهذا البيت إلى ما يبذله المبشّرون في سبيل دينهم:
...
أما توحيد الله والإيمان بقضائه وقدره وغيبه وبعثه ونشوره فإن دارس شعر شوقي يستفيد منه ما لا يستفيده من كتب الكلام الجافة بأنواع من الاستدلال الوجداني فتدخل النفوس من أيسر طريق وتتغلغل إلى مكامن اليقين فيها، فتنتهي بها إلى غاية الغايات من الإيمان الصحيح.
يقول في الروح:
الروح للرحمن ﷻ ... هي من ضنائن علمه وغيابه
стр. 2069
ويقول في مشكلة القضاء:
القضاء معضلةٌ ... لم يَحُلَّها أَحَدُ
كلما نقضْتَ لها ... عقدة بدت عقد
أتعبت معالجها ... واستراح مُعْتَقِد
ويقول في تولستوي:
طوانا الذي يطوي السموات في غد ... وينشر بعد الطي وهو قدير
ويقول في رثاء صديق:
فَعَليَّ حِفْظُ العهد حتى نلتقي ... وعليك أن ترعاه حتى نحشرا
...
ومن دلائل إيمانه القوي بالله ورسوله ومحبته لهما محبة ملكت شعوره، تلك المدائح النبوية التي أرى أنّه تفوّق فيها على السابقين الأولين، وبذ فيها السوابق القرح من المجيدين في هذا الباب الذي لم يُجِدْ فيه قبله إلا اثنان أو ثلاثة في تاريخ الملة الإسلامية.
وإنّ في مدائح شوقي أنواعًا من الحكم، وأصنافًا من العلم وأمثالًا مضروبة ونصائح ومذكرات لا توجد في مدائح غير شوقي، وبلغ من اعتزاز شوقي بمدائحه أن يقول في قرية صديق له:
قد كان شعري شغل نفسك فافترح ... من كل جائلة على الأفواهِ
فاقرأ على "حسّان" منه لعله ... بفتاه في مدح الرسول مُباهِ
أيها الإخوان:
يؤخذ على شوقي أنه مع جلالته في الإيمان ومتانة العقيدة يطغى عليه الجبروت الشعري فيقع في هفوات تدخل في باب الإغراق والغلوّ أو في باب التساهل والاستخفاف. وقد سبقه إلى الوقوع في أمثالها من فحول الشعراء ابن هانئ الأندلسي والمتنبي والرضي من غير إكثار. ولعمري إن بعض ما وقع لشوقي من ذلك يجاوز حدود التأول، لا لأن موقع هذه الأشياء التي تساهل فيها شوقي في باب التوفيقيات، وللتوفيقيات في الإسلام آداب مخصوصة وموارد منصوصة لا يستمح فيها، ولا يشفع فيها العذر والتأويل.
من هذه المبالغات قوله:
وجه الكنانة ليس يُغضِب ربَّكم ... أن تجعلوه كوجهه معبودا
ولّوا إليه في الدروس وجوهكم ... وإذا فرغتم واعبدوه هجودا
стр. 2070
وقوله:
جعلنا مصر ملّة ذي الجلال ... وآلفنا الصليب على الهلال
وقوله في مهرجان:
مهرجان طوّف الهادي به ... ومشى بين يديه جبرئيل
وقوله لأم الخديوي عباس:
وقفي الهودج فينا ساعة نتناوب نحن والروح الأمين
وقوله لعباس حلمي:
يُحَيّيكَ (طه) في مضاجع طهره ... ويعلم ما عالجت من عقبات
وقوله في نفس ميتة:
نُجِلُّ سِتْرَ نعشها ... كالكسوة المسيره
وننشق الجنة من ... أعواده المُنَضَّره
وقوله في جورجي زيدان:
ولا يزل في نفوس القارئين له ... كرامة الصحف الأولى على التالي
وقوله في تلامذة ماتوا في حادث اصطدام:
توابيت في الأعناق تترى زكية ... كتابوت موسى في مناكب إسْرالِ
وقوله في أمين الرافعي:
تنشد الناس في القضية لَحْنًا ... كالحواري رَتَّلَ الإنجيلا
وقوله في مرثية الشريف حسين:
اغسلوه بطيب من وَضُوء الرُّ ... سلِ كالورد في رباه البواسم
وخذوا من وسادهم في المصلّى ... رقعةً كفنوا بها فرع هاشم
واستعيروا لنعشه من ذُرَى المِنْـ ... ـَرِ عُودًا ومن شريف القوائم
واحملوه على البراق إن استطعـ ... ـتُمْ فقد جَلَّ عن ظهور الرواسم
وأديروا إلى العتيق حسينا ... يبتهل ركنه وتدع الدعائم
وقوله في جرح سعد زغلول:
منايا أبى الله إذ ساورتك ... فلم يَلْقَ نابيه ثعبانها
стр. 2071
حوت دمك الأرض في أنفها ... زكيًا كأنك عثمانها
ورقت لآثاره في القميص ... كأن قميصك قرآنها
وغير هذا في شعره كثير، وإنها لهنات، نرجو أن تكون في مقابل إحسان شوقي وفي جانب عفو الله هينات.
لغة الشاعر:
والذي لا يشك فيه قارئ شوقي أن لغته متأثرة بالدين إلى أبعد غايات التأثّر، صادقة في شعورها بوحدانية الله وعظمته وكماله، وبالافتقار إليه والخوف منه (١).
стр. 2072
حرية الأديب وحمايتها *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها السادة، يا أدباء العربية، يا أبناء العروبة:
أحييكم تحية العروبة المؤمنة المجاهدة، فسلام عليكم ورحمته وبركاته، سلام عليكم في بلدكم وبلدنا وبلد كل عربي وكل مسلم: سلام عليكم في مصر حصن العربية، ومعقل الأدب، ومنتجع الأدباء والشعراء منذ أجيال وأجيال ...
وآمل أن يسفر هذا المؤتمر عن نتائج وحقائق وخطط نزكي بها عروبتنا ونعزّز بها وحدتنا، ونُنهض بها أدبنا، ونسمو بها إلى الأفق المرجوّ، ونقرب بها ثمار الغد المأمول ...
والأدب أيها السادة هو الوشيجة القوية والوثيقة الباقية التي لم تنقطع طوال القرون وعبر الأزمان ... فهذه هي الأيام تطوي الدول، وتقرب البعيد، أو تبعد القريب، وتقطع هذا السبب أو ذاك من علاقات الأفراد أو روابط الجماعات، ويبقى اللسان العربي والبيان العربي والشعر العربي رسلًا صادقين وروابط قوية بين أبناء العروبة كلهم ...
نعم، يبقى الأدب العربي رباطًا يجمع العرب مهما اختلفوا أو تفرّقوا في ميادين أخرى بطارئ من طوارئ الهم، أو لون من ألوان الاختلاف في الهمم ...
يبقى الأدب يصوّر الخواطر، ويأسو الجراح، ويؤلّف بين الألسنة والقلوب حتى تتصافح الأيدي، ويعود البناء كما كان، أبيًّا لا ينال، قوّيًا لا يلين.
ولربّ خاطرة لكاتب أو همسة لشاعر، أحيت رممًا، وبعثت دارسًا، وردّت ذاهبًا وفجّرت الينابيع في صم الصخور ...
стр. 2073
والأديب إنما يكون أديبًا بحق حين يكون أمين القلم صادق البيان ينقل إحساسه إلى قارئه في عمق وصدق، فلغة الأدب وحدها هي الترجمان الأمين لعواطف هذه الشعوب، واللسان المبين الذي يعرض خلجاتها، ويفصح عن آمالها وآلامها، والأديب لا يعرف الاقليمية ولا الحدود، ما دام صادقًا في التعبير عن حاجات قارئيه، نابعًا عن بيئتهم، تتمثّل فيه خصائصها الإنسانية، ولا تنكسر أمواجه عند خطوط الوهم الجغرافي، أو رسوم الحد السياسي. إنه كالنسيم يحمل العبير أينما سار، يصعد في ذروة الجبل وينثال إلى عمق الغور، وينساب على صفحات الوادي ...
إنه ينطلق أبدًا، ويسعد الناس بشذاه، ولا يبالون من أي روض نشر ولا أي سبيل عبر، ما داموا يعرفون في عطره أشذاء روضهم ويحسون في تياره فوران إحساسهم ويرون فيه أنفسهم جادين أو هازلين، ضاحكين أو واجمين، فنحن نسعد بالعمل الأدبي كما نحسد في أنفسنا من ارتبط به ارتباط المتمني بالأمل الحلو، أو ارتباط الحي بواقعه سعيدًا أو أليمًا، أو ارتباط المرء بماضيه وذكرياته.
من أجل ذلك نهتز له ونحسّ دبيب الإعجاب في أعماقنا بالأثر الأدبي الذي يصوّر لنا أملًا مرجوًّا، أو جانبًا من حاضرنا، أو صفحة من ماضينا وأمجادنا ومُثلنا، لأننا جزء من كل ذلك، أو كل ذلك جزء منا.
فالأدب هو خلاصة التجارب الإنسانية والثقافة البشرية خلال الأجيال، وهو رباط لا ينفك بين الناطقين بلغته والعارفين بلسانه ...
وقضية القومية العربية تستمد أقوى حججها من واقع الأدب العربي وسلطانه، ووحدة الأمّة العربية تتمثّل في وحدة هذا الأدب بصورة عملية ... وقضية القومية العربية ليست ميدان سلاح أو حرب، وإنما هي ميدان عقل وفكر، والأديب في ميدان الفكر كالقائد بين يدي المعركة يوجّهها بخبرته ويديرها بحكمته، ويقودها بمواهبه ومعرفته، إلى النصر المبين.
وعندي أن المواهب والإمكانيات المادية عنصران لازمان للنجاح، متلازمان في سبيل النصر، ونحن العرب في نهضتنا الحاضرة لا بدّ لنا من أن نهيّئ للمواهب ما ترتفع بأزره من إمكانيات مادية، وتحمي هذه القوى الدافعة الدافقة في كياننا من الخمود والنضوب.
ولقد عرفتم في تراثنا العربي من جاهلية التليد، وإسلامية الوضاء المشرق على عهد الرسول ﷺ والخلفاء ومن بعدهم ... عرفتم في كل ذلك دور الأدب بألوانه في توجيه الدولة وبناء المجتمع وتحديد الطابع المميّز له، وتثبيت المُثل التي يحتشد عليها أفراد المجتمع وفصائله ...
стр. 2074
فحمل إلينا الأدب صورة المجتمع الجاهلي وضراوته، وصورة العهد الإسلامي وانتفاضته والدولة الأموية وقوميتها، والدولة العباسية ومدنيتها، وهكذا نجد الأدب في كل العصور والدول مشرقية ومغربية ... نجده أداة بنائية، ووسيلة حيوية ضرورية في كيان المجتمعات ...
ولقد أدرك هذه الحقيقة السابقون من قومنا فحاطوا الأدب والأديب بالحماية والرعاية ومهّدوا للأديب أن يخلص لفنه ويخلص فنه له ... عرفنا ذلك في أيام دمشق عاصمة الأمويين، وبغداد عاصمة الرشيد والمأمون، والقاهرة عاصمة المعز وصلاح الدين، وفي المغرب على عهد حكوماته العربية الخالصة ... ورثنا نحن كل هذه المآثر التي شهد لها العالمون، ودان لعظمتها الأوائل والأواخر ...
وأول ما يجب أن نحمي منه الأديب والأدب هو تلك العواصف التي تطفئ جذوته وتمسخ نوره ورونقه، وتمسّه بالعوز والكدية والصعلكة، فلا بدّ أن نبذل للأديب من رحابة الحياة وشر العيش ما يجعله معتدل الحس رضيّ النفس، صادق التعبير، غير ضجر بضيقه وعسره ...
إلى متى تظل تلك الأسطورة المشهورة ملصقة بالأديب والأدباء ... أعني الأسطورة التي تحكي أن الفقر أول سمات الأديب؟ ... إلى متى نظل نؤمن بالفقر الملهم والجوع العبقري، والبؤس الموحي ... إلى آخر ما هناك من رواسم يردّدونها بلا معنى أو ثمرة؟ ...
إلى متى يظل الأدباء منكورين في حياتهم، فإذا ماتوا عدنا نذرف عليهم الدموع، وننشر فوقهم العطر السجين والنور المخنوق، ونتذكر- بعد الموت فقط- أن لهم أفضالًا وأمجادًا، وأن علينا حيالهم واجبات ثقالًا؟
ولئن كان في عصرنا أدباء عرف المجد الاجتماعي سبيله إليهم، ونزل الرخاء ببابهم، فعاشوا في مهاد رافه، ونعيم باذخ، إن هؤلاء لا يجاوزون في الشرق العربي أن يكونوا آحادًا لا يشكلون بمكانتهم ولا بعددهم وضعًا عامًّا.
ولست أريد بذلك أن نقطع للأدباء الإقطاعيات، أو نقيم لهم التكايا، فقد درست تلك الأساليب وبارت، وإنما يدور حديثي حول تقدير الأثر الأدبي في حياته وتقييم الأدب تقييمًا عمليًّا لا نظريًّا، ولا عاطفيًّا فقط، فلن يقتات الأديب عاطفة مهما سمت ولا مدحًا مهما اتسع.
وإذا كنا نريد للأديب الرخاء ورحابة العيش، حتى يفرغ لفنه، فإن الحرية الفكرية للأديب هي مداد قلمه الذي بدونه لا ينتج ولا يثمر ... لا بدّ من حماية الأديب من كل ما يزيّف فنه، ويدفعه إلى التخفي وراء الرمز والغموض ...
стр. 2075
ومن حماية حرية الأديب أن نتجه بالنقد وجهة موضوعية فنية، ونبعد به عن تلك المهاترات التي تتأذّى بها العيون والأسماع والقلوب والعقول، فالنقد تابع للإبداع، وليس الإبداع عبدًا للنقد.
وإن من حق الأديب أن نترك له الفرصة الملائمة ليجرّب ويجرّب، فالتجربة إن أثمرت كانت فتحًا جديدًا، وإلا فهي دربة وخبرة تصقل الموهبة، وتكشف حقائق الحياة.
ومن حق الأديب العربي أن نحميه من تميع الشخصية وتحلّل المقوّمات، فلكل أدب طابعه ولكل أمّة نهجها ومشكلاتها الخاصة وطبيعتها المعيّنة التي تملي حلولًا معيّنة، فلا بدّ من الرجوع إلى بيئتنا وماضينا وتراثنا ومقوّمات جنسيتنا وقوميتنا، قبل أن نحاول جديدًا ...
نستهدي كل أولئك، ونتعرّف الطريق من خلال تلك النظرات، حتى تجيء محاولاتنا بيئية واقعية، تتطلّبها ضرورة الحياة، وتستدعيها ظروف لها أصالة في مجتمعنا ووشائج بعروبتنا وماضينا.
وأحب أن أحذّر هنا من التقليد للتقليد، ومن التجديد للتجديد، فليس كل واقع صالحًا للبقاء، حتى نقلّده ونتمسّك به؟ وليس كل جديد له هدف، أو يحقق فائدة حتى نسعى إليه ونتهافت عليه.
فلتكن في طبيعتنا الإيجابية المبصرة تعرف ما لها وما عليها، وتعتز بالحقائق، وتنثني عن الأوهام. ويحلو لي أن ألمح إلى هدف استعماري خفي، ما زال حتى الآن ينهش في كياننا القومي الأدبي، وهو محاولة تمييع الشخصية العربية في الأدب بحركات تتسمّى بأسماء كثيرة، ومدلولها كلها واحد، وهدفها جميعها التشكيك في مقوّمات الأدب العربي ومحو خصائصه وهدم بنيانه من القواعد.
وكما أشرت في أول الحديث: إن الأدب العربي هو الرباط الذي لم تفلح السياسات الإقليمية المفرّقة في حلّ عروته، والذي يبقى على الدهور يجمع العروبة ويوحّد آلامها وآمالها ...
فإذا أفلح المستعمرون أو أذنابهم في تشكيكنا في أصالته وتحطيم خصائصه لم يعد لأدبنا هذه الذاتية القوية العارمة، وهذه الخاصية الجامعة التي يرهبها أعداؤنا، ويعملون على سحقها.
فيجب أن يظل أدبنا عربيًّا في أصوله وقواعده، لا شرقيًّا ولا غربيًّا ... يجب أن يظل أدبنا عربًّا يستمد شخصيته وأهدافه من حاجاتنا الواقعية لا المفتعلة ولا المزيّفة.
ولا بدّ من أن نذكر حماية حقوق الأديب في هذا المجال، فالأديب العربي لعله الوحيد في العالم الذي لا تكفل حقوق له، ولا يُحمى إنتاجه من استغلال المستغلين وسرقات المنتهبين ...
стр. 2076
والأديب العربي هو الوحيد بين رجال الفنون من العرب الذي يغفل حقه ويهمل شأنه في الأعمال التي تشترك فيها عدة فنون كالمسرح والسينما والغناء وغيرها، فهو في الغالب أقل مكافأة وأدنى حظًا في الدعاية والإعلان، إن لم يجحد حقه في كل ذلك، مع أنه صاحب الفكرة ومبدع الهيكل الأول للعمل الفني ...
ولعلّ من حماية حقوق الأديب حمايته من الدخلاء على فنه الذين يهبطون بالمستوى الرفيع إلى حضيض الابتذال، وربما كان هذا هو السبب في ضياع الأديب الحق الذي يتمسك بفنه، بينما يتاجر غيره بالإسفاف وينجح في ظلّ المعايير المختلفة والمقاييس المضطربة، وربما كان ذلك أيضًا سببًا من أسباب ضياع المكانة الاجتماعية للأدباء، بعد أن كانوا في أيام العباسيين مثلًا وزراء وأمراء لهم الصدارة والحكم بين الناس ...
يجب أن نعلم أن خلاصة الثقافة والفكر تتمثّل في الإنتاج الأدبي، فلنحمِ الأديب من نفسه بأن نطالبه بعمل فني يصوّر خلاصة ثقافته وتجاربه، ولنفسح له في حياتنا العامة مكانًا من أماكن الصدارة أو التقدّم فهو بهذا جدير، ولنعلم فوق هذا أن الأدب والأدباء عنوان العصر ومرآة الجيل، وعلى لهواتهم يتردّد تاريخ الأمم والشعوب، ويظلّ وراءهم خالدًا باقيًا، فلنحرص على أن يكون لقب "الأديب" عنوانًا على ذروة الكمال النفسي والفني، ولنرتفع بهذا اللقب عن أن يتسمّى به من لا يرتفع إلى مستواه ...
هيّأ الله للأمّة العربية ما تبلغ به الأوج وتحقّق به الأمل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2077
ميلاد الجمهورية العربية المتحدة *
سيادة الرئيس جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة،
فخامة الرئيس شكري القوتلي، دمشق:
هذه هي الأيام التي كنا ننتظرها ونستبطئها، وهذا هو الأمل الذي قطعنا أعمارنا فيه؛ أماني بالنهار وأحلامًا بالليل، وهذا هو الحدث الذي كان يترقبه المصلحون والهداة إلى الحق والدعاة إلى الخير، وهذا هو الرجاء الذي بقي مترددًا في لهوات الزمن إلى أن وجد الهمم التي تفلّ الحديد فأصبح حقيقة واقعة، لا يتمارى فيها إلا دخيل العرق في نسب العروبة أو مدخول العقيدة في حقيقة الدين. إن إمام المصلحين محمدًا ﷺ بدأ بتوحيد العرب على اللسان والمبادئ الخالدة، فوحّد بين جذميهم العريقين قحطان وعدنان، فكان من آثار ذلك أن سعد العرب وأسعدوا، وملكوا الكون وفتحوا العالم بعدل الإسلام، وساسوه بسماحته وبنوا على نوره حضارة لا تطاول وَحَدَوْا بأغانيه ركب الإنسانية قرونًا، إن وحدة العرب هي الأصل والقاعدة وما سواها شذوذ وانحراف، فباسم الإسلام وباسم العروبة أهنيكم بنجاح مساعيكم الصادقة في الخطوة الأولى من توحيد العرب، وإنها لأصعب الخطوات، وبهذه الوحدة التي صفّق لها العرب فجاءت وعليها جلالة الإجماع أن وحدة مصر وسوريا هي كفّارة ماحية لما اقترفه العرب من مآثم التفرّق والاختلاف، وسيكون لحاق المتخلفين بها عملًا صالحًا كله. فيا بشرى للسابقين. ثبت الله على صراط الحق أقدامكم، وأمدكم بجنود من الصبر والتوفيق هي أجدى عليكم من جميع الجنود، وأعاذكم بكلماته من شياطين الإنس والجن.
محمد البشير الإبراهيمي
стр. 2078
جهاد الجزائر وطغيان فرنسا *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوان:
أما الجزائر فقد أعربت عن نفسها بالأعمال الخالدة التي قامت بها ثورتها، وبالبطولات المجيدة التي قام بها شبابها الثائر، وبما أحيت من شرائع الجهاد، وبما سجلت من المواقف الخارقة للعادة من وقوف العدد القليل من أبنائها- بما يملكون من سلاح يدوي قليل لا يغني فتيلًا في مجرى العادة- في وجه جيش يفوقه أضعافًا مضاعفة في العدد والعدة والسلاح والنظام والتدريب، تسانده جميع الأسلحة العصرية الفتاكة من طائرات ودبابات، ومدافع ثقيلة ووسائل مخابرات، وقادة باشروا الحروب الاستعمارية، وقادوها في عدة ميادين في الشرق والغرب، وتمرّنوا على أساليبها ومكائدها، يستمدّون لوازم الحرب من سلاح وعتاد ومال من مصانع بلادهم وخزائنها، فلا يُرَدُّ لهم طلب ولا يتأخر عنهم إمْداد، وتعاونهم دول قوية تشفق على الاستعمار أن يتقلص ظله، كأنّ لها متعة ولذة في إذلال الشعوب الضعيفة واستعبادها، وكأن في نفسها بقية حياء تمنعها من مباشرة ذلك الإذْلال والاستعباد بنفسها، فهي لذلك تعين من يباشره بكل ما تملك من قوة.
أعربت الجزائر عن نفسها بذلك كله، وأثبت التاريخ بشواهده أنها لا تحارب فرنسا وحدها، وإنما تحارب كل من يُمِدُّها بتأييد في الرأي والسياسة ويعينها بالمال والسلاح، وكفى الجزائر شرفًا أنها- مع ضعفها- تحارب هؤلاء الأعداء الأقوياء المتظاهرين فتنتصر عليهم أجمعين، وأنها مرّت بها حقبة غير قصيرة وهي تحاربهم بنفس سلاحهم الذي غنمته من الجيوش الفرنسية، وكفى أمريكا وانجلترا خزيًا وعارًا وبُعْدًا عن الإنسانية أنهما تعينان القوي على الضعيف.
стр. 2079
لم يَحْكِ الإسلام في عصوره المتوسطة والمتأخرة ولا تاريخ الثورات عن قتال كانت فيه ملامح من الجهاد الديني المؤيَّد بروح الله وأثارة من آثاره مثل ما شهد من الثورة الجزائرية، ولا عجب فالاستعمار الفرنسي في الجزائر حارب- أول ما حارب- الإسلام ومقوّماته، فكانت الثورة على الاستعمار تحمل معنى الانتصار للدين ولمساجده التي حطمها المستعمرون، وجرّدوها من معاني الإسلام وعطلوها، ومعنى النكاية في رجال الدين الذين راضهم الاستعمار على السمع والطاعة له حتى أصبحوا جواسيس له، وتنكروا لقومهم وجامعتهم، وخانوا أمانة الإسلام، ومعنى الانتصار لِأَوْقافه التي تقوم عليها شعائر الإسلام، وتتحقق مآثره وخصائصه، وتتجلى بها عدالته وإحسانه.
هذا ما قامت به الجزائر وحدها في قسم الجهاد بالنفس، وهو القسم الذي عُلِمَتْ أخبارُه بالتفصيل، واستفاضت في العالمين إلى حد التواتر الذي لا يُماري فيه أحد، وبه دخلت الجزائر التاريخ من بابِه وسجلت اسمها في الخالدين، وأصبح اسمها مقرونًا بالإعجاب والإكبار، وذِكْرُ أبنائها الأبطال مقرونًا بالمدح والثناء، وأصبحت بطولتهم وشجاعتهم مضرب الأمثال وحديث الركبان، بعد أن كان اسمها في التاريخ الحديث خاملًا مغمورًا عند كثير من الشعوب التي تجمعها به كلمة الإسلام، ولقد كنت بباكستان لسِتِّ سنوات خلت، وجُلْتُ في عواصمها متحدثًا عن الجزائر ونهضتها العلمية والسياسية، فكان جمهور الحاضرين لا يعرفون اسم الجزائر فضلًا عن أوضاعها وأصالة الإسلام فيها والعروبة، وقرّاء الانجليزية منهم يعرفون عن طريق كتب الجغرافيا أن في افريقيا بلدًا اسمه "الْجِيرْيَا"، ويلتبس عليهم باسم "نيجيريا"، ويسبق إلى ألسنتهم اسم نيجيريا لخفته في النطق، فكنتُ ألقى العَنَتَ في تفهيمهم أن الجزائر وطن عربي إسلامي واسع مشهور، وأنه يشغل الوسط من شمال افريقيا، وأن جميع سكّانه مسلمون، وأنه فُتح من عهد الصحابة ... الخ. ولما قامت الثورة وطارت أخبارها كل مطار وسافرتُ إلى باكستان داعيًا لها وجدتُ جميع الألسنة الأعجمية قد ارتاضت على النطق باسم الجزائر العربية.
وأما النوع الثاني من نوعَي الجهاد المادي، وهو الجهاد بالمال، وهو الدعامة المتينة التي تقوم عليها الثورات، فقد قام الجزائريون وحدهم بما تتطلبه الثورة من أموال باهظة، والثائرون- إلى الآن- إنما يعتمدون على الأموال الجزائرية، وإذا كانت فرنسا تنفق على جيشها العامل في الجزائر تلك المبالغ الخيالية التي لا تقلّ عن مليار فرنك يوميًا، وقد تزيد إلى مليار ونصف مليار من الفرنكات حتى أثقلت ميزانيتها، ووقفت بماليتها على حافّة الإفلاس لولا إعانة أمريكا التي تكشف عن السوءات، وعرف عنها العالم أنها حاضنة الاستعمار ومُرَمِّمة جداره، وطبيبة أنيابه وأظفاره؛ إذا كانت حالة فرنسا هي تلك، فإن الجزائر المجاهدة تعتمد على الله وعلى نفسها وعلى ما أبقاه لها الاستعمار من فتات، لأنها
стр. 2080
علمت أن هذه الثورة هي الموقف الأخير مع فرنسا، وهو- كما يقولون- موقف حياة أو موت، فكل عزيز يهون في سبيل الشرف والحرية، وإذا هانت الأرواح في هذا السبيل فالأموال أهون مفقود.
الثورة تستدعي نفقات طائلة لتسليح المجاهدين وكسوتهم وإطعامهم وغير ذلك من الأشياء التي كانت كمالية فأصبحت في هذا العصر ضرورية كالدعاية ووسائلها المتنوّعة، ومن ثمّ كان العبء ثقيلًا على الشعب الجزائري، وهو يزداد ثقلًا بطول أمد الثورة، ولكن إيمان الشعب الجزائري وبأسه من رجوع الاستعمار الفرنسي عن غيّه، واعتقاده الجازم بلؤمه وكذبه وإخلافه للوعود المَرَّة بعد المَرَّة وعدم خجله من الخزي والموبقات أوقفه موقف التصميم على الموت، الذي هو خير ألف مرة مما يسومه الاستعمار كل يوم من الموت المُجَزَّإ البطيء، ولذلك فكل ما يلقاه من فنون التعذيب والسجون والتشريد، وهتك الحرمات والترحيل من الديار، والإبادة الجماعية وتقتيل الأطفال والنساء والعجائز- الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً- يجده هينًا حلوًا سائغًا.
وعين الاستعمار يَقْظى، فهو ينظر دائمًا إلى النهايات والعواقب ويحتاط لها، ولا يبالي في سبيل الاحتياط بحق يُهدَر، ولا بمَأْثَم يُرتَكب لأن الاستعمار كله مآثم، ولذلك فهو قد بَنَى أمره- من أول يوم احتلّ فيه الجزائر، وبَلَا من الجزائريين المقاومة التي لا تخضع بالسهولة والصلابة التي لا تلين بصَلْي الحرب- على الوسائل التي تضمن له البقاء أو طول البقاء، ورأى أن التجريد من سلاح الحديد والنار لا يضمن العاقبة، فعمد- على مرّ الزمن- إلى محاولة تحطيم الأسلحة المعنوية بوسائل يعجز عنها الشيطان، فحارب الإسلام ومساجده، واغتصب أوقافه، وحارب العربية لأنها تذكي القومية أو تذكر بها على الأقل، وحارب العلم بجميع أنواعه، وسطر سياسته مع الجزائريين في لفظين: "التفقير والتجهيل"، وقد تمّ للاستعمار على طول المدة بعض ما أراد من ذلك، لولا مواريث في فطرة الجزائري سارية في دمه، هي بعض وجوده أو هي سرّ وجوده من حب الإسلام واعتدادٍ به، ومن فخر بالعروبة واعتزازٍ بها، ومن صبر على الضيم يخاله المنقّب في أسرار الطبائع استكانة وما هُوَ بِها، وإنما هو تربّص بالانتقام، وتحفّز للوثبة، فهذه الأخلاق هي التي حفظت الجزائري من التفتّت والذوبان رغم إلحاح البلاء وتفنّن الاستعمار في تلوينه بما يُوهِم أنه نعمته، كمن يَسْقي السمّ ويُقْسِم أنه ماء الحياة.
ولم يكف الاستعمار الفرنسي ما سَنَّ من قوانين لتفقير الشعب الجزائري العربي المسلم ليأمن وثْبَتَه يومًا ما، وما خطط من برامج لحرمانه من وسائل الإثراء حتى سلّط عليه من أسباب الإبادة البطيئة ما ينقص من أعداده من أمراض لا تجد العناية للوقاية منها قبل الوقوع، ولا العناية بدفعها بعد الوقوع، ومن مجاعات مصطنعة مقصودة في وطن
стр. 2081
يفيض بالخير، وتكفي حاصلاته الزراعية السنوية عشرة أضعاف الشعب الجزائري، ولقد كان الوطن الجزائري قليل المجاعات يوم كانت أطرافه متباعدة ووسائل النقل تعتمد على القوافل الحيوانية، ولكنه في عهد الحضارة الفرنساوية، ووفرة وسائل النقل البخارية والميكانيكية فيه- بحيث تصل النجدة إلى أقاصي أطرافه في يوم أو بعض يوم- أصبحت تتكرّر فيه المجاعات المبيدة للجماعات في كل أربع أو خمس سنوات، وكلما احتاج جيشها إلى بضع مئات من الجنود المأجورين تعزّز بهم مركزًا أو تحارب بهم إخوانهم في المستعمرات، أو احتاج فتورُ التبشير إلى تنشيط ببضعة آلاف من الأطفال؛ دبّرت مجاعة اصطناعية تهيء لها العدد المطلوب وفق المطلوب من الجنود والأطفال، ووسيلتها إلى هذا التبرير الشيطاني أن توعز إلى الشركات الفرنسية الكبرى لتصدير الحبوب في موسم التصدير أن تصدّر أكبر كمية إلى أوربا وغيرها، وتزيل من طريقها كل القيود، وبِيَدِ هذه الشركات رؤوس الأموال الضخمة فيجمعون كل غلة الموسم في الصيف، فإذا جاء وقت البرد والحاجة وجد الأهلي المسكين الأسواق خالية من الحبوب، والأسعار مرتفعة، حتى إذا حلَّت المجاعة واستحكمت حلقاتها، وضاقت به السبل لم يجد إلا سماسرة الجندية يَغْشون الأسواق والمجامع بالطبول والمزامير يدعون الشباب إلى الجندية، ووجد المبشِّرُ الأطفال الذين عجز آباؤهم عن إطعامهم وكسوتهم، وكانوا من قبل عاجزين عن علاجهم ويائسين من تعليمهم، ووجد المُعَمِّر ما يصبو إليه من قطع الأرض التي بقيت بيد الأهلي معروضة للبيع بالثمن البخس، وبهذه الوسيلة الشيطانية خرجت معظم أطيان الفلاحة من يد أهلها، وبهذه الوسيلة دعَّمت فرنسا جيشها بتلك الكتائب من الشباب الجزائري الشجاع الذي ردَّ عليها جحافل الغزاة، وجلب لها النصر في كثير من الوقائع باعتراف الفرنسيين أنفسهم.
أما حظ التبشير من هذه الغنيمة فهو أسوأ الحظوظ لأن الحيلة التي نجح بها الكاردينال لا فيجْرِي في عهد الاحتلال الأول في تنصير قبيلة العطّاف لم يَطَّرِد نجاحها في كل وقت ولا في كل قبيلة، وغاية ما حصل عليه التبشير- مع تأييد الاستعمار في مدة قرن كامل، ومع الملايين التي أنفقت- هو بضع عشرات من مجموعة الأمة الجزائرية تنصّروا تنصيرًا سطحيًا، فلم يضرّوا المسلمين ولا نفعوا النصارى، ولا نقصوا من عداد أولئك ولا زادوا في عداد هؤلاء.
أيها الإخوة العرب:
هذه كلمة طائرة عن ثورة الجزائر، وتصوير مجمل للسياسة الفرنسية ليست من نسق التاريخ المرتب المسرود، ولكنها من نمط الكلام المتفجع، يقفز من فاجعة إلى فاجعة، وفيه كشْفٌ لحقيقة إخوانكم الجزائريين، علمتم منها أن الشعب الجزائري بقضه وقضيضه
стр. 2082
ثائر، وأنه مصمّم على الجهاد إلى الموت، وأنه قائم وحده بالعنصر المعتمد في الثورة وهو المال، وأن المال الذي يملكه محدود، وأن ما وصله من إخوانه العرب كله نوافل لا تكفي ولا تغني، وأن بعض إخواننا العرب يملكون من المال ما إنَّ القليل منه لَيَكْفِي لتحرير الجزائر، ولكنهم- مع الأسف الشديد- مقصّرون في أداء هذا الواجب، ولو أنهم جادُوا ببعض ما ينفقون في الكماليات والشهوات لحرّروا الجزائر، وحازوا أحسن الذكر وجزيل الأجر.
أيها الإخوة العرب:
اذكروا أن إخوانكم في الجزائر إنما يدافعون عن أحساب العرب وعن كرامة العرب. واذكروا أن ثمرة النصر عائدة لكم جميعًا، وأن مرارة الفشل ستتجرعونها جميعًا.
وإن الاستعمار مُتَّهِمُكُم جميعًا، فَمُنْتَقِمٌ منكم جميعًا إن انتصر، وانه لا يبعد على لؤم الاستعمار وحقده إذا انتصر أن يقذف بجيشه العامل في الجزائر بأسلحته ومعداته هدية متقبلة إلى اليهود ليذلكم ويخزيكم.
стр. 2083
رسالة إلى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ
حضرة الأخ الأستاذ الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، مفتي المملكة العربية السعودية، أطال الله بقاءه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فإنني اكتب إليكم (كتب الله لنا ولكم السعادة والتوفيق) وأدام علينا وعليكم نعمة الإيمان وأتمّها، أُذَكِّركم ما لستم عنه غافلين من حال إخوانكم الجزائريين المجاهدين، وما هم فيه من الشدة والحاجة إلى العون والإمداد، وما اصبحت عليه الأمة الجزائرية كلها من ورائهم من البؤس والضيق.
أُذَكِّركم أن لكم بالجانب الغربي من وطن العروبة ومنابت الإسلام الأولى ومجرى سوابق المجاهدين الأولين لَإِخوانًا في العروبة وهي رحم قوية، وفي الإسلام وهو سبب مرعي، وفي ذلك المعنى الخاص من الإسلام وهو السلفية التي جاهدتم وجاهد أسلافكم الأبرار في سبيل تثبيتها في أرض الله، وقد لقوا من عنت الاستعمار وجبروته ما أهمّهم وأهمّ كل مسلم حقيقي يعلم أن الإسلام رحم شابكة بين بنيه أينما كانوا، وأن أقل واجباته النجدة في حينها والتناصر لوقته.
مضى على ثورة إخوانكم الجزائريين التي انتصروا بها لله ولدينه أربع سنوات، وما فترت لهم عزيمة ولا بردت لهم فيها حمية، وأراهم الله من آيات نصره للفئة القليلة على الفئة الكثيرة ما دل على إخلاصهم له، وصدقهم في معاملته، وقد شهد لهم العالم حتى أعداؤهم فيما أظهروه من ضروب الشجاعة المقرونة بحسن التدبير والتقدير وبالمواقف الجليلة المبيضة لوجه الإسلام التي بَعُد العهد بمثلها، غير أن الحرب كالحبلى لا ندري ما تلد ولا على أية حال تسفر.
стр. 2084
أيها الأخ، إن العالِم المسلم (خصوصًا مَن أهَّله الله للقيادة مثلكم) مؤتمَنٌ على دين محمد ﷺ ، ومن ثمّ فهو مسؤول عنه، فإمّا له إن قام بما يجب عليه من التثبيت له وتمكينه في الأرض والدفاع عن حقائقه؛ وإما عليه إن فرط في تلك الأمانة، وإنها لثقيلة.
إن الواجب الذي يفرضه الدين على أمثالكم أن تقوموا لله بحملة صادقة أنتم أهل للقيام بها في قضية الجزائر، فتُوجِّهوا نداءً جهيرًا إلى المسلمين الذين يشهدون الموسم ليحملوه إلى مَن خلفهم من المسلمين حين ينقلبون إلى أوطانهم، تحضونهم فيه على مساعدة إخوانهم مجاهدي الجزائر، وتبيّنون لهم ما يترتب على قعود المسلمين عن نصرة إخوانهم الجزائريين من آثار، أيسرها أن الاستعمار المتساند سينتقم، إن انتصر، لنفسه من المسلمين انتقامًا عاجلًا، وإن طرق الانتقام لكثيرة، وإن وسائله جميعها في يده. ثم تُوجِّهوا نداءً خاصًا إلى إخواننا سكان المملكة العربية السعودية تحرضونهم به على الجهاد بالمال، وانه قرين الجهاد بالنفس بل هو مقدم عليه في كتاب الله العزيز، وإنّ المال لهو الركن الركين في نجاح إخوانكم المجاهدين، وقد قام الشعب الجزائري وحده بهذا الواجب في سنوات الثورة كلها، وكل ما وصله من إعانات مالية كان نوافل، أما الآن فإن الشعب مضيق عليه ومحصور، وقد انقطعت به الوسائل المالية، فالتجارة معطلة والفلاحة كذلك والشعب الذي هو تحت قبضة العدو اشتدّ عليه الخناق وأرهقته المظالم والمغارم، وشتّته القتل والتشريد، فقد مات منه نحو مليون شخص كلهم من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وأُخرج منه نحو ذلك العدد من ديارهم حفاة عراة لا يملكون قوت يومهم، هائمين على وجوههم إلى مراكش غربًا، وإلى تونس شرقًا، كل ذلك انتقام من الجيش الفرنسي الذي عجز عن قمع الثورة والقضاء على جيش التحرير المسلّح، فلجأ إلى هذه الوسائل الوحشية. وبهذه البلايا التي يصبّها الاستعمار على الشعب الجزائري الأعزل بهظت التكاليف المالية على جيش التحرير الجزائري، فأصبح مطالبًا بالإنفاق على نفسه في التسليح وتوابعه، وبالإنفاق على هؤلاء المشرّدين من الشعب، ونبشّركم بأن الجيش والشعب كلاهما محتفظ بمعنوياته على أكمل ما يكون وكلاهما مصمّم على مواصلة الكفاح حتى النصر أو الموت.
وقد كان جيش التحرير مؤلفًا في أول أمره من ثلاثة آلاف مقاتل، فأصبح بعد أربع سنوات مؤلفًا من أكثر من مائة ألف مقاتل مسلّح بما يلزم من السلاح على أكمل تنظيم وأحسن تدريب، وهو في كل يوم يذيق عدوّه ألوانا من الهزائم. والحمد لله.
نحن نعلم أن المملكة العربية السعودية قامت بواجبها في فترات متباعدة، ولكن ذلك كله كان دون ما يطالبها به الإسلام، لا في المبالغ المالية التي قدمتها، ولا في المواقيت التي كانت تقدم فيها هاتيك المبالغ، وفضيلتكم تعلمون أن المعونة كالغيث إنما تفعل فعلها وتؤتي ثمرتها إذا جاءت في الوقت المناسب.
стр. 2085
أيها الأخ الجليل، إن الثورة الجزائرية تعدكم كهفها الأحمى، وإنّ موقفًا منكم في سبيلها كالمَدَد في وقت الحاجة إليه، فهلا صيحة منكم تحرّك النفوس الجامدة إلى البذل في سبيل الله، وتهزّ الهمم الخامدة فتتبارى في سوقٍ بضاعتها شرف الدنيا وعز الآخرة، وقيمتهما مال زائل وحال حائل.
أيها الأخ الكريم، هذه رسالتي يحملها إلى سماحتكم وفد جبهة التحرير الجزائرية إلى المملكة العربية السعودية، لمناسبة موسم الحج وللاتصال بالحكومة السعودية الموقّرة في شؤون المجاهدين الجزائريين التي أهمّها تسلّم المبالغ المالية التي تبرّع بها الشعب السعودي الكريم، فالرجاء أن تأخذوا بيد الوفد المذكور وأن تكونوا عونه لدى المراجع الحكومية العليا حتى يقضي حاجته ويؤدي مهمته على أكمل وجه.
أيها الأخ، هذا عرض عرضته عليكم وأنتم تعلمون ما أكنّه لسماحتكم من التقدير والاحترام والاعتراف بمكانتكم في الدولة وفي الأمة.
وتقبّلوا في ختام حديثي إليكم تحياتي الأخوية الخالصة.
القاهرة في ١٣ يونيو ١٩٥٨.
من أخيكم
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء الجزائريين
стр. 2086
رسالة إلى الشيخ عمر بن حسن
حضرة صاحب الفضيلة الشيخ عمر بن حسن، رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمملكة العربية السعودية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فإني أحمد لكم الله الذي لا إله إلا هو، وأرجو أن يوزعني وإياكم شكر نعمائه، وأن ييسّرنا للقيام بما افترض علينا من الجهاد بجميع أنواعه في سبيل ديننا الذي أحاطت به الخرافات والأوهام في الداخل، كما أحاط به الكفر والطواغيت في الخارج، أذكّركم بإخوانكم المجاهدين في الجزائر الذين أحيوا في الزمن الأخير فريضة عفا أثرها وانطمس رسمها في هذه العصور، فنصرهم الله على ضعفهم وقلة عددهم وعُدَدِهم وقوة عدوّهم، وتأييد الطواغيت له.
إن إخوانكم في الله وفي الإسلام والعروبة ما زالوا ثابتين كالجبال، ثبات رجال السلف، وانهم إنما يقاتلون قيامًا بواجب مفروض على جميع المسلمين، فبيّنوا بما آتاكم الله وبما تملكون من وسائل لكل من يبلغه صوتكم، ما أوجبه الله على المسلم من عون أخيه المسلم بكل ما يملك.
إن إخوانكم يقاتلون لأجلكم ولأجل دينكم، ولئن فشلوا- لا قدّر الله- أمام الكفر فَلَينتقِمَنَّ الاستعمار من المسلمين أجمعين، ولَيُذِلنّهم أجمعين، إن إخوانكم المجاهدين في الجزائر لا يحتاجون إلى الرجال، وإنما يفتقرون إلى المال الذي يشترون به السلاح ويطعمون به الشعب الجائع الذي سلط عليه الاستعمار الأمراض والمجاعات، وقد كان الشعب الجزائري من بداية الثورة إلى الآن هو عماد الثورة يمدّها بالمال والأقوات، كما يمدّها بالرجال، وقام في الميدان المالي بكل ما تتطلبه الثورة، وان الإعانات المالية التي كانت تأتيه من الخارج- وهي في مجموعها قليلة- إنما كانت نوافل، أما الآن وقد طال الأمد
стр. 2087
وانصبَّت على الشعب بلايا القتل والتشريد من الديار، فقد تناقص ذلك الإمداد وأصبح الجيش المقاتل مُطالَبًا بالإنفاق على أكثر من مليون مشرّد.
إن من الحقائق الثابتة- أيها الأخ- أن القتل في الجزائر أتى على ما يقرب من مليون شخص، معظمهم من الشيوخ والصبيان والنساء، وأن اللاجئين إلى مراكش غربًا وتونس شرقًا يقرب تقديرهم من هذا العدد، وأن الجيش الفرنسي لما عجز عن قتال المجاهدين عمد إلى الفتك بالمصتضعفين من الرجال والنساء والأطفال، شفاءً لغيظه وانتقامًا لشرفه.
لهذا أرجو من فضيلتكم أن تقوموا لله قومة يرضى عنها، فتحثّوا الأغنياء الذين فاتتهم فريضة الجهاد بالنفس، أن يجاهدوا بأموالهم، فإن الجهاد بالمال قرين الجهاد بالنفس، ومقدم عليه في كلام الله، وأن القيام بواجب النصح هو مما تقتضيه وظيفة الأمر بالمعروف.
أيها الاخ، إننا ننتظر منكم موقفًا من مواقفكم المشهودة؛ تبيّنون فيه للشعب العربي السعودي أن كل ما قدّمه للجزائر قليل بالنسبة لعِظمِ الثورة وأعباء الجهاد وقيمة الشعب والحكومة التي ائتمنها الله على الإسلام ومناسكه، واختارها لحماية بيته والمحافظة على وفوده، ويقينًا إنكم واقفون في ذلك المواقف المحمودة.
أيها الاخ الكريم، هذه هي رسالتي يحملها إلى فضيلتكم وفد جبهة التحرير الجزائرية، إلى المملكة العربية السعودية، لمناسبة موسم الحج، وللاتصال بالحكومة السعودية الموقّرة في شؤون المجاهدين الجزائريين، التي أهمّها تسلّم المبالغ المالية التي تبرّع بها الشعب السعودي الكريم. فالرجاء أن تأخذوا بيد الوفد المذكور وأن تكونوا عونه لدى المراجع الحكومية العليا، حتى يقضي حاجته ويؤدي مهمته على أكمل وجه.
واقبلوا في الختام تحيات الأخوة الصادقة.
القاهرة في ١٣ يونيو ١٩٥٨.
من أخيكم
محمد البشير الإبراهيمي
رئيس جمعية العلماء الجزائريين
стр. 2088
أحمد شوقي *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوان الأوفياء:
حيّاكم الله وأحياكم، وأبقاكم للعروبة تحيون مآثرها وتجدّدون مفاخرها، وللعربية توفون بعهودها، وتقومون بحقوقها، وتعمرون مواتها، وتنشرون أمواتها، فتخطون للباقين طريق الأسوة الحسنة من سير الماضين، وتدلونهم على أقدار الرجال ومواقف الأبطال ...
أيها الإخوان:
إني مغتبط لإحيائكم لذكرى شوقي شاعر العرب في وقت هم فيه أحوج ما يكونون إلى صيحاته التي تحرّك الخامل وتهزّ الجامد، وإلى نغماته التي تنعش العاملين وتنبّه الخاملين، فما رأيت في أكثر ما رأيت في هذه المناسبات التي تقام لأجلها الاحتفالات على كثرتها سببًا أشدّ ملاءمة لسببه من مهرجانكم هذا في ذكرى شوقي شاعر العربية العظيم.
ففي هذه الأيام كثر ترداد الساسة والخطباء وحملة الأقلام لكلمة العروبة والقومية العربية وجميع الألفاظ التي اشتقت من كلمة "عرب"، وعسى أن يكون هذا إيذانًا من الله بوحدة العرب فأَلْهَم الألسنة والأقلام ترداد هذه الكلمات كما ألهم أمية بن أبي الصلت وجماعة من زعماء العرب في الجاهلية ترداد الكلمات الدينية قبل البعثة المحمدية إرهاصًا للإسلام وتنبيهًا على إظلال زمانه.
وإن في جو الأمة العربية اليوم لوعودًا هذه بوارقها، فمن صنع الله لهذه الأمة، ومن تلقّي الإلهام الإلهي الصادق بإرادة الخير لها، ومن حسن الذوق لكل من يعمل في جمع شملها الشتيت أن تساق الشعوب العربية إلى غاياتها المرجوّة لمثل هذا النوع من التفكير الذي هو الدواء الوحيد لما رماها به الاستعمار من ضروب التخدير.
стр. 2089
إن هذه الأمة العربية هي هدف الاستعمار قبل كل شعوب الأرض، فهو لذلك لا يزال يعمل على تفريق أجزائها وتطفيف جزائها، وقد بلغ منها ما أراد بكيده وسحره حتى ينسيها ماضيها وأمجادها، فمن فروع التعبئة العامة للوقوف في وجهه والدفع في نحره أن نصرف هذا الجيل الذي فتنه الغرب بقوّته عن طريق هذه الفتنة، وأن نبيّن له ما يجهله من أن هذا الشرق مطلع الأنوار ومعدن الأسرار، وأن نعالجه من هذا الكسل العقلي الذي رماه بالجهل والجمود، وأنه إن أراد أن يبني العلم والبيان والقوة على أسسها الصحيحة فلْيَتَلَمَّسْها من معادنها في أسلافه ولا يأخذها بالتقليد للغرب والاستعارة من الغرب، وأن نهزه بِمِثْل أقوال شوقي في هذا الباب وما أكثر أقواله في ذلك، فهو الذي يخاطب مصطفى كامل بقوله:
أتذكر قبل هذا الجيل جيلًا ... سهرنا عن معلمهم وناما؟
مِهارُ الحق بغّضنا إليهم ... شكيم القيصرية واللجاما
لواؤك كان يسقيهم بجام ... وكان الشعر بين يدي جاما
أيها الأخوان:
ليت شعري، هل كان شوقي يدري حين نظم هذا البيت:
هل كلام الأنام في الشمس إلا ... أنها الشمس، ليس فيها كلام
أنه سيصبح أحق به ممن قيلت فيه؟ فقد وصل شوقي بشعره حينما اقتحم به جميع الميادين إلى مرتبة من مراتب الخلد لا يستطيع وصفها إلا هو بمثل هذا البيت.
ولقد دأب شوقي بتقليد المتنبي في أول أمره فجاراه، وما كبا وما قصَّر، ثم شآه في التشبيب الصادق والغزل الرقيق، ثم طاوله فطال عليه في وصف الآثار الباقية عن الحضارات الداثرة، وفي التغني بالأمجاد الغابرة لبني جنسه أو بني وطنه أو بني دينه، على حين كانت عبقرية المتنبي لا تتجاوز به مدح شخص يجود، أو شجاعة في وصف حروب وانتصارات قد يكون الغناء فيها لغير الممدوح، ولا تبرز العبقرية إلا في الحِكَم التي سجَّلها والأمثال التي سيّرها، أما الوصف الذي تتبارى فيه قرائح الشعراء، وتتجارى سوابقهم فيه فليس للمتنبي فيه كبير قيمة إذا استثنينا قصيدته في شِعْب بوّان وقصيدتيه في وصف الحمى وفي وصف الأسد وفي قطع قليلة من شعره.
ورأيي في شوقي معروف في المشرق والمغرب بين خلصائي من الأدباء وخلطائي من المتأدبين، فلم أزل- منذ كان لي رأي في الأدب- أغالي بقيمة شوقي في الشعراء السابقين واللاحقين، وربّما شاب هذا الرأي مني شيء من الغلو في مقامات الجدل والمفاضلة بين شعراء العربية، وما كنت أتهم نفسي بعصبية لشوقي، ولا كان الناس يتهموني بتحيّز، لأنني كنت قوّامًا على شعر شوقي أستحضره كله وأستظهر جُلّه، حتى ليصدق عليّ
стр. 2090
أنني راوية شوقي بالمعنى الذي كان يعرفه أسلافنا في الراوية، ولقد حفظت الشوقيات القديمة قبل هجرتي الأولى إلى الشرق سنة ١٩١١ ميلادية.
ثم أحفظ من شعر شوقي ما جدَّ بعد طبع الشوقيات الأولى، واستوعبت شعره في منفاه بالأندلس حفظًا لأول ظهوره في الصحف أو في أجزاء ديوانه بعدما طبعت.
وما كادت تلوح النهضة الأدبية في الجزائر بعد الحرب العالمية الأولى، ويُكْتَب لي أن أكون أحد قادتها حتى كنت أول الداعين دعوة جهيرة إلى الائتمام بشوقي وإلى احتذاء طريقته والسير على نهجه في الأدب العربي، وأول الدّالّين على روائع شعره. ولما جدَّ جدُّ تلك النهضة وتعددت المدارس العربية على يد جمعية العلماء الجزائريين، وقُدِّر لي أن أكون المشرف على توجيهها مكَّنْتُ لشعر شوقي في نفوس الآلاف من الناشئة الجزائرِية، فأنْبَتَتْ تلك النهضة من أولها على أدب شوقي وشعره، وفهمته ناشئتنا على وجهه لِحِكمه وأمثاله ولحسن تصويره ودقة وصفه، ولسهولة مدخله على النفوس، وإن آلافًا عديدة ممن ارتقوا ولو قليلًا في سُلَّم الأدب ليحفظون من غرر شعر شوقي وسوائر أمثاله ما يُجَمِّلُون به كتاباتهم وخطبهم ومجالسهم للمذاكرة، وإن كثيرًا من الشعراء الذين أنجبتهم النهضة الجزائرية ليترسّمون خطى شوقي ويسيرون على هداه، وتلوح عليهم مخايله وسماته.
وأول ما حبّب شوقي إلى نفوس ناشئتنا- على طراوة عودهم- هو ما يفيض به شعره من تمجيد للإسلام وبيان لآثاره في النفوس وتغنّ بمآثره وأمجاده وافتتان في مُثُله العليا التي قاد بها أتباعه إلى مواطن العزة والسيادة. ولا عجب، فناشئتنا نشأت على الفطرة الإسلامية النقية، وشعر شوقي أبلغ معبّر على تلك المعاني العالية، ونَهْجٌ شارع إلى سبل التأسي والاقتداء.
ولقد كان موت شوقي صدمة قوية للأندية الأدبية الناشئة بالجزائر التي كانت تأتَمُّ بشوقي وتسير على هديه وشعاعه مما ظهر أثره في قصيدة الشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة التي رثى بها الشاعرين حافظًا وشوقي، حيث يقول:
دولة الشعر من الشرق انقضت ... وانقضى فيها مراء الأمراء
أيها الإخوان:
إن الجزائر الفتية مدينة بجميع فروع نهضتها بل في أصول ثورتها لشوقي، فكم حَدَوْنا الشباب بشعره المطرب القوي، ووجَّهنا ذلك الشعر إلى مكامن الإحساس من نفوسهم، فكان ذلك أحد الأسباب فى ثورته الخالدة التي أقضت مضاجع الفرنسيين وأتت بخوارق العادات من الشعب الجزائري.
стр. 2091
وإنَّا لنرجو إذا مد مدُّ النهضة الأدبية في الجزائر- بعد أن تؤتي هذه الثورة المباركة ثمراتها- أن سيكون لأدب شوقي أثره الخالد الفعّال في بناء الأدب العربي بالجزائر، كما كان له الأثر اللائح في الثورة نفسها، تأسيًا بما خلّده شوقي من أعمال الثائرين الأبرار في ليبيا وسوريا وتركيا.
إن الحكومة الجزائرية المؤقتة الفخورة بعروبتها لسعيدة بأن تُدعى إلى هذا المهرجان وتشارك شاعر العروبة شوقي الذي يقول:
رُبَّ جار تلفتت مصر توليـ ... ـه سؤال الكريم عن جيرانه
بعثتني معزيًا بمآقي ... وطني أو مهنئًا بلسانه
ومع تأثر الجزائر الشديد بشعر شوقي وعقيدتها التي لا تتخلخل في شاعريته، ومع اعترافها بأنه أول من هزّ هذا الشرق العربي ببدائعه وآياته فإن أدباء الجزائر ما زالوا يعتبون عليه، بل ما زالوا ينقمون عليه مَدْحه لفرنسا وافتتانه بحضارتها المزيفة وتخطيه الأصول التاريخية التي لا تعترف لفرنسا ببعض ما ينوّه به شوقي من فضائلها، فهو يقول:
دم الثوّار تعرفه فرنسا ... وتعلم أنه نور وحق
جرى في أرضها، فيه حياة ... كمُنْهَلّ السماء وفيه رزق
(وحررت الشعوب على قناها ... فكيف على قناها تُسْتَرقُّ؟)
سامحك الله يا شوقي، أي شعب تحرّر على قنا فرنسا، فإن كان بعض ذلك فهو من باب الربا الفاحش؛ تأخذ فيه فرنسا أكثر مما تعطي وليس خالصًا لوجه الحرية والتحرير. وبعد، فهل كل الوفاء لشوقي أن نحيي ذكره في كل سنة مرة، وأن تقوم بعض الجمعيات فينا ببعض الواجب من البر بعظمائنا وعباقرتنا الذين هم مناط فخرنا ومعاقد التيجان لمجدنا واعتزازنا؟
إن هذالحق ابعض الواجب، وإن الذي فرّطنا فيه وقصرنا دونه أكثر بكثير مما تقوم به جمعياتنا وهيآتنا الرسمية، فليس من الوفاء لشوقي أن نذكره في السنة مرة، وأن نتبارى في الحديث عن شعره ومنزلته بين الشعراء، ثم يبقى في جميع العام منسيًا لا يذكره إلا المتمثلون بسوائر أمثاله.
رحم الله شوقي وأثابه كفاء ما قدّم للعربية من كنوز ثمينة، وما سنَّ للأدب العربي من أساليب بليغة، وما حرّك من همم العرب ونخوتهم.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 2092
الذكرى الرابعة لثورة الجزائر التحريرية *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوة:
إن المعنى الذي أذن فيكم مؤذنه بالاجتماع فاجتمعتم، وحدا بكم حاديه إلى الإسراع فأهطعتم، هو "ثورة الجزائر". هذا المركب الإضافي غير محدود ولا مقيّد، فالأعمال العظيمة كالأشجار، لها موسم واحد يحتفل به الناس وهو موسم إيتاء الثمرات، فيوم الثورة الجزائرية هو يوم النصر الأخير، يوم يفرح المؤمنون بنصر الله.
أما هذه القيود التي نضيفها ونجعل منها بواعث للاجتماعات فهي من مواضعاتنا نحن معشر القعدة الخالفين لا تخطر ببال إخوانكم أبطال الجهاد وأحلاف الجلاد الذين انمحت الفوارق عندهم بين الأيام والليالي والشهور والأعوام فكلها عندهم مرحلة واحدة، إلى غاية واحدة، فلنتشبّه بهم إن لم نكن مثلهم، ولنذكرهم في كل يوم وفي كل ليلة، ويا بؤس الثورة الجزائرية إن كنا لا نذكرها إلّا في ليلة من سنة.
وعلى ما فينا من نقيصة وافتتان بالعوائد والمصطلحات فإن المعنى الذي حفزكم لهذا الاجتماع هو من أسمى المعاني التي يجتمع لها العقلاء، وتسمو إليها هممهم، وتتطلع إليها نفوسهم، لأنه- على بعد الدار- تكثير روحي لسواد إخوانكم المجاهدين الذين باعوا أنفسهم لله، وأخلصوا النية في الجهاد في سبيله وإعلاء كلمته وتحرير طائفة من عباده أرهقها الاستعمار من أمرها عسرًا وأثقلها حمل القيود عشرات السنين وتقطعت بها الأسباب المعنوية إلّا السبب الواصل بالله وبدينه، والأسباب الحسية إلّا نسبتها للعرب واعتزازها بالعروبة وارتباطها بالشرق، ووفاءها بعهود الثلاثة.
стр. 2093
فاجتماعكم هذا في أسمى معانيه، وأعلى خصائصه هو صلة برحم الإسلام والعروبة، اللذين هما أعز ما يعتز به إخوانكم الجزائريون، ويرفعون به رؤوسهم التي أبت أن تنحني للظالم العاتي، كلما أرادهم على التنكر للإسلام، وتحريف الضاد عن مخرجها في لهواتهم، واجتماعكم هذا مدَد من الأمداد المدخرة لكم في حين حاجتكم إليه- لتذكروا إخوانكم المجاهدين، وتذكروا ما طوّقوكم به من منن- والتفاف منكم حول قضية من قضاياكم، بل هي أصل قضاياكم مع الاستعمار، بل هي أعقد قضاياكم معه.
أيها الإخوة: إن لإخوانكم الجزائريين عليكم حقوقًا أدناها أنهم يشركونكم في الدم والجنس وخصائصهما الموروثة، وأعلاها أنهم قائمون عنكم- ولا منّة- بواجب عظيم متكفلون لكم بحل عُقْدةِ العقد مع ألأم استعمار عرفه التاريخ، وبتصفية الحساب عنكم مع أعدى عدو للشرق عامة وللعرب خاصة، فإذا صرعوه- وهو ما نعتقده كرأي العين- فالشرف لكم جميعًا، والراحة الأبدية من دائه العضال تشملكم جميعًا، وإذا جرى القدر بضد ذلك فحسبهم شرفًا أنهم ماتوا في سبيل الشرف، واستبرأوا لدينهم وأمانتهم، وأتوا بها غراء مشهّرة في تاريخ العروبة، ونشروا عليكم صحائف من سيرة السلف تجدد لكم بهم العهود، وخطوها صحائف نادرة من الشجاعة العربية، وضربوها أمثالًا شوارد من البطولة العربية، وشرحوا لكم معنى الحفاظ والذياد وحماية الحقوق، بعد أن كانت تلك الألفاظ، التي تغنى بها شعراء العرب، لا تحمل إلّا صورًا ذهنية لا تثير ولا تخز، ولا تحرك ولا تهز، وسيرى التاريخ هؤلاء البررة ويسجل مواقفهم المشرفة، ولا يَتِرُهُم منها شيئًا، وسيعرض حججه واضحة فإما لكم وإما عليكم.
أيها الإخوة: إن ثورة أربع سنوات لا ندري ماذا خبأ لها القدر المحجوب من نهاية، من شعب لا يملك شيئًا من أسباب القوّة وسلاح العصر، مفصول من بني أبيه بفواصل وضعها عدوه عن قصد في غفلة منكم جميعًا، معزول عن معاقل أوليائه وأنصاره، إن ثورة مثل هذه لحقيقة- إن امتد بها الزمن- بأن تثقل ظهور إخوانكم، وقد ترمي حركتهم بالكلال إلّا أن يرحم الله، وتصدقوه في الإمداد بكل ما تستطيعون أفرادًا وجماعات.
إن أسوأ ما نسمعه في هذا الشرق بقسميه الإسلامي والعربي الإطراء بإطناب، والمبالغة في الإعجاب، والدعاء غير المستجاب: الإطراء للمجاهدين الجزائريين، والإطراء لا ينكي عدوًا، ولا يضمن رواحًا للنصر ولا غدوًا، والإعجاب بموقف الجزائريين الثابتين في الزعازع، والإعجاب لا يردّ غارة، ولا يحطم طيارة ولا يولد عقيمًا، ولا يبرىء سقيمًا، والدعاء من غير تعاون على الأسباب، كالتوكل كلاهما سخرية بالله وبعباد الله، فلتعلموا أن الدعاء المشروع والتوكل المشروع إنما يأتي في عالم الأسباب بعد عقل الناقة، وبذل الطاقة.
стр. 2094
أعيذكم بالله- وأنتم مسلمون، والإسلام عهد وذمة، وعرب، والعروبة وفاء وهمة- أن تركنوا إلى المستفيض عن إخوانكم أنهم شجعان وأنهم صامدون لعدوّهم، وأنهم على قلّتهم ما انفكوا يذيقونه الموت ويجرعونه سكراته، فهذا كله وإن كان حقًا بل دون الحقيقة، لا ينبغي لحازم جاد ممارس لدهره، محنك في معاملات دهره عرف الاستعمار وصلى جحيمه واكتوى بناره، لا ينبغي أن يغتر به أو يدعوه إلى الدعة والتواكل.
أيها الإخوة: لا تنتزعوا من استمرار الثورة أربع سنوات وهي في عنفوان شبابها، وقوّة أسبابها، وتصميم رجالها، وانتظام أعمالها، لا تنتزعوا من هذه الحالة التي يبتهج لها كل مسلم وكل عربي، الدليل من جهة واحدة على شجاعة الشعب الجزائري وقوّة إيمانه واتصاله بربه، وصبره في الزعازع، واستهانته بالشدائد، وإقدامه على الموت في سبيل تحرير وطنه، ولكن انتزعوا- مع ذلك- دليلًا آخر ومن جهة أخرى على أن ثورة أربع سنوات قد تحيفت أمواله التي غذى بها الثورة في سنواتها الأربع، وتحيفت أقواته الضرورية، وعطلت مكاسبه الطبيعية، فالفلاحة- وهي عماد حياته- معطلة، والتجارة معطلة، والموارد الحيوية معطلة، ووسائل الارتزاق كلها معطلة، وما كان يقدمه الجزائريون العاملون بفرنسا للثورة عن طوع واختيار تعطل بتضييق فرنسا على أولئك العمال، وبسجن عشرات الألوف منهم وبمنعهم من الاتصال بالجزائر، حتى يمنع إيصال النفقات إلى أهليهم لتضطر الثورة إلى الإنفاق عليهم، فتثقل التبعية ويدبّ الفشل، وهذه كلها وسائل يركبها الاستعمار لِلْفَتّ في أعضاد المجاهدين، وكلها- ومثلها- واقعة بالفعل وكلها ذات أثر فعّال كلما امتد الزمن في قوّة الثورة.
أيها الإخوة: العاقل من يفكر في العواقب والمصائر ويُعِدُّ لكل حادثة سلاحها، ولكل مفسدة قبل الوقوع صلاحها، والحازم الأريب من يعتبر ما ليس بواقع واقعًا، وبهيئ أسباب دفعه قبل المفاجأة.
أيها الإخوة: إن اخوانكم الجزائريين لو أرادوا وسمحت لهم هممهم وشرفهم ودينهم أن يركبوا مركبًا آخر لا يطوع لساني بذكره؛ ولو سمحت أخلاقهم أن ينكثوا العهد الإلهي الرابط بينكم وبينهم لوجدوا الطريق سهلًا معبدًا ولكانوا أعز الناس في الدنيا، ولحصلوا على الحقوق التي يتمتع بها مرضى الضمائر كاملة غير منقوصة، بل بصورة أكمل، لأنهم أشجع من جميع العناصر التي يتألف منها الهيكل الفرنسي وأقوى عزيمة، وأصلب إرادة، وأمتن طباعًا وأكرم نفسًا ويدًا، ولكن أبى عليهم ذلك ويأبى عليهم أبدًا دينهم وعروبتهم وأبوتهم الذين اعتز بهم الإسلام والعروبة، وكانوا قرّة عين للإسلام والعروبة، فأبت على خلفه الأخلاق الإسلامية والعزة العربية أن يكونوا سخنة عين للإسلام والعروبة، أبت عليهم ذلك أخلاق كريمة وأعراق أصيلة، وصلات بالإسلام وثيقة، فرضوا بالدون، وعيشة الهون، وبما يرضى به كل مغلوب على أمره، كل هذه الحقبة المديدة، ولم يهجس لهم خاطر بقطيعة أصل فضائلهم، ومشرق
стр. 2095
دينهم، وإنها ذمة قل من يرعاها وواجبات كثر منتهكوها. وإن الجزائر لتتيه فخرًا واعتزازًا بأن التاريخ سيكتبها من رعاة العهود الأوفياء، على كثرة أسباب القطيعة.
أيها الإخوة: إن من حسنات الثورة الجزائرية أنها كانت سببًا في تقريب العرب بعضهم من بعض وجمع قلوبهم حولها ونسخ التجافي بينهم بالتصافي، وانها كشفت الغطاء عن مخازي الاستعمار الفرنسي، وكشفت بالتبع عن حقيقة هذه الدولة التي تملأ ماضغيها فخرًا بأنها أصل المدنيات ومحررة الشعوب ومهذبة العالم، وإن ما تدعيه من الديمقراطية هي دعوى كاذبة خاطئة فاجرة، وقد أضلت بهذه الدعاوى إخوانًا لنا في هذا الشرق يعزّ علينا أن يضلوا ويزلوا، وسحرت أعينهم ببريق حضارتها فأعشتهم عن رؤية حضارتهم وما ترك أسلافهم من أثرها، فبينت الثورة الجزائرية لهم بالبرهان أن الفضائل التي تنتحلها فرنسا فضائل زائفة، لأن مرد الفضائل في شعب هو سمو أخلاقه، وترامي هذه الأخلاق فيه إلى الكمال، بما يكفله استعداده للخير والرحمة وتقوية النوازع الإنسانية الكامنة في طبعه وجبلته، وفرنسا أفسد الاستعمار جبلتها، وطمس الطمع والأنانية- وهما من لوازم الاستعمار- على كل حسنات من أخلاقها، وإنّا لننقض عليها دعاواها الطويلة العريضة في ما تنتحله من الفضائل، ويروجه لها دعاتها وسماسرتها المأجورون وتلامذتها المفتونون في هذا الشرق، ننقض عليها وعليهم تلك الدعاوى كلها بمثال واحد، وهو أن فرنسا احتلت الجزائر منذ مائة وثلاثين سنة تقريبًا، ولم تستطع تحطيم المقاومة الصادقة من أهلها إلّا بارتكاب ما لا تفعله الوحوش الضارية الموكولة إلى غرائزها الحيوانية الدنيا، وفعلت من المنديات ما يسوّد تاريخها الإنساني مما سجله قادتها في ذلك الغزو، لا إنصافًا للتاريخ، ولكن افتخارًا بتلك الأفعال الوحشية، وها هي ذي بعد هذا العصر الطويل الذي يحول الأحوال، وينسخ الطباع، تفعل مع الشعب الجزائري في هذه الثورة ما لم يفعله سلفها في حروب الغزو، وتأتي من الموبقات والتفنن في ضروب التقتيل والتعذيب ما ترتفع عنه طباع الوحوش من قتل الصبيان والنساء والشيوخ والعزل والمرضى زيادة عن اتلاف الأقوات وانتهاك الحرمات، حتى كأن التهذيب الأخلاقي في فرنسا سائر إلى الوراء، وكأن تعاقب أجيال أربعة لم يكف لتحويل الأخلاق من شراسة إلى لين ومن وحشية إلى أنسية.
وكأنما أنف أصحاب تلك الطباع الجافية أن تشهر الجزائر المستعبدة في وجههم السلاح وأن تثور بعد هدأة ظنوا أنها القاضية، ولم يستطع أصحاب تلك الطباع أن يقاتلوا المجاهدين في ميادين الحرب فعمدوا إلى ما يعمد إليه كل جبان من الانتقام من الأطفال والنساء والعجزة، ويا ليت القتل كان كافيًا، بل نراهم يتفننون في التعذيب قبل القتل كما يتفنن المترف الشهواني في شهواته حتى جاوزوا الحدود التي يأمر بها الشيطان من الشرور وكبائر الإثم والفواحش.
стр. 2096
أيها الإخوة: إن في أطوار الثورة الجزائرية لعبرًا، فقد بدأت على حين يأس من مطالب معقولة، جهر بها الشعب الجزائري وتصاممت عنها فرنسا وأبت أن تستجيب لدعواتها المتكررة، بدأت بثلاثة الآف مقاتل وطنوا أنفسهم على الموت في سبيل الله، وكان سلاحهم الروحي أقوى ما بأيديهم، كان سلاحهم الذي لا يفل الإيمان بالله ناصر المستضعفين وقامع العتاة المتجبرين، وكان مركز الثورة قمم جبال أوراس منبت الأبطال الذين خلفوا عليه الأسود يوم انقطع منها نسل الأسود، وما أتمت سنة حتى انتشرت كالنار على القطر كله وتزايد عدد المجاهدين حملة السلاح إلى الثلاثين ألفًا ... إلى الخمسين حتى أصبح جيش التحرير مائة ألف أو يزيدون يقارع دولة عرفت في العالم بأنها في طليعة الدول الحربية العسكرية، يقارع جيشًا مسلحًا يقارب المليون مجهزًا بما يقوم بهذا العدد الضخم من دبابات وطيارات وأساطيل بحرية، وأجهزة ارتباط ومواصلات تموين تبتدئ من فرنسا وتنتهي في دواخل الجزائر، ومع ذلك فإن اللطيفة الالهية ظهرت للعيان مرة أخرى ونصر الله الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وقام إخوانكم المجاهدون بشرط الله وهو الإيمان والصبر وصدق النية وطهارة القصد، فصدقهم الله وعده.
أيها الإخوة: إن الشعب الجزائري سائر في هوى القومية العربية عامل لها لا تثنيه عنها الأعاصير في أي جو عصفت، ولا تردّه عنها التيارات المختلفة ولا الأهواء المتباينة، فالجزائر اليوم مشغولة بهذا الصراع بينها وبين عدوها الذي يمثل الاستعمار في طور النزع والاحتضار. فإذا فرغت منه اتصلت بإخوانها في هذا الشرق اتصال الأخ الذي لم ينس أخاه، ولم تتبدل له عقيدة في أيام الشدة، فالوحدة العربية التي راق الجزائر خيالها، وبرز للوجود في هذه الأيام مثالها، هي نهاية شوط الجزائر في اعتناقها حقيقة بعد أن كانت أمنيتها عقيدة، وستكون الجزائر مزيدًا في قوّة القومية العربية، ولا نغالي إذا قلنا إن الشعب الجزائري سيكون تعديلًا لبعض المتناقضات في الشرق العربي وسيكون تلطيفًا لبعض الشذوذات فيه، وسيكون بما أودع الله فيه من روحانية قوية وجد لا يلم العبث بساحته مثالًا يحتذى في مجموعة إخوانه العرب. إن بعض الأخلاق المنتقدة في إخوانكم الجزائريين مثل الصلابة والخشونة قد تكون ضرورية في مثل هذا الطور من أطوار العرب فينشأ من الصلابة ما يقاوم الارتخاء، ومن الخشونة ما يقاوم ما ابتلتنا به الحضارة الغربية، ومن الجد ما يقاوم الهزل المتفشي في مجموعنا وينشأ من جميع ذلك مزيج عجيب فيه التعديل والتلطيف والعلاج.
أيها الإخوة: هذه الكلمات المضطربة كلها ذكرى، وأنتم قد اجتمعتم للذكرى فهل لكم أن تتوجهوا إلى الله بقلوب متعلقة به عامرة بالإيمان به متقلبة في قبضته فتسألوه الرحمة لأولئك الشهداء المستضعفين الذين سالت مهجهم على الشفار، ولأولئك الأقوياء به الذين تمزقت أشلاؤهم في القفار. ترحموا على كل من مات في الجزائر في زمان هذه الثورة، فمن
стр. 2097
رحمة الله الغامرة لاخوانكم ان كل من مات منهم فيها بأي سبب من الأسباب فهو شهيد، فإن مات من مرض فسببه الاستعمار الفرنسي، وإن مات من جوع فسببه ذلك الاستعمار، وإن مات من برد فالسبب واحد، وادعوا في الأخير لإخوانكم المقاتلين بالنصر المؤزر والتأييد المسدّد والتوفيق لمراضي الله، والسلام.
ـ[اللهم ارحم عبادك الذين ماتوا في سبيلك وفي سبيل دينك ولَقِّهِم النظرة والسرور بلقائك. اللهم إن ما فاتهم من الراحة في هذه الدنيا ففي رضاك الخلف. اللهم اجعل هذا التشريد المريع الذي أصابهم في الحياة جمعًا وسببًا في اجتماعهم في مقر الرضا عندك. اللهم انصر وأيد وآزر وسدد عبادك المجاهدين في سبيلك وتثبيت دينك. اللهم ان تهلك هذه العصابة المجاهدة فلن تعبد في أرض الجزائر التي اخترتها حصنًا للإسلام وملاعب لجياد المجاهدين الأولين؛ اللهم آمين.]ـ
стр. 2098
الجزائر الثائرة *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوان:
كانت جمعية الشبان المسلمين- كعادتها في كل ما تزاول وتحاول- ملهمة إلهامًا سماويًّا في هذا العنوان الذي أطلقته على يوم الجزائر، وهو: الجزائر الثائرة- لأنه وصف صادق على الجزائر، مطابق لحالتها الذاتية الدائمة بمعنييه اللغويين، فهي ثائرة بالصفة المشتقة من الثورة وهي ثائرة بالفهم المشتق من الثأر، والعرب يقولون لكل خارج على مألوف عرفي هو ثائر، كما يقولون لطالب الثأر وللآخذ به ثائر، مع اختلاف المادتين في أصل المعنى، لأن من بدائع لغتهم تلاقي المادتين المختلفتين على الوصف مثل: سال وسأل يلتقيان في سائل، وثار وثأر يلتقيان في ثائر.
والثورة والثأر كما يلتقيان في الوصف يلتقيان في بعض الحقيقة وبعض الأسباب وبعض النتائج وبعض الوسائل، ففي الثأر شيء من معنى الثورة، لأنه جزاء وانتقام، ولأن فيه طلبًا لحق، وفيه إطفاء غيظ وشفاء نفس، وفيه نكاية لعدو وانتصاف من ظالم، وفي الثورة شيء من معنى الثأر لأنها إما سعي في استرجاع حق مغصوب، أو حفاظ على شرف مهدر، أو ذياد عن كرامة مهانة، أو دفاع عن عرض منتهك، أو غيرة على حرية مسلوبة، أو نضال عن وطن مستباح، أو حمية لدين مستضام، والجزائر تجمع هذا كله، وثورتها- حين تثور- تجتمع على هذا كله.
الجزائر ثائرة بالمعنى الأول على الاستعمار الفرنسي الذي جثم عليها قرنًا وربع قرن وسامها سوء العذاب ورماها بالمخزيات الثلاث: الجهل والفقر والمرض، واستأثر بخيراتها الوفيرة، وقضى بأساليب يعجز عنها الشيطان على كل أسباب القوّة فيها، وتدسس إلى مكامن الروابط الأخوية بين أبنائها فأفسد الأخوة وقطع حبال الأرحام حتى نصب للأخ عدوًا
стр. 2099
من أخيه وللجار عدوًا من جاره وللقبيلة عدوًا من القبيلة، وللأمة كلها جواسيس من الأئمة الذين أقامهم للصلاة وإقامة الشعائر، وقبل ذلك كله وضع يده على الأوقاف الإسلامية التي هي ملك الله فتصرف فيها ووزعها على الأوربيين وعلى الهيئات التبشيرية والجمعيات المسيحية، وأحال كثيرًا من المساجد الكبيرة في المدن كنائس ومتاحف ومستشفيات وهدم كثيرًا منها للشوارع والحدائق والميادين، ثم هجم بمبشريه وكتبه وملاهيه ومخامره ومواخيره ومدارسه ومدرسيه على عقيدتها السماوية يريد أن يمحوها، وعلى عقلها العربي يريد أن يزيّفه، وعلى فكرها الإسلامي يريد أن يمسخه، وعلى ضميرها الحي يريد أن يخدره، وعلى روحانيتها الشرقية يريد أن يطفئها، كما جند قوانينه المتلاحقة على اللغة العربية يريد أن يقضي عليها ويرحلها من وطنها، ويغمرها برطانته التي سحر بها ألباب المفتونين في هذا الشرق، ليتخذ منهم أدوات إنسانية تلهج بذكره وتسبح بحمده وشكره، وتحسن مقابحه وتستر سوءاته، وتقطع لأجله ما وصل الله من أسباب الإسلام وأرحام العروبة ووأسفاه! والجزائر ثائرة بالمعنى الثاني، فلها عند فرنسا ثارات تمتد مع القرن سنة سنة، فكم قتلت من أبناء الجزائر مئات وألوفًا وعشرات الألوف. لا نعني من قتلتهم من المجاهدين فيها أو الثائرين عليها من عهد احتلالها لوطننا إلى الآن فأولئك شهداء طلبوا الشهادة من طريقها وسعوا إلى الموت في أشرف ميادينه مختارين، وأولئك لم يموتوا وإنما اتخذوا الموت جسرًا إلى الجنة وممرًا من الحياة إلى الاحياء، وأولئك قوم فهموا الحياة على حقيقتها وعلموا أن أعلى قيمها أن تبذل في ما هو أغلى من كرائم أشياء العرب، وأولئك هم رأس مالنا إذا تغالت الأمم في رؤوس أموالها من المجد والمفاخر، وأولئك لا نعدهم على فرنسا ولا نعدها من قتلتهم لأنها أحقر من ذلك، ولا نعدهم من قتلاها لأنهم أجل من ذلك.
وإنما الثارات والترات التي لنا في عنق فرنسا هي دماء أبنائنا التي أريقت في سبيلها في الحروب الاستعمارية التي أذلت بها رقاب الأمم وفي الحروب الأوربية التي حفظت بها وجودها.
إنما الثارات التي نطلبها من فرنسا ولا نهدأ حتى نأخدها بها ونشفي صدورنا بالاقتصاص منها هي ثارات من قتلتهم غيلة وخداعًا.
إننا نذكر لكم الجديد ولا ننسى القديم فقد قتلت منا بالأمس في الثامن ماي ١٩٤٥ ما يقارب ستين ألفا في يوم فرح العالم أجمع بإنهاء الحروب، خرجوا يشاركون مشاركة المتفرج عزلًا مستضعفين، فلقي ذلك العدد العديد حتوفهم على غرة بمكيدة مدبرة من حثالات الأوربيين الحاقدين على المسلم لأنه مسلم ومن ورائهم الحكومة وجنودها، وما نقمت منهم فرنسا وأوباشها إلّا لأن أبناءهم ماتوا في سبيل احيائها بعد الموت وانقاذها بعد الانهيار، وكان من لؤم فرنسا ومخازيها أن جرّت الأبناء إلى القتل في ميادين الحروب ثم
стр. 2100
قتلت الآباء وهم غارون، وإن فرنسا الوحشية لا ترضى بالخزية المفردة حتى تعززها بما هو أخزى، وأما والله لو أن تاريخ فرنسا كتب بأقلام من نور بمداد من عصارة الشمس في لوح منحوت من صفحة القمر، ثم قرظه عشاقها المتيمون منا باللؤلؤ المنثور بدل القرض المشعور، والشعر المنثور، ثم كتب في آخره هذا الفصل المخزي بعنوان "مذابح سطيف وقالمة وخراطة" لطمس هذا الفصل ذلك التاريخ كله، ولجلّله بمثل ما يجلل الأفق من ليلة محاق ظلماؤها معتكرة ونجومها منكدرة، فكيف وفي تاريخها كثير من هذه الفصول السوداء، وأكثرها مرتبط بتاريخ أفريقيا الشمالية، ومع ذلك فإن هذه المخلوقة العجيبة- التي تسمى فرنسا- تدعي الإنسانية، وتتخايل فتدعي أنها خلاصة الإنسانية، وتدعي العلم، وتتعالى فتزعم أنها معلمة العالم، وتتغنى بالحرية، وتتداهى فتملأ ماضغيها فخرًا بأنها أم الحرية ومربيتها وحاضنتها وموزعتها على العالم، وما هي حين نترجمها بأفعالها إلّا زؤان الإنسانية وسقطها، وما هي عند النسابين الأولين وحين تتشامخ الشعوب بأنسابها إلّا العنصر الهجين بين الغال واللاتين، ولا عند الآخرين إلّا خليط الأوزاع والنزاع من الأسبان والطليان والعبران والسودان، وما هي حين تقسم الطبائع والخصائص على الأمم إلّا العدو المبين للعقل والدين والعلم والتمدين، واللص المغير على الحرية والتحرير، وإن لها منها عليها لشواهد، فكم أغارت على حريات الشعوب الضعيفة الآمنة فسلبتها، وعلى آدابهم وعلومهم ودياناتهم فطمستها، وكم هدمت من مساجد يذكر فيها إسم الله، إن في ما وقع منها في الجزائر من حرب الإسلام واللغة العربية صفحات لا تحتاج لمزيد حتى إن حافظ القرآن في قرية يحرم عليه القانون الفرنسي فتح كتّاب لتعليم القرآن إلّا برخصة لا تعطى.
أيها الإخوان:
إن الاستعمار الفرنسي في الجزائر هو الذي نوع أسباب الثورة عليه، وكل سبب منها يقضي بثورة مجنونة، فكيف بها حين تجتمع؟ فلو أن أهل الجزائر ثاروا كلهم ثورة رجل واحد، وثأروا لقتلى تلك المذابح التي سمعتم إجمالها بقتل أمثالهم من الأوربيين لما بلغوا إلى ما تقرّ به العين من الثأر المنيم، والثأر المنيم عند أجدادكم العرب هو الثأر الذي يجلب النوم المريح إلى العيون التي قرحها السهر في طلب الثأر شهورًا وأعوامًا حتى إذا أدركته نامت وقرت، ومن خصائص أولئك الأجداد التي فقدناها مع الأسف أنهم كانوا لا ينامون على وتر، يعني أنهم يهجرون النوم حتى يأخذوا بثأرهم حمية وأنفة وعلو همة لأن النوم إنما يطيب للخليين الفارغين.
ولو أن الجزائر ثارت كلها ثورة رجل واحد غيرة على ما فعلت فرنسا بدينها وأوقافه ومدارسه ومعابده التي ما زالت تعبث ببقاياها إلى الآن لكانت على حق يقرها عليه كل من له عقل في هذا العالم.
стр. 2101
ولو أن الجزائر كلها ثارت ثورة جامحة جارفة تخرب العمران وتطمس المعالم وتذهب بكل ما شيدته فرنسا من هياكل الحضارة في الجزائر غيرة على لغتها وقوميتها التي تعمل فرنسا علانية على محوهما ومسخ أهلها لما كانت ملومة ولا موسومة بالوحشية.
كل شيء عاملت به فرنسا إخوانكم العرب المسلمين يدعو إلى الثورة ولو كانت فسادًا في الأرض لأنها ثورة على ما هو أفسد.
ألا لا يقولنّ قائل ولا يهمسن في خاطر امرىء سمع كلامي، العجب من عدم قيام الثورة قبل اليوم، ومن ذهاب أبناء الجزائر للدفاع عن فرنسا حتى يسمع الجواب، أما ذهاب الجزائري للدفاع عن فرنسا فهو فيه مضطر أشبه بِمُخَيَّر، أو مُخَيَّر أشبه بمضطر، ومن البلاء ما يجمع بين المتناقضين في رؤية بصر أو رأي بصيرة، ان سياسة فرنسا منذ أربعة عقود من السنين في قضية التجنيد بالجزائر أنها كلما احتاجت إلى عدد عديد من الجنود الأهالي دبرت بوسائلها الشيطانية مجاعة فظيعة للوطن، فتشتت خيراته التي يكفي محصول سنة منها عشر سنوات فتنقلها إلى وطنها أو تحتكرها وترفع قيمتها إلى ما فوق الطاقة وتقطع أسباب العمل في الداخل وتسد أبوابه في الخارج، فإذا استحكمت المجاعة وأخذت مأخذها في الشعب، واعتراه منها ما يذهل المرضعة عن رضيعها بعثت في القرى والأسواق والسهول والجبال حاشرين بطبولهم ومعازفهم يدعون الناس إلى الجندية ويصورونها لهم كما يصور الواعظ الجنة، ويغرونهم بأجور ما كانوا يحلمون باليسير منها، فيندفع الشبان الجائعون المساكين بالعشرات والمئات إلى التجنيد ليسدّوا أرماق أهليهم بما يبيعون به أنفسهم، وليضمنوا لأنفسهم الخبزة التي تحفظ عليهم الحياة، وفي مثل هذه الحالات من المجاعات المصطلية يندفع المبشرون لاصطياد الأطفال المتضورين جوعًا فيؤوونهم إلى حظائر التنصير، وتجتمع على الأمة المسكينة في كل مجاعة مصيبتان في آن واحد وبسبب واحد وهو التجويع المقصود الذي تصطنعه فرنسا وتحكم أسبابه في وطن يفيض بالأرزاق والخيرات.
ويا ليت الوقت يتسع لتحليل بعض العمليات التي ترتكبها فرنسا لبلوغ غايتها من هذا التجويع، وهي عمليات يحلف الشيطان أنه عاجز عن اختراعها، وهو إمام المخترعين لأمثالها.
وأما النقطة الثانية من مناط العجب، وهي كيف لم تثر الأمة الجزائرية من زمان على الظلم الذي أريناكم لمحات من وصفه، فجوابها عند قرن وربع قرن، سنوات وعقودًا، فهي تشهد أن الجزائر أم الثورة، وأنها قدمت من الضحايا في سبيل استقلالها وحريتها ما لم يقدمه شعب آخر، وأنها لبثت سبعة عشر عامًا في ثورة مسلحة نارية متصلة الأيام والليالي بقيادة الأمير البطل عبد القادر بن محيي الدين المختاري، سجلت فيها من صفحات البطولة والحمية ما شهد به العدو قبل الصديق، وكم أذاقت فرنسا اليَتُوع ممزوجًا بالحرمل لا بَلْ
стр. 2102
جرعتها السمّ حدوفًا في الخردل، وكم واقفها أبطال الجزائر فدحروها وألزموا جيوشها الجرارة الاحتماء بالسواحل بضع عشرة سنة، وما زالت فرنسا تعرف من كتبها مواقع السيوف الجزائرية في بني أبيها في وقائع "تافنا" و"سيكاك " من ضواحي تلمسان، وما زالت تفهم معنى الغضبة المضرية والحمية المازيغية من تلك المواقع وعشرات أمثالها مما عناه شاعر الجزائر الحديثة محمد العيد في قوله من قصيدة يخاطب بها تلمسان:
"تلمسان" اكشفي عن رائعات ... من الآثار جللها الغبار
ضعي عن قرنك الضاحي خمارًا ... فقرن الشمس ليس له خمار
ففي هذا الثرى الزاكي قديمًا ... لنا ازدهرت حضارات كبار
وفي هذا الثرى الزاكي قديمًا ... تفشى العدل وانتشر اليسار
وفي هذا الثرى الزاكي قديمًا ... سما "مازيغ" واستعلى "نزار"
عليك تآخيا أدبًا ودينًا ... وحولك ضم شملهما الجوار
هما حميا ذمارك بالعوالي ... عصورًا فاحتمى بهما الذمار
ولما اجتمع على عبد القادر تدبير الأقدار وتخاذل الأنصار وقعود الجار استسلم، ولكن الجزائر لم تستسلم، وبقيت الثورات مشتعلة في جهات القطر، لم تفقد إلّا صبغتها العامة الشاملة لجهاتها الأربع من حدود "وجدة" إلى مخارم "أوراس" في حدود تونس، وكانت فوهة البركان الثائر قمم جبال "زواوة" التي تشكل ثلث الأطلس الأصغر، إلى أن كانت آخر الثورات القوية المسلحة ثورة الحاج أحمد المقراني التي شملت مقاطعة قسنطينة سنة ١٨٧١ في أواخر الحرب السبعينية بين فرنسا والألمان، وقد شهدها جدي ووالدي وثلاثة من أعمامه، ورابط رجال قبيلتنا شهورًا في سفوح جبل "عياض" ونازلوا عدة طلائع من الجيش الفرنسي فأبادوها في وقعة "قمور" و"بوتمرة" و"الشانية" وفاز بالشهادة عشرات من ذوي قربانا.
وما زالت الثورات المحلية تتعاتب إلى عهد قريب، ففي مقاطعة قسنطينة وحدها يسجل التاريخ ثورة قريبنا الشيخ سعد التباني في جبل "قديشة" احدى قمم الأطلس حيث منازل الأجداد، وثورة العامري، وثورة بوزيان، وثورة الزعاطشة، وثورة بني سليمان، وثورة عموشة، وفي عمالة وهران ثورة بو عمامة وثورة أولاد سيدي الشيخ البكريين بالأبيض وغيرهما، وفي الجزائر ثورة زاغر وثورة العاقلات وغيرهما، حتى ليحسب المؤرخ أن في كل قمة موقعًا لثورة، ولكن تلك الثورات لم تجاوز أخبارها مناطقها المحدودة وغطت عليها صبغة ذلك الوقت وهي الانقطاع التام بين غرب العرب وشرقهم، فلم يعرف عنها شيء ولم ترزق الأقلام المدونة فطاف عليها طائف النسيان حتى عند أحفاد الثائرين وأبنائهم وأنا واحد منهم، ولقد أدركت العجائز لا يؤرخن الزواج والمواليد والوفيات إلّا بتلك الثورات كما كان العرب يفعلون.
стр. 2103
أيها الأخوان:
إن الجزائر ثائرة بطبيعة وَرِثَتْها وَوَرَّثَتْها، ورثتها من أسلاف لهم في تاريخ الثورات عرق ممتد إلى عصور الجاهلية، والتقت عليه الطبيعتان العربية والبربرية، وورثتها من غاباتها الكثيفة الغبياء وجبالها الصخرية الشم، وأطلسها الذي هو نطاق الله شد به وسطها ووِشاحه وشح به سواحلها، وسلكه الذي نظمها به مع أختيها تونس ومراكش، لا بل آيته القائمة على أن تلك الأقطار دار واحدة لا تتجزأ ولا تقبل القسمة، فإذا حاول تفريقها محاول سفهته السواحل باتحاد أمواجها وصدمته الجبال بتناوح أثباجها، واشتباه فجاجها، وكذبته الصحارى بسرابها وسراجها ومراتع غزلانها ونعاجها، ومراعي أذوادها وأعراجها. ثم ورّثت تلك الطبيعة بَنِيها فكانت صلابة في طباعهم وحميا في أنوفهم وحمية في نفوسهم، وإباء في مغامزهم، ورهبة في سكونهم وسكوتهم.
إن السجايا الطبيعية كالحق تظهر من معنى ومن كلم، وإن عرب الجزائر- خصوصًا النابتين في مجالات بني هلال بن عامر- لعراقتهم في الثورة وتمكن الثورة من طباعهم، يستعملون كلمة الثورة بمعنى القيام المعتاد، فيقولون ثار من النوم وثار للصلاة بمعنى قام، ويقولون في الأمر "ثُورْ تْصَلّي" وثوروا للصلاة، وهكذا تدور هذه الكلمة على ألسنتهم مرّات عدّة في اليوم ويتصرفون فيها هذه التصرفات، وهم لا يجهلون معناها الأصلي المحدد بل هم يلمحون إليه ويجعلون الكلمة منبهة عليه، وكأنهم يرون أن أعمال الحياة كلها ثورات، وتلك هي الفلسفة الفطرية في أعمق معانيها، والكلمات إذا دارت على الألسنة ولو مع انحراف عن معناها الأصلي فإنها دائمًا تذكر به وتجعله متصلًا بالأذهان.
أيها الإخوان:
إن الجزائر ثارت على الحق في أولها فكيف لا تثور على الباطل في آخرها. ثارت على الإسلام وهو دين الحق، فمن عجب أن لا تثور على الاستعمار وهو الدين الباطل، فلما هداها الله للإسلام لجت بها تلك الطبيعة فكان يثور بعضها على بعضها استجابة لداعي تلك الجبلة فيها كما صورها العربي في قومه بقوله:
وأحيانًا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلّا أخانا
إن الجزائر قبل أن يلوح عليها بوم الشؤم من الاستعمار الفرنسي، ويبتليها بما قتل معنوياتها، وأضعف فيها روح الرجولة والبطولة والنبوغ والتأثر الصادق بالدين، كانت حلف الجهاد وعدو المهاد، فلم تخل يومًا في عصورها الإسلامية من الجهاد بالمال والنفس كما أمر الله، لأن الجارين المتقابلين على ضفتي البحر الأبيض كان كل واحد منهما بالمرصاد لصاحبه، وانتقل سبب الصراع بينهما من ميدان إلى ميدان، فبعد أن كان صراعًا على العيش
стр. 2104
أو التوسع في العيش، أو صراعًا على الزيت والتين- وهما المادتان اللتان جلبتا الغزو الروماني لافريقيا الشمالية- صار صراعًا على ذلك وعلى الدين، وزاد في شدته أن العرب بدينهم خلفوا الرومان على حضارتهم في افريقيا، ثم لمسوهم من جبل طارق تلك اللمسة المؤلمة التي تطيروا بها وطاروا فزعًا، وظنوا أنها القاضية على روما وحضارتها وديانتها وشرائعها.
ندع الفترة الرومانية الضعيفة التي سبقت الفتح الإسلامي، وبدأت من يوم انقسام روما إلى غربية وشرقية، فهي فترة سلم اضطراري بين سكان الضفتين، وننحدر مع التاريخ إلى ضعف الأندلس بانقسام ملوك الطوائف، وتداعي اللاتين إلى ايقاد نار الثأر والانتقام، وشن الغارات على سواحل المغارب الثلاثة من سواحل تونس الشرقية إلى ما تحميه الدول الإسلامية القوية كاللمتونيين والموحدين والمرينيين، فالجزائر كان لها القدح المعلى في الجهاد، تارة منظمًا على يد الدول وبطريقة الاستنفار، وتارة أخرى- وهو الدائم الذي لا ينقطع- اختياريًا بالدَّافِع النفساني الفردي وهو الرباط الذي يشبه في جهته الفردية حرب العصابات اليوم، فكانت الثغور الجزائرية المشهورة والمهجورة وما يجاورها، وكل موضع يتطرّق منه العدو عامرة أبدًا بالمرابطين، وهم قوم نذروا أنفسهم لله ولحماية دينه يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، لا يرزأون الحكومات شيئًا من سلاح وزاد، وإنما يتسلحون ويتزودون من مالهم ليجمعوا الحسنيين: الجهاد بالمال والنفس، وسلسلة الرباط لم تنقطع إلّا بعد استقرار الأمر لفرنسا، وإنما كانت تشتد وتخف تبعًا لما يبدو على الشاطىء الآخر من نشاط وخمود، وكانت على أشدها في المئة التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة، وكانت هذه السلسلة منتظمة في مراكش من الريف لسبتة والناظور ومليلية والتكور، ومن سواحل الجزائر للغزوات ورشغون وهنين وبني صاف والمرسى الكبير ووهران وأرزيو ومرسى الحجاج ومستغانم وتنس وشرشال وشنوة، وخليج تيبازة وسيدي فرج والجزائر وتمنتفوست ودلس وأزفون وتاقزيرت وبجاية والمنصورية وجيجل والقل وسكيكدة وعنابة والقالة، ومن تونس مرسى المرجان وبنزرت وغار الملح، والمرسى ورأس أدار وقليبية ونابل والحمامات والمعمورة والأجم وما بينهما، وسوسة وصفاقس وما بينهما، وقابس وجربة وما بينهما، وتقل في سواحل ليبيا لتوغل البحر في الجنوب، وكذلك في سواحل مصر إلّا حيث تدعو الحاجة.
أيها الإخوان:
إذا كانت الأشجار تسقى بالماء وتؤتي الثمار المختلفة فإن الثورة شجرة تسقى بالدماء فتثمر الحرية.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 2105
فرنسا وثورة الجزائر *
إذا كانت النتائج تنتزع من المقدمات فإن النصر محقق للثورة الجزائرية: هذا ما تحكم به العقول الراجحة، وتقتضيه أصول الاجتماع الإنساني وتؤيده العادات الجارية.
إنما نحن في عالم أسباب ومسببات تصطرع فيه سنن ثابتة لا تبديل فيها ولا تغيير، والثورة الجزائرية دائرة في هذا المدار من أول يوم، جارية على السنن التي يقتضيها التدافع البشري في الحياة، على مقدار من حالها وظروفها، واعداد ما يطلب مثله من مثلها، وهي تجبر نقصها في الاعداد الحسي الذي تقتضيه السنن باعداد روحاني له أثره في نتائج الصراع بين كل مجموعتين، وله وزنه في ترجيح كفة على كفة، وله قيمته في نصر العدد القليل على العدد الكثير، ذلك كله ثابت بشهادة الدين وشهادة الحس، فالقوّة المادية التي ساقتها فرنسا على المجاهدين الجزائريين في هذه الحرب تفوق قوّة الجزائريين أضعافًا مضاعفة، بل نسبة قوّة الجزائر إلى قوّة فرنسا هي نسبة الصفر ... وأين من لا يملك طائرة واحدة ممن يملك آلاف الطائرات، يزاد عليها وفرة العدد، واتصال المدد، ووفرة الأقوات، وكل ما يعرفه الناس من الأسلحة المعتادة، ولكن الجزائريين يملكون قوّة أخرى لا يملكها الفرنسيون: يملكون القوّة الروحية التي تفل كل سلاح، يملكون قوّة الإيمان الصحيح، وقوّة النفوس الطاهرة، وقوّة العزائم الثابتة، وقوّة التصميم الذي لا يطرقه الوهن، يملكون توحيد القصد وصدق التوجه، وشرف الغاية، بحيث لا يضل بهم فيها سبيل، ولا تختلف لهم فيها وسيلة، ولا يزيغ لهم رأي. ففرنسا تقاتل على باطل وهو الاستعمار، والمجاهدون يقاتلون على حق وهو عزة الحياة وكرامة العروبة ومجد الإسلام، وفرنسا تقاتل في سبيل استعباد الإنسان وامتهان كرامته، وهم يقاتلون في سبيل تحريره وإسعاده وعزته، فهل يستويان مثلًا؟