الفرنسية- "بوضع نظام أساسي سوري بالاتفاق مع الأمير فيصل بن الحسين- ملك العراق لاحقًا - وقد استمرّ عمله ستة أشهر" (١٠).
ومن المعروف أن الإمام الإبراهيمي كان على علاقة طيبة مع الأمير فيصل، الذي دعاه إلى العودة إلى الحجاز للإشراف على شؤون المعارف، فاعتذر الإمام.
وقد كان ماسينيون يحقد على الإمام الإبراهيمي، لأنه كان يتصدّى لمخططاته ويكشفها، وقد وصل هذا الحقد إلى درجة لم يستطع ماسينيون معها كتمانه، فقال للدكتور جميل صليبا: "إن هذا الرجل- الإبراهيمي- من ألدّ أعدائي" (١١).
ومن منفذي السياسة الفرنسية في الميدان الديني الطرقيون المنحرفون ورجال الدين الرسميون، وفي مقدمتهم "محمد العاصمي"، الذي أنْعَمتْ عليه فرنسا بمنصب مفتي الحنفية في الجزائر، وبما أن المذهب الحنفي لم يَبْقَ له وجود في الجزائر، فقد رأى الإمام الإبراهيمي أن هذه النسبة- المفتي الحنفي- ليست لأبي حنيفة، وإنما هي لبني حنيفة، قوم مسيلمة الكذاب.
وتناولت هذه المقالات قضية التعليم العربي ومعاملة الدولة الفرنسية له ولأصحابه، وكشف الإمام في هذه المقالات نية الفرنسيين، وهي أنهم يريدون تجريد الجزائريين من "وطنهم الفكري"، كما سلبوهم "وطنهم الجغرافي"، وكما يريدون سَلْبَهم وتجريدهم من "وطنهم الروحي".
من أجل ذلك جعل الإمام التعليمَ العربيَّ شُغلَه الشاغل، وهمَّه الدائم، وكان يعتبره قضية حياة، لا بقاء للشعب الجزائري إلّا به.
وفي هذا الإطار تناول الإمام قضية اللهجة البربرية التي لم تطرح في الجزائر منذ أشرقت أرضها بنور الإسلام، رغم أن كل الدول الإسلامية التي نشأت في الجزائر بربرية. وكشف الإمام الهدف الفرنسي من وراء الدعوة إلى البربرية، وتخصيص إذاعة لها، وهو أنه "سلاح مبتكر لحرب العربية ومكيدة مدبرة للتقليل من أهميتها، وحجة مصطنعة لإسكات المطالبين بحقّها في وطنها" (١٢)، "ومن عادة الاستعمار أن يحيي المعاني الميتة ليقتل بها المعاني الحية"، كما يقول الإمام الإبراهيمي.
стр. 912
وكما نال أعوان فرنسا وآلاتها المسخرة لضرب الدين الإسلامي قسطهم من تشنيع الإمام الإبراهيمي؛ نال أعوانها في حرب اللغة العربية نصيبهم من هجومه، خاصة وأن كثيرًا من هؤلاء الأعوان من أدعياء الوطنية ومحتكريها.
وتناول الإمام في بعض هذه المقالات بعض المشاكل الاجتماعية بالجزائر كمسألة الزواج، والطلاق، وقضية اتحاد الأحزاب الجزائرية.
لقد حثَّ الإمامُ الشباب على الزواج ورغَّبَهم فيه، وحذَّر من مزاحمة المرأة الفرنسية للمرأة الجزائرية في هذا الأمر "فحذار أن يكون شبابنا فرائس هذا الاستعمار الضعيف القوي" (١٣)، لأن الزواج عنده أشرف خدمة للوطن "إنكم لا تخدمون وطنكم بأشرف من أن تتزوّجوا، فيصبح لكم عرض تدافعون عنه، وزوجات تحامون عنهم، وأولاد يوسعون الآمال، إن الزوجة والأولاد حبال تربط الوطني بوطنه وتزيد في إيمانه ... ولمَن تُخدم الأوطان، إذا لم يكن ذلك لحماية من على ظهرها من أولاد وحُرُم، ومَن في بطنها من رفات ورِمَم" (١٤). وتحدث عن الطلاق لا كما يتحدث عنه الفقهاء التقليديون. ودعا الإمام إلى التشدّد في إيقاع الطلاق لما ينجز عنه من مآسٍ، ويعقِّبُ على مبدإ "العصمة بيد الزوج" بأن "الإسلام لا يعطي هذه الحقوق أو هذه الامتيازات إلا المسلمَ الصحيح الإسلام القوي الإيمان ... أما إعطاء هذه الامتيازات إلى الجاهلين المتحللين من قيود الإسلام فهو لا يقل شناعة وسوء أثر عن إعطاء السلاح للمجانين ... إن العصمة امتياز لرجالكم، ما لم تطغوا فيه وتظلموا، فإذا طغيتهم فيه وجُرتم عن القصد، كما هي حالتكم اليوم، انتزعه منكم القضاء الإسلامي لو كان" (١٥).
أما مسألة اتحاد الأحزاب (١٦) الجزائرية لمواجهة الاستعمار الفرنسي فقد أبدأ الإمام فيها وأعاد، وقال فيها وأجاد، وسعى في سبيلها سعيًا كثيرًا، لأن ذلك الاتحاد هو المعقل الوحيد
стр. 913
للقضية الجزائرية، والوسيلة الوحيدة لنجاحها، ومن أجل ذلك توجّه إلى الشعب الجزائري ودعاه إلى حمل الأحزاب على الاتحاد.
وينبغي الإشارة هنا إلى ما يردّده بعض المغرضين من أن الإمام الإبراهيمي كان يوالي حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري؛ الذي كان في مواقفه بعضُ اللين تجاه فرنسا، ويناوئ حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية الداعي إلى الانفصال عن فرنسا.
والحقيقة هي أنه ما كان الإبراهيمي "بيانيًا " ولا "انتصاريًا "، ولكنه كان يعتبر نفسه والجمعية التي يرأسها "فوق الأحزاب"، ليكونا حَكَمًا بينها، إن تنازعت في شيء أو اختلفت في شأن.
كان الإمام الإبراهيمي يعلم أن مواقف أعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري من ثوابت الشعب الجزائري يشوبها بعض الضعف، وأن مواقفهم السياسية يطبعها بعض اللين، وكل ذلك بسبب الثقافة الفرنسية التي تلقّوها (١٧)، وكان يعلم- أيضا- أن فيهم كفاءات علمية، وطاقات فكرية كان الشعب الجزائري في أمسّ الحاجة إليها، فكان الإمام بين أمرين: إمّا أن يهمل تلك الكفاءات، ويفرط في تلك الطاقات فلا تستفيد الجزائر منها، وإمّا أن يعمل على كسبها، ويجتهد في أن يعيدها إلى شعبها، ويُنقذها من ضلالها، فتصير أكثر إيمانًا بثوابت شعبها، وأَصْلَب في مواقفها السياسية، وهذا ما فعله الإمام. إنّ مَثَلَه في ذلك كَمَثَل الطبيب الذي يغشى المواطن الموبوءة لعلاج الناس وإنقاذهم من الوباء الفاتك. وقد أثبتت الأيام حِكمة تصرّف الإمام، وسدادَ رأيه، إذ اعترف كثير من أعضاء ذلك الحزب بأخطائهم، وتراجعوا عن مواقفهم السياسية، وانضموا إلى الثورة التحريرية.
وتحدّث الإمام عن سياسة القمع والإرهاب الفرنسية في الجزائر، فكشف دسائسها، وصوَّر فضائعها، وفضح وسائلها، فتناول ذلك الدستور في وصفه بـ"الأعرج" الذي فُرِض على الشعب الجزائري، وسَخِر من ذلك "البرلمان" الأخرس، ومن أعضائه، إذ رفض أن يسمّيهم نوّابًا، "مادامت الانتخابات بِالعِصِيِّ"، وندَّد بتلك الحملات الوحشية التي كانت تُرْعِبُ الآمنين، وتبطش بالمستضعفين. وفي هذا الإطار تندرج تلك المقالات المُعَنْوَنة بـ"ويح المستضعفين- حَدِّثونا عن العدل فإننا نسيناه ١، ٢، ٣ - ويحهم ... أهي حملة حربية"، وهي مقالات لا يعلم كثير من الناس أنها كُتِبَت إثْر "الاعتقال للمئات من شباب
стр. 914
الأمة"، بعد اكتشاف مصالح الأمن الفرنسية- في مارس ١٩٥٠ - المنظمة الخاصة ( l'organisation spéciale)، وهي منظمة سرية، أُنشئت سنة ١٩٤٧، لتدريب الشبّان الجزائريين على الأعمال العسكرية، استعدادًا لإعلان الجها د من أجل تحرير البلاد.
وقد أنهى الإمام هذه المقالات بتأكيد ما دعا إليه سنة ١٩٣٦ من "أن الحقوق التي أخذت اغتصابًا لا تسترجع إلا غلابًا " (١٨)، فقال مخاطبًا الشعب الجزائري: "إن القوم - الفرنسيين- لا يدينون إلا بالقوة، فاطلبها بأسبابها، وأْتِها من أبوابها، وأقوى أسبابها العلم، وأوسع أبوابها العمل، فخُذْهُما بقوة تَعِشْ حميدًا وتَمُتْ شهيدًا " (١٩).
إن الإمام الإبراهيمي ليس رجُلَ قطر مهما اتّسعت أرجاؤه، وليس رجُلَ إقليم مهما امتدّت أطرافه، ولكنه رجُل أمّة برَّحت به مِحَنُها، وصهرت جوانحه آلامها، وأمَضَّه هوانُها على الناس، فحمل أثقالها مع أثقال وطنه، فأجال فكره في قضاياها، وأسال قلمه في مشكلاتها، وعمل على أن يعيدها - كما شاء ربّها - ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وكان لها في كل ما كتب وقال وعمل من الناصحين.
وكانت قضية القضايا عنده هي فلسطين، التي صَوَّرها فأحسن صُوَرها، وجادل عنها فأتقن الجدال، إذ دَبَّج عنها مقالات لم يُبْلِها تعاقبُ الأيام، وعَنَت لها أئمة الكلام، وأعْجَزَت حَمَلَة الأقلام، وخضعَتْ لها كَمَلَةُ الأحلام، فقد جاء فيها بما لم يأت الأوائل من بيان رائع، وبرهان ساطع، ودليل قاطع، حتى قال عنها الأستاذ فايز الصائغ- أستاذ الفلسفة بالجامعة الأمريكية ببيروت، إنه "لم يُكتَب مِثلُها من يوم جَرَت الأقلام في قضية فلسطين" (٢٠).
لقد كانت تلك المقالات آية في صدق لهجتها، وعُمْق معاناة كاتبها، فلم تترك خائنًا إلا كَشَفَته، ولا جَبانًا إلّا عيَّرَتْهُ، ولا بَخيلًا إلا وبَّخَته، ولا مقصِّرًا إلا عنَّفَتْه، ولا متقاعسًا إلا وَخَزَتْه، ولا خاذلًا إلا فضَحَتْه.
لقد دفع الإمامَ إلى الاهتمام بالقضية الفلسطينية أمران أساسيان هما:
١ - إنها قضية دينية، ففلسطين هي أرض النبوّات التي لا إيمان لمن لا يؤمن بها، وهي موطن كثير من الرسُل الذين أُمِر المسلمون أن يؤمنوابهم جميعًا، وأن لايفرِّقوا بين
أحد منهم، وهي تضم ثالِث أقداس المسلمين، وهي قبلتُهم الأولى، والمستهدَفُ فيها - بَدْءًا وختامًا - هو الإسلام.
стр. 915
- إنها تشبه القضية الجزائرية، فاليهود يريدون استئصال الفلسطينيين من فلسطين، كما يريد الفرنسيون استئصال الجزائريين من الجزائر.
من أجل ذلك، لم يكتفِ الإمامُ الإبراهيمي في قضية فلسطين بالقول، ولكنه سارع إلى الفعل، فشكَّل هيئة عليا لإعانة فلسطين (٢١)، وتبرَّع لها بأنفس ما يملك العالِمُ، وهو مكتبته (٢٢)، وخَرَج من مالٍ اقترضه، ليُؤْثِرَ به- رغم خصاصته- مَن جاءه يستعينه على السفر إلى فلسطين للجها د (٢٣).
ويضم هذا الجزء مقالات تناولت شخصيات مدحًا أو قدحًا. والإمام الإبراهيمي عندما يمدح شخصًا لا يمدحه لذاته مهما علت منزلته، أو غلت قيمته، ومهما عظم جاهه أو كَثُر ماله، أو غزُر عِلْمُه، ولكنه يمدح ما يجسده ذلك الشخص من وفاء لمبادئ الإسلام، وجهادٍ في سبيلها، وولاءً للأوطان وسعي في تحريرها، وهو عندما يذم شخصًا لا يذمّه لذاته، ولكنه يذم فعاله، ويُقَبِّح خِلالَه من انعدام مروءة، وسفالة همة، وخيانة الإسلام، وولاء لأعدائه، وتنكّر للأوطان وسعي في إذلالها.
لقد أشاد بالإمام ابن باديس، وكيف لا يستحق الإكبار والتمجيد من "أحيا أمة تعاقبت عليها الأحداث والغِيَرُ، ودينًا لابَسَتْه المحدثات والبدَعُ، ولسانًا أكلته الرطانات الأجنبية، وتاريخًا غطّى عليه النسيان، ومجْدًا أشاعه ورثةُ السوء، وفضائل قتلتها رذائل الغرب" (٢٤)؛ وأشاد بالإمام محمد الطاهر بن عاشور، لأنه عَمِل لإصلاح "الزيتونة" التي أطفأ نُورها التقليدُ الأعمى، والكسلُ العقلي، والشلل الذهني، وسعى إلى إعادتها شجرة مباركة، يُضيءُ زيتُها، وتؤتي أكلها. ورَثَى "المنصف باي"، لأنه نَهَج لأمته نهْجَ الكرامة، وشرع لها سنن التضحية، وعلَّمَها "كيف تموت الأسود جوعًا وظمأ، ولا تطعمُ الأذى ولا تَرِد القذى". وأثْنَى على محمد خطاب، ذلك الرجل العصامي الذي أنفق من مال الله الذي آتاه، فبنى صروحًا للعلم، وشاد قلاعًا للدين، ولم يُلْهِه التكاثر في الأموال عن حقوق الأوطان. وانتصر للسلطان محمد الخامس في محنته، وفي الدفاع عن حقوق وطنه، لأنه أبَى أن يعطي الدنية في دينه، ورفض أن يكون عَبْدًا في صورة مَلِك ...
стр. 916
أما الذين أساءوا بما علموا، فقد كان لهم الإمامُ بالمرصاد، ومنهم عبد الحي الكتّاني، الذي "هو مكيدة مدبَّرة، وفتنة محضَرَة .. " اتّخذه الاستعمار الفرنسي سُخْرِيًّا، يفرِّقُ به الصف، ويشتت به الرأي، ويوهن به العزم، ويُضِلُّ به عن سواء السبيل، ويسوق على يده الويل.
...
يقول الإمام الإبراهيمي:
لا نرتضي إمَامَنا في الصَّفِّ ... ما لم يكن أَمَامَنا في الصَّفِّ
وإن هذه المقالات تؤكد أن الإمامَ كان في مقدمة صفوف أمّته وشعبه، يقود أنصار الحق، ويضرب الأمثال للناس في الصدع بالحق، والثبات عليه، وعدم التفريط فيه مهما تكن الابتلاءات، وتتوالَ الامتحانات.
إن من أهمّ أسباب نجاح الإمام الإبراهيمي في أداء الأمانات الثقيلة التي حَمَلَها، ولم يَؤُدْه حِفْظُها، أنه لم يكن يسعى لدنيا يصيبها، أو لزعامة زائفة ينالها، ولكنه كان يجاهد في سبيل رفعة الإسلام، وفي سبيل استعادة سيادة الجزائر، وفي سبيل عزة المسلمين.
إن هناك "زعماء" ادّعوا الجهاد في سبيل تلك المبادئ، ولكن الأيام سرعان ما كشفتهم، وتبيّن أنهم يقولون فيها بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وظهر للناس أنهم ما كانوا يعملون إلا لتحقيق أغراض شخصية، ونيل مآرب آنية، بل إن منهم من قضى بقية حياته في حماية أعداء شعبه، ولذلك لفظهم الناس، وأهملهم التاريخ، فلم يُرفع لهم ذكر، ولم يكتب في فضلهم سطر، ولم يُخلَّد لهم اسم.
تمتاز هذه المقالات بالأسلوب الجميل، والمعنى الجليل، والهدف النبيل، والرأي الأصيل، وعمق التحليل، ودقة التعليل، فاستحقّت أن تُسَمَّى "عُيُونًا"، واستحقّ مُنْشِئُها أن يقال فيه:
قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
وأن يقال أيضًا:
هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل
سمَّى الإمام الإبراهيمي هذه المقالات "عيون البصائر"، وإن لكلمة "العين" في لغة يعرب لَمَعانٍ كثيرة، منها: العين، نبع الماء، والماء هو مصدر الحياة، فكأن "عيون البصائر"
стр. 917
"ماءً فكريًا"، تحيا به العقول، كما تحيا بالماء الحقول، وقد كانت عيون البصائر "ماءًا حيويًا" ضد "الأفكار الميتة" التي يشيعها الطرقيون والضُّلّال، وضد "الأفكار القاتلة" التي يبثّها أرباب "المَخابِر الفكرية" الفرنسية، وأتباعهم من "المسلمين".
والعين، هي آلة الإبصار التي تمنع المرء من الوقوع في المطبات، والاصطدام بالأشياء، وقد كانت هذه المقالات "عيونًا " أبصر بها الجزائريون طريقهم، ورأوا بها عدوَّهم، وأبصروا بها حقائق دينهم ودنياهم. والعين هو النفيس من كل شيء، وقد كانت هذه المقالات وستبقى من أنفس ما دَبَّجَتْه الأقلام، وأبدعته الأحلام، من معاني فحْلَة في عبارات جزلة.
وقديمًا قيل:
وقلَّما أبصرتْ عيناك ذا لَقَب ... إلا ومعناه- إن فكَّرْتَ- في لقبه
وإن صاحب هذه الآثار هو "محمد البشير طالب الإبراهيمي".
فـ"محمد"، اسم مفعول من "التحميد"، والإمام يستحق ذلك لعظيم فِعالِه، وجَليل خِلاله. و"البشير"، فقد كان الإمام بشيرًا لوطنه وقومه، زرع فيهم الأمل، ودعاهم إلى العمل، وأخرجهم من اليأس، وجعل لحياتهم هدفًا نبيلًا يسعون إلى تحقيقه، ويكدحون في سبيله. و"طالب"، وقد كان الإمام طالبَ حق لوطنه، وطالب كرامة لقومه، وطالب عز وسؤدد لأمته. و"الإبراهيمي"، وقد قَبَض الإمام قَبْضَةً من جهاد أبيه إبراهيم (٢٥) ﵇ ضد الشِّرْك والضلال، فعاش داعيًا إلى التوحيد، دالًّا على الله بآيات كتابه المسطور، وعجائب كتابه المنظور.
رحم الله الإمام الإبراهيمي، وجزاه عن جهاده الجزاء الأوفى، وجعلنا أهلًا لحمل تراثه.
محمد الهادي الحسني
البليدة (الجزائر)، ١٦ أفريل ١٩٩٧.
стр. 918
مقدمة الطبعة الثانية من "عيون البصائر "
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ــ
- ١ -
حين طلبت إليّ الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الإذن بإعادة طبع كتاب "عيون البصائر" لوالدي المرحوم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بعد أن نفدت طبعته الأولى واشتدّ الطلب عليه، متمنية عليّ أن أقدم لهذه الطبعة الثانية، وجدتني أمام هذا الموقف المزدوج: الموافقة على تجديد الطبع من نحو، والتردد في التقديم من نحو آخر.
وأملت أن أعهد بذلك إلى أحد الخُلّص من إخوانه الذين رافقوه على هذه الطريق الطويلة، أمد الله في أعمارهم، وشاركوه أعباءها والتقوا معه في كثير من أحداثها وكانوا معه إخوة جهاد ورفقة كفاح .. تهيبًا مني للحرج الذي سأشعر به حين أكتب عن والدي.
وقد وجدت في شخص الأستاذ محمد العيد أمير شعراء الجزائر- كما كان يحلو للشيخ أن يطلق عليه- الإنسان الذي تمنيت أن ينهض بهذا العبء. فقد كانت بينهما هذه الألفة الجامعة وهذه المودة المتمكنة وهذا التواصل المتصل .. وكان الأستاذ محمد العيد من أوائل الذين نذروا أنفسهم للإصلاح تعليمًا للناشئة، وتوعية للجماهير، وتسخيرًا لفنه الرفيع في سبيل الأهداف الوطنية الغالية. ونهض شعره بهذه المهمات النبيلة فكان نورًا للشعب يضيء جوانب الطريق وكان نارًا متأججة يحترق بها المستعمر.
- ٢ -
ولكن الأستاذ الشيخ العيد غلب عليه طبعه الشعري وكأنما أثارت هذه المناسبة ذكرياته الطويلة فإذا هو يؤثر الشّعر على النثر، لأن "الموضوع متسع الأطراف متشعب الجوانب يستدعي بسطة في القول ومزيدًا من التحري والتدقيق في حياة فقيدنا الجليل وصديقي الوفي والدكم الكريم ﵀ وأنعم عليه بمغفرته ورضاه. وعلمت يقينًا أنني أعجز عنه وأقف دون إتمامه. ولم أجد بدًّا
стр. 919
من العدول عن النثر إلى الشعر الذي هجرني هجرًا غير جميل فاستعطفته واستنجدته وإذا به يبضّ للخاطر الكليل بهذا القدر الضئيل. وهو على ضآلته ما كنت أظن أنني أظفر بمثله وقد بعثته إليكم، لتروا فيه رأيكم، فإن كان عندكم صالحًا كما أردتم فذلكم ما تقر به عيني وينشرح به صدري، وإن كان دونه أو بخلافه فحسبي أني بذلت فيه قصارى الجهد وحاولت أن أبلغ فيه غاية القصد" (١).
- ٣ -
أمام هذا، كان عليّ أن أتناول الحديث ولكن وجدتني أتهيب ذلك مرة أخرى من نحو آخر وأتساءل في ما بيني وبين نفسي هل في وسع الإنسان أن يكتب عن أقرب الناس إليه وأمتّهم رحمًا به وأشدهم تواصلًا معه؛ هل في وسع الإنسان أن يكتب عن والده؛ وما عساه أن يقول عنه وعن آثاره؛ ألا يجد أنه في موقف حرج يصعب أن يتفاداه؛
كانت حراجة الموقف لا تنبع من سعة الموضوع، ولكنها تكمن في أننا نخشى أن تغلب علينا ذاتيتنا وأن تستبد بنا محبّتنا وأن يحول التقدير الأبوي بيننا وبين موضوعية الحديث، أو على النقيض أن يكون الإسراف في التحرر من الذاتية ونشدان الموضوعية سبيلًا إلى تغييب بعض الحقائق أو السكوت عنها أو الاجتزاء بطرف منها دون طرف، إيثارًا للتواضع وبعدًا عن الإشادة في مواجهة هذا الموقف الذي يشبه الإبرة الممغنطة في اتجاه أحد قطبيها إلى الشمال واتجاه الآخر إلى الجنوب وعودتها إليهما كلما زحزحت عنهما. أوشكت أن أنتهي إلى أن أترك هذه الطبعة الجديدة من غير مقدمة نثرية، ووجدت في القصيدة الشعرية وفي الرسائل التي يعدها بعض طلبة الدراسات العليا ما يجلو شخصية الشيخ وسيرته في حياته وأسلوبه.
- ٤ -
إنه عسير عليّ أن أعطي هذه المجموعة مكانها من سير البيان العربي .. ذلك أن الذين كانوا يقرأونها في المشرق والمغرب كانوا يواجهون أسلوبًا هو أشد ما تكون الأساليب رصانة وأقوى ما تكون جزالة وأقدر ما تكون على التفنن في المعالجة .. كان له من المشارقة صفاء البيان ومن المغاربة منطقية العرض وكان من أسلوب القرآن الكريم- تنوعًا وأصالة- استمداده واستلها مه.
إن هذه المقالات لا تصور الشيخ في أبعاده كلها. ويحتاج الدارس الأدبي إلى أن يصطنع قدرًا كبيرًا من التخيل حتى يستطيع أن يستكمل تقديرها حق قدرها .. فقد كتبت في ظروف صعبة شديدة الصعوبة كان فيها للاستعمار عيون مبثوثة وسيوف مصلتة وقدرة على الشر تخطيطًا وتنفيذًا .. ولكن هذا لم يحجب نصاعة الأسلوب ولا وضوح القضايا ولا براعة العرض.
стр. 920
- ٥ -
إن بعض قيمة هذه المقالات أنها أرادت تأكيد معنى أساسي كان أبرز المعاني الجوهرية في حركة الإصلاح وفي حركة الثورة .. ذلك هو الرجوع إلى الأصالة: الدفاع عن دين الجزائر ولغتها وشخصيتها، وتثبيت ذلك في نفوس الأجيال الجزائرية التي كانت في المعركة أو التي كانت في الظل .. التي كانت تخوض المعركة ضد الاستعمار والتي كانت تتأهب لخوضها.
- ٦ -
ثم هي استمدت من الإسلام، روحه وعقيدته ونظامه، صفتها الكلية .. ولذلك فإنها لم تقتصر على الجزائر وإنما تجاوزتها إلى أكثر أقطار العالم الإسلامي التي كانت تكتوي بنار الاستعمار وتنزل بها نوازله .. فقد كتب عن تونس والمغرب، وكتب عن فلسطين سلسلة المقالات التي يقرأها الإنسان العربي الآن فيحس كأنما هي ابنة اليوم بهذا الذي صاحبها من صفاء وبعد نظر وعمق معاناة .. إنها تبدو بنت الأحداث في الستينات كما كانت بنت الأحداث في الأربعينات. لأن صاحبها تجاوز الجزئيات العارضة فيها إلى المشكلة الكبرى، واستبان له، في وضوح البصيرة، الأبعاد التي كانت تخفى آنذاك على الكثيرين.
ومثل ذلك ما كتب عن اليمن تحت حكم الأئمة، وما كتب في مواجهة الاستعمار أو في التهكم على عملائه أو في كشف عوراته وفضح نياته.
- ٧ -
إننا في العادة نتطلع إلى هذه الطائفة من رجالنا وعلمائنا الذين قادوا حركة الإصلاح وقدحوا شرارات الثورة الأولى وضمنوا لشعلة الثورة زيتها ووقودها من إيمان الشعب ومن اندفاعه ومن مشاركته الكاملة، على أنهم أبرز ما في التاريخ الجزائري الحديث .. ومن المؤكد أن شيئًا من ذلك لم يكن ليتوافر لهم لولا معنى الصمود الذي كان يملأ حياتهم .. إنهم لم يبدأوا المعركة ليتخلوا عنها وإنما بدأوها ليتابعوها بهذا العزم والتصميم واعتبار الاستشهاد غاية النصر .. ولذلك شُرّد منهم من شُرّد وقتل من قتل وأوذي من أوذي بدون أن يرهب عدوًا أو يلين لغاصب أو يخضع لتهديد أو وعيد .. وقد كان الشيخ ﵀ أحد هؤلاء الذين شردوا وأوذوا وهددوا فما لانت له قناة .. وظل يجوب الجزائر طولًا وعرضًا، مثيرًا ومحركًا للجماهير ومصلحًا ومقربًا بين القادة، وداعيًا إلى التآخي الذي يهدر الجزئيات والذاتيات في سبيل الهدف الكبير .. وكان العلم هو المشعل الذي حرص على أن يتقد في كل مدينة، وإصلاح النفس هو الذي يجب أن يخالط كل جزائري، ونظافة المجتمع من الخرافات والبدع والضلالات التي
стр. 921
كان يغذيها الاستعمار أو يشجعها، هي التي يجب أن تسود كل بيئة جزائرية.
- ٨ -
ما أكثر ما ترددت في سياقة هذا الحديث، وما أكثر ما قاد التردد إلى إغفال جوانب منه لم يحن بعد أوان الحديث عنها. لقد قصدت إلى أن يكون حديثًا مجردًا من غير ذكر للأحداث ولا تسجيل للمواقف .. وأحسبني لا أخالف ذلك إذا أنا أشرت إشارة خاطفة إلى الجانب الذاتي الإنساني من حياة الشيخ ﵀ .. فقد كان أحلى ما عنده وأيسره أن يجاوز ذاته في سبيل رغبات إخوانه وكان يؤثر أصدقاءه وتلامذته بما يختارون، لا وفاء لهم فحسب بل ولاء كذلك للفكرة التي كانت تجمعه بهم .. ما أغضى عن يد امتدت إليه، ولا أشاح بوجه عن طالب عرف ولا ضن بجاه أو جهد على مستجير، ولا برأي على مستشير ولا بعون لصاحب حاجة .. كان إذا أعوزه الأمر استدان ليفك ضائقة إخوانه، وكان يتابع حاجات الناس ومشاكلهم حتى تقضى أو تحل من غير غفلة ولا نسيان.
- ٩ -
لقد آثرت أن أتجاوز عن كثير من النقاط حرصًا على موضوعية هذه الكلمة أو مغالاة في هذا الحرص. إن ذلك يجرد الكلمة من جوها العاطفي الذي كان يجب أن يخالطها وأن يغلّفها، ويحجب كثيرًا من الجوانب التي كان عليها جلاؤها من حياة الشيخ ويسكت عن جوانب أخرى، ويوجز غيرها .. إن هذه الكلمة ليست إلا وقفة قصيرة ومجردة .. لم أنظر فيها بعين الابن، ولا بعين الرفيق في بعض مراحل العمر، ولا بالعين التي ينظر بها الطالب والمريد إلى الأستاذ والرائد .. وإنما نظرت بعين هذا الجيل إلى واحد ممن كانوا في مقام القيادة منه: القيادة الروحية والقيادة الفكرية على السواء.
- ١٠ -
وبعد، فمن الخير أن أفسح لقصيدة الشاعر الكبير الأستاذ محمد العيد حفظه الله. وأتوجه إلى الله العلي القدير أن يوفقنا ويسدد خطانا على الطريق المستقيم، إنه سميع مجيب.
الجزائر في ٢١ ماي ١٩٧٠
أحمد طالب الإبراهيمي
وزير التربية الوطنية
стр. 922
مشاعل حكمة
قصيدة الشاعر الكبير الأستاذ الشيخ محمد العيد آل خليفة التي كتبها كمقدمة للطبعة الثانية من "عيون البصائر".
ــ
كتاب لمن أملاه بالعلم يشهد ... يطالعنا بالعود والعود أحمد
يتوجه باسم الإله وحمده ... نصير لمن يدعو إليه مؤيد
"عيون " بها تجلو «البصائر» نورها ... علينا كما يجلو الكواكب مرصد
تجلى بها نور الهداية فاجتلى ... بها هدف الإصلاح من هو أرمد
وأطلعها فكر "البشير" بأفقه ... فما هي إلا أنجم تتوقد
ولا أدَّعي أني أقدم سفره ... فذلك شأو عن بياني يبعد
أراه اكتفى عن كل حلى بذاته ... فأغناه عن حلى جمال مجرد
وكنت بشعري "للبشير" مواكبا ... على سمعه في موكب العلم أنشد
وقد يسمع البيت البليغ فينتشي ... وقد يسمع البيت المسفَّ فينقد
وما هو إلا كاتب ثاقب الحجى ... ورائد فكر مصلح ومجدد
جرى حبره في الصحف كالبحر زاخرا ... بغيرته للحق يرغي ويزبد
روائعه أرض الجزائر مهدها ... ولكن لها في أرض عبقر مولد
لقد رئس الأعلام مجدًا وسؤددا ... وهل كان كالعرفان مجد وسؤدد
وكان منارًا للعقول ومعلما ... يشير إلى تحريرها ويمهد
ينادي إلى حرية الفكر لاهجًا ... بها، منكرًا ما يدعي المتقيد
له قلم إن رام دفع الأذى به ... فرمح رديني وسيف مهند
وإن رام إذكاء العقول فمشعل ... وإن رام إرواء القلوب فمورد
وإن رام وصفًا فهو أجمل ريشة ... لأبرع رسام على الفن تُسعد
стр. 923
وإن رام جدًا فهو صور مجلجل ... رهيب يقيم الهازلين ويقعد
وإن رام مزحًا فهو للقلب بلسم ... من الهم شاف للشقاء مبدد
وإن رام إرهاف الشعور بفنه ... فعود به يشدى ولحن يردد
لقد كان للفصحى أباها وأمها ... ومرجعها إن ندّ أو شذ مغرد
وكان صديقًا لابن باديس مخلصًا ... وصاحب شوراه الذي لايفنَّد
وقام جديرًا بالرئاسة بعده ... قديرًا عليها فضله ليس يجحد
فيا لهما من فرقدين بأفقنا ... أنارا وغارا فرقد ثم فرقد
سلام على الأعلام ما طاب ذكرهم ... وآثارهم في العلم والعلم يخلد
لقد زرعوا زرعًا فأخرج شطأه ... كأخصب محصول لمن هب يحصد
وأبقوه للأجيال ذخرًا مباركًا ... وزادًا من الذكرى لمن يتزود
وأقبل جيل بعدهم غرس ثورة ... عصامية يرجو النمو ويَنشُد
ويبني على أرض الجزائر أمة ... مثالية في وعيها ويشيّد
شباب تبارى دارسًا ومدرسا ... بميدان مجد أيهم فيه أمجد
يشد على الفصحى يدًا ويمدها ... يدا باللغات النافعات ويسند
فيا فتية الجيل الجديد إلى العلى ... إلى العلم فامضوا كلكم وتجندوا
أرى غدنا المرجو تُلقى فروضه ... عليكم وآمال الجزائر تعقد
وهذا كتاب فيه تبصرة لكم ... وتوعية مُثلى وقول مسدد
نصوص معانيها ينابيع فُجّرت ... لكم ومبانيها كؤوس تُنضَّد
خذوها وصايامن حكيم مُجرّب ... تمنى عليكم أن تسودوا وترشدوا
وأملى عليكم مُنفِسات من المنى ... كعهد فمن منكم بها يتعهد؛
تمنى عليكم أن تكونوا وعاتها ... وأكفاءها أو لا تكونوا وتوجدوا
وغاب وأبقاها مشاعل حكمة ... فقودوا بها الركبان تهدوا وتهتدوا
بسكرة، ٢ ربيع الأول ١٣٩٠هـ الموافق ٧ ماي ١٩٧٠م.
محمد العيد آل خليفة
وإن أعرَى الأشجار باشتداده، إلا خزنًا لقوة الحياة في الأشجار، والشمس موجودة، وإن غابت عن نصف الكون، والشجرة حية، وإن أفقدها الصرّ جمالَ اللون، كذلك صحيفة «البصائر»، احتجبتْ صورتها عن العيان، وإن كانت حيةً في النفوس، ممثلة في الأفكار، وإن في احتجابها لصُنعًا إلهيًّا، يدركه أيقاظ الشواعر، وأحياء الضمائر، وهو إذكاءُ الشوق إليها، فقد كان الشوق إليها يتجدد في أخريات كل أسبوع، فتطفئه قعقعة البريد، واتصالُ المراد بالمريد، فأصبح الشوق إليها- بعد احتجابها- يتجدد في كل يوم.
ولقد اشتدّ شوقُ العالم الإصلاحي إلى جريدته، واتصل حنينه، وطال انتظاره، وأصبح - لتعلقه بها- يوجه العتابَ القاسي إلى المسؤولين عنها. لأنه كان يرى فيها مددًا من النصرة وفيضًا من القوة، وكانت أعدادُها تحمل إليه حقائقَ الدين الإسلامي، ونفحات البيان العربي، وكان يرى من مقالاتها صواعق مرسلةً على المبتدعة والظالمين، ويجدُ في قراءتها سلوةَ الظاعن وأنسَ المقيم.
إن «البصائر» في حقيقتها فكرةٌ استولت على العقول، فكانت عقيدةً مشدودةَ العقد ببرهان القرآن، ثم فاضت على أسلات الألسنة فكانت كلامًا مشرقَ الجوانب بنور الحكمة، ثم جاشت على أسنة الأقلام، فكانت كتابةً في صحيفة، والذي تعطل من «البصائر» إنما هو المظهر الأخير من مظاهرها، وما كان للظلم وإن مَدّ مده، وجهد جهدَه، ولا للحوادث وإن بلغت الغايةَ من الشدة أن تنال من العقائد نيلًا، وإنما تصيب الألسنة بالسكات إلى حين، وتبتلي الأقلامَ بالتحطيم إلى أوان، وإن الصحف في لسان العرف كالصحائف في لسان الدين، منها صحائف الأبرار، وصحائف الفجار، لذلك كان من حظ الأولى الابتلاءُ بالتعطيل والتعويق.
...
جريدة «البصائر» هي أحد الألسنة الأربعة الصامتة لجمعية العلماء، تلك الألسنة التي كانت تفيض بالحكمة الإلهية المستمدة من كلام الله وكلام رسوله، والتي كانت ترمي بالشرَر على المبطلين والمعطلين، وكانت كلما أغمد الظلمُ لسانًا منها سل الحق لسانًا لا ينثلم ولا ينبو، وتلك هي: السنة، والشريعة، والصراط، والبصائر: أسماءٌ ألهم القرآنُ استعمالها، وفصَّلت القرائح الملتهبة، والأقلام المسددة إجمالها، وصدق واقعُ العيان فالها، وما زالت جمعية العلماء تتلمح العواملَ الإلهيةَ في كل ما تأتي وما تذر، وتستند على الإلهامات الربانية حتى في أسماء صُحفها، ولا مكذبةَ فما أخطأها التوفيق ولا مرة.
وإذا كُتبَ للصُحف الثلاث الأولى أن تستشهدَ في المعترَك، وهي في ميعة الصبا، مقبلةً غيرَ مدبرة، لم تخِس بأمانة، ولم تُزَنّ بخيانة، فقد قدر "للبصائر" أن تعمر وأن تحتك بالزمن
стр. 926
وأحداثه سنين، فكمُلت الخبرة واستحكمت التجربة، وكان تعطيلها لأوائل هذه الحرب مثلًا شرودًا في الحفاظ والإباء، ومنقبةً بكرًا في الكبرياء والعزة، ذلك أنه لما تجهَّمت الأيام، وتنكرت الأحداثُ، واستبهمت المسالك، ولوّح لها أن تجريَ على ما يراد منها، لا على ما تريد، قالت ما قالته الزباءُ قبلها "بيدي لا بيد عمرو"، وخار الله للقائمين عليها في ذلك التعطيل، كما خار لهم من قبل في تقرير السكوت (١)، ولعمري ان التعطيل لخيرٌ من نشر الأباطيل.
إذ "تقرير السكوت" من غرر أعمال جمعية العلماء، ومن آرائها التي تشظَّتْ عنها صدَفةُ الحكمة، ومن شواردها التي لا تضاد إلا ببعد النظر، فقد وقاها ذلك التقرير مزالقَ لا يتلاقى فيها رضا الله برضا المخلوق، ولقد كانت الجمعية تعلمُ أن القوةَ التي تستطيع الإسكاتَ لا تستطيع الإنطاق، ولأنْ يسكتَ العاقل مختارًا، في وقت يحسن السكوت فيه، خير من أن ينطق مختارًا في وقت لا يحسن الكلام فيه، وكل نَطْقة تمليها الظروف لا الضمائر تثمر سكتةً عن الحق، ما من ذلك بدّ.
ألا إن فرسانَ الكلام والأقلام، كفرسان النزال والعراك في كثير من الخصائص، وكما أنّ الكمي المعلم يضيق بالفاقة ذَرعه، فتهون عليه بيضته ودرعه، وهيهات أن يهون عليه سيفه ورمحه، لأن وظيفة البيضة والدرع أن يحفظا على الكميّ في ساعة الروعْ مهجته، وهي أهونُ مفقود في تلك الساعة. أما وظيفة السيف والرمح فهي الإنكاءُ في العدو، والإنكاء في العدو هو الغاية التي تنتهي إليها شجاعة الشجاع. كذلك حملةُ الألسنة والأقلام يجبُ أن يكونوا، ليحققوا التشبيه الذي تواطأت عليه آداب الأمم، فلتأتهم المصائب من كل صوب، ولتنزل عليهم الضرورات من كل سماء، وليخرجوا من كل شيء إلا من شيئين: القلم واللسان ... إن بيع القلم واللسان أقبحُ من بيع الجنديّ لسلاحه.
إن جمعية العلماء حين قررت السكوتَ حافظت على هذين ولم تتسامح في تسخيرهما لأحد، وتركت أحداثَ الدهر تعملُ عملها، على أنها ما سكتتْ عن درس ديني أو علمي، ولا عن نصيحة رشيدة، ولا عن موعظة حسنة، وإنما قررت السكوتَ عن كل ما يقال لها فيه: قولي.
стр. 927
ولقد جاذبني أطرافَ هذه القضية في الأشهر الأولى من بداية الحرب كبير من رجال الحكم، كان يضم يديه على سلطة واسعة، مدنية وعسكرية، وألحّ عليّ، في صراحة- أن أخرج من الصمت إلى الكلام باسمي أو باسم الجمعية- (وهو يعني سكوتًا خاصًّا وكلامًا خاصًّا) فقلت له من كلام طويل: إننا كنا في السلم نتكلم فيُقلقُكم كلامُنا، وإننا سكتنا في الحرب فأقلقكم سكوتنا، ففي أيّ موضع نكون بين هذين؛ وتنبه ضميره الإنساني عند سماع هذا الكلام فلمحتُ عليه آثارَ الاقتناع، ولكن ضميره العسكري أبى عليه إلا أن يجرِيَ بالمسألة إلى آخر الشوط.
وإن الإنصاف ليتقاضاني- وقد مرت على المحاورة سبعُ سنين- أن أذكر له لطفَ الحديث وأدبَ الخطاب وتمجيد الصراحة، ولا أحاسبه على الضمير العسكري، لأنني أعلم أن الاستعمار يشرك بين الأقوياء والضعفاء في إفساد الضمائر.
...
هذا فصل قصير تحكيه «البصائر» من تاريخ حياتها الأولى ومن حسن الختام لتلك الحياة، فخورةً مزهوةً بأنها بذَّتْ أخواتها الشهيدات بما جلتْ من محاسن الإسلام والعربية، وبما جاهدتْ في سبيلهما، وبما مهدتْ للإصلاح الديني من عقبات، وبما لقيت في صراع الاستعماريْن الروحي والبدني من مكاره، وبما حوته حقيبتها من ذخائر العبر والتجاربب، وبما قدمتْ من صالحات لحياتها الثانية.
...
كنا نعلم مبلغ تشوّف الأمة إلى جريدتها، وكنا معها نعلل النفسَ بالآمال، فلما أحيينا سنةَ الاجتماعات العامة السنوية في السنة الماضية أعلنا للأمة وعدًا بإصدار «البصائر» أولًا، و"الشهاب" ثانيًا، وضربنا لذلك موعدًا محدودًا قدرناه بإعداد العدد اللازمة.
فتهللت أسرّةُ السامعين، وطفح البشرُ على وجوههم، وتنوقلت الأحاديث بتلك البشرى في القطر كله، فانتعشت الآمال، وجليت الأقلام التي علاها الصدأ من طول ما أغمدت، وما كنا حين وعدنا بهازلين ولا معللين، وإنما كانت دواعي الرجاء عندنا غالبة، وقوة التصميم والحزم فينا متوفرة، وما تجلت لنا الحقائق من أول مرحلة، وهي الحصول على الرخصة، إلا بعدَ أن شرعنا في إعداد العدة لإنجاز الوعد، فكذبتنا الظنون، واعترضتنا المعاكسات القانونية، ولما ألغي اشتراط الرخصة أبقت بعدها ما يقوم مقامها في التعسير والإرهاق، وهو الورق الذي لا يعطى إلا (برخصة) فحاولنا الحصولَ عليه ولكن بغير جدوى،
стр. 928
ثم جاءت ثالثة الأثافي، وهي المطبعة، وفي هذه المحاولات التي حاولناها بحرص ونشاط انقضت سنة كاملة، ومن العبث أن نطيلَ القولَ فيها، وأن نعيدَ الحديثَ عنها والتشكي منها.
...
ها إن نومة «البصائر» - على طولها- أصبحتْ كإغفاءة المهموم في قصرها وفائدتها بفضل الصبر والأناة، وها هي ذي عادت إلى الحياة، ووخزتها الخضرة من جوانبها، فسلوها كيف تركت جمعية العلماء وكيف وجدتها؛ وسلوها حين فتحت عينيها عن الوجود الثانى، ماذا عرفتْ وماذا أنكرتْ من الناس والأحوال؛
أما عن الناس وأحوالهم فقد عرفتْ هذا الشعورَ الفياضَ من الأحياء المستضعفين بحقهم في الحياة، وهذا الإصرارَ الدائبَ على المطالبة به، وهذا المنطقَ الحكيمَ الذي يترجم تلك المطالبة، وهذا البغضَ المتأججَ للاستعمار وحماته، والاستعباد ودعاته، وهذا الإجماعَ المنعقدَ بين الضعفاء على الأخذ بتلابيب الأقوياء، حتى يؤدوا الحق إلى طلابه، كأن الضعف رحمٌ شابكة بينهم، فهم يتباروْن في وصلها والبر بها، إلى كيت وكيت مما أيقظته المصائب بعد همود، وأذكتْ نارَه الحوادث بعد خمود، وكان ليد الله فيه الأثر الذي لا ينكر.
وأنكرتْ هذا الجفاف الذي انتهى بعواطف الأقوياء إلى درجة التحجر، وهذا التنمر الحيواني الذي يظهره الاستعمار ليخيف به الفرائسَ حتى تسكنَ إلى حين، وهذه الديمقراطية الزائفة التي اتخذها أدعياؤها حبالة صيد، ووسيلة كيد. ولاكوها بألسنة مقطوعة الصلة بالقلوب، وأصبحت في أفواههم كالعلك يمضَغ ولا يزدرد، وهذا النفاقَ السياسي الذي غطى على فضيلة الصراحة، فلم يصفُ معه ضمير، ولم يصدق معه لسان، ولم تثبت عليه ثقة، وهذه الأساليب الإدارية العوجاء التي فضحها الحق فما زادت في مقاومته على أن فضحتْ نفسها، وأنكرتْ- آخرَ ما أنكرت- هذا الجو القاتم الذي منع الراحةَ والهدوءَ، وسلب السكونَ والاطمئنان، وبعث القلقَ والاضطراب إلى هنات وهنات، أسخفها معاملة الإدارة الجزائرية لجريدة «البصائر». فقد مرت سنةٌ و «البصائر» تطالب بحقها في الحياة، وحظها من الورق، ولم تحصُل بعدَ هذا الزمن الطويل على طائل.
هذا بعض ما عرفت «البصائر» وأنكرتْ من الناس وأحوالهم؛ فأما جمعية العلماء وكيف كانت وكيف هي الآن، وما هي مواقفها في مبادئها وما يمس مبادئها، فهي الميادين التي حَييتْ جريدة «البصائر» لاقتحامها، فانتظروا فستُجلّي لكم الحقائق كما هي، وستفضح المخبآت التي كثر فيها لغط اللاغطين، وستكشف الدعاوى الزائفةَ التي تجري بها ألسنة المضللين.
стр. 929
من الحقائق العريانة *
في هذا الوطن الجزائري شعبٌ عربيٌّ مسلم، ذو ميراث روحاني عريق، وهو الإسلام وآدابه وأخلاقه، وذو ميراث مادي شاده أسلافه لحفظ ذلك التراث، وهو المساجد بهياكلها وأوقافها، وذو نظام قضائيّ مصلحي، لحفظ تكوينه العائلي والاجتماعي؛ وذو منظومة من الفضائل العربية الشرقية منتقلة بالإرث الطبيعي من الأصول السامية، إلى الفروع النامية، لحفظ خصائصه الجنسية من التحلل والإدغام، وذو لسان وسع وحي الله، وخلد حكمة الفطرة، وجرى بالشعر والفن، وحوى سرّ البيان، وجلا مكنونات الفكر، ثم خدم العلم، وسجل التاريخ، وشاد الحضارة، ووضح معالم التشريع، وحدا بركب الإنسانية حينًا فأطرَب.
حافظ هذا الشعب على هذا التراث قرونًا تزيد على العشرة، وغالبته حوادثُ الدهر عليه فلم تغلبه، وما كان هذا الشعب بدْعًا في الاحتفاظ بهذه المقوّمات الطبيعية؛ بل كل شعوب الدنيا قائمة على أمثال هذه المقوّمات، لا يستنزلها عنها إلا من يريد أن يهضمها (١) قبل الأكل، ليهضمها (٢) بعد الأكل؛ كما يفعل وعاظ الاستعمار، ومشعوذو السياسة، لتخدير الأمم المستضعفة، فيقبحون لها العنصرية، وهم من حماتها، ويزهدونها في الجنسية، وهم من دعاتها.
جاء الاستعمارُ الفرنسي إلى هذا الوطن، كما تجيء الأمراضُ الوافدة، تحمل الموتَ وأسباب الموت، فوجد هذه المقوّمات راسخةَ الأصول، نامية الفروع، على نسبة من
стр. 930
زمنها، فتعهد في الظاهر باحترامها، والمحافظة عليها، وقطع قادته وأئمته العهودَ على أنفسهم وعلى دولتهم ليكونُنَّ الحامين للموجود المشهود من عقائد ومعابد وعوائد، ولكنهم عملوا في الباطن على محوها بالتدريج، وتمّ لهم- على طول الزمن بالقوة وبطرائق من التضليل والتغفيل- جزءٌ مما أرادوا؛ والاستعمارُ سلٌّ يحارب أسبابَ المناعة في الجسم الصحيح؛ وهو في هذا الوطن قد أدار قوانينه على نسْخ الأحكام الإسلامية، وعبث بحرمة المعابد، وحارب الإيمانَ بالإلحاد، والفضائلَ بحماية الرذائل، والتعليمَ بإفشاء الأمية، والبيانَ العربي بهذه البلبلة التي لا يستقيم معها تعبير ولا تفكير.
ومهما يكنْ نجاحُ الاستعمار في هذا الباب فما هو بالنجاح الذي يشرّفُ فرنسا، أو يمجد تاريخها، بعد أن أبقى جروحًا دامية في نفوس المسلمين، وبعد أن كان من نتائجه هذا الجو المتغير الذي يتمنى له كل عاقل الصفاءَ والإشراق، وهذه الحالةَ المحزنة التي يود كل منصف أن تزولَ، وأن يخلفها طور سرور واطمئنان.
...
لبثت عواملُ الاستعمار تهدم من هيكل الإسلام ولا تبني، وترمي المقوّمات الإسلامية والخصائصَ العربية في كل يوم بفاقرة من المسخ، إلى أن تكونت جمعيةُ العلماء المسلمين الجزائريين منذ خمسةَ عشرَ عامًا، تكونًا طبيعيها كأنه نتيجة لازمة لتلك الحالة، وقامت تعمل لإصلاح الإسلام بين المسلمين، وللمطالبة بحقوقه المغصوبة، وبحرية لغته المسْلوبة، وسمع الاستعمارُ لأول مرة في حياته بهذه الديار، نغمةً جديدةً لم تألفها أذُناه، تدعو إلى الحق، في قوّة، وتطالب بالإنصاف في منطق؛ وأحسّ دبيبَ الحياة والشعور في الجسم الإسلامي؛ فلم ينظر إلى ذلك كله على أنه حق طبيعي معقول، ضاع بين حيلة المحتال، وغفلة الغافل، في وقت؛ فمن المعقول أن يرجعَ إلى نصابه بين إنصاف المنصف، وحزم الحازم، في وقت آخر؛ ولكنه نظر إلى ذلك على أنه شذوذ في قاعدة، وخرق لإجماع، وتطاوُلٌ من عبد على مالك؛ ورتب على مقدّمات الدعوة الإصلاحية نتائجَ لا ترتبط بها؛ فقاومها ونصب المكايد للعلماء العاملين، وبثّ المصائد للمغرورين والمذبذبين، وكان ما كان، ولكنّ ذلك كله لم يزد حركةَ الإصلاح إلا تغلغلاً في الأمة، ولم يزد الأمةَ إلا قوةَ شعور بحقها المهضوم؛ فتعالت الأصوات من كل ناحية وتداعى طلابُ الإصلاح في كل ميدان؛ ولو أن الاستعمارَ كان فقيهًا في سنن الله في الأمم والطبائع لأنصفَ الأمم من نفسه فاستراح وأراح، ولعلم أن عين المظلوم، كعين الاستعمار، كلتاهما يقظة.
***
стр. 931
كانت جمعية العلماء تقوم في كل مناسبة- كتبديل الجهاز الإداريّ هنا أو الجهاز الحكوميّ الأعلى في باريز، وفي اجتماعاتها العامة، وفي مقابلاتها لرجال الحكومة- باحتجاجات عن المعاملات الشاذة التي يعامل بها الإسلام في داره، وتعامل بها العربية في موطنها، وكانت تقوم بتظلمات وبيانات، ولكنها كانت تقابل دائمًا بالسكوت والإهمال، إلى أن كان شهر أغسطس من سنة ١٩٤٤، وكانت الحكومة الفرنسية (٣) إذ ذاك ممثلةً هنا بالجزائر فقدمت الجمعية مطالبها بصورة أوضحَ وأصرحَ من جميع ما تقدّمها في كراسة مفصّلة (٤)، تشتمل على مطالب الأمة في التعليم العربيّ ، وفي المساجد وأوقافها، وفي القضاء الإسلامي وإصلاحه، وقد لقيتْ تلك المطالب ما لقيه ما قبلها من سكوت وإهمال.
...
واليوم وقد عادت جريدة الجمعية إلى الظهور، وجب أن نحمل العددَ الأولَ على وجه التذكير خلاصةً من مواقف جمعية العلماء ومن مطالبها التي هي مطالب الأمة العربية الجزائرية، في أعزّ عزيز عليها، وهو دينها ولغتها.
وإنّ ما نقدمه هنا هو صورة من الحقيقة والواقع، وتصويرٌ لما تعانيه هذه الأمة من افتئات عليها، واستخفاف بمقدراتها، وإذا وُجد في ما نكتبه تنديد مرّ، فإن سوء المعاملة والتصامّ عن سماع صوت الحق هو الذي أملاه علينا.
التعليم العربي ...
اللغة العربية هي لغة الإسلام الرسمية، ومن ثمّ فهي لغة المسلمين الدينيةُ الرسمية، ولهذه اللغة على الأمة الجزائرية حقان أكيدان، كل منهما يقتضي وجوبَ تعلمها، فكيف إذا اجتمعا، حق من حيث انها لُغةُ دين الأمة، بحكم أنّ الأمة مسلمة، وحق من حيث إنها لغة جنسها، بحكم أن الأمة عربية الجنس؛ ففي المحافظة عليها محافظةٌ على جنسية ودين معًا، ومن هنا نشأ ما نراه من حرص متأصّل في هذه الأمة على تعلم العربية، وما نشهده من مطالبة إجماعية بحرّية تعليمها، وما نشاهده من قلق واضطراب في أوساط الأمة لموقف الحكومة المخجل من اللغة العربية، وما نراه من سخط عميق على القرارات والقوانين التي تعرقل تعليمها، وذلك كله لأنها مفتاحُ الدين، أو جزءٌ من الدين.
стр. 932
وجمعية العلماء التي تعد أشرفَ أعمالها تعليمَ العربية، قد أقامت خمسة عشر عامًا تطالب في غير ملل بحرية التعليم العربي الذي هو أساسُ التعليم الديني، وما زالت تصارع العوارض الحائلةَ، وهي عوارض القرارات الإدارية، والقوانين الموضوعة لخنق العربية وقتلها؛ وما زالت الجمعية تنكر تلك القرارات وتقول عنها في صراحة: إنها قراراتٌ جائرة أنتجتها ظروف خالية من الرحمة ومن الكياسة، وأملتها أفكار خالية من الحكمة والسداد، وبواعثُ من الغرض والهوى؛ يؤيد ذلك كله وحيٌ من شيطان الاستعمار المريد، فجاءت في مجموعها لا تستند على منطق ولا نظر سديد، وإنما تستند على القوة أولاً، وعلى الحيلة ثانيًا، وعلى العنصرية البغيضة ثالثًا.
إن جمعية العلماء، باسم الأمة الجزائرية المسلمة عمومًا، تطالب الحكومة الجزائرية (٣) الاستعمارية- في إلحاح- بإلغاء جميع القرارات القديمة المتعلقة بالتعليم العربيّ، واستبدال قانون موحد عادل بها، لا يكون من طرف واحد، كالقرارات القديمة، بل يكون للأمة رأيٌ فيه، ولجمعية العلماء اشتراك في وضعه، ويكون واضحَ الدلالة، بيِّنَ المقاصد، صريحَ المعاني، لا إبهام فيه ولا غموض.
وجمعية العلماء ترى أن التعليمَ العربي الذي تسعى لحريته وترقيته هو جزء من التعليم العام الذي هو وسيلة التثقيف، والتثقيف هو أشرف مقاصد الحكومات الرشيدة، وإن الحكومات الرشيدة لتلتمس المعونةَ على تثقيف شعوبها من كل من يستطيعه من جمعيات وأفراد، وتبذُل لهم من التنشيط والتيسير ما يحقق ذلك، فما بالُ الحكومة الجزائرية الاستعمارية تعاكسُ وتضَع العراقيلَ في طريق التثقيف مع أنها عاجزة- باعترافها- عن تعميمه ونشره؛
أليست تلك المعاكسات كلها لأن التعليم عربى إسلامي؛
أليست النتيجة المنطقية أن تلك المعاكسات كلها حرب على الإسلام والعربية؛
بلى ... وإن ذلك لهو الحق الذي لا تغطيه مجاملات الخطب، ولا تزويق الألفاظ ولا أكاذيب رجال الحكومة، إن جمعية العلماء تشكوُ مر الشكوى من تلك القرارات بأجمعها، وتستنكر بنوع خاصّ ذلك القرار المتضمن لإيجاب الرخصة على المعلم، لأن هذا القرارَ إن سهل تنفيذُه في عمل شخصيّ، كمعلم، في مكتب، فإنه لا يسهُلُ العملُ به على جمعية عظيمة، تدير عشرات المدارس وتُشرف على مئات المعلمين، لأنها قد تنقل معلمًا في كل يوم، وقد ينفصل عنها معلمٌ في كل يوم وقد يموت. ففي تكليفها العملَ بهذا القرار تكليف بما لا يُطاق ولا يتم معه عمل.
стр. 933
وقد يتأتى للحكومة أن تقول: إن عملية الرخصة بسيطة، وما هي إلا طلب وإيجاب، وقد امتحنا هذا القولَ فوجدْنا الحكومة تيسّر على من رضيتْ عنه، وتعسّرُ على المغضوب عليهم، وتدخل بهم في بحر من الإجراءات لا ساحلَ له، حتى ييأسَ الآمل، ويفتر العامل.
إن الحكومة التي لا يعجزُها أن توجد للحق ضرائرَ من الباطل، ولا يعجزُها أن تثيرَ الغبارَ في وجوه العاملين للخير، ولا يعجزُها أن تمنعَ المسلمَ من الحج- لانتسابه إلى جمعية العلماء أو لمشرَبه السياسي- لا يعجزُها أن تجعلَ من طلب الرخصة وسيلةً للمنع.
وجمعية العلماء تستنكر كذلك هذا التجاهلَ الممقوت من الإدارات الحكومية، للعلاقات الوثيقة بين المدارس والجمعية، وللإشراف الفعلي من الجمعية على المدارس، بل للتأسيس العملي من الجمعية لكثير من المدارس، تطبيقًا للفصل السادس من قانونها، فالحكومة تتجاهل كل هذا ولا تريد أن تفهمه ولا أن تعترف به؛ يدل على ذلك ما وقع من التعطيل لمدرستي "بني منصور" و "سيدي عيسى" من عمالة (٦) الجزائر، ولمدرستيْ "قايس" و "عزّابة" من عمالة قسنطينة، وكل ذلك وقع في هذه الأيام، أيام الجمهورية الرابعة، والتفاصيل عند الإدارة، وما المظلوم فيها بأعلم من الظالم.
والحقيقة التي يجب أن تفهمها الحكومة، هي أن المدارسَ التي تشرف عليها جمعية العلماء وحدةٌ لا تتجزأ، والجمعية هي المسؤولة عن جميعها من حيث التعليم؛ فمن حسن الذوق، إن لم يكن من حسن النظام، أن تعتبرَها الحكومة على حقيقتها، فإذا حدث ما يوجب تدخلها، خاطبتْ في ذلك الجمعيةَ، لا المعلمَ ولا الجمعيةَ المحلية.
وخلاصة رأي جمعية العلماء في التعليم العربي، أنه أصبح ضرورةً من ضرورات الأمة، وأن القرارات المتعلقةَ به كلها ترمي إلى التضييق عليه وقتله، وأن تنفيذها موكول إلى عمال يتولونه بالغرض والهوَى، وقد كثرتْ هذه القرارات وملحقاتها وشروحها. حتى أنسى آخرها أولها؛ وأن الحكومة قد تشككت عن تنفيذها لمكيدة، ولكنها تبقى كالأسلحة المدسوسة لوقت الحاجة، وأن الأمة فهمت هذا فأصبحتْ لا تثق بوعد، ولا تطمئن إلى سكوت، حتى تلغى هذه القرارات، وتتلاقى الأمة والحكومة على قرار واحد معقول، لا ينفرد بوضعه عقل واحد بل عقول.
... والصحافة العربية
لا تزال آثار ذلك القرار "الشّوطاني" (٧) باديةً في معاملة الصحافة العربية واعتبار لغتها أجنبيةً
стр. 934
في وطنها، ولا تزال الأمةُ العربيةُ الجزائرية تنكره وتتحداه، فهل آن الأوان لإلغائه والتنفيس على الصحافة وإعطائها حقوقها الطبيعية، وهل آن للإنصاف أنْ يلامسَ هذه الأفكارَ الرجعيةَ؛
والنوادي ...
إن جمعية العلماء ترى أن النواديَ الإسلاميةَ التي تؤسسها، أو تشرف عليها، هي وسط جامع، بين المدرسة وبين الجامع، لأن هناك طائفة عظيمة من شباب الأمة لا تجدُ الجمعية وسيلةَ لتبليغه دعوة الدين والعلم إلا في تلك النوادي، وإن وضعية النوادي تعتمد على دخل ماليّ خاصّ من المشروبات المباحة التي تباع فيها، فكان من حلقات تلك السلسلة الموضوعة لتطويق التعليم العربي من جميع نواحيه، ذلك القرار الغريبُ الذي يمنعُ بيعَ المشروبات المباحة في النوادي، ونتيجته هي إفقار النوادي من روّادها، لعدم ما يجذبهم إليها، وما يحببهم فيها، وجمعية العلماء تعد ذلك القرارَ في غايته ملحقًا بالقرارات الموضوعة للتضييق على التعليم العربي.
... والمساجد وأوقافها
ابتلاع أوقاف المسلمين، والاستيلاءُ على مساجدهم، وإحالةُ بعضها كنائس ومتاحف ومستودعات، كل ذلك من أصول الاستعمار، وكل ذلك وقع في القطر الجزائري، واحتكارُ التصرف في المساجد والسيطرةُ على موظفيها أسلوبٌ من أساليب الإدارة الجزائرية، حافظتْ عليه في جميع عهودها لمعانٍ معلومة، ومقاصدَ مفهومة، وكلّ ما كتب في عهد الاحتلال من عهود، وكل ما بذل بعد ذلك من وعود، فهو شيء يكذّبه الواقع.
وفصل الدين عن الحكومة مبدأ جمهوري فرنسي، ولكنه من أكذب المبادئ بالنسبة إلى دين الإسلام في الجزائر، فما زالت الإدارة الجزائرية في جميع عهودها متمسكة بما أوْرثها الاستعمار من مساجدنا أكثرَ وأشدّ من تمسك المتديّن بدينه، لا تبالي بحقوق طبيعية، ولا بمبادئ جمهورية، ولا بمفارقات دينية، ولا بعواطفَ إنسانية، ولا سبب لهذا الإمعان في التسلط والاحتكار إلا استضعاف المسلمين واحتقارهم، وإلا فما بالُ هذه الحكومة لم تتسلطْ على معابد اليهود، ولا نقول عن معابد المسيحيين، لأننا لسنا ممن يعتقد (لائكية) الحكومة الجزائرية الاستعمارية.
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين باسم الأمة الجزائرية تريد بكل توكيد فصلَ الدين الإسلامي عن الحكومة، تحقيقًا للمبدإ الجمهوري وتسوية بين الأديان الثلاثة المتجاورة في الوطن الذي لو تساوَى أهله في حرية الأديان، وفي حرية الحياة، لكان أسعدَ الأوطان بأهله، ولكان أهله أسعد الناس به.
стр. 935
تريد الأمة فصلَ الدين عن الحكومة فصلًا حقيقيها واقعيًّا لا مواربة فيه ولا تعمية ولا تضليل، وأن تنفضَ الحكومة يدَها من الدين الإسلامي، وتبرئ ذمتها من أوقافه، فتسوّي مع ممثلي الأمة الذين تختارهم هي، لا الحكومة، مسألةَ الأوقاف، بالعدل والإنصاف، وتُسلم لهم المساجد تسليمًا مطلقًا، ليتصرفوا فيها تصرفًا مطلقًا، بحيث لا تتدخل لهم بعد الآن في تعيين إمام ولا غيره، ولا في ما يستحقونه من جراية ولا في تكوين جمعية دينية.
وأن تتركَ الحكومة هذه المناورات التي طالما رأيناها سابقًا، وما زلنا نراها، من التفاهم مع شخص في مسألة خطيرة كهذه، أو اختيار هيئة من دون استشارة الأمة ولا رضاها، وإن أقرب هذه المناورات الحركةُ القائمة في هذه الأيام لتأسيس جمعيات دينية من الموظفين الرسميين، والأشخاص الحكوميين، الذين لا تثق بهم الأمة، ولا تطمئن إليهم في دينها ولا في دنياها.
إن الأمة الإسلامية ترى أن المساجدَ والأوقافَ هما مسألة واحدة لا يمكن الفصل بينهما، كالشخص وظله، وإن الأمة لا ترضَى أن تستلم مساجدَها فقيرةً عريانة، ولا ترضَى أن يتولى المفاوضةَ عنها شخص أو هيئة تختارها الحكومة، ولا جمعيات دينية تكوّنها الحكومة؛ وتعد ذلك كله من باب نزع الشيء من اليد اليمنى، ووضعه في اليسرى، وإن الأمة أصبحتْ يقظةً حذرة من هذه المناورات، متفطنة لمراميها، لا تؤخذ في دينها بالخدَع.
لا ترضى الأمة إلا بأن تختار هي الجمعيات الدينيةَ، بعيدةً عن المؤثرات الحكومية؛ وأن تنتخبَ تلك الجمعياتُ مجلسًا إسلاميًّا يتولى تسويةَ الأوقاف ويُولي وَيعزل، ويتصرف بعيدًا من المؤثرات الحكومية أيضًا، ولا يستمد قوّته إلا من المؤتمر السنوي للجمعيات الدينية.
إن الأمة أصبحتْ لا تثق بشيء مما تمسه يد الحكومة من كل ما له علاقة بالدين، ولا سببَ لسوء الظن بالحكومة، وارتفاع الثقة بها إلا الحكومة نفسها، بسياستها الدينية المضطربة وتدخلها في ما لا يعنيها من شؤون الدين، وإصرارها على العناد في الحق، وتحدّيها لشعور الأمة؛ باختيارها من الحلول أبعدَها عن رضا الأمة، وفي الأخير بفرضها على الأمة طائفةً لا تبالي بمصلحة الأمة، كأن الأمة بعلمائها وعقلائها ودهمائها كلها سفيهة، ولا رشيد إلا هذه الفئة من المرتزقة الانتفاعيين.
في السنة الماضية قرأت الأمة منشورَ الوالي العام المؤرخ بيوم ٢٢ مارس سنة ١٩٤٦ وفي أوله ما ترجمته بالحرف: "إن فصل الدين عن الدولة حسب القانون الذي نفذ على الجزائر سنتي ١٩٠٥ و ١٩٠٧ لم يمكن إلى يومنا هذا تطبيقه بدقة، وأهم سبب لهذا هو أن المسلمين أنفسهم تباطأوا في أمر الجمعيات الدينية التي نص على وجوبها القانون، فهم لم يؤسسوا في الكثير من الجهات جمعيات دينية، ولم يعملوا عملًا منظمًا في الجمعيات التي وقع تأسيسها، إلخ".
стр. 936
قرأت الأمة هذا فعجبتْ كيف يتهَم المسلمون بأنهم السببُ في تأخر فصل الدين عن الحكومة مع أن ذلك القانونَ الذي ذكره المنشور قيّد في حينه بقيد من حديد، وهو قرار تفويض التصرف في المساجد إلى الوالي العام لمدة معينة، ثم ما زالت تتجدد.
وعجب المسلمون كيف يتهمون بالتراخي في تأسيس الجمعيات الدينية، وهم يرَوْن أن ما أسس منها بقيَ بلا عمل، حتى قتله الملل، لأن السيد "البريفي" (٨) يولي ويعزل، ويتصرف بإرادته، بدون توقف على الجمعيات الدينية، فماذا تصنع هذه الجمعيات؛ إنها إذا أرادتْ أن تعملَ عملًا لا يرضي حاكمًا بسيطًا، خلق لها ضرّةً من جمعية أخرى، فإذا طالبتْ إحداهما بشيء قيلَ لها إنكما اثنتان فاتفقا، ومحالٌ أن تتفقا.
ثم قرأت الأمة في آخر المنشور أمرَ السلطات الحكومية بأن تدفع الناس إلى تأسيس الجمعيات الدينية، وأن يوقظوا الجمعيات النائمة، إلخ.
لماذا لم يوجهْ هذا الأمر إلى الأمة مباشرة، وتضمنُ لها الحريةُ التامةُ والأمان من تدخل الحكومة.
ثم قرأت الأمة صورةَ عقد رسمي وُزّع على جميع الإدارات ليُمضيه حاكم البلدة المسيحي ورئيس جمعيتها الدينية المسلم، وفيه العجب العجاب، من بواعث القلق والاضطراب.
ومنذ سنتين تقريبًا تأسست إدارة الإصلاحات، ولكنها إلى الآن لم تصلح شيئًا في دين ولا دنيا، وما زادت إلا أنها أقامت الدليلَ على أنها بنتُ إدارة الشؤون الأهلية، ورثتْ عن أمها كل خصائصها، ولم تخالفها إلا في الاسم.
وفي هذه السنة رأت الأمة أن أعوان الحكومة من أوربيين آمرين، وأهليين مؤتمرين، منهمكون جميعهم في تكوين جمعيات دينية في كثير من البلدان، فما معنى هذا؛ معناه واضح مكشوف عند الأمة وغايته معروفة.
لو جرى هذا وما أشبهه في مسألة من مسائل الدنيا، لفهمت الأمة أنه أسلوب من أساليب الحكومة الاستعمارية، تعذر فيه لأنها حكومة، ولكنه يجري في مسألة دينية، لا رأيَ فيها إلا لصاحب الحق وهو الأمة.
إن هذه الحيل أصبحت مكشوفة، وإنها شواهد على سوء النية، وإن الأمة أصبحت على بيّنة من هذه المهازل، فلا تنام عن حق ولا تسكت عنه، وإن الأمة الإسلامية الجزائرية لا ترضى ببقاء الحالة على ما هي عليه، ولا ترضى بشيء من هذه الحلول التي تدبر في الظلام، ولا يرضيها إلا فصل صريح، تعلنه الحكومة في وضوح، وتترك المجالَ الحر للأمة لتنظم جمعياتها وتؤلف مجلسها الديني بحرية، ثم تتقدم للمحاسبة والاستلام.
стр. 937
جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها *
- ١ -
لجمعية العلماء أعمال ومواقف؛ لها أعمال في الميدان الديني، لا يتطرق إليها التبديل والتغيير؛ لأن المرجع فيها إلى نصوص الدين من كتاب الله، وصحيح السنة وإجماع السلف.
ولها أعمال في ميدان التعليم العربي، لا يعتريها الفتور والتخاذل، ولا النكوص والتراجع؛ لأن الدافع إليها طبيعي وحيوي، والجمعية في هذين الميدانين إمام لا يقلد، وقائدٌ لا يستوحي، وحارسٌ لا يؤامر ولا يستشير.
ولها في الحياة السياسية والاجتماعية للأمة الجزائرية آراء محصتها التجربة، وأيدها المنطق؛ ومواقف لم تراع فيها إلا المصلحة المحققة أو الراجحة، ولم تبال في مواقفها بمن طار ولا بمن وقع؛ فالطائر قد تصدمه نواميس الخفة والثقل، فينقلب مضعضعًا أو مكسورًا، والواقع قد تزعجه الحوادث فيتحرك مختارًا أو مقهورًا.
ولجمعية العلماء أضداد في أعمالها، يقصرون جهودَهم على التنقيص منها، والزّراية بها؛ وخصومٌ في مواقفها، يلوون ألسنتهم بانتقادها واتهامها، ويُشيعون عليها قالة السوء والعيب؛ وأعداءٌ يقفون لها بالمرصاد في كلا الميدانين، فلا تعمل عملًا إلا تقوّلوا، ولا تقفُ موقفًا إلا تغوّلوا، وقد تجمع الغايةُ بين هؤلاء جميعًا، فيتكون منهم مزيج غريب، يجمعه قولك "أعداء العروبة والإسلام ". نسميهم بهذا على رغم أنوفهم، لأن أعمالهم وأقوالهم شاهدة عليهم بذلك.
стр. 938
من أعداء الجمعية الاستعمار وأنصاره وصنائعه، يعادونها لأنها وقفت بينهم وبين الأمة سدًّا، وفضحت سرائرهم في ما يبيتون للإسلام والعربية من كيد.
ومن خصومها رجال الأحزاب السياسية من قومنا من أفراد وأحزاب، يضادونها كلما جروا مع الأهواء فلم توافقهم، وكلما أرادوا احتكار الزعامة في الأمة فلم تسمح لهم، وكلما طلبوا تأييد الجمعية لهم في الصغائر- كالانتخابات- فلم تستجب لهم، وكلما هاموا بالشعريات والخيالات، فردتهم إلى الحقائق، وكلما أرادوا تضليل الأمة وابتزاز أموالها فعارضتهم.
الواقع أن جمعية العلماء لم تزل في نزاع وصراع مع هؤلاء جميعًا، وأن محل هذا النزاع وهدف هذا الصراع هو الأمة الجزائرية، فالجمعية تريدُها أمةً عربيةً مسلمةً كما هو قسمها في القدر، وحظها في التاريخ، وحقها في الإرث، وحقيقتها في الواقع والمصطلح- تريدها كذلك، وتعمل لتحقيق ذلك؛ والاستعمار يريدها هيكلًا لا تترابط أجزاؤه، ولا تتماسك أعضاؤه، يوجه وجهه إلى الغرب، ويمكن في أفكاره لأهواء الغرب، وفي لسانه لرطانات الغرب؛ بل يريد الاستعمار أن يقتلع جذور هذه الأمة من تربة، ويغرسها في تربة، فتأتي مضعوفة هزيلة، لا من هذه ولا من هذه.
ورجال السياسة من قومنا يريدونها متبوَّأ لزعامتهم المزعومة، وسيادتهم الموهومة، فيعللونها بالأباطيل، ويروضونها على التصفيق والتهليل، ويسوسونها بطرقية سياسية، لا تختلف عن تلك الطرقية الدينية- التي حاربناها حتى قتلناها- في كثير ولا قليل.
...
هذه هي الحقيقة طال عليها الكتمان حتى شابتها شوائب من الباطل، وأحاطت بها شبهات من الظنون الخاطئة، ولو كان هذا التشويه للحقائق مقصورًا علينا، ودائرًا في المدار الضيق من مجتمعاتنا، لهان الأمر؛ ولكن رياح الإعلان حملته إلى ما وراء الحدود، وأوصلته إلى إخوان لنا يسوءنا أن يفهمونا على غير حقيقتنا، وأوترتها في آذان يسوءنا أن تسمع عنا غير الحق، ويسوءنا بعد ذلك كله أن يبنى تاريخ نهضة الجزائر بغير أحجاره.
إن جمعية العلماء لا يخرجها عن وقارها لغو اللاغين، فتجاريهم في الدعوى والإعلان، ولكنها تفخر بأعمالها ومواقفها ولا تقول إلا حقًّا.
وإن «البصائر» بعد هذا السكوت الطويل يسرها أن تسجل للجمعية غرر أعمالها للإسلام والعروبة والجزائر، ومواقفها المشرفة لها ولهذه الثلاثة.
стр. 939
عملها في توجيه الأمة:
لا تستطيع هيئة من الهيئات العاملة لخير الجزائر أن تتعلق بغبار جمعية العلماء في هذا المضمار، أو تدعي أن لها يدًا مثل يدها في توجيه الأمة الجزائرية للصالحات، وتربيتها التربية العقلية والروحية المثمرة، ورياضتها على الفضيلة الشرقية الإسلامية، وتصحيح نظرتها للحياة، ووزنها للرجال، وتقديرها للأعمال.
كل ذلك من اختصاصات جمعية العلماء، وكل ما تم منه فهو من صنع يدها، لا فضل فيه لأحد سواها، وأوّل يد بيضاء لها في هذا الباب تحرير العقول من الأوهام والضلالات في الدين والدنيا، وتحرير النفوس من تأليه الأهواء والرجال، وإن تحرير العقول لأساسٌ لتحرير الأبدان، وأصْلٌ له، ومحال أن يتحرّر بدَنٌ يحمل عقلًا عبدًا.
إن هذا النوع من التحرير لا يقوم به، ولا يقوَى عليه، إلا العلماء الربانيون المصلحون، فهو أثر طبيعي للإصلاح الديني الذي اضطلعت بحمله جمعية العلماء، عرف ذلك من عرَفه لها إنصافًا، وأنكره من أنكره عنادًا وحسدًا. فما زادها اعتراف المعترف إلا نشاطًا، وما زادها جحودُ الجاحد إلا حزمًا وثباتًا.
بذلك التحرير العقلي الذي أساسه توحيدُ الله، تمكنت الجمعية من توحيد الميول المختلفة، والمشارب المتباينة. والنزعات المتضاربة.
وبذلك التحرير أيقظت في الأمة قوة التمييز بين الصالح من الرجال والصحيح من المبادئ، وبين الطالح والزائف منهما.
وبذلك التحرير أراحت الأمة من أصنام كانت تتعبدها باسم الدين أو باسم السياسة. وبذلك التحرير زرعت البذرة الأولى لما يسمى الرأي العام في الجزائر، وتكوُّن الرأي العام بمعناه الصحيح هو بلوغ الرشد بالنسبة إلى الجماعات.
إن الأمة الجزائرية، كغيرها من الأمم الإسلامية، ما سقطت في هذه الهوّة السحيقة من الانحطاط إلا حين فقدت القيادة الرشيدة في الدين، تلك القيادة التي هي قبس من شعلة الوحي، وشعبة من قوة النبوّة، والتي تنبثق عنها جماعات المسلمين، حينما يضرب الفساد والنخر في أصول مجتمعهم.
فإذا وجدت الأمة هذه القيادة التي لا يسفهُ في يدها زمام، ولا تضطرب مقادة، وجدت نفسها، ومن وجد نفسه وجد الحقيقة.
стр. 940
عملها للعروبة:
ها هنا معاقد الفخار لجمعية العلماء، وها هنا معارج الصعود إلى التي لا فوقها، وها هنا تنمحي الغضاضة من المدح، فيكون تقريرًا من الحقيقة لنفسها، لا مدحًا من مادح؛ وإذا ملأت جمعية العلماء ماضيها فخرًا، وهزَّت أعطافها تيهًا، فلا حرج في ذلك.
دع الطنطنة لعشاق المظاهر والتهاويل، ودع الأصداء الفارغة تجب نفسها، ودع الدعوى للمتشبعين بما ليس فيهم، وهات الحقيقة التي لا تدحض، والحجة التي لا تنقض.
إن العروبة جذم بشري من أرسخها عرقًا، وأطيبها عذقًا، عرفه التاريخ باديًا وحاضرًا، وعرف فيه الحكمة والنبوّة، وعرفته الفطرة لأول عهودها فتبنَّتْهُ صغيرًا وحالفته كبيرًا.
وإن العربية هي لسان العروبة، الناطق بأمجادها، الناشر لمفاخرها وحكمها؛ فكل مدع للعروبة فشاهده لسانه، وكل معتز بالعروبة فهو ذليل، إلا أن تمده هذه المضغة اللينةُ بالنصر والتأييد، فلينظر أدعياء العروبة، الذين لا يديرون ألسنتهم على بيانها، ولا يديرون أفكارهم على حكمتها، في أي منزلة يضعون أنفسهم.
إن الشعب الجزائري فرع باسق من تلك الدوحة الفينانة وزهرة عبقة من تلك الروضة الغناء، عَدَت عليه عوادي الدهر، فنسي مجد العروبة، ولكنه لم ينس أبوتها، وابتلاه الاستعمار- عن قصد- بالبلبلة، فانحرفت فيه الحروف عن مخارجها إلا الضاد؛ ولم يبق من العروبة مع هذا وذاك إلا سماتٌ وشمائل، ولا من العربية إلا آيات ومخائل. وجاءت جمعية العلماء، على عبوس من الدهر، وتنكر من الأقوياء، فنفخت من روح العروبة في تلك الأنساب، فإذا هي صريحة، وسكبت من سر البيان العربي في تلك الألسنة، فإذا هي فصيحة، وأجالت الأقلام في كشف تلك الكنوز فإذا هي ناصعةٌ بيضاء لم يزدها تقادم الزمان إلا جدة.
جمعية العلماء هي التي حققت للجزائري نسبه العربي الصريح، بريئًا من شوائب الإقراف والهجنة، وأحيت في نفسه شعور الاعتزاز بنفسه، وفي لسانه شعور الكرامة للغته، وفي ضميره شعور الارتباط بين المقومات الثلاثة: الجنس واللغة والوطن، يمدّها الشرق بسناه، ويغذّيها الإسلام بروحانيته.
وجمعية العلماء هي التي أثبتت للاستعمار أن الدماء البربرية التي مازجت الدم العربي أصبحت عربية بحكم الإسلام، وبحكم العمومة والخؤولة الممتدتين في سلسلة من الزمن، ذرعها ثلاثة عشر قرنًا، مزاجٌ فطري، أحكمت القدرة تداخل أجزائه، والتحامٌ نسبي وصل التاريخ أطرافه مرتين ..
стр. 941
كأن الجزيرة العربية أم رؤوم لهذا الشمال، تعدّه فلذةً من كبدها، فهي تعطف عليه وتحن إليه، وتجعل منه مراوح لِقَيْظها، وضفافًا لفيضها، حنت إليه في حقبة غابرة من التاريخ، فرمته بقبائل يمانين، من بنيها الميامين، ينقلون إليه الدماء والخصائص، والمكارم والمفاخر، وحنت إليه بعد الإسلام، فأوفدت إليه الغر البهاليل من أصحاب محمد، يحملون الرحمة والسلام والبيان، ويفتحون الأذهان والعقول والأفكار؛ وما كانت غارة هلال بن عامر في المائة الخامسة للهجرة- على ما فيها من الهنات- إلا تلقيحًا لتلك الدماء التي أثَّرت فيها مؤثرات الهواء والتربة، وطول الثواء والغربة، وعمل فيها تداول الأمم الفاتحة، وتعاقبُ الدِّلاء الماتحة.
هذا بعض ما قدمته جمعية العلماء للعروبة من صنائع لهذا الوطن، تفخر به من غير منّ، وتجود به من غير ضنّ، ولولا الحياءُ لقالت أكثر من ذلك، ولَتَحَدَّتْ كل العاملين في الشرق العربي لرفعة العربية وإعلاء شأنها بين اللغات، بأنها عملت لها أكثر مما عملوا، عملوا لها وهم أحرار آمنون، في بلد لسانه وجنسه عربيان وحاكمه ومحكومه عربيَّان، وعملنا لها تحت زمجرة الاستعمار ودمدمة أنصاره، وأنقذناها من بين أنيابه وأظفاره.
رفعنا منارها في وطن لم يبقِ الاستعمار من عروبته إلا "اسم الجنس"، يضربه مثلًا للدناءة والخسة وللجهل والانحطاط، ولم يبق من عربيته إلا "اسم الفعل" يجعله رمزًا للبذاءة والسباب والشتم.
وفي أمة أشاع الاستعمار في جوانبها جاهليةً بلا مكارم، وأميةً بلا شعر، وفي جيل مخضرم مفتون، أعرضهم في العروبة دعوى هو أكبرُهم عقوقًا للعربية، وأشدّهم بالقومية تبجحًا هو أشدّهم نكايةً فيها، ومقاومةً لتعليمها ونشرها.
стр. 942
جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها
موقفها من السياسة والساسة *
ــ
- ٢ -
للسياسة في جميع بلاد الله وعند جميع خلقه معنىً محدودٌ قارٌّ في حيزه من الإدراك، إلا في هذا البلد وعند حكومته الاستعمارية وساسته المقلدين، فإن معناها غير
محدود ولا مستقرّ، يتسع إلى أقصى حدود الاتساع، فيحمل ما قارب وما باعد، وما جانس وما خالف، وما اطّرد وما شذَّ، ويضيق إلى أقصى حدود الضيق، فتلتوي مسالكه، وتنسدّ مجاريه، وتتهافتُ أقيسته، ولا يتبين فيه مورد من مصدر، كل ذلك بالتبع لأهواء الاستعمار المتباينة، وأهويته المتناوحة، والاستعمار كله رجسٌ من عمل الشيطان، فغيرُ غريب أن يكون من خصائصه تغيير الأوضاع والمعاني، ليصحح لنفسه الألوهيّة المزوّرة ولو إلى حين.
على أن معنى السياسة عندنا- في تردده بين طرفي السعة والضيق- يتسفّل دائمًا ولا يعلو، ويتبذل أبدًا ولا يسمو، ويوشك هذا اللفظ بسوء تصريف الاستعمار له أن يصبح بلا معنى كالألفاظ المهملة، وكما جازف الاستعمارُ قبل اليوم بكلمة "عدو فرنسا" يرمي بها قي غير هدف، ويسم بها كل مَن هبّ ودبّ، فكان من آثار ذلك أن نبه الناس إلى عداوة فرنسا، وفتح لهم بما يردّد من لفظها، وبما يُبدع من أسبابها، أبوابًا وطرائق، كذلك جازف بكلمة السياسة، يرمي بها حتى المصلين والحجاج، فكان من آثار ذلك أن غمرت الناس هذه الموجة المكتسحة من السياسة، ولا يجني الظالم إلا على نفسه، وإذا أراد الله بأمة خيرًا جعل يقظتها على أيدي أعدائها.
أما إن السياسة تكون خيرًا لأقوام، وشرًّا لآخرين، وتكون عقود حلية كما تكون عُقَدَ خنق، فهذا ما قرأناه في قاموس الاستعمار وعلمناه من مذاهبه، وهو- على علاته- مقبول،
стр. 943
إذا كان للسياسة معناها المعقول، ولكن السخافة كلها في هذا التبذّل الذي أصبحت معه كلمة السياسة كلفظ "البعبع"- هذا يخوف به الصغار، ولا حقيقة له، وتلك يخوَّف بها الكبار، ولا معنى لها؛ وما جاء هذا البلاء إلا من الوضعية الشاذة التي بني عليها نظام الحكم الاستعماري على المسلمين في الجزائر- حكومةٌ "لائكية" في الظاهر، مسيحية في الواقع، جمهوريةٌ على الورق، فردية في الحقيقة؛ تجمع يديها على دين المسلمين ودنياهم، وتتدخل حتى في كيفية دفن موتاهم؛ وما دامت هذه السيادة سائدة، وما دامت العنصرية موجودة، فإن هذه اللفظة (لفظة السياسة) تبقى ذليلةً مهينة، مجردةً من جلالها وسُموها، نجدها في باب الإجرام والاتهام، أكثر مما نجدها في باب الإكبار والاحترام.
إن أعلى معاني السياسة عند الحاكمين هو تدبير الممالك بالقانون والنظام، وحياطة الشعوب بالإنصاف والإحسان، فإذا نزلوا بها صارت إلى معنى التحيل على الضعيف ليؤكل، وقتل مقوّماته ليهضم، والكيد للمستيقظ حتى ينام، والهدهدة للنائم حتى لا يستيقظ.
وهذا المعنى الأخير هو الذي جرى عليه الاستعمار، ووضعه في قواميسه، وأقرّه في موضعه من نفوس رجاله ودُعاته؛ بحيث إذا أطلق بينهم لفظ السياسة لا يفهمون منه إلا هذا؛ وتراهم يحرّمون على الشعوب الخاضعة لهم- الخوض في هذا المعنى السافل، لئلا يجرّهم إلى الخوض في المعنى العالي، وتراهم يهيئون لتلك الشعوب من قشور ذلك المعنى وفتاته تعلات يلهونهم بها إذا بلغ بهم التبرم حده، ومن هذه التعلات الانتخابات الناقصة التي فتح الاستعمار للجزائريين كوّةً منها، فلم تدخل عليهم إلا الشر وضياع الأموال وتمزيق الوحدة.
هذا معنى السياسة عند الحاكمين، عاليًا ونازلًا، أما عند المحكومين فأعلى معانيها إحياءُ المقومات التي ماتت أو ضعفت أو تراخت، من دين ولغة وجنس وأخلاق وتاريخ وتقاليد، وتصحيحُ قواعدها في النفوس، ثم المطالبةُ بالحقوق الضائعة في منطق وإيمان، ثم الإصرارُ على المطالبة في قوة وشدة، ثم التصلبُ في الإصرار في استماتة وتضحية، مع اختيار الفرص الملائمة لكل حالة؛ درجاتٌ بعضها فوق بعض؛ فإذا نزلوا بها صارت إلى هذا التحاسد على الرياسة، وهذا التهافت على كراسي النيابة، وهذه المناقشات الفارغة في القشور، وهذا الجدل الشاتم السباب، وهذا الافتتان المزري بالأشخاص، وكل ذلك نراه على أقبح صوره في المجتمع الجزائري، في حين أن ذلك كله ليس من مصلحة الأمة الجزائرية، ولا في فائدة قضيتها، بل هو كله في مصلحة الاستعمار.
إن هذه السفاسفَ لم تبنَ على مقاصدَ صحيحة، فلم تأت بنتائج صحيحة، ولم تنشأ عن إيمان راسخ، فلم تظهر لها ثمرةٌ ناضجة، ولما بليت السرائر تبين أن سياسيينا كلهم
стр. 944
يتسابقون إلى غاية واحدة، هي كراسي النيابات وما يتبعها من الألقاب والمرتبات، وإذا كل شيء مبدأُه السياسة فنهايته التجارة؛ والأعمال بخواتمها.
هذه هي السياسة في الجزائر بين الحاكم والمحكوم؛ يجعلها الأولُ أداة مساومة، وفخ اقتناص للمذبذبين، وسلاح ترهيب وتخويف للمخلصين، ويجعلها الثاني وسيلة جاه، وذريعة تضليل للأمة، وقد بلوناها، وخبرناها، وحاولنا إصلاحها في رجال السياسة منا، إشفاقًا على هذه الأمة الصالحة، فبحت الأصوات، وأَكْدَت الوسائل، فلا يقولن قائل فيها وفينا غير هذا فأهل مكة أدرى بشعابها.
أما جمعية العلماء فليست من أولئك ولا من هؤلاء، ولكنها- بطبيعة الحال وبمكانتها من الأمة- متهمة من أولئك وهؤلاء.
يقول عنها الاستعمار في معرض التبرم بها والتسخط عليها: إنها جمعية سياسية في ثوب ديني، وإنها تستر القومية بستار الدين، وتخفي الوطنية بخفاء (١) العلم والعربية؛ ويتنطع في بعض نوباته العصبية فيقول عنها: إنها تخدم سياسةً أجنبية، ويجاري الطبيعة أحيانًا فيقول: إنها تعمل للجامعة العربية أو الإسلامية، ويلبس مسوح الرهبان تارةً أخرى فيشوب التهديد بالوعظ، ويقول لنا: إن جلال العلم لا يتفق مع أوساخ السياسة، وتغلب عليه طباع السوء فيقذف بأعضاء الجمعية في السجون، ويُلقي بهم في المعتقلات مع المجرمين.
ويقول عنها ساسة الانتخاب منا والمسحورون بكراسي النيابات، أقوالًا تختلف باختلاف أهوائهم فيها، وتباين مبادئهم ومبادئها، فيقول الموتورون في الانتخاب: إنها نصرت فريقًا على فريق، ويحملهم الغلوّ في الحزبية على القول بأنها رجحت مبدأ على مبدإ.
ويقول آخرون قطعت الطريق بينهم وبين الأمة: إنها تدخلت في السياسة وما ينبغي لها، لأنها لا تحسن السياسة ولا تنطقُ بلسانها؛ لسان السياسة أعجميٌ، ولسانها عربيّ مبين ...
آراء وأقاويلُ لا يراد بها وجه الحق، ولا مصلحة الوطن، وإنما يراد بها إرضاء النزعات الحزبية المبنية على التحاسد في ما لا يتحاسد عليه العقلاء.
ثم يلتقي هؤلاء جميعًا مع الاستعمار في نقطة اتصال، تلجئهم إليها الضرورة إلجاء، حتى يصير المختار فيها كالمكره؛ وهي حرب الجمعية، لا لأنها سياسية، ولا لأنها تدخلت في السياسة، بل لأنها أثبتت للعروبة حقها في هذا الوطن، وأثبتت للعربية حظها في ألسنة بنيه، وأثبتت للإسلام سلطانه على مهجهم وأرواحهم.
стр. 945
وجمعية العلماء تقول لهؤلاء مجتمعين:
تجمعتم من كل أَوْبٍ وبَلْدَةٍ ... على واحد، لا زلتمُ قِرنَ واحد
ثم تقول لكل فريق على انفراد ما يلجم فاه، وإن لم يردعه عن هواه، تقول للاستعمار: إنه لا يصدُقك جلية الجمعية إلا الجمعية، لأن دينها يأبى عليها الكذب والرياء والنفاق، وهي الأقانيم الثلاثة التي يقوم عليها الاستعمار.
إن جمعية العلماء أشرف من أن تعمل لغير مبدئها، أو تسخر مواهبها في خدمة الغير كائنًا من كان، ولو كانت فاعلة للانت لترغيبك وترهيبك.
(يا حضرة الاستعمار) إن جمعية العلماء تعمل للإسلام بإصلاح عقائده، وتفهيم حقائقه، وإحياء آدابه وتاريخه، وتطالبك بتسليم مساجده وأوقافه إلى أهلهما.
وتطالبك باستقلال قضائه.
وتسمي عدوانك على الإسلام ولسانه ومعابده وقضائه، عدوانًا بصريح اللفظ. وتطالبك بحرية التعليم العربي.
وتدافع عن الذاتية الجزائرية التي هي عبارة عن العروبة والإسلام مجتمعين في وطن.
وتعمل لإحياء اللغة العربية وآدابها وتاريخها، في موطن عربي وبين قوم من العرب.
وتعمل لتوحيد كلمة المسلمين في الدين والدنيا.
وتعمل لتمكين أخوّة الإسلام العامة بين المسلمين كلهم.
وتذكر المسلمين الذين يبلغهم صوتها بحقائق دينهم وسيَر أعلامهم وأمجاد تاريخهم.
وتعمل لتقوية رابطة العروبة بين العربي والعربي، لأن ذلك طريق إلى خدمة اللغة والأدب.
فإذا كانت هذه الأعمال تعدّ- في فهمك ونظرك- سياسة، فنحن سياسيون في العلانية لا في السر، وبالصراحة لا بالجمجمة.
إننا نعد كل هذا دينًا على الحقيقة لا على التوسع والتخيل، ونعدّه من واجبات الإسلام التي لا نخرج من عهدتها إلا بأدائها على وجهها الصحيح الكامل.
ولتعلم أننا نفهم الإسلام على حقيقته، وأننا لا نستنزل عن ذلك الفهم برقية راق، ولا بتهديد مهدِّد، ولتعلم سلفًا، ولتسلم منطقيًّا وواقعيًّا أننا حين تختلف الأنظار بينك وبين
стр. 946
الإسلام، فنحن مع الإسلام، لأننا مسلمون، ولتعلم أن تلك الأعمال تقزيدنا مع جلال العلم جلال العمل.
لتعلم أنه ما دام الإسلامُ عقيدةً وشعائر، وقرآنًا، وحديثًا، وقبلة واحدة، فالمسلمون كلهم أمة واحدة، وما دامت اللغة العربية لسانًا وبيانًا وترجمانًا فالعرب كلهم أمة واحدة؛ كل ذلك كما أراد القدر المقدور، والطبيعة المطبوعة، والأعراق المتواصلة، والأرحام المتشابكة، فلا "إسلام جزائري" (٢) كما تريد، ولا عنصرية بربرية كما تشاء.
ولتعلم- آخر ما تعلم- أن زمنًا كنتَ تسلط فيه المسلم على المسلم ليقتله في سبيلك، قد انقضى وأنه لا يعود ...
ولكن ما قولك- أيها الاستعمار- في تدخلك في ديننا، وابتلاعك لأوقافنا، واحتكارك للتصرف في وظائف ديننا، وتحكمك في شعائرنا، وتسلطك على قضائنا، وامتهانك للغتنا؛ ما قولك في كل ذلك، أهو من الدين أم من السياسة؟
وكيف تبيح لنفسك التدخل فيما لا يعنيك من شؤون ديننا، ثم تحرم علينا الدخول فيما يعنينا من شؤون دنيانا؟
وهبنا وإياك فريقين، فريق أخضع الدين للسياسة ظالمًا، وفريق أدخل السياسة في الدين متظلمًا، فهل يستويان؟ إننا إذا حاكمناك إلى الحق غلبناك، وإذا حاكمتنا إلى القوة غلبتنا؛ ولكننا قوم ندين بأن العاقبة للحق لا للقوة.
стр. 947
جمعية العلماء: أعمالها ومواقفها *
- ٣ -
ثم نقول لبعض إخواننا وساستنا الذين يناوئون جمعية العلماء، وهي مادّة قوتهم، وعماد أعمالهم، وأصل فروعهم، ومجمع غاياتهم التي يعملون لها إن كانوا صادقين، نقول لهم على اختلاف نزَعاتهم من أفراد وجماعات: إن السياسة لباب وقشور، وإن حظ الكثير منكم- مع الأسف والمعذرة- القشورُ دون اللباب.
أما لباب السياسة بمعناها العام عند جميع العقلاء فهو عبارة واحدة: إيجاد الأمة، ولا توجد الأمة إلا بتثبيت مقوّماتها من جنس، ولغة، ودين، وتقاليدَ صحيحة، وعادات صالحة، وفضائلَ جنسية أصيلة، وبتصحيح عقيدتها وإيمانها بالحياة، وبتربيتها على الاعتداد بنفسها، والاعتزاز بقوّتها المعنوية، والمغالاة بقيمتها وبميراثها، وبالإمعان في ذلك كله حتى يكون لها عقيدةً راسخة تناضل عنها، وتستميت في سبيلها، وترَى أنّ وجود تلك المقومات شرط لوجودها، فإذا انعدم الشرط انعدم المشروط، ثم يفيض عليها من مجموع تلك الحالات إلهام لا يغالب ولا يردّ، بأن تلك المقوّمات متى اجتمعت تلاقحت، ومتى تلاقحت ولدَت " وطنًا".
فاسمحوا لنا حين نفتخر بأن هذا اللُّبابَ من حظ جمعية العلماء، له عملت، وفي ميدانه سابقت فسبقت، وفي سبيله لقيت الأذى والكيد والاتهام، وفي معناه اصطدم فهمها بفهم الاستعمار، هي تفهمه دينًا، وهو يفهمه سياسة، اسمحوا لنا حين نعتقد أن حظ بعضكم من هذا اللباب صفر في صفر، فإن لوَوْا ألسنتهم بشيء من ذلك كذبتهم أعمالهم، وصدمهم الواقع، وإذا حاولوا شيئًا من ذلك شفّ ثوبُ التصنع عما تحته فافتضحوا.
إن جمعية العلماء تبني المقوّمات التي لا تكون الأمة أمةً إلا بها، ولا تكون وحدةً متماسكة الأجزاء إلا بالمحافظة عليها، فواجب على كل سياسي مخلص أن
стр. 948
يعينها على ذلك، وينشطها، ويعرف لها أعمالها، لا أن يخذلها ويئبطها ويبسط لسانه بالسوء فيها.
وان الاستعمار ما عكف على هدم تلك المقوّمات قرنًا كاملًا إلا لأنه كان يعلم أن سيأتي يوم يصيح فيه صائح بكلمة "حقي"، فقدّرَ لذلك اليوم، ولذلك الصائح، أنهما لا يأتيان، حتى لا تكون هذه الأمة في موضعها من الأرض لأنها أضاعته، ولا في موضعها من التاريخ لأنها نسيته؛ ولعمري إذا لم توجد الأمة فما صياحُ الصائحين إلا نفخ في رماد.
إن جمعية العلماء تعمل لسياسة التربية لأنها الأصل، وبعض ساستنا- مع الأسف- يعملون لتربية السياسة، ولا يعلمون أنها فرع لا يقوم إلا على أصله؛ وأيُّ عاقل لا يدرك أن الأصول مقدَّمةٌ على الفروع، وإن الاستعمار لأفقه وأقوى زكانة، وأصدقُ حدْسًا، من هؤلاء حين يسمي أعمالَ جمعية العلماء سياسة، وما هي بالسياسة في معناها المعروف ولا قريبة منه، ولكنه يسميها كذلك لأنه يعرف نتائجها وآثارها، وأنها اللُّباب وغيرها القشور؛ ويعرف أنها إيجاد لما أعدَم، وبناء لما هدَم، وزرعٌ لما قلع، وتجديد لما أتلف، وفي كلمة واحدة، هي تحد صارخ لأسلوبه، وما خدعناه في ذلك- والله- ولا ضلّلناه، وإنها لنقطة اصطدام على الحقيقة بين نظر الجمعية وبين نظر الاستعمار؛ فلا الإسلام يسمح لنا أن نعمل غير ما عملناه، ولا الاستعمار يرضى عن ذلك العمل، وقد أجبناه وانتهينا، ومضَينا وما انثنينا.
أَيُريد هؤلاء أن يبنوا الفروع على غير أصولها، فيبوءوا بضياع الأصل والفرع معًا؟ أم يريدون أن يجعلوا الفروع سلمًا للأصول، على طريقة أبي دلامة (١)، فيبوءوا باختلال المنطق وفساد القياس؟!
إننا نعدّ ضعف النتائج من أعمال الأحزاب في هذا الشرق العربي كله آتيًا من غفلتهم أو تغافلهم عن هذه الأصول، ومن إهمالهم لتربية الجماهير وتصحيح مقوّماتها، حتى تصبحَ أمةً وقوةً ورَأيًا عامًّا وما شاء الحق؛ ومن ترويضهم إياها على لفظ الحق قبل اعتقاد استحقاقه، وعلى لفظ الخصم قبل إحضار الحجة، وعلى لفظ العدو قبل أخذ الحيطة؛ ومن اغترارهم بالظواهر قبل سبْر البواطن، وبالسطحيات قبل وزن الجوهريات، وبالأقوال قبل أن تشهد الأفعال، ففي الوقت الذي كان فيه جمال الدين الأفغاني يضع أساس الوطنية الإسلامية على صخرة الإسلام الصحيح، ويهيب بالمسلمين أن ينفضوا أيديهم من ملوكهم ورؤسائهم وفقهائهم، لأنهم أصل بلائهم وشقائهم، وفي الوقت الذي كان محمد عبده يطيل ذلك البناء ويعليه كان مصطفى كامل- على إخلاصه لدينه ووطنه- يوجه الأمة المصرية إلى مقام
стр. 949
الخلافة العظمى المتداعي، ويخيف الاستعمارَ بشبح لا يخيف، ثم جرَت الأحزابُ المصرية إلى الآن على ذلك المنهج: إهمال شنيع لتربية الأمة وتقوية مقوماتها، وتطاحنٌ أشنع على الرياسة والحكم، وترديدٌ لكلمة الوطنية دون تثبيت لدعائمها، وتغن بمصالح الوطن وهي ضائعة، وترام بالتهم، والجريمةُ عالقة بالجميع، وتقديسٌ للأشخاص، والمبادئ مهدورة، والاستعمار من وراء الجميع يضحك ملءَ شدقيه، وينام ملءَ عينيه.
ليت شعري: إذا كان من خصائص الاستعمار أنه يمحق المقوِّمات ويميتها، ثم يكون من خصائص أغلب الأحزاب أنها تهملها ولا تلتفت إليها، فهل يلام العقلاء إذا حكموا بأن هذه الأحزابَ شر على الشرق من الاستعمار، لأن الاستعمار يأتيه من حيث يحذَر، والحذر- دائمًا- يقظ، أما هذه الأحزاب فإنها تأتيه من حيث يأمن، والآمن أبدًا نائم، فإذا انضم إلى هذا الداء المستشري خلاف الأحزاب ومنازعاتها، كانت النتيجة الطبيعية ما نرى وما نسمع، وقد أصبح هذا الشرق في تعدّد أحزابه السياسية كعهده في الخلافة العباسية يوم كان كل خلاف جدليّ في لفظة يسفر عن فرقة أو فرق، وكل مجلس مناظرة بين فريفين ينفضّ عن ثالث ورابع، ونراهم يقولون: إن كثرة الأحزاب في أمة عنوان يقظتها وانتباهها، وضمانُ وصولها إلى حقها، ولكننا لم نرَ من تعدد الأحزاب إلا نقصًا في القوة، ونقضًا للوحدة، وتنفيسًا على الخصم، واشتغالًا من بعضهم ببعضهم؛ وتعالتْ كلمة القرآن، فإنه لا يكاد يذكر الأحزابَ بلفظ الجمع إلا في مقام الخلاف والهزيمة ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، ولا يكاد يذكر الحزب بلفظ المفرد إلا في مقام الخير والفلاح ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وإن حزبَ الله في الأمة الجزائرية هو جمعية العلماء، وانها لمفلحة لا محالة.
إن من الغفلة والبله أن نقيس أحزابنا بالأحزاب الأوروبية، فإن تلك الأحزابَ ظهرتْ في أمم استكملتْ تربيتها وصححتْ مقوماتها، بدعوة دعاة جمعوا الكلمة، وعلماءَ أحيوا اللغة، ومعلمين راضوا الأجيال على ذلك، وأينَ نحن وأحزابنا من ذلك؟
يا إخواننا- خطاب عطف وتشريف- لسنا والله نبغضكم، فما أنتم إلا جزء منا، ولسنا والله نحتقركم فما أنتم إلا رأس مال هذه الأمة الفقيرة، ولسنا والله نتهمكم بممالأة الاستعمار فأنتم عندنا أجلّ من ذلك، ولكننا نعدّ مقاومةَ المقاومين منكم لجمعية العلماء ناشئةً عن بعدهم عن التربية الإسلامية والثقافة العربية، ونجد في كل عيب من عيوبهم أثرًا بارزًا من آثار الاستعمار في تربيتهم.
إن أقبح ما في أساليبكم أنكم تقسرون المبادئ على الخضوع للشخصيات في أمة حديثة عهد بعبادة الأشخاص، فتعرضونهما معًا للضياع، وأن أسوأ أعمالكم احتقاركم للسواد الأعظم من الأمة- وهي أمتكم- فلا تفكرون في إعدادها، ولا في درجة استعدادها، ولا
стр. 950
تلتفتون إلى تصحيح الأسس فيها، ولا تعبأون بدينها ولا بلغتها، ولا تظهرون بالمظاهر التي تقربكم منها، ولا تنيرون أمامها السبلَ ببرامجَ واضحة ومبادئ معقولة، ولا تشركونها في رأي ولا مشورة، ولا تتصلون بها إلا حين ينعق غراب الانتخاب.
إن منكم من يحتقر لغةَ الأمة فلا يقيم لها وزنًا، وفيكم من يحتقر دينها فلا يقرأ له حسابًا، وفيكم من يحتقر بناتها فلا يتزوج منهن، وفيكم من يأنف من خؤولتها لأبنائه فيختار لهم أخوالًا غرباء، وإن بعض ذلك لقدْح محسوس في أمتكم الحاضرة، وإن بعضه لسم مدسوس في أعراق أمتكم المقبلة؛ فيا ويحكم هل هذا كله إلا من آثار الاستعمار في نفوسكم، شعرتم أم لم تشعروا؟
يا إخواننا! إنكم أحرجتمونا بأعمالكم وأقوالكم وأحوالكم، فأخرجتمونا من مقام التلطف في النصيحة إلى مقام الإيجاع في التنديد؛ وأردتم أن تثلموا سيفًا من سيوف الحق، فلا تلوموه إذا خشن متنه وآلم جرحه، فتجرّعوا هذه النصائح على مرارتها في لهواتكم، فما نحن- بمكاننا في الدين- أقل من أن ننصح، ولا أنتم- بمكانتكم في أنفسكم- أجل من أن تنتصحوا.
يا إخواننا! إن الدعوى والزعم وسفاسف الأقوال وتوافه الأعمال وتصغير الكبائر وتكبير الصغائر، كلّ ذلك مما لا تقوم عليه عقيدةٌ سياسية ولا تربيةٌ وطنية.
إننا لو جمعنا كل آرائكم في السياسة، وفرضنا تحقيقها لما أفادت الأمة شيئًا وهي بهذه الحالة من التربية فكيف وأنتم متباينون؛ وكيف وأنتم مع الخلاف يكفر بعضُكم ببعض، ويلعنُ بعضُكم بعضًا؟
إن وراء السياسة شيئًا اسمه الكياسة، وهي خلق ضروري للسياسي، وإن السياسي الذي يحترم نفسه، يحترم غيره مهما خالفه في الرأي، ومهما كان الخلاف جوهريًّا، فإذا لزم النقد، فلا يكون الباعث عليه الحقد، وليكن موجهًا إلى الآراء بالتمحيص، لا إلى الأشخاص بالتنقيص.
إننا لا نتصور كيف يخدم السياسي أمته بتقطيع أوصالها، وشتم رجالها، وتسفيه كل رأي إلا رأيه، ولا نتصوّر أن مما تخدم به الأمة هذه الدروس (العالية) في أساليب السبّ التي يلقنها بعض الأحزاب لطائفة من شباب الأمة في (معاهد) المقاهي والأزقة؛ إن تضرية الشبان على الشتم والسباب جريمة لا تغتفر ...
إن شباب الأمة هو الدم الجديد في حياتها؛ فمن الواجب أن يصان هذا الدم عن أخلاط الفساد؛ ومن الواجب أن يتمثَّل فيهم الطهر والفضيلة والخير، ومن الواجب أن تربى ألسنتهم على الصدق وقول الحق، لا على البذاء وعورات الكلام.