← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

مبارك الميلي* حياة كلها جدّ وعمل، وحي كله فكر وعلم، وعمر كله درس وتحصيل، وشباب كله تلقّ واستفادة، وكهولة كلها إنتاج وإفادة، ونفس كلها ضمير وواجب، وروح كلها ذكاء وعقل، وعقل كله رأي وبصيرة، وبصيرة كلها نور وإشراق، ومجموعة خلال سديدة، وأعمال مفيدة. قلّ أن اجتمعت في رجل من رجال النهضات، فإذا اجتمعت هيّأت لصاحبها مكانه من قيادة الجيل، ومهّدت له مقعده من زعامة النهضة. ذلكم مبارك الميلي الذي فقدته الجزائر من ثلاث سنين ففقدت بفقده مؤرّخها الحريص على تجلية تاريخها المغمور، وإنارة جوانبه المظلمة، ووصل عراه المنفصمة، وفقدته المحافل الإصلاحية ففقدت منه عالمًا بالسلفية الحقة عاملًا بها، صحيح الإدراك لفقه الكتاب والسنّة واسع الاطلاع على النصوص والفهوم، دقيق الفهم لها والتمييز بينها والتطبيق لكلياتها. وفقدته دواوين الكتابة ففقدت كاتبًا فحل الأسلوب جزل العبارة لبقًا بتوزيع الألفاظ على المعاني، طبقة ممتازة في دقة التصوير والإحاطة بالأطراف وضبط الموضوع والملك لعنانه. وفقدته مجالس النظر والرأي ففقدت مدرهًا لا يبارى في سوق الحجة وحضور البديهة وسداد الرمية والصلابة في الحق والوقوف عند حدوده. وفقدته جمعية العلماء ففقدت ركنًا باذخًا من أركانها لا كلًا ولا وكلًا، بل نهاضًا بالعبء مضطلعًا بما حمل من واجب، لا تؤتى الجمعية من الثغر الذي تكل إليه سده ولا تخشى الخصم الذي تسند إليه مراسه. وفقدت بفقده علمًا كانت تَسْتَضِيءُ برأيه في المشكلات فلا يرى الرأي في معضلة إلا جاء مثل فلق الصبح. تشوب هذه الذكريات التي نقيمها لرجالنا في هذا العهد شائبة نقص، إلّا تحسب علينا في باب فساد الذوق تعد من سوء الصنيع، وهي أن المتكلمين فيها والكاتبين يقيمون منها

стр. 597

مناحة مأتم، فيتفجعون للمصيبة، ويبكون على الفقيد ولو غبرت عليه السنون، ويثيرون أشجان السامعين بتهويل المصيبة فيه، وتجد الشعريات سبيلًا إلى ألسنتهم وأقلامهم ومنفذًا إلى نفوسهم وعواطفهم فتفسد على الحكمة أمرها. وكل فجيعة لم يمسحها السلو، تحكم فيها الغلو، لأن السلو يفرغ المجال للاتعاظ والتأمل، والغلو يفتح الباب للانتحال والتعمل. ولا أكذّب الواقع فأنا أجد في نفسي هذا الميل كلما قمت متكلمًا في حفل من هذه الذكريات، وأجدني في حالة من التأثّر أتمثل فيها الفجيعة حاضرة فأقول في البكاء والاستبكاء أكثر مما أقول في التأسي والاعتبار. وإني أتخيّل أن منشأ ذلك في نفسي حالة واقعية وهي الفراغ الذي يتركه في الصفوف كل راحل من رجالنا وأن كل من خلا موضعه في الميدان منهم عزّ عنه العوض. ولو كنا من قوم القائل: (إذا مات منا سيد قام سيد) لكانت حالتنا النفسية غير ما هي. والجانب المفيد في هذه الذكريات أن تكون درسًا لخصائص الرجال، وتجلية لمناشئ ذلك فيهم، ووضعًا للأيدي على الذخائر الخلقية المودعة في نفوسهم الكبيرة وإعلانًا للميزات العالية التي كانوا بها رجالًا، وإذاعة لما يجهله الناس أو يغلطون فيه من موازين الرجولة أو يبخسونه من قيمها، كل ذلك بتصوير يبيّن موقع التأسي ويسوق إليه ويحمل عليه. وجوانب العظمة في حياة أخينا مبارك كثيرة، ومآخذ العظات والأسى من تلك الحياة أكثر. ولعل الكاتبين لسيرته والدارسين لحياته اليوم أو غدًا يستوفون البحث في نواحي تلك العظمة ويستخرجون تلك العظات يدلون بها قوافل شبابنا المغذة في صحراء الحياة على خضرائها، وينصبون منها أعلامًا هادية للضُّلَّال، ومنارات مرشدة للآتي من الأجيال. وأنا سائق لناشئتنا العلمية من حياة هذا الرجل عظة واحدة وقائل فيها ما تحتمله كلمة قصيرة في صحيفة صغيرة: تلك العظة هي طريقته في تحصيل العلم ووسيلته إلى تلك الدرجة التي وصل إليها في اتقان التحصيل وسعة الاطلاع وانفساح الذرع وإحسان الاستثمار. فالرجل تلقّى التعليم البدائي في "ميلة" والمتوسط في قسنطينة والنهائي في الزيتونة. وليس في هذه المراحل ما يفوق به القرين أقرانه. فكثير من المحصلين بيننا سلكوا هذا السبيل: البداية في الوطن، والنهاية في الزيتونة، وقليل من يبعد النجعة إلى الأزهر، هذا هو الشأن. إن أبعدنا فمنذ خراب أمصار العلم كتلمسان وبجاية، وإن قربنا فمن رحلة أسرة الشيخ المختار الشوثري العياضي إلى هجرة قريبنا الشيخ سعد قطوش السطيفي في العقد الثالث من هذا القرن الهجري.

стр. 598

شارك مبارك أقرانه وشاركه السابقون له في الطلب واللاحقون في كل شيء، شاركهم في البداية والنهاية وفيما بينهما، وشاركهم في الأساتذة والكتب والمدّة والشروط. ولم ينفرد دونهم بذكاء مفرط خارق للمعتاد المألوف، وإن كان حظه من الذكاء موفورًا، ولا بقريحة شفافه تنكشف لها المحجبات ويعد فيها واحد الآحاد، وإن كان نصيبه من استنارة القريحة نصيبًا مذكورًا. ولا بحافظة واعية تصطاد كل ما تسمع، كما يؤثر عن حفاظ اللغة والحديث والشعر والأنساب، وإن كانت حافظته فوق المستوى العادي. فما الذي بلغ به ما بلغ من الشفوف على أقرانه في كثير مما لا يسمّى العالم عالمًا إلا به؟ إن الذي بلغ به تلك المكانة من العلم أربعة أشياء ما اجتمعت في طالب علم إلا رفعته بالعلم إلى تلك المنزلة: استعداد قوي، وهمّة بعيدة، ونفس كبيرة، وانقطاع عن الشواغل الفكرية والجسمية يصل إلى حدّ التبتل. وهذه الأخيرة- لعمري- هي بيت القصيد. يشهد كل من عرف مباركًا وذاكره أو ناظره أو سأله في شيء مما يتذاكر فيه الناس أو يتناظرون أو يسأل فيه جاهله عالمه، أو جاذبه الحديث في أحوال الأمم ووقائع التاريخ وعوارض الاجتماع أنه يخاطب منه عالمًا أي عالم، وأنه يناظر منه فحل عراك وجدل حكاك، وأنه يساجل منه بحرًا لا تخاض لجّته وحبرًا لا تدحض حجّته، وأنه يرجع منه إلى عقل متين ورأي رصين ودليل لا يضلّ ومنطق لا يختل، وقريحة خصبة وذهن صيود وطبع مشبوب وألمعية كشافة. هكذا عرفنا مباركًا وبهذا شهدنا، وهكذا عرفه من يوثق بمعرفتهم ويرتاح إلى إنصافهم ويطمأن إلى شهادتهم، لا نختلف في هذا وإنما نختلف في مردّ ذلك إلى أسبابه وأبوابه. فيقول الخليون الفارغون: "إنها مواهب وحظوظ". ويقول المسدّدون المقاربون: "إنه استعداد أعانه الدرس وقوته القراءة" ويقول المعللون الباحثون -ونحن منهم-: "إن كل ما شاهدناه في أخينا مبارك وشهدنا به هو نتيجة لأسباب مترتبة في نفسها وفي نفسه وهي استعداده للعلم وإيمانه به واعتقاده لشرفه ومنزلته واجتهاده في تلقّيه وانقطاعه لتحصيله وإخلاصه في طلبه وحبس الدقائق والأنفاس عليه وحده حتى ما يضاره بشاغل ولا يزاحمه بعائق ثم صرف الهمة كلها إلى الاستزادة منه بالمطالعة والقراءة". هذه هي الأسباب التي كوّنت لنا من مبارك الميلي عالمًا مستكمل الأدوات يملأ معناه لفظه. وهي أسباب- كما نرى- كسبية يستطيع كل طالب للعلم أن يقلّل منها فيقل أو يكثر منها فيعظم ويجل. وإنما يتفاوتون بالطبيعة في شيئين: الاستعداد وبُعد الهمّة، وإن الثاني منهما أصل لجميع ما ذكرنا. وكأين من طالب قوي الاستعداد ميسّر الأسباب ولكنه بارد الهمّة ضعيف الإرادة فلا يعود عليه استعداده بغناء.

стр. 599

ليس في هذه الأجيال التي أظلّها زمننا إلا عصابة معدودة اتفق لها ما اتفق لأخينا مبارك من أسباب النبوغ في العلم والتمكن من التحصيل، وإن لم يتفق لجميعهم ما اتفق له من الشهرة وذيوع الإسم لأن للشهرة أسبابًا أخرى منها العمل والإفادة والإنتاج والتضحية والصدوف عن قيود الوظائف والانغماس في المجتمع لخدمته ونفعه. ونحن نعرف هذه العصابة العصامية ونعرف مبلغها من العلم وحظها من العمل. ومنهم المقصر فيه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق. وبها نقيم الحجّة على شبابنا الذي نعدّه للميراث والاستخلاف، والذي فتنته الفتن وألهته الملهيات عن التحصيل للعلم. وبهم نضرب الأمثال ليذكر الغافل وينشط الخامل. وإن في سير الكاملين لذكرى للمقصّرين والخاملين.

стр. 600

نداء إلى الشعب* إذا أصيبت الأمّة بكارثة من كوارث الزمان ووجد فيها من يتألم لتلك الكارثة ويهتز لها فذلك دليل قوي على حيوية الأمّة ورشدها ومقياس صحيح لتقدّمها ونهوضها. وهي بذلك تقيم، لأصدقائها وخصومها، البراهين القاطعة على أنها خليقة بحرّيتها، جديرة بأن تتبوّأ مكانتها بين الأمم الحزة. أما إذا كانت الأمّة غافلة عن واجبها نحو المجموع لا يفكّر أفرادها إلا فيما حولهم ولا تنظر جماعاتها إلا إلى محيطها الخاص، فهي أمّة غبية ليست خليقة بالاحترام ولا جديرة بما تصبو إليه من حرية. نقول هذا بمناسبة الكارثة العظمى التي حلّت بساحة "الشريعة" ونواحيها من أحواز "تبسّة". ففي ليلة ٢٨ من شهر فيفري، دهمت سكان تلك الجهة سيول جارفة وحملت عليهم الأودية الهائلة من كل صوب، فلم تترك شيئًا من الأبنية والعباد والفلاحة والحيوانات والأقوات إلا أتت عليه وتركت أراضيهم وعمارتهم قاعًا صفصفًا. وقد قُدّرت الخسائر المالية بعشرات الملايين، أما الضحايا من الأنفس البشرية فإنها تزيد على المائة. وما زالت عمليات الاكتشاف مستمرة، وأما الأفراد الذين بقوا بلا مأوى ولا قوت فعددهم يزيد على الألف. فواجب الأمّة أن تهتز لهذا الحادث وتتكثل حوله وتعيره جانبًا كبيرًا من الأهمية فتسرع بتشكيل لجان، وفتح اكتتابات في أهم مدن القطر وقراه لإسعاف من نكبوا بهذه الكارثة الجسيمة وتخفيف الوطأة عنهم، وذلك من أول مظاهر وجود الأمّة.

стр. 601

وفي طليعة من نوجّه إليهم هذه الصرخة، شُعَب جمعية العلماء في جميع أنحاء القطر لأنهم الممثلون لجمعية العلماء وهي الهيئة الوحيدة التي تعبّر عن شعور الأمّة تعبيرًا صحيحًا وتحسّ بآلامها وتعمل على تحقيق رغائبها قبل كل هيئة. وهي التي ما وُجدت إلا لتضمّد جراح الأمّة وتداوي كلومها وتقودها إلى المستوى الذي يشرّفها ويليق بكرامتها. وقد شاهدنا أمثال هذه الكوارث إذا نزلت بالأمم الراقية كيف تتكتّل الشعوب والحكومات حولها. شاهدنا الزلازل التي حلّت بتركيا وإيطاليا وشاهدنا حوادث الطوفان الذي دهم فرنسا في وقت من الأوقات كيف تكتّلت حكوماتهم وشعوبهم حولها وقاموا وقعدوا من أجلها وملأوا الدنيا صراخًا وعويلًا وشاهدناهم لا يكتفون بجهود حكوماتهم وشعوبهم بل يستعطفون الحكومات والشعوب النائية. أما نحن الجزائريين فأصواتنا مكبوتة وحرّيتنا مصفدة فلا نعوّل إلا على أنفسنا ولا نستنجد في مثل هذه الكوارث إلا بأمّتنا، فهي- وحدها- عليها الاتكال ومنها المعونة. وواجبنا في مثل هذه المواقف أن نضرب المثل الأعلى للإحساس المشترك والشعور الإنساني والقيام بما يقتضيه منا الواجب الديني والوطني، وبذلك نضرب الرقم القياسي للأجيال الآتية بأننا أناس نشعر بالمسؤولية ونتحمل أعباءها مهما عظمت. وبهذا نحمل الخصوم والأصدقاء على احترامنا والإعجاب بنا. أيتها الأمّة الكريمة، إن إسعاف هؤلاء المنكوبين أمر أكيد يقتضيه منا الدين وحقوق المواطن على مواطنه فلا يليق بأمّة تحترم نفسها وتحرص على أن يحترمها غيرها أن تغض الطرف عن قيامها بالواجب في مثل هذه المآسي التي يلين لها الجماد. وما دمت، أيتها الأمّة مؤمنة بالقرآن الكريم فتذكّري قول الله تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ و ﴿مَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾. وما دمت تؤمنين بمحمد ﷺ فتذكري قوله ﷺ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، وقوله: «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وقوله: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ».

стр. 602

أيتها الأمّة الكريمة إنك إذا قمت بواجبك في أمثال هذه المآسي تكونين قد أرضيت الله ورسوله وحملت خصومك على احترامك وبرهنت على أنك جديرة بما تطمحين إليه من عزّة وسيادة. وفي الختام، أرجوك أن تسنّي هذه السنّة الحسنة، فإن «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». هذا وقد افتتحت جمعية العلماء هذا الاكتتاب بإعانة قدرها ١٠٠٠٠ فرنك.

стр. 603

بلاغ إلى الأمّة العربية الجزائرية* (من المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين) ــ إن الدستور الذي وضعته الحكومة الفرنسية للجزائر ووافق عليه برلمانها في أكتوبر ١٩٤٧ هو دستور ناقص من جميع جهاته لم يحقق رغبة واحدة من الرغائب الوطنية للجزائر. وآفته أنه فرض عليها فرضًا، ولم يُؤخذ رأيها فيه. والدستور النافع هو الذي يكون للأمة رأي في وضعه، واختيار لمنهاجه، ويد في تشريعه ويكون ناشئًا عن رغائبها ليكون محقّقًا لرغائبها. ولتلك الآفة لم يرضه حزب من أحزاب الأمّة ولا نائب من نوّابها على اختلاف مشاربهم الحزبية وعلى تفاوت حظوظهم في الوطنية، بل قابله جميعهم بالاستنكار. والمجلس الجزائري الذي ينفّذ ذلك الدستور هو مجلس ناقص أيضًا من جهات كثيرة، بعضها في أصل وضعه كعدم اعتبار النسبة العددية في السكان، وبعضها في وسائل تشكيله كاستبداد الحكومة بتخطيط الدوائر الانتخابية، وتدخّلها في توجيه الانتخاب إلى جهاتها وضغطها على حرية المنتخبين كما عهدناه منها فيما هو أقل من هذا الانتخاب قيمة وأحط منه اعتبارًا. ومع تلك النقائص كلها فإن مصلحة الأمّة الحقيقية توجب عليها أن تجاري الظروف وأن تستغل ما في هذا الدستور من خير ولو كان كقطرة من بحر. وجمعية العلماء التي هي جمعية الأمّة كلها تفرض عليها حقيقتها ووضعيتها أن تكون فوق الطوائف والأحزاب لتكون حكمًا بينهم إذا اختلفوا على مصلحة، وهي لا تستمد حكمها إلا من منطق الواقع والحكمة والمصلحة العامة والنظر البعيد. وعليه، فهي تتقدّم إلى الأمّة العربية الجزائرية بأحزابها وهيئاتها وأفرادها بالحقائق الآتية:

стр. 604

أولًا: إن اختلاف الأحزاب، وما جرّه الخلاف من سباب، وما جرّه السباب من أحقاد، وما جرّته الأحقاد من تضييع للمصلحة، كل ذلك استنكرته الجمعية بالاعتقاد، وأنكرته بالقول الصريح، وسعت في إزالته بالعمل الجدّي، لأنها تعلم أن عواقبه وخيمة، وأن أدنى عواقبه تمزيق الشمل وإضعاف القوّة: وأنه- أولًا وأخيرًا- ليس من مصلحة الوطن والأمّة، وإنما هو من مصلحة خصوم الوطن وأعداء الأمّة. وقد قامت الجمعية في أوقات ومناسبات شتّى بمساع جدّية صريحة للتقريب بين الأحزاب وإقرار روح الأخوّة والتسامح في النفوس لتصل من ذلك إلى اتحاد متين يوجّه الجهود والكفاءات إلى خدمة المصالح الحقيقية للوطن. وآخر جهودها ما قامت به في هذه الأسابيع الأخيرة المتصلة بكتابة هذه السطور ... وهي- وإن لم تصل إلى غايتها من جمع الكلمة- لم تيأس من ذلك ولم تفشل وما زالت تفترص الفرص لتجديد السعي في جمع الكلمة على الحق وتوحيد الأحزاب على المصلحة العامة للوطن. وهي تعتقد أن الاتحاد الذي تنشده الأمّة وتعلّق آمالها على جمعية العلماء في تحقيقه إذا لم يتم اليوم فسيتمّ غدًا. والجمعية تعلن أنه ليس من مصلحة الأمّة ولا من مصلحة الأحزاب ولا من مقتضيات الذوق أن تشرح مساعيها للاتحاد في هذه الظروف. ثانيًا: يجب على الهيئات الداعية للانتخابات باسم الحزبية أن تجرّد دعايتها من السب والقدح وجرح العواطف وإثارة الأحقاد، وأن تبني تلك الدعاية على أشرف ما تُبنى عليه الدعايات في الأمم الحيّة وهو المبادئ والبرامج ووسائل تحقيقها. وعلى القادة والمترشحين أن لا يقولوا ولا يعملوا إلا ما يبقي على الأخوّة ويعين في المستقبل على جمع الكلمة، وعلى عقلاء الأمّة أن يلزموا أولئك الدعاة عند حدود الاعتدال، ويفهموهم أن في مكافحة الاستعمار ما يستنفد أقوال القائلين وأعمال العاملين. وليعلموا جميعًا أن هذه النقطة من أسس تربية الأمّة تربية رشيدة. ثالثًا: يجب على الأحزاب التي تجعل رائدها مصلحة الوطن العليا أن تجري في الدورة الثانية على قاعدة متبادلة وهي أن تسلم الأقلية منهم للأكثرية وأن تعاونها على الفوز لكي يسدوا الطريق في وجه الحكوميين والانتفاعيين الذين لا يمثّلون إلا أنفسهم. رابعًا: يجب على الناخبين أن يقدّروا هذه الانتخابات حق قدرها، وأن لا يستخفوا بها، ولا يقاطعوها، وأن لا يتخلف أحد عن الانتخاب، وأن لا يتأثّر بتهديد الإدارة وتخويفها وليعلم أن إعطاء ورقته شهادة للوطن أو عليه. فليعرف أين يضع ورقته ولمن يعطي شهادته. وأن المقاطعة وإعطاء الورقة لغير الرجال العاملين هو تضييع لحقوق الوطن يعود عليه بأشأم العواقب.

стр. 605

خامسًا: يجب على الأمّة أن تميز بين أصحاب المبادئ وأصحاب الأغراض والمنافع الشخصية، وأن تفرّق بين من يقدّمه حزب أو جماعة من الأمّة وبين من يقدّم نفسه. والواجب عليها بعد أن تميّز هؤلاء من هؤلاء أن تعطي أصواتها لأصحاب المبادئ، وتنبذ الفريق المستغل المستعمر المفتون بكراسي النيابة لا ليخدم الأمّة بل ليخدم نفسه. وقد جرّبت الأمّة هذا النوع من النواب، ولا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين. وأن أخزى الرجال رجل يتوصل إلى النيابة عن الأمّة بوسائل سخيفة وأوراق مسروقة وحريات مغصوبة. سادسًا: يجب على الأمّة أن تحذر كل الحذر من المرشّحين المستقلّين، فإن هذا الوصف خداع يلوذ به كل حكومي وينتحله كل انتفاعي ولا يصدق منه إلا القليل وإذا وجد من هذا القليل مترشح فأهل دائرته أعلم به: فليستوثقوا منه ومن صلاحيته وخدمته للمصلحة الوطنية .. أيتها الأمّة! إننا نعرف الإدارة الجزائرية الاستعمارية. ونعرف أنها لم تغيّر شيئًا من عاداتها القديمة. ونعلم أنها تجهد جهدها لتقيم من هذا الانتخاب دليلًا على أن نوّاب الجزائر لا يطلبون لها إلا الخبز والثياب، وأن هذا هو كل ما تطلبه الأمّة الجزائرية وكل ما تستحقه. فَكَذِّبي هذا الدليل بدليل يدحضه بحسن اختيارك للرجال ذوي المبادئ المطالبين بحقوقك السياسية المثبتين لاستحقاقك الحرية الكاملة التي ترفعك إلى المكانة العالية بين الأمم الحية. عن المجلس الإداري الرَّئِيسُ: محمد البشير الإبراهيمي

стр. 606

الأستاذ محمد بن العربي العلوي* تاريخ الرجال علم برع فيه مؤرخو الإسلام، وتفننوا في تقسيمه وتفريعه. ولا نظن أن أمّة من أمم العلم والحضارة كتبت جزءًا يسيرًا مما كتب علماء الإسلام في تاريخ رجاله وطبقاتهم. وقد خمدت تلك الشعلة من عهد السخاوي والسيوطي وأضرابهما في الشرق ومن عهد أقرب منه وهو عهد ابن القاضي في المغرب. ومرّت هذه القرون ورجالها أغفالًا لم توسم بتعريف. ولعل هذه النهضة تحيي- فيما أحيت من الرسوم الدائرة- هذا النوع الجليل من تاريخ الرجال. والأستاذ الأكبر الشيخ محمد العربي العلوي، إمام سلفي وعالم مستقل واجتماعي جامع. وهو- في نظرنا- أحق برتبة الإمامة من كثير ممن خلع عليهم المؤرخون هذا اللقب. ونحن في أخص الصفات التي تربطنا به وهي السلفية والإصلاح نجاوز درجة الإعجاب به إلى الفخر والتعاظم. وهذه مقالة للأستاذ علال تكشف عن بعض نواحي عظمة هذا الإمام. ولعل الأقدار تقيض من يكتب له ترجمة حافلة تكشف عن مواقع الأسوة بذلك الرجل خصوصًا في سلفيته وجراءته في تلك السلفية، وهي نقطة التلاقي الحقيقية بينه وبين جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. ولو أن هذه النهضة وصلت في أطوارها إلى كتابة معلمة لرجالها لكان من تمامها أن لا يكتب ترجمة ابن العربي إلا علال. وهذه مقالته نقلًا عن جريدة "الإخوان المسلمون".

стр. 607

ذكرى عبد الحميد بن باديس الثامنة وموقع معهد منها* ــ أظلتنا الذكرى الثامنة لموت فقيد العروبة والإسلام ومحييهما بهذا القطر عبد الحميد بن باديس، ونحن في بحر لجي من الفتن المحيطة بالعروبة والإسلام، نغالب تيارها، ونروّض بالعزيمة زخارها، ونقاوم بالإيمان والثبات إعصارها. وكأنها توافت على ميعاد لتمتحن وفاءنا للفقيد وتلهينا بأباطيلها عن القيام بحقه، وتحملنا بقسوتها على النسيان لفضله، فما وجدت إلا ما يشجيها بالغم، ويزجيها على الرغم. وقد كانت إقامة هذه الذكرى في السنين الماضية لا تعدو إثارة الشجون الراكدة وتعديد فضائل الفقيد وتهويل المصيبة فيه. فإن زادت فبتجلية مواقع الأسوة للشباب المتعلم من سيرته، ومع اتساع آفاق تلك السيرة وانفساح مجال القول فيها فقد أصبح الحديث عنها من المكرّر المعاد. أما ذكرى هذه السنة فإنها تمتاز بشيئين جديدين يحلو الحديث عنهما ولا يتطرق إلى سامعيه الملل، ويأتي المتحدث فيهما بالحكمة السائرة في هذا الباب وهي ذكر العظماء بأعمالهم، وحثّ الأمّة على تحقيق آمالهم. هذان الشيئان هما: عودة "البصائر" إلى الظهور وتأسيس معهد ابن باديس بقسنطينة. مات الفقيد في السادس عشر من أبريل سنة ١٩٤٠ وفي نفسه حسرة من تعطيل "البصائر". وكان معتزًّا بها أيما اعتزاز. وكان في السنة الأخيرة لتعطيلها هو الروح المقوّم لها، فكان يغذيها بنفحات من روحه ونفثات من قلمه. وكان يعلّق آماله في ترقيتها على رفيقه كاتب هذه السطور، وكان الكاتب

стр. 608

لا يتسع وقته لذلك، لأن الهبّة التعليمية كانت في عنفوانها، ورغبة الأمّة في درس القرآن والحديث كانت متأججة مضطرمة، فكان الكاتب يرى أن من الإجرام تبريد تلك الفورة بالتقصير وإنفاق الوقت في غير التعليم. وكان- ﵀ يشتد عليّ في اللوم ويصمي بالتقصير في حق "البصائر"، فإذا زارني بتلمسان ورأى الدروس تنتظم الساعات وسمع درس التفسير بالليل ودرس الموطأ في الصباح الباكر ورأى إقبال الجماهير وتأثّرهم، ابتهج ابتهاج الظافر، ونسي "البصائر" والحديث عنها. واسترحت من لومه وعتابه. وأذكر أنه صادف في ليلة من تلك الليالي الزاهرة بحياته درسًا في دار الحديث من تلمسان في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، فقال لي- ﵀ بعد تمام الدرس ما معناه: (إن هذا الدرس وحده كاف لإحياء أمة مستعدة. ولقد زادني هذا الدرس إيمانًا بقوله ﷺ في القرآن: "لا تنقضي عجائبه". وإن ما سمعته منك في معنى اتخاذ البيوت قبلة هو ما حوم عليه علماء الاجتماع في مبدإ تكوين الوحدة الاجتماعية للأمم. وأين هداية التجارب من هداية كلام الله؟ ولوددت لو أن المسلمين كلهم يسمعون مثل هذه الدروس). فقلت ممازحًا له: و"البصائر" ... فقال لي: ما عليك بعد هذا الجهد أن لا تكتب في البصائر. ولو أن التلاميذ أوتوا حظًا من النشاط والتوفيق لما ضاعت هذه الدروس ولنشرت كما هي ففزنا بالحسنيين. فقلت له: عزائي عن هذا أن دروسك لم تكتب وقد شارفت ختم القرآن وأين هذا الوشل من ذلك البحر؟ وما قلت له هذا مجاملًا ولا متواضعًا. وما كان مبنى الأمر بيننا- ما عشنا- على الرياء والمجاملة: ﵀ ﵀. فعودة "البصائر" إلى الظهور بهذه الديباجة وبهذا الأسلوب أمل من آمال الفقيد قد تحقّق، ودين له على جمعية العلماء وفت به في وقته. وما أرهق الدائن ولا مطل الغريم، ولو عاش- ﵀ لقرّ بهذا العمل عينا. فليكن هذا العمل هو زين هذه الذكرى وجمالها وشارتها الممتازة ووشيها الفني. ثم هات الحديث عن المعهد. إنه- والله- الغرة اللائحة في هذه الذكرى. فقد كان من آمال المرحوم أن تكوّن جمعية العلماء في الجزائر كلية- بالمعنى الحقيقي للفظ الكلية- وكان يرى أن هذه الكلية هي العلة الغائية لوجود جمعية العلماء وهي الثمرة للتعليم الذي تجهد فيه وتلاقي في سبيله العنت والنصب، وكنا معشر إخوانه نشاركه في الأمنية والعمل. والغاية من الكلية، وهي أن تخرّج للأمّة علماء اختصاصيين في فهم الدين على حقيقته، وفي فقه أسرار الشريعة مأخوذة من كتاب الله والصحيح من سنّة نبيّه، وفي طرائق الدعوة والإرشاد التي بُني عليها الإسلام، وفي الخطابة التي هي سلاح تلك الدعوة، وفي الأخلاق والآداب الإسلامية التي هي لباب الدين، وفي فقه أسرار اللسان العربي وآدابه، مع المشاركة في علوم الحياة التي هي سلاح العصر، بحيث يخرج المتخرّج منها كامل الأدوات.

стр. 609

وكان- ﵀ كثير التحدّث عن هذه الكلية، تصوّر له خواطره منها أكمل مثال، فتجيش تلك الخواطر حديثًا ممتعًا لذيذًا ننازعه إياه ونجاذبه حبله فنذكي خياله في التصوّر وبراعته في التصوير ونحدو آماله إلى التحقق، وكان كلما اجتمعت ثلة من إخوانه تشاركه في الأمنية والرأي يجري حديث الكلية ويقول لإخوانه: أنا أستكفيكم في كل أمر يتعلّق بالكلية إلا الاستعمار فأنا أكفيكموه فخلوا بيني وبينه. يقول ذلك إيمانًا بربّه، واعتدادًا بنفسه، واعتزازًا بدينه. وكان منقطع النظير في هذه الثلاثة. وقد اقترح على كاتب هذه السطور أن يضع برنامجًا جامعًا لدروس الكلية وكتبها ودرجاتها ومناهج التربية فيها وطرائق التعليم العالي، فقلت له: إن هذا شيء يأتي في الدرجة الثانية أو الثالثة، وقبله التمهيد ثم التشييد، فقال لي: إن البرنامج يذكي النشاط ويغري الهمم بالعمل. ففعلت. وجاء البرنامج حافلًا بالتدقيقات الفنية في التربية والاعتبارات العملية في التعليم، والكتب القيّمة للدراسة، ومعه تخطيط للكلية ومرافقها. فلما قرأه قال لي: كأني أرى بعيني ما خطّه قلمك حقيقة واقعة. وما ذلك على الأمّة الجزائرية الماجدة بعزيز. وما ذلك على رجالها المخلصين بكثير. مات الأستاذ الرَّئِيسُ والأمنية تختلج في نفسه وتعتلج مع خواطره. ولقد مات وعواصف الفتن تعصف، ومدافع الحرب تقصف، وأعضاء الجمعية مشتتون بسبب تلك الهزاهز التي تُذهل الخليل عن خليله. فلما تنفّس الخناق قليلًا رأت جمعية العلماء التى كان يعمل الفقيد لها وباسمها وهي الوارثة لمعنوياته والمؤتمنة على مبدإ الإصلاح المشترك، أن تتمّ أعماله وتُحقّق آماله، وأن تبرز الكلية من الخيال إلى الحقيقة، فوجدت أن ذلك- كما هو الواقع- يستلزم اجتياز مراحل متتابعة: توسيع التعليم العربي الابتدائي بتكثير مدارسه وتصحيح مناهجه وإعداد رجاله، وقد بلغت الجمعية من هذا في السَّنوات الأخيرة- رغمًا عن العراقيل- ما تُغبط عليه، وما لو اطلع عليه المرحوم من وراء حجاب الغيب لسرّه ولعدّه من الخوارق. ثم خطت إلى المرحلة الثانية خطوة بتأسيسها لمعهد قسنطينة في أواخر السنة الماضية. ولسنا نعدّ المعهد مدرسة ثانوية فضلًا عن كونه كلية لأننا نسمّي الأشياء بأسمائها ولا نزور فيها. ولأننا نعلم أن تفخيم مثل هذه الأشياء مزلقة إلى الكذب فيها والتزوير على الحقيقة بها، ومدعاة إلى غشّ الأمّة في أبنائها. وما وجد التفخيم إلا كان سببًا في الترخيم. والترخيم حذف ونقص. وإنما المعهد مدرسة دينية ابتدائية أرقى من مدارس البنين تهيّئ للتعليم الثانوي الذي يهيّئ للتعليم العالي. وما ربطناه بجامع الزيتونة إلا تمهيدًا لذلك، وإلّا تدريبًا لطلّابه من أوّل مرحلة على المناهج التي تفضي بهم إلى آخر مرحلة، حتى ينتقلوا من الأشبه إلى الأشبه، فلا تشتبه عليهم المسالك ولا يضلّ بهم الدليل، والنية معقودة- إذا يسّر الله الأسباب- على إحداث معهد في الجزائر وآخر في تلمسان تسهيلًا على الطلاب واستيعابًا لعددهم المتزايد.

стр. 610

وسنربط الجميع- على التدريج والاقتضاء والاستعداد- بالزيتونة والقرويين، بل ستكون هذه المعاهد إحدى وسائل التقريب بين الكليتين. فإننا نعتقد أن الزمن سائر بكليتينا إلى الإصلاح الذي يتطلبه الزمن والبلوغ من الإصلاح إلى أعلى ذروة، وسائر بهما حتمًا أو اختيارًا إلى توحيد المناهج والكتب. وسيكون آخر ما ينتهي إليه الإصلاح بطبيعته إلغاء التعليمين الابتدائي والثانوي من الكليتين وقصرهما على التعليم العالي للعلوم الإسلامية العربية - بالمعنى الواسع لهذه العلوم- وما تتطلّبه من علوم الحياة وإيكال ذينك التعليمين إلى مدارس في الآفاق موحّدة البرامج، موحّدة الإدارة والإشراف. فأَما كلية وتدرس الاجرومية فلا، ثم لا، ثم لا. إن كل واحد من اللفظين يتبرّأ من صاحبه وأخشى أن يتبرآ معًا منا لسوء ما تصرفنا فيهما. إن هذا النوع من المجازفة بالأسماء مما تساهلنا فيه فسهل علينا فصار لنا عادة فَعَمَّمنَاهُ فأصبح لنا سبة. ولو شئنا لضربنا الأمثال. وإن هذا التساهل هو الذي جرّأ المفترين على تسمية المدارس الابتدائية كليات وما أخذوا ذلك إلا من أن جامع الزيتونة يدرس الأجرومية وهو كلية. فكل مدرسة تدرّس الأجرومية فهي كلية، ويا ويلنا إذا تفطّن هؤلاء لكلمة (جامعة) التي تجري على بعض الألسنة والأقلام وصفًا للزيتونة والقرويين. إذًا، لأصبحت كتاتيب ألف با كليات، ومدارس الأجرومية وابن عاشر جامعات. وسيعينهم على ذلك أن لفظ الجامعة أخفّ وأجرى على اللسان وأسير لقربها من الجامع حتى كأنها مونَّثُهُ، وأرجو أن لا يكون في النهي عن المنكر دلالة عليه. إننا نبني أساس نهضة فلنضع الأساس على صخرة وإلا انهار البناء، ولا والله لا نجاري الأمم في ميدان الحياة حتى تكون كلياتنا ككلياتهم في أسمائها ومسمّياتها. فإن لم يكن هذا فنحن هازلون في جدّ الزمان، ومغترّون في الخوف بعهد الأمان، وسائرون إلى الوراء بهدي الشيطان. ومن تطلّع إلى ثوب المجد فليحكه بأنامله ومن تشوّف إلى رفع الذكر فليجلبه بعوامله. أو لا فالشاعر (١) صارخ في واد. وسيبويه نافخ في رماد. ... إن معهد ابنَ بادِيس تفسير لرؤيا ابن باديس. فعلى الأمّة التي تحبه وتحيي ذكراه في مثل هذا الأسبوع من كل سنة أن تعلم أن البكاء والأقوال لا يزيدان في تاريخه ولا في تاريخ الأمّة بابًا ولا فصلًا ولا صحيفة. وإن الذي يزيد ويفيد هو أن تلتفّ حول معهده بقلوبها

стр. 611

وعقولها وأموالها حتى يكبر ويترعرع، وتبسق أفنانه وتتفرّع، وحتى تكثر أمثاله في القطر. فما نزعم أنه غاية، وإنما هو بداية. إن الواجبات علينا تلقاء هذا المعهد موزّعة بطبيعتها. فعلى الأمّة بذل المال من المرتخص والغال. وعلى الطلبة أمران: إقبال على العلم يصحبه إيمان بضرورته وتحمّل لمتاعبه. وانقطاع إليه يصحبه اعتقاد جازم بشرفه وأنه نور الحياة وأساس الوطنية ورائد الحرية. فمن لم يكن من الطلبة على هذه الصفات فليلزم داره، وليقطع في الأماني ليله وفي الغرور نهاره. وعلى جمعية العلماء الرأي والتنظيم، والتربية والتعليم، وما من رجالها إلا من هو بحظه زعيم. إن الأمّة حين تزرع على يد جمعية العلماء ستحصد العلم وستجني الثمرات الطيّبة وتستغل الريع المبارك. لا يتخلّف شيء عن ميعاده ولا نتيجة عن مقدّماتها. وإنها حين تضع أموالها في هذا المعهد تؤدّي واجبًا عليها لنفسها وتقضي حقًا مؤكد القضاء لدينها ولوطنها. وإنها حين تضع المال في أيدي القائمين على المشروع، تضعه في الأيدي التي لا تخون ولا تختر، بل تربّه وتربّيه للأمّة. وقد رأت الأمّة مصادر المال منشورة معلنة. وسترى مصارفه كذلك موضحة مبنية، كدأب الجمعية في كل مشروع تمسّ فيه يدها مال الأمّة. وإننا نتحدّى جميع القائمين بالمشاريع العامّة أن يفعلوا كفعلنا. ونحن نبتهج بكل عامل للعلم ساع في تعليم الأمّة معتقد أن العلم وحده هو سلاح الحياة وسبيل النجاة. ولكننا أعداء للاتجار بالعلم والتزوير على الأمّة باسمه. خصوم للعيسوية الراقصة المرقصة بجميع مظاهرها. ... هذه هي الكلمة التي نقدّم بها هذه الذكرى وهي بيت القصيد فيها. ولم ننح فيها منحى البكاء والتحسّر وتعداد المناقب، وإنما نحونا المنحى العملي الذي وجدت أسبابه، وفتحت أبوابه.

стр. 612

ذوق صحفي بارد* تعاني فلسطين "المجاهدة" محنة لا تحلّ إلا بعزائم وعقائد وإيمان تظاهرها أموال ورجال، على كثرة مصائبها وتفاوت تلك المصائب في الشدة والنكاية والإيلام، فإن أشد تلك المصائب وأوجعها إيلامًا تحذلق بعض الأقلام في تسميتها بـ "الشهيدة" كأنما تنعاها قبل الموت ونعيق بعض الغربان البشرية بأخبار الهزائم وتسويد بعض الصحف لأطرافها حدادًا عليها. ما هذه التفاهة في الذوق أيها الصحفيون! أماتت فلسطين حتى تصفوها بـ "الشهيدة" وتجلّلوا صحفكم بالسواد حدادًا عليها. إن لم يكن فعال فليكن حسن فال ... إن فلسطين حية ولكنها تجاهد ومأزومة ولكنها تكابد ولفألكم الخيبة ... أتدرون أن ذوقكم هذا لا يحلو إلا لخصوم فلسطين؟

стр. 613

"البصائر" وأزمتها المالية - ١ - * تعاني جريدة "البصائر" أزمة مالية خانقة، بعض أسبابها الرَّئِيسُية غلاء الورق والطبع، غلاءً فجائيًا لم نقرأ له حسابًا في ظرف واسع. وبعض أسبابها الثانوية تضييع البريد لكثير من الطرود، فلا تصل إلى الباعة ولا تبقى عندنا، وتخسر "البصائر" نفقاتها. ومنها تهاون بعض الباعة في إرجاع المخلفات على الفور لتصرف إلى جهات أخرى، ومنها كثرة ما يرسل منها هدايا. و"البصائر" جريدة البيان الحرّ، فلا تجعل الإسفاف منجاة من الكساد، وصحيفة الحق المر، فلا يكون المال مسكتًا لها عن حرب الفساد، ثم هي لا تطلب الرواج من طريق أخبار الولادة والزواج. إن الجرائد لا تقوم بدخل البيع والاشتراك وإنما تقوم بالإعلانات والإعانات. أما الإعلانات فلا يتفق مع مشرب "البصائر" منها إلا القليل، وأجره ضئيل. وأما الإعانات فليس في أغنيائنا من تهزّه الأريحية فيجود على "البصائر" بمئات الآلاف فيشحذ بماله سلاحًا من أسلحة الحق، ويُطلق به لسانًا من ألسنة الصدق، فالتجأنا إلى صميم الأمّة من أنصار البيان العربي والدين الحنيف، واخوان الدفاع عن الخير والفضيلة. وها نحن أولاء نعلن للأمّة فتح باب الاكتتاب، راجين منها أن تمدّ اليد وتحسن العون، وأن تعلم حق العلم أن "البصائر" تتعفّف ولا تتكفّف. ولولا الضرورة لما قالت كلمة في هذا الباب. قد طبعنا أوراق الاكتتاب ووزّعناها على الشعَب والأشخاص الذين نعتمدهم ونخصّهم بالثقة والإخلاص فليعمروها بأسماء المكتتبين ومقدار ما تبرّعوا به وليرسلوا ما تجمع بواسطة الشيك باسم المدير كما هو مرقوم في أوراق الاكتتاب ويرجعوا الأوراق إلى إدارة "البصائر" ممضاة بإمضاء القابض. وللمبالغة في الاحتياط ختمنا كل ورقة في أعلاها بختم المدير باللون الأحمر، فكل ورقة ليس عليها ذلك الختم فهي مزوّرة.

стр. 614

- ٢ - * جريدة "البصائر" هي لسان حال جمعية العلماء ولسان العروبة والإسلام بهاته الديار، وخادمة العلم والتعليم وسائر الحركات الفكرية والأدبية في ميدان الثقافة الشرقية، وحاملة راية الجهاد المستمر في ميدان الكفاح الوطني، وبهذه الاعتبارات فهي جريدة كل مسلم جزائري يحمل بين جنبيه الغيرة على وطنه ولغته ودينه. ولكن رغم ذلك- ويا للأسف- فإن هاته الجريدة توشك أن تتعطل عن القيام بواجبها مكرهة، إذ هي لا تعتمد في مواردها المادية إلّا على اشتراكات المشتركين ودخل الباعة، وليس لها اعتمادات أو إعانات أو إعلانات تقوّي ميزانيتها، وإذا كان المشتركون يتهاونون في دفع ما بذمتهم أو لا يدفعونه حتى نرسل إليهم مَن يأخذه منهم، والباعة يتقاعسون عن تصفية حساباتهم بانتظام وفي كل شهر، فإن نظام سير هذين الموردين الوحيدين للجريدة يختلّ، وإذا اختلّ فهي لا شك سائرة إلى الهاوية، لا قدّر الله، وذلك ليس في مصلحة الدين ولغة الدين ولا في مصلحة قضايا الوطن الهامة. لهذا تعطلت "البصائر" عن الصدور هاته المدة الأخيرة، وانها لتعتذر لحضرات المشتركين الذين سدَّدُوا ما بذمتهم، وترجو من غيرهم أن يدفعوا ما عليهم، ومن الباعة أن يصفّوا حساباتهم ويرسلوا ما لديهم من مال "البصائر" في أقرب وقت لكي تعود "البصائر" إلى الصدور بانتظام. غير أننا فتحنا اكتتابًا عامًا لإعانة الجريدة للاختصار من مدّة احتجابها ووجّهنا قوائم الاكتتاب للمشائخ مديري المدارس وبعض رؤساء الشّعَب بجميع جهات القطر، وإننا لنرجوهم أن يعجّلوا بإرسال ما جمعوه بواسطة "شيك" البصائر، ونحثّ أنصار "البصائر" وأحبابها على مساعدة جريدتهم وإغاثتها من هاته الحالة السيئة التي تجتازها، ونقدّم لهؤلاء وهؤلاء تشكراتنا الخالصة. وعلى من يرغب في المشاركة في هذا العمل أن يطلب من المركز قوائم الاكتتاب.

стр. 615

هدية ذات مغزى جليل* أهدى الأخ العربي الحرّ محمد جعفر مال الله ملاحظ الأوراق بمديرية المساحة العامة ببغداد، إلى إدارة "البصائر" رسمًا فنيًا بديعًا لاسم "البصائر" وملحقاته من خط الفنان مهدي صالح أحد خطاطي "دار الخط العربي" ببغداد، وقد حلينا بهذا الرسم اللطيف، صدر العدد ٣٧ وصدر هذا العدد تنويهًا بهذه الهدية الفنية واعترافًا بلطف موقعها منا، وإنها "عربون أخوّة صادقة بين بغداد وبين الشمال الإفريقي أحد مواطن العروبة التي يريد الاستعمار أن يفصل بعضها من بعضها" كما يقول الأخ محمد جعفر مال الله في رسالته اللطيفة التي أرسلها إلينا مع الهدية. ليهنأ الأخ محمد جعفر، فهذا الشمال الإفريقي كله قلوب تهفو إلى الشرق العربي والشرق الإسلامي، وكله نفوس تتطلع إلى ما يأتي منه من أنوار، وكله عقول تعرف ما أنبت ذلك الشرق من علوم وفنون وحضارات، وتعترف لبغداد بما أفاءت على العروبة والإسلام من خير وفضل، وتنتظر اليوم الذي تنمحي فيه الحواجز المزيّفة فتتصل الأجزاء كما اتصلت القلوب. إن كل عربي بهذا الشمال يقرأ "البصائر" ليذكر- كلما وقعت عينه على اسمها ماثلًا في الصدر- أن ذلك الرسم قطعة من بغداد وطرفة من طرفه، ترمز إلى الأخوّة الصادقة والتعاون الوثيق على خدمة العروبة في جميع مواطنها. و"البصائر" تحمل التحيات الزكيات والشكر الخالص من أسرتها وقرّائها وأنصارها إلى الأخ محمد جعفر مال الله وإلى الأخ مهدي صالح وإلى رجال إدارة المساحة ودار الخط العربي وإلى جميع الهيئات العاملة للعروبة والإسلام ببغداد، وإلى الأخ الواصل لرحم العروبة

стр. 616

الدكتور تقي الدين الهلالي الجزائري الذي بشّر بـ "البصائر" في العراق ودلّ عليها دلالة النسيم اللطيف على الزهر العبق. تحمل "البصائر" هذه التحيات على بعد الدار كفاء لتحية الأخ مال الله في رسالته، فقد عمّمها لكل مستحق من أبناء العروبة في هذا الوطن، وحيّا الله دجلة وجانبيها مواطن الفن والشعر ومواطى العزّ والفخر. ولا زالت الرصافة، منبت حصافة، ولا زال الكرخ، زندًا يوري بالمرخ. وليهنأ "البصائر" هذا التقدير الذي تفيض به رسائل أنصار البيان العربي في الشرق. أما تلك العين التي رسمها الفنان فوق اسم "البصائر" فيقيننا أنه لم يصوّرها وهمًا وإنما فوقها سهمًا. والعين البصيرة لا تدرك إلا بنفاذ البصيرة.

стр. 617

نداء وتحذير إلى الشعب الجزئري المسلم العربي * ــ أيها الشعب العربي المسلم: في هذه الظروف الدقيقة التي تجتازها فلسطين العربية وفي هذا الصراع العنيف الذي حمل عليه إخوانك العرب حملًا وأُلجئوا إليه إلجاء لا خيار فيه، وفي هذه الحرب المستعرة التي يوشك أن تضيق بها الرقعة فيتطاير شررها إلى جوانب العالم فتحرقه أو تغرقه، وفي هذه الأزمة التي عقدها الطمع فعجز عن حلّها العالم الذي لم يعرف القناعة، وأنشأها الباطل فلم يستطع التغلب عليها الرؤساء الذين لم يعرفوا الحق، وفي هذه المعركة التي قسمت كلًا من العالمين الملحد والمتديّن إلى معسكرين: بعض أسلحتهما الحديد والنار، وبعضها الرأي والمكيدة، وبعض أسبابهم إليها الحق الذي لا شبهة فيه، وأكثرها الباطل الذي لا مرية فيه. في هذه الظلمات المتراكمة نتوجّه إليك مخلصين بنصيحة تضمن استمرار السير، وحفظ الاتجاه، وسلامة العاقبة. نحن نعتقد أن ميدان القتال بين العرب وبين اليهود هو فلسطين. أما الجزائر وغيرها من بقية أقطار العروبة فهي ميادين شعور وعطف وأخوّة وتضامن، يشعر فيها العربي بمحنة أخيه في فلسطين فيعطف عليه وبحمله العطف على مواساته بما استطاع مما يخفف محنته أو يعينه على ظالمه. ويعتقد أن فلسطين وطن عربي كل الحق فيه للعرب، فيردّ دعوى المدّعين ودعاية الداعين بالحجة والمنطق، ويسمع كلمة الباطل في قومه فينقضها بكلمة الحق، ويرى مواطنه اليهودي يزوّد إخوانه في فلسطين أو يجهّز مقاتلتهم فيفعل مثل ما فعل، وكما أننا لا نلوم يهود العالم على إظهار عواطفهم نحو إخوانهم في فلسطين. لا نقبل اللوم من شخص أو من حكومة على إظهار عواطفنا نحو إخواننا عرب فلسطين، ولا نقبل التحجير علينا فيما

стр. 618

نستطيع إعانتهم به، ولا نرضى أن يكون حرامًا علينا ما هو حلال لليهود. ومن أنصفنا أنصفناه وزدنا. ونحن نعتقد أيضًا أن العربي بطبيعته رزين ساكن، وأن المسلم بطبيعة دينه مسالم متسامح، وأن الطبيعتين بعيدتان عن الشر لا تقبلانه ولا تقبلان عليه إلا مكروهتين أو مغرورتين، ونعلم مع ذلك أن الاستعمار بطبيعته كائد ماكر، وأن له في الكيد والمكر طرائق تعجز الشياطين أن تأتي بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. وأن للحكومات الاستعمارية جواسيس وأعوانًا ربّتهم على افتراص الفرص لتلك المكائد وعلى اختيار الظروف لها وخلق الأسباب. فكلما عنّ لهم سبب تافه، أو جرت حادثة بسيطة مما يجري كل يوم، أو تحرّك شعور في الأمّة ولو لمعنى ديني محترم أو طبيعي محتوم، شرحوه للحكومة وأولوه، وجسموه وهوّلوه، وصرفوه عن معناه الطبيعي إلى مجرى آخر يوافق هوى الحكومة لتبني عليه مكائدها، وتتخذ منه ذريعة للانتقام. إننا لا نشكّ بما في أذهاننا من الشواهد، وبما عوّدتنا الحكومة من العوائد أن قضية فلسطين من القضايا التي يتخذ منها خصوم العرب والمسلمين وسيلة كيد لهم في كل أرض فيها للاستعمار سلطان وعلى الخصوص في شمال إفريقيا. إن أعظم ذنوبكم في نظر الاستعمار هو أنكم رفعتم أصواتكم بطلب حقوقكم الوطنية من دينية ودنيوية: فهو لا يفكر في إنصافكم ولا في الرفق بكم، وإنما يفكر فيما يسكت هذا الصوت من ترغيب أو ترهيب. وهو قادر أن يجعل من مثل قضية فلسطين وسيلة إلى ذلك الإسكات. فإياكم أن يستفزكم هو وأعوانه حتى يحرجكم فيخرجكم عن وقاركم. وإياكم أن يجعل لكم من قضية فلسطين مشغلة عن قضيتكم الوطنية. إن الجزائر وطنكم الصغير، وإن إفريقيا الشمالية وطنكم الكبير، وإن فلسطين قطعة من جزيرة العرب التي هي وطنكم الأكبر، وإن الرجل الصحيح الوطنية هو الذي لا تلهيه الأحداث عن القيام بواجبات وطنيه الأصغر والأكبر. قد ترون في هذه الظروف ما يستفز أعصابكم وتسمعون ما يجرح شعوركم وتقرأون ما يؤلم ضمائركم، فلا تقابلوا ذلك بالغضب ولا تجعلوه مثارًا للشر، بل قابلوا كل ذلك بالسكون والهدوء وضبط الأعصاب، واعملوا من الصالحات لكم ومن النافعات لفلسطين ما يطفئ الغضب ويدفع الشر، فإن ذلك يزيل غضب الشيطان، ويزيد حرارة الإيمان. إن الدعاية الصهيونية والاستعمارية تنسب لجنسكم العربي كل نقيصة من الفوضى والطيش وحب الفتك والسفك وخلق الوحشية والجفاء فكذّبوا أقوالهم بأفعالكم.

стр. 619

ندعوكم- ناصحين مخلصين- إلى السكون والهدوء وضبط الأعصاب، فقد كانت حادثة ٥ أوت سنة ١٩٣٤ وليدة تحريض من أجنبي لم يرد بكم خيرًا، وكانت واقعة وجدة بالأمس نتيجة استفزاز من أجنبي لم يرد بكم خيرًا، فقابلوا التحريض بالرفض، وقابلوا الاستفزاز بالصبر. وان العقل نعم السلاح، وان العاقبة للصابرين. محمد البشير الإبراهيمي فرحات عباس إبراهيم بيوض الطيب العقبي

стр. 620

إمتحانات المعهد والمدارس * بدأت الامتحانات السنوية لتلامذة معهد عبد الحميد بن باديس يوم السبت الثاني عشر من شهر جوان الحالي، وستخفّ بها موازين وتثقل موازين. والشواهد السابقة تدلّ على أن النجاح سيكون عظيمًا، وأن التجربة ستكون موفّقة، وسننشر أسماء الناجحين كلها. إن لمدير المعهد الأستاذ الجليل الشيخ العربي التبسي عينًا فاحصة وذهنًا واعيًا هيّآ له تراتيب جديدة في الكتب والدراسة، وشرائط مفيدة في القبول والانتساب وسيبني على تجربة هذه السنة وعلى نتائج الامتحانات قواعد تنهض بالمعهد في السنة الثانية من عمره نهضة عظيمة، وسننشر هذه التراتيب في العشر الأول من شهر سبتمبر الآتي. وتبتدئ الامتحانات في المدارس الابتدائية يوم ٢٠ من شهر جوان الحالي كما أعلمنا به في العدد الماضي. وسيكون يوم الأحد الخامس من شهر جويلية الآتي هو يوم الاحتفال بتوزج الجوائز على الناجحين، فعلى أهل الفضل والإحسان وأنصار العلم أن يتبرّعوا بكتب وأدوات كتابة ومحافظ لتكون جوائز لأولئك الناجحين من أبناء الأمّة. أما الاحتفال العام لختم دروس التعليم فسيكون يوم ٢٩ جويلية في جميع المدارس. والمشاهدات والتقارير متظافرة على أن المشائخ المعلمين أدّوا الأمانة على أكمل وجه مع كثرة المثبطات وتنوّعها من الاغتراب إلى أزمة السكنى إلى عجز الأجور عن القيام بالضروريات، وهي- لعمري- مثبطات لا تغالب إلا بالصبر والإخلاص، وان حظ أبنائنا

стр. 621

المعلّمين منهما غير قليل، وإن تقديرنا لأعمالهم لتقدير جزيل. وإن كان التقدير، لا يغني المعلم ولا يغني المدير، وقد كانت مشكلة المرتبات في هذه السنة ناشئة في القليل عن الأزمة المالية، وفي الكثير عن أزمة أخرى نفسية ممقوتة، هي أزمة الخلافات الحزبية على الانتخابات التي هبّت ريحها من أول السنة الدراسية على كثير من الجمعيات المحلية، ثم عصفت في أواسط السنة وأواخرها فلفّت في أذيالها بعض المعلمين، ولم يدر هؤلاء ولا هؤلاء ماذا يجني ذلك المظهر المتنافر على التعليم من خراب واضطراب، وسنشرح تلك الأضرار بالبراهين في مقالات رمضان إن شاء الله حين تقرّ شقاشق التعليم وتخبو حمية الحزبية ويكون الجميع على استعداد لتذوّق الحق. إن أبعد الناس عن الفلاح والنجاح من يبني الأمور الشريفة، على الاعتبارات السخيفة. وحرام أن نبني تعليم السنة الآتية على تلك النقائص من التنافر القلبي والتشاكس الحزبي، بل نبنيه على تعاون وثيق بين المشائخ والجمعيات.

стр. 622

الهيئة العليا لإعانة فلسطين * إعانة فلسطين فريضة مؤكّدة على كل عربي وعلى كل مسلم، فمن قام به أدّى ما عليه من حق لعروبته ولإسلامه، ومن لم يؤدّه فهو دين في ذمّته لا يبرأ منه إلا بأدائه. ومن سبق فله فضيلة السبق ومن تأخر شفعت له المعاذير القائمة حتى تزول، فإذا زالت تعلق الطلب ووجب البدار. وقد قامت الأمم العربية والإسلامية بهذا الواجب: كل أمّة على قدر استعدادها وعلى حسب الظروف المحيطة بها لا على حسب الشعور والوجدان، فالشعور قدر مشترك بين الجميع لا يفضل فيه عربي عربيًا ولا يفوق فيه مسلم مسلمًا لأن مرجعه إلى العروبة، والعروبة رحم موصولة. وإلى الدين، والدين عهد إلهي لا ينقض. وقد يكون الشعور عند الأمم العربية أو الإسلامية البعيدة الدار، أو التي تحول بينها وبين فلسطين الحوائل أقوى منه عند الأمم القريبة الجوار، المتصلة الأسباب، الميسّرة المآرب، لقاعدة يعرفها علماء النفس وهي أن الحرمان يذكي الشعور. والأمّة الجزائرية العربية المسلمة من هذا القبيل فهي بعيدة الدار أسيرة في قبضة الاستعمار. يعد عليها الآهة تتأوهها والكلمة تقولها والبث تستريح إليه فضلًا عما فوق ذلك. ولكن الاستعمار لم يستطع أن يصل بكيده وقهره إلى مقرّ الإيمان بعروبة فلسطين ومستودع الشعور نحو عرب فلسطين. وهذان هما كل ما تملك الأمّة الجزائرية من ذخيرة معنوية. وإذا تأخرت الأمّة الجزائرية عن إعانة فلسطين بالممكن الميسور فعذرها أنها كانت منهمكة في المطالبة بحقها في الحياة، وكانت من أجل ذلك في صراع مستمر مع الاستعمار وكانت- بتدبير الاستعمار- موزّعة القوى بين أحزاب متناحرة صارفة أكثر همّها إلى الفوز في الإنتخابات والحظوة بكراسي النيابات. صمّاء عن الدعوة إلى التآخي والاتحاد. إلى أن لعب الاستعمار

стр. 623

بجميعهم وضربهم تلك الضربة في انتخابات المجلس الجزائري الأخيرة. تلك الضربة التي لا يحمل وزرها ومسؤوليتها إلا من هيّأ للحكومة أن تقدم على تلك الفضيحة. كانت هذه الجريدة كتبت فصولًا متتابعة مؤثرة في قضية فلسطين فشرحت فيها كثيرًا من الخفايا وكشفت عن كثير من الخبايا وقامت عن الجزائر بالحق الأدبي لفلسطين كاملًا. وحق لهذه الصحيفة أن تفخر بأنها شاركت أخواتها العربيات في الشرق بجهد لا يقلّ عن جهودهن، وبجهاد قلمي لا يقصر عن جهادهن. وكانت هذه الجريدة تكرّر دعوة الأحزاب إلى الاتحاد في الشؤون الداخلية ومنها الانتخابات ليتخذوا من ذلك ذريعة إلى القيام بعمل جليل مشترك في إعانة فلسطين يشرّف الجزائر العربية ويرفع رأسها ولكن خابت الدعوة. وكان مدير هذه الجريدة وإخوانه العلماء بذلوا من الجهد العملي في سبيل الاتحاد ما تفرضه عليهم عروبتهم ودينهم ووطنيتهم. ولكن خابت أعمالهم، وإن لم تخب آمالهم. ومرّت قضية فلسطين في أطوار سريعة غبنت فيها العروبة والإسلام أفحش غبن، وظُلِمَا أقبح ظلم وصرح الاستعمار بشواهد الأقوال والأحوال أنه أخو الاستعمار وناصره ومقيم قواعده، ووصلت فلسطين إلى الدرجة التي يجب فيها العون على كل عربي وعلى كل مسلم وان بعدت الدار وتكالب الاستعمار. فجدّدنا الدعوة إلى الاتحاد منذ أسابيع وكنا البادئين بالدعوة لا كما تزوره بعض البلاغات الحزبية. واتخذنا من قضية فلسطين وسيلة جديدة للاتحاد عسى أن يجتمع عليها ما تشتّت من القلوب النافرة. وكان للأخ الشيخ الطيب العقبي مساع محمودة في هذا السبيل. وكانت الأمّة التي أضناها الخلاف وكادت بسببه- تكفر بالأحزاب ورجالها- مستبشرة بهذه المساعي راجية أن تكون الحوادث لقّنت رجال الأحزاب درسًا قاسيًا يردّهم إلى الصواب فيما دعوناهم إليه هذه المرّة. ولكن رجال "حركة الانتصار للحريات الديمقراطية" لم يكونوا ديمقراطيين. فبعد أن قبلوا الدعوة وحضر ممثّلهم لا يحمل قيدًا ولا يشترط شرطًا. أفهمنا في اليوم الثاني باسم حزبه أنهم لا يرضون إلا بأن يكون كل شيء تحت رئاستهم. وأنه إذا لم يكن ذلك فلا يكون شيء. وقد تشكّلت الهيئة العليا من أربعة على الصورة الآتية: ولعل التاريخ الذي غبناه مرارًا ينتقم منا هذه المرّة فيلجئنا إلى نشر كل شيء بشواهده وشهوده وأيامه ولياليه. وهذا تركيب الهيئة العليا: محمد البشير الإبراهيمي: رئيس عباس فرحات: كاتب عام الطيب العقبي: أمين مال إبراهيم بيوض: نائبه ***

стр. 624

ثم تألّفت لجنة تنفيذية بالعاصمة من رجال العلم والثقافة ورجال الأعمال والاقتصاد وشباب العمل. وبدأت الهيئة العليا بإرسال برقية تأييد لسعادة عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية وبرقيات احتجاج واستنكار للحكومات المسؤولة، وقد جاءنا منها نصوص البرقيات مع بلاغ. ونحن ننشر الجميع- كما يراه القارئ- في هذا العدد.

стр. 625

" البصائر" ومعهد ابن باديس * للبصائر أن تفخر- في غير من- بما قدّمته لمعهد عبد الحميد بن باديس من خدمة له وتنويه بشأنه. وتعدّ ذلك من أعمالها الصالحات لأنها تعتقد أن هذا المعهد هو المرحلة الثانية من مراحل النهضة العلمية التي بنى دعائمها رجال جمعية العلماء في عقد ونصف عقد من السنين. وللبصائر أن تبتهج بهذا النجاح الباهر الذي تجلّت عنه اختبارات الانتقال في سنة المعهد الأولى، وبهذه النتائج المدهشة التي حصل عليها تلاميذ المعهد في الكمية والكيفية، وبهذه الكفاءة الممتازة من مدير المعهد وأساتذته. حضرت بنفسي معظم أيام الاختبار التي دامت عشرة أيام، وعجبت للنظام والضبط قبل أن أعجب للنتائج، وأشهد أن لجان الامتحان كانت متشدّدة لا متساهلة ومع ذلك فقد أبى العمل الجليل إلا أن يعرب عن نفسه، وأبى العرق الأصيل إلا أن يبين عن عتقه. والحمد لله الذي وفّق وأعان، والفضل لأخينا الشيخ العربي التبسي مدير المعهد ولأبنائنا الأساتذة المدرّسين بالمعهد، فقد كشف الاختبار، عن صدق الاختيار وحقّقوا رجاءنا فيهم. وان التوفيق في اختيار الكفاءات هو أول مراتب النجاح. والبصائر حين تقدّم للمعهد هذه المعونة الأدبية الثمينة، تتمنى لو أن حالتها المالية تسمح لها بتعزيز هذه المعونة بأخرى مادية هو أحوج ما يكون إليها، وإذًا لجادت عليه بكل فواضلها غير بخيلة ولا منانة، ولضربت المثل الشرود للأمّة في البذل للمشاريع النافعة، ولأقامت الدليل المحسوس على أن هذه العصابة القليلة من العلماء تري للأمّة مالها وتربّيه،

стр. 626

وتبديه ولا تخفيه، ثم تحيله كيمياء التدبير علمًا وبناءً ومشاريع ورجالًا وحقائق وأعمالًا تنفع الناس وتمكث في الأرض. وقد رأت "البصائر"- بمناسبة انتهاء دروس المعهد- أن تشارك في إمداده بالمال، وتساهم في تحقيق برنامجه الواسع للسنة المقبلة، فأجمعت الرأي على أن تتبرعّ عليه بعدد في القريب، فتعدّه إعدادًا خاصًا وتحلي صدره بصورة عبد الحميد بن باديس الذي يتشرّف المعهد بالانتساب إليه وبصور المدير والأساتذة ورجال لجنة المالية والمراقبة وبكلمات للأساتذة، وتنشر أسماء التلامذة الناجحين في الاختبار تنشيطًا لهم ولأوليائهم. ولكن هل يجمل بـ "البصائر" أن تنفرد بهذه المكرمة البكر دون قرّائها؟ وهل يجمل بقرّاء "البصائر" أن يشتروا هذا العدد الذي هو سجلّ شرف بالقيمة الاعتيادية التي لا تشرّفهم ولا تغني عن المعهد غناء؟ لا والله ... لا يجمل بـ "البصائر" أن تنفرد، ولا يجمل بقرّائها أن يتمسكوا بحقهم المشروع. ومَن الفيصل في القضية؟ الفيصل هو "البصائر". فقد حكمت بأن تكون قيمة هذا العدد الخاص بالمعهد "خمسين فرنكا": وهي تتقدّم بالرجاء الخالص إلى الأمّة أن لا يثقل عليها هذا المبلغ في هذا السبيل، وإلى الباعة أن يتنازلوا عن حقهم المعلوم، وإلى المشتركين أن يتسامحوا ويدخلوا مع الجمهور في سوق الشراء فيشتروا ذلك العدد الخاص من الباعة كسائر القرّاء لتظهر الأمّة كلها بمظهر واحد في السماحة والبذل. وسيبدأ مدير الجريدة وأسرتها وعمّالها فيشترون الأعداد الأولى حين تخرجها المطبعة، ثم يتولّون البيع بأنفسهم. وعلى أبنائنا الأساتذة والمعلّمين وجميع الإخوان المصلحين أن يقتني كل واحد منهم عددًا وأن يتولّى بنفسه بيع ما يستطيع من النسخ وأن يتباروا في هذا المضمار، فإنه مضمار شرف وميدان استباق إلى الخيرات. ويد بالمال للعلم تجود ... مزنة بالغيث تهمي وتجود رب صرح شيد للعلم غدا ... وهو للأمّة كون ووجود

стр. 627

معهد عبد الحميد بن باديس: ما له وما عليه * أخذت القلم لأكتب كلمة عن المعهد في هذا العدد الخاص به من "البصائر" فاستعرضت ماضيه منذ كان فكرة إلى أن أصبح حقيقة مبصرة، فرجع الصدى قريبًا لقرب العهد كما ترجع ومضة "الرادار" حين تصطدم بجسم في فراغ الأثير. ثم استعرضت مستقبله فمثّلته الخواطر آمالًا كلها حلاوة وطيب، وغايات كلها نسيم بليل وزهر رطيب، وانفتحت آفاقه عن مثل رونق الضحى وإشراق الأصيل. فتفتحت نفسي للكتابة وهممت- على كلال الذهن والجوارح- أن أكتبها في نفس، وقلت لتكونن كلمة ذات أثر، تملأ السمع والبصر. ولأثأرن بها لنفسي من العوائق التي رمت طبعي بالجفاف وقريحتي بالركود. ولكن نفسي وقفت موقف الرقيب، بين المحب والحبيب، وأبت إلا أن أكتب عليها ... قلت لها إن هذا ليس لي ولا لك بعادة. وأنا امرؤ- كما تعلمين- ركب في طباعي نوع من الخمول والزهد في كل ما يتعلق بك. وأشهد كما تشهدين- أنه ليس من الخمول المصطنع ولا من الزهد المكتسب وإنما هو نوع لا ثواب فيه ولا محمدة، كالطول في الطويل، والسواد في الأسود، والبلادة في الجمل. فلجت في التعرض، فقاطعتها بكتابة كلمات صادقة عن الشيخين اللذين يقوم المعهد على اسميهما: ابن عاشور وابن باديس ولكنها لم تقنع وشوّشت كل ما في ذهني من صور جميلة وأخيلة بارعة لمستقبل المعهد، وطال اللجاج حتى خشيت أن أفوّت على العدد الخاص ميقاته. ومن عادتي في هذه الكلمات التي أفتتح بها أعداد "البصائر" أن أكتبها- في الغالب- في النصف الأخير من آخر

стр. 628

ليلة في الأسبوع، ولا أكتبها إلا بعد مضايقة من المطبعة لحمزة (١)، ومضايقة من حمزة لي: وحمزة- فيما يتراءى لي- أجرأ أسرة البصائر علَيّ، وقد أكتب الكلمة وأنا مسافر فأحسّ في باطن نفسي راحة من مضايقة حمزة لي. وأن مضايقات حمزة لأعود بالخير على "البصائر" من ضيقي وتبرمي، ولعلّي كشفت عن بعض السبب في التفاوت الذي يلمسه القرّاء في تلك الكلمات في الأسلوب والموضوع والطول والقصر. سلكت مع نفسي في المدافعة والمساومة فجًا آخر فقلت: سأرضيك- نسيئة لا نقدًا- بالكتابة على صحيفة سخيفة، تدعو إلى دين بني حنيفة. أو على صحافي حافي شره ليس بالخافي. فقالت: لست مسيئة، حتى أرضى النسيئة. ولا يكتب عن صحافي أو صحيفة في عدد خاص، إلا رجل (باص). ونفسي- كما يعلم بعض القرّاء- جزائرية سطيفية، فكلمة باص بتشديد الصاد من لغتها. ومعناه: لا عقل له. فقلت: أو قد بلغت بي إلى هذا الحدّ يا أمة الله؟ فقالت: ولا بدّ من الكتابة عليّ في هذا العدد. فقد كتبتَ على بعض النفوس فقال الناس أحسنت التصوير، وقالوا أبدعت. وأنا أعلم من هنياتك أنك ستكتب على نفوس أخرى. وأعلم من خفاياك أنك ستسلك بها شعابًا من التصوير لم تسلكها إلا في ملاحم أفلو (٢) التي سيقرؤها الناس بعد موتك- وأنا نفسك التي بين جنبيك، وأنا أقرب الأشياء إليك، وأنا وأنا ... ومضت تتجنّى وتتعنّت. فقلت فضحتني فضحك الله. وإنك لمملوءة الوطاب، من سوء أدب الخطاب. ولست في هذه المرّة أمة الله وإنما أنت أمة الشيطان، وسأكل الكتابة عليك إلى فلان ... قالت: بائع مدح وقدح. يعرف القيم الفلسية، لا القيم النفسية. وأحر به أن لا يشرف إذا مدح، ولا ينكى إذا قدح. وهنا فلسفة أنت عن معرفتها غني، قلت: فإلى فلان ... قالت: يتسرع، ويتبرع، ولا يتورع. فإذا مسّته الحاجة يتضرّع، وإذا مسّته الكلمة يتجرّع من الغمّ ما يتجرّع. وأخلق بكتابته أن تكون صبغة من نفسه. قلت: فإلى فلان ... قالت ذاك طائش السهام، راكد الإلهام. ثائر الأوهام، فأية منزلة تبلغنيها كتابته؟ وعرضت عليها نسقًا من الكتاب الراضين عليها والساخطين فأبت إلا أن تكون الكتابة مني عني. وقعت من نفسي- لأول مرّة منذ اصطحبنا- على باقعة، فجنحت للسلم. ولولا حرمة الشهر وعهد المعهد لأخرجت للقرّاء من هذه المحاورات بين رجل ونفسه ما يضحكهم في الزمن العابس، ويسيرهم إلى السرور والركب حابس. وقد اتفقنا بعد طول الجهد على أن أكتب عليها وعلى المعهد من الجهة التي يتصلان فيها. وهي أثرها في تكوينه- فإذا قرأ القرّاء لي هذه الكلمة المهلهلة ورأوا فيها حديثًا عن

стр. 629

نفسي فليعلموا أنني مغلوب على أمري من عجوز. ولم يغلبك مثل مغلب. وليصدقوا الله كما صدقتهم، فما منهم إلا من غلبته عجوز بأحد معانيها، ولا أستثني أم الخبائث فقديمًا سمّتها العرب عجوزًا. وهل أنبئ القرّاء بسرّ وهو أنني أضمرت الخديعة لنفسي، وقلت أعطيها قليلًا وأكدي، فانتقمت مني كما انتقمت بعوضة توت من كاشف قبره، وفاضح سرّه. فنثرت كل ما كان في خاطري منظومًا من الصور الفنية عن المعهد ومستقبله وما ننوي له من أعمال وما نعلق عليه من آمال. وجاءت المقالة عادية النمط، عليها ميسم الصدق، وليس عليها جلاله، وفيها مخيلة الحق، وليس فيها جماله. ... معهد عبد الحميد بن باديس: والمعهد تجمعه ثلاث كلمات: مكان، وإدارة، وتعليم. أما المكان فهو دار منسوبة إلى أسرة عريقة في المجد، وهي أسرة ابن الشيخ الفقون التي يعرفها التاريخ بأعلامها في العلم والأدب. شاركت الأمة الجزائرية كلها في بذل الأموال التي اشترت بها الدار، وأنفقت على إصلاحها وإعدادها، وشارك كاتب هذه السطور بكل ما يملك وما يملك إلا اللسان القوال، والعزم الصوال، والجثمان الجوال. ولولا هذه الثلاثة لما اشتري المعهد ولا عمر في هذه السنة ولتأخر وجوده في التاريخ سنة أو سنتين أو سنوات. وان في تأخير هذا المشروع إطالة لمرض الجهل وتأخيرًا لشفاء هذه الأمّة، وأن في التعجيل به تعجيلًا لشفائها ونقصًا من المرض ومدّته. فقد كان جميع إخواني ومن ورائهم أنصار العلم متفقين على ضرورة إنشاء المعهد، وأنه الخطوة الثانية بعد التعليم الابتدائي الذي وصلنا فيه إلى نتيجة صالحة وغاية متمكنة. ولكنهم كانوا متفقين على أن الزمن غير صالح للشروع في العمل نظرًا لحالة الأمة المالية وتوالي الأزمات عليها. وجزى الله إخوان الصدق أصدق الجزاء فما أن رأوا تصميمي وعزيمتي على شراء المكان حتى انشرحت صدورهم للذي انشرح له صدري. واستسهلنا الصعوبات فسهلت، وهززنا الأمة للتعاون على الخير والعلم فاهتزت. وقطعنا في الأسابيع مراحل ما كانت تقطع في الشهور والسنوات. وكان الشراء والإصلاح جاريين في جهة، والتنظيم والاستعداد للتعليم

стр. 630

جاربين في ناحية، والمقاومات الخفية والعلنية ممن لا يخافون الله جارية في ناحية ثالثة إلى أن غلب الحق على الباطل والعزيمة على التخذيل. وفتح المعهد أبوابه بعد شهرين من بداية العمل، والحمد لله الذي وفق وأعان، والشكر للأمّة التي شبّت على الحق، وعرفت العاملين للحق فأيّدت ونصرت. ... وأما الإدارة فقد كانت- في رأيي- وما زالت أصعب من المال. لأن الصورة الكاملة التي يتصوّرها ذهني للإدارة الرشيدة الحازمة اللائقة بهذا المعهد العظيم، نادرة عندنا. ونحن قوم نقرأ لكل شيء حسابه. ولا نقدّم لجلائل الأعمال إلا الأكفاء من الرجال. وقد كنت مذخرًا لإدارة المعهد كفؤها الممتاز وجذيلها المحكك الأخ الأستاذ العربي التبسي الذي كانت تمنعه موانع قاهرة من تولّي الإدارة ومن الانتقال من بلده إلى قسنطينة، وكنت أقدّر تلك الموانع، وأزنها بميزانها الصحيح، وأراها بمثل العين التي يراها بها. فكيف العمل؟ العمل هو جعل تلك العوامل كلها عاملًا واحدًا وتفتيته حتى يصير ذرات، أرضينا سكان تبسة الكرام الذين كانوا يعدون انتقال الأستاذ التبسي عنهم كبيرة يرتكبها من يتسبّب فيها، وأقنعناهم بأن الشيخ العربي رجل أمّة كاملة لا بلدة واحدة. ورجل الأعمال العظيمة لا الأعمال الصغيرة. فاقتنعوا. وأمنا لهم مشاريعهم العلمية والدينية، بإيجاد من يخلف الأستاذ فيها فرضوا مخلصين. وقد كنت قبل ذلك كله تلطفت في الحيلة على أخي الشيخ العربي لما أعتقده من إخلاصه الكامل في خدمة أمّته، ومن تقديره لجهود أخيه هذا. وذلك أنه لما هوّل عليّ قضية المال الذي يتطلبه المعهد في شرائه وتعميره، هوّنت عليه القضية وهوّلت عليه شأن الإدارة إذا لم يقبلها هو، فلم يجد بدًّا من تهوينها عليّ إخلاصًا منه ومقاسمة للعبء مع أخيه. وإن أنس فلا أنس قوله لإخوانه المشائخ المدرّسين يوم اجتمعنا لنقرّر منهاج السير في التعليم. أيها الإخوان: "إن التعليم بوطنكم هذا، وفي أمّتكم هذه ميدان تضحية وجهاد، لا مسرح راحة ونعيم. فلنكن جنود العلم في هذه السنة الأولى، ولنسكن في المعهد كأبنائنا الطلبة، ولنعش عيشهم: عيش الاغتراب عن الأهل. فانسوا الأهل والعشيرة ولا تزوروهم إلا لمامًا. أنا أضيقكم ذرعًا بالعيال للبعد وعدم وجود الكافي، ومع ذلك فها أنا فاعل فافعلوا. وها أنذا بادئ فاتبعوا". فكانت كلماته هذه مؤثّرة في المشائخ، ماسحة لكل ما كان يساورهم من قلق ... ومضت السنة الدراسية على أتمّ ما يكون من النظام الإداري، وعلى أكمل ما يكون من الإلفة والانسجام بين المشائخ بعضهم مع بعض، وبينهم وبين

стр. 631

مديرهم، حتى كأنهم أبناء أسرة واحدة، دبّوا في حضن واحدة، وشبّوا في كنف واحد، وربّوا تحت رعاية واحدة، توزّع الحنان بالسوية، وتبني الحياة على الحب. وأن مرجع هذا كله إلى الأخلاق الرضية التي يجب أن يكون مظهرها الأول العلماء. حي الله الأخلاق. وأحيا الله الأخلاق. وأنا أصدق القراء، فقد نجح المعهد في جميع نواحيه، ووالله ما اغتبطت بجميع ذلك ما اغتبطت بهذا الانسجام بين مشائخه، وهذه الرحمة المظللة لهم، وهذه المياسرة المتبادلة بينهم. وما كان اغتباطي موفورًا إلا لما قاسيته وأقاسيه من المعضلات النفسية والمشكلات الأخلاقية والتعاكس والتشاكس بين بعض أبنائي المعلمين، وما هي إلا بقايا من آثار التربية المضطربة لم يهذّبها العلم وسيهذّبها التأسي. إن هذا الانسجام البديع بين مشائخ المعهد سيكون درسًا عمليًا نافعًا لتلاميذهم يأخذونه بالتأسي لا بالتلقين. وسيكون أثبت أساس لتربيتهم الأخلاقية وأعزّ ميراث يرثونه عن مشائخهم، وان الانسجام بين التلامذة سبب خطير من أسباب النجاح. فليعلم أبناؤنا التلامذة هذا وليفقهوه. والأستاذ التبسي- كما شهد الاختبار وصدقت التجربة- مدير بارع، ومربّ كامل خرجته الكليتان الزيتونة والأزهر في العلم، وخرجه القرآن والسيرة النبوية في التديّن الصحيح والأخلاق المتينة، وأعانه ذكاؤه وألمعيته على فهم النفوس، وأعانته عفّته ونزاهته على التزام الصدق والتصلب في الحق وإن أغضب جميع الناس، وألزمته وطنيته الصادقة بالذوبان في الأمّة والانقطاع لخدمتها بأنفع الأعمال، وأعانه بيانه ويقينه على نصر الحق بالحجة الناهضة ومقارعة الاستعمار في جميع مظاهره. فجاءتنا هذه العوامل مجتمعة منه برجل يملأ جوامع الدين ومجامع العلم ومحافل الأدب ومجالس الجمعيات ونوادي السياسة ومكاتب الإدارات ومعاهد التربية. والأستاذ التبسي في إدارته يتساهل في حقوق نفسه الأدبية إلى درجة التنازل والتضييع، ولا يتساهل في فتيل من النظام أو الوقت أو الأخلاق أو الحدود المرسومة، ولقد كان- زيادة على الدروس التي يلقيها بنفسه- يطوف على الأقسام كلها بالتناوب متفقدًا، فيسمع المشائخ يلقون أو يسألون، والتلامذة يجيبون، ولقد كان بين المشائخ في أول السنة تفاوت، وبين التلامذة تباين عظيم، وكنت أنا ألمح هذا في الشهرين الأولين كلما اختلفت إلى المعهد، فما مضى شهران حتى رأيت بعيني أن ذلك التفاوت صار انسجامًا، وأن ذلك التباين انقلب اتحادًا ظهرت آثاره في آداب التلامذة وأخلاقهم وشمل هيئات الدخول والخروج والنوم والأكل وسائر التصرفات، وما جاء ذلك إلا من ضبط المدير وحزمه

стр. 632

وجاذبيته. وأشهد ... لقد حدّثني المشائخ في الأشهر الأخيرة فرادى ومجتمعين بأنهم انجذبوا إلى العلم انجذابًا جديدًا، وحببت سيرة الأستاذ التبسي التعليم إليهم على ما فيه من مكاره ومتاعب وأنهم أصبحوا لا يجدون بعد جهد سبع ساعات متواصلة يوميًا، نصبًا ولا لغوبًا. وليس الأستاذ التبسي جديدًا في سياسة التعليم والارتياض على الإدارة. فقد باشر التعليم المدرسي سنين عددًا بمدرسة "سيق" وباشر الإدارة والتعليمين المسجدي والمدرسي سنين بمدرسة تبسة ومسجدها اللذين أنشأهما بجهده ونفوذه. ثم اضطلع بالتعليم المسجدي وإدارته لتلامذة الجامع الأخضر، بعد موت الأستاذ الرَّئِيسُ عبد الحميد بن باديس وانتقال التلامذة إلى تبسة في أيام الهزاهز والفتن. وأن من تلامذته في ذلك العهد رجالًا هم زينة مدارسنا اليوم، ومنهم من هاجر إلى الشرق ليكمل علمه فأوفى وبرز. ... وأما التعليم فهو الغرض والغاية من المعهد وأن معهدنا ليعنى من أول يوم بالتربية التي تهملها المعاهد كبيرها وصغيرها أو تتساهل فيها مع أنها هي الأصل والأهم المقدّم. كما يعنى باهتمام بغرس العقائد الصحيحة في أذهان التلاميذ وبتعويدهم على العبادات البدنية حتى ينشأوا مؤمنين عاملين للصالحات. وما قام الإسلام إلا على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ونقول آسفين: إن معاهدنا الإسلامية في الشرق والغرب فرطت في جنب هذا الأصل العظيم وأهملت الأصلح واقتصرت على الصالح. ولعل موجة الإصلاح الآخذة في الامتداد تأتي على النقاثص وتأتي بالكمالات. وقد صدق الاختيار في المشائخ الذين وسدنا إليهم أمر التعليم في هذه السنة، فما منهم إلا من جلا وجلى وأحرز الغاية وحقّق الظن. وقد بنينا اختيارهم على أساس التجربة والمعرفة اليقينية بدرجة التحصيل، لا على اعتبار الشهادات الجامعية، وان كنا نقدّرها حق قدرها ولا نستخف بها. فالشيخان أحمد حماني وأحمد حسين يحملان شهادة "العالمية" من الزيتونة والشيخان عبد المجيد حيرش والمولود النجار يحملان شهادة التحصيل من الزيتونة أيضًا. والشيخ العباس بن الشيخ متخرج من القروبين. ولأكثرهم دربة بالتعليم ومران عليه وعلى أساليبه حيث قضوا فيه سنوات في ظل الحركة الإصلاحية وفي ميدان النهضة التعليمية، أما الشيخ نعيم النعيمي فهو عصامي في العلم، وحجة على أن الذكاء والاستعداد يأتيان مع قليل من التعليم بالعجائب. والرجل مجموعة مواهب لو نظّمت في الصغر ووجّهت لجاءت شهادة قاطعة على أن لا مبالغة في كل ما يروى عن أفذاذ المتقدمين. فهو يحفظ الأحاديث

стр. 633

بأسانيدها (لا على طريقة عبد الحي) ويحفظ عدة ألفيات في السير وعلوم الأثر والنحو وغيرها، ويحفظ كثيرًا من متون العلم ويجيد فهمها وتفهيمها، ويحفظ جزءًا غير قليل من اللغة مع التفقه في التراكيب، ويحفظ أكثر مما يلزم الأديب حفظه من أشعار العرب قديمها وحديثها ومن رسائل البلغاء قريبًا من ذلك ويقرض قطعًا من الشعر كقطع الروض نقاء لغة، وصفاء ديباجة، وحلاوة صنعة. وقد أسلس له الرجز قياده فهو يأتي منه بالمطولات لزومية منسجمة سائغة في روية تشبه الارتجال. وهو ثاني اثنين من رجاز العرب في عصرنا هذا، ولو شئت لذكرت الأول كما يقول الصاحب ابن عباد. وإنما آثرت نعيمًا بهذه الكلمات لأنه ليست له "شهادة" فجئته بهذه الشهادة. والنية معقودة على إلحاق الثلاثة الذين خلفتهم الأعذار الغالبة بالمعهد في سنته الثانية. وهم المشائخ المدرّسون: محمد السعيد الزموشي، وعبد القادر الياجوري، ومحمد الجيلاني المجاجي الأصنامي، وكلهم متخرجون من جامع الزيتونة، وثالثهم يمتاز بالتلقي عن الأستاذ الرَّئِيسُ عبد الحميد بن باديس ومعدود في الطبقة الأولى من تلامذته، وقد باشر التعليم في حياة الأستاذ وتحت إشرافه. وكل من الثلاثة مبرز في صناعة التدريس. ... الفرع وأصله: والمعهد وإن كان فرعًا عن جامع الزيتونة لا يخرج عن برامج أصله في الجملة. ولكنه قد يزيد عليها لفائدة محقّقة أو راجحة. وهو ينوي التوسع في مبادئ علوم الحياة وينوي توجيه النوابغ فيها إلى استكمال معلوماتهم في جهة أخرى غير الزيتونة على نفقته وتحت إشرافه ورقابته ليأخذوا من العلوم التطبيقية بنصيب فينتفعوا وتنتفع الأمّة بهم. وسيخرج المعهد عن نظام جامع الزيتونة في نقطة تحديد السن فيأخذ بالتحديد جريًا على السنة المأثورة عند جميع الأمم، ولعل جامع الزيتونة سينتهي بالتدريج إلى الأخذ بالتحديد. ... ومطالب المعهد: كان العبء المالي في السنة الماضية ثقيلًا جدًّا، لأن ثمن الشراء والإصلاح- وهو يناهز سبعة ملايين من الفرنكات- زاحم النفقات الشهرية من أكرية وأجور وإعانات، والتقى معها في شهر واحد، فأدّى ذلك إلى أن المعهد ما زال مدينًا ببعض قيمته. أما السنة الآتية

стр. 634

فسيكون العبء أثقل لأن عدد المدرّسين سيزيد، وعدد التلامذة سيتضاعف وسنجد أنفسنا مضطرين إلى زيادة أقسام في السنة الأولى، وزيادة قسمين على الأقل في السنة الثانية، وزيادة قسم في السنة الثالثة. وإحداث سنة رابعة، ويترتّب على ذلك كله مضاعفة الأجور والإعانات وأجور السكنى. وان إدارة المعهد، ومعها اللجنة المالية، ومعهما جميع المصلحين وأنصار العلم باذلون جهودهم في إحضار السكنى للمشائخ وللتلاميذ. لأن المشائخ- ومنهم المدير- لا يستطيعون أن يعيشوا بعداء عن أهليهم سنة أخرى. وقد آذنوني بذلك من السنة الماضية واشترطوا فقبلت اعتمادًا على الله وعلى الأمّة. والشرط أملك، فلتعلم الأمّة هذا ولتعلم معه أننا قمنا بالواجب وبنينا لأبنائها صرحًا شامخًا، ومعهدًا للعلم باذخًا، وأبرأنا ذممنا من كل ما نستطيع الوفاء به. وأننا واثقنا الأمّة على التعليم فوفينا، وعاهدناها على السير بها إلى الأمام فبررنا. فإن وقع تقصير بعد الآن عن الغاية أو تراجع إلى الوراء فتبعته ملقاة على الأمّة وحدها. وإذا كانت هذه الأمّة تريد الحياة حقًا فقد شرعنا لها سننها، وفتحنا بابها وخططنا خطتها وبنينا أساسها، وقد قمنا في هذا الباب بواجبنا كاملًا، فليقم كل فرد من أفراد الأمّة بواجبه، حتى تحفظ هذه المشاريع وتقوى وتتكامل. ... النجاح يقوّي الأمل: نجح المعهد في السنة الأولى من عمره نجاحًا فوق المأمول. وأحسّ بذلك المشائخ والتلامذة، وأنصار العلم المتتبعون لسيره، والخصوم المتربصون به الدوائر وكل زائر له، وجاءت الامتحانات مصدقة لذلك. ولقد قرأت في أيام الامتحان ثلاث قطع من إنشاء تلاميذ السنة الثالثة، فوالله ما كدت أصدّق أنها من إنشائهم، لولا الأدلّة القاطعة على ذلك. ولولا أني توصلت بلطف الاستدراج إلى اليقين. إن هذا النجاح قوّى الرجاء في تحقيق الغاية من المعهد، وبسط الأمل، وهوّن العسير من الوسائل بما بثّه في نفوسنا ونفوس الأمّة من اطمئنان، وبما أكّد بيننا وبينها من ثقة، وأننا سنعمل على توسيع الميدان في هذه السنة بما ذكرناه من زيادة المشائخ والتلامذة والأقسام، وإحداث السنة الرابعة التي يحصل التلميذ فيها على الشهادة الأهلية ويخطو منها إلى جامع الزيتونة. وإدارة المعهد منهمكة في إعداد التراتيب الجديدة، على ضوء التجارب القديمة،

стр. 635

وستعلن ذلك مع الشروط في أوائل سبتمبر الآتي. وسنستدعي من يمكن استدعاؤه من أبناء الجزائر المغتربين في طلب العلم، الناهلين من ينابيعه الصافية العذبة المحصلين على أعلى درجاته علمًا وشهادة، لينفخوا في المعهد من أرواحهم القوية. ويبثوا فيه نشاطًا أقوى من نشاطنا، ونظامًا أكمل من نظامنا. هذا وإن الشرط الأساسي لنجاح المعهد وسيره من كامل إلى أكمل هو استقلاله في إدارته ونظامه وماله، وقد حقّقنا له هذا الشرط من أول يوم، فلا يتدخل في إدارته غير مديره ومستشاريه من المشائخ، وسيتكوّن منهم في المستقبل القريب مجلس إدارة بمعناه الصحيح. وكوّنا لجانه العاملة في النظام والمالية من رجال الإصلاح بقسنطينة. فالمعهد يجمعه قولك: فرع باسق بقسنطينة لأصل ثابت بتونس. ... همسة في أذن الأمّة: بوركت أيتها الأمّة ، وبورك فيك الكرم وعلوّ الهمّة. إن معهدًا واحدًا لا يكفي لأمّة شارف عددها عشرة ملايين، فماذا أنت صانعة؟ أنت أمّة ولود للذرية. فالواجب أن تكوني ولودًا لأسباب الحياة لهذه الذرية. وفي مقدمة أسباب الحياة المدارس والمصانع. فإن كنت تلدين الأحياء ولا تلدين الحياة فبئس الأمّة أنت. إننا ننظر النظر البعيد في صالحك وما فتحنا معهد قسنطينة حتى عقدنا العزم على فتح معهد في مدينة الجزائر وآخر في مدينة تلمسان. يأوي كل واحد منها ألف تلميذ، لنغسل عنك لطخة عار سجّلته عن نفسك بهجرة أبنائك إلى الشرق والغرب في طلب مبادئ الفقه والعربية. أيتها الأمّة: قلنا لك ان العلم هو عمارة الوطن وأساس الوطنية ومنشئ الوطنيين. وأرشدناك إلى أن العلم بالتعلم. وحثثناك على تكثير مدارسه. وما غششناك في نصيحة، ولا دليناك بغرور. ولا استهويناك بخيال. في حين تألب عليك الغاشون والغارون والمستهوون. لك علينا البناء والتشييد، ولنا عليك العون والتأييد، وهذه مائة مدرسة وبضع عشرات من المدارس الابتدائية شدتها بإرشادنا، وبذلت فيها الملايين لم يلامس أيدينا منها درهم
следующие страницы →