← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

التجول: أول واجب على علماء الدين نشر الهداية الإسلامية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكبر وسيلة إلى ذلك دروس الوعظ والإرشاد، وجمعية العلماء ما سنت سنة التجول في البلدان للوعظ والإرشاد إلّا قيامًا بهذا الواجب، ولكن الإدارة ضايقتهم في هذا الواجب فمنعتهم من التجول لاعتبارات وهمية هم يتبرؤون منها، وآخر ما وقع من هذا النوع منع رئيس جمعية العلماء من التجول ولا زال هذا المنع جارًيا إلى الآن. إن تجول العلماء للوعظ والإرشاد من وسائل نشر الدين وتعليمه، ومن القواعد المسلمة أن ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب. النوادي: جمعية العلماء ترى أن النوادي التي أسستها أو تؤسسها هي في حكم مدارس التعليم ومكملة لوظائفها. لأن طبقات الأمة ثلاث: صغار تضمهم المدارس الابتدائية، وكبار تجمعهم المساجد، وشبان تتخطفهم الأزقة وأماكن الخمر والفجور، فإذا أرادت الجمعية أن تقوم بواجبها الديني معهم لم تجدهم في المساجد ولا في المدارس، فمن واجب الجمعية أن تنشط النوادي لتقوم بمهمتها التهذيبية فيها، وعلى الحكومة أن لا تضايقها فيما يقوم بحياتها فتمنعها من المشروبات المباحة كما وقع في قرار مارس سنة ١٩٣٨. نرجو بكل تأكيد أن يلغى هذا القرار وبقية القرارات الجائرة فتتمتع المدارس والمساجد والنوادي بالحرية التامة. عن المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الرَّئِيسُ: محمد البشير الابراهيمي

стр. 562

في السجن العسكري بالعاصمة ثم قسنطينة (١٩٤٥ - ١٩٤٦) *

стр. 563

رسالة إلى الأستاذ إبراهيم الكتاني* هذه - أطال الله بقاء أخي- قطعة من فصل طويل من ملحمة أطول، نُظمتْ في أوقات الفراغ في شهري ناجر من الصيف الماضي، وقد اشتملت على أفانين من الجدّ والهزل، والشخْت والجزل، ووصف الرخاء والأزْل، والولاية والعزل، والنكْث والغزْل، وتراجم لرجال سَواسِيَة في الحس كأسنان الحمار، قد أبصروا بعَماهم، وعرفوا بسيماهم، فإذا رأيت أحدَهم رأيتهم جميعًا، وإذا سمعت اللغو كنت لكلامهم سميعًا، وبذلك أراحوا الناقد والواصف، إذْ يجمعهم قولك: أُشَابَة ومَنَاصِفْ. وان الطائفة من الناس لتشترك في خلال حتى لا يكون خطأً أن تشير إليها بهذا مكان هؤلاء، وكثيرًا ما أفكر في قومي ويذهب بي التفكير إلى أقصاه، فأجدهم كما قال ذو الرُّمَّة في وصف قبيلة تعرف بامرئ القيس: فَأَمْثَلُ أَخْلاَقِ امْرِئ الْقَيْسِ أَنَّهَا ... صِلاَبٌ عَلَى طُولِ الْهَوَانِ جُلُودُهَا فهذا من ذلك، وإذا طردنا القياس فما زال الناس كالناس، ولقد تسامى الخيال إلى وصف رجل من طائفة ممتازة وترجمته بأسلوب هزلي ليتسع القول وتتزاحب آفاقه، لأن الحقيقة في هؤلاء أضيق من أفحوص القطاة، فاتسع القول حتى ناهز ألف بيت، ثم عرضتُ جميع أفراد الطائفة على تلك الصفات فوجدتهم نسخًا من كتاب. ولئن تمتْ هذه الملحمة لتكوننّ أكبر ملحمة عرفت في تاريخ العربية، فقد قرأنا في تاريخ أدب هذه اللغة أن لَأبَان بن عبد الحميد أرجوزة في الحكم والأمثال بلغتْ آلاف الأبيات، وقرأنا منها قطعًا صالحة، وأكثر ما نظم أدباء العربية الملاحم أو شبه الملاحم في

стр. 564

بحر الرجز، وانّي لَأستعذبه رغمًا عن عدّ المعرّي إياه من سفساف القريض، قصَّرتم أيها النفر فقصَّر بكم. وأنا لا أستعذب من الرجز إلّا ما سلس وسهلت أجزاؤه كرجز ابن الخطيب في "نظم الحلل" ورجز شوقي في "دول الإسلام"، ولم أسمع ولا قرأت رجزًا أعذب ولا أسلس من رجز الشناقطة. حاولت أن أنظم تاريخ الإسلام- وأنا في المنفى- وهيأتْ لي خواطري ملحمة تبلغ عشرات الألوف من الأبيات، وقد رضت القوافي في عدّة وقائع شهيرة كبدر واليرموك والقادسية في أول الإسلام والارك والعقاب بالأندلس، ونظمتُ في دخول الإسلام إلى افريقية وبناء القيروان وموت عقبة ووصف مرابطة الثغور وفي طارق وموسى وطريف عدة فصول أبلغها وصف في جبل طارق لمحت فيه إلى الأحداث التاريخية التي كان سببًا فيها، ولكن القريحة جمدت من عيد الفطر فلم أصنع بيتًا واحدًا. إذا قرأتم هذا الفصل وأعجبكم فإني أوافيكم مع كل رسالة بفصل، وستجدون في فصول الشيطان ما يضحككم في هذا الزمن العابس. ... يَا دِينُ إنَّ الدَّيْنَ ليس ينْسَى ... بَلْ يُقْتَضَى مُعَجَّلًا أَوْ يُنْسَا يَا دينُ إنَّ الصّبغَ لَنْ يَحُولَا ... وإن عندك لهم ذُهولَا وعندك التِّراث والطوائِلْ ... مما قَرى الأوائِلُ الأوائلْ وهذه أَخلافهم تداعتْ ... بصورة قد أفظعتْ وراعتْ تألَّبوا عنك لأخذ الثار ... وأجلبوا في القسطل المُثار ونَصبوا لكيدك الأشراكَا ... من ألف عام لم تَزلْ دِراكا يا كَيْدةً كادوا لهذا الدينِ ... مجتاحةً لولا صلاحُ الدينِ ووقعةٌ بالسهل من حِطِّينِ ... دماؤهم في تُربها كالطينِ تكوّنوا من بعد ما استكانوا ... واخشوشنوا من بعدِ ما استلانوا واتصلوا من بعد ما فصَلْتا ... ونبتوا من بعد ما استأصَلْتا لم يُنْسِهِم طولُ المدى السيوفَا ... لَامعةً والخيلَ والزُّحوفَا ونظروا في أصلك اعتبارا ... ليفقهوا الحِكمَ والأَسرارا واقتبسوا منك الأصول والسُّنَنْ ... ففرعوا بها الهضابَ والفُنَنْ

стр. 565

وأخذوا في الكون بالأسبابِ ... وإنْ غدوا في الدين في تَبَابِ كأنّهم في الرأي والإعدادِ ... من عُصْبة الزبير والمقدادِ ومنه: قد تحركتَ فقالوا: حيُّ ... كما استجاش للنذير الحيُّ فحذروا أنْ تستعيدَ الكره ... وأن تعيد للعوالي الجره وأن هذي الثَّورةَ الروحيَّه ... تُعيدُ تلك الفَوْرَةَ النوحيَّه وذكروا آثارك الخوالدَا ... ومَجْدَك الفذَّ الصريحَ التالدَا وذكروا أنَّهُم في القِدَمِ ... لم يدركوا شأوك في التقدمِ وذكروا ما فيك من إصلاح ... للجمع والفرد ومِنْ فَلاِحِ وذكروا كيف طويتَ المغربَيْن ... في فجّك الأغرّ بعد المشرقيْن وكيف خرَّجتَ رُعاةَ الأمَمِ ... من أمَّة كانت رُعاة غَنَمِ ومنه: ثم استعانوا من بنيك بثُبَاتْ ... ليس لهم في موقف الحق ثَبَاتْ استجلبوهم بِالدَّها والَكَيْدِ ... واستدرَجوهم للزُّبَى كالصيدِ استضعفوهم واستخفوا شَانَهُمْ ... وألبسوهم- ضلَّةً- ما شَانَهُمْ وسحَروا أعينَهم واسترهبُوا ... ورغَّبوا بعاجل ورهَّبوا

стр. 566

رسالة إلى الطلبة الجزائريين بالزيتونة* بمناسبة ذكرى الإمام ابن باديس ــ أحيي بتحيات الله المباركة الطيبة أبنائي المهاجرين في سبيله، لا أخص بتحيتي من ينتسبون إلى وطن، أو تجمعهم جمعية، بل أعم من يظلهم دين ويربطهم لسان، ويجمعهم جامع، أولئك كلهم أبنائي؛ يستوون في حيي لهم، وعطفي عليهم، وآمالي فيهم، آحادهم وجموعهم. وأحيي بأحسن منها إخواني العلماء من حضر منهم في هذا المشهد وَمَن غاب عنه- أولئك الذين طبعتهم يد الرحمن على أن يكونوا أَلْسِنَةَ العروبة وحرسة الإسلام بهذا الشمال الإفريقي- تحية تحرك النفحات سواكنها وتثير المناسبات كوامنها، في هذه المناسبة التي حقيقتها ومغزاها إعلان الفضل من أهله، ووصل لرحم علمية لو أتى عليها النسيان لأضحت مجفوة، وبر بإمام لو لم تعمر الأفئدة ذكراه والألسنة ذكره لأصبح حقه مكفورًا. أيها العلماء الخِيَرة، أيها الأبناء البررة: حيّكم الله وبيّاكم، وأبقاكم عوامل رفع لهذا الوطن وأحياكم، وأطال أعماركم للعربية تعلون صروحها وتنقشون في الأنفس لا في الأوراق شروحها، ولهذه الأمة تضمدون جروحها وتداوون قروحها، وللملة الحنفية تحمون حماها وترمون من رماها. إن الإسلام والعروبة- يا إخواني ويا أبنائى- إذا ذكرا ذابت القيود، وتلاشت الحدود، واجتمعت الأقطار على رحبها في بيت. وأن أخوة الإسلام والعروبة لا تقوم على الأقوال وإن طالت وكثرت، وإنما تقوم على الأعمال والحقائق. ولو أوتينا رشدنا لأقمنا كلمتي المسلم

стр. 567

العربي مقام هذا النسب المعروف إلى البلدان والقبائل، فما هذا النسب إلا ثُغَر ومداخل لشيطان الوطنيات الضيقة التي ليست من ديننا ولا من ميراث سلفنا، فتواصوا جميعًا بتحقيق هذه النسبة الإسلامية العربية وتثبيت أصولها في نفوس أبناء هذه الأمة. أيها الإخوان، أيها الأبناء: لا نكون مُبالِغين إذا قلنا إن لفقيدنا العزيز عبد الحميد بن باديس مِنَّة على كل من يحمل بين جنبيه روحًا جديدة أو فكرة سديدة من أبناء الجزائر أينما كانوا، لا فرق في ذلك بين طلاب العلم وبين غيرهم من طلاب الحياة في جميع فروعها، وإن من دلائل الوفاء وشكر الصنيع في نفوس أولئك الطلاب أن ينهجوا نهجه في التفكير وطرائق الإصلاح، ويتعاونوا على إكمال ما بدأ بوضعه من أسس العلم والحياة ويشاركوا في هذه الذكريات التي تقام كل سنة لعرض أعماله واستخراج العبر من تلك الحياة التي ليست حياة فرد وإنما هي حياة أجيال؛ إذ كامل الوفاء لفقيدنا العزيز هو الذي عمل عمله في نفوس أبنائنا، وحَدَا بهذه الطائفة المهاجرة في سبيل العلم بجامعة الزيتونة المعمورة إلى إحياء هذه الذكرى في هذه السنة بتونس. وإن في كون الذكرى بتونس، وفي مشاركة الأفذاذ النوابغ من رجال العلم والأدب للطائف دقيقة ومغازي سامية وإلهامات رقيقة؛ هي من آثار الروحية والوجدان والضمير، لا من آثار المجاملة والتدريس، فإذا جاوزنا الصلة العلمية الروحية العربية جاءت الصلة الزيتونية الوثيقة، وإنها لصلة مرعية الأنساب مبرورة العهود محكمة الوثائق. أيها الإخوان: أشكركم شكرًا تثقل موازينه، يطرزه الحب ويزيّنه برّكم بأخيكم وأخي، الذي نَفِي بعهده الثقيل، وأرجو أن تتضافر الأيدي وتتوافر الهمم وتتعاون الألسنة والأقلام على خدمة هذا الدين وتاريخه ولسانه بهذا الوطن الذي هو قطعة من ملك الإسلام ورُكن من حصن العروبة الأشم. أحي- على بعد الدار- تونس العزيزة علي، الحبيبة إليَّ، فكم لي بها من علاقات يبلى الزمن وهي جديدة، وأعلاق تنحط القمم وهي- أبدًا- عالية، وذخائر من صداقة وأصدقاء هي مع أعمالي كل رأس مالي. وواشوقاه إلى تونس، وواشوقاه إليكم أيها الإخوان الخِيَرة والأبناء البررة.

стр. 568

كتاب مفتوح لسعادة وزير الداخلية للجهورية الفرنسية* ــ يا سعادة الوزير: إن الأصداء المتجاوبة عن زيارتكم للقطر الجزائري أفهمت الأمة الجزائرية المسلمة أنها زيارة تمهدون بها لإصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي يفتقر إليه هذا الوطن. فالتفتت هذه الأمة إلى الماضي واستعرضت الزيارات الوزارية المتعاقبة وآثارها فهبطت درجة التفاؤل فيها إلى حد بعيد، ولكن ما جاء في بعض خطبكم (إن الظروف غير الظروف) أمسك فيها رمق الأمل. كان من تمنيات الأمة أن يقال عن زيارتكم إنها استجابت للصرخات المنبعثة من أعماقها. وإنها تمهيد لتحقيق مطالبها. وسترون بأعينكم وتدركون بعقلكم- إن لم تحل الحوائل بينك وبين الحقيقة- ما يقنع ضميركم الحي وعاطفتكم الإنسانية وفكركم الديموقراطي أن القضية الجزائرية لا تداوى بإصلاحات مهما كانت سريعة وإنما تداوى بحقوق تعطى ورغائب تحقق. فارم بعينيك- يا سعادة الوزير- إلى ما وراء الصفوف الأمامية التي تقابلك في هذه الزيارة تر الحقيقة. وأرهف سمعك إلى الأصوات المنبعثة من تلك الجهة تسمع الحقيقة، وإن الطبيب لا يبني العلاج على أقوال الأصحاء وشهادتهم للمريض، وإنما يرتب العلاج على كلام المريض لأنه ينير له سبيل الحكمة. وعلى أناته وصرخاته لأنها تثير فيه عاطفة الرحمة. وإذا اجتمعت الحكمة والرحمة في نفس الطبيب ضمنا سداد الدواء وعاجل الشفاء. وإننا نتمنى لكم في زيارتكم هذه توفيقًا يرفع ذكركم. ويقرن بحل القضية الجزائرية اسمكم.

стр. 569

بقيت جهة أخرى تمسّ إحساس المسلمين وتحزّ في نفوسهم وهي الدين الإسلامي من أوقافه المهضومة إلى معابده المظلومة إلى تعاليمه المعدومة إلى قضائه المشوّه، وقد أغفلتم هذه الجهة في تصريحاتكم فقال قوم إن الدينيات لا تدخل في السياسات. وقال المسلمون إذا كان الأمر كذلك فما بال الحكومة الجزائرية احتكرت لنفسها كل ما يتعلق بديننا منذ قرن وزيادة فاستولت على أوقافنا ومساجدنا وأمسكت في يدها مقاليد رجال الدين منا. وضايقت التعليم الديني بالقرارات، ومسخت القضاء الإسلامي في الأحوال الشخصية وهي من صميم الدين. إن الأمة الجزائرية المسلمة تعتقد أن حقها الديني لا ينبغي أن يكون محل جدال ومطل لأنه لا يتعارض مع مصلحة دين آخر. وترى أن من حقها- كأمة ذات مقومات حيوية- أن تطالب بفصل الدين الإسلامي عن الحكومة فصلًا رسميًا عاجلًا وأن تسلم لها أوقافها الدينية ومساجدها تتصرف فيها تصرّفًا حقيقيًا مباشرًا وأن ترفع القيود الإدارية عن تعليمها الديني العربي وأن تتمتعّ في أحوالها الشخصية الدينية بقضاء نافذ صريح مبني على تعليم إسلامي واسع صحيح. يا جناب الوزير: إذا سمعتم صيحات طلاب الحقوق السياسية والاقتصادية فاسمعوا هذه الصيحة المنبعثة من طلاب الحقوق الدينية. وان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تعبّر في هذا عن رأي كل مسلم جزائري. وهي تحمل- مع هذا- لسعادتكم كل تقدير واحترام. رئيس جمعية العلماء محمد البشير الإبراهيمي

стр. 570

رسالة إلى الأستاذ أحمد توفيق المدني* حضرة الأديب الفاضل الأستاذ أحمد توفيق المدني أسعده الله، سلام عليكم وتحيات مباركات. أما بعد ... فقد بلغني بواسطة الشيخ إبراهيم بيوض نسخة بخطّكم من القانون الأساسي للمجلس الإسلامي الأعلى وما يتّصل به وما يتفرّع عنه، لأطّلع عليها وأرى رأيي فيها. غير أنّي لا أستطيع أن أبدي أيَّ رَأْيٍ في الموضوع الأصلي قبل أن أطّلع على نصّ رسالة الوالي العام للشيخ الطيب العقبي المتضمنة لهذه المسألة بصفته عضوًا في لجنة الإصلاحات العليا، وقبل أن تطلعوني على حقيقة لا بدّ من الاطلاع عليها وهي هل هذا القانون المسطّر بخطّكم من قبل المطالب التي تُعرض على الحكومة، ولها بعد ذلك حق القبول أو الرفض لكلّه أو لبعضه، أو حق التعديل لبعض ألفاظه ومواده، أو هو قانون أساسي نهائي لقضية فرغ منها وسلّمتها الحكومة تسليمًا نهائيًا لا رجوع لها فيه ولا تدخّل في تشكيلها وتكييفها وتسييرها في المستقبل. وإذا كان هذا الأخير هو الحقيقة فما هي الضمانات التي أخذتموها على الحكومة لتحقيق هذا البرنامج حتّى تطمئن الأمّة إلى هذا الحلّ. قد دعيتُ أنا والشيخ العربي التبسي برسالتين بإمضاء الشيخ الطيب العقبي للحضور في اجتماع كأنّه تمهيدي للمسألة، وإنّ إجابتنا تتوقّف على اطّلاعنا على رسالة الوالي العام للشيخ العقبي وعلى إجابتكم لنا عن السؤال المذكور. ودمتم لأخيكم محمد البشير الإبراهيمي

стр. 571

رئيس جمعية العلماء ومدير «البصائر» ومؤسس «معهد ابن باديس» يتكلم (١٩٤٧ - ١٩٥٢)

стр. 572

بلاغ من جمعية العلماء * يتردد في بعض المجالس الخصوصية منذ عام كلام إذا جرّد من إطار الدعاية وحذفت حواشيه بقيت منه جملتان، وقد حفظهما الناس وتناقلتهما الألسن وافتتن بهما بعض المغفلين وهما: "إن الاستقلال الديني قد حصل، وإن حرية المساجد قد تمّت" ويأتي من وراء هاتين الجملتين كلام إذا جرّد من ألفاظ التعريض واللمز، ومقدّمات التظلّم والأنانية بقيت منه جملة واحدة وهي: إن جمعية العلماء- بتصلبها وعنادها وامتناعها من المشاركة بالتبعية للعاملين- كانت سببًا في تعطيل حلّ القضية الدينية. هذه جمل تقال وتحكى وتكتب بألفاظ لا تتغيّر حتى أصبحت كمواد القانون تفسدها زيادة حرف ونقصان حرف. ونحن نقول في الجملتين الأوليين ما قيل في الرؤيا: إنها تسرّ ولا تغرّ، ولو كان ذلك حقًا لكنّا أول المستبشرين وأول المبشّرين لأنه تحقيق لآمال جمعية العلماء ونتيجة لمساعيها المتكررة. ونقول في الجملة الثالثة إنها مناقضة لما قبلها، لأنه إذا حصل الاستقلال الديني وتمّت حرية المساجد فلا معنى لذكر جمعية العلماء ولا معنى لمشاركتها في أمر فرغ منه إذ من العبث سعي العقلاء في تحصيل الحاصل. والحقيقة التي يجب أن تعرفها الأمة هي أن قضية المساجد وما يتبعها بل جميع مطالب جمعية العلماء لم تزل على الحالة القديمة التي يعرفها الناس لم يتم فيها شيء. وأن الحكومة لم تزل في موقفها الذي يعرفه الناس لم تتزحزح عنه ولا شبرًا.

стр. 573

وأن جمعية العلماء لم تزل متمسّكة بمطالبها التي يعرفها الناس لم تتساهل ولم تتنزّل. وأن كل ما ذاع في الموضوع من كلام وكل ما أحاط به من إشاعات، وكل ما فتح فيه مع غير جمعية العلماء من مفاوضات فهو من المناورات الحكومية التي يراد بها تطويل المدة وبث التفرّق وإقصاء جمعية العلماء وإلهاء الأمة بالقشور عن الحقائق. والفروق بين جمعية العلماء وبين غيرها تظهر في أمور منها: إن جمعية العلماء تعتبر هذه القضية قضية أمة لا تحلّ إلا بعلمها ورضاها، والحكومة ومن لفّ لفها لا يرونها بهذه العين ولا يزنونها بهذا الميزان. وأن جمعية العلماء بما شرحت من هذه القضية وبما درست مدة خمسة عشر عامًا ترى أنها لا تحتاج إلى إعادة نظر وفتح مفاوضات جديدة وإنما تحتاج إلى التنجيز على الصورة التي شرحتها الجمعية وفصلتها. وإن جمعية العلماء ترى أن أوقاف المساجد هي بيت القصيد في القضية فلا يجوز التساهل فيها ولا الاغترار فيها بالوعود ولا الاكتفاء بالحلول السطحية، ولا خير لأمة فقيرة عريانة في استلام مساجد فقيرة عريانة، والحكومة- فيما اختبرنا وعلمنا- لا تريد أن ترد شيئًا من الأوقاف، أو تريد الإرضاء بصورة كلها إجحاف، وقد سمعنا منها نغمة جديدة وهي أن تسليم أوقاف المسلمين يفتح عليها باب مطالبة المسيحيين بأوقافهم، ونحن نرى أن القضيتين لا تجتمعان في سبب ولا غاية لأن الأوقاف المسيحية أخذت عقب ثورة من الأمة المسيحية على الدين ورجال الدين وعلى الحكم ورجال الحكم وانتهت بقلب نظام الحكم من ملكي إلى جمهوري، وبفصل الدين عن الحكومة بصورة حاسمة، وثورة الأمة المسيحية على نظامها تعني رضاها بكل ما ينتج عن الثورة. أما في الجزائر فإن الحالة مخالفة لذلك تمام المخالفة فالدين غير الدين والأسباب غير الأسباب، والدولة الفرنسية تعهّدت للمسلمين في هذا الوطن بالمحافظة على كل ما ينتسب إلى الدين وأنزلت نفسها منزلتهم في التصرّف فوضعت يدها على أوقافهم ومساجدهم ووظائفهم الدينية، وأوهمتهم بهذه الظواهر أن كل شيء على أصله، وفي ظل تلك العهود والمظاهر احتوت على كل شيء فقلبت أعيان الأوقاف وبقيت تنفق على المساجد سترًا لذلك التصرّف الجائر، وأن إنفاق الحكومة على المساجد طول هذه المدة هو الفارق الأكبر بين أوقاف الجزائر وأوقاف فرنسا، وهو نفسه حجّتنا الكبرى في المطالبة بأوقافنا على الصورة التي لا حق للفصل فيها إلا للمجلس الإسلامي المنتخب من الجمعيات الدينية. إن جمعية العلماء لا تفهم من معنى الاستقلال الديني وحرية المساجد إلا المعنى الصريح الذي تطالب به وهو إعلان الحكومة فصل الدين الإسلامي عن الدولة وأن تترك

стр. 574

المسلمين وشأنهم في تأسيس جمعيات دينية حرة بعيدة عن المؤثرات الحكومية السرية والعلنية، فإذا تمّ ذلك انتخبت تلك الجمعيات مجلسًا إسلاميًا يستمدّ سلطته من الأمة لا من الحكومة وهو الذي يتولى إدارة الأوقاف وإدارة المساجد بسلطة غير مقيّدة بشيء. أما ما دام عامل العمالة هو الذي يولي رجال الدين ويعزل استنادًا على "الدوسي البوليسي" لا على الكفاءة الدينية، وما دامت الجرايات تقبض من الخزينة العامة وما دام العالم الديني لا يستطيع أن يلقي درسًا في كلام الله إلا بعد الترخيص من رئيس جمعية دينية حكومية غير منتخبة من الأمة، مع العلم اليقين بأن ذلك الرَّئِيسُ لا يرخص إلا بعد أن يسترخص ولا يأذن إلا بعد أن يستأذن وأنه (واسطة خير) فقط- ما دام الأمر كذلك وهو الواقع الذي لا ريب فيه- فنحن نعترف بأننا لم نرزق عقولًا نفهم بها معنى هذا الاستقلال. إن جمعية العلماء تعلن لمروّجي هذا الاستقلال الديني، وللمغترين به أنه لا حقيقة له وأنها لا تشاركهم في الانخداع للمناورات والتشكيلات، فقد عرفنا حق المعرفة ان الحكومة الجزائرية كلما أرادت دفن شيء أكثرت من تشكيل اللجان، وانتقلت به من ميدان إلى ميدان. إن جمعية العلماء سبقت إلى المطالبة بالحقوق الدينية وفاوضت فيها ودرست وحقّقت لأن ذلك كله من وظيفتها الطبيعية، ومن واجب كل مسلم صحيح النية في خدمة الإسلام أن يضمّ صوته إلى صوتها ويجعل مطالبها المقدّمة في أوت سنة ١٩٤٤ هي الأصل والقاعدة، ولا يعين الحكومة على التشتيت وتفريق الكلمة وتكثير الهيئات والشيع، ولا يسايرها في تجاهلها لجمعية العلماء، فليس في هذا كله خير للقضية الدينية. ألا فليعلم كل مسلم جزائري أن جمعية العلماء لا تريد أن تحتكر لنفسها هذه القضية بوسائلها ونتائجها، وأنها تطالب باسم الأمة للأمة، وأنها ترى أن هذه القضية ليست من التفاهة بحيث تحل على يد فرد أو أفراد كما تقول الحكومة وتريد، وأنها لا تضلل الأمة فتسمّي لها الأشياء بغير أسمائها. ألا فلتعلم الأمة حق العلم أن كل شيء في القضية على حاله القديم فلا "الاستقلال الديني حصل ولا حرية المساجد تمّت". ألا فلتعلم الحكومة أن الأمة لا ترضيها هذه المناورات ولا تلهيها هذه الدعايات ولا يرضيها إلا فصل الدين الإسلامي عن الحكومة فصلًا صريحًا مطلقًا من كل قيد وأن تترك لها الحرية التامّة في انتخاب جمعياتها الدينية ومجلسها الإسلامي. المجلس الإداري لجمعية العلماء.

стр. 575

نصيحة دينية تقدّمها جمعية العلماء للأمة الجزائرية الإسلامية* ــ أيتها الأمة ... إن التفرّق شرّ كله، وشرّ أنواع التفرّق ما كان في الدين، وأشنع أنواع التفرّق في الدين ما كان منشؤه الهوى والغرض، ونتيجته التعادي والتباغض وأثره في نفوس الأجانب السخرية من الدين والتنقّص له واتخاذ أعمال أهله حجة عليه، وما أعظم جناية المسلم الذي يقيم من أعماله الفاسدة حجة على دينه الصحيح، وما أشنع جريمة المسلم الذي يعرض- بسوء عمله- دينه الطاهر النقي للزراية والاحتقار. أيها المسلمون الجزائريون ... في كل عام تفتنون في دينكم مرّتين، فتختلفون في الصوم اختلافًا شنيعًا وتتفرّقون في الإفطار تفرّقًا أشنع، وكلّما جاء شهر رمضان الذي تصفد فيه الشياطين، انطلقت من بينكم شياطين تدعوكم إلى التفرّق في شعيرة لم تشرع إلا للجمع، وتزيّن لكم الاختلاف في الدين باسم الفقه في الدين. ولو كان تفرّقكم في الصوم والإفطار مبنيًا على اعتبار صحيح وعلى أسباب ضرورية- كعدم العلم بالرؤية مثلًا- لهان الأمر وكان لكم بعض العذر ولكنه في الأغلب مبني على جمود، وعناد مقصود، وتمحلات فقهية لا ترجع إلى مستند صحيح من نص، ولا إلى برهان صريح من علم، ثم انتهى بكم العناد واللجاج إلى شر ما تقع عليه العين من تفرّق واختلاف، وهو أن البيت الواحد يضمّ صائمين ومفطرين فضلًا عن القرية الواحدة، والصائم يرمي المفطر بالموبقات والمفطر يرمي الصائم بالشناعات وبين هذين ضاعت الحرمة الحقيقية والحكمة الحقيقية، وبين البطون الخماص والبطان تتلاشى المعاني العالية التي طواها

стр. 576

الإسلام فيما شرع من صوم وشرع من إفطار وبضعف إحساس الرحمة والإحسان وتنطفئ بشاشة العيد وبهجته وإشراقه، ويجف ما يفيض به على المسلمين من خير وأنس وتسامح وحب، فانظروا- رحمكم الله- إلى ما يبقي ذلك الخلاف في نفوسكم من حزازات وعداوات وتقطيع لما أمر الله به أن يوصل من أخوة الإسلام. إن التفرّق في الصوم يذهب بجلال الصوم وحكمته. وإن التفرّق في العيد يذهب بجمال العيد وبهجته. وإن الله تعالى ما شرع هذه الشعائر عبثًا وإنما شرعها لحكم جليلة أعلاها جمع الأمة على الدين، لتجتمع في شؤونها الدنيوية، وتوحيدها في عبادة الله، لتتربى على الاتحاد في مصالحها العامة المشتركة. يا للعجب أيكون الشهر الذي جعله الله مقوّيًا للإرادات، ومشددًا للعزائم ومطهرًا للأرواح ومهبًّا لنفحات الخير والرحمة والمحبة سببًا للفتور والضعف ومدبًّا للبغضاء والعداوة؟ أتجعلون من هذا الشهر الذي جعله الله جامعًا للقلوب على الأخوة وللأرواح على الطهر وللمشاعر على الإحسان وسيلة إلى التفريق والتشتيت؟ أيها المسلمون ... هذا شهر رمضان على الأبواب فأحيوا في نفوسكم جميع معانيه الدينية والاجتماعية وابدأوا لتحقيق ذلك بالاتحاد في صومه والاتحاد في الخروج منه وأظهروا في هذين اليومين بالمظهر المشرف لدينكم ولجماعتكم، واجتمعوا على السرور بمقدمه وعلى الابتهاج بوداعه، واعلموا أن للاتحاد هيبة، وأن في الاجتماع قوة وسطوة فاستجلوا هذه المعاني في مظاهر دينكم، واستغلّوا ثمراتها في ظواهر دنياكم. لا عذر لكم في الاختلاف في هذا الزمن الذي قارب بين أجزاء الأرض وقرب بين أفراد البشر وسهل نقل الأخبار وصحّح مقاييس العلم وضبط موازين الأشياء وأحكم الاتصال بين الناس وأعان على فهم حقائق الدين. لا تجعلوا الحدود الإقليمية التي وضعها المخلوق، حدودًا فارقة في الشعائر التي وضعها الخالق، ولا ترتابوا في أخبار التليفون إذا عرف الصوت وتعدد الناقل، ولا ترتابوا في أخبار الإذاعة فإنها أمنع من أن يتطرق إليها الخلل في هذا الباب وأنها لا تذيع إلا ما تقدّمه لها الهيئات الشرعية. لا تلتفتوا إلى شبهة تباعد الأقطار فكثيرًا ما يكون يوم عيد الأضحى بمنى هو يوم عيد الأضحى عندنا بشهادة الحجّاج منكم، وبينكم وبين منى آلاف الأميال، صوموا

стр. 577

وافطروا على الأخيار التليفونية من الثقات المعروفين إلى الثقات المعروفين من جميع أجزاء الشمال الإفريقي. صوموا وافطروا على أخبار إذاعة تونس، فما تونس إلا جارة قسنطينة، وعلى أخبار إذاعة الرباط فما الرباط إلا جار وهران، وعلى أخبار إذاعة الجزائر فما الجزائر إلا قلب هذا الشمال الإسلامي العربي. لا تتراخوا في أداء الشهادة برؤية الهلال وتعميمها بجميع الوسائل وأقواها وأسرعها التليفون. لا تسمعوا كلام الجاهلين الذين يسوّلون لكم الخلاف في الدين باسم الدين ويطعنون في رؤية تونس أو فاس أو قسنطينة ويضيقون عليكم ما وسع الله، لا تقلدوا بعض الفقهاء الجامدين الذين يريدون أن يحتكروا التصرّف في الصوم والإفطار ويفرّقوا كلمة الأمة بِجُمودِهِم وجهلهم، واعلموا أن الله تعالى لم يكل هذا الأمر إليهم في كتاب ولا سنة ولا ورثوه عن سلف وإنما الشأن كله لجماعة المسلمين ولكن جماعة المسلمين أضاعوا هذا الحق من أيديهم فتسلّط عليه قوم لم يجعل الله لهم الحكم فيه فجعلوا لأنفسهم التحكّم عليه. إن جمعية العلماء ستقوم بواجبها كالعادة فتتلقّى الأخبار وتعمّمها بما تملك من وسائل التعميم، وتتعاون مع جميع الهيئات في القيام بهذا الواجب. رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين محمد البشير الإبراهيمي

стр. 578

المسلمون في جزيرة صقلية* تقرأ هذا العنوان فتقول: هذه جملة مفيدة ... فقد كان المسلمون في صقلية حقًا، فتحوها بسيوفهم ونشروا فيها كلمة التوحيد ونقلوا إليها قبسًا من حضارة الإسلام وتعاليمه، وشادوا فيها المساجد والمدارس، ومكّنوا فيها للغة العرب وآدابهم إذ كان ركاب الفتح من القيروان وكان قائد الحملة علمًا من أعلام التشريع والقضاء هو أسد ابن الفرات، ولبثوا فيها قرونًا اصطبغت في خلالها الجزيرة بالصبغة الإسلامية العربية حتى أخرجت من سلائل الفاتحين والداخلين أئمة في الفقه والدين ونوابغ في الطب والحكمة وقادة في الفكر والتدبير وفحولًا في الأدب والشعر وزوّدت المكتبة العربية بذخائر لم يبق من الكثير إلا أسماؤها. تلك هي صقلية المضطجعة في عباب البحر الأبيض يفصلها عن (البر الكبير) نهر من المالح في مقدار غلوة رام، ويفصلها عن تونس مضيق في مقدار عشرات الأميال، فهي بذلك قريبة الموقع من أفريقيا وهي بانفصالها عن أوروبا كأنها تريد الفرار منها إلى تونس والاتصال بها فيقعدها العجز وكأن الفاتحين أدركوا ذلك فأتوها إذ لم تأتهم ووصلوها حين لم تصل إليهم. وتلك الجملة المفيدة التي تقرأها في العنوان هي التي ألهم الأستاذ أحمد توفيق المدني تسمية كتابه المفيد، وهو كتاب جلّا فيه مؤلفه صحيفة من صحائف الفتح الإسلامي لأطراف أوروبا وجزائرها، وسد به نقصًا طالما شعر به الباحثون في تاريخ الإسلام كلما انتهى بهم البحث إلى تلك الحقبة من الزمن في تلك القطعة من الأرض، فأعوزتهم الوثائق والمستندات، لأن الموجود منها في تواريخنا العامة- مع صحته وصدقه- مشتت غير منظم ومضاف غير مستقل.

стр. 579

والحق كأن البلدان كالأناسي منها المحظوظ ومنها المحروم، وأن الأندلس من بين أجزاء أوروبا الإسلامية أوفرها حظا من عناية المؤرخين، وأن صقلية وقبرس وكريت وما أشبهها أقلها حظًا من ذلك، وإذا كان الحظ والحرمان يخضعان للتعليل فإن علل ذلك واضحة. وعسى أن يكون كتاب الأستاذ المدني حافزًا لهمم الباحثين حتى يصلوا ما انقطع من هذه المباحث المتعلقة بامتداد الفتح الإسلامي إلى جزائر البحر الأبيض وضفافه الشمالية، فإن هذه المباحث أصبحت- لبعدنا عن زمانها- كالخرائب الدفينة تحتاج إلى رفع الأتربة والأجحار قبل استجلاء الحقائق والأسرار. وبعد فقد تلطف الأستاذ المدني فأهدى نسخة من هذا الكتاب اللطيف إلى مكتبة جمعية العلماء فوجب التعجل بهذا القدر من التنويه مراعين في ذلك حق المؤلف وخدمته للتاريخ آملين أن يتسع الوقت لنقد الكتاب وتحليله فنوفي بذلك حق الكتاب.

стр. 580

السيد محمد خطّاب الفرقاني* هذا الرجل من أبناء الجزائر الذين رفعوا رأس الجزائر، ومن أبناء هذا الشمال الذين أوسعوه برًا وتكرمة وجعلوا من مالهم ومواهبهم وسائل لغرس الأخوة بين أبنائه، ولم يعيشوا لأنفسهم بل عاشوا لإخوانهم وأوطانهم وما أقل هذا الصنف من الرجال فينا ويا للأسف! ولد السيد محمد خطاب في جبال (الميلية) الشماء، ونشأ بين صخورها الصماء، وفتح عينيه على آثار من الشمم والهِمم والعزة والكرم، وعلى عصامية في الحياة امتاز بها أبناء الجبال، فكان لذلك كله في حياته وتكوينه أثر غير قليل، وفتح عينيه- كذلك- على آثار الاستعمار في أرض أجداده وفي نفوس قومه، فكان لذلك في عقله وفكره أثر غير قليل، ثم هاجر إلى المغرب سنة أربع وعشرين ميلادية بعد هجرة أخيه الأديب الكاتب الأستاذ رابح الفرقاني المترجم الحر بفاس، واتخذ الأخوان من المغرب وطنًا لهما وكونا بكرم أخلاقهما ولطف شمائلهما مكانة ممتازة بين أهله. والسيد محمد خطاب عصامي النفس عربي النزعة لا يسير في الحياة إلّا على وحي الفطرة وهداية الاستعداد ومسايرة القومية، لذلك اختار الفلاحة حرفة فنجح فيها وبارك الله في أعماله، فتأثل منها ثروة عريضة رأى من شكر الله عليها أن يفىء بجزء منها على المشاريع العلمية النافعة لوطنه الكبير، وللسيد محمد خطاب في مبراته العلمية ومكارمه رأي هو فيه نسيج وحده، فهو يرى تمام المكرمة وكمالها أن تكون على يد جمعية العلماء، وله في جمعية العلماء اعتقاد مصمم وله بها صلة وثيقة الأسباب تمتد أوائلها إلى أوائل الحركة التعليمية بقسنطينة، وله ولأخيه الأديب علائق متينة مرعية بإمام النهضة المرحوم عبد الحميد

стр. 581

ابن باديس، وكان لهما في حياته اشتراك مالي سنوي مقرر في كل مشاريع جمعية العلماء من جرائدها إلى صندوق الطلبة إلى مدرسة التربية والتعليم. وفي السنة الماضية قرر السيد محمد خطاب مبرتين ماليتين يدفعهما مسانهة على يد جمعية العلماء: أولاهما تصرف في ترقية التعليم بمدارس الجمعية وقدرها نصف مليون فرنك، وقد أدخلت الجمعية هذا المبلغ في العام الماضي في شراء المركز بإذن من صاحب المبرة، والثانية تصرفها الجمعية باجتهادها في مصلحة الطلبة الجزائريين بجامع الزيتونة وقدرها ماثة ألف فرنك، وقد اكترت بها جمعية العلماء في العام الماضي مركزًا لجمعية الطلبة. وللسيد محمد خطاب مبرة ثالثة خاصة بمسقط رأسه (الميلية) وهي مدرسة خطاب إحدى المدارس التي تديرها جمعية العلماء، بناها بماله منذ سنوات ورأى الآن أنها لا تكفي أبناء القرية، ففوض إلى جمعية العلماء أن تتولى توسيعها أو تجديدها من ماله الخاص بالغة ما بلغت النفقات. زار السيد محمد خطاب الجزائر في أوائل رمضان الماضي لتفقد إخوانه وأصدقائه ومشاريعه المالية الكثيرة لأنه في السنوات الأخيرة جاوز أفق الفلاحة إلى الصناعة والتجارة، فشارك في عدة شركات وطنية بماله وبإرشاده ورأيه، وزار مركز جمعية العلماء وإدارة "البصائر" وذاكرَ رئيس الجمعية في عدة مشاريع علمية وفي حال الطلبة الجزائريين الذين يطلبون العلم بالقرويين وما يجب لهم من عناية ورعاية، ووصل على يده جماعة من فقراء أهل العلم بإعانات وصدقات مستورة، وتبرع على جريدة "البصائر" بمبلغ خمسين ألف فرنك. إننا كما نعدّ أخانا السيد محمد خطاب عصاميًّا مجددًا في أعماله آخذًا بالنظام الدقيق في مشاريعه، محافظًا في إيمانه ووطنيته، نعده أيضًا حجة قائمة على أمثاله من أبناء الوطن الذين تأثلوا الثروات فيه أو في خارجه، فلم ينفعوا وطنهم بشيء يرفع الذكر ويجلب الفخر ويعظم الأجر، ولو أنهم كانوا مثل هذا الرجل أو قريبًا منه لم يبق في الوطن ولد بلا تعليم ولا فقير بلا قوت، ولا مريض بلا دواء، فإذا قلنا لهذا الرجل: كثر الله من أمثالك، فلسنا ندعو له وإنما ندعو للوطن. إن جريدة "البصائر" لا تمدح أحدًا إلّا حيث يكون المدح دعاية إلى حسن التأسي والاقتداء ولا تثني إلا على عمل يتصل بمبدئها الديني التعليمي أو يؤيده، ولا تطري إلّا المناقب المذكرة بأمجاد الأوائل، المحيية لمكارمهم وآثارهم في سبيل العلم والخير العام، وأخونا السيد محمد خطاب يجمع ذلك كله.

стр. 582

كوارث الاستعمار* فات "البصائر" بسبب عطلة المطبعة أسبوعين في آخر رمضان- أن تشارك الأمة التونسية العزيزة في إعلان الحزن على ما أصابها في العهد الأخير من كوارث الاستعمار التي تجلت في الحادثتين الداميتين، حادثة (جبل الجلود) وحادثة (صفاقس). أما التألم والامتعاض من قتل الأبرياء المسالمين، وأما الحزن والأسى لإخواننا الذين ماتوا مظلومين، ولأطفالهم وزوجاتهم الذين بقوا بلا مال ولا عائل فإن حظنا منها لا يقل عن حظ إخواننا التونسيين، ومحال أن يتألم عضو من جسد ولا تتألم له سائر الأعضاء، وقد ألّفت هذه المصائب المتوالية، وهذه المظالم المتحدة المصدر، بين قلوبنا تأليفًا جديدًا محكم النسج، وأرهفت إحساسنا وصيرتنا كتلة من لحم مرضوض، في لجة من الدموع المرفضة، فلا يمتاز في مصائبنا معز من معزى. عذرنا إلى إخواننا أننا لم نخسر في باب التعزية إلّا سطورًا سوداء في أوراق بيضاء تقرأ وتهجر، وعوضنا الغالي عنها إحساسات مضطرمة في نفوس متألمة.

стр. 583

إحياء التعليم المسجدي بمدينة قسنطينة* (إعداد المركز، برنامج أربع سنوات، تعيين المشائخ والمدرّسين، الارتباط بجامع الزيتونة) ــ أجمعت جمعية العلماء أمرها وصمّمت على إحياء تلك السنة التي سنها إمام النهضة الجزائرية الشيخ عبد الحميد بن باديس- ﵀. وهي التعليم المسجدي. ونعني بالتعليم المسجدي ذلك التعليم الذي تلتزم فيه كتب معيّنة في العلوم الدينية من تفسير وحديث وفقه وأصول وأخلاق. والعلوم اللسانية من قواعد ولغة وأدب. والعلوم الخادمة للدين من تاريخ وحساب وغيرهما، ويقوم به مشائخ مقتدرون في تلك العلوم محسنون لتعليمها، ونسمّيه مسجديًا لأنه كان من فجر الإسلام إلى الآن وما زال يلقى في المساجد. وما زالت تقوم به من غير انقطاع ثلاثة من أقدم مساجدنا وأعظمها، الأزهر والزيتونة والقرويين، على تفاوت بينها في التوسع والنظام والكتب والأسلوب. وهذا التعليم ضروري للأمّة الإسلامية في حياتها الدينية لأنها مفتقرة دائمًا إلى من يفتيها في النوازل اليومية ويبيّن لها أحكام الحلال والحرام. وما بقي الإسلام محفوظًا إلا بهذا النوع من التعليم الذي من أصوله تفسير القرآن والحديث النبوي. وإذا كنا نشهد ضعف هذا التعليم وركوده وعقمه في هذه الأزمنة المتأخرة فما هي إلا من عوارض جاءته من سوء الاختيار للكتب، أو فساد الأسلوب في التأدية أو من قصور الملكة في المدرس أو من ذلك جميعًا، ثم تأصل بمرور الزمن. والضعف دائمًا يجرّ بعضه إلى بعضه. وقد شعرت معاهدنا المذكورة منذ سنوات بهذه النقائص فاجتهدت في إصلاحها وتكميلها. وعملت على سدّ الخلل وتوسيع الدائرة ومجاراة الزمن وسنراها عما قريب واصلة إلى الغاية إن شاء الله، فتخرج لنا فرسان منابر يهدون هذه الجماهير المتثائبة، وأعلام أدب

стр. 584

يحرّكون هذه المشاعر المخدّرة، وعلماء استنباط يحلّون هذه المشكلات الحيوية التي عاقت الأمم الإسلامية عن مجاراة السابقين في الحياة. أما الجزائر فقد بدأت في نهضتها القائمة بهذا النوع من التعليم وقام إمامها الشيخ عبد الحميد بن باديس في ذلك المقام المحمود فسلخ من عمره خمسًا وعشرين سنة على التعليم الحي المثمر المنظم. وتخرّج من دروسه جيل كامل هو عماد النهضة اليوم بما أعده للحياة وهيّأه للقيادة. وان الكثيرين من تلامذته هم اليوم، المجلون في ميدان التعليم المكتبي الذي تقوم به جمعية العلماء، وقد كان- ﵀ يرمي بتعليمه مع تحصيل العلم إلى ثمرات العلم ويرمي إلى أشياء كان يقصدها قصدًا ويلحّ فيها إلحاحًا، منها تقوية الإرادة والعزيمة في تلاميذه، فكان يفيض عليهم من روحه القوية فيضًا مِن القوة يعدهم بها للعمل في أمّة مفتقرة إلى العاملين. ولما مات الأستاذ- ﵀ اضطلعت جمعية العلماء بذلك التعليم وأسندته إلى الكفء المجمع على كفاءته في هذا الباب وهو الشيخ العربي التبسي ونقلت مركزه من قسنطينة إلى تبسة نقلًا مؤقتًا نزولًا على حكم الضرورة، فقام الأستاذ التبسي وأعوانه خير قيام بما أسند إليهم، ثم جاءت الحوادث المحزنة فطوي البساط بما فيه. كان من آثار ذلك التعليم المثمر الذي دام سنوات في تبسة ومن آثار ما تقوم به جمعية العلماء من مرغبات في العلم وأعمال جليلة في التعليم المكتبي أن لجّت الرغبة بشباب الأمّة في الاندفاع إلى العلم والرحلة في طلبه حيث ما كان. فرحلت المئات منهم إلى جامع الزيتونة والعشرات إلى القرويين وأبعد القليل منهم النجعة فرحل إلى القاهرة. وقد أنساهم الحرص ما يجب للرحلة من احتياطات فوقع الكثير منهم في المحذور. وجمعية العلماء- وهي التى أنشأت هذه الرغبة المتأججة في نفوس الشباب- لا تلومهم ولا تثبطهم على هذا الاندفاع، وإنما ترى أن الرحلة وقطع آلاف الأميال في سبيل التعليم الابتدائي ليست من العقل ولا من السداد. وما دامت معاهدنا الثلاثة كليات فالواجب أن لا يرحل إليها إلا من استكمل التعليم الابتدائي في وطنه وقطع مراحله في مكاتبه أو مدارسه أو زواياه واستعد للتعليم الثانوي، فهناك تحسن به الرحلة وتكون لها فائدة، وهذا واجب تشترك فيه الأمّة والجمعية والطلبة. أما جمعية العلماء فلا تدّعي أنها تقوم بواجبها كاملًا في هذه السنة وحسبها أنها فكّرت وقدّرت وأنها تبتدئ في هذه السنة بتحقيق بعض الواجب. أما الواجب الكامل فلا تستطيع تأديته إلا يوم يتيسّر لها فتح معهد في تلمسان وآخر في الجزائر وثالث في قسنطينة. وقد وُضعت الخطط والبرامج لذلك كله. والعقبة الكأداء في سبيلها هي المال والأماكن.

стр. 585

أما بعض الواجب الذي عقدت العزم على تنفيذه في هذه السنة، فهو البدء بقسنطينة أولًا، وقد اشترت دارًا كبيرة من دور آل الشيخ بن الفقون لتتخذها مركزًا لإدارة التعليم وتتخذ من بعض حجراتها مساكن للطلبة المعوزين. وأسندت الإشراف على التعليم والدروس العالية للأستاذ النفاع الشيخ العربي التبسي وعيّنت للتدريس مشائخ أكفاء ممتازين بماضيهم وعملهم وتحصيلهم. وهم المشائخ: السعيد الزموشي، أحمد حماني، عبد القادر الياجوري، نعيم النعيمي، عبد المجيد حيرش، العباس بن الشيخ الحسين، أحمد حسين، وستنقلهم إلى قسنطينة تباعًا متى تمّ إعداد الدار وإحضار الوسائل وقد التزمت الجمعية أن يكون هذا التعليم متناسقًا مع القسم الابتدائي بجامع الزيتونة في سنواته والكثير من كتبه وفي أسلوبه وفي امتحانه حتى كأن معهد قسنطينة فرع من فروع جامع الزيتونة. وستتصل الجمعية بمشيخة الجامع الأعظم وتعمل معها على التناسق بين التعليمين وعلى اعتبار الشهادة التي تخوّل للجزائريين الالتحاق بالتعليم الثانوي بجامع الزيتونة، وبهذا إن شاء الله نصل إلى الغاية المطلوبة وهي أن لا يرحل إلى تونس ولا إلى غيرها إلّا من استكمل معلوماته الابتدائية في الجزائر، وفي ذلك شرف للجزائر لقيامها بالواجب ونفع لأبنائها بتقصير المسافة ورفع التكاليف. أما بعد، فإن التعليم بفرع قسنطينة لا يتمّ إلا بعد إعداد المحل وإصلاحه، ونحن جادّون في ذلك ومجتهدون ولعلّ الشروع يكون في أواخر أكتوير الآتي وما هو ببعيد، وليرتقب أبناؤنا الطلبة الذين يريدون الالتحاق بهذا المعهد شروط الالتحاق مفصلة في العدد الآتي.

стр. 586

معهد قسنطينة* (إدارته، برنامجه، شروط الالتحاق به) ــ يسمّى المعهد معهد عبد الحميد بن باديس. تتألف الإدارة العامة للمعهد من ثلاث هيئات متضامنة، وكل واحدة منها مسؤولة فيما يخصها من الأعمال للمجلس الإداري لجمعية العلماء. الأولى الهيئة العلمية، والثانية الهيئة المالية، والثالثة هيئة المراقبة والضبط، ويرأس المدير العام جميع الهيئات، وللمجلس الإداري الإشراف الأعلى على الجميع وإليه المرجع في الكليات، وهو الذي يفصل الخلاف بين الهيئات أو بين أفراد الهيئة الواحدة. فالهيئة العلمية تتألّف من المشائخ المدرّسين، ووظيفتها وضع البرنامج وتنفيذه واختيار الكتب وامتحان التلامذة، وتوزيعهم على السنوات حسب الأهلية والاستحقاق. والهيئة المالية تقوم بجمع المال وضبطه وصرفه في مصالح المعهد التي تقرّرها الهيئات الثلاث مجتمعة، وأول ما تبدأ به لتحقيق غرضها إعادة فتح صندوق الطلبة باسم (صندوق التعليم) وتفتح له حسابًا جاريًا في البريد تسهيلًا على المتبرّعين المحسنين. وهيئة المراقبة والضبط تقوم بتسجيل أسماء التلامذة ومراقبتهم خارج المعهد مراقبة دقيقة، وملاحظة سلوكهم من استقامة واعوجاج، وتطبيق لائحة المعهد الداخلية عليهم، ولوكل إليها النظر في النظافة والصحة والعلاج والفصل بين التلامذة فيما يشجر بينهم من خلاف. كل هيئة من الهيئتين الأخيرتين تتألف من رئيس وثلاثة أعضاء.

стр. 587

مدة الدراسة بالمعهد أربع سنوات تبتدئ بالسنة الأولى وينتقل التلميذ إلى الثانية ثم الثالثة بامتحان: وتنتهي السنوات الأربع بشهادة تساوي في القوة مثلها في جامع الزيتونة، وتخوّل تلك الشهادة لحاملها الدخول في القسم الثانوي من الجامع المذكور. الدروس اليومية ستة: ثلاثة في الصباح وثلاثة في المساء، وكل درس يستغرق ساعة إلا عشر دقائق. برنامج الدراسة وكتبها هو برنامج السنوات الابتدائية في جامع الزيتونة، فإن خولف في بعض الجزئيات فإلى كمال وسداد إن شاء الله. وسيحرص المعهد على تكميل البرنامج بدروس في مبادئ الرياضيات والطبيعيات والجغرافيا والتاريخ وحفظ الصحة وأصول الأشياء، يقوم بها طائفة ممتازة من الأساتذة والأطباء والصيادلة والمحامين ويؤدّي فيها التلامذة الامتحانات السنوية. يقوم بفحص التلامذة وأماكن الدراسة والسكنى جماعة من الأطباء يومًا من كل أسبوع، وتخصّص لفحص التلامذة حجرة خاصة مجهّزة بالضروريات اللازمة. شروط قبول التلامذة أولًا: أن لا ينقص عمر التلميذ عن ست عشرة سنة. ثايًا: أن لا يكون مصابًا بمرض مُعْدٍ بشهادة طبيب المعهد. ثالثًا: أن يقدّمه أبوه أو وليّه- ما دام قاصرًا- بتعريف كتابي يتضمن علمه ورضاه ويتعهد فيه بلوازم التلميذ وضرورياته. رابعًا: أن يكون حافظًا لجزء معتبر من القرآن كالربع ولا يقبل من يحفظ أقل منه. وحافظ القرآن كله يقدّم في القبول وفي جميع الامتيازات. خامسًا: القدرة على نفقات الأكل والسكنى بحسب حال التلميذ، والمعهد لا يلتزم بشيء من ذلك نظرًا لضيق موارده المالية. ولا يعين في هذه السنة إلا عددًا محدودًا من المعوزين إعانات متفاوتة. وله الحق في تقديرها، واختيار مستحقيها وهو يؤثر في القبول والإعانات تلامذة مدارس الجمعية الذين أنهوا برنامج السنة الخامسة، وفازوا في امتحاناتها بتفوّق. سادسًا: كسوتان للشتاء على حسب حال الطالب، وفراش وغطاء.

стр. 588

تنبيهات وتوضيحات: ١ - طلبات الالتحاق تقدم من الآن إلى لجنة المراقبة بعنوانها المؤقّت وهو بالفرنسية: رقم ١٧، شارع عبد الحميد بن باديس، ويكتب على ظهر الغلاف بالعربية: لجنة المراقبة لمعهد عبد الحميد بن باديس: وكذلك المخابرات والاسترشادات كلها تكون بهذا العنوان. ٢ - على الطالب أن يوضح عنوانه غاية التوضيح ليضمن رجوع الجواب إليه. ٣ - للمعهد لائحة داخلية مفصّلة لواجبات المدرّسين والتلامذة، مبيّنة لحدودهم، محدّدة للصلات بينهم. ٤ - ينشر المعهد في كل شهرين- على الأكثر- نشرة صغيرة داخلية، تشرح أعمال المعهد وسير التعليم فيه. وتسجّل حركته بإنصاف وتسمّي كتبه ودروسه وتلاميذه، وتعلن مداخيله ونفقاته حتى تكون الأمّة على بصيرة من ذلك كله، وستحلى النشرة بقطع قصيرة من إنشاء التلامذة أنفسهم في مواضيع يرشدهم إليها معلموهم تدريبًا لهم على التفكير والكتابة. ٥ - هذه السنة مرحلة أولى، والمرحلة الأولى دائمًا شاقة، ويخفّف من مشقّتها تنظيم العمل وتوسيع الأمل. وهي سنة ابتداء- والابتداء لا يخلو من نقص وخلل- والعذر قائم. والعمل على التكميل متواصل. ٦ - هذا واجب جمعية العلماء، أدّته بحسب ما وسعه جهدها وستؤدّيه كاملًا بتعديد الفروع وتكثير الطلاب وترقية التعليم. وهذه بعض أعمالها في خدمة العلم والدين والعربية. وبقي واجب الأمّة وهو بذل المال لصندوق التعليم، وقد عوّدتنا أن تجود بإخلاص وتبذل عن بصيرة، وعوّدناها أن نأخذ بحساب ونعطي بحساب. وما نحن وهي إلا شركاء في واجب محتّم للدين وهو دين الجميع- وحق مؤكّد للعلم والعربية وهما فخر الجميع- علينا العمل والتعليم، والإرشاد والتنظيم، وعليها الإمداد بالمال وبذلك يؤدّي كل واحد منا قسطه من هذا الواجب. ويلتقي الجميع إن شاء الله في ما عند الله من أجر، وفيما عند الناس من محمدة وذكر. وفيما يسجّله التاريخ من مجد وفخر. ٧ - إذا تمّ هذا التعاون على ما نريد ونرجو فسيقدّم المعهد لجامع الزيتونة في أول كل سنة عددًا ممتازًا من أبناء الجزائر، تفخر بهم الزيتونة قبل الجزائر. ٨ - المدرّسون أكفاء بارعون، والإدارة رشيدة، والدروس حيّة مفيدة، والمراقبة على الأخلاق- وهي رأس المال- شديدة، والخطوات- إن شاء الله- موفّقة سديدة، والعزائم على تعليم أبناء الأمة مشدودة، والنيّات ببلوغ الآمال معقودة. والله المستعان.

стр. 589

جريدة (العَلَم) الخفاق أو (العلم) الشامخ* لكلم (العَلَم) في لغة العرب معان أشهرها في الاستعمال القديم الجبل، وأشهرها في الاستعمال الحديث: الراية، وزميلتنا العلم جديدة، وصاحبها الفاضل مجدد. فلا شك أنه يعني باسمها المعنى الثاني الذي أصبح رمزًا للمجد وشارة للاستقلال وشيئًا من كرائم الشعوب التي يقول فيها شوقي: هَذِي كَرَائِمُ أَشْيَاءِ الشُّعُوبِ فَإِنْ ... مَاتَتْ فَكُلُّ وُجُودٍ يُشْبِهُ العَدَمَا بل قد كان لها بعض ذلك في قديم العرب من يوم سمّاها الشاعر (خرق الملوك) إلى يوم عقدت أول راية في الإسلام. إن الأسماء إذا ذُكرت استحضر الذهن مسمياتها وخصائصها الذاتية والعرضية ولوازمها القريبة والبعيدة، وانتزع- في مثل إيماضة البرق- من بين تلك الخصائص أقواها وأسماها وأبرزها وأبقاها. وصحيفة (العلم) تحمل من معنى اللفظ أجمل الخصائص وأقرب اللوازم. فهي شامخة كالجبل تبعث الروعة والقوّة والإعجاب، خافقة كالراية ترمز إلى الوحدة وتوحي بالمجد وتشعر بالحرية. لم تلق صحيفة من صحف المملكة المغربية ما لقيته جريدة (العلم) من عنت الرقابة حتى ليوشك أن يغلب الأبيض فيها على الأسود. ولكن قارئها يستجلي في بياضها من معاني الاعتبار أبلغ مما يفهم في سوادها من معاني المقالات والأخبار. سلخت الزميلة سنة من حياتها فأصدرت عددًا خاصًا عامرًا بالمفيد، مسجّلًا للمرحلة الأولى من السفر البعيد، ولليوم الأول من العمر المديد، ونحن نعلن إعجابنا بثبات الزميلة

стр. 590

وتقديرنا للجهود التي يبذلها صاحبها القباج، ونتمنى له ولها كل ما نتمناه لرجالنا العاملين من صبر على المقاومة، ولصحافتنا الصادقة من استمرار على الكفاح. لا نطري الزميلة ذلك الإطراء المقلّد، بل نقول فيها ما هي أهله، وما أحق صحافتنا العربية بهذا الشمال، وهي متوافية على قصد واحد من خدمة الأمّة أن تتوافى على منهج واحد في التحسين والتهجين، وعلى أسلوب متقارب من البيان والتبيين، وأن تقتصد في التحلية والتلقيب، فإن كثرة الحلى والألقاب تدلية بغرور وتلهية بفراغ. وما أحوجنا إلى تضامن صحفي بهذا الشمال يدفع الضيم، ويمكن الأخوّة ثم يصفّي اللغة ويقوّي الأساليب، ثم يوسّع المادة ويرقّي المواضيع، ثم يكتسح اللغو ويعَرّي التقليد. وإنّا للحديث عن ذلك التضامن لعائدون.

стр. 591

عزاء للأستاذ التبسي* ترفع "البصائر" إلى الأستاذ الشيخ العربي التبسي، نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أحرّ التعازي على مصيبته بفقد أخيه الشاب البشير فرحات، وتتمنّى أن تكون هذه المصيبة خاتمة المحن التي شغلت بال الأستاذ مدة تقرب من السنة، وعاقته عن القيام بأعمال جليلة، كان يقدّمها لجمعيته وأمّته. وقد عزاه بالحضور إلى تبسة في اليوم الثالث لموت الفقيد وفد عظيم يمثّل الجمعيات والهيئات، فعن جمعية العلماء رئيسها، وعن معهد عبد الحميد بن باديس وفد من مدرّسيه ورجاله، وعن جمعية التربية والتعليم رئيسها وبعض أعضائها، وعن هيئة التعليم العامة بعض كبار المعلمين، وعن قسنطينة بعض أعيانها، وتوالت وفود التعزية من جميع نواحي العمالة القسنطينية. ويقول الملازمون للأستاذ التبسي من تلامذته والحاضرون لجميع الاقتبالات والأحاديث من خلصائه المقرّبين: إن أحاديث الأستاذ مع الوفود كانت أحاديث المؤمن القوي، الواثق بالله، الراضي بقضاء الله وكانت أحاديث معز لا معزى. وإن أحاديثه في الدين والاجتماع كانت كدأبه إذا تكلّم في الدين، تجلية حقائق، في نصوع بيان، وإن حديثه في السياسة إذا انجرَّ الحديث إليها كان كله حملات على الاستعمار ومكائده، وإنه لا يرجى منه خير، وإن حديثه عن السياسيين والنوّاب، كان حديث المحايد الحرّ الذي لا يتحيّز لفريق دون فريق، ولا يرضى لنفسه ولمقامه أن يكون بوق دعاية لمبدإ دون مبدإ، لأن مبدأه أسمى منها جميعًا، وكان حديث العالم الذي يزن الرجال بأعمالهم، وحيث لا أعمال فلا رجال، ويزن الأحزاب بوضوح مباديها، وحيث لا وضوح في المبادئ فلا أحزاب.

стр. 592

هذه خلاصة الأحاديث، وهؤلاء رواتها- وهي بعد وقبل- أحاديث مجالس تتناوبها الألسنة، ويقطعها الانتقال، وتقتضيها المبادهات، ويبتدئها متكلم فيكملها سامع، ووحدة المتكلم شرط في الكلام، وليست تصريحات يتهيّأ لها الفكر، ويوزن لها الكلام، ويشترط فيها التسلسل. وبعد، فإن أضلّ الناس كيدًا من يمدح الأستاذ التبسي فلا يزيد في مدحه على أنه إِمَّعة في الرأي، وأضلّ منه سعيًا من يكون له في المشهد حامدًا، وفي الغيب كائدًا ...

стр. 593

ذكرى الأمير شكيب أرسلان* الأستاذ محمد علي الطاهر، أخ نعتزّ بأخوّته ومجاهد نعترف بجهاده وصدق بلائه، لا في سبيل فلسطين المظلومة فقط- التي عرف بها وعرفت به ووقف قلمه ولسانه ومواهبه على نصرها في محنتها من يوم طرقها البلاء إلى الآن- بل في قضية العروبة أينما وجد أبناؤها، وجريدته الشورى كانت آية الجهاد، وميدان فوارس الطراد، وقد كان من عجيب صنع الله في تجلية إخلاص المخلصين، أن ينال الجريدة المجاهدة في فلسطين، ما نال فلسطين من الظلم والحيف، وإن كان ظلم القريب أنكى على الحر من ظلم الغريب. وصلتنا من ذلك الأخ المجاهد رسالة تطفح سرورًا بالبصائر وعودتها إلى الظهور. وبما سنى الله لرجال جمعية العلماء من السلامة من الأيدي الظالمة وللجمعية من السير والتقدم في الظروف المظلمة. وتفيض أسى لما يعانيه مغربنا العربي من ويلات الاستعمار وكل ما في الرسالة يدلّ على أن قلب الأخ الأستاذ معلّق بهذا الشمال. وما زال الشمال مستقرّ القلوب. وأرسل لنا الأستاذ الطاهر مع الرسالة نسختين من كتابه (ذكرى الأمير شكيب أرسلان) هدية، خصّص إحدى النسختين بنا والأخرى أمانة أبلغناها إلى مأمنها، والكتاب جزء حافل جمع فيه الأستاذ دموع الباكين على صديقه وأستاذه في الجهاد الأمير شكيب أرسلان، وحسرات المتفجعين على مصاب العروبة والإسلام لفقده. وما أكثر الباكين على الأمير شكيب وما أكثر المتحسرين. وإننا نعتقد أن ما جمعه الأستاذ الطاهر من المراثي والتحليلات هو ما وصلت إليه يده مما نُشر في الصحف، وان ما لم يصل إليه من ذلك شيء كثير. قرأنا الكتاب فلم نعجب لوفاء الرجل لصديقه ورفيقه أكثر مما عجبنا لصبره على جمع هذه الأشتات. في وقت تقطعت فيه الصلات وتباعدت الأقطار. وهمته في إخراجه في هذه

стр. 594

الظروف العابسة الشحيحة، لم نعجب لوفاء الرجل لصديقه لأن العلاقة بينهما في الحياة كانت وثيقة العرى لم يتخلّلها فتور. وكانت مساندة في الجهاد تسمو عن الأغراض والأهواء. وعلاقة هذا شأنها في الحياة لا يزيدها الموت إلا متانة واستمساكًا، خصوصًا إذا كان لها من صفاء الجوهر النفسي ظهير، وإن حظ الأستاذ الطاهر من ذلك الصفاء لكبير. نشكر للأستاذ هديته ونرجو أن تسامحه الأيام في كتابة تاريخ الأمير بقلمه، وتحقّق وعده لأبناء العروبة بقضاء دَيْن في أعناقهم لأميرهم، ومثله من يضطلع بذلك.

стр. 595

ديكتاتور (مايو) * هو متصرف حوز "مايو" (١) الممتزج له مع مدرسة "تيغيلت" من قرى بني منصور صولات من الباطل وأنواع من الظلم والتعدي والخروج عن القانون بلغ فيه إلى نفي المعلّم بالمدرسة من حوز مايو. كأن حوز مايو مملكة لهذا الديكتاتور يحكم فيها بأمره، وكل من يدخلها فهو أجنبي عنها ولو كان من عمالة قسنطينة كالشيخ محمد الطاهر التاملوكي. قد رفعنا أمر هذا الديكتاتور باسم جمعية العلماء مرة ثانية إلى رؤسائه عسى أن يوقفوه عند حدّه. أما نحن فسنشرح معاملاته الطاغية لمدرسة بني منصور مدة عامين، وظلمه لجمعيتها ومعلمها وجزهم إلى المحاكمات بتهم باطلة. وسنفضح عداوته للتعليم العربي ولحركة الإصلاح الديني وتدخّله فيما لا يعنيه من ذلك. ونقيم منه الدليل على أن من أمثاله من الموظفين من هو بلاء على الأمّة والقانون قبل أن يكون بلاء على الأمّة. أما ذلك المرابط، الطالع الهابط، فنحن له مرابطون، فليرتقب إنا مرتقبون ...

стр. 596

مبارك الميلي* حياة كلها جدّ وعمل، وحي كله فكر وعلم، وعمر كله درس وتحصيل، وشباب كله تلقّ واستفادة، وكهولة كلها إنتاج وإفادة، ونفس كلها ضمير وواجب، وروح كلها ذكاء وعقل، وعقل كله رأي وبصيرة، وبصيرة كلها نور وإشراق، ومجموعة خلال سديدة، وأعمال مفيدة. قلّ أن اجتمعت في رجل من رجال النهضات، فإذا اجتمعت هيّأت لصاحبها مكانه من قيادة الجيل، ومهّدت له مقعده من زعامة النهضة. ذلكم مبارك الميلي الذي فقدته الجزائر من ثلاث سنين ففقدت بفقده مؤرّخها الحريص على تجلية تاريخها المغمور، وإنارة جوانبه المظلمة، ووصل عراه المنفصمة، وفقدته المحافل الإصلاحية ففقدت منه عالمًا بالسلفية الحقة عاملًا بها، صحيح الإدراك لفقه الكتاب والسنّة واسع الاطلاع على النصوص والفهوم، دقيق الفهم لها والتمييز بينها والتطبيق لكلياتها. وفقدته دواوين الكتابة ففقدت كاتبًا فحل الأسلوب جزل العبارة لبقًا بتوزيع الألفاظ على المعاني، طبقة ممتازة في دقة التصوير والإحاطة بالأطراف وضبط الموضوع والملك لعنانه. وفقدته مجالس النظر والرأي ففقدت مدرهًا لا يبارى في سوق الحجة وحضور البديهة وسداد الرمية والصلابة في الحق والوقوف عند حدوده. وفقدته جمعية العلماء ففقدت ركنًا باذخًا من أركانها لا كلًا ولا وكلًا، بل نهاضًا بالعبء مضطلعًا بما حمل من واجب، لا تؤتى الجمعية من الثغر الذي تكل إليه سده ولا تخشى الخصم الذي تسند إليه مراسه. وفقدت بفقده علمًا كانت تَسْتَضِيءُ برأيه في المشكلات فلا يرى الرأي في معضلة إلا جاء مثل فلق الصبح. تشوب هذه الذكريات التي نقيمها لرجالنا في هذا العهد شائبة نقص، إلّا تحسب علينا في باب فساد الذوق تعد من سوء الصنيع، وهي أن المتكلمين فيها والكاتبين يقيمون منها

стр. 597

مناحة مأتم، فيتفجعون للمصيبة، ويبكون على الفقيد ولو غبرت عليه السنون، ويثيرون أشجان السامعين بتهويل المصيبة فيه، وتجد الشعريات سبيلًا إلى ألسنتهم وأقلامهم ومنفذًا إلى نفوسهم وعواطفهم فتفسد على الحكمة أمرها. وكل فجيعة لم يمسحها السلو، تحكم فيها الغلو، لأن السلو يفرغ المجال للاتعاظ والتأمل، والغلو يفتح الباب للانتحال والتعمل. ولا أكذّب الواقع فأنا أجد في نفسي هذا الميل كلما قمت متكلمًا في حفل من هذه الذكريات، وأجدني في حالة من التأثّر أتمثل فيها الفجيعة حاضرة فأقول في البكاء والاستبكاء أكثر مما أقول في التأسي والاعتبار. وإني أتخيّل أن منشأ ذلك في نفسي حالة واقعية وهي الفراغ الذي يتركه في الصفوف كل راحل من رجالنا وأن كل من خلا موضعه في الميدان منهم عزّ عنه العوض. ولو كنا من قوم القائل: (إذا مات منا سيد قام سيد) لكانت حالتنا النفسية غير ما هي. والجانب المفيد في هذه الذكريات أن تكون درسًا لخصائص الرجال، وتجلية لمناشئ ذلك فيهم، ووضعًا للأيدي على الذخائر الخلقية المودعة في نفوسهم الكبيرة وإعلانًا للميزات العالية التي كانوا بها رجالًا، وإذاعة لما يجهله الناس أو يغلطون فيه من موازين الرجولة أو يبخسونه من قيمها، كل ذلك بتصوير يبيّن موقع التأسي ويسوق إليه ويحمل عليه. وجوانب العظمة في حياة أخينا مبارك كثيرة، ومآخذ العظات والأسى من تلك الحياة أكثر. ولعل الكاتبين لسيرته والدارسين لحياته اليوم أو غدًا يستوفون البحث في نواحي تلك العظمة ويستخرجون تلك العظات يدلون بها قوافل شبابنا المغذة في صحراء الحياة على خضرائها، وينصبون منها أعلامًا هادية للضُّلَّال، ومنارات مرشدة للآتي من الأجيال. وأنا سائق لناشئتنا العلمية من حياة هذا الرجل عظة واحدة وقائل فيها ما تحتمله كلمة قصيرة في صحيفة صغيرة: تلك العظة هي طريقته في تحصيل العلم ووسيلته إلى تلك الدرجة التي وصل إليها في اتقان التحصيل وسعة الاطلاع وانفساح الذرع وإحسان الاستثمار. فالرجل تلقّى التعليم البدائي في "ميلة" والمتوسط في قسنطينة والنهائي في الزيتونة. وليس في هذه المراحل ما يفوق به القرين أقرانه. فكثير من المحصلين بيننا سلكوا هذا السبيل: البداية في الوطن، والنهاية في الزيتونة، وقليل من يبعد النجعة إلى الأزهر، هذا هو الشأن. إن أبعدنا فمنذ خراب أمصار العلم كتلمسان وبجاية، وإن قربنا فمن رحلة أسرة الشيخ المختار الشوثري العياضي إلى هجرة قريبنا الشيخ سعد قطوش السطيفي في العقد الثالث من هذا القرن الهجري.

стр. 598

شارك مبارك أقرانه وشاركه السابقون له في الطلب واللاحقون في كل شيء، شاركهم في البداية والنهاية وفيما بينهما، وشاركهم في الأساتذة والكتب والمدّة والشروط. ولم ينفرد دونهم بذكاء مفرط خارق للمعتاد المألوف، وإن كان حظه من الذكاء موفورًا، ولا بقريحة شفافه تنكشف لها المحجبات ويعد فيها واحد الآحاد، وإن كان نصيبه من استنارة القريحة نصيبًا مذكورًا. ولا بحافظة واعية تصطاد كل ما تسمع، كما يؤثر عن حفاظ اللغة والحديث والشعر والأنساب، وإن كانت حافظته فوق المستوى العادي. فما الذي بلغ به ما بلغ من الشفوف على أقرانه في كثير مما لا يسمّى العالم عالمًا إلا به؟ إن الذي بلغ به تلك المكانة من العلم أربعة أشياء ما اجتمعت في طالب علم إلا رفعته بالعلم إلى تلك المنزلة: استعداد قوي، وهمّة بعيدة، ونفس كبيرة، وانقطاع عن الشواغل الفكرية والجسمية يصل إلى حدّ التبتل. وهذه الأخيرة- لعمري- هي بيت القصيد. يشهد كل من عرف مباركًا وذاكره أو ناظره أو سأله في شيء مما يتذاكر فيه الناس أو يتناظرون أو يسأل فيه جاهله عالمه، أو جاذبه الحديث في أحوال الأمم ووقائع التاريخ وعوارض الاجتماع أنه يخاطب منه عالمًا أي عالم، وأنه يناظر منه فحل عراك وجدل حكاك، وأنه يساجل منه بحرًا لا تخاض لجّته وحبرًا لا تدحض حجّته، وأنه يرجع منه إلى عقل متين ورأي رصين ودليل لا يضلّ ومنطق لا يختل، وقريحة خصبة وذهن صيود وطبع مشبوب وألمعية كشافة. هكذا عرفنا مباركًا وبهذا شهدنا، وهكذا عرفه من يوثق بمعرفتهم ويرتاح إلى إنصافهم ويطمأن إلى شهادتهم، لا نختلف في هذا وإنما نختلف في مردّ ذلك إلى أسبابه وأبوابه. فيقول الخليون الفارغون: "إنها مواهب وحظوظ". ويقول المسدّدون المقاربون: "إنه استعداد أعانه الدرس وقوته القراءة" ويقول المعللون الباحثون -ونحن منهم-: "إن كل ما شاهدناه في أخينا مبارك وشهدنا به هو نتيجة لأسباب مترتبة في نفسها وفي نفسه وهي استعداده للعلم وإيمانه به واعتقاده لشرفه ومنزلته واجتهاده في تلقّيه وانقطاعه لتحصيله وإخلاصه في طلبه وحبس الدقائق والأنفاس عليه وحده حتى ما يضاره بشاغل ولا يزاحمه بعائق ثم صرف الهمة كلها إلى الاستزادة منه بالمطالعة والقراءة". هذه هي الأسباب التي كوّنت لنا من مبارك الميلي عالمًا مستكمل الأدوات يملأ معناه لفظه. وهي أسباب- كما نرى- كسبية يستطيع كل طالب للعلم أن يقلّل منها فيقل أو يكثر منها فيعظم ويجل. وإنما يتفاوتون بالطبيعة في شيئين: الاستعداد وبُعد الهمّة، وإن الثاني منهما أصل لجميع ما ذكرنا. وكأين من طالب قوي الاستعداد ميسّر الأسباب ولكنه بارد الهمّة ضعيف الإرادة فلا يعود عليه استعداده بغناء.

стр. 599

ليس في هذه الأجيال التي أظلّها زمننا إلا عصابة معدودة اتفق لها ما اتفق لأخينا مبارك من أسباب النبوغ في العلم والتمكن من التحصيل، وإن لم يتفق لجميعهم ما اتفق له من الشهرة وذيوع الإسم لأن للشهرة أسبابًا أخرى منها العمل والإفادة والإنتاج والتضحية والصدوف عن قيود الوظائف والانغماس في المجتمع لخدمته ونفعه. ونحن نعرف هذه العصابة العصامية ونعرف مبلغها من العلم وحظها من العمل. ومنهم المقصر فيه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق. وبها نقيم الحجّة على شبابنا الذي نعدّه للميراث والاستخلاف، والذي فتنته الفتن وألهته الملهيات عن التحصيل للعلم. وبهم نضرب الأمثال ليذكر الغافل وينشط الخامل. وإن في سير الكاملين لذكرى للمقصّرين والخاملين.

стр. 600

نداء إلى الشعب* إذا أصيبت الأمّة بكارثة من كوارث الزمان ووجد فيها من يتألم لتلك الكارثة ويهتز لها فذلك دليل قوي على حيوية الأمّة ورشدها ومقياس صحيح لتقدّمها ونهوضها. وهي بذلك تقيم، لأصدقائها وخصومها، البراهين القاطعة على أنها خليقة بحرّيتها، جديرة بأن تتبوّأ مكانتها بين الأمم الحزة. أما إذا كانت الأمّة غافلة عن واجبها نحو المجموع لا يفكّر أفرادها إلا فيما حولهم ولا تنظر جماعاتها إلا إلى محيطها الخاص، فهي أمّة غبية ليست خليقة بالاحترام ولا جديرة بما تصبو إليه من حرية. نقول هذا بمناسبة الكارثة العظمى التي حلّت بساحة "الشريعة" ونواحيها من أحواز "تبسّة". ففي ليلة ٢٨ من شهر فيفري، دهمت سكان تلك الجهة سيول جارفة وحملت عليهم الأودية الهائلة من كل صوب، فلم تترك شيئًا من الأبنية والعباد والفلاحة والحيوانات والأقوات إلا أتت عليه وتركت أراضيهم وعمارتهم قاعًا صفصفًا. وقد قُدّرت الخسائر المالية بعشرات الملايين، أما الضحايا من الأنفس البشرية فإنها تزيد على المائة. وما زالت عمليات الاكتشاف مستمرة، وأما الأفراد الذين بقوا بلا مأوى ولا قوت فعددهم يزيد على الألف. فواجب الأمّة أن تهتز لهذا الحادث وتتكثل حوله وتعيره جانبًا كبيرًا من الأهمية فتسرع بتشكيل لجان، وفتح اكتتابات في أهم مدن القطر وقراه لإسعاف من نكبوا بهذه الكارثة الجسيمة وتخفيف الوطأة عنهم، وذلك من أول مظاهر وجود الأمّة.
следующие страницы →