← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

واثقًا مؤكدًا: إننا لو تعاونا وتفرغنا للعمل لأخرجنا للأمة تفسيرًا يغطي على التفاسير من غير احتياج إلى ما ذكرت. ولما احتفلت الأمة الجزائرية ذلك الاحتفال الحافل بختمه لتفسير القرآن عام ١٣٥٧ هجرية وكتبت بقلمي تفسير المعوذتين مقتبسًا من درس الختم وأخرجته في ذلك الأسلوب الذي قرأه الناس في مجلة الشهاب أعجب به أيما إعجاب، وتجدد أمله في أن نتعاون على كتابة تفسير كامل، ولكن العوارض باعدت بين الأمل والعمل سنتين ثم جاء الموت فباعد بيني وبينه، ثم ألحت الحوادث والأعمال بعده فلم تبق للقلم فرصة للتحرير ولا للسان مجالًا في التفسير، وإنا لله. لم يكتب الأخ الصديق أماليه في التفسير ولم يكتب تلامذته الكثيرون شيئًا منها، وضاع على الأمة كنز علم لا يُقَوَّمُ بمال، ولا يعوض بحال، ومات فمات علم التفسير وماتت طريقة ابن باديس في التفسير، ولكن الله تعالى أبى إلّا أن يذيع فضله وعلمه، فألهمه كتابة مجالس معدودة من تلك الدروس وكان ينشرها فواتح لأعداد مجلة الشهاب ويسميها (مجالس التذكير) وهي نموذج صادق من فهمه للقرآن وتفسيره له. كما أنها نموذج من أسلوبه الخطابي وأسلوبه الكتابي. هذه المجالس العامرة هي التي تصدى الأخ الوفي السيد أحمد بوشمال عضد الإمام المفسر وصفيه وكاتبه والمؤتمن على أسراره، لتجريدها من مجلّة الشهاب ونشرها كتابًا مستقلًا، قيامًا بحق الوفاء للإمام الفقيد وإحياء لذكراه بأشرف أثر من آثاره، وها هو ذا بين أيدي القراء يستروحون منه نفحات منعشة من روح ذلك الرجل العظيم، ويقرأونه فلا يريدهم عرفانًا بقدره فحسبهم ما بنى وشاد، وعلم وأفاد، وما ربى للأمة من رجال كالجبال، وما بث فيها من فضائل وآداب، وما أبقى لها من تراث علمي خالد، لا يرثه الأخ عن الأخ، ولا الولد عن الوالد. وشكرًا للأخ الوفي أحمد بوشمال على هذا العمل الذي هو عنوان الوفاء.

стр. 667

مجالس التذكير * هذ هو العنوان الذي كان يضعه الأستاذ الرَّئِيسُ عبد الحمد بن باديس- ﵀ لما يكتبه بقلمه البليغ في تفسير بعض الآيات القرآنية الجامعة ويجعله فواتح لأعداد مجلة "الشهاب" وهي لمع لامعة في التفسير، يتمنى قارئها عند كل جملة منها لو أن الأستاذ أتمّ تفسير القرآن كله كتابة، كما أتمّه درسًا على تلك الطريقة وبذلك التحليل، إذ يرى أسلوبًا مشرق الجوانب بنور العلم لا يفوقه في الروعة إلا حسن فهم كاتبه للقرآن. قرأ الناس تلك الفواتح في "الشهاب" واستفاد منها المستعدون ما يسّر عليهم فهم القرآن في جملته إذ جعلوا من ذلك القليل مرشدًا للكثير، فكأنهم لازموا الأستاذ خمسًا وعشرين سنة. واستفاد منه المتأدبون مثالًا عاليًا من ذلك الأسلوب الذي يجمع الأدب والعلم، فيستهوي العالم والأديب. وقد كان الأستاذ- في قلة من علمائنا- ممن انطبعت ملكاتهم على ذلك الأسلوب الذي يعلم العلم والأدب. ومن تلك القلّة: الراغب ومسكويه وابن العربي وعياض والزمخشري وابن خلدون والشاطبي. ولكن "الشهاب" مجلة، والمجلّة عندنا بنت عم الجريدة، تلفظ، ولا تحفظ، وتُتلى ثم تُلقى. وتضيع الأجزاء، ثم يضيع الكل. وقد نشأ بعد موت الأستاذ جيل نفور من تلك النظريات الجوفاء، وتلك الأساليب الرثة، وتلك الكتب التي تحملها، شديد الظمأ إلى التحقيق العلمي الذي يفضي به إلى الاستقلال في العلم. وفتنة هذا الزمان الاستقلال في كل شيء. وهذا الجيل لم يدرك دروس الأستاذ الحافلة، ولكنه أدرك مخايلها في مثل هذه الفصول من كتاباته، وأدرك آثارها في نفوس تلامذته، وأدرك أوصافها جائلة في أفواه الناس، فازداد شوقًا إليها، ولهفة عليها. فغير كثير على قادة هذا الجيل أن يهيّئوا له ما يروي ظمأه

стр. 668

ويرضي هواه من الكتب الممتازة بالتحقيق العلمي، وأن لا يتركوه فريسة لتلك الكتب المعتلّة التي نرجو أن يكون جيلنا آخر ضحاياها. ومن الشعور بهذه الحالة التي ألممنا بها إلمامًا، سمت همّة صديقنا الوفي الأديب أحمد بوشمال كاتب الأستاذ المفسّر وأمين سرّه، فجرّد من مجلة "الشهاب" قطعة صالحة من مجالس التذكير، وطبعها في مطبعة "الشهاب" طبعًا أنيق الحرف بديع الورق، فجاء تحفة فنية صغيرة الحجم، ولكنها عالية القدر وفي نيّته أن يصدر البقية في جزء آخر. وقد طلب من كاتب هذه السطور أن يقدّمه إلى القرّاء بكلمة فكتبها في جلسة سمر كثر ضجيجها، وتمتّع من الجد إلى الهزل حجيجها، فجاءت كما يهوى العاتب، لم تف بحق المكتوب ولا بحق الكاتب. وعسى أن لا تكون كلمتي هذه دعاية سيّئة للكتاب، فهو غني عن المقدّمة بما فيه من علم وعرفان. ونصيحتي الخالصة إلى كل من قرأه متفرّقًا أن يقرأه مجتمعًا وإلى كل من لم يقرأه أن يقرأه، وإلى كل ناشئ من هذا الجيل أن يجعله لدراسة التفسير مفتاحًا.

стр. 669

جريدة "العلم" الخفاق * لهذه الجريدة الجريئة مكانة في نفوسنا لأن لها مكانة في نفسها ... ومن كرم على نفسه كرم على الناس. ولا تساويها في حلول هذا المحل من جرائدنا الشمالية إلا جريدة "الإرادة". وما جاءهما ذلك إلا من مزيج من الخلال، أهمها الاحتفاظ بالكرامة، والتحفظ في "المهنة". أصدرت هذه الزميلة الكريمة عددًا ممتازًا لأول سنتها الثالثة، فجاء ممتازًا حسًّا ومعنًى، جديرًا بالتهنئة على أنه آخر الوثبات الثلاث الخطيرة، ومن للزميلة العزيزة بالسلامة من قَلَم المراقب، وقلم الغاسق الواقب؟ أيتها الزميلة: إن "البصائر" الضنينة بالتقريظ، لا تنتهي بها الضنانة إلى التفريط ...

стр. 670

كيف تشكّلت الهيئة العليا لإعانة فلسطين * - ١ - أن إغفال الحقائق يعدّ جناية عليها وعلى التاريخ فقط، ولا يهيّئ للمبطلين أن يعلنوا باطلهم، لرضينا أن تعصب بنا هذه الجناية ولم نكتب في هذه المسألة حرفًا ولكان بحسبنا أن نقتسم الخطتين بيننا، فنعمل ويقول غيرنا إلى أن ينجلي الصباح. ولكننا جرّبنا فكشفت لنا التجربة عن حقيقة واقعة، وهي أننا كلما أمسكنا عن تجلية الحقائق فرارًا من المهاترات وتجنّبًا للغو، وإيثارًا للنافع المفيد، لم يمسك القوّالون عن إعلان باطلهم، واتخذوا من سكوتنا حجة على أنهم محقون. لذلك وعدنا بأن نكتب عن حقيقة ما تضمّنه عنوان هذه الكلمة، ولذلك نفي اليوم بالوعد. وما سكتنا هذه المدّة إلا لمصلحة كانت محققة، ثم أصبحت راجحة، ثم أمست مفسدة. وداع آخر حتّم علينا الكتابة، وهو إلحاح القرّاء علينا في طلب بيان الحقيقة. ... كتبنا في "البصائر" تلك الكلمات المتتالية عن فلسطين، وبينّا فيها لإخواننا في الشرق العربي أن في بني عمّهم أقلامًا. وقد أحدثت تلك المقالات أثرها في الشّرق، وعرفوا لها قيمتها، وتناقلتها الجرائد والمجلات، وناهيك بمجلة "الرسالة"، فقد نقلت منها مقالة عن الانكليز، وكتب إلينا طائفة من أدباء الشرق ومفكّريه يثنون ويعجبون، كتب إلينا كاتب من النجف، وآخر من الموصل، وثالث من طرابلس الشام، ورابع من جبل عامل، وخمسة من فلسطين، وجماعة من مصر، وكاتبان من ليبيا، رسائل كلها إعجاب، وثناء مستطاب. وقال الأستاذ فائز الصائغ أستاذ الفلسفة بالجامعة الأمريكية ببيروت حين قرأ مقالة "يا فلسطين" في

стр. 671

العدد الخامس من "البصائر"، ما معناه: إنه لم يكتب مثلها من يوم جرت الأقلام في قضية فلسطين. وقد ختمت تلك المقالات ببيان حق فلسطين على العرب، ونحن منهم، فبيّنت أن أول واجب علينا هو بذل المال. ووقفت عند هذا الحد، وربأت بنفسي أن أحتكر الدعوة والعمل، وانتظرت وقع المقال في نفوس الأمّة. ولو شئت لفتحت اكتتابًا لفلسطين باسم "البصائر"، أو باسم جمعية العلماء، وفيهما- بحمد الله- الكفاية والكفاءة. ولهما- من فضل الله- الكلمة المسموعة في الأمّة والثقة المتينة، والسمعة العاطرة النقية. ولكنني تركت الميدان لغيري، لعلمي أن في الوطن رجالًا لهم سابقة الفضل في قضية فلسطين، وهيئات تحمل من هذا الإسم وسام الشرف، وقد عملت في ظروف أخرى جهد المستطاع من الخير لفلسطين، وإن لم يظهر لها في الطور الأخير أثر. وقد رمزت لهذا بتقديم مكتبتي الصغيرة لأية هيئة تتقدّم للقيام بهذا الواجب. وحكمة أخرى في عدم انفرادي بالعمل، وهي أنني كنت أترقب الفرصة المناسبة لأقوم بدعوة جديدة إلى توحيد الأحزاب والصفوف بعدما ضاعت جهودي القديمة، وأرجو أن يكون لي من قضية فلسطين عون على ما أريد، لأنها قضية دينية قومية سياسية، ففيها من كل غرض جانب وفيها لكل هوى جاذب. ثم خرجت في أثناء ذلك في جولة استطلاعية للمدارس، فبلغني- وأنا بمطارح غيبتي- أن لجنة نادي الترقي القديمة عازمة على العمل، وأنها زارت مركز جمعية العلماء سائلة عني طالبة مني المشاركة في العمل، وأنها عرضت هذا الطلب على الحزبين الجزائريين. ولما رجعت من تلك الجولة زارني- في داري- الأستاذ الشيخ الطيب العقبي وهو الروح المدبّرة لتلك اللجنة، وأخبرني بأن اللجنة تتنازل- مسرورة- عن اسمها ومطبوعاتها وأعمالها. وأنها تودّ الانضمام إلى هيئة قوية مؤلّفة من رؤساء الهيئات والأحزاب، وصارحني بأنه يشاطرني الرجاء في أن تكون قضية فلسطين مباركة كأرضها فتكون سببًا في جمع ما تشتّت من أحزابنا، وأجمعنا الرأي على أن ندعو الحزبين اللذين كنت تعبت في التأليف بينهما فلم أفلح. وقوي أملي في هذه المرّة أن قضية فلسطين ليس فيها كراسي ولا نيابة، وغاب عني أن فيها شيئًا اسمه ... الرئاسة، وقلت عسى أن يصدق الفال، فنجتمع على هذا العمل الجليل، ونظهر بالمظهر الذي يشرّف الإسلام والعروبة والجزائر. والتزم الأستاذ العقبي بدعوة رئيسي الحزبين، وفعل. فأما رئيس حزب البيان فأجاب الدعوة واستجاب إلى الداعي، وقبل هو وأصحابه العمل مع كل أحد، لأن قضية فلسطين في نظرهم فوق الاعتبارات الحزبية. وأما حركة الانتصار للحريات الديمقراطية فقد قال قائلهم عندما دعوا لأول مرّة: إن فلسطين هنا في الجزائر ولا شأن لنا بفلسطين أخرى، لأن أبناء الأمّة في السجون، وعائلاتهم تعاني ألم الحاجة والجوع، ثم بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون من عقد الاجتماعات التمهيدية، بمركز جمعية العلماء وبنادي الترقّي، ومن ضغط التيار الإجماعي من

стр. 672

الأمّة، وهالهم أن نكون نحن البادئين بالدعوة لأمر يجب- في مذهبهم- استغلاله للدعاية والمال. فأرسلوا رائدهم السيد أحمد مزغنه معلنًا لقبول الانضمام والمشاركة، وحضر الجلسة الثانية بنادي الترقّي وسمع المقرّرات البدائية، واقترح اقتراحًا فهمنا مغزاه من أول حرف، لهذه المناسبة، وهو أن يزور كاتب هذه السطور والعقبي وعباس فرحات رئيسهم الأعلى السيد الحاج مصالي، لأنه ممنوع من الهبوط إلى الجزائر، وما كانت الحيلة لتخفى علينا، ونحن أعلم الناس بمسالك القوم وأساليبهم في الدعاية لأنفسهم، ولكننا رجحنا شرف القضية على كل اعتبار، وقبلنا الاقتراح "على طول الخط" فزرناه من الغد في جماعة: الكاتب والعقبي وبيوض وفرحات وصاطور والدكتور ابن خليل، ووجدنا عنده السيدين: مزغنه وبودا. وتمّ الاتفاق على الهيئة واسمها وأعضائها الخمسة وأعمالها وعلى البرقيات. وكان سرور وكان ارتياح، وسرت الأخبار إلى الأمّة فطارت فرحًا. ولم يجر في تلك الجلسة ذكر للنقطة الحساسة، وهي احتكار القوم للرياسة، وإنما نبّه كاتب السطور إلى أن هؤلاء الأعضاء الخمسة، كالأسماء الخمسة، متساوية في الإعراب، وليس فيها أَمٌّ للباب. فقال القوم: إنها مائدة مستديرة، فقلنا إنها دائرة مستديرة، وليس لها زاوية. وكان المصوّر حاضرًا معدًّا (بالتوصية) فأخذ لنا مجتمعين عدة مناظر على تراتيب منوّعة اقترحت اقتراحًا (بالتوصية) أيضًا، وما كانت الحيلة لتخفى علينا هذه المرّة أيضًا، وهي دائرة على الدعاية والمال دائمًا، ولكن اعتبار فلسطين طغى على كل اعتبار في نفوسنا. وقلت لهم: أرسلوا لنا نسخة من كل منظر، لتذاع وتُنشر، ونحن ندفع قيمتها. وألحّ الشيخ العقبي في طلب هذا فوجموا ثم قالوا: نعم. كلمة تكاد حروفها تتزايل من الارتخاء والتخاذل. وانصرفنا والبِشر باد على الوجوه، ولكن النفوس فريقان: فريق باطنه كظاهره، وفريق يرى- كما دلّت العواقب- أن الحصول على الصور هو غنيمة الموقعة، وهي كل ما في الباب، وما عداها- حتى فلسطين- سراب في يباب، ويا لله لفلسطين ... حتى دماؤها وأشلاؤها تتخذ ذريعة للدعاية والمال، وحتى اسمها وقضيتها تتخذ أدوات للانتفاع والاستغلال، ولكن هذا ما وقع. وتتبع الرواية يرحمك الله.

стр. 673

- ٢ - * كنت خلاصة ما تمّ في ذلك الاجتماع الذي قصصنا أخباره، أن الهيئة تتركّب من خمسة: العقبي، وبيوض، وعباس فرحات، ومصالي الحاج، وكاتب هذه السطور. وإنها هيئة إخوان لا رئيس فيها ولا مرؤوس، وإنما يرأس كل جلسة من يجتمعون في مكتبه، وأن اسمها (الهيئة العليا لإعانة فلسطين)، وأن تبدأ أعمالها بإرسال برقيات باسمها إلى جهات مخصوصة منها برقية تأييد وإعلان لوصل رحم العروبة، ترسل إلى أمين الجامعة العربية عبد الرحمن عزام باشا، ومنها برقية تنديد واستنكار ترسل إلى منظمة الأمم المتحدة، وأن تشكل على الأثر لجنة تنفيذية من أعيان الأمّة لا تراعى فيهم حزبية ولا غيرها من الاعتبارات الضيّقة، تتولّى جمع الهبات المالية باسم الهيئة. وكان مصالي الحاج في أثناء الاجتماع حريصًا على ذكر إخواننا مسلمي شمال إفريقيا بفرنسا، يدمج الكلام عنهم إدماجًا بلا مناسبة، واستطرادًا بلا نكتة، كأن له فيهم أربًا خاصًا، أو كأن له عندهم حسابًا خاصًا. ولم أتبيّن مراده من ذلك إلا بعد حين. وافترقنا على الساعة الواحدة بعد زوال ذلك اليوم على أن نرسل البرقيات في مسائه، واقترح مصالي أن يتولّى صوغ البرقيات صاطور المحامي (وهو بياني) (١)، واقترح أحد الحاضرين أن يحضر معه مزغنة (وهو انتصاري) (٢)، واجتمع الاثنان على الساعة الرابعة بمكتبي في مركز جمعية العلماء، ووضع صاطور صيغة البرقيات، ووافق عليها مزغنة، ولما فرغا من ذلك دخلت مكتبي فوجدت صاطور يكتب البلاغ الذي ينشر في الجرائد عن الهيئة، وتلا الصيغة على زميله فارتضاها، ودفعت نسخ البرقيات إلى كاتب المركز فترجمها فارتضيتها.

стр. 674

ولم يبق إلا أن تعرض على زملائي ليوقّعوا عليها، وهنا جاءت المشكلة التي دونها مشكلة فلسطين نفسها ... كنت أتوقع- تمرّسًا لا تفرّسًا- أن يختلف الرجلان في ترتيب الأسماء الخمسة وأن يتعضب كل منهما لحزبه ولصاحبه وكل منهما يمثّل هيئة سياسية. وكان من المعقول أن تمحو قضية فلسطين كل أثر حزبي في النفوس، وأن تنسي هؤلاء المتحزبين أنفسهم وأحزابهم، وأن يحسبوا حسابًا للأمّة التي بلغ بها الحماس إلى أقصى حدوده وأن يقدّروا الدعوة التي جمعتهم على اسم الإسلام والعروبة وفلسطين، وأن يحترموا الداعين من العلماء لأنهم البادئون بالدعوة، والمتقدّمون بالفكرة، ولأنهم (فوق الأحزاب)، ولأن وجودهم يرفع الخلاف. ولكن مزغنة خالف المعقول والمنقول وقال: إن اسم رئيسه يجب أن يتقدّم على جميع الأسماء ... ، قال له صاطور في هدوء: ولماذا؟ قال: لأنه محبوب ومعروف في الشرق ... ولأن حزبه حاز الكثرة في الانتخابات ... قال له صاطور: لسنا في مقام تكاثر وتفاخر. ولسنا في مقام انتخاب، ولو شئت لقلت في كثرتكم وشهرتكم ما ينقضها عليك. ولكنني أنا وحزبي راضون- بكل افتخار- بأن يتقدم اسم جمعية العلماء على الجميع وراضون بعد ذلك بأن يكون اسمنا في الأخير. وسألاني رأيي وقد أيقنت أن قد ظهرت السرائر، وتحرّك داء الضرائر، فقلت: اصنعوا كما صنع إخوانكم في تونس بالأمس. وكان من المصادفات وجود عدد من جريدة "النهضة" بين يدي فيه تفصيل ما وقع بتونس، فقرأت عليهما البلاغ والبرقيات وفيه ذكر الشيخ محمد الشاذلي بن القاضي في صدر البلاغ. فلم يقتنع مزغنة. ولم يجد من الجواب إلا أن تونس غير الجزائر. فقال له صاطور: ولكن قضية فلسطين هي قضية فلسطين ... ولكن جمعية العلماء هي الداعية ... وأين كنتم وأين كنا منذ ثمانية أشهر وعشرة أشهر؟ وأصرّ مزغنة على رأيه، فأصرّ صاطور على رأيه، فأصررت على تقديم اسم الشيخ العقبي رفعًا للخلاف. ووالله لقد تمنيت أن لو كان حضر مجلسنا واحد أو جماعة من المغرورين بهؤلاء القوم والمتأثرين بدعاياتهم الجوفاء في تونس والمغرب، إذن لعرف من حقيقة أمرهم في مجلس واحد ما عرفناه في سنين. ولعلم من هذا المجلس أن الجزائر المسكينة تستدفع البلاء الأسود بالبلاء الأزرق، ولصدق أن عند بعض رجالها أفكارًا لا كالأفكار. ولتحقق أنه ليس من المحال وجود منزلة بين الإقرار والإنكار ... وفي ختام الجلسة قال مزغنة: إن هذه مشكلة لا يضطلع بحلّها، ومعضلة لا يستقلّ بحملها، ولا بدّ من مشورة (الصغار) بهذا اللفظ، وهو يعني به الشبان. وأنذرنا بأنهم لا يقبلون. وافترقنا على أن يعرض مزغنة مشكلته على صغاره فيحكموا حكمهم فيها ويرجع إلينا بالقول الفصل غداة غد، وانتظرناه صباح الغد فلم يرجع، وصادفناه أنا والعقبي في الطريق

стр. 675

العام فقلنا له: إن المسألة لا تحتمل التطويل، فأفهمنا أنها في نظرهم من أخطر المسائل ... ولا بدّ لهم من أخذ (موقف) فيها. وأجّل الوعد إلى المساء، ولكنه لم يرجع ولم يف بالوعد. أما أنا فلم يزدني ذلك كله علمًا بالقوم وبأساليبهم في اللعب والدوران، فقد بلوتهم في جميع المواقف، ونفضت جعابهم جعبة جعبة، وتقريت شعابهم شعبة شعبة، ودرستهم تقريبًا وتبعيدًا، وخالطتهم تصويبًا وتصعيدًا. إلى أن كان اتصالي بهم في مفاوضات الاتحاد بين الحزبين ستة أشهر كاملة. وأنا قديم العهد بدراسة الملل والنحل والفرق، فغير بعيد عنّي أن أدرس الأحزاب والجمعيات، وأما الشيخ العقبي فقد بدا له منهم ما لم يخطر له ببال، وبدا له أن هذا التلاعب واقع منهم لا من رئيسهم، فعرض عليّ أن نلقى ذلك الرَّئِيسُ وحده مرّة ثانية إبلاغًا في النصيحة، واستبراءً للذمّة، وتبليغًا للأمانة الدينية، فأفهمته "أن العصا من العصية" وشرحت له ما يجهل من الحقائق، ولكنه آثر الاحتياط وإقامة الحجّة، فلقينا الرَّئِيسُ، يثلثنا الشيخ بيوض، ويربعنا الأستاذ توفيق المدني، وقصصنا عليه قصّة أصحابه وسفرائه، من يوم فارقناه إلى يوم لقيناه، وكنا نتوقع أن يقول: إنه لا علم له بشيء من ذلك كما هي عادته معنا ومع الأستاذ العربي التبسي أيام كان يسعى للاتحاد بين الحزبين. ولكنه خرق العادة وقال: إنه موافق على كُلِّ ما قرّره أصحابه، وإنه لا يستطيع أن ينقض منه حرفًا، ولا أن يخرج عنه شبرًا، وتظاهر بالأسف لكون المسألة تتعلّق باسمه. وزاد في وصف حزبه أنه حزب طاهر، وفي وصف نفسه أنه محبوب. وعادت به الذاكرة إلى الاجتماع الأول فعدّ من نقائصه بل من تواطئنا على الغلط فيه أننا لم نعيّن للهيئة رئيسًا، وأفاض في الحديث عن الرياسة ولزومها للهيئات ولو قلّ أفرادها، وكانت ألفاظه كلها ترشح بترشيح نفسه للرياسة. ثم تكلّم العقبي فشرح له مقصدنا الحقيقي من هذه المساعي، وبيّن له أن العلماء قد ضربوا المثل في الحرص على جمع الكلمة وانتهاز أسبابها، وأن جمعية العلماء هي صاحبة الفضل على الوطن بما طهرت من عقائد، وما علّمت من أجيال، وما أقامت للإسلام والعروبة من معالم: وفصل له أعمال أصحابه فأوسعها تنديدًا وتقبيحًا ... وصرح له أن كل دعايات حزبه قائمة على التبجح بالتضحية، ولكنهم لم يضحّوا باسم ... فأين هذا من دعوى التضحية؟ وتكلّم الأستاذ المدني فذكر أن ما وقع بالجزائر هو عين ما وقع بتونس، مع فارق ... وهو هذه النتيجة. مع أن الحزبية في القطرين تلبس لبوسًا واحدًا. وتكلّم الشيخ بيوض في قضية فلسطين وما تتطلّبه منا من تضامن الهيئات، ونسيان الشخصيات والحزازات، ولمح لما يجب على الرجال، من احترام الرجال، وصرح بالتحذير من عواقب هذا التشدّد في الصغائر، وهذا الشذوذ الذي جاء من جهة واحدة.

стр. 676

وطلبنا في النهاية نسخًا من الصور التي أخذت لنا مجتمعين في الاجتماع الأول على أن ندفع ثمنها لتبقى عندنا تذكرة بعمل لم يتمّ ... فأكّد لنا السيد الرَّئِيسُ أنهم لم يخرجوا منها ولا نسخة ... والناس كلهم يستبعدون هذا من جماعة يعدّون من أبرع محترفي بيع الصور. وخرجنا مزوّدين بما شاء الله من معلومات جديدة في علم النفس. ... والفصل الأخير من هذه الرواية هو أن مزغنة الذي لم يف بالوعد ولم يرجع إلينا بنفي ولا إثبات، وفى بشيء آخر، وهو أنه- في ذلك اليوم- أذاع بيانًا عن هيئة حزبية خارجة عن الاتحاد، ليس فيها إلا اسمه وعنوانه، وبهذا حقّق مبدأً أساسيًا من مبادئ حزبه، وهو أنه لا يعمل مع أحد ولا يتّحد مع أحد، لأنه وُجد للخلاف، وعاش على الخلاف. ولا يعيش - بطبيعته- إلا على الخلاف. وبهذا كشف الغطاء عن حقيقة علمناها منذ سنتين، وجهلها الغافلون المغرورون، وهي أن رئيسهم رئيس (شرفي) ليس له من الأمر شيء، وأن بينه وبين مزغنة، إدغامًا بلا غنة ... كما يدغم اللام في اللام، فلا يظهر إلا المتحرك ... وأن ذلك الرَّئِيسُ الشرفي أسير في قبضتين: قبضة الحكومة، وقبضة العصابة المزغنية، وأن هذه العصابة تستغلّ اسمه، وتستذلّ رسمه. فمن كان في قلبه شيء من الشفقة على الرجل، وفي يده شيء من القدرة على إنقاذه، فلينقذه من أسر أصحابه. ثم أخذ يوهم أنه هو البادئ مع سكوته ثمانية أشهر. وأخذ هو وجماعته وورقتهم ذات الوجهين، يتقوّلون علينا الأقاويل ... ... والفصل الأول والأخير في الرواية أن (الهيئة العليا لإعانة فلسطين) تمّ تكوينها في ذلك اليوم، وقامت على أربع دعائم قوية متينة تتمتعّ بالثقة التامة في الماليات. وفي ذلك اليوم تكوّنت اللجنة التنفيذية من أهل العلم والفضل والجاه من الأمّة، واحتفظنا للهيئة باسمها الأصلي، وأطلقنا عليها وصف (هيئة الاتحاد)، وجعلنا شعارها الحكمة والصمت، ثم شرعنا في العمل في خواتم رمضان المبارك، فاجتمع لدينا من هبات المحسنين عدة ملايين من الفرنكات أبلغناها إلى مأمنها في فلسطين، واستلمنا الشهادة القاطعة على وصولها، ورفعنا رأس الجزائر، ومحونا عنها بعض التقصير. وما زلنا جاذين في عملنا الصامت لا ضوضاء ولا جلبة.

стр. 677

أما القوم فقد عملوا في ثلبنا وتنقصنا أضعاف ما عملوا لفلسطين، ولو كنا نعلم أنهم يعملون لفلسطين- حقيقة- للقوا منا كل إعانة وتشجيع ... على أنهم لم يستغنوا عن الالتجاء إلى اسمي- حتى في هذه المرّة- فقد قامت الشواهد، وقام الشهود على أنهم جمعوا المال لفلسطين هنا وفي فرنسا باسم كاتب هذه السطور. وليست هذه بأول مرّة ارتكبوا فيها هذه الخطيئة. هذا بيان مجمل للحقيقة بلا تعليق. ولولا اقتضاء التاريخ والحقيقة، ولولا الاستجابة لطلابهما، لما خططنا في هذه الرواية حرفًا. أما التعليق ... فنسأل أهل النحو، أي اللفظين أصلح؟ ... الإلغاء ... أو التعليق ...

стр. 678

قادة الجيل الجديد في ميادين العلم * هذه قائمة المعلّمين الذين جهّزتهم جمعية العلماء للتعليم في مدارسها فجهّزت منهم كتائب لحرب الأميّة. وجنّدتهم، فجنّدت منهم أبطالًا لا ينثنون ولا ينهزمون، ورشّحتهم، فرشّحت منهم سدادًا للثغور وصدادًا للطارقين، وذادة عن حمى العلم. ونصبتهم، فنصبت منهم أعلام هداية للجيل الجديد، وأقطاب تربية وتثقيف له. وإذا كانت جمعية العلماء قد أطلقت على مدارسها اسمًا واحدًا وهو "التربية والتعليم" فهؤلاء هم المربّون وهؤلاء هم المعلّمون، وهؤلاء هم جنود العلم، وكفى بهذه الصفات شرفًا وفخرًا. نعم هؤلاء هم جنود العلم. وإن من خصائص الجندية: المشقة والنصب، وذلك هو مناط الشرف فيها. (ولولا المشقة ساد الناس كلهم)، فليعلم أبناؤنا المعلّمون هذه الحقيقة ليُدركوا شرف ما كُلّفوا به، ومشقة ما حملوه، ليوطّنوا أنفسهم على تحمّل لأوائه. وليعتبروا أنهم مسؤولون عن جيل كامل، فلا يكتب التاريخ عنهم أنهم قصّروا في واجب، أو خانوا أمانة، أو ختروا عهدًا. أما الجوانب المادية فإن جمعية العلماء مهتمة بشأنها كل الاهتمام، مشفقة على أبنائها المعلّمين كل الشفقة. وستتعاون مع الجمعيات المحلية على إزاحة العلل، وسدّ الخلل، وتحسين الحالة. وقد قامت الجمعية بعدة أعمال من صميم الإصلاح في هذه السنة، منها إعلان اللائحة الداخلية التي تحدّد العلاقات والوظائف والحقوق والواجبات بين الهيئات المتعاونة على التعليم، ومنها وضع الدرجات للمعلمين حتى لا يغبن متقدّم، ولا يحابى متأخر، ومنها وضع البرنامج المتحد، ومنها الزيادة في الأجور. وسيعلن هذا عن قريب في منشور خاص يوجّه كل عمل منها بالجهة المختصة به.

стр. 679

لم تبق إلا مشكلة المشاكل، وهي إيجاد المساكن للمعلمين، وسنعالجها بما تسعه الطاقة. على أن جمعية العلماء قرّرت أنها لا تقبل في المستقبل احتضان مدرسة، ولا تأذن ببنائها، ولا تنشط القائمين بها إلا إذا كانت سكنى المعلمين والمديرين هي الشرط الأول في الاحتضان، والعمل الأول في البناء. وحسبنا ما لقينا من عنت، وما لقي أبناؤنا المعلمون من تشتيت شمل، فعلى الأمّة أن تهتم بهذه الناحية، وأن تجعلها في محل العناية، وإلا فسيأتي يوم تتعطل فيه كثير من المدارس بهذا السبب، ويومئذ تتحمل الأمّة تبعة ذلك، وتتجرع مرارة ذلك.

стр. 680

قرار من المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين * قرر المجلس الإداري لجمعية العلماء في جلسته المنعقدة في مدينة قسنطينة في ١٣ من شهر سبتمبر ١٩٤٨ - تكوين لجنة خاصة بالتعليم اسمها "لجنة التعليم العليا" تتولّى كل ما يتعلّق بالتعليم من برامج، ولوائح، ومراقبة وتفتيش، وتلقي شكايات، وتعيين معلّمين تحت إشراف رئيس الجمعية، ومع مراجعته في مهمات المسائل. وقد شكل المجلس الإداري هذه اللجنة من عضوين إداريين هما الاستاذان: العبّاس بن الشيخ الحسين وعبد القادر الياجورى، و١١ من قدماء المعلّمين وهم الأساتذة: إسماعيل العربي، محمد الغسيرى، أبو بكر الأغواطي، محمد الصالح رمضان، أحمد حمَّاني، علي مرحوم، أحمد رضا حوحو، الصادق حماني، أحمد بن ذياب، ولم يحضر الجيلالي الأصنامي ومحمد بابا أحمد لأعذار، ثم جعلت لها مكتبًا دائمًا يكون مقرّه مركز جمعية العلماء بالجزائر ويتألف هذا المكتب من المشائخ: ١ - إسماعيل العربي رئيس ٢ - محمد الغسيري وأبو بكر الأغواطي عضوان وهذا المكتب الدائم هو الذي يتولّى أعضاؤه التفتيش بأنفسهم طبقًا لبرنامج خاص يضعونه لذلك. واللجنة الكاملة تجتمع في السنة مرّتين بالمركز، مرّة قبيل الشروع في الدروس، ومرّة بعد الانتهاء من الامتحانات، في أيام يعيّنها ويحدّدها رئيس المكتب.

стр. 681

فعلى المديرين والمعلّمين ورؤساء الجمعيات المحلية للمدارس أن يكتبوا من الآن في كل ما يتعلّق بشؤون التعليم إلى رئيس مكتب اللجنة الدائمة بعنوان مركز جمعية العلماء. عن المجلس رئيس الجمعية محمد البشير الابراهيمي

стр. 682

" زواوة" الكبرى تستمسك بعروة الإسلام الوثقى وتطلب الرجوع إلى الأصل * جاءتنا العريضة التي ننشر نصّها وإمضاءات أصحابها كاملة، من رجال زواوة الكبرى يطلبون فيها بتأكيد من الحكومة الجزائرية إلغاء القوانين الخاصة بزواوة في الأحوال الشخصية، تلك القوانين التي تستند على العوائد والأعراف لا على أحكام الشريعة الإسلامية المطهرة. ويطلبون الرجوع إلى الأصل، وهو أحكام الشرع الإسلامي في النكاح والطلاق وما يتفرّع عنهما، وفي الميراث والوصية والحجر. والحكم بالعوائد مطلب عزيز من مطالب الاستعمار الفرنسي، زرع بذوره في أرض زواوة وتعهّدها بالسقي والعلاج، وقوّاها بتقوية مراكز التبشير وإطلاق يد المبشرين، وظنّ أنها استغلظت واستوت على سوقها، واطمأنت إليها النفوس. فجاءت هذه العريضة مجتثة لما غُرس من أصله، وأقامت الدليل للمغرورين بالظواهر على أن زواوة معقل من معاقل الإسلام والعروبة، كانت وما زالت على ذلك. جاءت قضية الظهير البربري بالمغرب الأقصى في وقت استيقظ فيه الشعور الإسلامي فأقام العالم الإسلامي وأقعده، ولم يدر إلا القليل من الناس أن لذلك الظهير أصلًا، وهو (قوانين زواوة الغريبة). إن الغاية التي يرمي إليها الاستعمار من تمكين العوائد وجعلها أساسًا للأحكام، هو إبعاد طوائف من المسلمين عن الإسلام بالتدريج حتى تضعف فيهم النعرة الدينية وعاطفة التآخي الإسلامي، وتصير الأمّة الواحدة أمّتين أو أممًا.

стр. 683

أما الموقّعون على العريضة فهم خلاصة الوطن الزواوي، وهم أصحاب الرأي والتوجيه فيه، ولا نشكّ أن الأمّة الزواوية الأصيلة من ورائهم في هذا المطلب. وأكرم بأصحاب الزوايا حين ينتصرون للدين هذا الانتصار. صوتنا مع أصواتكم- أيها الإخوان- ورأينا مع آرائكم. ولنا كلمة أخرى في الموضوع.

стр. 684

حيّا الله تونس * جمعية العلماء، وشُعَبها، ومدارسها، ومعلموها، والجمعيات المتفرّعة منها، و"البصائر" - وأسرتها. كل هذا الجهاز العلمي الثقافي العتيد يتقدّم بالشكر الخالص، والثناء الجمّ والتحيات الطيبات، إلى تونس العزيزة، مصوّرة في ذلك الطراز الرفيع من الزيتونة والهالة المحيطة بها، المنوّرة لأرجائها، من شيخها الجليل، إلى مدرّسيها الفحول، إلى تلك الجموع السالمة من التلامذة، ومن الصحف ورجالها، ومن الأحزاب ومسيريها، كفاء ما قاموا به وأظهروه من ضروب الحفاوة والترحيب بالأستاذ الشيخ العربي التبسي نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومدير معهد عبد الحميد بن باديس، وصاحب الآثار الجليلة في العلم والإصلاح، والآراء السديدة في السياسة والاجتماع، والمواقف الجرئية في تمكين الإسلام والعروبة بالقطر الجزائري. وجمعية العلماء وفروعها المختلفة تعد تلك الحفاوة من تونس احتفاءً بالجمعية وتكريمًا لها ومغالاة بقيمتها وعرفانًا لقدرها واعترافًا بأعمالها. وهي تكافئها على تلك الحفاوة العملية بتقدير منبعه القلب، وثناء مصدره اللسان، وتنويه مطلعه جريدة "البصائر". وهذا جهد المقل. وتونس قبلة الجزائر العلمية، ومأرزها الذي تأرز إليه في النوائب، ومنارتها التي تُشرف منها على الشرق وأنواره، فلا عجب إذا حرصت جمعية العلماء على تمتين الحبال الواصلة بين الجزائر وبينها، وعلى توضيح ما يخفى من أحوال الجار على جاره، وإزالة ما يلبس به سيّئ القصد وسيّئ الفهم على صحيح العقد حسن القصد، ولا عجب إذا اختارت لهذه السفارة أقدر رجل على الاضطلاع بها وهو الأستاذ التبسّي، ولا عجب إذا عرفت تونس

стр. 685

العلمية لهذا السفير الكفء قيمته ومكانته فاحتفت به هذا الاحتفاء الذي هو ترجمة مؤدّية لما تكنّه تونس للنهضة العلمية والفكرية بالجزائر من تقدير وتأييد. والأستاذ التبسي عالم عريق النسبة في الإصلاح، بعيد الغور في التفكير، سديد النظر في الحكم على الأشياء، عزوف الهمّة عن المظاهر والسفاسف، انتهى به العلم والتجربة وأحداث الزمان إلى أن تونس والجزائر والمغرب شيء واحد، وأنها لا تفلح في الحياة ولا تنتصر في الجهاد لها إلا إذا أصبحت هذه الثلاثة شيئًا واحدًا، ثم انتهى به العمل لهذه المقاصد العالية إلى معرفة حظ العالم من العمل، وحظه من تبعة التقصير فيه، لذلك كله أصبح علمًا فردًا في قيادة الأمّة في جميع ميادين حياتها، ولذلك سَمَتْ همّته إلى تعرّف أحوال إخوانه العلماء، فكان هذا المعنى أحد بواعثه على هذه الرحلة. ولقد عاش في تونس والقاهرة طالبًا محصّلًا ثم أقام في وطنه الجزائر عاملًا مربّيًا عشرين سنة، زار بعدها تونس وفيها البقية من مشائخه والكثير من أقرانه، فشاهد التبدل العجيب، وشهد بالتطور المفيد. وكنا نتوسم من وراء رحلته الرجوع إلينا بفوائد تغذّي حركتنا، وتحفزنا إلى التقدّم فيها. وتهوّن علينا بعض ما نلقى في سبيلها، فكان لنا من هذه الرحلة فوق ما نرجو.

стр. 686

تنبيه أكيد إلى رؤساء الجمعيات المحلية * يجب عليكم- أيها السادة- أن تحرصوا كل الحرص على تعمير صناديق جمعياتكم بكل وسيلة: بالاكتتاب، وبالاشتراك الشهري، وبالزيادة في أجور التعليم على أولياء التلاميذ. وقد قرّر المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين رفع الأجور في هذه السنة من الجهتين. قرّر رفع ما يدفعه آباء التلاميذ إلى مائتي فرنك شهريًا، وزاد في أجور المعلّمين على حسب غلاء الأسعار، وارتفاع قيم الضروريات. فعليكم أن تجتهدوا في تحضير المال اللّازم لمواجهة هذه الزيادة التي لا بدّ منها، وسيصلكم منشور عام في شأنها، مفضل على حسب درجات المعلّمين. لا ينتهي هذا الشهر حتى يكون المنشور في أيديكم، فنفّذوه بارك الله فيكم. أما الآن فيجب أن تدفعوا لهم على حسب الترتيب القديم، فإذا جاءكم المنشور، فادفعوا لهم ما نقص عن الشهرين الفارطين: أكتوبر ونوفمبر، لأن الزيادة تعتبر من أوّل السنة الدراسية وهي فاتح أكتوبر. عن المجلس الإداري الرَّئِيسُ محمد البشير الابراهيمي

стр. 687

تحذير - ١ - * بَلَغَتْنَا أخبار ورسائل من معتمدي جمعية العلماء في كثير من القرى أنَّ هناك جماعة طوافين بأيديهم وصولات مزوّرة باسم جمعية العلماء، وبعضها باسم جمعية التربية والتعليم، وليس فيها اسم بلدة معيَّنة، ويقبضون بَدَلَها مبالغ على أنها اشتراكات في إحدى الجمعيتين، وليس في الوصولات إمضاء، كما رأينا فيما وصلَنا منها، وإنما فيها هذه الكلمة: "أمين المال بقسنطينة". ونحن لا نشكّ في أن هذه مكيدة مقصودة، يقصد منها مدبّروها أمرين جوهرين: أحدهما اختلاس المال ولو كانت الوسيلة خسيسة، والثاني تشويه سمعة جمعية العلماء ذات الصفحة الناصعة والذمة النزيهة في الماليات والتي عوّدت الأمة على المحاسبة الدقيقة فيها. وجمعية العلماء تبرأ إلى الله وإلى الأمة من هذه الطائفة السارقة المارقة المحترفة لهذه الحرفة السخيفة، التي تريد أن تعيش على حساب الغير، وتدسّ سمّ الخيانة في منابع الثقة والأمانة. وتُعلن للأمة أن نظام الجمعية المالي أعلى من أن تتطرّق إليه الظنون بأعمال هؤلاء اللصوص، وأنها لا تأخذ ولا تُعطي إلّا بالوصولات المضبوطة الممضاة من المسؤولين، وتسجّل كل ذلك على نظام "مسك الدفاتر" في أرقى أصنافه، وأنها لتحذّر الأمة من أن تدفع مالها لهؤلاء المزوّرين. وتُعلن براءتها أيضًا من جماعة ما زال يبلغنا عنهم أنهم يبيعون صورة الأستاذ عبد الحميد ابن باديس باسم جمعية العلماء، وقد حذّرناهم مرارًا.

стр. 688

وها هي ذي كيفيات تحصيل أموال الجمعية زيادة في الإيضاح: ١) الاشتراكات في جمعية العلماء يستخلصها رؤساء الشُّعب، ورجال الوفود السنوية. ٢) مالية "المعهد" يرسلها المتبرّعون برقم (الشيك) الخاصّ أو المعتمدون الذين يحملون اعتمادات ووصولات بإمضاء القابض والمدير، وختم الإدارة، وهي وصولات لا تحتمل التزوير. ٣) مالية "البصائر" يرسلها المشتركون برقم (الشيك)، أو يقبضها رجال الوفود، أو المعتمَدون الذين يحملون اعتمادات من إدارة الجريدة، وقد عزمنا على إرسال متجوّلين معتمدين، وبدأنا بعمالة قسنطينة فأوفدنا إليها السيد عبد الرحمن بن الحاج صالح ومعه اعتماد رسمي، فليعتمده المشتركون، وليدفعوا له على التقدير الجديد وهو ألف فرنك.

стр. 689

- ٢ - * جاءتنا رسائل من مصلحي "البليدة" تخبر بأن نشرة مطبوعة باسم (جمعية الفتاة الجزائرية) تباع في البليدة باسم جمعية العلماء ويقول بائعوها (ومنهم عجائز في الحمامات) إنّ رئيس جمعية العلماء هو الذي كلّفهم ببيع هذه النشرة. ورئيس جمعية العلماء يتبرّأ من هذه النشرة ومن مروّجيها بالكذب، بل يتبرّأ من هذه الجمعية التي تسمّى بجمعية الفتاة الجزائرية لأنها محفوفة بالريب من كل جانب، ولأنّ الوقت لم يحن بعد لزج الفتاة المسلمة الجزائرية في هذه المآزق، وما دام رجالنا لم يبلغوا المستوى الأخلاقي الديني الذي يضمن للفتاة السلامة من الأخطار والمعاطب، فإن هذه الحركات التي يقوم بها بعض الرجال وبعض النساء باسم الفتاة الجزائرية تعدّ كلها إفسادًا لتربيتها واستعجالًا بها إلى الغرق.

стр. 690

" صوت المسجد " * صوت أذن الله أن يخفض، لأنه مؤلف من غير مقاطع الحق، خارج من غير مخارج الصدق. ناشز عن مجاريه الأصلية، مندفع من غير حنجرته الطبيعية. وكما أن صاحب هذا الصوت مترجم من المالكية إلى الحنفية، ومنقول من العامية إلى الخاصية، ومن الشارع إلى الوظيفة. فإن كلمة صوت ههنا مترجمة عن كلمة "لافوا" ( La Voix) (١) الشائعة في اسماء الجرائد، مثل "لافوا ديزامبل " ( La Voix des Humbles) (٢) و "لافوا انديجان " ( La Voix Indigènes) (٣). ولا نشكّ في أن مآل هذا الصوت هو مآل تلك الأصوات التي لم ترتفع إلا لتنخفض، ولم تتعال إلا لتتسفل. ولأمر ما، يتهافت أقوام على هذه الكلمات التقليدية، فلا يضيفون كلمة "صوت " إلا لما هو في سياق الموت. والمجلة التي تحمل هذا الاسم هي الأقنوم الثالث من الهيكل الذي نزل الوحي على الشيخ المفتي بوضع قواعده، على أن يكون هو نفسه الأقنوم الرابع ... وكل من الثلاثة مكمل لبقية الأجزاء، فاعل فيه، منفعل به. أو كلها زروع زرعتها يد واحدة، بمحراث واحد، على ثور واحد، لتحصد تلك اليد ما زرعت في يوم ما، ويفوز الثور بالعلف و"دعوة الخير". وصوت المسجد- في حقيقته وقدسيته- هو صوت الحق صريحًا غير مجمجم، واضحًا غير مبهم، مبينًا غير ملتبس. يبتدئ من "الله أكبر" تقال صادعة، وتُسمع رادعة. تلفظها الألسن الداعية، فتعيها الآذان الواعية. وينتهي بما يتعالى فيه من تفسير لكلام الله

стр. 691

تنفطر له قلوب الجبابرة، وتقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهم بالغيب، ومن بيان لسنّة رسوله يجتثّ الشرور من النفوس، ويقمع الأهواء في الأفئدة، ويزدجر به دعاة البدعة، ومن نصائح للمسلمين لا يرهب فيها ذو سلطان لسلطانه ولا يدهن فيها غني لأجل غناه، ومن تقريع للظالمين، واستعداء على المبطلين، وتقرير لمصالح المسلمين. وهل الأصوات التي تتخافت اليوم في مساجدنا كفيلة بذلك محقّقة لحكمة المساجد في الإسلام؟ وهل يرتفع للمساجد صوت وهي في قبضة الاستعمار؟ وهل يؤدّي المسجد اليوم جزءًا مما كان يؤدّيه في أيام السلف الأبرار؟ وهل يحقق وظيفته وهو محروم من أصوات العلماء الأحرار؟ أسئلة نوجّهها للمبتدع لهذه التسمية، فلا يجيب عليها بالتعمية. أم يقول: إن صوت المسجد هو صوت "النائحة المأجورة" ... صوته الذي يتشاجى به، ويتباكى فيه، في خطبه الجمعية التي تُرْدَى (تذاع بالراديو) وما يسبقها من أصوات تصف تنقلاته خطوة خطوة إلى أن يركب على أعواد المنبر؟ فقد حكى الحاكون من ذلك العجب العجاب. وبعد، فإن التفسير الصحيح لصوت المسجد هو هذه الأصوات المنبعثة من قلوب الأمّة، المطالبة بحرية المساجد وأوقافها، وسيتردّد صداها، حتى تبلغ مداها، وإن شذَّ عنها صوت العاصمي. ومن يضلل الله فما له من هاد. وكيف يهدي الله قومًا يقول أحدهم: (إنه لا يبالي بأحد، ما دام يصلّي الركعة بمائة فرنك؟) ولا شك أن ركعة المفتي أغلى، وإن لم يكن وزنها عند الله أثقل. أفمن هؤلاء (المسعرين) الذين يزنون دين الله بالفرنكات، يُرجى أن يرتفع للمسجد صوت؟ ونحمد الله أن عددهم قليل في الأئمة، ذليل عند الأمّة. أما والله لو نطق المسجد لقال لهؤلاء: إليكم عني: فلست منكم ولستم مني. أما مقالات المجلة فإني لم أقرأها، ولا شأن لي بها، وإنما أحكم عليها بمثل حكم صاحب المجلة عليها، وهو أنه لا عبرة بها، لأن غرضه الأساسي هو شيء اسمه مجلة، اسمها صوت المسجد، يتخذه سلّمًا لدرجات من الجاه يتطلعّ إلى بلوغها، وأسآر من المال يتحرق على ولوغها. وإذا حصلت المقاصد، فعلى الوسائل العفاء. وقد سمعت البارحة شيطان رؤبة ينشد أرجوزة في تقريظ المجلة وصاحبها وخانتني الحافظة فلم أحفظ منها- مع الأسف- إلا قوله: ألم تروا ما قاله في الأعرج (٤) ... فكل ذاك خارج من مخرجي فحسب قرّاء المجلة لذة أن ما فيها خارج من مخرج الشيطان. فليذوقوا أو فليتركوا ...

стр. 692

شكوى العاصمي * إِلَاهِي يا مستجيبَ الدعا ... ولا جالب اليسر للمعسر تفضل على عبدك العاصمي ... وعرضه للعارض الممطر بِمالٍ لو كان أجر الخنا ... وريح المطفف والمخسر فما العسر إلّا ربيب الحلال ... وما اليسر إلّا من الميسر فإنك يا خالقي عالمٌ ... بأني على مذهب الأشعري أرى الرزق ما ينفع المقترين ... وإن سرقوا المال في المشعر ... ولي حاجة من بنات الفؤاد ... سقتها الأماني ولم تثمر ركبتُ إلى نيلها عزمتي ... ولي عزمة كاللظى المسعر وجمجمتُ عنها ولم أبدها ... وما السرّ إلا سلاح السري تقحمتُ فيها الصعاب التي ... يضيق بها الواغل المجتري رقيتُ لأسبابها سلّمًا ... وجثت برذل ومستنكر وحالفتُ فيها الدّنايا التي ... إذا ذُكر الخير لم تذكر وأُرغمتُ يومًا لحمل القفاف ... فما كنت عنها بمستكبر وما زلتُ في نيلها دائبًا ... إذا أقصر الناسُ لم أقصر لزمتُ الصيام وواصلته ... وصليت وحدي وفي معشري رضيت الإمامة في جامع ... أراه من الضيق كالمحجر لأبلغ منه إلى جامع ... من الرحب كالجامع الأكبر وعدت إلى الحظ أبغي رضاه ... ومن يركب الحظ لم يعثر

стр. 693

بذلت لتحصيلها كل شيء ... سوى المال- إني منه عري وما أنا (في الجمع) كالمصطفى (١) ... وما أنا (في الطرح) كالأزهري (٢) ألَا هلْ يراني الرفاق الكرام ... أقوم وأقعى على المنبر وأحمل تلك العصا صولجانًا ... وحَمْلُ العصا شيمة المنبري أصولُ على متنه داعيًا ... وأزأر في القوم كالقسور وأهجم عنهم بوعظي ولا ... أميز به جانيًا من بري لئلا يقالَ امرؤ جاهل ... بوضع الحوادث والأعصر وتُخرج حنجرتي نغمةً ... كمجرى الخفيف على البنصر أباهي الأئمة في زيّهم ... بشدّ النطاق على المئزر وأنضو لثامًا على لحيتي ... من الصبغ: زورًا على منكر فإن المشيب بريد الوقار ... لمن كان يعتدّ بالمظهر وأسمو عليهم بفرط الذكا ... وطيب الأرومة والعنصر وأعبر دونهم بالدها ... حدودًا من الْجَاهِ لم تعبر وعندي أساليب من ذا الدها ... إذا نزر الحظ لم تنزر وأسبر من مدهشات الأمور ... شؤونًا على الدهر لم تسبر واْخبر عنهم بأسرارهم ... وما حَالف السعد كالمخبر هنالك أغدو رئيسًا لهم ... بغير انتخاب ولا محضر ويصبح أمري على جمعهم ... كأمر العَريف على العسكر فيا منيةً نبتتْ في الحشا ... بربّك طولي ولا تقصري فإن الزمان ينيل المنى ... على رغم شانئنا الأبتر تكفل إِلَاهي بتحقيقها ... فإنك إن تعطها أشكر ... وقُلْ لابن باديس كن آمنًا ... بعشّك في الجامع الأخضرِ قنعتَ بما حُزْتَه من علوم ... وطيب الأحاديث كالعنبر وأضنيتَ نفسكَ في أمّة ... وعن وطن كالفلا مُقْفِر ولم تدرِ أنَّ الهَنَا والوظيف ... مع الجهل أحلى من السكر وأن الخضوع لمُسْتَعْمِرٍ ... به الدار إنْ تنهدم تعمر ذوو الحقّ في الدين حكّامنا ... فما لك عن حقّهم تجتري

стр. 694

أطعتَ البشير (٣) وأعوانه ... فخلّوك أعرى من الخنصر ذوو الحق في الدين حكامنا ... فما لك عن حقهم تجتري ولم أنس لي ليلة بالقصير ... وطالع سعدي في المشتري أكلت بها حزَّة من جزور ...، نمت على جانبي الأيسر إذا هاتف في غضون الدُّجى ... كسِرٍّ بطَيِّ الحشا مضمر يقطل: أيا عاص (٤) كن أسودا ... وكن أصفرًا شيب بالأحمر فأوَّلت ترخيمه في النَّدا ... بصوتي رخيمًا على المعشر وأوَّلتها رفعة في المقام ... أسود بها الحاسد المفتري وأوَّلتها خطَّة أرتقي ... بها من كبير إلى أكبر تراقص حولي طيوف المنى ... فهن لي بصبح بها مسفر؟ أمَالِكَ رِقِّي تلطَّف بها ... فعبدك- إن لم ينلها- خري وهذي المجالس ما شأنها ... تعضُّ بواع ومستظهر ألم ترَ من حيلتي أَنَّني ... بهذي المجالس لم أحضُر مخافة أن يغضب المستشار ... فيمحو وعدي من الدّفتر ويمناي ما نشطت مرّة ... لتنميق سطر ولا أسطر يسيل لعابي إذا نشروا ... أسامي تلمع كالجوهر ولقِّب ذا بأمير البيان ... وهذاك بالكاتب العبقري وما كنت دون امرئ منهما ... ولكن أدور على محور وأخشى الرّقيب وتضريبه ... على اسمي بالمرقم الأحمر فما عاش من لم يكن مدهنا ... ومن لم يصانع ولم يحذر وأهوى الشِّهاب وتزعجني ... شهاب بإحراقه ينبري وإنّ العدا نحلوني الغداة ... سطورًا ببالي لم تخطر فوافت مع الصّبح مهتاجة ... جلاوذة كالدُّبى ينبري فهذا يصبّ وهذا يشب ... وهذا يشاوس عن أخزر وهذا يساقي وهذا يلاقي ... بوجه على الملتقى أمعر فما زلت معتذرًا حالفًا ... لمن لم يقدر ولم يعذر حلفت لئن رأيت عنوانه ... سجّرت به النّار في المجمر جزاء لما ساق لي من أذى ... وما جرّ من تهمة للبري

стр. 695

الشيخ أبو القاسم بن حلوش * بلغني في أثناء الأسبوع الماضي- وأنا على فراش المرض- خبر بموت العالم العامل المصلح الشيخ أبي القاسم بن حلوش، العضو الإداري السابق بجمعية العلماء ووالد ولدنا الروحي الأديب الكاتب الشيخ مصطفى بن حلوش، بداره من ربض "تاجديت" بمستغانم. أسفت لموت الشيخ أبي القاسم أعظم مما آسف لفقد قريب، لأن هذه الطائفة الإصلاحية التي كان الشيخ أبو القاسم أحد أفرادها إنما تتقارب على المشارب، لا على المناسب، وتتصاحب بالأرواح لا بالأبدان. والشيخ أبو القاسم- ﵀ مصلح بطبعه وتربيته، خلق في منبع من منابع البدع، وفتح عينيه عليها. فأنكرتها فطرته السليمة، وتربيته القويمة من أول أمره، ونشأ على نفور منها وازدراء لأهلها. ولقي منهم تجريحًا وأذًى، ولقوا منه تسفيهًا وإنكارًا، وكان كل ذلك مزيدًا في رفعة شأنه. طلب العلم على فئة من الفقهاء المدارين المجارين للعامة في أهوائها، فأخذ ما صلح من علمهم، وهجر ما قبح من أعمالهم، ووحّد الله وعبده بما شرع على الوجه الذي شرع، وابتنى لنفسه مسجدًا من ماله بسوق "تاجديت" يصلّي فيه بأتباعه في السيرة، ويُلقي عليهم دروسًا في الوعظ والإرشاد، وفيه بدأ بنشر الإصلاح العملي فنبذ البدع اللاصقة بالعبادات. ولم يزل متطلعًا إلى العلم الصحيح يطلع بدره، متشوّفًا إلى الحق الصريح بتبلج فجره، إلى أن ظهرت بواكير الحركة الإصلاحية العلمية في دروس الأستاذ الرَّئِيسُ الشيخ عبد الحميد ابن باديس، فجهّز ولده الشيخ مصطفى حلوش لتلك الدروس ليستدرك بأحد أولاده ما فاته

стр. 696

في نفسه، وأقرّ الله عينه ببلوغ مرامه. فكان من ذلك الولد للإصلاح ما يكون من جندي من جنوده المخلصين. فشارك بقلمه ولسانه في جميع الميادين. عاش الشيخ أبو القاسم بعد ذلك على سمت الصالحين، يتنعم بما يرى من انتصار الحق وأتباعه، واندحار الباطل وأشياعه، إلى أن وافته منيّته راضيًا مرضيًا. فرحمه الله وأثابه جزاء إيمانه واستقامته. وأنا عن نفسي وعن جمعية العلماء ومؤسساتها أتقدّم بالتعزية إلى ولدنا الشيخٍ مصطفى حلوش وإخوانه وأهل بيته، وإلى جميع أفراد الأسرة بمستغانم وسبدو مشاركًا لهم في الحزن، حاثًّا لهم على الصبر، راجيًا لفقيدهم الرحمة.

стр. 697

إلى الأمّة * بدأت المناورات الحكومية في قضية المساجد. فبدأتها من الذنب. وفي تلمسان لعبة، وفي الجزائر لعبة، وفي غيرهما لعب وألاعيب. نحذر الحكومة من الاعتماد على جمعياتها الدينية التي صنعتها بيدها. فإن الأمّة لا ترضى ولا تعترف إلا بجمعيات منتخبة انتخابًا حرًّا من المسلمين أهل الدين، لا تدخل فيه الحكومة بأمر ولا برأي ولا بإشارة، فلتعلن الحكومة رسميًّا قضية الفصل. وتعلن معه حيادها في تكوين الجمعيات، ولتحدّد لتكوين الجمعيات أمدًا تنتهي إليه هي والأمّة. رأي جمعية العلماء في هذه القضية معروف، يتفق عليه الإبراهيمي والتبسي والعقبي وكل العلماء، ولا يخالف فيه إلا جاهل، ولا قيمة لرأي الجاهل، أو عالم مأجور؟ والعالم المأجور، كالسفيه المحجور، هذا يفسخ دَيْنَه، وذاك ينسخ دينه. في العدد الآتي نبدأ الحديث في هذه القضية، فنشرح ونجرح. ولعلنا نمسّ أبطالها البارزين في الميدان ... فمعذرة إليهم من الآن ...

стр. 698

رمضان: وحدة الصوم والإفطار * وضعنا الديني في هذا الوطن وضع شاذ غريب، كوضعنا السياسي أو أشدّ شذوذًا وغرابة، بل ما كان وضعنا الديني غريبًا إلا لأن وضعنا السياسي غريب، ولو كنا نملك الحقوق السياسية كبني آدم لاستتبع ذلك الحقوق الدينية، لأننا أمّة مسلمة ما زال لنا من قرآننا عاصم من الإلحاد، ومن ميراثنا الجنسي معاذ من الزيغ، ومن فطرتنا الشرقية واق من هذا التحلل الذي أصيبت به الأمم. ولكننا أضعنا الحق السياسي فأصبحنا كالكمي سلب سلاحه فأصبح ماله فيئًا للغانمين، وعرضه نهبًا للمغيرين، ومهجته جزر السباع ... أضعنا الحق السياسي من زمن بعيد، ووسمنا بسمة العبيد، وطال الأمد حتى استكانت النفوس، فامتدت اليد التي ملكت الرقبة إلى القلوب تفسدها، وإلى الألسنة تسكتها، فلما استقام لها كل ذلك ضربت علينا الحجر في الدين وأقامت على كل شعيرة من شعائرنا وصيًا، صورته منّا، وحقيقته لغيرنا، فعلى الصلاة وصيّ، وعلى الحج وصيّ، وعلى الصوم والأهلة والأعياد وصيّ ... لو أن هذه المجاميع التي تسمّى الأمم أوتيت رشدها لجعلت السلطان الأعلى في الحياة للدين، ولجعلته هو المهيمن على السياسة، ولو فعلت ذلك لجرت أمورها على الخير والسداد، لأن الدين- وإن اختلفت أوضاعه- يأمر بالخير ويدعو إلى الإحسان ويرشح بالرحمة، ويقيّد الغرائز الحيوانية، ويضع الموازين القسط لكل شيء، أما السياسة فإنها- وان اختلفت ألوانها- تأمر بالفحشاء وتدعو إلى الفساد في الأرض، وتفيض بالأنانية، وتبني أمورها على التسلط والافتراس. والدين والسياسة هما دعامتا الحياة، وقطباها اللذان عليهما المدار، فإذا تساندا على الحق وتسايرا إلى السعادة، وكان الدين هو المرجع عند اشتباه

стр. 699

السبل، جاء الخير وتحققت المصلحة، كما كان ذلك في الطور الأول للإسلام، والصدر الأول من المسلمين، وإذا عتت السياسة عن أمر الدين طغت العواطف على العقول، وكانت الفتنة والفساد الكبير، وهذا هو الواقع في هذا العصر. وعصرنا هذا عصر سياسي، لا يدور فلكه إلا على السياسة. وأركان الحياة فيه مدبرة بهذا الطبع الخامس الذي يسمّى السياسة. ونحن قد نستسيغ تأثر الاقتصاد بالسياسة، لأنه منها كالخادم والمخدوم، ولأن بينهما روابط يوثقها لؤم المطامع، وقد نستسيغ- كذلك- تأثر العلم بالسياسة، وجعلها إياه إحدى الوسائل للكيد والاحتيال، لأن العلم لا دين له، بآية أن الناس عرفوا علم الدين، ولم يعرفوا دين العلم. وهذا العلم قد وسع الكون حتى ضاق، وانتقل من نبش الأرض إلى السبع الطباق، فكيف يكون له حد يقف عنده؟ أم كيف يكون له دين وقد داخله من الغرور، مازين له الشرور؟ وقد غرّ العقول التي كانت آلته فدانت له بنوع من الألوهية غريب؟ يستسيغ العقل هذا مجبرًا كمختار، ولكنه يرى أن السماجة السمجة هي تدخل السياسة في الدين، وأن تجعل من روحانياته السماوية مهابط لماديتها الأرضية، وأن تتخذ منه آلة لأغراضها الخسيسة، وأن تسخر رجاله لخدمة ركابها، وهذا بعينه ومينه ما هو واقع في الجزائر. ... كان الخلاف في الصوم والإفطار أمرًا دائرًا بين المسلمين في هذا الوطن يسبّبه جهل العامة، أو تعصب الفقهاء، أو تباعد الأمكنة، وقد تزيّنه سماحة الدين ويسر تكاليفه أحيانًا، وكنا- على ذلك- ننكره ونعدّه شرًّا على الأمّة، وسبيلًا إلى التفرق في الدين، ونعمل للتوحيد فيهما ما نستطيع، بالعلم الذي يرع الجهل والتسامح التي يميت التعصب، والتعميم الذي يزيل التباعد. وكدنا ننجح في توحيد الأمّة على يوم واحد للصوم والإفطار، حتى يزدان جمال العبادة بجمال الاتحاد فيها، والتقرّب إلى الله بتقارب القلوب فيه. ولكن الحكومة الجزائرية التي تريد دائمًا أن تجعل من الدين الإسلامي دعامة لسياستها، وسلاحًا في أيدي ساستها. كبر عليها أن يبقى هذا الركن الإسلامي مفلتًا من يدها وخارجًا عن تصرّفها، بعد أن هيمنت على الصلاة والحج، فكوّنت- لسنوات خلت- لجنة الأهلة والأعياد الإسلامية من موظفيها الذين يدينون بطاعتها قبل طاعة الله، ويخضعون لأمرها وإن خالف أمر الدين، ثم وضعت في أيديهم لعبة يفتنون بها الصائمين والمفطرين، وهي اعتبار الأعياد الإسلامية رسمية تعطل فيها المصالح، ويستريح الموظفون والعمال، لتضلّهما عن الهدى، وتستزلهما عن الحق،

стр. 700

ليرجحا- إذا اختلف الناس- عيد الحكومة على العيد الديني، ثم يعتقدا- مع طول الزمن- أن رأي الحكومة في الدين هو الرأي، وأن أمرها هو المتبع، وأن حكمها في الخلاف الديني هو فصل الخطاب ... فهمنا مرمى هذه الحيلة لأول ما دبّ دبيبها، بل تبيّنا مغزى هذه المكيدة لأول ما ذرّ قرنها، ونشرنا على الأمّة في العامين الماضيين بيانين أعلنا فيهما كلمة الحق وإن كانت موجعة، وجهرنا بحكم الله وإن كان ثقيلًا على الحكومة ولجنتها، وها نحن أولاء نعززهما في هذا العام بهذا البيان الثالث، لم نغيّر فيه رأينا لأن الدين لا يتغير، ولأن خصمنا في القضية هو الحكومة، ومواقفها من ديننا لم تتغير. ... إن حكومة الجزائر ليست مسلمة حتى يكون حكمها في شؤون الدين مقبولًا فضلًا عن أن يكون مطاعًا، وإن جميع تصرفاتها في ما يتعلق بالدين باطلة، وإن قضاتها الذين نصبتهم موظفون قانونيون لا دينيون، بدليل أن أحكامهم تستند في أكثرها على القانون لا على الدين، ولو كان للأمّة رأي في توليتهم لما كان لهم سلطة على دينها، لأن أحكامهم لا تتناول العبادات، فكيف بهم والأمّة لا يد لها في ولايتهم، ولا رقابة على تصرفاتهم؟ هذه حقيقة أكبر شهودها الغضب منها. ويزيدها توكيدًا عدم عناية هذه الطائفة بهذه المسألة، فلا يستجمعون الشواهد والأدلة، على ثبوت الأهلة، وقد رأينا من تهاونهم- حاشا القليل منهم- ما يقضي بالعجب، ومن أشنعه أنهم ينامون ليلة ترقب الهلال على الساعة العاشرة أو قبلها، ومنه اعتماد بعضهم على عاملة التلفون لتجيب الناس على لسانه بالنفي أو بالإثبات ... ... الأمر- إذن- لجماعة المسلمين، وليست جماعات المسلمين في هذا الوطن بأقل عناية واهتمامًا بالأهلة والصوم من غيرهم، وإنما ينقصهم أمر واحد: عدم العناية بالتبليغ، ولهم في هذا عذران: الأول أن وسيلة التبليغ العامة- وهي التلفون- ليست متيسرة للجميع، ومن تيسّرت له يلقى من العنت والاحتقار ما يزهده فيها، والثاني ميل عام في الجمهور إلى عدم الثقة بالقضاة في هذا الشأن. ونكرّر القول بأن الأمر لجماعة المسلمين، وليست جماعة المسلمين محصورة في جمعية العلماء. وإن أقرب قطر إسلامي إلينا، تولّي قضاته حكومة إسلامية، ويعتني جمهوره

стр. 701

بتبليغ الشهادات إلى قضاته، هو تونس والمغرب. وإن حكومة الجزائر إذا ضيّقت علينا المسالك في التلفون، لا تستطيع أن تضيّق علينا الأثير. وعليه، فالواجب أن نعتمد على أنفسنا، وأن نعتني برؤية الهلال عناية كاملة، وأن نعتني بالتبليغ بعضنا إلى البعض بواسطة التلفون ما أمكن، وأن نبذل الجهد في تعميم الخبر إلى الأماكن القريبة رجالًا وركبانًا، وأن نعتمد على رؤية تونس والمغرب بواسطة الراديو. فأخباره موثوق بها. أما لجنة الجزائر فإن مبنى أمرها على استقلال الجزائر ... ولكن فيما يفرّق كلمة المسلمين. فإن عملت برؤية القطرين فهو رجوع منها إلى الصواب وان خالفت فخالفوها.

стр. 702

معهد عبد الحميد بن باديس * من الأعمال ما يبيّض أوجه العاملين، في الدنيا بالذكر الحسن وفي الأخرى بالجزاء الحسن الأوفى. وهذا المعهد من الأعمال التي تبيّض وجه الأمّة الجزائرية، وتعلي ذكرها في التاريخ وتغلي قيمتها بين الأمم، وتذكّر بها إذا ذكرت الأمم بأعمالها وتباهت بالجلائل من تلك الأعمال. لا يزكو لأمّة عمل، ولا يثقل وزنه، ولا يجيز لها التاريخ أن تفاخر به، إلا إذا كان من كسب يدها، وكان مما عملته لنفسها بنفسها، اجتهادًا لا تقليد فيه، واستقلالًا لا تحكم فيه، وملكًا لا استعارة فيه. والمعهد الباديسي- قبل كل شيء وبعد كل شي- من عمل الأمّة لنفسها، شادته بمالها على قلة في المال، وعمرته برجالها على فقر من الرجال، وحبسته على أبنائها ليعصمهم من منكرات المعاهد، أو لينقذهم من تنكر المعاهد، وسيرته في ليل من الأحداث داج، وفي جو من الأعاصير أدكن، وفي بحر من السياسة ورجالها هائج، وفي مجتمع متشابه فجاج الفكر، متقارب القلوب على الشر والنكر، وفي غواش من الفتن متلاحمة، وجماعات من البشر غير متضامنة ولا متراحمة. ولم تعتمد في تكوينه إلا على الله ثم على نفسها، ثم على العرق الأصيل من جنسها، والقوّة الكامنة من دينها. فجاء عملًا خالصًا منها لها لم تشبه بشائبة اعتماد على حكومة تصرّفه على أهوائها، ولم تشنه باعتماد على شخص يستغله في مطامعه. وكان- لذلك كله- عملًا طيّبًا مباركًا، يعليه بُعد الهمّة ويحوطه بعد النظر، وتسيّره قوة الإيمان، وتزيّنه لمحة الاستقلال، وتسمه النية الصالحة بسماتها، وتظهر في آثاره البركة والنماء، ويعرف الخير واليمن في أواخره كما عرفا في أوائله.

стр. 703

وهذا المعهد- باعتبار آخر- هو إحدى الكفارات التي تقدّمها الأمّة الجزائرية عما اجترحته من مآثم الجهل والأميّة، وسيئات الغفلة والتفريط وأسباب التأخر والجمود، وجنايات الابتداع في الدين والاتباع في الدنيا. لتمحو بالجد في الحياة آثار الهزل فيها، وتمحو بالعلم آثار الجهل، وبالقراءة آثار الأميّة، ثم تمسح بهما ما تراكم على دينها من محدثات، وما غطى على تاريخها من نسيان، ثم تخط بهما ما يتطلبه غدها من رسوم للعمل وأعلام للهداية، ووسائل للتنفيذ والتطبيق. ثم تجلّي لنفسها مناهج الحياة على هدى العلم، وبوحي القلم، كما سار سلفها الصالح الماجد على هدى العلم، وبوحي القلم إلى حياة العز والشرف والسيادة. هذه هي المعاني الكامنة في هذا المعهد، كما كانت كامنة في نفس من نسب إليه وتحلّى باسمه، وكما هي كامنة في النفوس الصالحة الطاهرة من هذه الأمّة، وستظهر بالتدريج إذا اطرد نموه، وتفرّعت أفنانه، وتعهدته الأيدي بالبذل، والعقول بالتدبير، والقرائح بالتغذية، وصالحو المؤمنين بالمحافظة والحماية، ويومئذ تكون الأمّة قد استكرمت الغرس فاستطابت الجني، واستمجدت الزناد فحمدت الورى. نقول: إن المعهد من عمل الأمّة، وهو قول حق وإنصاف للأمّة، ويقول العقلاء العارفون المنصفون: إنه هو الغرّة اللائحة في أعمال جمعية العلماء، وإنه هو تاج المدارس التي شيّدتها لحفظ دين الأمّة ولغتها، وهذا أيضًا قول حق وإنصاف لجمعية العلماء. وما جمعية العلماء إلا الأمّة المسلمة العربية الصالحة المصلحة، ذائدة عن كيانها، مدافعة عن قرآنها، مناضلة عن لسانها بلسانها، وما هذه الأمّة المسلمة العربية إلا جمعية العلماء متأثرة بخطواتها، منقادة لإرشادها، واثقة بأمانتها، مؤيّدة لمبادئها، سائرة في الدين والدنيا على هداها، ومن شذّ من الفريقين شذّ في النار. ولولا جمعية العلماء لما تحرّرت العقول والأفكار، فاستشرفت إلى تحرير الأجسام، ولولا الأمّة، وإيمانها بالجمعية، وثقتها برجالها وإمدادها لها بالمعونة الصادقة لما استطاعت الجمعية أن تقوم بهذه الأعمال الجليلة، ولما استطاعت هذه الحركة المباركة أن تنمو وتترعرع، وتتأصل وتتفرّع. وقديمًا قام الدين على هاد إلى الحق، ومهتد بالحق، وقامت الدنيا على قائد بالصدق، ومنقاد إلى الصدق. جمعية العلماء والأمّة الصالحة جزءان يتألف منهما كل، ونصفان يتكوّن منهما كون كامل. ***

стр. 704

سلخ هذا المعهد الجليل السنة الثانية الدراسية من عمره العلمي المبارك، وخطا في ميدان العلم والتثقيف الخطوة الثانية من خطاه المسدّدة، محفوفًا بالرعاية الشاملة من جمعية العلماء، وبالعناية الكاملة من صالحي الأمّة، وبالحماية العليا من الله الواحد الأحد. سلخ هذا المعهد سنته الدراسية الثانية، ومعناها في لغة النظام العلمي تسعة أشهر تتخلّلها فترات، وتتحيّفها عطل واستراحات، فتنقص تسعة الأشهر أسابيع، فيكون عمره العلمي سنة وربع السنة مما يعرف الناس في عد أعمارهم، ولكنه يأتي بما يشبه معجزة عيسى نطقا في المهد، بحفظ العهد. أُجريت الامتحانات- من مبتدإ شهر يونيو- لتلاميذه الذين بلغوا في هذه السنة ستمائة عدا، وانتهت بعد أسبوعين فأسفرت عن نتائج تُقرّ أعين العاملين لخير العروبة والإسلام في هذا القطر، وتُبهج خواطرهم وتشرح صدورهم. جرت هذه الامتحانات في حالة حكيمة من حزم الإدارة وضبطها، وأمانة الشيوخ واحتياطهم، واستعداد التلامذة واعتمادهم على أنفسهم، لا تسمح بالإجحاف ولا بالمحاباة، فكانت النتائج فوق ما يقدر المشدد والمتسامح، وكانت فوق النسب المقدّرة من المشائخ والتلاميذ، وكانت بشيرًا بطور من الذكاء والنبوغ والبراعة تجني منه الجزائر الخير الكثير لدينها ولغتها، وكانت- في الأخير- برهانًا صادقا على أن شيوخ المعهد كانوا يعلمون ... وأن تلامذة المعهد كانوا يقرأون ويتعلمون ... بمعنى أن شيوخ المعهد كانوا يؤدّون واجبهم بإخلاص وأمانة ونصح وحسن توجيه، لم تثبطهم شدائد العيش ومكاره الحياة، ولم تثن هممهم الصعوبات المعترضة في سبيل التربية والتعليم. وأن التلامذة كانوا منقطعين إلى التعليم بجد واجتهاد وإخلاص، لم تلههم عنه ملهيات المجالس، ولم تغوهم شياطين الأزقة، ولم تضارر العلم في نفوسهم وساوس الأفكار. ولقد كان لشياطين الأزقة بهؤلاء التلامذة الصغار لمم وإلمام، ومساورة واقتحام، فكانوا يقعدون لهم بكل صراط، يضلونهم عن العلم، ويصدّونهم عن سبيله، ويزيّنون لهم مفارقة المعهد، ويلقّنونهم سب العلم وشتم العلماء مما ظهر أثره على ألسنة بعض الأغرار من صغار الطلبة فظهر أثره في خيبتهم في الامتحان، فكان عظة بالغة لهم ولغيرهم، ولقد رأيت بعيني بعض هؤلاء الأشرار في لبسة عجب يندسون بين الطلبة ويلازمونهم إلى باب المعهد يزيّنون الباطل ويقبحون الحق ويوسوسون في صدور التلامذة ما لا يوسوس قرينهم الشيطان الرجيم، ولكن الله أحبط أعمالهم، وخيّب آمالهم. ***

стр. 705

واحتفل المعهد في الخامس عشر من يونيو بختم الدروس والامتحانات وأعلن هذه النتائج في جمع عظيم من مشائخه وهيئاته المتعاونة، وكثير من مديري المدارس ورؤساء شُعَب جمعية العلماء بعمالة قسنطينة حضروا بمناسبة مؤتمرهم الذي انعقد في اليوم التالي ليوم الاحتفال. وخطب مدير المعهد الأستاذ العربي التبسي، وخطب كاتب هذه السطور، فكانت الخطبتان دائرتين على حثّ الأمّة على الاستعداد للسنة الآتية بالبذل والتشجيع، لأن معظم تلامذة السنة الأولى انتقلوا إلى الثانية، وسيضطر المعهد إلى قبول مثل عددهم لتعميرها، وسيضطره ذلك طبعًا إلى إحضار ثلاث وسائل جديدة للتلامذة الجدد: مساكن لسكناهم، وأقسام لدروسهم، ومشائخ لتعليمهم، وأن هذه الضرورة ستتجدّد في كل سنة، إلى أن يتساوى عدد الخارجين من السنة الرابعة بالداخلين في السنة الأولى، فعلى الأمّة أن تتنبّه لهذا، وأن تتبيّن شأنه وخطره، وأن تعدّ له عدّته. وأن يكون لها من الاهتمام به ما يكافئ اهتمام إدارة المعهد وجهود جمعية العلماء. هذا ولا يفوتنا أن نسجّل ملاحظة غريبة في نسبة نجاح تلامذة المعهد في امتحانات هذه السنة، فقد كانت للنجاح مجار مطردة على حسب الجهات، وكان مظهر النجاح الأعلى في تلامذة جبال زواوة ثم في تلامذة جبال أوراس، ثم في تلامذة العمالة الوهرانية على العموم، ثم في بعض مدن عمالة قسنطينة، ولذلك كله علل سنشرحها. أما التفصيلات، وأسماء الناجحين، وتجلية العبر، فسنجمعها في عدد خاص من "البصائر" نصدره في النصف الأخير من شهر شوال، فلينتظره القرّاء.
следующие страницы →