← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بتبليغ الشهادات إلى قضاته، هو تونس والمغرب. وإن حكومة الجزائر إذا ضيّقت علينا المسالك في التلفون، لا تستطيع أن تضيّق علينا الأثير. وعليه، فالواجب أن نعتمد على أنفسنا، وأن نعتني برؤية الهلال عناية كاملة، وأن نعتني بالتبليغ بعضنا إلى البعض بواسطة التلفون ما أمكن، وأن نبذل الجهد في تعميم الخبر إلى الأماكن القريبة رجالًا وركبانًا، وأن نعتمد على رؤية تونس والمغرب بواسطة الراديو. فأخباره موثوق بها. أما لجنة الجزائر فإن مبنى أمرها على استقلال الجزائر ... ولكن فيما يفرّق كلمة المسلمين. فإن عملت برؤية القطرين فهو رجوع منها إلى الصواب وان خالفت فخالفوها.

стр. 702

معهد عبد الحميد بن باديس * من الأعمال ما يبيّض أوجه العاملين، في الدنيا بالذكر الحسن وفي الأخرى بالجزاء الحسن الأوفى. وهذا المعهد من الأعمال التي تبيّض وجه الأمّة الجزائرية، وتعلي ذكرها في التاريخ وتغلي قيمتها بين الأمم، وتذكّر بها إذا ذكرت الأمم بأعمالها وتباهت بالجلائل من تلك الأعمال. لا يزكو لأمّة عمل، ولا يثقل وزنه، ولا يجيز لها التاريخ أن تفاخر به، إلا إذا كان من كسب يدها، وكان مما عملته لنفسها بنفسها، اجتهادًا لا تقليد فيه، واستقلالًا لا تحكم فيه، وملكًا لا استعارة فيه. والمعهد الباديسي- قبل كل شيء وبعد كل شي- من عمل الأمّة لنفسها، شادته بمالها على قلة في المال، وعمرته برجالها على فقر من الرجال، وحبسته على أبنائها ليعصمهم من منكرات المعاهد، أو لينقذهم من تنكر المعاهد، وسيرته في ليل من الأحداث داج، وفي جو من الأعاصير أدكن، وفي بحر من السياسة ورجالها هائج، وفي مجتمع متشابه فجاج الفكر، متقارب القلوب على الشر والنكر، وفي غواش من الفتن متلاحمة، وجماعات من البشر غير متضامنة ولا متراحمة. ولم تعتمد في تكوينه إلا على الله ثم على نفسها، ثم على العرق الأصيل من جنسها، والقوّة الكامنة من دينها. فجاء عملًا خالصًا منها لها لم تشبه بشائبة اعتماد على حكومة تصرّفه على أهوائها، ولم تشنه باعتماد على شخص يستغله في مطامعه. وكان- لذلك كله- عملًا طيّبًا مباركًا، يعليه بُعد الهمّة ويحوطه بعد النظر، وتسيّره قوة الإيمان، وتزيّنه لمحة الاستقلال، وتسمه النية الصالحة بسماتها، وتظهر في آثاره البركة والنماء، ويعرف الخير واليمن في أواخره كما عرفا في أوائله.

стр. 703

وهذا المعهد- باعتبار آخر- هو إحدى الكفارات التي تقدّمها الأمّة الجزائرية عما اجترحته من مآثم الجهل والأميّة، وسيئات الغفلة والتفريط وأسباب التأخر والجمود، وجنايات الابتداع في الدين والاتباع في الدنيا. لتمحو بالجد في الحياة آثار الهزل فيها، وتمحو بالعلم آثار الجهل، وبالقراءة آثار الأميّة، ثم تمسح بهما ما تراكم على دينها من محدثات، وما غطى على تاريخها من نسيان، ثم تخط بهما ما يتطلبه غدها من رسوم للعمل وأعلام للهداية، ووسائل للتنفيذ والتطبيق. ثم تجلّي لنفسها مناهج الحياة على هدى العلم، وبوحي القلم، كما سار سلفها الصالح الماجد على هدى العلم، وبوحي القلم إلى حياة العز والشرف والسيادة. هذه هي المعاني الكامنة في هذا المعهد، كما كانت كامنة في نفس من نسب إليه وتحلّى باسمه، وكما هي كامنة في النفوس الصالحة الطاهرة من هذه الأمّة، وستظهر بالتدريج إذا اطرد نموه، وتفرّعت أفنانه، وتعهدته الأيدي بالبذل، والعقول بالتدبير، والقرائح بالتغذية، وصالحو المؤمنين بالمحافظة والحماية، ويومئذ تكون الأمّة قد استكرمت الغرس فاستطابت الجني، واستمجدت الزناد فحمدت الورى. نقول: إن المعهد من عمل الأمّة، وهو قول حق وإنصاف للأمّة، ويقول العقلاء العارفون المنصفون: إنه هو الغرّة اللائحة في أعمال جمعية العلماء، وإنه هو تاج المدارس التي شيّدتها لحفظ دين الأمّة ولغتها، وهذا أيضًا قول حق وإنصاف لجمعية العلماء. وما جمعية العلماء إلا الأمّة المسلمة العربية الصالحة المصلحة، ذائدة عن كيانها، مدافعة عن قرآنها، مناضلة عن لسانها بلسانها، وما هذه الأمّة المسلمة العربية إلا جمعية العلماء متأثرة بخطواتها، منقادة لإرشادها، واثقة بأمانتها، مؤيّدة لمبادئها، سائرة في الدين والدنيا على هداها، ومن شذّ من الفريقين شذّ في النار. ولولا جمعية العلماء لما تحرّرت العقول والأفكار، فاستشرفت إلى تحرير الأجسام، ولولا الأمّة، وإيمانها بالجمعية، وثقتها برجالها وإمدادها لها بالمعونة الصادقة لما استطاعت الجمعية أن تقوم بهذه الأعمال الجليلة، ولما استطاعت هذه الحركة المباركة أن تنمو وتترعرع، وتتأصل وتتفرّع. وقديمًا قام الدين على هاد إلى الحق، ومهتد بالحق، وقامت الدنيا على قائد بالصدق، ومنقاد إلى الصدق. جمعية العلماء والأمّة الصالحة جزءان يتألف منهما كل، ونصفان يتكوّن منهما كون كامل. ***

стр. 704

سلخ هذا المعهد الجليل السنة الثانية الدراسية من عمره العلمي المبارك، وخطا في ميدان العلم والتثقيف الخطوة الثانية من خطاه المسدّدة، محفوفًا بالرعاية الشاملة من جمعية العلماء، وبالعناية الكاملة من صالحي الأمّة، وبالحماية العليا من الله الواحد الأحد. سلخ هذا المعهد سنته الدراسية الثانية، ومعناها في لغة النظام العلمي تسعة أشهر تتخلّلها فترات، وتتحيّفها عطل واستراحات، فتنقص تسعة الأشهر أسابيع، فيكون عمره العلمي سنة وربع السنة مما يعرف الناس في عد أعمارهم، ولكنه يأتي بما يشبه معجزة عيسى نطقا في المهد، بحفظ العهد. أُجريت الامتحانات- من مبتدإ شهر يونيو- لتلاميذه الذين بلغوا في هذه السنة ستمائة عدا، وانتهت بعد أسبوعين فأسفرت عن نتائج تُقرّ أعين العاملين لخير العروبة والإسلام في هذا القطر، وتُبهج خواطرهم وتشرح صدورهم. جرت هذه الامتحانات في حالة حكيمة من حزم الإدارة وضبطها، وأمانة الشيوخ واحتياطهم، واستعداد التلامذة واعتمادهم على أنفسهم، لا تسمح بالإجحاف ولا بالمحاباة، فكانت النتائج فوق ما يقدر المشدد والمتسامح، وكانت فوق النسب المقدّرة من المشائخ والتلاميذ، وكانت بشيرًا بطور من الذكاء والنبوغ والبراعة تجني منه الجزائر الخير الكثير لدينها ولغتها، وكانت- في الأخير- برهانًا صادقا على أن شيوخ المعهد كانوا يعلمون ... وأن تلامذة المعهد كانوا يقرأون ويتعلمون ... بمعنى أن شيوخ المعهد كانوا يؤدّون واجبهم بإخلاص وأمانة ونصح وحسن توجيه، لم تثبطهم شدائد العيش ومكاره الحياة، ولم تثن هممهم الصعوبات المعترضة في سبيل التربية والتعليم. وأن التلامذة كانوا منقطعين إلى التعليم بجد واجتهاد وإخلاص، لم تلههم عنه ملهيات المجالس، ولم تغوهم شياطين الأزقة، ولم تضارر العلم في نفوسهم وساوس الأفكار. ولقد كان لشياطين الأزقة بهؤلاء التلامذة الصغار لمم وإلمام، ومساورة واقتحام، فكانوا يقعدون لهم بكل صراط، يضلونهم عن العلم، ويصدّونهم عن سبيله، ويزيّنون لهم مفارقة المعهد، ويلقّنونهم سب العلم وشتم العلماء مما ظهر أثره على ألسنة بعض الأغرار من صغار الطلبة فظهر أثره في خيبتهم في الامتحان، فكان عظة بالغة لهم ولغيرهم، ولقد رأيت بعيني بعض هؤلاء الأشرار في لبسة عجب يندسون بين الطلبة ويلازمونهم إلى باب المعهد يزيّنون الباطل ويقبحون الحق ويوسوسون في صدور التلامذة ما لا يوسوس قرينهم الشيطان الرجيم، ولكن الله أحبط أعمالهم، وخيّب آمالهم. ***

стр. 705

واحتفل المعهد في الخامس عشر من يونيو بختم الدروس والامتحانات وأعلن هذه النتائج في جمع عظيم من مشائخه وهيئاته المتعاونة، وكثير من مديري المدارس ورؤساء شُعَب جمعية العلماء بعمالة قسنطينة حضروا بمناسبة مؤتمرهم الذي انعقد في اليوم التالي ليوم الاحتفال. وخطب مدير المعهد الأستاذ العربي التبسي، وخطب كاتب هذه السطور، فكانت الخطبتان دائرتين على حثّ الأمّة على الاستعداد للسنة الآتية بالبذل والتشجيع، لأن معظم تلامذة السنة الأولى انتقلوا إلى الثانية، وسيضطر المعهد إلى قبول مثل عددهم لتعميرها، وسيضطره ذلك طبعًا إلى إحضار ثلاث وسائل جديدة للتلامذة الجدد: مساكن لسكناهم، وأقسام لدروسهم، ومشائخ لتعليمهم، وأن هذه الضرورة ستتجدّد في كل سنة، إلى أن يتساوى عدد الخارجين من السنة الرابعة بالداخلين في السنة الأولى، فعلى الأمّة أن تتنبّه لهذا، وأن تتبيّن شأنه وخطره، وأن تعدّ له عدّته. وأن يكون لها من الاهتمام به ما يكافئ اهتمام إدارة المعهد وجهود جمعية العلماء. هذا ولا يفوتنا أن نسجّل ملاحظة غريبة في نسبة نجاح تلامذة المعهد في امتحانات هذه السنة، فقد كانت للنجاح مجار مطردة على حسب الجهات، وكان مظهر النجاح الأعلى في تلامذة جبال زواوة ثم في تلامذة جبال أوراس، ثم في تلامذة العمالة الوهرانية على العموم، ثم في بعض مدن عمالة قسنطينة، ولذلك كله علل سنشرحها. أما التفصيلات، وأسماء الناجحين، وتجلية العبر، فسنجمعها في عدد خاص من "البصائر" نصدره في النصف الأخير من شهر شوال، فلينتظره القرّاء.

стр. 706

دروس الوعظ والإرشاد في رمضان * يجب لليالي شهر رمضان المبارك أن تكون حية عند المسلمين لا بما هم عليه من السهرات الوقحة، واللهو الماجن، والشهوات القاتلة، فإن هذا النوع من الإحياء هو - في حقيقته- إماتة لحكمة الصوم وقتل لسرّه وخيره، ومحو لروحانياته وآثاره النافعة. وقد جاء الأمر بإحياء ليالي رمضان، وهو لا يختص بالتهجد، وإنما يشمل النافع بالمنطوق، والأنفع بمفهوم الأولوية، ومن الأنفع الذي لا يتمارى فيه للمسلمين في هذا العصر إحياء ليالي هذا الشهر بمجالس التذكير العامة ودروس الوعظ والإرشاد، بشرط أن تكون المجالس جدية موقظة، والدروس حية محيية، ولن تكون كذلك إلا إذا كانت مدارسة لكتاب الله ولسنة نبيّه في المواضيع المتصلة بحياة الأمّة الدينية والدنيوية، وتعميرًا لنفوس المسلمين بالخير الذي يفيض منهما، وتقريبًا لما تباعد بينهم وبينهما. هذا هو الإحياء الحقيقي الذي هو أكثر نفعًا وأجزل عائدة، وأقرب من مراد الشارع وحكمته، فإذا وفق المسلم إلى إحياء بقية الليل أو جزء منه بالتهجد والتلاوة، فقد جمع له الخير من طرفيه، وجاء بالحسنيين في قرن. جرت جمعية العلماء- منذ أعوام- على سُنَّة حميدة جعلتها من صميم أعمالها، وهي إحياء ليالي هذا الشهر بدروس الوعظ والتذكير في الحديث والتفسير، في مجامع المسلمين ومدارسهم ونواديهم بل وفي ديارهم، ولو كانت المساجد حرّة كما يريد الإسلام لانتهت هذه السنة إلى غايتها، وأتت بكل ما هو محقق لها من النتائج، ولظهرت آثار ذلك جليّة في أقوال المسلمين بالصدق، وفي أعمالهم بالتوفيق، وفي حركاتهم بالنجاح، وفي آرائهم بالتسديد، ولكنها- مع ذلك- لم تخل من آثار صالحة في نفوس الجمهور الذي يحضرها ولغشاها.

стр. 707

وفي هذا العام وزعت الجمعية كثيرًا من مدرّسيها على مراكز متعددة في القطر للقيام بهذه السنة المباركة، وألزمت المعلمين المقيمين في مراكز التعليم أن يقوموا بهذا الواجب في هذا الشهر، فتمّ العمل على أتمّ وجه وأكمل نظام. ثم وزّعت عليهم المنشور الآتي تذكيرًا لهم وتوكيدًا عليهم، وهذا هو نصّه: الأخ المحترم الشيخ ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد، فإن أشرف عمل تتقرّبون به إلى الله وتخدمون به دينكم وأمّتكم في هذا الشهر المبارك هو إحياء لياليه بدروس الوعظ والإرشاد وتذكير إخوانكم المسلمين بما ينفعهم في دينهم ودنياهم. وإن جمعية العلماء تعلم أنكم قائمون بهذا الواجب في بلدانكم ولكنها تذكركم وتوصيكم بأن لا تفرطوا فيه ليلة واحدة من ليالي هذا الشهر وأن تخصّوا بالعناية المواضيع الراجعة إلى إصلاح الأخلاق، فمن فساد الأخلاق أتيت أمّتكم ومن ثغور الأخلاق دخل شياطين الإنس والجن إلى نفوسها فأفسدوها. حثوا إخوانكم على إقامة الفرائض الدينية والاجتماعية التي أضاعوها كالزكاة والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر والتواصي بالحق والصبر والمرحمة والتعاون على البر والتقوى والتآلف والتحابب مستندين في ذلك كله على كتاب الله وحديث نبيّه مستدلين بنصوصهما على النهج السلفي لجمعيتكم. والصلاة الصلاة فإنها عماد الدين، والعلم العلم فإنه عماد الدين والدنيا فعليهما حضّوا وإليهما فادعوا، والله يوفقكم ويرعاكم وينفع بكم والسلام عليكم ورحمة الله. رئيس جمعية العلماء محمد البشير الإبراهيمي

стр. 708

إلى الكتّاب * للبصائر طرفان: أعلى وهو معرض العربية الراقية في الألفاظ والمعاني والأساليب، وهو السوق الذي تجلب إليه كرائم اللغة من مأنوس صيّره الاستعمال فصيحًا، وغريب يصيّره الاستعمال مأنوسًا، وهو مجلى الفصاحة والبلاغة في نمطهما العالي، وهو أيضًا النموذج الذي لو احتذاه الناشئون من أبنائنا الكتّاب لفحلت أساليبهم واستحكمت ملكاتهم مع إتقان القواعد ووفرة المحفوظ. ولهذا الطرف رجاله المعدودون، وهو نمط إعجاب أدباء الشرق بهذه الجريدة. وطرف أدنى، وهو ما ينحط عن تلك المنزلة، ولا يصل إلى درجة الإسفاف، وبين الطرفين أوساط ورتب تعلو وتنزل، وهي مضطرب واسع يتقلب فيه كتّابنا، من سابق إلى الغاية مستشرف لبلوغها ومقصر عن ذلك. ولكن بعض الكتّاب- هداهم الله رشدهم- بالغوا قبل أن يبلغوا، فهم يوافوننا بمقالات دون الطرف الأدنى، فنضطر إلى إهمالها اضطرارًا فيلوذون بحق (التشجيع) ... فليعلموا- علّمهم الله- أن التشجيع لا يكون على حساب اللغة وتراكيبها، ولا على حساب "البصائر" ومنزلتها، وليفهموا أن الاعتماد على التشجيع، معطّش ومجيع. ونصيحتنا إلى هؤلاء وإلى ناشئتنا الكاتبة أن ينظروا لأنفسهم وأن يعتمدوا عليها، وأن يُدمنوا القراءة لآثار فحول الكتّاب من قدماء ومحدثين، وأن يحملوا أقلامهم على احتذائها بالتدريج، وأن يتكثروا بحفظ اللغة الأدبية، ويتبصروا في مواقع استعمالها في التراكيب، وأن يكونوا عصاميين في الأدب والكتابة، فإن المعاهد التي تقلبوا فيها للتحصيل لا تخرّج أديبًا ولا كاتبًا، ما دام حظ البيان فيها منزورًا، وعلم اللغة والإنشاء فيها مهجورًا، والأدب العربي فيها لا يدرس قصدًا، وإنما تعرض نتفه عرضًا.

стр. 709

ذكرى بدر بمركز جمعية العلماء * تقديم: محمد الغسيري ــ ذكرني ما كتبه واقتبسه الأستاذ أبو بكر الأغواطي من درس الأستاذ الرَّئِيسُ الشيخ محمد البشير الإبراهيمى، الذي ألقاه بمدينة الأغواط يوم زارها في الأيام الأخيرة، أنه واجب علي وقد كتب لي أن أحضر بعض دروسه الرمضانية بالجزائر، ومنها الدرس النفيس الذي ألقاه بالمركز يوم ١٧ رمضان بمناسبة ذكرى بدر لسنة ١٣٦٨، أن اقتبس بعضه لأقدمه إلى قرّاء "البصائر" ليتصوّروا جلال هذه الدروس، وما قدرت أن أنقل إليهم من معانيه إلا يسيرًا، فليعذروني إذا أنا لم أقدّم لهم غذاء لذيذًا كما يشتهون ويشتهي الفن، فحسبي لديهم أن قدّمت الغذاء، وحسبي لدى نفسي أن أرضيتها فيما طالما تحرّقت عليه أسفًا وحنت إليه شوقًا، ألا وهو ضياع تلك الدروس القيّمة والمحاضرات العامرة التي يلقيها الرَّئِيسُ في جولاته بربوع القطر الجزائري، تلك التي لا تتقطع طول السنة، وما أشبهها إلا بنهر عذب جارٍ يستقي منه القريب، ولا يحرم منه البعيد، أجل طالما تذامرنا وتقاسمنا- نحن معشر تلامذة الأستاذ ورفقائه- على أن كل من قسم له حضور تلك الدروس ليكتبن كل ما أسعدته ذاكرته بحفظه، وقلمه بتسطيره، ولكنّا نخلف مرة، ولا يسعدنا الحظ لمرافقة الأستاذ في أسفاره مرات، على أن حاضري الدرس من الكتّاب يؤخذون بالسماع، ويندهشون فلا يكتبون شيئًا، وكانت النتيجة ضياع كنوز من العلم والحياة لا تقوم بمال. أجل لم ينقطع الأستاذ الرَّئِيسُ عن الجولان لخدمة الأمة والجمعيات والمدارس والمعهد إلا بضعة أشهر في السنة الفارطة لمرض أقعده، ولعدم وجود سيارة تقلّه، فتعطل كثير من الأعمال، واشتاقت المحافل إلى سماع صيحاته ونصائحه وبيانه الساحر، وحلّ المشكلات، واستمرّت الحالة كذلك زمنا قصر فيه أعماله وزياراته كلها على المعهد وحده، ولما تهيأت له الوسائل جاب البلاد في أمد وجيز تناول فيه بالزيارة ما يلي:

стр. 710

قسنطينة، سمندو، عزابة، مزغيش، عين قشرة، الميلية، الشقفة، أولاد علال، جيجل، القرارم، شاطودان، العلمة (سانت آرنو)، سطيف، حضنة أولاد دراج، برج بوعريريج، وهناك جاء العمل الحازم، ورجع عزم الأستاذ إلى الصول، ونشط لسانه إلى القول، واستهلّ سلسلة أحاديثه ودروسه بخطبة في الاحتفال بختم دروس معهد عبد الحميد ابن باديس بقسنطينة، وبحديث في مؤتمر شُعَب جمعية العلماء بعمالة قسنطينة كما تكلّم في غالب البلدان السالفة الذكر، ثم سافر إلى الجزائر، وما مكث عند أهله- حسبما أخبرنا- إلا ثلاث ساعات سافر بعدها إلى المدية، وألقى فيها درسًا بالجامع الجديد، ومنها إلى الأغواط (وقد نقل بعض أحاديثه فيها الأخ أبو بكر ونشره في "البصائر" في حينه) ثم عاد إلى المدية فتقبل فيها دارًا عظيمة وهبها لجمعية العلماء محسنان كبيران لتكون مدرسة للتعليم، وبعد صلاة الجمعة في الجامع الجديد ألقى محاضرة أعلن فيها تبرع المحسنين بالدار وأعلن حكمه عليها أن تكون مدرسة خاصة بالبنات مؤلفة من ثمانية أقسام، وألزم رجال المدية باسم العلم أن ينهضوا لبناء مدرسة للبنين، وأنحى عليهم باللائمة في التقصير والتأخّر في مضمار التأسيس حتى على القرى الصغيرة مع أنهم من السابقين في النهضات على اختلات أنواعها، ثم قصد الأصنام بدعوة من جماعة مدرستها "مدرسة ابن خلدون" ليتكلم في احتفال أعدّته المدرسة، ولم يرجع إلى الجزائر إلا في أول رمضان. إن نسينا شيئًا من عيوبنا فلا ننسى أن أكبرها هو إضاعة مثل هذه الدروس والمحاضرات، وإن فيها- والله- لكنوزًا من العلم والحكمة غالية، وإن أسينا فأول ما نأسى عليه أن لا يرافق الأستاذ العظيم في كل جولاته اثنان أو ثلاثة من الكتاب ليدوّنوا كل ما تنفرج عنه شفتاه، وكل ما يلفظه لسانه العذب الحكيم من الدرر، أما أنا فحسبي- أخيرًا- أن أقدّم إلى القرّاء ما يلي: ... الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه. أما بعد: فإن الأمم تعرف في هذه الحياة بأيامها، والأيام أفراح وأتراح، الفرد فيها كالجماعة، وإن أعمار الأمم منها ما كان كله كالصفحات البيضاء نقاء وإشراقًا، ومنها ما كان مظلمًا حالك السواد، وإذا درسنا بدايات الأمم ونهاياتها- وهي ضارية في القدم والطول- وجدناها كبدايات ونهايات الأفراد سواء بسواء، وإذا أمعنّا النظر في أيام الجميع السارة لم نلفها إلا قليلة جدًا، وكذلكم كانت أيام المسلمين الزاهية السعيدة تكاد تعد على الأصابع، وما كان يوم بدر إلا من هذه الأيام القليلة، وما كانت واقعة بدر إلا من هذه

стр. 711

الوقائع المشرفة في تاريخ الإسلام والمسلمين الطويل، فلقد حيّرت المؤرّخين وملأت الأسفار بأسماء أبطالها القليلين، وذكر مآثرهم، وتعداد مناقبهم، وذكر عددهم الحربية المتواضعة، والإشادة بالمكان- كل ميزته أنه به قليل ماء، ما كان يوم بدر إلا يومًا من أيام الله في الإسلام- إذن، وهل يحسن التذكير إلا بأيام الله؟ ولقد قال الله تعالى لموسى ﵇: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ ذكر موسى بني إسرائيل بأيام الله، وذكرهم بآلائه عليهم، ولما لم ينفعهم التذكير، وخالفوا أوامر الله وكثيرًا ما قتلوا أنبياءهم بغير حق، حقّت عليهم كلمة الله، وحاق بهم العذاب وهم لا يشعرون، فكان التيه الذي ظلّوا فيه معذبين أربعين سنة، كانت كافية لأن تنهض جيلًا من الشباب عزيزًا، شديد المراس، يأبى الضيم، ولا يرضى المهانة، وكافية لأن تذهب جيلًا من العجزة وشيوخ الهمم الأذلاء الذين درجوا في ساحات الذل، وشبوا وشابوا تحت كلاكل الاستعباد والسخرة المقيتة، وتلك حكمة الله في تذكير الأمم بأيام الله، لتتعظ، وترجع إلى الله، وتتدرّع بالعبر والمثلات، وحسن الاقتداء. نعم، إن أيام النكبات عند العقلاء أعظم من أيام الرخاء والهناء، وأيام البلاء في حياة المسلمين أزهى أيامهم، وأجدى عليهم نفعًا، وأبقى ذكرًا، وأخلد أثرًا، والمؤرّخون الحقيقيون هم الذين يعنون بذكر جانب الاعتبار من الأحداث التاريخية الكبرى- لا أولئك الذين يسردون الوقائع سردًا- ليدرس الناس أسباب سقوط الدول، وأسباب عزّتها، وتكون مؤلفاتهم خير معوان للأجيال المقبلة لتتنكّب طرق الشر والشقاء، وتسلك مسالك الرشد والهدى، ولا أخال حديثنا الليلة يتناول غير ذلك الجانب الأهم من الوقائع. إن يوم بدر، ويوم أحد ليعدّان- باعتبار آثارهما- مِن غُرّ أيامنا التاريخية، فلقد كان الأول نصرًا، وكان الثاني كسرًا، أفكان يوم أحد شرًا على المسلمين، وهم يعلمون ما سبب الهزيمة؟ إن القيم المعنوية في الرجال، من زكاء النفس، وعلوّ الهمّة، وإطاعة أوامر الله، هو الجانب المعتبر في حياة الرجال، وذلك ما أتاح النصر للمسلمين يوم بدر وهم قلة، وإن الطمع في الأسلاب الحقيرة، ومخالفة أوامر الرسول ﷺ هما السبب في هزيمة المسلمين يوم أحد، وهم كثرة، وأن القوة المعنوية التي تسلّح بها رجال بدر هي التي رجّحت كفّتهم، ولئن استشهد منهم قليل فقد انتصر الباقي على عدو قوي البأس، محارب بطل، يفوقهم عددًا وعدة، وشتّان بين من يسترخص الموت من أجل الحياة، وبين من يحاولها لإرضاء الشهوات، شهوات الغلب، ومحبة السمعة الزائفة، ومحاولة تحدي سنن الله وإرادته الرامية للأخذ بيد المستضعف في الأرض، وهو ما هزم المشركين يوم بدر وتركهم عظة وذكرى إلى يوم الدين، وكذلكم كانت واقعة أحد درسًا قاسيًا للمسلمين عرفوا به مصدر الداء، داء الغرور، ذلك المرض الذي ما أصيب به فرد أو جماعة إلا أهلكه، فلا يغترن أحد بنفسه،

стр. 712

ولا يغرنه زهوه وخيلاؤه فإن الدائرة في الأخير لا تدور إلا على رأسه، وإن من أعظم أدواء الغرور أن يلبس الإنسان غير لبوسه فيجني نتيجته هزيمة منكرة، ومرارة مستديمة، وتتعطّل به قوة الفرد، وقوى الجماعة، وأي خير بعد ذهاب القوة؟ ... وهل دارت الدائرة في غزوة أحد إلا على رأس المسلمين؟ ثم إذا طوينا صفحات من التاريخ، وجئنا نعدّد أيام المسلمين الزاهرة كيوم اليرموك، ويوم القادسية، وأجنادين، وذكرنا رجالها، وفي مقدمتهم خالد بن الوليد، وعياض بن غنم وما أدراك من هما، وتصوّرنا العقبات التي لاقاها أولئك الأبطال في صلابة النفوس، ووعورة المسالك، وحداثة عهدهم بالنهوض، سواء مع الفرس أو الروم، عرفنا جلال عظمة تلك الأيام، وعصامية أولئك الأبطال المغاوير، وإذا ذكرنا أيام المسلمين الزاهرة التي مهّدت للمسلمين فتح مصر، وشمال أفريقيا، والأندلس وذكرنا في تاريخ الأندلس مثلًا واقعة "الأرك" و "الزلاقة" ويوميهما، وذكرنا عبد الرحمن بن معاوية الداخل، وعبد الرحمن الناصر، وتصوّرنا حضارة العرب بالأندلس- كما في الشرق- تمثّلنا الإسلام في أروع مباهجه، وأعلى مكارمه، وأسمى روحياته. أضِف إلى تلك الأيام يومًا أغرّ محجلًا ماجدًا في تاريخ المسملين ألا وهو يوم حطين بفلسطين، في عهد صلاح الدين، وما صلاح الدين إلا رجل كردي عادي لا يملك من ألقاب الشرف والحسب شيئًا، كان يدعى يوسف بن أيوب وكفى، ولكنّه كان صلاح الدين وحامي حمى المسلمين بحق، فهو قد رفع رأس المسلمين عاليًا، وحطّم الصليبيين تحطيمًا، وردّ غاراتهم ردًا قرّر مصير حياة المسلمين بعد ذلك في جميع جهات العالم، وأنقذ مكّة والمدينة حيث مأرز الإسلام وفخار المسلمين. أجل حارب الصليبيين الذين رابطوا قرب المعرّة نحو مائة عام يستعدّون لتسديد الضربة القاضية فهزمهم هزيمة شنعاء لم يعرف التاريخ نظيرها في تلك الأيام، وهم قوم غلاظ شداد يحملون في نفوسهم حقدًا على الإسلام والمسلمين طالما غذاه القساوسة والرهبان في أوروبا بمختلف أنواع التغذية المسمومة، الراجعة إلى خبث الطوية، وفساد التربية، وسوء التوجيه، أولئك هم الصليبيون الذين حاربهم صلاح الدين، وتلك بعض صفاتهم، وأولئك هم الذين ما تزال بعض سماتهم ماثلة للعيان في بعض الأمم حتى في أيامنا هذه. بلى، إن الأرك والعقاب بالأندلس، وحطين بفلسطين، واليرموك بالشام، والقادسية بالعراق، وبدر بالحجاز هي أسماء أماكن وقعت فيها غزوات، ولكنها لا تدلّ في فهمي إلا على درس خالد في الوطنية العليا، إذ خلود الأماكن خلود للأوطان، وإن في حياة خالد وعبد الرحمن الناصر، وصلاح الدين الأيوبي وما أتوا من خوارق العادة لأعظم درس في سير

стр. 713

الرجال، وخلود الأبطال، وإن من حافظ على الأوطان ولم يبخس الرجال حقّهم كتب الله له الخلود، ومن ضيّع الأوطان، وبخس عظماءه حقّهم ذهب في الذاهبين، وهل يمكن أن يحفظ القلب في غير الجسد؟ وهل ينسى المسلمون تلك الأماكن وأولئك الرجال؟ نعم كانت بدر موقعة حاسمة في تاريخ المسلمين كما كانت الوقائع الآنفة الذكر في غالبها نصرًا مبينًا، وما كان الدين الإسلامي ليبيح الحرب، وما كان ليحبّبها إلى النفوس، بل يبشع بها وبمثيرها ولكنه يحبّ السلام، ويدعو إلى السلام، إلا إذا اضطرّ إليها اضطرارًا ليدفع الشرّ بالشرّ، وهناك يخوضها المسلمون في غير هوادة حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، رجعوا إلى البناء والتعمير، ونشر العلم والعدالة والإخاء بين الناس، وراحوا يصافون حتى المحاريين المعتدين، وما أكثر هؤلاء وما أصدق قول الشاعر الأول في هذا المعنى: تَعْدُو الذِّئَابُ عَلَى مَنْ لَا كِلَابَ لَهُ ... وَتَتَّقِي صَوْلَةَ الْمُسْتَأْسِدِ الْحَامِي وما أصدق قول حكيم العصر شوقي في نفس المعنى: ألم ترَ أنهم صلفوا وتاهوا ... وسدّوا الباب عنا موصدينا ولو كنا هناك نجر سيفًا ... وجدنا عندهم عطفًا ولينا هذه حقيقة الإسلام، وهذا هو التاريخ الإسلامي فليقتد المسلمون، وليؤوبوا إلى الله، وليذكروا بأيامهم وليقبلوا على العلم. وفقنا الله وإياكم لما يُحِبُّه ويرضاه.

стр. 714

إلى القرّاء * لم يبق لسنة "البصائر" الثانية إلّا قليل من الزمن، ولم يبق من حصّتها من الأعداد إلّا العدد الآتي وهو عدد ٩٥ إذْ به تكمل أعداد السنة خمسة وأربعين، وكان النظام يقتضي أن يصدر هذا العدد الختامي قبل نهاية السنة، ولكن المطبعة فاجأتنا بأنها تبدأ عطلتها السنوية في السادس من الشهر الجاري، وتستغرق أسبوعين. وعليه فإنّ عدد ٩٥ لا يصدر إلاّ بعد نهاية العطلة، وبه تكمل السنة الثانية، وسيكون خاصًا بالمعهد الباديسي، مفتتحًا بكلمة طويلة شارحة بقلم مدير "البصائر" ورئيس جمعية العلماء، وبكلمة للأستاذ التبسي مدير المعهد، فكلمات لشيوخ المعهد مع صورهم الشمسية. وسيكون هذا العدد حَافلًا بالمعلومات والآراء، مؤرخًا للسنتين الماضيتين، راسمًا لخطط المستقبل، مفصلًا لمالية المعهد دخلًا وخرجًا من يوم تأسيسه إلى الآن، مسجّلًا لأسماء الناجحين من تلامذة السنة، مصوّرًا لما بذلته جمعية العلماء في تكوينه وتسييره المالي من جهود، ولما بذله مديره من حزم ونشاط، ولما بذله شيوخه في التربية وحسن التوجيه من شجاعة وصبر، ولما قامت بها الأمة أو قصّرت فيه من واجبات، كل ذلك بالميزان الذي لا يبخس ولا يخسر، والعقل الذي لا يظلم ولا يغلو ولا يحابي. أما صحائفه فستكون اثنتي عشرة، وأما قيمته فستكون ثمانين فرنكًا للنسخة تسدّد منها نفقاته، وما فضل فهو إعانة للمعهد، فعلى الباعة أن يخبروا بالمقادير التي يستطيعون ترويجها بالضبط، وأن يلتزموا كتابة ببيع جميع ما يطلبونه، وأن لا يدخلوا ثمن هذا العدد في المحاسبة، بل يرسلونه وحده في (شيك) "البصائر" مكتوبًا على ظهره: "حساب العدد

стр. 715

الخاص"، وليعذرنا حضرات الباعة الكرام بما أردنا التشديد عليهم، ولكنها الضرورة حتّمت علينا هذا. ومن لم يلتزم هذه الشروط فإننا لا نرسل إليه هذا العدد الخاص، لأنّنا لا نطبع منه إلاّ على مقدار الطلب بسبب كثرة التكاليف. وعلى الباعة الأفاضل أن يوافونا بذلك قبل الخامس والعشرين من شهر أوت الجاري، ولهم أن يخصموا أجرة البيع كالعادة. ونرجو بكل تأكيد من المشتركين الكرام في داخل القطر أن يشاركوا عموم القرّاء فيشتروا هذا العدد من الباعة، تنشيطًا لإدارة "البصائر"، وإعانةً للمعهد. ... أما السنة الثالثة فسنستهلّها بعدد خاصّ، ولكن في الحجم العادي، نجعله مثالًا لنظام الجريدة الجديد، ثم نصدر العدد الثاني من السنة الجديدة خاصًا بمدارس الجمعية، مزينًا برسوم جميلة لبعضها، وسنوفي فيه أبناءنا المعلّمين جنود التربية والتعليم وجمعياتنا المحلية ما يستحقّونه من التمجيد والتنويه والتشجيع، وسيكون مثل عدد المعهد في الحجم والقيمة. وهذان العددان سنفرغ فيهما مجهودًا عظيمًا من الوقت والمال، نرجو أن يقابله القرّاء بمجهود يكافئه من التشجيع والإقبال، وعليهم السلام. ... انهالتْ علينا عشرات البرقيات ومئات الرسائل من الإخوان المقدّرين للأعمال، في التهنئة بهذا العيد، ونحن نردّ عليهم التهنئة بأبلغ منها، معتذرين لحضراتهم بأنّ إجابة كل فرد خارجة عن نطاق الإمكان، معلنين لهم أنّ التهنئة عادة وأدب، ولكن أعيادنا مسختها أحداث الدهر، وشوّهتها طبائع السوء منا، حتى أصبحت لا تستحق التهنئة، فإذا رأوا منا زهدًا في الكتابة عنها، فهذا سببه، ولهم على كل حال فضل البادئ بمقتضيات الأدب.

стр. 716

الرقم السجين * إلى مدير البريد العام بعمالة قسنطينة: لا نشك في أن مصلحة البريد وتوابعه في هذا القطر تابعة للحكومة، خاضعة لتصرفاتها، ولا نشك في أن الحكومة تسيطر على المشتركين في هذه المصلحة وعلى عملائها بنوعين من المراقبة: أحدهما عام، في الأحداث العامة كالحروب والثاني خاص لقوم مخصوصين، ولا نجهل أن للحكومة طريقة خاصة في مراقبة بعض الأرقام، وهي استراق السمع بواسطة منضدة الاستماع: ( Table d'Ecoute) ولكننا نحدّثك اليوم على معاملة شاذة لا تدخل في واحد من النوعين. في "بوسطة" (١) تبسة رقم سجين لم ينتفع به صاحبه ولم تنتفع منه المصلحة التي أنت مديرها، فهل تستطيع أن تطلق سراحه؟ هذا الرقم هو رقم ٥٩ - ١، أو رقم مدرسة تهذيب البنين، أو رقم الشيخ العربي التبسي، صاحبه نائب رئيس جمعية العلماء، ومدير معهد ابن باديس، وله- كغيره- مصالح وارتباطات توجب عليه أن يتصل بهم، ويتصلوا به، ولكنهم كلّما طلبوه لم يسمعوا في الجواب من عاملة التليفون إلا إحدى كلمتين: انه لم يجب، أو انه معطّل مختلّ وهو تحت (التصليح)، وقد يتكرّر الطلب من طالب واحد صباحًا ومساءً في أيام متوالية، فلا يكون الجواب في التسعين من المائة إلا بما ذكرنا. وقد يتناقض جواب عاملة التليفون في الوقت الواحد فتقول مرة: إنه لم يجب، وتقول مرة: إنه مخثلّ، ونتحفق بالبحث والسؤال أن صاحب التليفون ملازم لمكتبه، وأن جهاز التليفون سليم معافى.

стр. 717

ونحن نشهد بما علمناه من المآت وبما شاهدناه بأنفسنا منذ سنوات، بل من يوم سجل هذا الرقم بإدارة البريد، وهو أننا نطلبه في الشهر عشر مرات أو أكثر، وفي أوقات نستيقن فيها وجود صاحب الرقم باتفاق معه فيكون الجواب في جميعها: انه لم يجب، ولا تنخرم القاعدة إلا قليلًا. وقد طلبناه في رمضان من عدة جهات فقيل لنا انه لم يجب، وطلبناه ليلة عيد الفطر الماضي فقالت لنا العاملة في لهجة مريبة ما لفظه بالحرف: il ne répond pas (٢) وكرّرنا السؤال، فسمعنا نفس الجواب. وكنا في هذه المدة الطويلة ارتكبنا عدة طرائق من الحيل، وعدة أنواع من الامتحانات، فأثبتت أن هذه المعاملة مقصودة، ولكننا لم نفقه لها سرًّا ولا حكمة. إن صاحب الرقم يدفع الرسوم القانونية كالناس ولكنه لا ينتفع به كالناس، فما معنى هذا؟ إن كان هذا الرقم مخيفًا فاربطوه (بمنضدة الاستماع) بالحبال الوثيقة، لا بالأسلاك الدقيقة، ولا تتركوه على هذه الحالة: أبكم أصمّ، أو مريضًا مستشفيًا. إن هذا أنفع للمصلحة في جلب المال، وأصلح للحكومة في الاطلاع على (الأحوال)، أما هذه المعاملة فإنها شاذة وقحة سمجة لا طعم لها ولا لون ولا معنى. لا نعتقد أن لعاملات التليفون المتعاقبات ثأرا مخصوصًا عند الأستاذ التبسي، ترثه اللاحقة عن السابقة، ولا نعتقد أن هذه المعاملة وحي من إدارة عليا، لأن مصلحتها في العكس، وإنما نظن أن الأمر لا يعدو إدارات تبسة المستبدة، وأن منشأها كيد لصاحب الرقم، وحقد عليه، وانتقام منه، فجروا بسوء صنيعهم لمصلحة البريد التهمة والخسارة معًا. إلى مدير البريد العام بقسنطينة نرفع هذه القضية ليبحث عنها، ويزيل هذا الخلل من نفوس عمّاله، لا من جهاز التلفون. ولا يطالبنا بالحجج القطعية، فإننا نسمع الجواب كلامًا، يذهب مع الريح، لا كتابة تبقى على الورق. وكل ظالم يحتال لظلمه ألف حيلة. ولولا الظلم ما تظلمنا، ولولا أنه واقع على رقم خاص لعممنا.

стр. 718

مؤتمر الثقافة الإسلامية - ١ - * للجمعية - الخلدونية بتونس- منذ كانت- يد بيضاء على الثقافة الإسلامية، وأثر بليغ في إحياء التراث الإسلامي بقدر ما يسع جهدها، وقد سارت في عهدها الأخير منذ رأسها الأستاذ محمد الفاضل بن عاشور بخطى واسعة إلى التقدّم، وقدمت لنهضتنا العربية الإسلامية بهذا الشمال مآثر جليلة، وكستها صبغة ثابتة من التجدّد ورسمت لها خطة صادقة في التوجيه والاتساع، فوصل رئيسها الفاضل بمحاضراته شرق الإسلام بغربه، وجسّم العروبة بجناحيها، وأحيا من الوفاء للشرق رسومًا طمسها الإهمال حينًا والأنانية أحيانًا، ولم يقف عند الحدود الضيّقة التي ائتم فيها كثير من قومنا بالاستعمار، فشكرنا له ذلك، وعددناه وصولًا لأرحام طال بينها التجافي حتى أوشكت تتنافر. وفي هذه السنة رأت الجمعية الخلدونية أن نخطو خطوة جديدة، وتسنّ سنة حميدة، في الجانب الذي نوصم فيه بالنقصان، ونوسم بالتقصير، فدعت إلى عقد مؤتمر ثقافي إسلامي تحت إشرافها، وعيّنت لافتتاحه اليوم العاشر من شهر سبتمبر الآتي، وأحسنت كل الإحسان في إسناد رئاسته إلى فضيلة العالم الأستاذ محمد المختار بن محمود. وقد دلتنا نشرات الهيأة التحضيرية للمؤتمر التي وصلتنا على أن الاستعدادات قائمة على نظام بديع، وأن المؤتمر سيكون محققًا للغاية التي عقد لأجلها، وسيرفع رأس هذا الشمال الأفريقي الذي أمعن في الهزل، فبدا عليه الهزال. وجمعية العلماء، وجريدة "البصائر" ترحّبان بالمؤتمر، وترجوان له نجاحًا يقطع ألسنة الخصوم، ويشرح صدور قوم مؤمنين، ويكون غيظًا للحاسدين، وقمعًا للمفسدين.

стр. 719

وترجوان للجمعية الخلدونية توفيقًا دائمًا إلى مثل هذا العمل الجليل، وأن يكون لها من هذا المؤتمر الأول دليل هادٍ إلى الكمال فيما يتبعه، وتجربة نافعة في تعرّف الوجوه واستقراء السبل. وسترسل جمعية العلماء وفدًا يمثّلها في المؤتمر، لا ليسدّ ثلمة في المؤتمر، ولكن ليكون رمزًا للتعاون العلمي، والتناصر الأخوي، فقد عاقت جمعية العلماء أعمالها الداخلية لمدارسها وجمعياتها عن الاستعداد الكامل للمؤتمر، وتعارض حقّان فقدمت ألزمهما وما لا تعذر فيه بحال، على ما للعذر فيه مجال، ونقلت أعضاء الوفد من العمل المجهد إلى المؤتمر على غير استعداد، كما ينقل الجندي من الحقل إلى الميدان، فلا يطمعن إخواننا المؤتمرون في أكثر من ذلك من جمعية دائبة على العمل المتواصل، وليس لرجالها فراغ، ولا عطلة صيفية، ولا راحة.

стр. 720

- ٢ - * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أيها الإخوان أحيي على بعد الدار إخواني المؤتمرين رجال العلم، وأهل الفضل والنبل، وقد جمعتْهم غاية واحدة، وحدا بهم حادٍ واحد، هو خدمة الثقافة الإسلامية والكشف عن مكنوناتها المخبوءة. لا يضير هذه التحية أن تكون صدى بعيد الرجع ... فإن البُعد أبلغ في البلوغ، فنور الشمس لا يَتَلأْلَأ إلّا في البُعد السحيق. أيها المؤتمرون الكرام أحييكم تحية المسلم البرّ بدينه ولغته، لِلْمُسلم البرّ بدينه ولغته، وأكبر فيكم هذه الهمم التي دفعتكم لهذا النوع المثمر من خدمة الإسلام وإحياء مآثر رجاله، وأرجو أن يكون مؤتمركم مقدمة لأمثاله وفاتحة لما هو أكبر منه وأعمّ فائدة، وأغبطكم على ما حظيتم به من اجتماع كان أمنية المتمني وخيال المتخيل فأصبح حقيقة وأصبح واقعًا. أيها الإخوان: تمنيتُ- منذ دعا داعي المؤتمر فأسمع- أن أكون من حاضريه ومن المشاركين لكم بجهد المستطيع في بنائه وتعميره، ولكن أعمالي للثقافة الإسلامية، في وطن متطلع للثقافة الإسلامية، عاقتني عن حضور مؤتمر الثقافة الإسلامية، وعسى أن تكون أعمالي شفيعة لي عند إخواني فلا يرمونني بتقصير.

стр. 721

أيها الإخوان: ما زلت أتمنى على الله أمنية شغلت عقلي وفكري منذ مِزْت الخير من الشر، وهي أن يسترجع علماء الإسلام ما أضاعوه من قيادة المسلمين، وما زالت الأقدار تدافعني عن هذه الأمنية وتؤيسني منها حتى دلتني المخايل الصادقة من مؤتمركم هذا وتباشير أخرى سبقته على أن هذه الأمنية قريبة المنال إذا صحّت العزائم. إن علماء الدين أئمة، فإذا لم يخدموا الأمم الإسلامية في جميع الميادين النافعة، ولم يقودوها بقوة في المقاصد الصالحة، ولم يصرفوها في نواحي الخير والمصلحة، ولم يوجّهوها إلى شرف الحياتين وسعادة الدارين، وإذا لم تتوجه الأمة إلى حيث وجّهوها، ولم تستقبل الوجهة التي استقبلوها، فلا معنى لهذه الإمامة. أن قيادة علماء الدين للأمة هي وظيفتهم الأصيلة، وهي وظيفة يفرضها الدين ويرتضيها العقل، وتوجبها مصلحة المسلمين، وقد فرط علماءنا في القيام بهذه الوظيفة منذ أزمنة متطاولة، فخرجت القيادة من أيديهم إلى أيدٍ لا تحسن القيادة، أو تحسنها في سبيل غير سبيل الدين ومدار غير مداره، فانتهت الأمة بقيادة هؤلاء إلى ما ترون وتشهدون، وليس ما ترون وتشهدون بالذي يرضاه الله ودينه، أو ترتضيه الحياة الشريفة. جرّبت الأمم الإسلامية- بعد الصدر الفاضل- أنواعًا من القيادة، فما أوقعتها إلاّ في المهالك والبلايا، وما كانت عواقبها إلّا عقوبات، وقد أفلست جميع التجارب، واستشرف المسلمون إلى هداةٍ وحُدَاةٍ من علماء الدين يستردون ما أضاعوه من سلطان، حتى يردّوا هذا السواد المنتشر المتخبّط في داجية من الضلال في الدين والدنيا، إلى الحظيرة الجامعة والقلعة المنيعة، وإن الاسترداد لهذا الحق الضائع لَأقرب منالًا إذا اجتمعتم مثل اجتماعكم اليوم، وفكرتم في المسألة حق التفكير، وإن في زمنكم وأحداثه وفي أمتكم وتجاربها لَأَعوانًا لكم على تقريب الغاية وصدق الآية. إنّ في العالم الديني الموفق شمائل من الدين ونفحات من روح الله وآثارًا من قوته، وفي الإسلام القوّة والرحمة، والعدل والحكمة، والصدق والنصيحة، والعفة والأمانة، والإيثار والتضحية، وهذه- لعمركم- هي جوامع المؤهلات للقيادة حتى في هذا الزمن الطافر، وفي هذا العالم الكافر، وقد أصبحت الأمم التي جافت الدين وصدت عنه تلتمس شعاعه تهتدي به في ظلمات الحياة، وأسبابه لتعتصم به من هذه السيول الجارفة من الآراء والأحداث، فكيف بأمة لم تنقطع بينها وبين دينها الأسباب. اجعلوا من بعض أعمالكم في هذا المؤتمر استعادة سلطان الدين على النفوس وفي قيادة الأمة بزمام الدين، فإن في تقوية النفوذ الديني تقوية لسلطانكم على الأمة.

стр. 722

أيها الإخوان: إن للثقافة الإسلامية ماضيًا مشرقًا وحاضرًا مظلمًا، فهل لكم يا أنصار الثقافة أن لا تقصروا جهودكم وأبحاثكم على ماضيها، وهل لكم أن تعطوا مستقبلها الحظ الأوفر من عنايتكم، فتخطوا لمستقبل الثقافة الإسلامية معالم جديدة يهتدي بها الجيل الجديد. إن هذا الجيل الجديد من أبنائنا واقف في مفترق طرق لا يدري أيها يسلك وقد فتح عينيه على زخارف تستهوي من الثقافة الغربية، وقد أصبحت هذه الثقافة أقرب إلى عقله وذوقه لما مهّد أهلها ودعاتها من المسالك إلى النفوس، ولما تنطوي عليه من المغريات والمعاني الحيوانية، ولما فيها من موجبات التحلل والانطلاق، ولما تزخر به من الشهوات وحظوظ الجسد، ولما يشهد لأهلها من شهود العلم، وهو يفتح عينيه كل يوم منها على جديد. أما الثقافة الإسلامية التي هي أحق به وهو أحقّ بها فقد أصابها من الجمود والركود ما جعلها بعيدة من عقله، غريبة عن ذوقه، نافرة من إحساسه، وما ذلك كله إلّا من سوء ما صنع الأب، وما صنعت الأم، وما أثّر الكتاب، وما طبع المعلّم، وما اقترف المجتمع، حتى أصبح الناشئ يحتقر أبويه، ويستحي من جنسه، ويسخر من دينه، وما بينه وبين أن يتنكّر لهؤلاء جميعًا إلّا أن يطلع على شيء من آداب الغرب، أَوْ يُلِمَّ بشيء من لغات الغرب ومجتمعات الغرب. إن المظهر البارز للثقافة الإسلامية هو كتبنا وعلومنا ومناهج الدراسة عندنا وأساليب البحث وطرائق التربية، ومن الكذب على الله وعلى الحق أن نزعم أن الكتب التي ندرسها، والمناهج التي نسلكها تحقق المعنى العالي للثقافة الإسلامية. وإن الثقافة، إذا تحقق معناها العرفي الواسع مسايرًا لمأخذها اللغوي الضيّق، تلابس النفوس، وتتغلغل إلى المكامن، وتدبّ إلى السرائر، فتجتث من الفرد أسباب النقص ومن الجماعة آثار الركود، وتفيض على الجميع روح الحياة، يصبحون بها صالحين للحياة. وإن أكبر امتحان تمتحن به الثقافة الإسلامية في أدوارها الأخيرة أن نقتطع في تاريخ الإسلام صحائفه الأخيرة، وهي خمسة قرون ونصف قرن وننظر ماذا تحدر إلينا من أهلها من الآثار والأعمال، وقد نجد عشرات الألوف من المؤلفات، أقلّها السمين، وأكثرها الغثّ، فتكون النتيجة أننا أضعنا خمسة قرون ونصف قرن في الأقوال من غير أن نعمل شيئًا. هذه الآثار القولية ظاهرة في الشروح والحواشي والتعاليق المملوءة بالجدل اللّفظي العقيم، فأين الآثار العلمية في هذا الانحطاط المريع في الأخلاق، وهذا الزيغ الملحد في العقائد، وهذا الوهن في العزائم، وهذا الاستسلام الذي أفضى بنا إلى الاستعباد.

стр. 723

أيها الإخوان: أعيذكم بالله وبشرف الثقافة وبروح الجدّ من عصركم أن تهتمّوا بالماضي دون الحاضر أو بالحاضر دون المستقبل. صِلوا مستقبل الثقافة الإسلامية بماضيها البعيد، واقطعوا من هذه السلسلة الطويلة عدّة حلقات هي هذه القرون الخمسة، فلا تمروا بها إلاّ للعظة والاعتبار، إذْ ليس فيها ما يُشرِّف ولا ما يحسّن سمعة المسلمين. ستفترقون غدًا وسيقول الناس عنكم ما يقولون، فاحذروا أن يقولوا عنكم بعد الآن ما كانوا يقولون: إنهم قوّالون، وإنهم مازالوا حيث كانوا وكان أسلافهم الأقربون، يقولون كثيرًا ولا يعملون شيئًا، وإن عالَم العمل لم يعرف لعلماء الدين منهم فضيلة إلّا التلقيب "بصاحب الفضيلة". ان من ورائكم ومن بين أيديكم وعن أيمانكم وعن شمائلكم عالَمًا عرف المؤتمرات، وعرف كيف يستفيد منها، وعرف كيف يجعلها أداة للأعمال ووسيلة إلى المفيد، وانهم يرقبونكم بالنظر الفاحص والفكر الناقد، فاعرفوا كيف تدفعون هذا الازدراء. لا تفترقوا حتى تقرروا إعادة هذا المؤتمر وتجعلوه سنّة سنوية، وأن يكون الحديث عليه ملء النوادي وشغل الألْسنة، واجعلوه كالشمس لا تغرب اليوم إلّا تشرق غدًا، ولا تغيب إلّا تترك الشوق والانتظار. وهاتوا الحديث عن منابع الثقافة الإسلامية في عصركم الحاضر: الأزهر والقرويين والزيتونة ومعاهد الشام والعراق والهند. إنها محتاجة إلى الإصلاح، وإنها مفتقرة إلى التوحيد، وإنها في حاجة إلى التوجيه الصالح.

стр. 724

في حفل ختام السنة الدراسية بمعهد عبد الحميد بن باديس تقديم عبد الرحمن شيبان ــ بعد أسبوعين كاملين قضاهما أساتذة المعهد الباديسي في امتحان دقيق للتلامذة، ختم ذلكم النشاط العلمي العظيم باحتفال استعرضت فيه نتائج الأعمال الدراسية التي قام بها المعهد خلال السنة الثانية من عمره الزاهر الميمون. ففي يوم الثلاثاء ١٨ شعبان ١٣٦٨ و ١٤ جوان ١٩٤٩ ازدان فناء المعهد بأعيان قسنطينة على اختلاف طبقاتهم: ورؤساء شُعَب جمعية العلماء، وعدد من معلّمي مدارسها من مختلف نواحي العمالة القسنطينية، وهيأة مدرسة التربية والتعليم، وجمهرة من طلبة المعهد، وأساتذتهم، يتصدّر الجميع الشيخان الجليلان: فضيلة الأستاذ العربي التبسي مدير المعهد، وسماحة الأستاذ محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء. افتتح الاحتفال على الساعة العاشرة صباحًا بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم ... وإثر ذلك قام جناب المدير الجليل الشيخ التبسي فرحّب بالحاضرين شاكرا لهم تلبيتهم للدعوة ثم قال: بهذا الاحتفال يكون المعهد قد اجتاز سنتين من عمره، وهي مدّة قصيرة في زمانها، لكنها عامرة ضخمة بنتائجها، فلقد بلغ عدد التلامذة الملتحقين بالمعهد نحو سبعمائة تلميذ ... ثم تعرض الخطيب إلى الأساتذة الذين جلبتهم الإدارة لتدريس العلوم الرياضية والقواعد الصحية ... ثم انتقل الخطيب إلى ذكر ما يجب على الأمة أن تقوم به نحو المعهد الذي هو مؤسستها الدينية والقومية الكبرى ... ثم دعا الخطيب الأمة إلى محاسبة جميع العاملين في الحقل الوطني العام، فقال: يجب على الأمة أن تضرب على يد كلّ من تسوّل له نفسه الأثيمة بأن يعبث بحركاتها العلمية أو السياسية أو الاقتصادية، فكفانا ما قاسينا من كيد الدخالين، وما تجرّعنا من غصص العابثين ... وختم مدير المعهد خطابه العامر بقوله: انتهى ما أردت أن أقول لكم، وأما ما تأخذونه بين أيديكم فكلام الشيخ، وهو يشير- بكل تواضع وإخلاص- إلى الإمام الثاني للنهضة الإصلاحية، الأستاذ الرَّئِيسُ محمد البشير الابراهيمي، وهنا سرتْ في نفوس الحاضرين "هزّة" انبعثت من روح الأستاذ الرَّئِيسُ إعلانًا منه (بالإلقاء) واستعدادًا من الحاضرين (للتلقّي)، وما هي إلّا لحظة حتى وجدنا أنفسنا سابحة في روض فلسفي أدبي، تحفّ به النضرة والخصوبة من كلّ جانب!

стр. 725

ثم ماذا؟ لا أكاتمك يا قارئي العزيز، فقد حاولتُ أن ألخص لك ما يمكن لي تلخيصه من كلام الأستاذ الرَّئِيسُ، لكن تحليق روحي وراء المعاني الفلسفية الأدبية السامية التي "يرسلها" الخطيب في كلام فني رائع كبّل يدي وأنساني "مهمتي" كمدوّن لما يجري في الاحتفال، على أني لا أضنّ عليك ببعض ما علق بذهني من تلك الشدور والزهور. قال حضرة الرَّئِيسُ وهو يتحدّث عن فصل الصيف: ما أغرب فصل الصيف، وما أعظم شأنه بين الفصول! يفاخره الربيع بأنه الفصل الذي تبعث فيه القوّة، وتندفع فيه الحياة، وأنه الفصل الذي تهواه النفوس ويتغنّى به الشعراء، فلا يأتي بشيء! ويفاخره الشتاء بأنه الفصل الذي "تكمن" فيه الحياة، وتستتر فيه القوّة، فلا يأتي بشيء! ويفاخره الخريف بأنه فصل الخزن والادخار، فلا يأتي بشيء! ذلك لأنّ أمر الصيف أبعد من كل ذلك مدى، وأعمق صدى، فهو الفصل الذي يتحاسب فيه العامل والبطال، فيفور العامل بجني الثمرة، جزاء كدّه وجدّه، وينقلب البطال بالحسرة والندامة، جزاء تقاعسه وتكاسله. وأعجب من ذلك أنّ الصيف فصل "حساب" عام لما يجري في العالمين المادي والأدبي على السواء، ففي الصيف يحصد الفلّاح ما بذر في الحقول، وفيه يحصد المعلّم ما بذر في العقول، فكل من الفلاّح والمعلّم زارع، هذا يزرع العلم وذاك يبذر الزرع، وكلاهما يترقّب هذا الفصل، وهنا محلّ السرّ والاستغراب! ثم أخذ الأستاذ الرَّئِيسُ في شرح المعنى السامي للامتحان فقال: ما الامتحان إلّا استعراض للمواهب، ووزن للجهود، فبواسطته نعرف مكانة التلميذ من الذكاء ومقداره من التحصيل ... إن الأمم تتخذ من الامتحان معنيين رمزيين هما: التوديع والاستقبال، فالامتحان توديع لحياة قديمة هي حياة السنة الدراسية التي مضت، واستقبال لحياة جديدة هي حياة السنة الدراسية التي تأتي. والحياة كلّها ما هي إلا سلسلة من المراحل، كلما قطعتَ مرحلة جاءت أمامك مرحلة أخرى، والعاقل مَن ينظر دومًا إلى المستقبل، ولا يلتفت إلى الماضي إلّا على وجه الاتّعاظ والاعتبار. ثم كأني بالأستاذ الرَّئِيسُ يريد أن يشرح السرّ في النتائج الباهرة التي أسفر عنها نشاط المعهد فقال: إنّي أشهد الله صادقًا أن النتيجة كانت سارّة جدًّا. لماذا؟ لألها مبنية على الحق والصدق أوّلًا، ولأنها ثانيًا وليدة أمور ثلاثة هي: حزم الإدارة، ونشاط الأساتذة، واجتهاد الطلبة. إن مجموع هذا وذاك هو الذي فاجأنا بهذه النتيجة الباهرة! وحاشا المعهد أن يقدّم للأمة نتيجة مزيفة، زيادة أو نقضا، فإنّ ذلك لا يفعله إلّا الغاشّ الماكر. ثم تعرّض الرَّئِيسُ إلى فضل المعهد على تكييف الطلبة تكييفًا موحّدًا في الغاية والاتجاه، منسجمًا في المظهر والسلوك، وإنْ كانوا من قبل لفي اختلاف مبين في الأخلاق

стр. 726

والميول والأهواء، ومضى في هذا السبيل يقول: وإذا ما وجد بالمعهد شذوذ في بعض الأفكار فإن ذلك مما يرفع من شأنه لأنّ الشذوذ للقواعد العلمية ما هو إلّا دليل على صحّتها. ثم توجّه الرَّئِيسُ بكلمة توجيهية حكيمة إلى رجال التعليم عمومًا فقال: إن أعمالكم أعمال فكرية أدبية، فلا تتركوا للسلطان المادّي مجالًا للتسرّب إلى محيطكم، حتى لا يعبث بإيمانكم، ويحبط جهادكم، بل الواجب أن تكون علاقاتكم بعضكم ببعض، وعلاقاتكم بمهمّتكم الشريفة، علاقات روحية، أسمى ما تكون الروحيات، ظاهرًا وباطنًا، فبذلك تستطيعون أن تؤدّوا رسالتكم العظمى التي هي: بناء الحق وهدم الباطل! ... ثم ختم الرَّئِيسُ الجليل خطابه، مؤكّدًا ما كان لاحظه فضيلة المدير، من احتياجنا الماسّ إلى العلوم العصرية، فقال: إن لكل عصر سلاحه، فلنتقدم لعصرنا بسلاح عصرنا، فإن العلوم التي عندنا لا تكفي، ولا يقول خلاف ذلك إلّا جهول أو جحود، فإنّ سلفنا الصالح لم يقتصر على العلوم الدينية وحدها، إلّا مع التحقق بأنّ لكل ميدان من ميادين حياتهم، رجاله القائمين بشؤونه، فنحن إذا أردنا الحياة فلا مناص لنا من الجدّ في طلب العلوم التي بها تكون الحياة.

стр. 727

محمد خطاب الفرقاني * كتبنا عن هذا المحسن الفذ كلمة في العدد ٨٦ وفصلنا القول في مبراته للعلم، شكرًا لها بالإظهار وتقديرًا، وحملًا لغيره على الاقتداء به والتأسّي، لا مدحًا لشخصه، فهو عندنا في منزلة فوق ذلك، ولا استدرارًا للمزيد من برّه، فالرجل جار في البر على طبع أصيل، وأضيع شيء قولك للأسد أشجع، وللنجم اطلع، وإنما نحن قوّامون على العلم، مؤتمنون على حركاته القائمة، فمن البرّ به، البر بمن يحسن إليه، ويعيننا عليه. وإن هذا العدد الخاص بالمعهد الباديسي لأدنى إلى هذا المحسن الكبير، وأليق بتخليد اسمه، ورفع ذكره، فلم يزل- حفظه الله- يشيد بالمعهد من يوم تأسيسه، ويعدّه- كما هو في الواقع- غرة أعمال جمعية العلماء، ويتعهّده بالدعاية الحسنة، والرعاية النافعة، ويخصّه بالقسط الوافر من مبرّته السنوية، وله- بعد ذلك كله- رأي صحيح في حياته واستمرار سيره يوافق رأينا، وأمل واسع في وسائل ترقيته يطابق أملنا، وستحقّق الأيام ذلك الأمل، فإن وعود المحسنين أمثاله كالقبض باليد. ولهذا المحسمن البر صلة روحية متينة بإمام النهضة المبرور الأستاذ الرَّئِيسُ عبد الحميد ابن باديس، كانت تحمله على زيارته إلى قسنطينة على بعد الدار، مع صلات من البر للمشاريع كصندوق الطلبة إذ ذاك. وله كذلك صلة ود واعجاب بمدير المعهد الأستاذ الشيخ العربي التبسي، انضاف إليها حب للمعهد وإعجاب به. فتجشّم زيارة الأستاذ المدير في المعهد في أواخر شهر جوان الماضي، وطاف بأقسام المعهد ورأى بعينه بعض مواقع إحسانه، وتفاوض مع الأستاذ المدير في شؤون المعهد وحاضره ومستقبله، واجتمع المحسن بماله والمحسن بعلمه على القربى في الخلال، والاستعداد للكمال، والامتداد في الآمال. وخرج الزائر الكريم مزهوًا فخورًا بأن

стр. 728

يكون لوطنه ولقومه من حصون العلم مثل هذا الحصن، وأن تكون له يد في وضع أحجاره وتعمير حجراته، محدثًا عن مشاهدة وعيان، مؤمنًا بأنه أصاب موقع الصنيعة. ومما فاتنا ذكره في المقال السابق عن هذا المحسن نكتة تتباهى بها الأمم التي بلغت في الإحسان إلى العلم شأوًا مغربًا، وهي أنها لا تقف به عند الحدود الإقليمية الضيّقة، بل تتسع فيه اتساع العلم وتجعله كالمطر، لا يبالي أين وقع، ما دام ينفع حيثما وقع. وأخونا خطاب من ذلك الطراز الذي لم يقف بإحسانه عند حد، فله على الطلبة الجزائريين المهاجرين إلى القرويين آثار من الإحسان على يد الجمعية الجزائرية المكوّنة من إخواننا الذين شرفوا وطنهم الجامع أينما حلّوا، وله على إخوانهم الزيتونيين مثل ذلك، وله على المؤسسات العلمية في الجزائر ما بينّا بعضه للقرّاء في المقال السابق. إن هذا الصنيع- لعمر الحق- من هذا المحسن لخطوة في التقريب بين الإخوان، والتقارب بين الأوطان، وهي الأمنية التي عمل الصالحون منّا لتحقيقها، فمنهم من قضى نحبه متحسّرًا على فوتها، ومنهم من ينتظر تحققها. ألا إن الثناء على محمد خطاب ثناء على جميع المحسنين إلى المعهد، لأنه رمزهم الأعلى، فلكل محسن حظه من هذا الثناء وإن لم يذكر اسمه، لأن الإحسان كالحرفة، ومن مدح حرفتك فقد مدحك، وإن لم يعرفك، فلا يظنن إخواننا في الحق وأعواننا على الخير، أننا نسيناهم أو بخسناهم حقّهم. وسلام على أخينا خطاب في المحسنين، وسلام على إخوان لنا في المغرب وتونس يعملون لنشر العلم متعاونين. ويسعون لتوحيد وسائله وآثاره جاهدين.

стр. 729

" البصائر" في سنتها الثالثة * بهذا العدد دخلت "البصائر" في سنتها الثالثة من طورها الجديد، أو من سلسلتها الثانية مستعينة بالله متوكلة عليه، مستعيذة بالمعوذات من كلامه، تستدفع بها كيد الكائد، وحسد الحاسد، وطغيان المتحكّم، وتستجلب بها من روح الله نفحات تنعش الفكر، وتسدّد القلم، وتمسح عن النفس الكلال والسأم. تستأنف "البصائر" بهذا العدد مرحلة من مراحل جهادها في سبيل العروبة والإسلام، ولكنها مرحلة متّصلة الأسباب بما قبلها، ملتحمة الحاضر بالماضي، فميادين العمل في جميع المراحل واحدة، والعقيدة التي تعمل لها "البصائر" واحدة، والخصم واحد، وان ظهر في كل ثنية بشبح، وتلوّن في كل مطلع بلون، وحلّ في كل قضية بعون. قطعت "البصائر" حولين من شبابها نامية مترعرعة- على كثرة ما لقيت من عوائق النمو- في جهاد للظلم مستمر، وجلاد مع المبطلين مستحرّ، بعدما قطعت أحوال صباها في التمرّس على الإقدام، والارتياض على الاقتحام، والتعوّد على الصراع والقراع، وهي في حالي صباها وشبابها ثابتة الخطى، واضحة المنهج، لم تزلّ لها قدم بعد ثبوتها، ولم تزغ لها في الحق بصيرة ولا بصر، ويسّرها الله لما خلقت له، فما نبا لها في معضلة رأي، ولا كبا بها في معترك فكر، ولا هفا لها في فتنة حلم. واجهت "البصائر" في هاتين السنتين أحداثًا مثيرة، في ميادين كثيرة، فجال فيها هذا القلم جولات موفّقة، ان اخطأه في بعضها النجاح الذي يعرفه الناس، فلم يخطئه الإخلاص الذي يعلمه الله، والصدق الذي يحبّه الله، والنصح الذي يأمر به، وان العامل المخلص ليبوء بنجاحين، أحدهما مضمون، وهو إرضاء الله، وارضاء الضمير الذي هو وازع الله في نفس المؤمن.

стр. 730

عالجت "البصائر" في مستهلّ سنتها الأولى قضية الأحزاب وهي الفتنة التي مزّقت الشمل، وصدعت الوحدة، وأفسدت ما صلح من ضمائر الأمة، ونفخ فيها الاستعمار من روحه، فحاربت الحق بالباطل والحقيقة بالخيال، ووقفت عرضة للتعليم العربي الديني الذي هو الزاد الروحي لهذه الأمة، فبيّنت "البصائر" النهج القاصد، ونصحت المخطئ، وفضحت المريب، واشتدّت لحكمة، ولانت بحكمة، فلما أدّت حق الله، وأمانة النصح، وكلت الأمر إلى الزمن، وتركت سنن الله تجري في أعنتها وما زالت هذه السنن تري المبصرين صدق "البصائر". وجاءت قضية فلسطين تتابع أدوارها الأخيرة المزعجة، ولفلسطين على كل مسلم حق، وفي عنق كل عربي عهد، فقامت "البصائر" ببعض الواجب على مسلمي الجزائر، وكتبت تلك المقالات التي قلّما كتبت صحيفة مثلها، ونعت على العرب وملوكهم تواكلهم وتخاذلهم واغترارهم، وأنذرتهم سوء المصير، فلما وقعت النكبة التي سجّلت على المسلمين خزي الأبد، ووسمت العرب سمة الذل التي لا تُمْحَى، جفّ الريق والمداد، وأغضينا الجفون على القذى، وفي النفس من الحزن لواعج، وفيها زفرات مكبوتة، لا تكون- إذا انفجرت- من باب: أوسعتهم سبًا وراحوا بالإبل. وإنما تكون صرصرًا عاتية على أمراء العرب وكبرائهم الذين لم يأكلوا تراث العروبة ولكن أضاعوه، ولم يحفظوا مجد الإسلام بل باعوه، وتكون حربًا على هذه الأخلاق الدخيلة على الدم العربي التي هيّأته للذل والعبودية والهوان. وما زالت هذه الزفرات تعتلج وتتصاعد، حتى انبرى كاهن الحي لنقد ملوك العرب وأخلاق العرب بأسلوله الذي رجع بالعربية إلى عهود الجاهلية. فقضى بعض الحق وشفى شيئًا مما في النفس، وقد أخبرنا الكاهن بأن للكهانة فترات قسرية، وأنه سيجول- حين يعاوده نجيه- في أقطار العرب، ويتناول قادتهم وعلماءهم بما هم أهله. إن تلك العاقبة الشنعاء لقضية فلسطين يعود وزرها على ملوك العرب وحكوماتهم وأحزابهم، وأنهم لا يعذرون فيها ولا يستعتبون، وأن كارثة المشرّدين هي العورة التي لا توارى في الجسم العربي، وهي الفضيحة السوداء في تاريخهم، وأن ويلات اللاجئين كلها مكتوبة في صحائف أولئك القادة والأمراء ... وسيتقاضى من كتبت له الحياة من أولئك اللاجئين ثأرهم من قادة العرب وأمراء العرب. وويل للطاعمين الناعمين من الجياع الظماء ... أما السنة الثانية التي سلختها "البصائر" بالأمس فقد كانت قضيتها الشاغلة هي: التعليم العربي، وفصل الدين عن الحكومة. وقد حملت "البصائر" في الأولى الحملات الصادقة، بتلك المقالات الفاضحة وأبلت في الثانية بما فيه البلاغ. وما زال هذا القلم بليلًا بمدته، ينتظر انقطاع القواطع ليعود إلى الميدان. وإذا كانت القضيتان واقفتين حيث وقف القلم، فما

стр. 731

ذلك بمانعنا من أداء الواجب، ولا مثبطنا عن مواصلة الكفاح. وان لتصامم الحكومة عن كلامنا، وتعاميها عن حقّنا لحدًا تنتهي إليه، وإننا لا نملّ حتى تمل. ... أصابت هذا القلم فترات في أثناء السنة الماضية سببها كثرة الأعمال المرهقة والرحلات المتواصلة في سبيل المعهد والمدارس، وليس من أسبابها المرض الذي أقعد صاحبه شهرين وزيادة، فلقد كان ذلك المرض أجدى على "البصائر" من العافية والسلامة، ففي أيامه وعلى فراشه كتبت عشر مقالات في معاملة الحكومة للتعليم العربي، حتى سمّاه الأستاذ التبسي "المرض المنتج" وقال لبعض من ثقلت عليه وطأة تلك المقالات من صنائع الحكومة ما معناه: إني لا أرضى للإبراهيمي أن يشاك بشوكة ولكن هذه المقالات حبّبت إلي طول مرضه مع سلامة العاقبة. تألّم القرّاء لتلك الفترات، فوافتنا رسائلهم تشكو وتعتب، وامتعض لذلك المعجبون باستهلالات "البصائر" من إخواننا الشرقيين، وساورتهم الظنون التي يجسّمها بعد الديار، وانقطاع الأخبار، فكتبوا يسألون يستفسرون. وحرن الكاهن (لا بارك الله فيه) فكأنما كنّا في الفتور على ميعاد، وخلا في "البصائر" ثغر من ديدبانه، وجلا من فرسانها فارس عن ميدانه، ولولا عزمة من "أبي محمد" تنهل ديمة (١)، وتبرق ولافا (٢)، ولولا إكباب منه لا يعرف الإغباب، في الأفق الذي خصّص له قلمه، ولولا عزيمة أخرى في العهد الأخير من "أبي عزيز"، لخف وزن "البصائر"، وجف رونقها. وهذا القلم الذي لا يزدهيه إعجاب المعجبين، لا يقصر- إن شاء الله- عن مدى في خدمة العروبة والإسلام، ما احتضنته الأنامل، وما أرضعته الدُّوِيّ، وأنه ليشكر أولئك القرّاء المتألمين من احتباس جريه، ويقول لهم: إنه لا يسكن إلا ليتحرّك لسان صاحبه في خدمة العلم، وتتحرّك قدماه في ميدان العمل. ... وجر بعدي عن "البصائر" وقوع هفوات فيها ما كانت لتقع لو كنت قريبًا منها، كما جر ذلك البعد شيوع الأخطاء المطبعية وتصحيح الجريدة نصف الجمال فيها. وأنا أتأسف لذلك وإن كان وقوعه عن غير قصد من القائمين عليها.

стр. 732

وسبب ذلك البعد تقصيرًا في حقوق الزميلات المبادلة من التقريظ والإشهار، وفي حقوق بعض الإخوان الذين تلطفوا بإهداء مؤلفاتهم، وإن حقًا علي أن أذكر بالخير مجلات العرفان، والجامعة العربية، والْمُعَلِّم العربي، والتمدّن الإسلامي، والشرق، والعالم العربي، ولواء الإسلام، والمعلم الجديد، والعصبة الأندلسية، والشعاع، والمجلة الإسلامية (بالإنكليزية). أذكر هؤلاء بالخير، لأنهن بادرن فبادلن، وان لم يصلنا من الواحدة في السنة إلا بعض الأعداد، لاختلال في البريد أو اختلاس من عامل مريد. كما أذكر بالعتب مجلات بادلناها فلم تتنزّل للمبادلة، وجاملناها فأبت الإجمال في المعاملة، ومنها مجلة الرسالة المصرية مع إجلالنا لها ولصاحبها، ومجلة المستمع العربي. ولست أنسى يدًا لإخوان الصدق وأنصار البيان علي، لست أنسى ذلك الأخ النجفي الذي بالغ فوصف "البصائر" بأنها أرقى جريدة في العالم العربي من المحيط إلى الخليج ولا ذلك الأخ البصري النابت في معدن اللسان، الذي أطرى "البصائر" بما أخجل من ذكره، ولا ذلك الأخ المسلم اللاهوري الذي أثنى وأشاد، ولا ذلك العربي البرازيلي الذي قرّظ "البصائر" في جريدة إسبانية اللغة أبلغ تقريظ وصوّر ديباجتها، ولست أنسى الأستاذ محمد علي الطاهر الذي أنصف فيما وصف. لست أنسى هؤلاء ولا غيرهم من أهل الفضل الذين لم تحضرني حتى نسبهم في هذه اللحظة. أما عالم الشام الأخ الوفي الشيخ محمد بهجة البيطار فإنني أنشر رسالته في هذا العدد وإن طال عليها الأمد لما فيها من تغنٍ بأعمال جمعية العلماء، ولو كنّا من عشّاق الإطراء لنشرنا من رسائل المعجبين ما يغيظ الحاسدين. ... هذه لمحة دالّة على منزلة "البصائر" عند صاغة الكلام، وهدى الله أبناءنا الكتّاب، وأُدَباءَنَا الغضاب، الذين نحرّكهم إلى الكتابة والقول، فكأنما نحرّك منهم صخرة صفاء. فإذا بضوا بقطرة تجنّوا، فإذا خلوا إلى أنفسهم تمنّوا، ولو عافاهم الله من داء الغرور لعلموا أن الكتابة في "البصائر" سلّم إلى المجد، وذريعة إلى الخلود. ولفهموا أن الأديب الحقّ فيه من السماء مسحة الصحو، وعليه من السماء صبغة الصفو، وأن طبع الأديب من طبع الماء: سائل، جار، متفجّر، فإذا قيل للماء: سل، وللغصن: مل، فقد غبنت الحقائق. على أن أبناءنا هؤلاء- عفا الله عنهم- ليسوا من ليل الحياة في سحره، ولا من رييع الأدب في زهره، فما ضرّ لو ركبوا الأناة إلى الكمال.

стр. 733

رفع إيهام * في المقال الرابع من مقالات "فصل الدين عن الحكومة" والمنشور بالعدد ٨٨ كلمة حَمَلَها بعض الناس على غير المقصود منها عندنا، وأوَّلوها تأويلًا لم يخطر لنا على بال، ولم يهجس لنا به خاطر. تلك الكلمة هي قولنا في تعداد الجهات التي تسخّرها الحكومة لإبقاء ما كان على ما كان في القضية الدينية: "وأشياع من الزملاء والمنتدين"، ففسَّروها بجهة نَعُدُّها في المهتدين لا في المعتدين. والواقع الذي يعلمه منا عالم الغيب والشهادة أن الذي خطر ببالنا حين جرى القلم بتلك الكلمة هو ناد "ممتزج "، وُضع من أول يوم على ظاهر من الجمع، وباطن من التفريق، وعلى مقاصد مبيتة من الشر والكيد للإسلام والمسلمين، فهو مكمن للاستهواء يحمل اسم النادي، كما حمل مسجد الضرار اسم المسجد، وكانت بَلَغَتْنا عنه هنات من الآراء في قضيتنا الدينية، وبلغتنا عن بعض رجاله إعدادات لها، واستعانات ببعض زملائه عليها، وبَلغنا عن بعض ذوي الدخائل السيئة أن له تهافتًا عليه، وتمرّغًا بأعتابه، يبتغي به الوسيلة إلى بلوغ غرضه، وبَلغنا في الأخير أنه أصبح كعالم المثال عند بعض الحكماء المتألهين، يتنزل إليه الرفيع، ويرتفع إليه الوضيع، وما كان كذلك إلّا لأنه وُضع لذلك، فقرَّب ذلك كله من أذهاننا المعنى الذي قصدناه به، ولم ينقص من قيمته عندنا حالته الحاضرة، وانه متردّد بين الحياة والموت، فذلك شأن هذه المشاريع الموضوعة لمعنى: تؤسَّس للضرر والضرار، وتدخر لوقت الحاجة.

стр. 734

هذا هو الذي قصدنا، فإن كان في الكلمة خفاء في الدلالة، فليس فيها بعد من السياق، وإنْ كان فيها موهم من الاشتراك اللفظي، فليس لتأويلها شاهد من الواقع. نرجو من المؤوّلين أن يعلموا أننا ممن يفرق بين الحق والباطل، وأنه لا خصم لنا في القضية الدينية إلّا الحكومة ومَن اتخذته من المضلّين عَضُدا، أمّا العاملون لتحرير الدين، والساعون في إرجاع الحقّ إلى أهله فهم إخواننا وأنصارنا.

стр. 735

المعهد والمدارس * المعهد الباديسي المعمور هو الحجة الناهضة الناطقة بفضل جمعية العلماء، وهو الميثاق المعقود بينها وبين الأمة. فمن قصر في نصيبه من العمل له فعليه التبعة، وعلى هذا تواثق الطرفان تواثقًا ضمنيًّا، أيده واقع الحال وشاهده، حتى أصبح الناطق منا والساكت سواء في لزوم العهد، وعمارة الذمة. يدخل المعهد في سنته الثالثة من عمره الطويل- إن شاء الله- في الوقت الذي عيناه لافتتاحه في العدد الماضي، وهو يوم ١٥ أكتوبر وسيواجه هذه السنة الجديدة وتكاليفها الثقيلة، بعزم ثابت، وإيمان متين، مستعينا بالله، واثقًا بالأمة الجزائرية المسلمة، مسورًا بالسور الكلي من عقولها وضمائرها، جادًا في تبليغ الأمانة، وأداء الواجب، محفوفًا بالزمرة المختارة التي صدق فيها الاختيار، وأيده الإلهام من مديره المستكمل لأدوات الإدارة، إلى مشائخه، إلى اللجان العاملة في جميع فروع العمل. ... يقوم المعهد على قواعد متناسقة، لو اختلت منها واحدة ظهر الخلل في جميعها، الأولى: الإدارة التي وكلت إلى الأستاذ العربي التبسي، فلم توكل إلى وكل. والثانية: التدريس الذي أسند إلى جماعة قارب بينها العلم ثم قارب بينها العمل، ثم قارب بينها حزم الإدارة وجاذبيتها، حتى أصبحت كالجسم الواحد، تأتمر أعضاؤه لقلب، وتتحرك أجهزته بروح، وتسعى جوارحه بإرادة. والثالثة: فئة من أعضاء اللجان تعمل احتسابًا لوجه الله ولنشر العلم وخير الوطن.

стр. 736

والرابعة: تلامذة من أبناء العشائر الجزائرية، أخرجت المدارس الابتدائية جزءًا منها، وأخرجت البوادي والجبال أجزاء أخرى، ولكن حب العلم قارب بين أجسامهم وأرواحهم، وجمع تلك الأبعاض المتباعدة فكون منها هيكلًا، صقله حسن الإدارة فسوى منه جسمًا جميل التقاطيع ملتحم الأجزاء. والخامسة: كرام محسنون طبعهم الإسلام على الوطنية الصحيحة، وعلى وضع الإحسان في محله، وعلى بذل المال في أحسن وسيلة لنفع الوطن، وهي العلم، وفي هؤلاء السابق المبرز، واللاحق المتأخر، ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. ... والمعهد في سنته الثالثة أحوج ما يكون إلى العون والتأييد، وإلى مضاعفة الجهود، لتكون كل خطوة أوسع وأثبت من سابقتها، وقد كثرت أعماله فكثرت حاجاته، وحيث أنه يعتمد في كل شيء على الأمة فقد تأكدت حقوقه على الأمة، وفي كلمة مديره الأستاذ التبسي التي نشرت في العدد الماضي الخاص بالمعهد، بلاغ لقوم يعقلون. أما الأسئلة المتوالدة التي تجول في بعض النفوس، وتجري على بعض الألسنة في النظام الذي يرجع إليه المعهد في تعيين مشائخه وموظفيه، والأساس الذي ينبنى عليه ذلك في حاضره ومستقبله- فإننا نجيب أصحابها بأن ماضي المعهد وحاضره بنيا على ما اقتضته الظروف المستعجلة، إذ كان تكوين المعهد من أساسه أعجوبة من أعاجيب الفجاءة وكان أمره دائرًا بين اثنين: كاتب هذه السطور بحكم منصبه في جمعية العلماء ومنزلته في الأمة، والأستاذ التبسي بحكم مقامه العلمي، ومكانته في الشعب، وقيمته العملية عنذ إخوانه العلماء، ومع ضيق دائرة التكوين، فإن كل شيء وضع في محله بلا محاباة ولا اجحاف، وقد صرحنا في أوائل السنة الماضية بأن المعهد مستقل في إدارته، ويجب أن يكون كذلك حتى يبعد عن مهاب الأهواء، وحتى تتمكن إدارته من وضع الأسس الصالحة للمستقبل بالتدريج، وما زلنا نعد من توفيق الله للمعهد ومن آيات عنايته به إسناد إدارته إلى الأستاذ التبسي، فليطمئن المتسائلون والمشفقون على المعهد فإن المشرفين عليه غير غافلين عن هذه النقطة، وان الإدارة ساعية في وضع كل شيء على الأساس الصحيح حتى يعمر المعهد بالكفاءات، ولا يضيع حق ذي حق فيه، وإن الجهاز الحالي من المشائخ المدرسين وغيرهم من الموظفين- كلهم من أعضاء جمعية العلماء الإداريين أو العاملين، وكثير منهم من بواكير الحركة وأولي الأيدي في تسييرها، وكلهم خاضعون لأوامر الجمعية، منفذون لبرامجها، ومعاذ الحق أن تذود الجمعية ذا حق عن حقه، أو تحابي أحدًا دون أحد، أو تبني المعهد- وهو أشرف أعمالها- على أساس من الاحتكار لا يأتي بخير.

стр. 737

إن إقرار النظم ليس بالهين، وإننا- إن شاء الله- لا نضيع لحظة في غير طائل، وإن من أوكد أعمالنا إقرار نظام المعهد على قواعد ثابتة، أرسخ مما يقدر المقدرون، فليتأن المستعجلون، وليصبر المتطلعون وليقصر المتشائمون، فإننا للخير عاملون، وفي الإصلاح مجتهدون، وعلى الله متوكلون. والمدارس أتمت لجنة التعليم العليا أعمالها في أسابيع متواصلة الأيام بالليالي فوزعت المعلمين على المدارس على صورة تجمع بين مصلحة المعلم والمدرسة والجمعية المحلية، مستندة في ذلك على تجارب السنة الماضية، وعلى الملفات الخاصة بكل مدرسة، وعلى الملاحظات المتجمعة من المفتش ورؤساء الشعَب ورؤساء الجمعيات المشرفة على المدارس، وقد اجتهدت اللجنة ما وسعها الاجتهاد، وقاربت بين النظريات المتباعدة. ثم عاودت النظر في البرامج واللوائح وأكملت النقائص الموجودة في القديم، وأنشأت نظمًا جديدة تقتضيها الحالة، ولا تستغني عنها الحركة، وعرضت علي أعمالها بعد الانتهاء جزئية جزئية في ثلاث جلسات طويلة، فلاحظت على ما يستحق الملاحظة، ووافقت على جميع الأعمال، وقدمت شكري خالصًا طيبًا للجنة على أعمالها الجليلة. وإني أعد اللجنة قد وفقت في النتائج التي وصلت إليها، وأنها اجتهدت في النصح، وبالغت في الاحتياط، وجعلت همها الأول خير المدرسة وفائدة التعليم، ولكني- مع ذلك- أجزم بأنه يوجد في المعلمين من لا يرضى بالمكان الذي عين فيه، وفي الجمعيات من لا ترتاح إلى المعلم الذي عين لها، وأنا أقول للجميع قولة الناصح المجرب: إنه ليس في الإمكان، ابدع مما كان، وإن كل شيء كان عن بصيرة، وبعد تقليب للآراء والأنظار، فلا يتهمن مُتَّهِم بسوء القصد أو بسوء الاختيار، وإن الخير كله في التعاون الخالص بين الهيآت العاملة، وليعلم أبناؤنا المعلمون وأعضاء الجمعيات المحلية أن حركتنا قائمة على جهودنا الخاصة وتضحياتنا الخاصة، ونحن شركاء في هذا الواجب وليس واحد منا غريبًا عن الدار، أو أجيرًا عند الجار، وإنما هي واجبات نشترك في أدائها، فمن قصر فعليه وزر تقصيره. وأنا- فقد كنت أرثي وما زلت لحال أبنائي المعلمين المغتربين في قضيتي السكني والأجرة، وما زلت أجاهد في سبيلهم، وأحمل الجمعيات المحلية تبعة التقصير، وسأقوم بنفسي هذه السنة في هذا السبيل وأزيح العلل ما استطعت، ورجائي الأكيد من أبنائي جميعًا أن يعينوني- على أنفسهم- كل بما يملك. وستنشر "البصائر" في هذا العدد ما يمكن نشره، وتؤخر بقية أعمال اللجنة إلى العدد الخاص بالمدارس، وقد تأخر لاعتبارات ضرورية.

стр. 738

نفحات من الشعر الجزائري الحديث* مقدمة كتبها الشيخ لقصيدة "تحية الحجاج" للشاعر محمد العيد ــ تلم بشاعر الشمال الأفريقي محمد العيد آل خليفة في هذا العهد الأخير نوبة نفسية غريبة عن شعراء المادة، وما هو منهم ولا هم منه، وكان من آثار هذه النوبة في نفسه ايثاره للعزلة عن الناس، وهجره لقول الشعر، وكان من ثمراتها المرة للأمة حرمانها من صوت ذلك الطائر الغرد، وهي تخشى أن تحتد هذه النوبة وتشتد، فتنعكس إلى نزعة صوفية جارفة تقضي على تلك الشاعرية الجياشة بكل شاردة من الحكم الفياضة بكل بديع من القول. حرام أن تحرم الجزائر من نفثات شاعرها الفذ، وحرام أن يبقى شعر ذلك الشاعر الفحل غير مدون ولا مطبوع، ولكن من المسؤول عن ذلك؟ المسؤول الأول هو الشاعر نفسه، فقد أردناه على جمع شعره، وكفيناه مئونة التصحيح والتعليق والانفاق، فأبى وتصعب، وتفنن العذر منه وتشعب، وما ذلك في نظرنا الا أثر من آثار تلك الحالة النفسية التي أشرنا إليها. وهذه قصيدة جديدة مملوءة بالحكم، ترسلها قريحة الشاعر العبقري، في الوقت الذي يرجع فيه الحجاج من الحجاز، يهنيء فيها المستحقين بقبول التوبة وسلامة الأوبة، ويتخلص إلى أفانين من الحكمة والوصف. وليس كل الحجاج يستحقون هذه التهنئة، ففيهم من حج زورا، وعمل منزورًا، ورجع موزورًا، وأهدى بدنة فكأنما قرب زرزورا، ولكن التجليات التي غمرت الشاعر ففاضت قريحته بهذه القصيدة، هي التجليات الزمنية، فهذا الوقت هو زمن رجوع الحجاج إلى مواطنهم، بلا فرق بين المشرق منهم وبين المغرب، ولا فرق بين البر والفاجر، فهنأ

стр. 739

الحجاج ولم يهنيء العير، ونوى أصحاب الجنة ولم ينو أصحاب السعير، والدعوات المرسلة تطير إلى أهليها، والصفات المطلقة تتوزع على مستحقيها، ولا جناح على الداعي ولا على الواصف. وأن عسى أن تنجلي هذه النوبة فيعود محمد العيد إلى عهد: .............................. استوح شعرك من حنايا الأضلع وإلى عهد: .............................. حي حفلا كزخرف الروض عني فمتى تعود، تلك العهود**.

стр. 740

برقية احتجاج * ننشر هنا برقية الاحتجاج التي بعثت بها جمعية العلماء إلى المراجع العليا للسلطات الفرنسية على ما عومل به أحد أعضائها المحترمين بمدينة "تبسّة"، وهو الشيخ عيسى سلطاني، وهذا نصّ البرقية: رئيس الجمهورية الفرنسية رئيس الوزارة ونوير الداخلية ونوير العدلية جاك ديكلو، نائب رئيس المجلس الوطني شارل الويس رئيس الجماعة الاشتراكية والي الجزائر العام عامل قسنطينة ترفع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين احتجاجها على المعاملة الجائرة التي عومل بها أحد أعضائها من ذوي المكانة الرفيعة في التعليم الديني الإسلامي بإفريقيا الشمالية، إذْ سامه سوء العذاب "كوميسار" الدرك بمدينة تبسّة وأهين لديه إهانة شنيعة. وحيث ان جمعية العلماء تحيط حضرتكم علمًا بهذه الأعمال الوحشية التي تعد من طرف "الكوميسار" حملة مدبّرة ضدّ سمعة الإسلام وتعليمه، فهي تلفت نظركم إلى أن هذا الجور لا يتلاءم في شيء مع احترام الشخصية الإنسانية التى تعهد به الدستور الفرنسي، والتصريح العالمي لحقوق الإنسان. رئيس جميعة العلماء محمد البشير الإبراهيمي
следующие страницы →