القانون الداخلي
لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين*
الفصل الأول: فيما يرجع إلى نظام الجمعية وإدارتها:
الأعمال الإدارية - واجبات الأعضاء الإداربين وحقوقهم - واجبات الأعضاء العاملين وحقوقهم.
ـ[المادة:١]ـ: الإسم الرسمي القانوني للجمعية هو "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، فيجب أن تُدعى به في الخطابات الخاصة والعامة، وفيما يكتب بشأنها في الصحف السيارة وأن يكون هذا الإسم طغراها في المحاضر والمراسم والمنشورات العامة التي تصدر باسمها، وفي المؤلفات التي يؤلفها أعضاؤها، أو تكون لها يد في تأليفها أو نشرها.
ـ[المادة:٢]ـ: للجمعية اجتماعان: إداري وعمومي. فالإداري يختصّ بأعضاء مجلس الإدارة وجوبًا، ويجوز لغيرهم من بقية الأعضاء العاملين حضور هذا الاجتماع اختياربًا، حسب منطوق المادة ... من القانون الأساسي. والعمومي يشمل كل عضو عامل دفع اشتراكه عن السنة السابقة للاجتماع.
ـ[المادة:٣]ـ: الإجتماع الإداري يقع لزومًا مرتين في السنة، عند نهاية كل ستّة أشهر قمرية، ويكون الاجتماع الثاني سابقًا للاجتماع العمومي متصلًا به، والاجتماع العمومي يقع في غرّة محرّم من كل سنة قمرية.
стр. 72
ـ[صورة الكراسة]ـ
стр. 73
ـ[المادة:٤]ـ: من حق الرئيس وحده استدعاء مجلس الإدارة لعقد اجتماع زائد على الاثنين إذا دعت الضرورة لذلك، بشرط أن يشرح للمجلس وجه تلك الضرورة، ولكون ذلك بموافقة ثلثي الأعضاء الإداريين بالكتابة.
ـ[المادة:٥]ـ: لا بدّ من الاستدعاء كتابةً لكل اجتماع، وإن كان وقته معلومًا، ويكون الاستدعاء قبل شهر ليوم الاجتماع، ويكون برسائل خاصة، والاستدعاء بجميع أنواعه من وظائف الكاتب العام، ولا يتوقف على إذن الرئيس إلّا في الاجتماعات الاستثنائية الزائدة على المقرر، وكل تقصير يقع في الاستدعاء ويؤدّي إلى خلل في نظام الجمعية فعهدته على الكاتب العام وحده.
ـ[المادة:٦]ـ: الجمعية شخص معنوي، مظهره المجلس الإداري المنفّذ، وقوة المجلس الإداري مستمدّة من الجمعية العمومية بواسطة الانتخاب، وهو ناطق باسمها وممثّل لها، وعليه فكل ما يسند في هذه اللائحة إلى الجمعية فالمراد المجلس الإداري.
ـ[المادة:٧]ـ: الغاية من اجتماع الجمعية العمومية في الموسم المقرر في المادة ... هي:
أ) توكيد التعارف بين طبقات هذه الطائفة.
ب) تقديم الاقتراحات النافعة للمجلس الإداري ليكون على بصيرة في أعماله المقبلة.
ج) الاستفادة من المذاكرات والمحاضرات.
د) استماع تقارير أعمال المجلس الإداري ومعرفة ما تمّ منها في السنة الماضية والإطلاع على تحضيراته للسنة المقبلة.
هـ) انتقاد ما هو قابل للانتقاد من تلك التحضيرات.
و) استماع تقارير المالية والإطلاع على مصارفها.
ز) انتخاب المجلس الإداري الجديد، إنْ كان الأول قد قضى مدّته.
ـ[المادة:٨]ـ: يرأس الجمعية العمومية رئيس المجلس الإداري وتبتدئ أعمالها على هذا الترتيب:
١ - افتتاح الرئيس.
٢ - تلاوة الكاتب العام للتقرير العام المبيّن في المادة ...
٣ - تلاوته لتحضيرات السنة المقبلة المبينة في المادة ...
٤ - عرض أمين المال لميزانية الموسم الماضي.
٥ - عرضه لميزانية العام الجديد.
٦ - المصادقة عليها من الجمعية العمومية.
٧ - استماع تقارير رؤساء الشُّعَب على الترتيب.
٨ - استماع اقتراحاتهم.
стр. 74
٩ - الاقتراحات العامة.
١٠ - الخطب الخاصة بالجمعية على ترتيبها في البرنامج.
١١ - المحاضرات العامة على ترتيبها في البرنامج.
١٢ - حفلة الختام.
فإن كان المجلس الإداري قد انقضت مدته، وكان من أعمال الجمعية العمومية انتخاب المجلس الجديد كانت عملية الانتخاب قبل حفلة الختام، وتكون حفلة الختام تحت إشراف المجلس الجديد.
ـ[المادة:٩]ـ: يحضر المجلس الإداري في اجتماعه الأخير المتصل بالاجتماع العمومي برنامجًا لترتيب أعمال الاجتماع العام وتقسيمها على الساعات والأيام.
ـ[المادة:١٠]ـ: يجب على كل من أراد أن يخطب أو يحاضر في الجمعية العمومية أن يكتب بذلك للمجلس الإداري قبل: جلسته الأخيرة بأسبوع، ويبيّن موضوع الخطبة أو المحاضرة تفصيلًا بإرسال نسخة منها أو بيان نقط الموضوع، ليضعها في مكانها من البرنامج ويعيّن لها حصّتها من الزمن.
ـ[المادة:١١]ـ: يفتح الرئيس جميع الجلسات بهذه الجملة: "بسم الله نفتتح الجلسة"، ولختمها بهذه الجملة: "والحمد لله ربّ العالمين".
ـ[المادة:١٢]ـ: لا يتكلّم أحد في الجمعية العمومية أو المجلس الإداري إلّا بإذن الرئيس، ولا يتجاوز الكلام في الاقتراح عشر دقائق، فإن كان الكلام إيرادًا أو ردًّا أو دفاعًا زيد إلى العشر دقائق.
ـ[المادة:١٣]ـ: الأفكار في المجلس الإداري والجمعية العمومية محترمة، والمقاطعة ممنوعة، والكلام مناوبة، فإذا هفا المتكلم بما يمسّ الدين، أو بما يمسّ شرف الجمعية في غير نقد، أو بما يمسّ شرف شخص في غير نصح ولا تذكير، فالإسكات من حقوق الرئيس.
ـ[المادة:١٤]ـ: طلب الكلام يكون برفع السبّابة اليمنى، والكلام في الاقتراحات يواجَه به الرئيس، وفي المعارضة يقابل به المعارض.
ـ[المادة:١٥]ـ: كل من عاقه عائق عن الحضور فعليه أن يكتب بعذره للرئيس، ويُعتبر المعتذر حاضرًا في تكميل النصاب لا في التصويت.
ـ[المادة:١٦]ـ: الجمعية العمومية لا تُعتبر منعقدة إلّا إذا حضرها ثلثا الأعضاء العاملين المقيدين في الديوان الدافعين لقيمة اشتراكهم، والمجلس الإداري لا تُعتبر مقرّراته قانونية نافذة إلّا إذا حضره ثلثا الأعضاء الإداريين.
стр. 75
ـ[المادة:١٧]ـ: يتألف المجلس الإداري من رئيس ونائبين، وكاتب عام ونائبين، وأمين مال ومساعدَيْن، وحافظ أوراق ومراقب، وسبعة مستشارين. والزيادة في عدد المستشارين من خصائص الجمعية العمومية، ولا يزيد عدد أعضاء المجلس الإداري على واحد وعشرين، وتسند وظيفة حافظ الأوراق إلى كاتب اللجنة الدائمة.
ـ[المادة:١٨]ـ: يحضّر المجلس الإداري في الجلسة الأولى من كل سنة برنامجًا إجماليًا بالأعمال التي يتناولها في تلك السنة على الترتيب، ويكتبه الكاتب في "ديوان الأعمال"، ويبدأ بالمفاوضة ثم التقرير ثم التنفيذ، وتسمّى الأعمال - مما دامت في دور المفاوضة - أعمالًا محضّرة، فإذا أقرّها المجلس الإداري سُمّيَت أعمالًا مقرّرة، فإذا نفّذها سُمّيت أعمالًا منفّذة، ولا يجوز للمجلس أن يخالف ترتيب البرنامج.
ـ[لمادة١٩]ـ: يجب أن يكون للمجلس الإداري أربعة دفاتر: واحد رسمي وثلاثة عادية، وعلى هذه الدفاتر يتوقف ضبط أعماله: الأول يثبت فيه الأعمال المحضّرة بمثابة مسودات ويسمّى ديوان الاقتراحات، والثاني يثبت فيه الأعمال المقرّرة ويسمّى ديوان المقرّرات، والثالث يرسم فيه أسماء الأعضاء، كل طبقة على حدة على هذا الترتيب: أعضاء الطبقة الأولى- أعضاء الطبقة الثانية- أعضاء الطبقة الثالثة- أعضاء مؤّيدون، والرابع تضبط فيه الحسابات المالية على الطريق المتعارف. وتجب المحافظة على هذه الدواوين كلها حتى ديوان الاقتراحات لأن ما لم يتقرّر اليوم قد يتقرّر مرّة أخرى، فيكون ذلك الديوان دستورًا للمجلس الإداري يرجع إليه عند اللزوم.
ـ[المادة:٢٠]ـ: يرسم ديوان الأعضاء على الصورة الآتية: يكتب على الصحيفة اليمنى اسم المشترك ولقبه ونسبه وطبقته، والمبلغ الذي يشترك أو يتبرّع به سنوًيا، وعنوانه مضبوطا بالقلمين العربي والفرنسي في أودية مفصولة بخطوط قائمة، ويترك ما بقي من الصحيفة اليسرى ليكتب فيه ما يحتاج إليه من الملاحظات.
ـ[المادة:٢١]ـ: يرسم الكاتب في دفتر الاقتراحات أسماء الحاضرين من الأعضاء الإداريين إن كان النصاب تامًا، ويذكر أسماء المتخلفين، ثم يرسم تاريخ الجلسة: يسمّي الساعة ونسبتها من اليوم، ويسمّي اليوم ونسبته من الشهرين العربي والإفرنجي، والسنتين كذلك، ثم يرسم الموضوع وافتتاح الرئيس، ثم يرسم جميع المفاوضات إيرادًا ونقضًا، ثم يرسم ما قرّ عليه القرار، وبرسم ساعة انفضاض الجلسة. فإن تقرر الموضوع نقله إلى دفتر المقررات ملخصًا مقتصرًا فيه على ما به الحاجة، ولا لزوم لنقل الآراء والإيرادات والاعتراضات.
ـ[المادة:٢٢]ـ: التقرير في الموضوع المختلف فيه يكون بأغلبية الأصوات، فإن تساوى الطرفان عددًا فالطرف الذي فيه الرئيس مرجح، والتصويت برفع الأيدي، وطلب التصويت من خصائص الرئيس ولا يلتجئ إليه إلّا إذا لم يكف الدليل ولا الإقناع في إرجاع المخالف.
стр. 76
ـ[المادة:٢٣]ـ: الأعضاء الإداريون متبرعون بأعمالهم، فلا يتقاضون من الجمعية شيئًا في مقابل العمل الإداري، ولا يعفون من دفع اشتراكاتهم، ولا تشمل هذه المادة من توظّفهم الجمعية في وظائف خاصة كالتعليم.
ـ[المادة:٢٤]ـ: انتخاب الجمعية العمومية للمجلس الإداري يكون على الكيفية الآتية: بعد نهاية الأعمال المتقدمة في المادة ... تنصّب الجمعية كبر الأعضاء سنًّا رئيسًا مؤقتًا، وكاتبًا من أصغرهم سنًا، ويقف رئيس المجلس المنحل فيعرض على الجمعية قائمة المجلس القديم ويطلب منها تجديد انتخابها، فإن قبلتها بالإجماع أو الأكثرية فذاك، وإلّا فيزيد فيها وينقص منها، وتتكرر العملية حتّى يحصل الوفاق، ولا يحضر الانتخابات إلّا الأعضاء العاملون المبيّنة أوصافهم في المادة ...، ولا يحضره الأعضاء المؤيّدون.
ـ[المادة:٢٥]ـ: إذا نقص عدد الأعضاء الإداريين لموت أو عذر يقبل معه الاستعفاء فلا يُعاد الانتخاب للكل ولا للبعض، إلا إذا نقص العدد على النصاب المقرر وهو ثلثا المجموع.
ـ[المادة:٢٦]ـ: لا يتساهل المجلس الإداري في قبول الاستعفاء من عضويته، ولا يقبل الاستعفاء إلا بعد مراجعة المستعفي وتحقق عذره، وقبول الاستعفاء من المقررات التي تتوقف على رأي أكثرية المجلس.
ـ[المادة:٢٧]ـ: رئيس المجلس الإداري هو الذي يمثل الجمعية أمام القضاء طالبة كانت أو مطلوبة، وعند جميع المراجع الرسمية كذلك، لكن لا يعتبر ناطقًا باسمها إلّا فيما يوافق منهاجها أو يجلب لها مصلحة، ولا يعتبر كلامه حجة عليها إلا إذا وافق عليه المجلس الإداري، وعليه فكل مقام يستلزم التروي والتثبّت يجب عليه أن لا يتكلم فيه إلا بعد استشارة المجلس الإداري.
ـ[المادة:٢٨]ـ: لا يجوز لأحد أن يردّ على ما يُكتب ضد الجمعية إلّا بعد الاستئذان من المجلس الإداري، ومن فعل بدون ذلك ولو في مصلحتها فالجمعية توليه ما تولّى ولا تكافئه ولو بكلمة شكر.
ـ[المادة:٢٩]ـ: لا يجوز لأحد أن يتكلم باسم الجمعية في ما يخالف خطتها أو يجر لها أذى، ومن فعل فالعهدة عليه وحده والجمعية بريئة منه.
ـ[المادة:٣٠]ـ: انتخاب الجمعية العمومية للمجلس الإداري توكيل شرعي نافذ، لا ينحل ولا يفسخ إلّا بانقضاء المدة المقررة.
ـ[المادة:٣١]ـ: تطبع الجمعية بطاقات صغيرة من المقوى على شكل أوراق التعريف، وتعطيها مجانًا للأعضاء الإداريين والأعضاء العاملين من الدرجات الثلاث وللأعضاء المؤيدين كشهادة بانتسابهم إليها، يمضيها الرئيس والكاتب العام ويوضع عليها ختم الجمعية، وتذكر فيها ميزاتهم.
стр. 77
ـ[المادة:٣٢]ـ: للأعضاء الإداريين حق المراقبة العامة على أصحاب الأعمال الخاصة من معلمين ومحصلين، لا في مناطقهم الخاصة فقط، بل في عموم القطر، ومن واجبهم أن يبدوا ملاحظاتهم في هذا الصدد في كل اجتماع إداري، فإن رأوا خللًا أو تقصيرًا في سير الأعمال والسكوت عنه يؤدي إلى نتائج سيئة فذلك من دواعي عقد الاجتماعات الاستثنائية، ليُبادِروا حسم الداء قبل إعضاله.
ـ[المادة:٣٣]ـ: كل اقتراح يُقدّم للجمعية من سائر الأعضاء- عاملين كانوا أو مؤيدين- يجب أن يكون مكتوبا وممضى باسم صاحبه، وعلى حافظ الأوراق أن يرتب الاقتراحات ويقدمها للمجلس الإداري، ويستثنى من اشتراط الكتابة الاقتراحات التي تلقى وقت انعقاد الجلسات فإن المشافهة فيها تكفي، وعلى الكاتب العام أن يكتبها في ديوان الاقتراحات.
ـ[المادة:٣٤]ـ: إذا اقتضى الحال أن تكون الجلسة سريّة أمر الرئيس كل من في قاعة الاجتماع بالخروج، ولا يبقى إلّا الأعضاء الإداريون، ويسوغ لكل عضو إداري أن يطلب سرية الجلسة إذا كان هناك مقتضى، وللرئيس وحده أن يُحضِر في الجلسات السرّية مَن في حضوره مصلحة.
ـ[المادة:٣٥]ـ: تؤسّس الجمعية مراكز فرعية تسمىّ شُعَبًا في كل بلدة من بلدان القطر، وتقوم كل شُعبة على رئيس وكاتب وأمين مال وأعضاء مستشارين لا ينقص عددهم على خمسة ولا يزيد على عشرين.
ـ[المادة:٣٦]ـ: تسمى عاصمة الجزائر بالنسبة للجمعية مركزًا عامًا، وتُسمىّ الشُّعَب مراكز فرعية.
ـ[المادة:٣٧]ـ: أعمال هذه الشُّعَب إدارية محضة تأتمر فيها بأوامر الجمعية، ولا حق لها في التقرير مباشرة، وشأنها في الأمور العملية الوقوف عند حدّ الإرشاد والتنبيه، ووظيفتها تنحصر فيما يأتي:
- تقييد المشتركين التابعين للشُّعبة وتُرسل القوائم إلى المجلس الإداري.
- موافاة المشتركين المجلس الإداري بتقارير وافية على أكثر البدع فُشوًّا في ناحيتهم، ليسعى في محاربتها بإرشاد الشعبة.
- إعانته على تأسيس ما يؤسسه من المكاتب القرآنية في نواحيهم.
- إرشاد المجلس الإداري إلى كيفية تنفيذ مقاصده في تلك الناحية.
- تقوية الثقة بالجمعية في نفوس العامة وتحسين سمعتها عندهم.
ـ[المادة:٣٨]ـ: رئيس الشعبة هو وحده المسؤول أمام المجلس الإداري في كل ما يُعدّ من أعمال الجمعية، ويتفرّع على هذا أنه هو القابض لمال الجمعية، فيجب أن يمضي الوصولات بخطه وأن لا يترك مال الجمعية عنده أكثر من أسبوع.
стр. 78
ـ[المادة:٣٩]ـ: من واجبات رؤساء الشُّعب وكتّابها وأمناء ماليتها أن يكتبوا كل ما تقتضيه وظيفتهم المفصّلة في المادة السابقة في ديوان خاص يحتفظون به، وينقلون منه محاضر يمضيها الرئيس والكاتب وأمين المال يرسلونها إلى المجلس الإداري قبل خمسة عشر يومًا لانعقاده.
ـ[المادة:٤٠]ـ: الاجتماعات في الشُّعَب موكولة إلى اختيار رؤسائها بشرط أن يرسلوا تقاريرهم في الأجل المبين في المادة السابقة.
ـ[المادة:٤١]ـ: يسوغ للأعضاء الإداريين أن يكونوا رؤساء شُعَب في المناطق التي ينتسبون إليها.
ـ[المادة:٤٢]ـ: العضو العامل هو كل عالم مسلم محصّل لعلمه باللغة العربية، جزائري الموطن، وكل متعلم بالشروط المذكورة وإن لم يصل إلى درجة العالميّة، وكل شاب حافظ للقرآن بالشروط المذكورة، ساع في التعلّم راغب فيه، فهذه ثلاث طبقات.
والعضو الإداري هو كل عالم مسلم محصّل لعلمه باللغة العربية، جزائري الموطن، مقتدر على القيام بالأعمال الإدارية، ذو مواهب تؤهّله للخدمة العامة، معروف بالاستقامة والإخلاص للعلم، سواء كان تعلّمه في القطر الجزائري أو خارجه، وسواء كانت شهادته العلمية رسمية أو عرفية.
ـ[المادة:٤٣]ـ: دخول الطبقات الثلاث في الجمعية واجب أدبي يتحاض عليه جميع أفراد تلك الطبقات ويتواصون به، ولكن لا يتحقق ذلك الدخول ويعتبر قانونيا إلّا بطلب كتابي اختياري، ولا يُعتبر الطلب إلّا إذا كان مصحوبا بدفع قيمة الاشتراك السنوي وتقييد اسمه في الديوان المعدّ لأسماء الأعضاء العاملين، ولا يحصل الطالب على لقب عضو عامل في جمعية العلماء إلّا بعد وضع اسمه في الديوان.
ـ[المادة:٤٤]ـ: يترقّى الأعضاء العاملون من الدرجة الثالثة إلى الثانية بالتقدم في العلم وزيادة التحصيل وبالاجتهاد والمثابرة، ويترقى أعضاء الدرجة الثانية إلى الأولى بظهور أثر كتاب نافع أو القيام بمحاضرات نافعة أو بتعليم منتج أو بالتحصيل على شهادة رسمية من أحد المعاهد الإسلامية. وحق الترقية من خصائص المجلس الإداري وهو يستمدّ معلوماته في هذا الشأن من تقارير رؤساء الشُّعَب.
ـ[المادة:٤٥]ـ: يتساوى الأعضاء العاملون من جميع الطبقات في واجب مادّي وهو دفع الاشتراك المقرّر، وفي واجب أدبي وهو الإخلاص للجمعية، ويتساوون مع ذلك في حق وهو انتخاب المجلس الإداري وفي واجب وهو واجب المراقبة والنقد. ويمتاز أعضاء الدرجة الأولى بحق وهو الترشيح للعضوية الإدارية، وبواجب وهو تنفيذ أغراض الجمعية ومقاصدها.
стр. 79
ـ[المادة:٤٦]ـ: من واجبات كل عضو أن يخلص للجمعية، وآية الإخلاص أن يذيع سمعتها في الأوساط العامية ويقوم بالدعاية لها والتنويه بها والإشادة بذكرها، ولا يدخر وسعًا في تعزيز جانبها.
ـ[المادة:٤٧]ـ: من واجبات كاتب الجلسة أن يقرأ بإذن الرئيس في افتتاح كل جلسة كل الاقتراحات التي وقعت في الجلسة الماضية ولم يفصل فيها بإلغاء ولا تقرير، ولا لزوم لقراءة ما ألغي ولا ما قرر منها.
ـ[المادة:٤٨]ـ: من واجبات الكاتب أن يقرأ على الجمعية العمومية مقررات السنة الماضية ومنفذاتها بقصد الإعلام والإبلاغ، ولا حق للجمعية في معارضة شيء مما قرر ونفّذ.
ـ[المادة:٤٩]ـ: من واجبات أمين المال أن يقرأ على الجمعية العمومية ميزان السنة الماضية بالتفصيل بعد أن يقرّرها المجلس الإداري بقصد الإعلام والإبلاغ، ولا حق لها في معارضة ما قرّر، ومن واجباته أن يقرأ عليهم الاعتمادات التي يلزم صرفها للسنة المقبلة، ولهم الحق في إبداء الملاحظات الفردية، ومن وظيفة الكاتب أن يدوّنها إذا كانت سديدة.
ـ[المادة:٥٠]ـ: من واجبات المراقب العام أن يقف بنفسه على تنفيذ ما يقرر المجلس الإداري تنفيذه من الأعمال على الوجه الذي يريده مع الحزم والتدقيق في التنفيذ، وعليه أن يرحل إلى الآفاق لذلك، ونفقاته اللازمة في التنقلات من صندوق الجمعية على التفصيل الآتي في فصل المالية.
ـ[المادة:٥١]ـ: من واجبات حافظ الأوراق أن يرتّب الملفات والوثائق، وبجمع قصاصات من كل ما يُكتب في شأن الجمعية في الصحف والمجلات العربية والفرنسية، بعد أن يكتب على تلك القصاصات بالحمرة تاريخ تلك الجريدة وعددها واسمها.
ـ[المادة:٥٢]ـ: من واجبات الكاتب العام أن ينشر جميع مقررات المجلس في الصحف العربية لزومًا وفي الفرنسية إن اقتضى الحال ذلك، بإمضائه في مدّة لا تتجاوز خمسة عشر يومًا من تاريخ انفضاض الاجتماع، ولا حجّة على الجمعية في كل ما يترجم على أنه من أعمالها ومقرراتها إلّا إذا كان بقلم كاتبها أو بأمره وتحت مسؤوليته.
ـ[المادة:٥٣]ـ: من أعمال المجلس الإداري وضع ملفات لكل موظفيه من معلّمين ومحصلين تُدوّن فيها أطوارهم وسيرهم.
ـ[المادة:٥٤]ـ: كل ما وقع في هذه اللائحة من الأسماء الدالّة على مدلولات خاصة كالشّعْبة والطبقة والمركز والديوان فهي أسماء رسمية واصطلاحات خاصة مقصودة يجب استعمالها في كل ما تكتبه الجمعية أو يكتب لها، ولا يجوز تبديلها بما يرادفها.
стр. 80
الفصل الثاني: لجنة العمل الدائمة:
ـ[المادة:٥٥]ـ: حدّد القانون الأساسي وظيفة هذه اللجنة وبيّنها أوضح تبيين، فأعمالها إنما هي أعمال ترتيب وتحضير لشيء موجود، فلا يلزمها وضع ديوان خاص ولا إدارة خصوصية، بل إدارة المجلس الإداري هي إدارتها.
ـ[المادة:٥٦]ـ: اللجنة الدائمة وكيلة عن المجلس الإداري في دائرة محدودة، وكاتبها هو حافظ أوراق الجمعية، وعليه فهي مسؤولة أمام المجلس الإداري عن أداء تلك الوظيفة، وكاتبها مسؤول وحده في خصوص وظيفته.
ـ[المادة:٥٧]ـ: اللجنة الدائمة في الجزائر العاصمة وأرباضها تُغني عن شُعْبة فرعية فيها، فلها وظيفتان: وظيفتها الأصلية التي أسست لأجها، ووظيفة شعبة فرعية، ومن هذه الجهة الثانية يجب أن توضع في قائمة الشّعَب، وتقوم بالأعمال التي تقوم بها الشعَب على التفصيل المتقدم في المواد...... من الفصل الأول.
ـ[المادة:٥٨]ـ: اللجنة الدائمة لا تعتبر منحلّة أو مستغنى عنها إلّا إذا اتفقت إقامة أربعة من أعضاء المجلس الإداري بمدينة الجزائر على الدوام، وهم الرئيس أو أحد نائبيه، والكاتب العام أو أحد نائبيه، وأمين المال أو أحد مساعديه، وعضو مستشار.
ـ[المادة:٥٩]ـ: تعيين اللجنة الدائمة تابع لانتخاب المجلس الإداري، ومدّتها تابع لمدته، وأسماء أعضائها توضع في قائمة المترشحين للعضوية الإدارية ولكن بعنوان "اللجنة الدائمة" وانتخاب الجمعية العمومية لهيأة المجلس تستلزم تعيين هذه اللجنة بالشروط المذكورة في القانون الأساسي، وكلما نقص منها عضو فمن حق المجلس الإداري تعيين آخر بدله بعد استشارته للأعضاء الباقين من اللجنة.
ـ[المادة:٦٠]ـ: يحسن حضور أعضاء اللجنة الدائمة في كل اجتماع إداري- ما عدا الجلسات السرّيّة- ليطلعوا على المباحثات مباشرة وليكونوا على بصيرة من أعمالهم، وقد يكون حضور الرئيس والكاتب لازمًا.
ـ[المادة:٦١]ـ: أعضاء اللجنة الدائمة متبرعون بأعمالهم كالأعضاء الإداريين.
ـ[المادة:٦٢]ـ: إذا اضطرت اللجنة الدائمة إلى مخاطبة أحد الأعضاء الإداريين كالكاتب العام أو أمين المال فيما يتعلق بوظيفتيهما فلا يسوغ لها أن تخاطبه رأسًا، بل يجب عليها أن تخاطب رئيس المجلس الإداري وهو يحول الخطاب إلى صاحبه بعد أن يمضيه ويلاحظ عليه، وذلك ليكون للرئاسة معناها وهو الإطلاع على كل ما يجري في الجمعية.
ـ[المادة:٦٣]ـ: وإذا اضطر أحد الأعضاء الإداريين إلى مخاطبة اللجنة الدائمة فلا يخاطبها رأسًا بل يجب عليه أن يخاطبها بواسطة الرئيس وهو يحوّل الخطاب إليها بعد إمضائه.
стр. 81
الفصل الثالث: مقاصد الجمعية وغاياتها وأعمالها:
قواعد عامة - المقاصد الأولى - المقاصد الثانوية - الأعمال التطبيقية - كيفية تنفيذها - وسائل التنفيذ.
ـ[المادة:٦٤]ـ: تجري الجمعية في جميع أعمالها الآتية على أربع قواعد: تقديم الأهم على المهم - ما لا يدرك كله لا يترك كله - درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة - قليل العمل خير من كثير القول.
وتجري في الديني منها خاصّة على الرجوع إلى صريح الكتاب وصحيح السنّة، ثم الرجوع إلى الإجماع الثابت والقياس الجلي فيما لا نصّ فيه، ثم الترجيح فيما اختلفت فيه الأنظار والاجتهادات.
وتجري في الاجتماعي منها خاصّة على قواعد: ما كل قديم ينبذ ولا كل جديد يؤخذ، وأن مستقبل الأمة إنما يُبنى على ماضيها، وأنه لا تنافي بين الإسلام والمدنية الصحيحة بل هو روحها وخلاصتها إذا أقيم على وجهه الصحيح، وأن نواميس الكون هي سنن الله فيه، وأن الأخذ بأسباب الحياة هو تحقيق لحكمة الله في تلك السنن، وأن تجديد الأمة الجزائرية إنما هو في غير ما هي به مسلمة وفي غير ما هي به عربية.
وتجري في الدعوة إلى الله على قدم سيد الدعاة ﷺ المنزّل عليه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
وتجري في حجاجها ومناظراتها على الاستدلال البرهاني ثم الإقناعي ثم الخطابي، وتعدل عن الشعريات والسوفسطائيات، كما تعدل عن المواربة إلى الصراحة وعن اللجاجة إلى الإنصاف من نفسها.
وتجري في توزيع الأعمال والوظائف على اعتبار الكفاءة والأهلية. وتجري في وزن الرجال وأقدارهم على اعتبار أعمالهم لا على تقدم أعمارهم.
ـ[المادة:٦٥]ـ: أول مقاصد الجمعية طائفة العلماء والطلبة باستعمال كل الوسائل لحملهم على التخلق بالأخلاق الإسلامية، وتذكيرهم بما غفلوا عنه وأهملوه من الأخوة الدينية والأخوة العلمية وما تقتضيانه من واجبات وحقوق، وحملهم على الاتحاد والتعاضد ونبذ الشقاق والتقاطع حتى يكونوا مظهرًا للفضائل الإسلامية، عاملين بالحق هُداة به دُعاة إليه، فهم من الأمة بمنزلة القلب من الجسد: تصلح إذا صلحوا وتفسد إذا فسدوا.
ـ[المادة:٦٦]ـ: الأمة الجزائرية أمّة إسلامية عريقة في إسلامها، فالإسلام هو دينها الذي تفاخر به وميراثها الخالد، والعربية لغة كتابها ومستودع آدابها وحكمتها، فالجمعية تريد أن ترجع بهذه الأمة- من طريق الإرشاد- إلى هداية الكتاب والسنّة وسيرة السلف الصالح لتكون ماشية في رقيّها الروحي على شعاع تلك الهداية.
стр. 82
ـ[المادة:٦٧]ـ: تتذرع الجمعية بكل الذرائع لإحياء فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجههما الديني، ومن الوسائل التي تستخدمها لهذه الغاية:
أولًا: تأليف لجان مؤقّتة بحسب ما يسعه الجهد، ولو من العوام المتدينين، يقومون بالدعوة اللسانية لترويج هاتين الفريضتين.
ثانيًا: تحقيقها بالفعل بين أعضاء الجمعية فتأخذ في شرطها عليهم أن لا يفترق اثنان منهم من اجتماع إلّا عن تآمر بمعروف وتناهٍ عن منكر، وتواص بالحق وتواص بالصبر.
ثالثًا: الإيعاز إلى الصحف أن تكتب هاتين الجملتين بحروف كبيرة، مجردة أو مقرونة بجمل تقتضي التآمر والتناهي والتواصي، وللكتّاب أن يتعاهدوا هذا الموضوع بالكتابة فيه.
رابعًا: الإيعاز للمدرّسين أن يطرقوا هذا الموضوع في دروسهم، وللمفسّرين منهم أن يفسروا الآيات الكثيرة الواردة في هذا الموضوع ويبيّنوا آثار ترك هاتين الفريضتين في الأمة.
خامسًا: الإيعاز إلى شعراء الملحون أن ينظموا قصائد ومقاطيع تتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وتسعى الجمعية في نشرها بين العامّة وترغيبهم في حفظها.
سادسًا: طبع كراريس تجمع الآيات الواردة في هذا المعنى والأحاديث الصحيحة وأقوال الحكماء من الشعراء ونشرها بين الناس مجّانًا.
سابعًا: الإيعاز إلى مَن فيه الأهلية من خطباء المساجد أن يتناولوا هذه المواضيع في خطبهم.
ثامنًا: ومن أهم وسائل الجمعية لنيل غايتها تسمية مَن فيه الكفاءة من أعضائها وُعّاظًا مرشدين لترسلهم على نفقتها إلى نواحي القطر، وتنظم لذلك رحلات تراعى فيها عدّة اعتبارات: أن تلقى المحاضرات بلغة عامية أو قريبة من العامية، وأن يكون المحاضر المتجول مبشّرًا لا منفرًا، وأن لا يخرج في أحاديثه الخاصة والعامة على منهاج الجمعية، وأن يكون ملمًّا بالدخائل النفسية لسكان تلك الناحية حتى يعرف من أين يأتيهم، وأن يكون ممثلًا للجمعية بقوله وفعله وحاله، ومن الكمال أن يكون لكل مرسَل علاقة شخصية بالناحية التي يُرسل إليها أو ذكر شائع أو سمعة حسنة، وتنظيم هذه الرحلات وتحديد المواضيع التي يقع فيها الكلام وتحديد أوقاتها من خصائص المجلس الإداري.
ـ[المادة:٦٨]ـ: بهذه الوسائل نفسها تتوسّل الجمعية لإماتة البدع والخرافات المخالفة للدين، ولإحياء السنن الصحيحة الثابتة، ولمقاومة المحرمات الضارة كالخمر والميسر والزنا والسرقة، وقتل النفس، والتزوّج في العدة، وعضل البنات، وكل أموال اليتامى، والرشوة، وحرمان النساء من الميراث، وحبس المطلقات عن التزوّج، والإسراف في
غير الخير، والعوائد الفاشية في المآتم والأعراس، والكذب والغيبة والنميمة، وتعويد اللسان على الطلاق واليمين. ولإقامة الفرائض المتروكة كالصلاة والصوم والزكاة.
стр. 83
ـ[المادة:٦٩]ـ: تدرس الجمعية أحوال المجتمع الجزائري من جميع جهاتها الدينية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، وتعهد إلى مَن فيه الكفاءة من أعضائها- واحدًا أو أكثر- بوضع برنامج واسع مفصّل وافٍ ببيان أصول العلل وكيفية معالجتها على وجه تألفه نفس الجزائري، فلا ينفع الدواء إلّا إذا عُرفت حقيقة الداء، ولا تُعرف حقيقة الداء إلّا بمعرفة أسبابه ومناشئه، والحكيم من عالج المرض بإزالة أسبابه، ومن واجبات الواعظ أن يعظ الناس على قدر استعدادهم، ومعرفة ذلك الاستعداد متوقف على تفهّم نفسية الأمة، فإذا فهم العالم نفسية الأمة عرف كيف يقودها إلى الخير وعرف أي طريق تؤخذ منه. وهذا نموذج يمهّد السبيل أمام واضعي البرنامج:
نبدأ بإصلاح العقيدة مثلًا. والعقيدة الحقّة لها ميزان دقيق وهو الكتاب والسنّة، فإذا عرضنا كثر عقائد الناس على ذلك الميزان وجدناها طائشة، فأي سبيل نسلكه لتقويمها، إن اقتصرنا على بيان العقيدة الصحيحة واجتهدنا في إقامة الأدلّة، فإن التأثير يكون قليلًا لأن النفوس قد اصطبغت بعوائد وتقاليد مستحكمة، والفِطر قد فسدت بما لابَسَها من خرافات وأوهام. فالواجب إذن أن نبدأ بمحاربة تلك البدع والخرافات بطرق حكيمة تقرب من أذواق الناس، فإذا ماتت البدع والخرافات وصَفَت الفِطر من ذلك الشوب سَهُلَ تلقين العقيدة الصحيحة وتلقّتها النفوس بالقبول.
ـ[المادة:٧٠]ـ: يبتدئ البرنامج ببيان الأسباب التي أدّت بالناس إلى الإعراض عن الكتاب والسنّة وأبعدتهم عن هدايتهما، ثم ببيان ما يلزم سلوكه لإرجاعهم إلى تلك الهداية، ثم يبيّن الأقسام الأربعة التي انبنى عليها الإسلام وهي: العقائد، والعبادات العملية، والمعاملات، والأخلاق. ويبيّن نصيب الأمة الجزائرية من كل واحد منها، ويبيّن أثر الدين في الاجتماع.
ـ[المادة:٧١]ـ: تضع الجمعية خريطة للقطر الجزائري تبيّن فيها مناطق العمل، وتُتبعها بفهارس تبيّن فيها خصائص كل منطقة وما يغلب على أهلها من أخلاق صالحة أو فاسدة، ودرجة استعدادهم للخير والشرّ وأسباب ذلك، وما يكثر في كل منطقة من البدع والتقاليد الموروثة، وأثر تلك التقاليد في مجتمعهم الخاص. فإذا أنجزت الجمعية هذا العمل تكون قد مهّدت الطريق لنفسها وأنارت السبيل، وربحت من الوقت في المستقبل أضعاف ما تضيعه في وضع هذه الخريطة وملحقاتها، وأمنت على أعمالها أن تسير على غير منهاج وعلى أوقاتها أن تضيع عبثًا وعلى أموالها أن تنفق في غير مفيد.
ـ[المادة:٧٢]ـ: ظهرت في السنين الأخيرة حركة مباركة في هذا القطر تجلّت في شيئين: تأسيس جمعيات التعليم والبرّ والإحسان، وتأسيس المساجد في المدن والقرى. فدلت هذه الحركة على تطوّر فكري في الأوساط العامية متّجه إلى الدين، وقد تكون هذه الحركة من الإرهاصات السابقة لوجود جمعية العلماء. فمن واجب الجمعية أن تغتنم هذه الفرصة وتعمل
стр. 84
لتنشيط تلك الحركة أولًا والأخذ بيدها ثانيًا، وتدريجها في مدارج الكمال حتى تنقلها من حسن إلى أحسن ثالثًا.
وللجمعية في الوصول إلى هذه الغاية أن تتقرّب من تلك الجمعيات بالهداية والإرشاد حتى يصبح أعضاؤها والقائمون بها من أعضاء جمعية العلماء عملًا وتأييدًا- وهم أحق بها وأهلها- ثم تنظر في وجوه البر التي كانت تؤديها فتوجهها إلى ما هو داخل دخولًا أوليًا في مقاصد الجمعيات وهو التربية والتعليم، ولا يمضي زمن حتى تصبح تلك الجمعيات منابع تربية وثقافة. وهذه الجمعيات قوات موزّعة وقد أفادت المجتمع وهي متفرقة، فكيف بها إذا اجتمعت؟ وقد أفادت في خدمة الأبدان، فكيف بها إذا توفرت على خدمة الأرواح؟ وعلى الجمعية أن تسعى في تعمير هذه المساجد الجديدة وتصييرها معاهد علمية يقوم مدرّسوها وخطباؤها بتنفيذ مقاصد الجمعية على أحسن الوجوه، وإذا سارت الجمعية في هذا السبيل سيرًا موفقًا رشيدًا فلا يمضي قليل زمن حتى تمحى البدع والمنكرات.
ـ[المادة:٧٣]ـ: كانت الحركة التي ذكرناها سببًا في ظاهرة جديدة وعاطفة شريفة ماتت من صدور المسلمين الجزائريين منذ أحقاب، وهي وقف الأملاك على المساجد والمدارس وكل المشاريع الخيرية، فكثيرًا ما سمعنا بعد ظهور الحركة الأولى ما يشف عن رغبتهم في إحياء هذا النوع من المبرّات، فعلى الجمعية أن تشجع هذه العاطفة الشريفة وتنظرها بعين الروية والاهتمام، وإذا كان في القانون الدولي (١) تشريع يقتضي حفظ هذه الأوقاف فإن الأغنياء ينشطون لإشراك الفقراء فيما آتاهم الله.
ـ[المادة:٧٤]ـ: تُعنى الجمعية بترغيب أعضائها العاملين في اقتناء الكتب النافعة كأمهات التفسير والحديث وفقهه واللغة والأدب والأخلاق والتصوّف العملي والتاريخ، وترشدهم إلى أعيانها وتُرغبهم في المطالعة، والغرض من ذلك هو تنمية ملكة الاستحضار والوصول منها إلى العلم الاستدلالي.
ـ[المادة:٧٥]ـ: تعنى الجمعية وتوصي كل مَن فيه الكفاءة بإحياء دروس الحديث من كتبه الصحيحة والتاريخ ومتون اللغة والأدب وعلم الأخلاق والأصول، ومن حقّها تعيين الكتب وأسلوب التدريس على التفصيل المقرّر في البرنامج التعليمي الملحق بهذه اللائحة.
ـ[المادة:٧٦]ـ: سينفتح أمام الجمعية- في زمن قريب أو بعيد- أبواب من العمل لم تكن لها في حساب، فمن الحكمة والحزم أن تحتاط للأمر قبل وقوعه، وما ذلك إلا بإعداد طائفة من الناشئة وتلقينهم أساليب الإدارة نظرًا وعملًا لتجدهم في يوم من الأيام عونًا لها في إدارة المؤسسات من مكاتب وملاجئ ومحميات، ومن المسلّم أن هذا النوع من النظم الاجتماعية
стр. 85
وهو الإدارة ينقصنا جدًا، وإذا سهل على الجمعية أن تجد معلّمين نظاميّين لمكاتبها القرآنية فإنه لا يسهل عليها أن تجد مديرًا لمكتب جامعًا للشروط.
وتحقيقًا لهذه الغاية فالجمعية تستدعي الشبّان النابهين الذين يرون في أنفسهم حافزًا للقيام بالأعمال الاجتماعية أن يحضروا في جميع جلساتها ويشاهدوا أساليب العمل. وتعدّ ذلك خطوة أولى تخطوها لتحقيق هذا الغرض.
ـ[المادة:٧٧]ـ: تسعى الجمعية في تكثير عدد المكاتب القرآنية على التدريج في أهم مراكز القطر، ويحتوي برنامجها على تعليم الخط العربي والنحو والصرف وحفظ القرآن مع تفهيم مفرداته وضروريات الدين والأخلاق الإسلامية، وتختار من كتب التعليم أقربها للإفادة، وتأخذ الأساتذة بتنفيذ ذلك البرنامج على وجه الدقّة.
ـ[المادة:٧٨]ـ: تعهد الجمعية إلى جماعة من العلماء المستقلين في علم الدين- تسميهم لجنة الإفتاء- ليكتبوا في المسائل التي عمّت فيها البلوى وكثر فيها خلاف الناس، وكانت مثار نزل مستمرّ وجدال مستمر بين الأمة حتى دخل في المعمعة مَن يحسن الكلام ومن لا يحسنه، مثل مسائل الربا والمزارعة والقراض والأوراق المالية، والروائح واللحوم والشحوم الأجنبية، وطعام الكتابي والمطالبة بالأرش على الضرر الأدبي، والتقليد في رؤية الهلال وغير ذلك، وتكون الكتابة على أسلوب البحث والاستدلال ونقد الأدلّة، ثم يبيّنوا للناس حكم الشريعة في هذه المسائل بعد فحص الجمعية لها لإجازتها، وتنشر تلك الكتابات باسم الجمعية حتى تكون فصلًا في محلّ النزاع.
ـ[المادة:٧٩]ـ: من الحاجيات للجمعية أن تكون لها مجلة تنشر محاضراتها ومقالاتها العلمية، وحيث أنها في طور التأسيس فهي تعدّ مجلّة "الشهاب" مجلتها، وعليه فهي تعهد إلى طائفة من كتابها أن يكتب كل واحد في الفرع الذي يتقنه من فروع العلم النافعة على طريقة البحث العلمي.
ـ[المادة:٨٠]ـ: تحارب الجمعية داء الأميّة بكل ما تملك من قوة، ومن وسائل هذه الغاية أن تعنى بتعليم ما تستطيع من اليتامى الذين عدموا الكافل، ولا تقتصر على تعليمهم الصناعة بل تتجاوز بهم إلى التعليم الصناعي ليدخلوا الحياة مسلحين بآلة من آلات الكسب.
ـ[المادة:٨١]ـ: من غايات الجمعية النبيلة تأسيس كلية دينية عربية بمدينة الجزائر، تدرّس فيها علوم الدين من وسائل ومقاصد، والغاية الكبرى من هذه الكلية هي تقريب العلوم التي يهاجر أبناء الوطن لتحصيلها في الأقطار الأخرى.
ـ[المادة:٨٢]ـ: لا تتشاغل الجمعية بالمناقشات الفارغة والسفاسف التي ليس فيها ثمرة عملية، وتحثّ كل منتسب إليها متعهد سلوك سبيلها أن لا يشغل نفسه ويضيع وقته في تلك الصغائر
стр. 86
ـ[صورة الكراسة]ـ
стр. 87
والمحقرات ولغو الحديث، فالحياة أشرف من أن يكون من وظائفها اللّغو واللعب واللهو، ومن صفات المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾، وكفى بهذا أدبًا تأخذ به الجمعية نفسها.
ـ[المادة:٨٣]ـ: قد يكون في هذه الأمة مَن لا يروق له مشرب الجمعية أو لا يرى رأيها فيما تقرره من الأعمال، فإن كان منشأ ذلك سوء الفهم فالجمعية تسلك مع هذه الطائفة سبيل الإفهام والإقناع، وسيئ الفهم قد يحسن فهمه، وإن كان منشأ ذلك سوء القصد فالجمعية تسكت عنهم لأن سيئ القصد لا يحسن قصده إلّا بتوفيق من الله، وإذا أمنت الجمعية أن تخطئ في نفسها فلا يضيرها أن يخطئ الناس فيها.
وقد يوجد في هذه الأمة من يناصبها العداء، وواجبها نحو هؤلاء السكوت وتوكيلهم إلى الله، وحسبها ردا عليهم أعمالها، إلّا إذا وصل العداء إلى درجة إفسادها أو إفساد أعمالها، فيجب عليها أن تدفع بالتي هي أحسن.
ـ[المادة:٨٤]ـ: بعد التأسيسات الأولية يجب أن يكون للجمعية جريدة تنطق باسمها وتعبر عن مقاصدها، وحيث أن الوقت لا يسمح بذلك فهي تنشر في الصحف الوطنية العربية قراراتها ومناشيرها.
ـ[المادة:٨٥]ـ: يتداعى أعضاء المجلس الإداري بكلمة الأخ فلان لا غير، ويتداعون فيما يكتبون لبعضهم بكلمة الشيخ فلان، وُيعرضون عن ذلك الأدب السخيف المبني على كثرة الألقاب.
الفصل الرابع: في مالية الجمعية:
مقادير الاشتراك - التبرعات - كيفية جمع المال - كيفية حفظه واستثماره - في ماذا يُصرف.
ـ[المادة:٨٦]ـ: مقدار الاشتراك حدّده القانون الأساسي بعشر فرنكات سنويا للأعضاء العاملين، وبخمسة وعشرين فرنكًا إلى خمسمائة فرنك سنويًا للأعضاء المؤيدين، وهذا إنما هو تحديد لأقلّ الواجب، وما زاد على قدر الاشتراك فهو داخل في باب التبرّع، وباب التبرع مفتوح ومبناه على التطوّع والاختيار وطيب النفس، والجمعية في هذا السبيل لا تخرج على المناهج الإسلامية والآداب المحمدية في الترغيب في الصدقات وبيان ما أعد الله للمصدّقين والمصدقات، وأن بذل المال في المشاريع النافعة من آيات الإيمان، وأن إنفاق العفو من المال يشيّد خالد الأعمال.
ـ[المادة:٨٧]ـ: التبرعات قسمان: ناجزة وهي ما يدفعه المحسنون مرّة واحدة، ودورّية وهي ما يلتزم به...
ـ[هنا ينتهي الكرّاس المخطوط في ورقته ٥٥]ـ
стр. 88
إفتتاح مسجد سطيف*
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كانت فكرة تأسيس مسجد بهذا الربض من هذه المدينة هجستْ في نفوس بعض المصلحين ممن يريدون الخير لهذه البلدة، وأوّل خاطر تولدتْ عليه الفكرة في نفوسهم هو أنهم كانوا يقلبون وجوه الرأي في أي الوسائل أفعل وأي الطرق أقرب لمحاربة هذه الآفات المبيدة وهذه الجوائح المتلفة التي نسميها الخمر والقمار والفجور وأصولها وفصولها، هذه الجوائح التي طغت في السنوات الأخيرة وجاوزت حدود الستر والتعاون إلى درجة الهتك والاستهتار، وجرفت في طريقها بقية الأخلاق الصالحة والعادات المستحسنة، وأتتْ على ما هنالك من حياء وعرض، واستباحت مع الأخلاق الصالحة الأموال والأبدان.
فظهر لها- بعد إجالة الفكر وإعمال الروية- أن أنفع وسيلة لمحاربة هذه الأمراض الخطيرة هي محاربة أسبابها، ومن أقوى أسبابها ضعف الوازع الديني في نفوس المسلمين، ذلك الوازع الذي كان يفعل في النفوس التي استولى عليه ما لا يفعله السيف ولا الدرهم.
وتبيّن لهم أن الرجوع إلى الهداية الإسلامية هو الدواء الوحيد لهذه الأمراض، وأن أوكد الواجبات على كل من يريد الإصلاح لهذه الأمة هو تقوية الشعور الديني في نفوس الأفراد، لأنّ الناحية الدينية هي الناحية التي يسهل على المصلح استمالة الجمهور إليها، فإذا مال الجمهور إليها سهل جذبه بها إلى ما يراد به من خير وإصلاح.
ولكن بماذا تكون تقوية الشعور الديني وإعداد النفوس للرهبة منه والرغبة فيه؟ أَبِالكتابة في الجرائد؟ هذا زرع غير مثمر لأن القراءة مفقودة والأمة أمّية والأمر لله، أم بالمحاضرات
стр. 89
والخطب؟ وهذا أيضًا سبيل غير ميسور لعدم استكمال أسبابه، أم بترتيب دروس دينية بأسلوب لا تتجافى عنه أذهان العامة، وهذا أيضًا كالأول، وإذا أمكن هذا ففي أي محل؟ انتهى بهم كل ما ذكرناه إلى لزوم تشييد مسجد جامع بهذا القسم من البلدة حيث يكثر السكان المسلمون، تتولى الإشراف عليه هيأة إسلامية محضة، ليكون المسجد نفسه دعاية إلى الخير، ولتقام فيه الصلوات وهي دعاية أخرى، وليذكر فيه اسم الله وهي دعاية ثالثة، وليكون سببًا في اجتماع المسلمين وهي دعاية رابعة.
ولا يخفى أن هذه البلدة- ولا نكران للحق- تنقصها فضيلة من أمهات الفضائل وهي الاجتماع المثمر للتعارف، وقد فاتتها بفوات هذه الفضيلة مجموعة من مجاميع الأدب الغالية وهي آداب الاجتماع، وفَاتَها بفوات ذلك كله خير عظيم وهو ما يتمتع به المجتمعون من ثمرات الاجتماع.
وهذا في الحقيقة نقص معيب وتقصير شائن، خصوصًا وهو نقص فيما نستطيع الكمال فيه، والمتنبي يقول:
وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئاً ... كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
...
خرجتْ هذه الفكرة من القول إلى الفعل، وكان خروجها عبرة للمعتبرين، فقد كان الناس فيها فريقين: فريق غلب عليه التفاؤل وصدق العزيمة وقوة الإرادة، فكان يرى النتائج مقرونة بالمقدمات، والخواتم متصلة بالْبِدَايات، وهذه الصومعة الشاهقة تكاد تلحق بأسباب السماء والأساس لم يحفر بعد، وهكذَا فلتكن العزائم، ومئات الآلاف كأنّها منقودة ولمّا يجمع منها فلس.
وفريق غلب عليه التشاؤم، فكان يرى أن تحقيق هذه الأعمال بعيد المنال، لأنها تتوقّف على الأموال، والأموال عليها أقفال، وتتوقف على صبر متين، ووقت هو في نظرهم ثمين، وفاتهم أن همم الرجال تهدّ الجبال، وكذلك كان، فقد وُضعتْ مسألة الجامع في سوق الخير كما توضع السلعة، فكثر المشترون للثواب بأموالهم، والمصدقون للأقوال بأفعالهم.
واستبشر المؤمنون ببيعهم الذي بايعوا به، وأصبحت مسألة الجامع ميدان زحام، ومنار همّة من كل همام.
أيها السادة: إن لله في هذا الجامع حكمة، فقد كان مصداقًا للمثل الذي ضربه نبيّنا ﷺ بحال الثلاثة الذين دخلوا عليه وهو جالس مع أصحابه، فيما روينا في صحيح
стр. 90
البخاري فأقبل عليه اثنان منهم وأعرض الثالث، ووجد أحد الرجلين فرجة فجلس فيها، وجلس الأخر خلف الصف استحياءً، فلما فرغ رسول الله ﷺ من حديثه قال: ألا أخبركم عن الثلاثة، أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه.
وصدق رسول الله ﷺ ، فقد بذل قوم في هذا الجامع أموالهم لا يرجون إلا الله والدار الآخرة، وتوقف قوم ابتلاهم الله بأن لا يخالفوا إلّا فيما اتفق عليه الناس، فكانوا سببًا في إثارة مشاكل ومعاكسات في وجه هذا المشروع عطلتْ السير ولكنها لم تأت عليه من القواعد، ومكايد ومعارضات جرحتْ ولكنها لم تصب المقتل، ولو كان شرّ هؤلاء الكائدين قاصرًا على أنفسهم لهان الأمر، ولكنهم أبوا إلّا أن يصدّوا عن سبيل الله مَن آمن به، وإلّا أن يكونوا كمن انخزل بالناس يوم أُحُد.
ولا غرابة عند العقلاء في شأن هؤلاء، فما زال الخير يُبتلى بالشرّ ليزداد الخير ثبوتًا في نفسه وثباتًا في نفوس الخيرين، وما زال الباطل يقف في جنب الحق لا ليعارضه ولكن ليكون حجّة ناطقة على أن الحق هو الحق.
أيها السادة: لقد كان في تاريخ هذا الجامع عبرة لأولي الألباب، فهو يحدثكم بالصدق أن التعاون يأتي بالعجائب، وهو يحدثكم أن الفئة القليلة تستطيع جمع الصبر والثبات وجمع الحكمة والنظام أن تأتي ما هو شبيه بخوارق العادات، وهو يحدثكم أن الباطل لا يغلب الحق وإنْ تظاهر بأعوانه وتكاثر بإخوانه، وهو يريكم رأي العين كيف يعمل الفرد للجماعة، وكيف تعمل الجماعة للأمة، وهو يحدثكم أن في هذه الأمة المسلمة المرزوءة في تربيتها وأخلاقها بقيّة خير، لو أحسن أولو الرأي منها استغلاله، ولو جروا في التصرف فيه على السداد لَجاءوها بالخير العميم، ولَمشوا بها على الصراط المستقيم.
أيها السادة: إن الرجل الوحيد الذي يعدّ بحق صاحب هذه الفكرة التي ما زلنا نبدئ القول فيها ونعيد، هو السيد الحكيم عبد القادر السماتي، رئيس الجمعية الدينية، وقد نكون ظالمين إذا سمّيناه صاحب الفكرة وسجلناها باسمه، بل هو صاحبها الذي فكّر فيها وقدّر، وهو صاحبها الذي أحكم فيها ودبّر، وهو صاحبها الذي دافع عنها وحامى، وناضل دونها ورامى، وهو صاحبها من لدن كانت في ذهنه فكرة إلى أن صارتْ على يديه جامعًا مشيّدًا، وسيبقى صاحبها بما عُرف به من جدّ وحكمة إلى أن تؤتي ثمراتها.
وإذا ذكرنا عبد القادر فإنما نذكر الإخلاص والجدّ والثبات والبصيرة، وهي خصال ما اجتمعتْ في رجل من رجالنا إلّا أخرجتْ لنا منه العمل المنظّم والتدبير المحكم، وكلَّ ذلك يجمع عبد القادر.
стр. 91
وإذا ذكرنا عبد القادر فلسنا بناسين أصحابه الذين آزروه على الخير، وأعانوه على الرشد، ووضعوا أيديهم في يده، متعاهدين على العمل إلى بلوغ الأمل، فلكل واحد منهم حظه ونصيبه في بناء هذه المنقبة الخالدة، وإنْ ننس فلا ننس فضيلة الشيخ التهامي معيزة قاضي البلدة، وفضيلة الشيخ الطيب الجودي مفتيها، وحضرة السيد بن عزوز بن الشيخ المختار عميد الجمعية وعمادها، والخيّر الفاضل السيد الأخضر بن المكّي، أجزل الله ثوابهم، وأحسن مآبهم، وجزاهم أحسن ما يجزي العاملين بالدين والعاملين للدين.
...
أيها السادة: هذا إجمال سمعتموه منا على الجانب المحسوس من هذه المنقبة الذي قام به إخوانكم أعضاء الجمعية الدينية، وهو الجانب الذي إذا عددنا أعمالهم قلنا ها هو، وإذا خرجوا عن التواضع وفاخروا به- وحق لهم الفخر- أشاروا إليه وقالوا ها هو، وإذا كذّب به مكذِّب أو ارتاب فيه مرتاب ردّ عليه الوجود بلسان فصيح: ها هو.
فاسمعوا مني إجمالًا آخر على الجانب المعنوي- الجانب المطوي في همم هؤلاء الرجال البررة- فإن لهم أعمالًا من دون هذا الجامع هم لها عاملون، ولعلّ في الكلام على هذا الجانب المطوي ما يُثير حماس الذين يسارعون في الخيرات، ويُذكي من هممهم فيزدادون احتقارًا للمال في جنب هذه الأعمال.
ولعلّ في ذكر هذا الجانب المطوي ما يذكّرنا بأفعال أسلافنا الأبرار الذين كانوا يُنفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله.
ولعلّ الجانب المطوي سيكون أروع وأبدع من هذا القسم الذي تمّ بناؤه، وأدلّ على بُعْد هِمَم القائمين بهذا العمل وإخلاصهم النيّة في خدمة هذا الوطن.
هذا الجانب الذي شوّقتكم إلى سماع الحديث عنه هو تعمير هذا الفراغ الغربي بعدّة مدارس قرآنية يُعلَّم فيها كتاب الله للبنين والبنات، وتعلّم فيها مبادئ العلوم العربية والدينية بصورة عملية مفيدة، وتخصص قاعة لمكتبة عمومية ستكون تابعة للجامع ومنسوبة إليه ومكملة له.
وتخصيص قاعة كبرى تلقى فيها محاضرات باللغة العامية في بيان ما تلزم معرفته من العقائد والعبادات والأحكام العملية والآداب الدينية والأخلاق الإسلامية العامة وخصوصًا ما يرجع إلى حسن العشرة وتربية الأولاد وسياسة الأهل والأقارب، لتكون العائلة الإسلامية
стр. 92
على أصول الاجتماع الإسلامي لتخفّف الجمعية ما استطاعت من مصائب التفكك الذي نراه في العائلات ومصائب الطلاق والعقوق.
ومحاضرات كذلك في بيان فوائد الاقتصاد والتوفير وتقبيح الإسراف والتبذير خصوصًا ما يتصل بالعموم كالإسراف في الأفراح والمآتم ويدخل في هذا الباب محاربة القمار. ومحاضرات كذلك في أصول حفظ الصحة البدنية والصحة العقلية، ويدخل في هذا الباب محاربة الخمر الفاتك بالعقول والفجور الفاتك بالأبدان.
كل ذلك على المنهج الديني في الترغيب والترهيب، والتبشير والتنفير حتى لا تخرج الجمعية عن مقصدها من تقوية الشعور الديني في نفوس سكان هذه البلدة إلى أن يرجع الوازع الديني إلى سلطانه.
وحتى لا تقع الجمعية فيما وقع فيه المتنطّعون من شبان الشرق، تركوا حكمة الدين في تحريم الخمر وزواجر القرآن في التعبير عنه والتمسوا تحريمه من قوانين أمريكا وقلدوها في تأسيس الجمعيات لمنع المسكرات.
تركوا فخرهم الذي يتيهون به على الأمم ووضعوا أنفسهم في مؤخرة الأمم وما أقبح بالمسلم أن يطلب الحكمة من غيره وعنده معدن الحكمة، وأن يتطفّل على موائد الغير وعنده الجفنة الرافدة.
أيها السادة: إن الجمعية الدينية تفخر بما تم على يدها من هذا المشروع الواسع وتعترف بأنها إنما قامت ببعض الواجب، وهي ساعية بتوفيق الله في إتمام بقية هذا الواجب وهي المدارس القرآنية، وهي تعترف بأن العهد الذي أخذته على نفسها ثقيل وأن الوفاء به أثقل، وتصرح للملإ بأنها إذا اقتصرت على تشييد الجامع فكأنها لم تصنع شيئًا، وأن الركن الأكبر لا زال مرهونًا للمستقبل وهو بناء المدارس، ثم وسائل تعمير الجميع ثم التعمير الفعلي للجميع، وما وسائل التعمير إلا المال الذي يرصد لتكون حياة الجامع مضمونة وحياة هذه المؤسسات مضمونة. وما التعمير الحقيقي إلا العلم والتعليم.
وهي على هذا تطلب من المحسنين أن يتعاهدوها بالإحسان ويمدوها بالمال فلا بقاء لهذه المؤسسات إلا بالإحسان المتواصل والمدد المتوالي.
وإنها تعد نفسها قائمة بواجب كفائي لا ترجو عليه من المخلوق جزاء ولا شكورا وقد أحسن إليها قوم وأساء إليها آخرون، فقالت للمحسنين أحسنتم وللمسيئين هداكم الله، عالمة أن من أساء اليوم سيحسن غدا إذا ظهر الحق واتضح السبيل، فهي تقابل الإساءة بالعذر تمهيدًا لمقابلة إحسانه بالشكر.
стр. 93
وتصرح بأن أعمالها مكشوفة ظاهرة لا خفاء فيها ولا سر، وأن أموالها مضبوطة بكيفية لا يدخلها الخلل ولا يتطرق إليها الريب، فليس عندها في المال رئيس ولا مَرْءُوس وقابضها هو البنك، وحسبكم بأعمال البنوك دقة ونظامًا.
وإن هذا الجامع بيت من بيوت الله، فهو وقف على جميع المسلمين، ومن نظامه أنه يفتح من طلوع الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء، فلا يمنع مصل ولا مدرس ولا متعلم، وعلى من أراد التدريس فيه أن يخبر رئيس الجمعية ويتفق معه على الساعة التي يلتزمها منعا للفوضى والاختلال.
أيها السادة: من موجبات الاغتباط والسرور أن المعنى الذي أسست لأجله الجمعية الدينية ببلدة سطيف هو بعض مما أسست لأجله جمعية العلماء، وحيث أني متشرف بكوني عضوًا في الجمعية الدينية ونائب رئيس في جمعية العلماء، فمن حقي أن أتكلم بكل صراحة أن جمعية العلماء تبتهج بالجمعية الدينية وكل ما يجري على منهاجها، وتعدّها من كبر المساعدات على نشر مبادئها وتنفيذ برنامجها، وتعد وعدا صادقًا بأنها لا تقصر في بذل النصائح الدينية والإرشادات العلمية.
وإن الجمعية الدينية تتقبل بيد الشكر كل ما يرد عليها من جمعية العلماء من النصائح والإرشادات في العدم والدين، وتعد ذلك من التواصي بالحق الذي أمر الله به في كتابه.
стр. 94
ديوان أبي اليقظان وجريدة النور*
الأخ المحترم سيدي أبو اليقظان الحاج إبراهيم حفظه الله وسدد في سبيل الحق خطاه.
سيدي:
وصلتني هديتكم اللطيفة وقد كتب عليها الإهداء بخط يدكم، فقبلت الهدية وشكرت مهديها، وهيهات ما شكري بكفاء. وما أنا بقادر على الوفاء. وما كدت أنتهي من مطالعة الديوان وأخلص من غمرة الإعجاب به والعجز عن تقريظه حتى وافتني جريدة "النور"، فكانت نورًا على نور، وانتقل الخاطر من طريقة إلى طريقة ومن خيال إلى حقيقة- هذه الحقيقة هي التي يجب أن تقف عندها الخواطر- هذه الحقيقة هي رافعة الحجاب ومثيرة الإعجاب ومزيلة السلب بالإيجاب، هذه الحقيقة هي ثباتكم والعواصف هَوْجَاء، ووثباتكم والطريق عوجاء.
أكثر الله من أمثالكم في العامدين، وجعل لكم لسان صدق في الآخرين.
ودمتم لأخيكم
البشير الإبراهيمي
стр. 95
الشيخ محمد الطيب عميد آل الشيخ الحواس*
(رزئ عرش ريغة العظيم بفقد هذا العظيم من رجاله، ولقد كان- ﵀ رجل همة وشهامة وحزم وصرامة. وكان شيخ طريقة ولكنه نزيه عن أوساخ أيدي الناس، يعطي ولا يأخذ، وله أتباع كثيرون ولكنه لا يستخدمهم ولا يترفع عليهم ولا يقبل منهم ذلًا ولا خنوعًا ويأمرهم عند مقابلته بالاقتصار على المصافحة. ولما ذهبنا لعزاء إخوانه فيه، كاتب هذه السطور والشيخ البشير الإبراهيمي والسيد عبد الرحمن بن بيبي زرنا قبره للعظة والتذكر والدعاء، فألقى الشيخ البشير الكلمة التالية وهو خير ما بين صفات الفقيد ﵀ وعزّى أهله وقومه فيه):
في هذا البسيط الواسع وعلى هذه الهضبات الشمّاء قضيت أنا والفقيد خمس سنوات كاملة من أعمارنا لم نفترق فيها إلّا لمامًا.
خمس سنوات كاملة بلونا فيها سراء الحياة وضراءها، وتقاسمنا فيها نعيم العيش وبؤسه واعترضتنا فيها الحوادث ألوانًا فكنا نقتحمها برأيين كرأي، ونصدر عنها اثنين أشبه بواحد. خمس سنوات كاملة كنا نقرأ فيها دروسًا في العلم يحضرها الناس ودروسًا أخرى في تحليل معاني الأخوة والصداقة نستجلي فيها خفايا الأنفس ومكنونات الضمائر ولا يحضر هذه الدروس إلا هو وأنا.
خمس سنوات كاملة ولكنها مرّت كأحلام النائم وانقضت أواخرها تتعثر بأوائلها ثم ضرب الدهر بضربانه وفرّقتنا الأيام بين مشرق ومغرب، وكنّا نظن أن لا فراق فصرنا نعتقد أن لا لقاء، ثم قضى الله بجمع الشمل مرة أخرى فإذا العهد هو العهد وإذا الذي بيننا لا
стр. 96
يزداد على تراخي الأيام إلا متانة ولا يزداد على انبتات الحبل إلا اتصالًا. وإذا تلك الأخلاق الشريفة التي تكوّنت منها تلك النفس الهادئة قد صادمتها الحوادث فشاب ذلك اللين شوب من الصلابة، وشاب ذلك الهدوء شوب من التنمر، وقد عدّ الناس هذه النزعة الجديدة منه تطوّرًا في الجوهر، وأنا أعدها تطورًا في المظهر.
من واجبي إذن أن أتحدّث عن الفقيد حديث من عاشر وجرّب، ومن واجبي أن أنوّه من صفات الفقيد بصفة فاق بها أقرانه ولم يلحقه فيها لاحق وما كثر خصاله الحميدة لو كان في الوقت متسع لذكرها، هذه الصفة التي تعد هي الغرة اللائحة من خلال الفقيد هي الشهامة بأوسع ما تدل عليه كلمة الشهامة، فقد كان حامل لوائها والسابق المجلي إذا تسابقت الرجال في ميدانها.
ولقد كانت تطير الحوادث وتقع فتجد عنده لكل ورد منها صدرًا ولكل مبدإ عاقبة. ولقد كانت الملمّة تنزل بصديقه فيسايقها رأي منه يفض مشكلها أو مال منه يكسر من شرّتها.
ولقد كانت الكرامة تمتهن فيكون له منها الولي النصير.
ولقد كان الملهوف تحزبه الحاجة فيكون له الغياث المفرج.
فيا رفيق الأمس إن من حقوق الرفقة أن نقف على قبرك اليوم ولو كان من حقوق الصحبة أن ندفع ما حلّ بك لبذلنا غوالي الأعلاق اليوم كما بذلنا غوالي النصائح بالأمس، ولوجدتنا اليوم أوفياء في الدفاع كما كنا بالأمس أمناء على حقوق الصحبة.
لحقت بجوار ربّك ولم تبقَ إلا الذكريات من حياتك، فرحمة الله عليك وبركاته.
стр. 97
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
المجلس الإداري للجمعية
- ١ - *
اجتماع يوم الخميس الحادي عشر شوال ١٣٥٠هـ الموافق للثامن عشر فيفرى ١٩٣٢ على الساعة العاشرة صباحًا بنادي الترقي- الجزائر.
أعضاء مجلس الإدارة:
ـ[الحاضرون]ـ: الشيخ عبد الحميد بن باديس، رئيس - محمد البشير الإبراهيمي، نائبه - الطيب العقبي، نائب الكاتب العام - مبارك الميلي، أمين المال - إبراهيم بيوض، نائبه - الحاج حسن الطرابلسي، مستشار - الطيب المهاجي - مولاي بن الشريف - السعيد اليجري - عبد القادر القاسمي.
ـ[الغائبون لعذر]ـ: المولود الحافظي - الأمين العمودي - محمد الفضيل اليراتني.
انعقدت الجلسة برئاسة الرئيس وبمحضر المذكورين، فافتتح الرئيس بشكر الحاضرين وقبول عذر المعتذرين، ونوّه بالجهد الذي اقتحمه هؤلاء الحاضرون، وذكر أن عنوان الاجتهاد في خدمة الجمعية هو الحرص على حضور اجتماعاتها والاستهانة بالمشقات التي تعرض، وبالمصالح الخصوصية، ثم تكلم باسم الجمعية فأبدى مشاركتها لرجال النادي المحترمين في الأسف لموت عميده المعمر البركة السيد الحاج مَمَاد المنصالي وأن الخسارة بموته لا تخص النادي بل تعمّ الجمعية لما كان يحمله الفقيد من الإحساسات الجميلة نحو دينه ورجال دينه الذين يمثلون الجمعية، ولما كان يحمله من غيرة على الحق، ولما كان يحمله من حب للسنة وأنصارها. ثم تقرر ترتيب الجلسات اليومية على الساعة التاسعة صباحًا وعلى الساعة الثالثة والنصف من مساء كل يوم. وانتهت الجلسة على الحادية عشر صباحًا.
стр. 98
جلسة مساء الخميس:
ثم انعقدت الجلسة على الساعة الثالثة والنصف من مساء ذلك اليوم في النادي وبرئاسة الرئيس، وقام بوظيفة الكاتب محمد البشير الإبراهيمي، وبعد تلاوته لمحضر جلسة الصباح كانت فاتحة الأعمال عرض كل عضو مما أتمه من الأعمال التي كلف بها في اجتماع رجب الماضي، فابتدأ رئيس لجنة العمل الدائمة بعرض ما أتمّه من الأعمال الإدارية المنوطة به، ثم عرض رؤساء الشُّعَب على الترتيب أعمالهم التي أنجزوها في هذه المدة بصفة كونهم رؤساء شعب، وبسط القائمون بالإرشاد والتذكير أعمالهم تفصيلًا، من دروس ومحاضرات، فشكرهم الرئيس باسم الجمعية وحمد لهم بنوع خاص عدم خروجهم عن منهاج الجمعية في الدعوة إلى الحق بالحسنى.
ثم شرح الرئيس حالة الجمعية المعنوية وطلب من الأعضاء أن يبسط كل واحد للمجلس حالة الجمعية في ناحيته وإلى أي مدى بلغت سمعتها، وآراء الناس من جميع الطبقات فيها، حتى يكون ذلك الشرح نورًا للمجلس يسير عليه فيما هو مقبل عليه من أعمال وحتى يزيده ذلك مكنة فيما يقرره وحتى يتّقي ما يجب اتقاؤه من الجمعية- وإن كانت مرشدة- لا يستغنى عن الإرشاد إذا كان حكيمًا- فبسط كل واحد من السادة الأعضاء مشاهدته ومسموعاته وما سئل عنه وما أجاب به.
ثم بسط الرئيس للمجلس مما تمّ في مسألة توحيد الصوم والإفطار واتفق المجلس على أن ما تمّ في هذه السنة من مساعي الجمعية على نزارته واستعجاله وعدم توفّر المسائل الكافية لتنفيذه- قد كان له أثر حميد وهو زلزلة التعصّب الذي كان هو السبب الأعظم في الخلاف، وتقرّر نشر نداء في هذا المعنى للأمة تذكر فيه بما تمّ. ويشكر الراجعون إلى الحق المنكرون للخلاف ويلام المتعنتون. واتفق المجلس أيضًا على أنه يلزم التذكير بهذه المسألة والاعتناء بها في طول السنة، ومن وسائل الاعتناء بها وضعها في رأس قائمة المسائل الشرعية التي تُقدَّم للجنة الإفتاء التي ستنظم في الاجتماع العمومي الآتي إن شاء الله، وستضم تلك اللجنة رجال القطر المطلعين على أسرار الشريعة ومداركها. ثم أشعر الرئيس المجلس أن من الاحتياطات التي تتخذ للسنوات المقبلة السعي لدى الحكومة لفتح خطوط التيليفون طول ليلة الثلاثين من شعبان ومثلها من رمضان، والطلب من قضاة العواصم الثلاث (١) أن يكونوا على استعداد في هاتين الليلتين، ومن ثبتت عنده الشهادة الشرعية منهم يخبر عمالته عمومًا بواسطة قضاة النواحي، ويخبر قاضيي العمالتين (٢) وهما يعمّمان الخبر كل في عمالته
стр. 99
بتلك الواسطة. فأقرّ المجلس كل هذا وشكر لرجال الشرع الذين أعانوا على تقليل الخلاف، وثبت أن عناية جمعية العلماء بإزالة الخلاف في الصوم والإفطار لا تؤتى ثمرتها المطلوبة إلا إذا انضمّت إليها عناية رجال القضاء، لأن الشهادات تؤدَّى عندهم، والأحكام تصدر عنهم، والجمعية لذلك تطلب منهم أن تكون هذه المسألة منهم بمحل الاهتمام والعناية، وانفضت هذه الجلسة على الساعة الخامسة والنصف مساءً.
جلسة يوم الجمعة الثاني عشر شوال ١٣٥٠:
انعقدت الجلسة في اليوم المذكور بنادي الترقّي على الساعة التاسعة صباحًا برئاسة الرئيس وحضور الأعضاء الحاضرين في الجلسة المتقدمة، وافتتح الرئيس الجلسة، وقام محمد البشير الإبراهيمي بوظيفة الكاتب، وبعد تلاوة محضر الجلسة السابقة كانت فاتحة الأعمال المعروضة- تأسيس الشُّعَب الفرعية في العمالات الثلاث.
بسط الرئيس الكلام عن تأسيس الشعب على مقتضى مواد اللائحة الداخلية، وذكر فوائدها للجمعية وما تقوم به من خدمات، وإن الجمعية لا تستطيع عمل شيء مثمر وتنفّذه بدون الشعب الفرعية فهي بمثابة الشرايين التي تحمل مادة الحياة للجمعية، وتأسيس الشعب هو الوسيلة الوحيدة لتشريك طائفة من الأعضاء العاملين في المقاصد العلمية التي أسست الجمعية لأجلها، وتبين للمجلس من وقائع وملاحظات قدّمها بعض الأعضاء أن ما وقع تأسيسه من الشعب في الاجتماع الماضي قد بني في الأغلب على اعتبارات نظرية تعاصت عند إرادة تطبيقها يجب تعديلها بكيفية لا تتعاصى على التطبيق.
-٢ - *
واقترح الرئيس تعميم الشعب حتى في القرى الصغيرة التي فيها طلبة، وأيّد اقتراحه بأن المقصد هو ارتباط المنتسبين للعلم ببعضهم وتعويدهم على الاجتماع والعمل للجمعية، وأنه يجب الاستعجال بذلك من الآن فتقرر في الشق الأول الاقتصار على الأهم من المراكز، والأهمية لا تعتبر بكثرة السكان وإنما تعتبر بالصلاحية للعمل.
стр. 100
وتقرّر في الشق الثاني لزوم الاستعجال بما يسعه الوقت ويدخل في الإمكان، بحيث لا يأتي ميعاد الاجتماع العمومي في محرم الآتي حتى يكون للجمعية من الشعب الفرعية ما تتكون منه الجمعية العمومية بصورة قانونية.
وحيث تقرر أن تأسيس الشعب أمر ضروري لحياة الجمعية، وأن ما أسس منها في الاجتماع الماضي لا يفي بالحاجة، فضلًا عن عدم صلاحيته عند التطبيق، وفضلًا عن كون البعض ممن عيّنوا لرئاسة الشعب لم يجيبوا المجلس الإداري بعد أن كاتبهم، فقد أخبر المجلس في هذه المرة بعض تلك الشعب وهي التي تشكلت بكيفية تطبيقية صالحة وشرعت في العمل على ما حددته اللائحة الداخلية لها- واعتبر الباقي ملغى- وان المجلس لا يقرّر بعد الآن تأسيس شعبة إلا بإشراف وفد منتدب يعيّنه المجلس الإداري لجهة معينة ويزوده بإرشادات يسير عليها وبأمره بأوامر يأتمر بها ويحدد له حدودًا لا يتعداها.
وقد عيّن المجلس الإداري عدة وفود لكل وفد رئيس، وعيّن لكل وفد جهة خصوصية من العمالات الثلاث، وحدد للوفود تاريخ السفر، وأسند لهذه الوفود حق تأسيس الشعب - الذي هو من خصائصه- على الشروط المبينة في اللائحة الداخلية، وبين لهم الأصول التي يلزم اعتبارها في الشعبة وأهمّها الصلاحية والضرورة، فلا يقتصر على المراكز الكبرى، ولا يتوسع إلى القرى والمداشر، وإنما ينظر في المصلحة وما تقتضيه، وقد قرر المجلس لهذه الوفود دستورًا تسير عليه، ورسم لهم خطة يلتزمونها على الترتيب في تنقلاتهم، وهي:
أولًا: مقابلة حاكم البلدة وتقديم الجمعية له.
ثانيا: إلقاء رئيس الوفد درسا هامًا يتضمن الإرشاد والتذكير على منهج الجمعية يجتنب فيه الألفاظ والعبارات الجارحة والمثيرة للريب والشغب ولا يتعرض فيه للشخصيات.
ثالثًا: إلقاء محاضرة في الدعاية للجمعية ببيان مقاصدها.
رابعًا: تأسيس الشعبة من الأعضاء العاملين بتلك الجهة وهو المقصود، وتقرّر أن كل رئيس وفد يحمل معه تعيينًا رسميًا من المجلس بإمضاء الرئيس ليستظهر به عند اللزوم.
وانفضت الجلسة على الساعة الحادية عشر صباحًا.
جلسة مساء يوم الجمعة:
ثم انعقدت الجلسة على الساعة الثالثة والنصف من يوم الجمعة المذكور بنادي الترقّي برئاسة الرئيس وعضوية جميع الحاضرين في جلسة الصباح، وقام الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي بوظيفة الكاتب، وبعد تلاوة لمحضر الجلسة السابقة رجع الكلام إلى تأسيس الشعب، فعرضت
стр. 101
على المجلس أسماء الشعب التي تمَّ تأسيسها على وجه مرضٍ صالح منطبق على مقاصد الجمعية واللائحة الداخلية، وتُليت أسماء أعضائها ووظائفهم وأسماء الأماكن الملحقة بتلك الشعب وبيان ما شرع فيه بعضها من الأعمال وعرّف المجلس بمن أمكن التعريف به من أولئك الأعضاء، فأقرّ المجلس تلك الشعب وأبقى لنفسه حق النظر في زيادة أعضاء الشعب إن لزم ذلك واقتضاه الحال إلى النهاية التي حدّدتها اللائحة الداخلية وهي ثلاثة عشر عضوًا.
جلسة يوم السبت:
انعقدت الجلسة في صباح اليوم المذكور بنادي الترقّي على الساعة التاسعة صباحًا برئاسة الرئيس وعضوية المذكورين، وافتتح الرئيس الجلسة، وبعد تلاوة الكاتب لمحضر الجلسة السابقة كانت المسألة المعروضة حسب البرنامج هي مسألة المال والحساب عليه ومجلدات الوصولات وما تمّ فيها، فدفع كل من جمع مبلغًا من الاشتراكات والتبرّعات ما معه لأمين المال ودفعت المجلدات التي تمّت وأجريت كل جزئية من ذلك على منهجها القانوني وسلّم المال المجمّع لرئيس اللجنة الدائمة ليودعه في البنك الجزائري كالعادة. وانفضت الجلسة على الساعة الحادية عشر صباحًا.
جلسة مساء السبت:
ثم انعقدت الجلسة مساء يوم السبت المذكور على الساعة الثالثة والنصف مساءً بنادي الترقّي تحت رئاسة الرئيس وبعضوية الأعضاء المذكورين، وبعد افتتاح الرئيس وتلاوة الكاتب لمحضر الجلسة السابقة جاء دور الاقتراحات، فقدّم أعضاء المجلس وغيرهم من الحاضرين اقتراحاتهم وقيّدت كلها في ديوان الاقتراحات وتُليت مكاتيب واردة من الخارج وكتبت كلها في الديوان على ترتيبها، ثم شرع المجلس في درسها وتقرير ما يمكن تقريره وإرجاء ما يتعيّن إرجاؤه إلى الوقت المناسب وإلغاء ما يتصادم مع القانون الأساسي أو مع مقاصد الجمعية العامة. وها هي الاقتراحات على ترتيبها:
١ - اقترح الأخ مبارك الميلي إحداث ثلاث لجان:
الأولى: تسمىّ مجلس الفتوى، يتركب من الرجال المطلعين على أسرار الشريعة ومقاصد الأحكام، وتشتغل بتحرير القول في المسائل الشرعية التي عمّت بها البلوى، (وقد وضع لها فهرس في اللائحة الداخلية).
والثانية: تسمىّ اللجنة العلمية، وتتألف من الرجال المثقفين، وتشتغل بالبحث في التاريخ والآثار والكتب العربية القيّمة إلى آخر ما يعطيه مفهوم الاسم.
стр. 102
والثالثة: تسمىّ اللجنة الأدبية، وتتكوّن من الأدباء والشعراء الجزائريين، وتقوم بالبحث في الآداب العربية بأوسع ما يعطيه مفهوم هذه الكلمة. ويحدّد المجلس الإداري لهذه اللجان دوائر بحثها وتعمل تحت إشرافه وهو يتولى نشر تلك الأبحاث وإذاعتها.
فأما اللجنة الأولى فتقررت في ضمن اللائحة الداخلية، وأما اللجنتان الأخريان فقد تقررتا في هذه المرة بالإجماع وأضيفتا لمحلهما من اللائحة، والمجلس يعمل من الآن لإحضار قوائم بأسماء أعضاء هذه اللجان ووضع التمهيدات اللازمة لأعمالها، ثم يقدمها للجمعية العمومية في محرم الآتي، ويضيف لها لجنة رابعة تسمىّ لجنة التعليم تتركب من الرجال الذين باشروا التعليم العربي المبني على الاختيار في التطبيق.
(يتبع) (١)
стр. 103
مات شوقي ! *
مات شاعر الإسلام الذي كان يعتزّ بمفاخره، ويشدو بمآثره. وينطق بلسانه. ويجول في ميدانه، ويدعو إلى جامعته، ويمشي في ركاب خلافته.
مات شاعر العربية الذي تشرّب روحها وتملّكت هي روحه، فحمى أسلوبها ونغمتها، وعرضها على أهل هذا القرن معربة عنه كما أعربت عما قبله بليغة فصيحة، فحمَل لواءها خفّاقًا في الآفاق، كما تُوِّج على شعرائها في الأقطار باستحقاق.
مات شاعر الشرق الذي كان يهتز قلبه لهزّاته، وتضطرب حياته لاضطراباته، وترتفع آهاته مع آهاته، فيدوّي صوته حتى لتتحرّك له جبال، ويهلع منه رجال، وتسري كهرباؤه حتى لَترتبط بها بعد الشتات أوصال، وتحيا بها بعد الموت آمال.
مات شاعر الإسلام والعربية والشرق، فعزاءً فيه للإسلام والعربية والشرق، وعزاءً فيه لمصر كنانة الله، من الإسلام والعربية والشرق.
ورحمة الله عليه في أبناء الإسلام والعربية والشرق العامدين، وسلام الله عليه في رجال الإسلام والعربية والشرق الخالدين.
стр. 104
الإسلام والمسلمون*
شجون من الحديث عنهما وعن الإصلاح الديني
ــ
وحدة الدين واللسان:
الأمة الجزائرية هي قطعة من المجموعة الإسلامية العظمى من جهة الدين، وهى ثلة من المجموعة العربية من حيث اللغة التي هي لسان ذلك الدين.
والأمم الإسلامية على اختلاف أجناسها ولغاتها ما برحت تفاخر أمم الأرض بذلك الدين وهذا اللسان، وإن كان بعضها ضعيف الحظ فيهما أو في أحدهما.
تفاخر بالإسلام لأنه في حقيقته الأصلية مجمع للفضائل الإنسانية، وتفاخر باللسان العربي لأنه ترجمان هذا الدين وكتابه المبين، وهو بعد ذلك مستودع الحكم ولسان الشعور والخيال.
فالأمم الإسلامية بهذا الدين وبهذا اللسان، وحدة متماسكة الأجزاء يأبى لها الله أن تتفرّق وإن كثرت فيها دواعي التفرّق، ويأبى لها دينها- وهو دين التوحيد- إلا أن تكون موحّدة، وتأبى لها الفضائل الإسلامية إلا أن تكون مظهرًا للفضيلة في هذا العالم الإنساني، فإذا كان في تلك الأمم من يضار الفضيلة أو يخونها في اسمها فما ذلك من الإسلام في شيء؛ وإنما هو انحراف مزاج سببه سوء فهم، أو غلبة وهم، أو دعوى طباع أو هو تقليد واتباع.
стр. 105
الإسلام والتاريخ:
وإن التاريخ شهد هذا الدين في عنفوان شبابه وتهيؤ أسبابه وازدخار عبابه، فشهد له بالفضل الأتم، والخير الأعمّ للبشر كلهم- بله أبنائه المتبعين لشرائعه- وشهد أن سلف هذه الأمة ما لمسوا حاستي السعادة إلا به، وما كانوا أساتذة الكون إلا بهديه، ولا دانت لهم المشارق والمغارب إلا بالتأدّب بآدابه والتخلّق بأخلاقه، ثم نشر تلك الآداب وتلك الأخلاق على الأمم.
وإن التاريخ لم يعرف دينًا من الأديان لم يبق على أساس الجنسية ولم يرجع على قواعدها إلا دين الإسلام فهو لا يختصّ بجنس، وهو صالح لكل جنس وهو موافق لكل فطرة وهو ملائم لكل نفس.
وقد اندفع في سيره الأول بسيرته الأولى إلى جهات المعمور الأرج وانتظم أممًا مختلفة الأجناس واللغات والطبائع والألوان، فأصبحت تلك الأمم- على ما بينها من تباين خلقي- أمة واحدة مطبوعة بطابع واحد وهو طابع الإسلام ومصبوغة بصبغة واحدة وهي صبغة الإسلام، فما هو السرّ في هذا؟
السرّ هو أنه دين فطري روحي، يحمل في طيّاته نهاية الكمال الإنساني وأن أصوله بُنيت على حكمة من خالق الحكمة، فتجد في عقائده غذاء العقل وفي عباداته تزكية النفس، وفي أحكامه رعاية المصلحة، وفي آدابه خير المجتمع، وأن دينًا يأخذ من شرطه التخلّق بالأخلاق الشريفة، ويعمد إلى الأرواح مباشرة فيغرس فيها أصول الفضائل الإنسانية، ويعمد إلى الحيوانية فيهذب في حواشيها، ويكسر من حدّتها، ويفل ما فيها من شره وشراسة، ويعمد إلى ما بين المستضعفين والمستكبرين من حاجز وفروق فيجعلها جذاذًا، لحقيق بأن ينتظم تلك الأمم ومثلها معها.
بلى، وإن التاريخ لم يشهد دينًا جمع بين مطالب الروح والجسم إلا هذا الدين، وأن السعادة لا تتمّ في الدارين إلا بالتوفيق بين المطلبين، وهذه عقبة العقبات في طريق السعادة وسبب الأسباب في استكمالها واختلافها، وأين تقع القوانين التي هي وضع البشر من التوفيق بين هذين المطلبين.
وإذا كان في الديانات السماوية قبل الإسلام ما لا يفي بحاجة البشر من تحصيل السعادتين، فكيف بالقوانين الوضعية ونحن نرى أرقاها في أرقى الأمم، موجهًا إلى استطلاع البدن، وإشباع شهواته ورغائبه، ونراها لا تحمل من جراثيم الإصلاح الروحي إلا قليلًا لا يشفي ولا يكفي.
стр. 106
هذا وإنّ ما يقصّه التاريخ من اضطراب الأمم وتخبّطها في سبيل الحياة، إنما هو ناشئ عن هذا السبب، وهو عدم التوفيق بين المطلبين، وبهذا التوفيق تتفاضل الأديان، وبه تتحقق حكمة وجود الإنسان وسطًا بين أفق الحيوان وبين المَلإِ الأعلى، وبه كانت الشريعة الإسلامية آخر الشرائع وكانت أكمل الشرائع، وكانت ناسخة لجميع الشرائع نسخًا لا هوادة فيه، ولهذا عمّت دعوتها ولهذا خاطبت العالم البشري بلسان واحد وبلهجة واحدة إن كانوا لا يعرفونها فإنهم سرعان ما يألفونها لأنها تدعو الأرواح لما يزكيها وتدعو الأجسام لما يحفظها ويقيها، كل ذلك من طريق الفطرة التي يشترك جميع الناس فيها.
الإسلام والبيان العربي:
هذا الإسلام ... فأما اللسان العربي فهو لسان هذا الدين الذي نزل به كتابه، وهو- يعد- ترجمانه الحاذق الذي نقل الإسلام وما فيه من عقائد سامية، وحكم غالية، وأخلاق عالية، وأسرار جليلة، وآداب قيّمة إلى أمم أجنبية عن لغة هذا الدين، وأخذهم بها أخذة السحر بكيفيةٍ تريهم أن الدين هو اللغة وأن اللغة هي الدين، فبينما هما دين ولغة إذا هما شيء واحد، وإذا تلك النفوس التي كانت بعيدة عن مزاج هذا الدين وعن مزاج لغته تعتقد أن معنى العربية جزء من معنى الإسلام، وإذا بهذا الدين وبهذه اللغة يقرّبان البعيد من تلك الأهواء ويؤلفان بين المتنافر من تلك الميول.
ثم تصحو الأفئدة، وينكشف الغطاء عن حقيقة واحدة وهي أن تلك الجنسيات تلاشت في هذه الجامعة الروحانية التي لا تعرف جنسًا وجنسًا، وإنما تعرف الإنسان لأنه إنسان يترقّى بمواهبه ويكرم بتقواه.
شيئان أوفيا بالعالم الإنساني على مشرع السعادة.
هدي الإسلام في البيان العربي:
تلك لعمري حقيقة لا ينكرها إلا من غلب على عقله، (وتمت كلمة ربّك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم).
التربية الإسلامية والنقائص البشرية:
غير أن لهذا الطبع الإنساني لدات، رافقته في مراحل الوجود من أول التاريخ وكان لهن من مستقرّ العقل فيه، ملاعب وأحضان، هن التقليد والوهم وهنات أخرى تَمُتُّ لهذين بالنّسب الوثيق، فكان لها على الطبائع ما يكون للترب على تربه من تأثير وتسلط وقد باعدت
стр. 107
حقائق الإسلام ما بينهن وبين الطبع البشري حقبة، وأقامته على صراط الفطرة السوي، وكأنما أنشأته نشأة مستأنفة، بما حرّرته منه من شوائب الاسترقاق لهذه الهنات وغيرها، حتى أصبح لا يدين بالعبودية إلا لله، ثم عاد المسلمين من ذكرى تلك الهنات عيد وطاف بهم طائف من العصبية التي محاها الإسلام لأول ظهوره، وإنّ العصبية لأصل البلاء كله، فنشأت فيهم العصبية إلى الجنس وإن لم يعمر من التاريخ صفحة، والعصبية إلى الرأي وإن لم يتعلق به من السداد نفحة، والعصبية للآباء وإن لم يكن لهم في الصالحات أثر، والتعصّب للأشياخ حتى فيما زاغ فيه الفكر وعثر.
لهذه العصبيات، صارت الأمة الواحدة أممًا وصارت السبيل الواحدة سبلًا إذ نشأت عن العصبيات آثارها اللازمة لها فساءت الحال وتراخت حبال الأخوة الإسلامية وضعف أثر الوازع الديني في النفوس، فضعف لضعفه أعظم ركن في الإسلام (وهو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) فطغت المحدثات على السنن حتى غمرتها وأصيبت العلوم الإسلامية بما أصيب به المجتمع الإسلامي من فتور، ولابست حقائق الدين شبهات أعضل أمرها وساء أثرها، وأتى التقليد بنيان الاستدلال من القواعد فجفّ العلم وعقمت العقول، وكان شر نتيجة لتلك المقدّمات كلها بُعْدُ الأمة الإسلامية عن هداية كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح من أمّته.
بُعد المسلمين عن الهداية الإسلامية:
قد لمسنا- عن غير قصد- موضوعًا واسع الجنبات مترامي الأطراف، ولعلّنا نوفّق إلى تعمير بعض صحائف هذه الجريدة بفصول منه تفصل ما أجملناه هنا لأن الكشف عن النواحي الغامضة من هذا الموضوع من أوكد ما تتطلبه النهضة الإصلاحية الدينية، وأوجب ما تجب معرفته على القائمين بها مناشئ العلل وأسبابها وتاريخ نشأتها ليزدادوا بصيرة فيما يحاولونه من إصلاح فاسد أو تقويم معوج.
وقد يتعجّب الباحث المسلم المطّلع على أحوال المسلمين لعهدنا هذا، إذ يرى التقاليد والأوهام شائعة بينهم على اختلاف أجناسهم وتباعد ديارهم ويراها متشابهة الآثار فيهم، ويراهم في الاستمساك بها والمحافظة عليها وكأنما يسيرهم إلهام واحد أو يسوقهم إليها قانون واحد، يرى ذلك كله- وهو واقع- فيرى ظاهرًا من حال هذه الأمة يدعو إلى العجب، ولكنه إذا تعمّق في البحث يعثر بالأسباب واضحة العلل معقولة، فيزول العجب.
وقد يرى ذلك بعينيه الباحث الغربي أو من يحمل عصبية على المسلمين أو زراية بدينهم فيرد ذلك في منشئه إلى دين الإسلام ويخرج من بحثه بنتيجة خاطئة، وهي أن الإسلام يحمل في خفاياه جراثيم التأخّر والانحطاط والاستسلام للأوهام والخرافات ويخرج من ذلك إلى أنه
стр. 108
لا رجاء للمسلم في الرقي ومجاراة السابقين في الحياة إلا بالخروج من دينه ... شعوذة يمهّدون بها السبيل لمروق المسلم من حظيرة الإسلام، وكم لعبت بهذه النغمات أصابع على أوتار فلم يبال الإسلام بما وقع منها ولا بما طار ...
جناية المسلمين على الإسلام:
وحسب التاريخ في نقض هذه الشعوذة أن يشهد بأنه سبق لهذا الدين في بعض فصوله أن كان سبب تقدّم وعمران لم يشهد نظيرهما، والسبب الواحد لا تنشأ عنه مسببات متناقضة، فالإسلام الذي كان سببًا في الصلاح لا يكون سببًا في الفساد، والإسلام الذي من مقاصده إسعاد البشر لا يكون أبناؤه أشقى الناس به، والإسلام الذي حرّر العقل من قيوده ليفكر ويدبّر، لا يكون سببًا في تقييده والحجر عليه، والإسلام الذي شرع المساواة في حقوق الحياة لا تنشأ عنه الأنانية والأثرة والتمايز ... ولا والله حلفة بارة، ما جنى المسلمون جناية المتعمّد الذي يقارف الجريمة وهو يعلم أنها جريمة، ولكنهم أتوا- في جميع أزمانهم- من قبل أمراء مستبدّين ورؤساء جاهلين، ومن ورائهم طائفة من علماء السوء تتبع مساقط الدرهم والدينار، وتتفيأ ظلال الجاه الكاذب والسمعة الزائفة، فكانت هذه الطوائف الثلاث- في كل زمان- إلبًا على الأمة تتقارض- المصالح على حساب الأمة، وليتهم ما رزأوها في أخلاقها، وأفسدوا فطرتها وزعزعوا يقينها بالله وابتلوها بأهوائها ووساوسهم، وفرقوا منها ما جمعه الدين، وأدخلوا عليها مع الزمن دخيلًا من التقاليد ودخلًا من الطباع جعلاها تعرف ما أنكر دينها، وتنكر ما عرفه.
شدّة تمسّك المسلمين بالنسبة للإسلام:
وهي- على ذلك كله- أمة مسلمة، تزدجر إذا وعظت وتتذكر إذا ذكرت، وأن محل رجاء المصلحين في هذه الأمة هو هذا الخلق العريق الذي ملك على المسلم إحساسه وهو الاعتزاز باسم الإسلام والافتخار بالنسبة إليه، والأنفة من الخروج من هذه النسبة، والرضى بالهون والدون في سبيل هذه النسبة ...
وإن من أوضح الشواهد على رسوخ هذا الخلق في المسلم أنك تقول لتارك الصلاة- مثلًا- أنت لا تصلي، فيقول لك نعم، وتعيّر مانع الزكاة بالشحّ وقبض اليد، فيقول لك قد كان ذلك، وتقول للمبتدع: أنت مبتدع، فلعله ينصف ويعترف، ولكن إياك أن تقول لواحد من هؤلاء أنت لست بمسلم، ولو قلت لرأيت التنمّر والتنكّر، وسمعت الجافي المكروه من القول.
стр. 109
قاعدة الدعوة الإصلاحية وأسلوبها:
هذه النقطة هي محل الرجاء، فليتخذها بناة الإصلاح قاعدة يقيمون عليها هيكل الإصلاح، وليقودوا لهذا الأخ المعتزّ بنسبته، بارك الله عليك أيها الأخ أنت مسلم، ولكن للإسلام واجبات يقضي بها عليك، وواجبات يتقاضاها منك، وآداب يروّضك عليها لتستحقّ بذلك منازل الكرامة في دنياك وآخرتك، وهو يريد تكميلك فلا تنقصه، وبريد أن تكون حجة به فلا تكن حجة عليه، وأنت منسوب إلى الإسلام ولكن هل يسرك ممن ينتسب إليك العقوق وتضييع الحقوق فصحّح العقيدة، وروّض جوارحك على التكاليف، وقف عند حدود الشرع، وخذ نفسك بالصالحات، واقضِ لأخيك بما تقضي به لنفسك، فإذا أنت المسلم الكامل، وإذا أنت عبد الله وحده...؟
آية الإسلام في قوّة رسوخه في القلوب:
إني لو شئت أن آتي ببدع من الرأي في معرض الاستدلال على حقيقة هذا الدين لقلت: إن ما عمّ المسلمين من تنكّب عن هداية دينهم، وهو في عمومه من الأدلة على حقيقة دين الإسلام، وانه الدين لا دين غيره، فاعجب لدين ينتزع الشواهد على صحّته من حالتي الإقبال والإدبار، واعجب لدين يسم طباع بنيه بسمة التوحيد في حالتي الوفاء والجفاء، واعجب لدين تغفل القلوب عن وعي حقائقه، وتكسل الجوارح عن أداء وظائفه، وتتجرّد النفوس عن حلاه، وهي مع ذلك كله، على أشدّ ما عرفت من العصبية والتشيعّ له والاعتزاز بالنسبة إليه وإنّ ههنا لسرًّا لم أتبينه فلم أحسن التعبير عليه...؟
стр. 110
تعالوا نُسائلكم*
- ١ -
أما إن الحق لا يثبت بالدعوى ولكن بالدليل، وأن العبرة بالمسمّيات لا بالأسماء وبالأفعال لا بالأقوال، ولو أن كل من سمّته أمّه "صالحًا" كان صالحًا على الحقيقة وكل من سمّته الحكومة "عدلًا" في المحكمة كان عدلًا على الحقيقة لكنّا سعداء بكثرة الصالحين والعدول فينا. ولو أن كل من تسمّى "حسنًا" لا يأتي لمكان اسمه إلا الفعل الحسن لطم الحسن على القبح، ولكن من وراء هذه الأسماء الجميلة أفق الواقع تتهاوى فيه هذه الأسماء وتنفلق فلا نجد إلا الحقيقة من فعل يصدق أو يكذب.