صنوف القراء بصنوف الرغائب فيجد كل صنف منهم فيها ما يرضي نزعته، ويروي غلته، ولكن يحول بينها وبين هذه الغاية فقد الأعوان، وتزاحم الشواغل.
وكان من أمانيها أن ينصرها أهل العلم- في هذا الشمال كله- كما نصرتهم، ويرفعوا شأنها كما رفعت رؤوسهم، ولكنهم- سامحهم الله- اكتفوا بالثناء، والثناء ينعش ولا يغذي، وبالإعجاب، والإعجاب شهادة بالجمال لا زيادة فيه.
وكان من أمانيها أن تكون صحيفة الشمال الافريقي كله، تغشى نواديه وبواديه، تجلو الحقائق بالصدق، وتكشف عن النقائص بالأمانة والإخلاص، ولكن الاستعمار أبى عليها ذلك وضيق مجالها، فحجر عليها الدخول إلى المغرب الأقصى، والمغرب من بين أجزاء الشمال هو أكملها في الخير نصابًا، وأوفاها من الكمال نصيبًا.
...
إن السنوات مراحل سفر إلى غاية، تقطعها الكائنات الحية الدائبة، وفيها السهول، وفيها الحزون، وفيها الشعاف، وفيها الشعاب، وفيها من مشابه البر الفجاج، وفيها من خصائص البحر الأمواج؛ والحازم من يقدر ذلك، ولا يثنيه عن غايته شيء من ذلك. وكذلك كانت "البصائر" وكذلك تكون إن شاء الله.
стр. 877
خطاب أمام الوفود العربية والإسلامية
في الأمم المتحدة *
في مساء الثلاثاء٢٩ جانفي ١٩٥٢ أقامت شعبة جمعية العلماء بباريس مأدبة عشاء بنزل "العالَمين" (دو موند) في شارع الأوبرا على شرف الوفود العربية والإسلامية في منظمة الأمم المتحدة، وقد ألقيت في هذا الحفل ثلاث خطب: الأولى للأستاذ عبد الرحمن عزام الأمين العام لجامعة الدول العربية، والثانية للأستاذ محمد البشير الإبراهيمي رئيس علماء الجزائر، والثالثة للأستاذ فارس الخوري رئيس الوفد السوري.
وقد ألقى الأستاذ الإبراهيمي خطبته ارتجالًا ولخّصها الأستاذ أحمد بن سودة تلخيصًا وافيًا بحيث لم يند عنه إلا القليل من ألفاظها ومعانيها:
ــ
حضرات أصحاب المعالي الوزراء،
حضرات أصحاب السعادة والعزة،
حضرات الزملاء حملة الأقلام،
حضرات الإخوان:
هذه ليلة ارتفعت فيها الكلف، وغاب عنها العواذل، وغفل عنها الرقباء- إن شاء الله- فاسمحوا لي أن أخرج عن الوضع المتعارف في رسوم الخطاب، فأنا بصفتي رجلًا مسلمًا دينيًا أمثل الإسلام في بساطته وسماحته واعتباراته الروحية، يحلو لي أن أخاطبكم بما جاء به الإسلام في آدابه الراقية، ومثله العليا، وهو وصف الأخوة.
إن النبوّة هي أكمل الخصائص الإنسانية، وأشرف المواهب الإلهية، ولكن الله حين يرفع ذكر الأنبياء يضعهم في الدرجة الأولى من معارج الرقي، وهي درجة العبودية لله، فمحمد عبد الله قبل أن يكون رسوله، وفي القرآن: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.
стр. 878
فأنا حين أخاطب إخواني الكرام الذين أتاح لي الحظ السعيد أن أقف أمامهم في هذه اللحظة، لا يحلو لي إلا أن أخاطبهم بهذا الوصف الجليل، وهو وصف الأخوة الذي منذ فقدناه لم نجد أنفسنا، وكأننا حبات انقطع سلكها فانتثرت فأصبحت كل حبة منها في كف لاقط، فمعذرة إلى إخواني الذين أعتزّ بأخوتهم ان خرجت عن النمط المألوف في رسوم الخطاب، وخاطبتهم بيا أيها الإخوان (تصفيق متواصل).
أيها الإخوان المتلاقون على هوى واحد هو هوى الوطن الجامع، المتعبّدون بعقيدة واحدة هي عقيدة تحرير هذا الوطن الجامع، الطالعون كالكواكب من أفق واحد هو هذا الشرق الذي اطلعت سماؤه الشمس والقمر، وأطلعت أرضه الأنبياء والحكماء.
أحييكم باسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وباسم شعبتها المركزية بباريس، تحية العروبة التي هي أكرم ما أنجبت البشرية من سلائل، وتحية الإسلام الذي هو أصفى ما تشظت عنه صدفة الوحي من لآلئ، وتحية الشرق الذي أعتقد مخلصًا أنكم أزكى نباته، وأنكم الصفوة المختارة من بُناته. وأحييكم باسم الجزائر العربية المسلمة المجاهدة الصابرة، التي هي غصن فينان من دوحة الإسلام، وفرع ريّان من شجرة العروبة، وزهرة فوّاحة من رياض الشرق (تصفيق حاد)، تغرّبت هذه الزهرة كما تغربت قبلها نخلة عبد الرحمان الداخل، فلم تشنْها غربة، وما زالت متّصلة بالشرق العربي، تستمدّ منه القوّة والفتوّة، وما زالت متّصلة بالشرق الإسلامي، تستصبح بأنواره، وتتغنّى بأمجاده، وتعيش على ذكرياته، وهي على صلة بالشرق متينة، كانت وما زالت متمسّكة بحبله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (تصفيق)، وما زالت قائمة على غرس عقبة والمهاجر وحسّان بن شريك، بالتعهّد والحفظ، وما زالت ناطقة بلسان هلال بن عامر بن صعصعة منذ طغت موجة أبنائه عليها ... تلك الموجة التي يسميها المؤرّخ المجحف إغارة على الأوطان، وتخريبًا للعمران، ويسمّيها المؤرّخ المنصف إنارة للأذهان وتعريبًا للسان، فحيثما حل هلال من سهولها حلّت العروبة، وأينما سار، سار في ركابه البيان العربي الذي من بقاياه ما تسمعون.
هذه هي الجزائر التي أحييكم باسمها، والتي ترون أبناءها أمامكم بين شيخة وشباب، يلتقيان في غاية واحدة، وإن نزغ بينهما الشيطان، فكما ينزغ بين الأخوين، ولكنهما في النهاية إلى التجمّع والاتحاد، وهؤلاء أبناء الجزائر الذين أحييكم باسمهم يا إخواننا، وأستحي أن أقول: يا ضيوفنا، فإننا جميعًا في دار غربة، وكم وددنا لو اجتمعت هذه الوفود في دارنا (الجزائر) فترون ما يشرح صدوركم، ويبهج خواطركم من ارتباط الجزائر بالشرق والعروبة والإسلام.
стр. 879
أيها الإخوان ... أيها الزملاء حملة الأقلام!
أحقيقة ما ترى عيناي أم خيال؟ إخوة طوّحت بهم الأقدار، وفرّقتهم صروف الدهر في الأقطار، حتى ما يلتقي رائح منهم بمبتكر، ثم يجتمعون في هذه الليلة وفي هذه البلدة على غرة وعلى غير ميعاد، كما تجتمع أشتات الزهر في إبّانها وفي مكانها، تختلف منها الألوان والأشكال، ويجمعها الشذى والطيب والجمال.
أحق أن باريس- وهي منبع شقائنا، وهي الصفحة العابسة في وجوهنا- تنزل لحظة عن عادتها فتتيح لنا أن نجتمع بين حناياها هذا الاجتماع الرائع؟ فلولا حقوق للأوطان في أعناقنا، ولولا عهود يجب أن نرعاها لديارنا، لكنّا نغفر لباريس جميع ما جرّته علينا من جرائر، ونمحو لها بهذه الحسنة جميع السيّئات، ولكن تأبى علينا ذلك دماء في تونس تسيل (تصفيق وتأثّر)، وشعب في المغارب الثلاثة يعذب، وشباب تفتح له السجون والمعتقلات، وتغلق في وجهه المدارس والمعابد، ودين في الجزائر ممتهن الكرامة، فهيهات أن نصفح عن باريس أو نصافحها بعد أن جنينا المر من ثمراتها، وهيهات أن يسمّيها دار العلم، من لم ير منها إلا الظلم، وهيهات أن يدعوها عاصمة النور من لم تغشَهُ منها إلا الظلمات، وهيهات أن يلقّبها دار المساواة من لم تعامله إلا بالإجحاف.
أيها الإخوان!
ها هو الشرق رمى باريس بأفلاذ كبده، يدافعون عن حماه بالحق، ويجادلون عن حقّه بالمنطق، وما منهم إلا السيف مضاء، والسيل اندفاعًا، وإن وراءهم لشبابًا سينطق يوم يسكتون، وسيتكلم بما يخرس الاستعمار ويسوءه، وان بعد اللسان لخطيبًا صامتًا هو السنان، وإننا لرجال، وإننا لأبناء رجال، وإننا لأحفاد رجال وإن أجدادنا دوّخوا العالم، ولكن بالعدل، وسادوه، ولكن بالإحسان، وإن فينا لقطرات من دماء أولئك الجدود، وإن فينا لبقايا مدّخرة سيجليها الله إلى حين.
رمى الشرق باريس بهذه الأفلاذ، فخاطبوا الأمم وخطبوا في منظمة الأمم، هذه المنظمة التي سمّيت بغير اسمها، وحليت بغير صفتها، وما هي إلا مجمع يقود أقوياؤه ضعفاءه، ويسوق أغنياؤه فقراءه، وما هي إلا سوق تُشترى فيه "الأصوات" بأغلى مما كانت تشترى به أصوات "الغريض" و "معبد"، غير أن الأصوات القديمة كانت فنًا يمتزج بالنفوس، وموسيقى تتسرّب إلى الخواطر، أما هذه الأصوات فإنها تنصر الظلم، وتؤيد الاستعلاء والطغيان، وشتّان ما بين الصوتين، وتباع فيه الذمم والهمم والأمم بيع البضائع في السوق السوداء، وما هي إلا مجلس نصبوه للشورى فكان للشر وعقدوه للعدل والتناصف، فكان فيه كل شيء إلا العدل والتناصف.
стр. 880
رمى الشرق باريس بأفلاذ كبده فعز على المغرب العربي أن يبقى بعيدًا مع قرب الدار، فرمى باريس بأفلاذ من كبده ليلقى الأخ أخاه فيتناجيان بالبر والتقوى، ويتطارحان الألم والشكوى. ويهش وجه لوجه، ويخفق قلب لقلب، وتصافح يد يدًا، وترد تحية عن تحية، ثم يقوى ساعد بساعد ويشتدّ عضد بعضد، ويمتزج ضعف بضعف فينبثقان عن قوّة، وضعيفان يغلبان قويًا (تصفيق).
أيها الإخوان!
لم يؤثر الفاتحون المتعاقبون على الشمال الأفريقي، ولا أثّرت الأديان الراحلة إليه، جزءًا مما أثر الإسلام، وأثرت العروبة، ذلك لأن الفاتحين لهذا الوطن قبل الإسلام إنما جاءوه بدين القوة وشريعة الاستغلال، أما الإسلام فقد جاء بالعدل والإحسان، وجاء وافيًا بمطالب الروح، ومطالب الجسم، وجاء لإقرار الإنسانية بمعناها الصحيح في هذه الأرض، لذلك كان سريع المدخل إلى النفوس، لطيف التخلّل في الأفكار، قوي التأثير على العقول، ولذلك طال في هذا الشمال أمدُه، وسيبقى ما دامت الفوارق قائمة بين الإنسان والحيوان.
وإن هذا الشمال الأفريقي كل لا يتجزأ (تصفيق) تربط بين أجزائه دماء الأجداد، ولسان العرب، ودين الإسلام، وسواحل البحر في الشمال، وحبال الرمال في الصحارى، وسلاسل الأطلس الأشم في الوسط، واتحاد الماء والهواء والغذاء، وإنها لخصائص تجمع الأوطان المتباينة، فكيف لا تجمع الوطن الواحد؟ إن تفرّق هذه الأجزاء لم يأت من طبيعتها وإنما جاء من طبائعنا الدخيلة، ومن تأثراتنا الغريبة بالدخلاء، وإنني متفائل بأن هذه الليلة ستكون فاتحة لعهد جديد واتحاد عتيد، ونور من الرحمة والإخاء ينتظم المغارب في سلك. إنني متفائل بما يتفاءل به السارون المدلجون من انبلاج الفجر، فعسى أن يتحقق هذا التفاؤل فتكون هذه الليلة أول خيط في نسيج الوحدة الأفريقية التي هي آخر أمل للمتفائلين مثلي، وإن العنوان الدال على ما وراءه هو اجتماع جميع حركات الشمال الأفريقي في هذا المحفل الزاهر، وان البشير بتحقّق هذا الأمل هو امتزاجنا بإخواننا الشرقيين حول هذه الموائد ومن بركاتهم أن تجتمع حركاتنا كلها في صعيد واحد، وكلها لسان يعبِّر، وقلب يفكّر، وآذان تسمع، وإنّا لنرجو أن تكون قلوينا غدًا غير قلوبنا بالأمس، وأن نفيء إلى الحق الذي أمر الله بالفيأة إليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (تصفيق متواصل).
...
أيها الإخوان!
يقول المستعمرون عنا: إننا خياليون، وإننا- حين نعتزّ بأسلافنا- نعيش في الخيال، ونعتمد على الماضي، ونتّكل على الموتى، يقولون هذا عنا في معرض الاستهزاء بنا، أو في
стр. 881
معرض النصح لنا، وأنا لا أدري متى كان إبليس مذكرًا. ما يرمون إليه، أنهم يريدون أن ننسى ماضينا فنعيش بلا ماضٍ، حتى إذا استيقظنا من نومنا أو من تنويمهم لنا، لم نجد ماضيًا نبني عليه حاضرنا، فاندمجنا في حاضرهم، وهو كل ما يرمون إليه. وسلوهم ... هل نسوا ماضيهم؟ إنهم يبنون حاضرهم على ماضيهم، إنهم يعتزّون بآبائهم وأجدادهم، إنهم يخلدون عظماءهم في الفكر والأدب والفلسفة والحرب والفن، إنهم لا ينسون الجندي ذا الأثر فضلًا عن القائد الفاتح، وهذه تماثيلهم تشهد وهذه متاحفهم تردّد الشهادة.
إن القوم يحتقرون حاضرنا الذي أوصلونا إليه، ويعتقدون أننا صبيان، فيتذكّرون ماضيهم ليبنوا عليه حاضرهم ومستقبلهم، وينكرون علينا ذلك، فمن حقّنا، بل من واجبنا أن نعرف ماضينا والرجال الذين عمروه في ميادين الحياة، فنعرف من هو أبو بكر ومن هو عمر؟، ونعرف ما صنع عقبة وحسّان وطارق وموسى وطريف في الغرب، وما صنع المثنى وسعد وخالد وقتيبة في الشرق.
ألا أنهم يذكِّرون أبناءهم بماضيهم، ويلقّنونهم سِيَر أجدادهم وأعمالهم، وإنهم يذكرون أبناءنا المتأثرين بعلومهم وصناعاتهم بذلك، ويأتونهم بما يملأ عقولهم ونفوسهم حتى لا يبقى فيها متّسع لذكريات ماضينا وأسلافنا، وإن الواحد من هذا الصنف من أبنائنا ليعرف الكثير عن نابوليون، ولا يعرف شيئًا عن عمر، ويحفظ تاريخ "جان دارك" عن ظهر قلب، ولا يحفظ كلمة عن عائشة وخديجة، وإن هذه لهي الخسارة التي لا تعوّض، وإني أتخيّل أن لهم في تحريف الكثير من أسماء أعلامنا مأربًا يوم كانوا يأخذون العلم عنّا، كأنهم ألهموا من يومئذ أن الزمان سيدول وأن دورة الفلك علينا بالسعد ستنتهي، وأننا سنعود إلى الأخذ عنهم، فحرّفوا أسماءنا لتشتبه على أبنائنا، فلا يعرفون أن "افيرويس" هو ابن رشد، وأن "افيسن" هو ابن سينا، وان "جيبرال طار" هو جبل طارق، وهكذا يتكلم أبناؤنا اليوم بهذه الأسماء، وهكذا ينطقون بها، ولا يهتدون إلى أصحابها حتى يقيّض الله لهم من يكشف الحقيقة، ثم يبقى أثر الشك في نفوسهم، لما يصحب تثقيفهم الأجنبي من تحقير لجنسهم وحكم على تاريخهم بالعقم الفكري ... وإنها لمصيبة يجب علينا أن نتنبّه إلى خطرها، ونبادرها بالعلاج، وان دواءها الوحيد هو تثقيف أبنائنا تثقيفًا عربيًا شرقيًا موحّدًا، وأقول موحّدًا لأنني أعتقد أن الخلافات السياسية التي مُني بها الشرق، يرجع معظمها إلى اختلاف الثقافات، فالمثقّف ثقافة انكليزية يحترم انكلترا، والمثقّف ثقافة فرنسية يحترم فرنسا، وهكذا وزّعنا الاحترام على الغير، فلم يبق من احترامنا لأنفسنا شيء، وكأننا استبدلنا بجنسيتنا الواحدة جنسيات متعددة، كلها غريبة عنّا، وكلّها مجمعة على اهتضامنا وهضمنا، ولولا نزعات موروثة عن الأجداد الذين قهروا الرومان في أفريقيا، ودفعوا الصليبيين عن الشرق، لم يبق لنا من ذلك التراث الغالي شيء، بفعل التجهيل الذي هو غاية الاستعمار فينا، وبفعل هذه التعاليم الغريبة عنّا.
стр. 882
أيها الإخوان!
ليس من سداد الرأي أن يضيع الضعيف وقته في لوم الأقوياء، وليس من المجدي أن يدخل معه في جدل. إن من تمام معنى اللوم أن يتسبّب في توبة، أو يجر إلى إنابة، ونحن نعلم أن القوم لا يتوبون ولا يذكرون، فالواجب أن نلوم أنفسنا على التقصير، ونقرعها عن الانقياد لآراء هؤلاء القوم ولإرشادهم ... أما لومنا إياهم فهو لوم الخروف للذئب، وأما طمعنا في توبتهم فهو طمع الخروف في توبة الذئب، فإن أردتم أن تروا المثل الخارق من توبة الذئب فقلّموا أظافره، واهتموا أنيابه، كذلك إن أردتم توبة القوي فاحتقروا قوّته، واحذروا أن تكونوا زيادة فيها، فإنه يتصاغر ثم ينخذل، ثم يساويكم فإذا هو أقل منكم وأضعف. إن هذه هي الأمثال التي يعقلها الطغاة، وإن هذه هي التوبة التي يجب أن يُحملوا عليها حملًا، ويلجأوا إليها إلجاءً.
كذلك يجب أن لا نقضي أعمالنا في التلاوم، وأن لا نكون كمن قال فيهم القرآن: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾ فإذا تلاومنا فليكن ذلك زجرًا عن الشر، وردعًا عن الخلاف، ثم رجوعًا سريعًا إلى الحق، ولقد نهى شوقي إخواننا المصريين حينما كانوا يتلاومون فيشغلهم التلاوم عن قضيتهم والاستعداد، وبرأهم في موقف تجب فيه المؤاخذة الوطنية، ليردّهم إلى سبيل الرشاد، فقال:
لا يلم بعضكم على الخطب بعضًا ... أيها القوم، كلكم أبرياء
فلندع اللوم والعتاب جانبًا، ولنفعل ما يفعله الصاحي حين يستيقظ من النوم من حزم وتشمير وجد، فبذلك يلحق القوافل المبكّرة، لا بالتباطؤ والإخلاد ولعن الشيطان ومعاودة النوم.
إن شبابنا هم أحق الناس باستجلاء هذه العبر، وهم أحق بوصل مبتدئهم بالخبر، وهم أحق بأخذ مواعظ الحياة عن المتنبي، وبتلقّي دروسهم الفطرية البدوية عنه، وأن لا يكونوا شبابًا- بالمعنى الذي يملأ هذه الكلمة- حتى يؤدّوا امتحانًا في الحياة على منهج المتنبي وطريقته، إذ يقول:
وأهوى من الفتيان كل سميدع ... نجيب كصدر السهمري المقوَّمِ
خطت تحته العيس الفلاة وخالطت ... به الخيل كُبَّات الخميس العرمرم
فإن فعلوا ذلك فأنا كفيل لهم أن يدخلوا هذا البحر المتلاطم من حضارة عصرهم ولا يغرقوا، وأن يعبّوا من هذه التعاليم المتباينة في حياة عصرهم ثم لا يشرقوا ... (تصفيق).
стр. 883
أيها الإخوان!
إن القوم درسونا وفهمونا، وتيقّنوا أننا لن نضيع ولن نفنى ما دمنا متمسّكين بالعرى القوية من الإسلام والعربية والشرق، فرمونا بالوهن في مقوّماتنا حتى تضعضعت وبدأوا بالدين فسخّروا علماءه بوسائل شتى حتى أضعفوا سلطانهم وأزالوا هيبتهم من نفوس المسلمين، ووجدوا ثغرًا قديمة من ضلالاتنا فيه فوسّعوها وأدخلوا فيه ما ليس منه، وشجّعوا البدع المحدثة في الدين بتشجيع أهلها، وأعانهم على ذلك كله الانحطاط العام الذي ابتليت به العلوم الإسلامية من المائة الثامنة إلى الآن، فكاثروها بعلومهم المادية حتى غمروها وزهدوا أهلها فيها وأصبحت عقيمة جامدة ثم عمدوا إلى الكبراء فأغووهم بالأموال والألقاب والرتب، وأغروا بينهم العداوة والبغضاء، وشغلوهم بالتوافه عن العظائم، وببعضهم عن الأجنبي، وبأنفسهم عن الشعوب، فما استفاقوا وما استفقنا إلا وأوطاننا مقسّمة، وقسمتنا هي القليلة، وممالكنا كثيرة، ولكن معانيها للأجنبي، وألفاظها لنا، ثم عمدوا إلى الشباب فرموه بهذه التهاويل من الحضارة الغربية وبهذه التعاليم التي تأتي بنيانه الفكري والعقلي من القواعد، وتحرف المسلم عن قبلته، وتحول الشرقي إلى الغرب، وإن من خصائص هذه الحضارة أن فيها كل معاني السحر وأساليب الجذب، وحسبكم منها أنها تفرّق بين المرء وأخيه والمرء وولده، فأصبح أبناؤنا يهرعون إلى معاهد العلم الغربية عن طوع مِنَّا يشبه الكره، أو عن كره يشبه الطوع، فيرجعون إلينا ومعهم العلم وأشياء أخرى ليس منها الإسلام ولا الشرقية، ومعهم أسماؤهم، وليس معهم عقولهم ولا أفكارهم، وإن هذه لهي المصيبة الكبرى التي لا نبعد إذا سمّيناها مسخًا، وليتها كانت مسخًا للأفراد، ولكنها مسخ للأمم ونسخ لمقوّماتها.
...
أيها الإخوان!
إن النقطة التي ابتدأ منها بلاؤنا وشقاؤنا هي أنهم أرادونا على الانقسام، وزيّنوه لنا كما يزيّن الشيطان للإنسان سوء عمله، فأطعناهم وانقسمنا، فوسعوا شقة الانقسام بيننا بأموالهم وأعمالهم وآرائهم وعلومهم، ولم يتركوا أداة من أدوات التقسيم إلا حشدوها في هذا السبيل، ولم يغفلوا الأستاذ والكتاب والراهب والمرأة والتاجر والسمسار حتى بلغوا الغاية في تقسيمنا شيعًا ودولًا وممالك، كما توزّع قطعة الأرض الكبيرة الصالحة إلى قطع صغيرة لا تصلح واحدة منها ولا تكفي، ثم عمدوا إلى خيرات الأرض فاحتكروها لأنفسهم، واستخرجوها بعقولهم المدبّرة، وأيدينا المسخّرة، فكان لهم منها حظ العقل، ولنا منها حظ اليد، ولو أننا تعاسرنا عليهم من أول يوم في تقسيمنا، ولذنا بكعبة الوحدة
стр. 884
نطوف بها ونلتزم أركانها، لما نالوا منّا نيلًا، ولما وصلنا إلى هذه الحالة، أما وقد بلغوا من تقسيمنا ما يريدون، وأصبحنا في درجة من الضعف المادي والضعف العقلي نعتقد فيها أن الله خلقنا خلقة الأرنب، وخلقهم خلقة الأسد، وجفّ القلم، ولا تبديل لخلق الله. فأول واجب علينا، بل أول نقطة يجب أن نبتدئ منها السير، هي أن نكفر بهذا الانقسام، ونكفر عليه بضدّه، وهو الوحدة الشاملة لجميع الأجزاء، وكيف يكون ذلك وقد بُنيت على ذلك التقسيم أوضاع جديدة وممالك وملوك وحدود، وان تغيير الممالك لصعب، وإن فطام الملوك عن لذة الملك لأصعب منه؟ فلنلتمس مفتاح قضيتنا من بين هذا الركام من الأدوات البالية، ولنعتصم بالأمر الميسور، وهو أن نوحّد التعليم ومناهجه، والتجارة وأوضاعها، ولنطمس هذه الحدود الفاصلة بين أجزاء الوطن الواحد، وليرتفق بعضنا ببعضنا، فيما يزيد فيه بعضنا على بعضنا، ولنكن يدًا واحدة على الأجنبي، ولنعتبر المعتدي على جزء منا معتديًا على جميع الأجزاء، وعدو العراق هو عدو مراكش، ولنذكر من خصال الأمم ما فعلته ايطاليا في ضم أجزائها، وما فعلته ألمانيا، وما فعلته فرنسا التي لم تنم لها عين ولم ينعم لها عيش في قضية الألزاس واللورين، ولو أن معتديًا اعتدى على جزء من انكلترا (وهي كجزيرة العرب) لتداعى الإنكليز من أطراف الأرض لاسترجاعه، فلمَ لا نكون كذلك؟
إنهم إن علموا ذلك منّا، وعلموا جدنا فيه تابوا عن سيرتهم فينا وأقلعوا، أما من لان للأكل فليس من حقّه أن يلوم الأكلة.
...
والذي روحي بيده ... ما يسرّني أن للعرب ثماني دول، ولا أن للمسلمين عشرين دولة، ما داموا على هذه الحالة، وإنما يسرّني ويثلج صدري أن يكون المسلمون كلهم شعبًا واحدًا بحكومة واحدة، وعلى عقيدة في الحياة واحدة، وعلى اتجاه إلى السعادة واحد، فإذا وجد هذا الشعب لم يبق لهؤلاء الأقوياء إلا أن يقولوا: إن في الشرق قومًا جبّارين، وإنه لم يبق لنا بينهم موضع.
إن القوم استضعفونا ففرّقونا فأكلونا لقمة لقمة، فأوجدوا هذا الشعب الموحّد تَحيوا وتُحيوا العالم به، أوجدوه تُسعَدوا وتُسعِدوا العالم به ... إن العالم اليوم مريض، وانه يتلمّس الشفاء، فأروه أن في الإسلام شفاءه، وانه في خصام منهك، وانه يلتمس الحكم، فأحيوا الإسلام الصحيح يكن حكمًا في مشكلة هذا العصر ... مشكلة الغنى والفقر ... تكتّلوا ففي استطاعتكم أن تتكتلوا ... تكتّلوا يمدّكم العصر بروحه ... انه عصر التكتّل، وان الأقولاء لم
стр. 885
تغنِ عنهم قوّتهم شيئًا فأصبحوا يلتمسون أنواعًا من التكتّل مع القريب ومع الغريب، فهذه انكلترا تتكتّل، وهذه أمريكا، وهذه روسيا ... فكيف لا يتكتّل الضعفاء.
إننا ضعفاء، ومن القوة أن نعترف بأننا ضعفاء، لأن من كتم داءه قتله، فمن الواجب علينا أن لا نتعاظم بالكذب، ما دمنا لا ننال إلا الفتات من مائدة الحياة.
...
أيها الإخوان!
إذا حدّثتكم عن الإسلام، أو أجريته على لساني، فلست أعني هذه المظاهر الموجودة بين المسلمين، وإنما أعني تلك الحقائق التي سعد بها أصحاب محمد وأسعدوا بها العالم، تلك الحقائق التي سارت الإنسانية على هداها قرونًا فما ضلّت عن سبيل الحق ولا زاغت، إنما أعني تلك الآداب التي صحّحت العقل والفكر، وصحّحت الاتجاه والقصد، ووحّدت القلوب والشواعر. فإن أردتم أن تستبدلوا السعادة بالشقاء فعودوا إلى ذلك الطراز العالي المتّصل بالسماء، إن السعادة منبثقة من النفوس، وان الشقاء لكذلك، وإن إرادة الإنسان هي زمامه إلى الجنة أو إلى النار.
إن أول من يجب عليه أن يؤذن بهذا الصوت جهيرًا مدويًا هم علماء الإسلام، فكل عالم مسلم لا يدعو إلى اتحاد المسملين، وإلى إحياء حقائق الإسلام العالية، وإلى إسعاد الشرق بها فهو خائن لدينه، ولأمانة الله عنده. وإن العالم المسلم الذي يسكت عن كلمة الحق في حينها والذي لا يعمل لإقامة الحق، ولا يرضى أن يموت في سبيل الحق، جبان، والجبن والإيمان لا يلتقيان في قلب مؤمن.
إن عهد الله في أعناق علماء الدين لعهد ثقيل، وان أمانة الإسلام في نفوس علمائه لعظيمة، وإنهم لمسؤولون عليها يوم تنشر الصحائف في هذه الدار، وفي تلك الدار.
...
أيها الإخوان!
إن الكلام لطويل، وإن الوقت لقصير، فليكن آخر ما نتواصى به: الحق والصبر والاتحاد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 886
ـ[آثَارُ الإِمَام مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي]ـ
جمع وتقديم نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.
الجزء الثالث
عيون البصائر
الناشر: دار الغرب الإسلامي.
ــ
стр. 887
١٩٩٧ دار الغرب الإسلامي
الطبعة الأولى
стр. 888
آثَارُ الإِمَام
مُحَمَّد البَشِير الإِبْرَاهِيمِي
стр. 889
ـ[صورة]ـ
باريس
١٩٥١
стр. 890
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثالثة من "عيون البصائر "
ــ
هذه صور من الإبداع الأدبي، وسمو البيان العربي- وقد نحتت كلماتها من لآلئ النثر الفني، ورسمت عباراتها بروائع الذوق الشعري- نقدمها لقراء العربية، ودارسي خطابها، عساهم يكتشفون من خلالها نسجًا فريدًا في منهج الخطاب العربي المعاصر، هو ما أصبح يعرف عند فلاسفة اللغة الغربيين- اليوم- "بسلطة النص".
إنها مدرسة، ذات "أسلوبية" قل مثيلها في منهجية خطابنا العربي المرسل. فهي تضرب بجذورها في أعماق التراث العربي القديم، في الوقت الذي تبسط فيه أغصانها المتعددة على فروع المعرفة الحديثة. وهي نسج فريد من الأدب. يجمع بين حكمة قُسِّ ابْنِ سَاعِدَةَ الأيَادي وفصاحة سَحْبَانَ، وَعَقْلانيَّة أبي عُثمان الجاحظ، وإشارات أبي حَيَّان التوحيدي، إلى جانب رشاقة أسلوب عبد الحميد الكاتب، وأناقة عبارة أحمد حَسَن الزيات، ورمزية مصطفى صادق الرَّافعي، غير أنها تزيد على ذلك كله، بخصوصيات أخرى هي أنها جزائرية العزيمة في التصدي للاستعمار، ومغاربية الالتزام في الدفاع عن الحرية، وعروبية الانتماء في التأصيل الحضاري، وإسلامية المنهج في علم التصحيح العقدي.
تلك هي مدرسة "عيون البصائر"- وقد كحل الله بنور الحق بصيرة كاتبها - فراعت بالحكمة العقلية في معناها، وطرزت بالعبارة البلاغية في مبناها، فجاءت معلمة معرفية جامعة مانعة. سيجد- فيها - فقهاء الألسنية، وفلاسفة التاريخ السياسي، وعلماء الاجتماع، والعارفون بالفقه وأصوله، الحق المنشود وقد فصَّلته، والمنهج المقدود، وقد برهنته، فيستنطقون بذلك الحوادث التاريخية التي وضعت لها مُقدماتها ويستجوبون أبطال التاريخ، بالموضوعية التي حددت خصائصها ومميزاتها.
стр. 891
على أن ما يجب التنبيه إليه منذ البداية هو أن لقراءة هذا الكتاب ودراسته، قواعد وشروطًا، لابد من توفرها لمن أراد القيام بهذه الرسالة العلمية. فمضمون الكتاب يحتوي على رموز قرآنية، وإيحاءات معرفية، وألغاز سياسية، واستعارات مجازية، ولا بُدَّ لمن رام الإقدام على هذه المهمة من التحلي باستعداد فكري خاص، والتسلح بأدوات معرفية معينة، تُمكِّن من تخطِّي الصعاب، وكشف أسرار الحجاب. ولعل من أهم الأدوات المعرفية المطلوبة في فنَّ قراءة "عيون البصائر" التزود بما يمكن من فهم الرموز التالية:
١ - الرمز القرآني:
إن في مقدمة الرموز التي يحيل إليها الإمام محمد البشير الإبراهيمي في خطابه، الآية القرآنية، التي يدمجها ببراعة وسط عباراته، ويوظفها توظيفًا رائعًا في الدفاع عن قضاياه، فلا يدرك كنهها وبعدها، إلا العارفون بالقرآن المتضلّعون في فن إعجازه البياني.
ولا يكاد يخلو مقال من هذه الرمزية القرآنية التي غَدت سمة من سمات الخطاب الإبراهيمي والتي أضفت عليه سُمُوًّا، تجلَّى على الخصوص في حسن تصريفه للأفعال والمصادر، في اقتباس عجيب من الآيات، ولجوء حكيم إلى مرجعية القرآن- وهل "البصائر في حقيقتها [إلا] فكرة استولت على العقول، فكانت عقيدة مشدودة العقد ببرهان القرآن".
"وإن الصحف في لسان العُرْف، كالصحائف في لسان الدِّين، منها: "صحائف الأبرار" و "صحائف الفجار" لذلك كان من حظ الأولى الابتلاء بالتعطيل والتعويق".
إن الصحف والصحائف إحالات إلى رموز قرآنية لا يدرك أبعادها إلامن ذاق حلاوة العربية بحلاوة القرآن.
وجاءت القضية الوطنية الجزائرية، فوجد الخطاب الإبراهيمي في القرآن خير ينبوع، يغرس فيه ريشته ليصوغ عباراته القذائفية، ويرسلها على الاستعمار وأذْنابه.
يأخُذُ الإبراهيمي أحد الأمثلة في مقارنة الاستعمار الإنجليزي بالاستعمار الفرنسي في علاقة كل منهما بالشعوب الرازحة تحت نيرهما ... فيقول: "قرأنا سير الإنجليز في الهند فوجدناهم بالغوا في إعطاء الحرية للأديان ... [حتى] سووا في تلك الحرية بين "قراء البقرة" بالحق [وهم المسلمون] وبين "عبَّاد البقرة" بالباطل [وهم الهندوس] " [ص:١٠٤].
وعندما يشير الإبراهيمي إلى من يسمون برجال الدين الحكوميين آنذاك، يتجه إلى قطبهم وهو الشيخ محمد العاصمي "المفتي الحنفي" الذي عينته الحكومة الفرنسية، فيأخذ من القرآن وصف الأصنام، ومقارعة الأنبياء لها، ويقف على الخُصوص عند قصة إبراهيم ﵇ مع
стр. 892
كبير أصنام قومه ليستخلص النتيجة من انتصار النُّبوة- وهي حق- على الصنم- وهو باطل-. فيرسم لنا الصورة التالية: "ما أشأم العاصمي على نفسه! فقد سكتنا عنه فأبى، بعد أن جارانا فكبَا، وما تحدثنا عَنه في الماضي إلا باعتباره أداة لا شخصًا، وما سكتنا عنه بعد ذلك إلا لأننا أوسعنا تلك الأدوات تحطيمًا وتهشيمًا و"رغنا عليها ضربًا باليمين" ويضيف: "هاج هذا المخلوق الشر بتماديه في الشر .. لأن هذه الطريقة هي التي تُظهره وتقربه زُلفى إلى آلهته .. إنه لهم مولى شؤم، وعشير سوء، لبئس المولى، ولبئس العشير" [ص:١٥٠].
ثم يعمد إلى الاستعمار فيقارن بينه وبين المستضعفين المبتلين بحكمه ليقول "ألا إن في الاستعمار لفحة من جهنم، وإن في المستضعفين سِمات من أهلها أظهرها أنهم لا يموتون ولا يحيون" [ص:٢٢٠].
وفي موضع آخر نقرأ له: "يا هؤلاء! إن الاستعمار شيطان، وإن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًّا " [ص:٢٨٨].
وعند توعيته الأحزاب الجزائرية بواجب الوحدة، ومغبة الافتراق يمهد لذلك بالقرآن أيضًا فَيُعرِّضُ بالفرقة قائلاً: "ما ذكر القرآن الأحزاب بلفظ الجمع إلا في مقام الخلاف والهزيمة ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [الآية ٣٧ السورة مريم]، ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [الآية ١١، سورة ص] وإن حزب الله في الأمة الجزائرية هو جمعية العلماء [ص:٦٦].
ثم يتجه مباشرة إلى قادة الأحزاب فيخاطبهم- مُستخدمًا نفس الرمزية القرآنية- "يا قادة الأحزاب! إن في صفوفكم دساسين مدخولين من الرجال لهم أغراض في المنافع والكراسي، ولهم مقاصد في الإفساد، وإنَّكم لتعرفونهم بسيماهم وتعرفونهم في لحن القول فأخرجوهم من الصفوف" [ص:٣٠٢].
وفي ردّ الإبراهيمي على الزعم الاستعماري الفرنسي بأن "الجزائر فرنسية" ينبري لهذا الزعم بالبراهين القرآنية الرائعة، ومنها قوله: "ولو أن الاستعمار شرعها زجلًا بالتسبيح في ناشئة الليل، وجعل كفاء سماعها جزاء الأبرار، لكان في آذاننا وقر من سماعها، ولعددناها غثّة مرذولة، ممزوجة مملوءة، ولهدينا بالفطرة إلى الطيب من القول، وهي أن الجزائر ليست فرنسية، ولن تكون فرنسية، كلمات قالها أولنا، ويقولها آخرنا، ومات عليها سلفنا، وسيلقى الله عليها خلفنا" [ص:٣٤٩].
أما عن فلسطين السليبة، فإن الإبراهيمي جعل منها قضية كل جزائري وكل عربي، وكل مسلم ... فخصها بسلسلة من المقالات حاول فيها استنهاض الهمّة العربية، والعزة الإسلامية، فاستعان على ذلك بنفس الإعجاز القرآني، خصوصًا "وأن فلسطين وديعة محمد
стр. 893
عندنا، وأمانة عمر في ذمتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا فلئن أخذها اليهود منا ونحن عصبة. إنا إذًا لخاسرون" [ص:٤٤٥].
وضاعت فلسطين منا حين "قسمت بالتصويت وهو أضعف صدى، وعلى الأوراق وهي أنزر جدًا، وبالأغلبية السائرة على غير هُدى تحديًا للعرب الذين كانوا في ذلك المجلس أضعف ناصرًا، وأقل عددًا " [ص:٤٥٣].
ما أبرع الإبراهيمي، وما أروع أسلوبه الرمزي القرآني هذا في التأثير على قارئه ... وأنّى لهذا القارئ أن يدرك كنه هذه الرموز وأبعادها، إن لم يكن مدركًا للقرآن، معتادًا على إعجازه البياني، وبرهانه الرَّبَّاني! ... تلك إذن هي الأداة المعرفية الضَّرورية الأولى لمن يروم قراءة "عيون البصائر".
٢ - الإبداع البياني:
إن في البنيوية اللغوية، للخطاب الإبراهيمي، لَسرًا عميقًا، هو الذي يجليه السحر البياني، الذي يأخذ من النحو العربي شروحَهُ، ومن المجاز البلاغي وضوحه ومن الفقه الديني طروحَه، ليبعَثَ الكل في سمو إشارة، ودقة عبارة.
وهل يستطيع القارئ العادي أن يدرك هندسة هذه العبارات، وفلسفة تلك الإشارات، إن لم يكن معدًا إعدادًا ثقافيًا دقيقًا عميقًا؛
ذلك هو العائق المعرفي الذي يصطدم به فاقد التكوين الثقافي، في قراءته للنص الإبراهيمي في "عيون البصائر"، فمن أول استهلال تطالعنا به "عيون البصائر"، إلى آخر التسابيح الشعرية ممثلة في "سجع الكهان"، ومرورًا "بالقضية ذات الذَّنب الطويل"، و"عادت لعترها لميس"، و"الشك في الإيجاب نصف السلب"، "وإبليس ينهى عن المُنكر"، و"كلمات مظلومة" ... إلخ. كلها مقالات يجب أن تقرأ بعقل مفتوح، وقريحة وقادة، مزودة بزاد ثقافي خاص. وإن من متطلبات هذه الاستعدادات، ضرورة استحضار قاموس موسوعي متعدد الاختصاصات للتغلب على عقَبة الفهم.
وإنَّنا لنتساءل- بكل موضوعية: لمن كان يكتب الإبراهيمي هذه المقالات، إذا علمنا المستوى الثقافي السائد آنذاك، في الجزائر على الخصوص، وحظ الجزائر من العربية في ذلك الحين!!؛؛
وإنه لممَّا يبعث فينا النخوة، والعزة، أن ردود فعل هذه المقالات، فاقت كل تصور في داخل الجزائر وخارجها، مما يدلل على تفوق النوع الثقافي على الكمي، وهو ما يمثله علماء
стр. 894
الجزائر ومعلموها وطلابها في عهد جمعية العلماء، وبذلك تتحقق أولى البراهين على عمق الأصالة العربية والعروبية في الجزائر.
واقرأ معي براعة الاستهلال، التي استهلّت «البصائر» بها عودتها في سلسلتها الثانية بعد تعطيلها بسبب الحرب العالمية من سنة ١٩٣٩ إلى ١٩٤٧م.
يستهلّ افتتاحيته بهذا الدعاء المؤثر في بيان ندر مثيله: "اللهم يا ناصر المستضعفين انصرنا ... واجعل لنا في كل غاشية من الفتنة، ردءًا من السكينة، وفي كل داهمة من البلاء درعًا من الصبر، وعلى كل داجية من الشك علمًا من اليقين، وفي كل نازلة من الفزع واقية من الثبات، وفي كل ناجمة من الضلال نُورًا من الهداية، ومع كل طائف من الهوى رادعًا من العقل، وفي كل عارض من الشبهة لائحًا من البرهان ... ومع كل فرعون من الطغاة المستبدين موسى من الحماة المقاومين" [ص:٤١].
إن من هذا البيان لسحرًا، ففيه العقيدة، والحكمة، والبلاغة، والمنطق، والتاريخ، والتصوف، وكل ذلك في عبارات قلَّت فدلَّت.
وفي نفس السياق التاريخي يمضي الكاتب في زرع حكمه، فيلقي على قارئه هذه الحكمة البالغة "كذلك حملة الألسنة والأقلام [من العلماء والمثقفين في الأمة] .. فلتأتهم المصائب من كل صوب، ولتنزل عليهم الضرورات من كل سماء، وليخرجوا من كل شيء إلا من شيئين: القلم واللسان. إن بيع القلم واللسان، أقبح من بيع الجندي لسلاحه" [ص:٤٣].
إن هذا لهو ميثاق الشرف يَضعهُ الإبراهيمي لكل عالم ولكل مثقف في تعامله مع قضايا وطنه، ذلك أن أخطر شيء على المثقف، هو بيع الذمة، إذ تكون في ذلك نهايته، وإن عُدَّ من الأحياء.
وفي التذكير بعراقة الإنسان الجزائري، في أعماق الحضارة العربية يسوق كاتب "عيون البصائر" هذا التصوير البلاغي الفني لجهود جمعية العلماء في تثبيت أصالة الجزائر، فيقول: "وجاءت جمعية العلماء على عبوس من الدهر، وتنكر من الأقوياء فنفخت من روح العروبة في تلك الأنساب فإذا هي صريحة، وسكبت من سر البيان العربي في تلك الألسنة فإذا هي فصيحة، وأجالت الأقلام في كشف تلك الكنوز فإذا هي ناصعة بيضاء لم يزدها تقادم الزمان إلا جدة ... جمعية العلماء هي التي حققت للجزائري نسبه العربي الصريح بريئًا من شوائب الإقراف والهجنة [ص:٥٧].
إن في كل لفظة من هذه العبارات، يكمن إيحاء يحيل إلى قضية معينة ... فإضافة إلى سحر البيان، وبراعة التصوير، وهندسة اللفظة، تضاف خُصوبة المرجعية التاريخية والعقدية، والفكرية ...
стр. 895
واستمع إليه وهو يحاجج الاستعمار بقوله:
"ياحضرة الاستعمار! إننا إذا حاكمناك إلى الحق غلبناك، وإذا حاكمتنا إلى القوة غلبتنا، ولكننا قوم ندين بأن العاقبة للحق، لا للقوة" [ص:٦٣].
إنها مقدمة بيانية سليمة، لنتيجة دينية قويمة.
هكذا نرى إذن، أن من خصوصيات "الإبداع البياني" في الخطاب الإبراهيمي، هذا الربط المحكم البديع بين المبنى والمعنى، أو بين الموسيقى التصويرية والدلالة التعبيرية، وكل ذلك في سجع مقل، وإيجاز غير مخل ... "إن هذه الأمة أنجبت الجندي الذي يحرس الحق لا الجندي الذي يخرس الحق". وما هذا الراهب الذي جاءتنا به فرنسا إلا أنه "ليبارك على القاتل، ويدني الصيد من الخاتل، ويعاون المُعمِّر على امتلاك الأرض، والحاكم على انتهاك العرض" [ص:٩٨].
وقوله: "أتطلبون الفص من اللص، وتقيسون في مَوْرِد النص" [ص:٣٥٨].
"والمرأة الجزائرية تنتحب، والحكومة الجزائرية تريد لَها أن تنتخب" [ص:١٣١].
"وإن بعض القضاة أعوان للقضاء على القضاء" [ص:١٣٢].
أمثلة كثيرة وُشِّيت بها مقالات "عيون البصائر"، تشد الدارس إليها فلا تدع عقله يسهو، أو عينه تغفو، لأن متابعة التسلسل البياني تحول دون ذلك ...
فمن لا يعرف الاستعارة لا يدرك العبارة في أدب الإمام الإبراهيمي، ومن لم يحظ بقواعد العربية، لا يستطيع فقه الصورة التمثيلية ...
والإحاطة بالبلاغة والنحو وسيلة ضرورية من وسائل معرفة التاريخ السياسي للجزائر، وبدون ذلك، يبقى الفهم مبتورًا، وتعال معي إلى هذا التصوير البياني السياسي، الفني، في عبارة لجنة "فرانس- إسلام " التي دعا إلى تكوينها المستشرق الفرنسي، لوي ماسينيون، كمحاولة، لتجسيد الدمج السياسي للجزائر المسلمة في الكيان الفرنسي، تحت اسم ثقافي و"حضاري" هو تجسيد الصداقة بين فرنسا المستعمِرة والجزائر المسلمة المستعمَرة.
يتصدى الإبراهيمي لهذه الأحبولة الاستعمارية فيجمع لها كل الأدوات المعرفية البيانية، ليحكم بتهافتها مثبتًا ذلك بالبراهين العقلية، والقواعد النحوية، والمنطقية الصورية ... مطبقًا على ذلك كله منهجه التحليلي البلاغي الرهيب.
فيقول عن "فرانس- إسلام":
"كلمتان أكرهتا على الجوار في اللفظ والكتابة، فجاءت كل واحدة منهما ناشزة على صاحبتها، نابية عن موضعها منها، لأنهما وقعتا في تركيب لا تعرفه العربية ولا يقبله الذوق العربي" [ص:٣٥٠].
стр. 896
لقد اهتدى الإبراهيمي بفطرية الوطنية الأصيلة، وذوقه العربي السليم إلى أن التراكيب العربية النحوية ترفض إسناد فرنسا للإسلام في تركيبتها المقترحة، فلا تركيب الإسناد ولا التركيب الإضافي، ولا التركيب الوصفي ولا التركيب المزجي هنا بقادر على تأدية دوره الوظيفي.
يقول الإبراهيمي:
"في العربية تركيب الإسناد، والإسلام لا يرضى أن يسند إلى فرنسا الاستعمارية، ولا أن تسند هي إليه، وفي العربية التركيب الإضافي والإسلام لا يسمح أن يُضاف إلى فرنسا ولا أن تضاف هي إليه، وفي العربية التركيب المزجي، والإسلام وفرنسا كالزيت والماء لا يمتزجان إلا في لحظة التحريك العنيف، ثم يعود كل منهما إلى سنته من المباينة والمنافرة" [ص:٣٥٠].
مقدمات نحوية سليمة، لنتائج منطقية سليمة، وتصوير بياني بارع يفضي في النهاية إلى هذه الحقيقة العقلية القائمة على البرهنَة العقلية، والتدليل التاريخي: "وفي الشرائع الاستعمارية الفرنسية بالجزائر مذهب كانوا يسمون جانبه التأثيري "الإدماج " وجانبه التأثري "الاندماج" ومعناه قريب من معنى التركيب المزجي، ولكن هذا المذهب التحق بالمذاهب البائدة التي ولدها العتو عن أمر الله والعُلو في أرض الله، فتلك آراؤه سخرية الساخر وأولئك رجاله لعنة الأول والآخر" [ص:٣٥٠].
تصوير رائع وَرَبْطٌ محكم بين المقولات الفكرية كفرنسا والإسلام، والإدماج والاندماج، وبين المقدمات العقلية المستوحاة من القواعد النحوية، كالتركيب المزجي، والزيت والماء، والمعاني التاريخية، كالعتو، والعُلو، والمذاهب البائدة، والتناسخ ... إلخ. وتلك هي عبقرية النص، في الخطاب الإبراهيمي من خلال الإبداع البياني.
٣ - العمق العرفاني:
وفي "عيون البصائر"، صور إِبداعية أُخرى، هي التي يجليها ما اصطلحنا على تسميته "بالعمق العرفاني".
وهذا اللون المعرفي عند الإبراهيمي، يمثل مزيجًا من أصول الفقه، وفقه اللغة، والتصوف، والفلسفة، مقرونًا بالفكر السياسي الجزائري، في محاولة للإفحام بالإلهام. فانظر إلى توظيفه للعبارات الفقهية الدينية في القضية المصيرية التي يمثل الاستعمار رأس مقدمتها:
"ولو أن الاستعمار كان فقيهًا في سنن الله في الأمم والطبائع لأنصف الأمم من نفسه، فاستراح وأراح، ولعلم أن عين المظلوم كعين الاستعمار كلتاهما يقظة" [ص:٤٧] استدلال رائع في الربط بين فقه الاستعمار، وسنن الله في الأمم، وبين عين الاستعمار [الظالم] وعين المظلوم [المستعمَر] ووجه الشبه بينهما هي اليقظة مع البون الشاسع بين اليقظتين.
стр. 897
ولا أدلّ على ظلم الاستعمار الفرنسي بالذات من جمعه بين المتناقضات في تسلطه على الجزائر "حكومة لائكية في الظاهر مسيحية في الواقع، جمهورية على الورق، فردية في الحقيقة، تجمع يديها على دين المسلمين ودنياهم، وتتدخل حتى في كيفية دفن موتاهم" [ص:٦٠].
وما ذلك كله إلا من وضع يدها على أوقاف المسلمين، وتعيين موظفين عملاء لها، تدير بهم شؤون المسلمين. لذلك لا نستغرب قسوة الخطاب الإبراهيمي وحدته في مخاطبة ووصف من كان عقبة في طريق تحرير أوقاف المسلمين، وخلاصهم من ربقة الاستعمار، ويركز الخطاب على "المفتي الحنفي" بالجزائر فيأتي الخطاب في شكل صاعقة. "ما زلنا نتتبع أخبار هذا الرجل منذ سنين، ونتوسم من حركاته أنه عامل نصب وخفض معًا، وأنه مهيأ من الحكومة لأن يكون "حلقة مفقودة" لقضية ما، في يوم ما" [ص:٨٦] "وفي الإدارة الجزائرية العليا مطبخة- ليست كالمطابخ- تطبخ فيها الآراء والأفكار في كل ما دقّ وجلّ من شؤون المسلمين ...
وفي هذا المعمل صنع العاصمي [المفتي الحنفي] وامتحن فكشف الامتحان عن استيفاء الخصائص والصلاحيات للاستعمال، وأصبح موظفًا في إحدى هذه الوظائف وهي الإفتاء الحنفي بالجزائر، أي مفتي الجامع الحنفي بالجزائر، إذ لم يبق من الحنفية بالجزائر إلا جامع يحمل هذه النسبة ... وإن وجود وظيفة مفتي حنفي في الجزائر تزوير على المذهب الحنفي، وأين العاصمي ومَنْ جرى مجراه من فقه أبي حنيفة ودقائقه وقياسه؛! " [ص:٨٨].
وينتهي الخطاب الإبراهيمي بعد هذه المقدمات العرفانية الفقهية في التعريض بقضية الاستعمار للدين الإسلامي في الجزائر، إلى هذه النتيجة الخطيرة: "إن نسبة الحنفي تشترك في بني حنيفة وأبي حنيفة، فلينظر العاصمي [المفتي الحنفى] أشبه النسبتين به ... وبنو حنيفة هم قوم مسيلمة الذين آووه ونصروه، ومن غرائب الشبه أن مسيلمة الحنفي كان تشويشًا على النبوة الحقة، وأن المفتي الحنفي كان تشويشًا على مطالب المسلمين الحقَّة" [ص:٨٨].
إنها لبراعة في التخريج هذه التي يربط فيها بين قوم مسيلمة الكذاب في عصر إسلام النبوة وبين المفتي الحكومي العاصمي، في عصر إسلام الصحوة والفتوة .. وإن في ذلك لدلالة على سعة الثقافة العرفانية التي يتسم بها مؤلف "عيون البصائر" فيوظف مقولاتها في تاريخ الصراع الفكري والعقدي بين الظالمين والمظلومين.
إن هذه الثقافة الموسوعية العرفانية لدى الإمام الإبراهيمي، هي التي نجدها في امتداد القضية السالفة وهي قضية فصل الدين عن الحكومة أو فصل الحكومة عن الدين.
فمن العنوان ذاته يتخذ الخطاب الإبراهيمي مدخلًا للعرض والتحليل، فيأتي بتجليات عرفانية لا نعثر على مثلها في غير هذا الخطاب، يقول بهذا الخصوص:
стр. 898
"ولكننا نغير العنوان في هذه المرة أكان العنوان السابق: فصل الدين عن الحكومة، ونقول: فصل الحكومة عن الدين، قلبًا في الوضع لا في الموضوع، تفاؤلًا للحالة بعدم الاستبقاء كما يتفاءل بقلب الرداء في الاستسقاء، وإن بين التركيبين الإضافيين لفرقًا دقيقًا في لغتنا العربية، تخيله الفقهاء في بحث ورود النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة، وحققه البيانيون في بحث: سلب العموم وعموم السلب .. فدين الإسلام في منزلته من النفوس، وفي منزلته من المعابد وفي مظهره من الأشخاص والمعاني، ثابت أصيل، لم يرد على شيء حتى يفصل عنه، وإنما وردت عليه هذه الحكومة ورود الغاصب الذي يحتل بالقوة لا بالحق" [ص:١١٨].
أليس في هذه الاستعارة التمثيلية ما يُؤكد صحة ما ذهبنا إليه من قبل، وهو أن فاقد الثقافة الفقهية لا حَظَّ له في غوص أعماق الدلالة التي يرمي إليها الخطاب الإبراهيمي، فقلب الرداء في الاستسقاء، وورود الماء على النجاسة، وسلب العموم وعموم السلب، كلها مصطلحات ومفاهيم عرفانية لا يدركها إلا من كان له رصيد من الفقه، والبيان، والحياة الروحية الإسلامية.
ولو شئنا لأثبتنا من الأمثلة في هذا الباب ما لا يسمح به تقديم محدود الكلمات والصفحات، ولكننا لا نستطيع مهما حاولنا، مقاومة إيراد نموذج آخر للعمق العرفاني، في "عيون البصائر"، في محاولة منا لمساعدة القارئ والباحث على توجيه عقله- منهجيًا - نحو بعض الرموز المعرفية في هذا الخطاب، لنشجعه على الغوص أكثر في طريق الحفر والتنقيب عن الجواهر وما أكثرها ..
والمثال نأخذه من نفس الموضوع الطويل الحلقات، وهو موضوع فصل الحكومة عن الدين .. ونركز فيه على إحداث أوسمة ونياشين "تمنحها الحكومة الفرنسية للأئمة والمفتين".
يعالج الشيخ الإبراهيمي هذه القضية بأسلوبه العرفاني البليغ فيقدمها في هذه الصورة الفنية. "نجحت [الحكومة الفرنسية في الجزائر] بهذا الجند العاطل المرتزق الذي جندته واصطادته بشبكة المطامع، من الأئمة، والمفتين، والخطباء، والمؤذنين، والقَوَمَة، والحزابين، وأتباع "شريعة يوسف" أجمعين .. كوَّرتهم وصوَّرتهم، ونقَّحتهم، وحوَّرَتْهُم، وعلى المنوال الحكومي دوَّرتهم، حتى أصبحوا جزءً أصيلاً من الأدوات الحكومية".
"ومن المضحكات أو المبكيات في هذا الباب .. باب إدماج شيء في شيء غريب عنه، واعتبارهما شيئًا واحدًا .. إنعام الحكومة بنياشينها على أصحاب الوظائف الدينية" [ص:١٢٢].
стр. 899
"وإن لهذه النياشين لأسماء ونسبًا إلى أعمال، فهل فيها أسماء دينية أو نسب إلى أعمال دينية؛؛ " [ص:١٢٢].
ويخترع الإبراهيمي بخياله الأدبي الفسيح، وثقافته العرفانية الواسعة، عناوين استحقاق للأوسمة الدينية مستوحاة من حقيقة الفقه، والثقافة الإسلامية، فيجيب على سؤاله المطروح بقوله:
"لا تتم المهزلة على وجهها الأكمل إلا إذا وضعت لنياشين رجال الدين أسماء دينية وعناوين فقهية، لمعان يتفاضلون فيها؛؛ كنيشان (إطالة الغرة والتحجيل)، ونيشان (كثرة الخطى إلى المساجد)، ونيشان (التهجير إلى الجمعة)، ونيشان (الطمأنينة والاعتدال)، ونيشان (وإن تشاح متساوون) وتختم القائمة بشيء خاص بأمثال العاصمي كنيشان (وقبل خبر الواحد)، ونيشان (واشترك طارد مع ذي حبالة) [ص:١٢٣].
إن كل مصطلح من هذه المصطلحات يحيل إلى قضية فقهية أصولية في الثقافة الإسلامية، وأنى لغير المتضلعين في هذه الثقافة من فهم مرامي الخطاب هنا، وتقبيح حاملي النيشان، بغير استحقاق من "رجال الدين".
لذلك كان ضروريًا، الاستعانة على دراسة الخطاب الإبراهيمي، بإحداث القابلية والاستعداد، ولن يتأتى ذلك إلا بالأخذ بنصيب من فنون الثقافة الإسلامية، وملء الوطاب بمفاتيح الدخول إليها، مما سبق ومما سيأتي ذكره.
٤ - الفكر العقلاني:
قد نظلم الخطاب الإبراهيمي، لو أننا قصرناه على الجانب المعرفي الفقهي، الصوفي، البياني، البلاغي، وفصلنا عنه الجانب الفلسفي، العقلي، العلمي ... ذلك أن هذا الخطاب يأبى إلا أن يأخذ حظه من هذه الجوانب المعاصرة كلها، وفي براعة لا تقل عما ألفناه عنده في مجال الذوق الأدبي، والبيان البلاغي، والتبحر الفقهي، والذكاء السياسي ...
فقد جاء الخطاب حسب دراستنا له، معاصرًا لاهتمامات العقل آنذاك، فاتسم بالحكمة الفلسفية من حيث المعنى، وبالنزعة العقلية من حيث البرهنة، فكان خطابًا متوازنًا ذا تعادلية، تجمع بين الفلسفة والدين، دونما غلو أو إفراط.
ونعتقد أن ذلك كان ضروريًا من حيث المنهج، إذ أنه مطلب أمْلَتْه الظروف السياسية والفكرية، والثقافية المحيطة، فكان لابد- إذا أريد للخطاب أن يحقق هدفه- من ركوب المنهج الفلسفي والعقلي لإكساب القضية الكبرى، قوة الحجة، ومنطقية الدليل.
стр. 900
وما أبلغ الإبراهيمي وقد رأينا قوته في توظيف الرمزية الدينية في وصفه للاستعمار، وما أبلغه اليوم وهو يوظف الأساليب العلمية والعقلية في إعطاء حكمه على الاستعمار- فإذا كان الاستعمار في الرمز الديني- شيطانًا - كما رأينا- فإنه بلغة العلم "سلّ يحارب أسباب المناعة في الجسم الصحيح" [ص:٤٧]. وعملية "التلقيح بمادة الاستعمار وهي مادة من خصائصها تعقيم الخصائص" [ص:٩٧] وإذا الطب الاستعماري لم يقض على المرض، وإنما قضى على الصحة.
بعد هذا، نلتقي بالمعادلات العقلية في منهج الخطاب الإبراهيمي، ففي قضية فصل الحكومة عن الدين دائمًا، وهي المقدمة الصغرى، لتحقيق النتيجة الكبرى، فصل الجزائر عن الحكومة الفرنسية- في هذه القضية يتناول الخطاب أسلوب التسويف والمماطلة الذي تسلكه الحكومة الفرنسية مع الجزائريين ليطول الأمد فتنسى العقول، وتقسو القلوب، وتتشعب المسالك على المطالبين بحقوقهم ... لذلك يعمد الخطاب إلى هذه المعادلة العقلية: "أما الأمد فقد طال مئة وعشرين سنة، فتناسى أولنا ولم ينسَ أخيرنا ... وأما تشعب السبل فقد أعددنا له- من أول يوم- دليلاً لا يضل وهو الحق. وجانبًا لا يزل وهو الصبر، وسيفًا لا يكل وهو الحجة، ونصيرًا لا يذل، وهو العقل، وميزانًا لا يختل، وهو الرأي، فلا تتشعب علينا السبل إلا رميناها بهذه الأدوات مجموعة فتنزوي وتتجمع كقضبان الحديد في محطة القطار، مآلها بحكم الهندسة إلى خطين متوازيين" [ص:١٤٢].
بهذا البرهان المنطقي، أبطل الإبراهيمي المعادلة الفاسدة التي أقام عليها الاستعمار مقدماته، وهي "البطلان بالتقادم" كما يقول رجال القانون: وأقام عليها حجة علمية هندسية وهي مآل الكثرة إلى خطين متوازيين، ثم إلى محطة واحدة هي محطة الوصول، إنه برهان عقلي يقوم على الدليل العلمي.
وهناك نموذج آخر للمعادلة العقلية، يوردها في علاقة الحكومة الفرنسية بأتباعها من علماء الدين وهي أن هذه الحكومة تبقي على السحنة، وتفرغ الإنسان من الشحنة: "وواعجبًا لما تصنع هذه الحكومة ببعض الرِّجال مِنّا، تعمد إلى الواحد منهم، فتبقيه على سحنته، ولكنها تفرغه من شحنته" [ص:١٤٩]. ويقول في مكان آخر: "وما زالت [الحكومة] بهم [رجال الدين] تروضهم على المهانة وتسوسهم بالرغبة والرهبة، حتى نسوا الله ونسوا أنفسهم ... وأصبحوا في العهد الأخير كالأسلاك الكهربائية المفرغة من الشحنة، ليس فيها سلب ولا إيجاب". [ص:١٦٢ - ١٦٣].
وفي معادلة منطقية أخرى يوظف صاحب "عيون البصائر" صورة عقلية رهيبة لمأساة ٨ مايو ١٩٤٥، فيقول: "اثنان قد خلقا لمشأمة، الاستعمار والحرب، ولحكمة ما، كانا سليلي
стр. 901
أبوة لا يتم أولهما إلا بثانيهما ولا يكون ثانيهما إلا وسيلة لأولهما. وقد تلاقت يداهما الآثمتان في هذا الوطن، هذا مودع إلى ميعاد، فقعقعة السلاح تحيته، وذلك مزمع أن يقيم إلى غير ميعاد فجثث القتلى من هذه الأمة ضحيته" [ص:٣٣٣].
إن ما يتميز به الخطاب الإبراهيمي، إذن، هو: استعانته بكل المناهج، كالتاريخية التحليلية، والفلسفية النقدية، والرياضية البرهانية، وهي تترجم كلها مدى أهمية الموسوعية المعرفية التي تطبع ثقافة الإمام البشير، وخصوصًا مدى تفتحه على ثقافة عصره، وهو الذي ورث تكوينًا على يد علماء "تقليديين".
والأهم في كل ذلك أنه بهذا الأسلوب يرفع أية قضية من قضايا مجتمعه وشعبه- مهما صغرت- إلى درجة التحليل المعرفي ليجعل منها قضية عقلية كبرى. وكما يقول هو عن إحدى هذه القضايا، وهي تضييق الحكومة الفرنسية على المدارس القرآنية، ومطاردة معلميها، وإخضاعهم للمساءلة، والنفي، والمحاكمة: "قضية بسيطة، أساسها ظلم، وحائطها بغي، وسقفها عدوان، وأصلها الأصيل ((فتح مكتب قرآني بدون رخصة حكومية)) تتدحرج من محكمة إلى محكمة، ومن حاكم إلى حاكم حولا كاملاً": [ص:٢٢٦]. "وما أغرب شأن الجزائريين مع الاستعمار الفرنسي: فئة تدرس في جامعة، وملايين ترسف في (جامعة) - وهي القيد الذي يجمع اليدين والرجلين- ويا بعد ما بين الطرفين" [ص:٢٣١].
وما أبرعه من عقل، يضفي على كل قضية طابع الاستنباط العقلي، ليلفت الانتباه، فيقابل بين فكرة صحيحة وأخرى فاسدة، وبين خاطرة أصيلة، وأخرى وافدة، ليبني النتيجة على المقدمات وتلك- والله- مهمة الفيلسوف القدير، والمحامي الخبير. إن هذا المنهج المقارن الذي نلتقي به في أدب الإمام الإبراهيمي، ليعد نسجًا فريدًا في الخطاب العربي المعاصر، حيث يستخدم فن "التوليد اللغوي" و "التصوير المعنوي" في رسمه لحدود القضايا، فيضفي بذلك على تلك القضية طابع الأهمية المفقود، وعامل الخطورة المقصود، ويجعل القارئ أو السامع الموجه إليه الخطاب، مأسور العقل، مشدود البصيرة.
لنستمع إليه في هذه الصورة الرائعة في مقابلة الدين السماوي، بالسماء لننتهي معه إلى نتيجة بالغة الأهمية، وهي مسؤولية علماء الدين. في طريقة عرض الدين وجناية جهلهم عليه: "والدين السماوي، علو وصفاء، وظهور بلا خفاء، وحقائق ثابتة، ونسب غير متفاوتة، وحركات منظمة، وأحكام مقوّمة، فإن خفيت السماء فمن الغيم، وهو من الأرض، وإذا خفيت حقائق الدين فمن الجهل أو من الضيم، وهو من سوء العرض" [ص:١٨٣].
وعندما يتوجه الكاتب بالخطاب إلى طلاب العلم من أبناء الجزائر في تونس، والمغرب، يرسم لهم صورة عقلية دامغة الحجة في إيجاد التفرقة بين المعرفة المطلوبة،
стр. 902
والسياسة المنكوبة ليربط الشباب في النهاية بالوطنية في أظهر صورها، وأنبلِ مبادئها "إن الوطنية لَعَقيلَةُ كرام، لا يساق في مهرها بهرج الكلام، وكريمة بيت، لا تنال بِلوْ ولا بِلَيْت، وإن العلم كبير أناس لا يصاحب إلا بضبط الأنفاس" [ص:٣١٥].
"العلم ... العلم ... أيها الشباب، لا يلهيكم عنه سمسار أحزاب، ينفخ في ميزاب، ولا داعية انتخاب في المجامع صخاب، ولا يلفتنكم عنه معلل بسراب، ولا حاو بجراب، ولا عاو في خراب يأتَمُّ بغراب، ولا يَفْتِنَنَّكُمْ منزو في خنقة ولا ملتو في زنقة، ولا جالس في ساباط، على بساط يحاكي فيكم سنة الله في الأسباط، فكل واحد من هؤلاء مشعوذ خلاب، وساحر كذاب" [ص:٣١٦].
أرأيتم هذه الإيحاءات، والإحالات على تعددها، كيف أنها تشير، منفردة ومجتمعة، إلى آفات المجتمع الجزائري آنذاك، وهي آفات فيها الحزبي المخادع باسم السياسة، وفيها الطرقي المضلل باسم الدين، وفيها المشعوذ، والحاوي، وكلها ظواهر مقيتة في حياة المجتمع الجزائري، ولقد وفق الخطاب الإبراهيمي في توظيف هذه الآفات، بمخاطبة العقل الطلابي وتحذيره باسم العلم من مخاطرها.
إن الفكر العقلاني لطافح، بمنهجه، وأدلته، وبراهينه في خطاب "عيون البصائر"، وسيؤسر القارئ بصوره الخلابة الجذابة، بما أوتي هذا الخطاب من حكمة وفصل خطاب. وحسبنا أن ننبه القارئ والدارس إلى هذه الجوانب المضيئة في الخطاب، حتى يملأ منها النفس والوطاب.
٥ - السياق التّارِيخاني:
تبارك الذي خلق محمد البشير الإبراهيمي، فجعله كاتب الجزائر الأصيل، وابن العروبة السليل، وحامي حمى الإسلام المثيل. أمده بالإلهام فكان عقله ناطقًا بسمو الفكر، ولسانه ذاكرًا لله بالشكر، وضميره طافحًا بحب الأمة، إلى حد السكر.
لقد وضع لنا "عيون البصائر"، فجاءت جامعة للبيان، والعرفان، ومدونة لسيرة الأعداء والخلان يجد فيها القارئ الموسوعة الثقافية، والأدبية، والتاريخية، والسياسية للجزائر بثوابتها في غير تعصب، وبطموحاتها واستعداداتها للتوثب.
إن الشباب الجزائري، ومن ورائه الشباب العربي والإسلامي، الدارس، سيجد في "عيون البصائر" أبرز حوادث العصر، بتموجاتها، وصراعاتها، وتحدياتها، وردود أفعالها ... وهي كافية لمن اقتصر عليها، بشرط فك رموزها الكثيرة. وتجاوز ألغازها وإيحاءاتها العسيرة وهو ما يمثل السياق التاريخي أو التاريخاني للجزائر والعالم الإسلامي، في عصر الإبراهيمي.
стр. 903
ولا أحب أن أنتهي من هذا التقديم دون إشراك القارئ معي، في تذوق حلاوة بعض النماذج الفريدة التي تعكس روح تاريخ العصر، بدءًا بالمحلية، وانتهاءً بالعالمية.
ولعل من ألغاز "عيون البصائر"، "سجع الكهان" و"كلمات مظلومة" وغيرها، وأكتفي بتقديم نماذج من هذه الألغاز ليدرك القارئ أية حلاوة متضمنة في هذه الألغاز.
يقول الإبراهيمي عن عنوانه كلمات مظلومة: كالعدل، والاستعمار، والإصلاحات، والديمقراطية ... وغيرها "إن ظلم الكلمات بتغيير دلالتها، كظلم الأحياء بتشويه خلقتهم، كلاهما منكر، وكلاهما قبيح، وإن هذا النوع من الظلم، يزيد على القبح بأنه تزوير على الحقيقة، وتغليط للتاريخ" [ص:٥٠٦].
وعن "الاستعمار" يقول: بأن أصل هذه الكلمة في لغتنا طيب ففي القرآن ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ "ولكن إخراجها من المعنى العربي الطيب إلى المعنى الغربي الخبيث ظلم لها "والذي صير هذه الكلمة بغيضة إلى النفوس ثقيلة على الأسماع ... هو معناها الخارجي- كما يقول المنطق- وهو معنى مرادف للإثم، والبغي، والخراب، والظلم، والتعدي، والفساد، والنهب، والسرقة، والشر، والقسوة، والانتهاك، والقتل والحيوانية ... إلى عشرات من مئات من هذه الرذائل تفسرها آثاره، وتتجلى عنها وقائعه" [ص:٥٠٦].
أما عن "الديمقراطية": "هذا الرأي اليوناني النظري الجميل" فقد أصابها الظلم هي الأخرى "لم تظلم هذه الكلمة ما ظلمت في هذه العهود الأخيرة، فقد أصبحت أداة خداع في الحرب وفي السلم، جاءت الحرب فجندها الاستعمار في كتائبه وجاء السلم فكانت سرابًا بقيعة، ولقد كثر أدعياؤها ومدعوها والداعون إليها، والمدعي لها مغرور، والداعي إليها مأجور، والدعي فيها لابس ثوبي زور ... لك الله أيتها الديمقراطية ... " [ص:٥٠٨].
وعن الإرهاب يقول الشيخ: "ودع عنك حديث الإرهاب فما هو إلا سراب" [ص:٤٣٦].
هذه إذن هي الكلمات المظلومة في قاموس "عيون البصائر" ولقد جاءت الممارسة العربية والغربية المعاصرة، لتدلل على صحة ما ذهب إليه الإمام البشير، وصدقت تنبؤاته فكان كأنما يرى بنور الله ...
فإذا انتقلنا إلى "سجع الكهان" فإننا نجد لونًا آخر من الخطاب السياسي الأدبي، لم تعهده مجامعنا، إنه خطاب يجمع بين الرشاقة اللفظية، والخفة المعنوية، بين الذكاء السياسي، والتوظيف التاريخي، في صور تمثيلية ما عرف مثلها في خطابنا المعاصر، فهذه
стр. 904
الفصول "فيها الزمزمة المفصحة والتعمية المبصرة، وفيها التقريع والتبكيت، وفيها السخرية والتنكيت ... وفيها العسل للأبرار وما أقلهم، وفيها اللسع للفجار وما أكثرهم ... فلعلها تهز من أبناء العروبة جامدًا أو تؤز منهم خامدًا، فتجني شيئًا من ثمرة النية، وتغير أواخر هذه الأسماء المبنية" [ص:٥١٨].
هل نحن مع طلاسم كاهن؛ لا، بَلْ إنها رموز للواقع التاريخي المشين في عالمنا العربي والإسلامي آنذاك، آثر الكاتب هذا الأسلوب الرمزي الإشاري، للدلالة عليه ويمضي "كاهن الحي" وهو الإسم المستعار الذي أمضيت به الفصول، فيعمد إلى الوقائع التاريخية من خلال آثارها، ويسوق هذه الصور عنها:
"أيتها البُحيرة [المقصود بحيرة طبرية] مالك في حيرة؛ لقد شهدت لبدر بن عمار بالفتوة، فهل تشهدين لأبي الطيب بالنبوة؛ وحدثي الولي (ياولية) أيهما كان عليك بلية، ذاك الذي وردك زائرًا، أم هذا الذي وردك خائرًا؛ إنهما لا يستويان! ذاك أسد غاب رزقه في الناب، وهذا حلف وِجار، رزقه على الجار ... ذاك ورد الفرات زئيره، وهذا جاوز الفرات تزويره" [ص:٥٢٠].
"أيها الخاذل للغزى [جمع غاز] ما أنت لها شم، إنما أنت لعبد العزى، أغضبت سراة الحي، وأزعجت الميت منهم والحي، من لؤي إلى أبي نمي ... فويحك، أما تخاف أن تهلك، يوم يقال: يا محمد إنه ليس من أهلك" [ص:٥٢١].
وفي نفس السياق التاريخي يسوق كاهن الحي صورة أخرى يبدؤها هكذا: "أيها العربي: الحق سافر، والعدو كافر، والقوي ظافر، فعلام تنافر، خصمك إلى خنافر [كان كاهنًا في حمير ثم أسلم على يد معاذ بن جبل] ويلك إن المنافرة لا تكون إلا في المشكوك، وإن الحق تحميه السيوف لا الصكوك ... مجلس الأمن مخيف، والراضي بحكمه ووضعه ذو عقل سخيف، إنهم ليسوا من شكلك، وإنهم متفقون على أكلك" [ص:٥٢٣].
"أيها الأعارب ... هل فيكم بقايا من حرب أو من محارب، دبت بينكم العقارب، وأنتم أقارب، فتكدرت المشارب وتقوضت المضارب، وغاب المسدد في الرأي والمقارب" [ص:٥٢٤]. "أقسم بالذئب الأطلس، والثعبان الأملس، إن المتجر بالأحرار لمفلس، وإن العاقل بين الأشرار لمبلس، وإن العربي لزنيم إذا بقي في المجلس" [ص:٥٣٢].
ويسوق الإبراهيمي في قضايا العروبة، قضية ليبيا وموافقة مجلس الأمم المتحدة على استقلالها عن الإيطاليين، فيعجب المؤلف كيف وافقت روسيا على استقلال ليبيا، ويعلل ذلك بقوله: "ولولا العملاق [أي أمريكا] الذي يضع رجله على طهران، ويده على الظهران وعينه على وهران، لما صادقت روسيا على ذلك القرار" [ص:٤٠٦].
стр. 905
بهذه الرموز، والألغاز، والإيحاءات، والإحالات دشن كاتب "عيون البصائر" هذا الفن الرمزي الجديد في الأدب العربي، في محاولة منه لاستنهاض الهمم وتبرئة الذمم، وسيجد الدارسون فيها دلالات على التاريخ وأبطاله، وإحالات على التاريخ العربي وأفعاله على أن هذا كله إنما كان موصولًا بالصراع الحضاري، والسياسي الدائر في الجزائر، ومنطقتها، بين الأحرار، والاستعمار الفرنسي.
لذلك كان حظ المثبطين، والمتقاعسين، والعملاء المندسين، حظ الأسد من كتابات الإمام الإبراهيمي ولا تكاد هذه المقالات تغفل فئة، أو تغطي على شخص، وإنما هي تجمع الجميع ضمن خندق واحد هو الخندق الاستعماري المضاد، لتضربهم في نفس الحجر الاستعماري الذي رضوا لأنفسهم أن يكونوا فيه ... ولقد وجدنا في الخندق المعادي أسماء، وعناوين، وسمات لأشخاص، وأحزاب، وتنظيمات، تباعدت مواطنها، واختلفت مشاربها، من الزوايا الحادة، إلى الأحزاب المنفرجة، ومن التنظيمات الدالة "إلى الشخصيات الضالة" ولكنها التقت جميعًا على محاربة الجزائر الحضارية الأصيلة كما جسدتها جمعية العلماء.
ففي مقال له عن مؤتمر الزوايا، بعد مؤتمر الأئمة، بقيادة الشيخ عبد الحي الكتاني المغربي، يختار المؤلف عنوانًا ذا إيحاءات عديدة هو: أفي كل حي ... عبد الحي؛ فيقول عن طائفة أهل الزوايا: "وعرفنا عن هذه الطائفة أنها كانت في تاريخ الاستعمار طلائع لجنوده، وأعمدة لبنوده، وشباكًا لصيده، وحبائل لكيده" [ص:٣٩٢].
ثم ينحو إلى زعيمها عبد الحي الكتاني فيقول عنه "وعرفنا في قائدها الجديد، وحامل رايتها عبد الحي الكتاني أنه كان كالدرهم الزائف لا يدخل في معاملة إلا كان الغش والتدليس واضطراب السوق" [ص:٣٩٣].
ولعل خير ما نختم به هذه المقدمة، النموذج الرائع للشباب الجزائري كما تمثله رائد الفكر الإسلامي مؤلف "عيون البصائر" فلقد رسم للشباب الجزائري مبادئ مضيئة، طالبهم أن يتخذوها قواعد لحياتهم فقال: "أتمثله مصاولاً لخصومه بالحجاج والإقناع، لا باللجاج والإقذاع، مرهبًا لأعدائه بالأعمال لا بالأقوال ...
أتمثله بانيًا للوطنية على خمس كما بني الدين على خمس، السباب آفة الشباب، واليأس مفسد للبأس، والآمال لا تدرك بغير الأعمال، والخيال أوله لذة وآخره خبال، والأوطان لا تخدم باتباع خطوات الشيطان ... يا شباب الجزائر هكذا كونوا ... أو لا تكونوا" [ص:٥١٧].
هذه إذن، سبحات فكرية، في خطاب "عيون البصائر" كما تراءى لنا، ولعل القارئ سيلحظ أننا لم نشر بالنقد للكتاب، لأننا وقعنا أسارى الجوانب الإيحائية الطافحة في
стр. 906
الكتاب، وهي حقيقة! وللموضوعية، فإني حاولت أن أسلط بعض مناهج النقد على الكتاب، فما أفلحت، ولعل ذلك مَرَدُّهُ- في نظري- إلى قصور في القلم، وحسب هذا القلم شرفًا، أن يطول بالحق والوفاء قصره، وأن يتخذ لنفسه الشعار الذي رفعه محمد البشير الإبراهيمي عندما كتب ذات مرة "بأن هذا القلم قد براه الله لينضح العسل المصفى للمقسطين، وينطف الصاب والحنظل للقاسطين، ويرسل الحمم مدرارًا على المستعمرين".
وكفى به شعارًا، يتخذه المثقفون، والكتاب، والمفكرون، مبدأ خالدًا لهم.
وإذن فإن ما يمكن استخلاصه في تقديمنا لكتاب "عيون البصائر" أن نستعير من الرافعي مقولته الرائعة في تقديم كتابه "وحي القلم": "إن لم يكن البحر فلا تنتظر اللؤلؤ، وإن لم يكن النجم فلا تنتظر الشعاع، وإن لم تكن شجرة الورد، فلا تنتظر الورد، وإن لم يكن الكاتب البياني فلا تنتظر الأدب" ونحن نضيف، إذا لم تكن "عيون البصائر" هي الجزائر في عمقها الحضاري، فلا ننتظر إلا جزائر الواق الواق.
د. عبد الرزاق قسوم
стр. 907
السياق التاريخي (١٩٤٧ - ١٩٥٢)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تعدو أطماع فرنسا في الجزائر إلى ما قبل سنة ١٨٣٠ بوقت طويل، فقد بعث الملك الفرنسي شارل التاسع رسالة في ١١ مايو ١٥٧٢ إلى سفيره في استانبول فرانسوا دو نواي ( F. de Noailles) يأمره فيها أن يطلب من السلطان العثماني سليم الثاني أن يتخلَّى - مقابل مبلغ مالي سنوي- عن الجزائر ليعيِّنَ عليها أخاه دوق أنجو ( le duc d'Anjou) - ( الملك هنري الثالث فيما بعد) (١).
وإذا كانت هذه المحاولة قد فشلت، فإن فرنسا لم تيأس من تحقيق أمنيتها في الاستيلاء على الجزائر، فتعددت- منذ ذلك الوقت- خططها، وتنوّعت مشروعاتها، التي تتحدث جميعها عن استعادة هذه البلاد- الجزائر- للمسيحية (٢).
وحقّق الفرنسيون أملهم باحتلال مدينة الجزائر سنة ١٨٣٠، وبدأوا تنفيذ خطة مَحْوِ خصائص الجزائر الحضارية، من دين ولغة ومعالم تاريخية، ليسهل- زعموا- استعادة الجزائر للمسيحية، ولم يتوقفوا عن تنفيذ تلك الخطة- ساعة من نها ر- طيلة وجودهم بالجزائر. ولذلك اعتبر الإمام الإبراهيمي احتلال فرنسا للجزائر "حلقةً من الصليبية الأولى" (٣)، وأنه "قَرْنٌ من
стр. 908
الصليبية نَجَم، لا جيش من الفرنسيين هَجَم" (٤)، وأن هذه الصليبية لم تخف حِدَّتها، ولم يتغيّر لونها، ولم تضعف فَوْرَتُها بتعاقب السنين وتطور الأفكار؛ بل بقيت هي هي "تَجَمْهَرت فرنسا أو تَدَكْتَرت، أو اختلفت عليها الألوان بَياضًا وحمرة" (٥).
كانت مواقعت علماء الجزائر من الوجود الفرنسي ببلادهم (١٨٣٠ - ١٩٦٢)، ومن خطة الفرنسيين لتنصيرها وفَرْنَستها مختلفة، ويمكن تقسيمهم إلى أربعة أقسام.
١ - فريق منهم لم يستطيعوا صبرًا على محنة بلادهم، فغادروها إلى البلدان العربية والإسلامية، مثل المغرب، وتونس، ومصر، والحجاز، والشام، وتركيا. وهؤلاء إن لم ينفعوا بلادهم؛ فقد خدموا إخوانهم المسلمين في البلدان التي استقرّوابها، وأسهموا بنصيب طيب في نهضة تلك البلدان.
٢ - وفريق انعزلوا عن الناس، وابتعدوا عن المجتمع، وراحوا يتفرجون على محنة وطنهم، ويتَحَسَّرون على مأساة شعبهم، ويتأوَّلون في سلوكهم السلبي ذاك آية كريمة، هي قوله تعالى: ﴿ .. لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ .. ﴾. فمَثَل هؤلاء العلماء كَمَثَل العضو المشلول من الجسد؛ يراه الناس ولا يحسُّون أثره.
٣ - وفريق غلبت عليهم شِقْوَتهم، وضلوا عن علم، وهلكوا عن بَيِّنَة، فانْسَلَخوا من آيات الله التي آتاهم، واشتروا بها ثمنًا قليلًا، وخانوا الله ورسوله والمؤمنين، وتَحَيَّزوا إلى الفرنسيين الذين اتّخذوهم سُخْرِيًّا ضد شعبهم، ووطنهم، ودينهم.
٤ - وفريق فقهوا دين الله ، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولم يخونوا أماناتهم، فوقفوا إلى جانب شعبهم في مأساته، وحفظوا له خصائصه من الذَّوَبان، وثَبَّتُوا له مقوّماته الحضارية التي استردّ بها سيادته، واسترجع بفضلها استقلاله.
ومن هذا الفريق الإمام محمد البشير الإبراهيمي- ﵁ وأرضاه- الذي ما إن استكمل تحصيله العلمي حتى عاد إلى وطنه، ليضع علمه وجهوده في خدمة شعبه، وليقود جهاده الحضاري وصراعه الفكري ضد الفرنسيين.
كان في مُكْنَةِ الإمام الإبراهيمي أن يعيش دنياه منَعَّمًا، وأن ينال منها نصيبًا موفورًا؛ لما آتاه الله من بسطة في العلم، واستبحار في المعرفة؛ كان في مستطاعه أن يبقى مكرَّمًا في مكة بالقرب من البيت المعمور؛ أو أن يَتَدَيَّر طيبَة الطيبة بجوار خير الخلق كلهم؛ أو أن يستقرّ معزَّزًا بدمشق؛ أو أن يستوطن القاهرة ويحوز في أزهرها مكانًا عليًا، أو أن يقيم
стр. 909
بتونس أو المغرب قريبًا من مسقط الرأس، وما كان- لو فعل- مَلُومًا ولا مَذْمومًا؛ ولكنه رفض ذلك كله، وفَضَّل الأَوْبَةَ إلى الجزائر، ليُحْيِيَ مواتها، ويبعثها من مَرْقَدِها، وُيزيل ظُلمَتَها، ويضيء ليلها، رغم معرفته بما كان ينتظره من معاناة، وما سيلاقيه من أذى مادي ومعنوي على يد الفرنسيين، الذين لا يترددون في البطش بمن يقف في طريق مخططهم الإدماجي التنصيري، وخاصة إذا كان هذا الواقف من نوع الإبراهيمي ووزنه وقيمته.
إن معظم هذه المقالات تعرض جوانب من مواقف الإمام الإبراهيمي في وجه ذلك المخطط، وتبيّن مدى شراسة الفرنسيين في تطبيقه، كما تعكس مدى استماتة الإمام في مقاومته، حتى إنه لَيُخَيَّل إلى القارئ أن الإمام مُقاتِلٌ يقاتل لا كاتب يُجادِل.
ومما يدل على تلك الاستماتة، وإدراك الإمام أن القضية قضية حياة أو موت، أن المرض أقعده، وألزمه الفراش أكثر من شهرين، وتشدَّدَ الطبيب في تعليماته له بلزوم الإخلاد إلى الراحة (٦)؛ ولكنه تحدّى المرض، وألقى بتعليمات الطبيب وراء ظهره، وكتب "عشر مقالات في معاملة الحكومة (الفرنسية) للتعليم العربي، حتى سمّاه الأستاذ التبسي "المرض المنتِج"، وقال لبعض من ثقُلَت عليه وطأة تلك المقالات من صنائع الحكومة ما معناه: إنني لا أَرْضَى للإبراهيمي أن يُشاك بشوكة، ولكن هذه المقالات حَبَّبَت إليَّ طول مرضه مع سلامة العاقبة" (٧).
إن هذا الجزء يضم صفوة المقالات التي كتبها الإمام افتتاحيات لجريدة البصائر أو مقالات رئيسية فيها فيما بين سنتَي ١٩٤٧ - ١٩٥٢. وهي مقالات اختارها الإمام نفسه، وأشرف على طبعها أول مرة سنة ١٩٦٢، وقد حذفنا منها بعض المقالات (٨) وأدرجناها في الجزء الرابع من هذه الطبعة، وهو الجزء الذي يحتوي على ما عثرنا عليه من مقالاته التي كتبها بين سنتَي ١٩٥٢ و ١٩٥٤، بعد سفره إلى المشرق العربي، كما حذفنا منه مقالة "مناجاة مبتورة .. " وألحقناها بالجزء الثاني، لأنه كتبها في أثناء اعتقاله بآفلو. وننبّه إلى وجود قصيدة للشيخ أحمد سحنون ضمن هذا الجزء، ولكن الإمام الإبراهيمي اعتبرها من "عيون البصائر"، وضمّها إلى مقالاته، وفي ذلك إشارة إلى عدة معانٍ منها:
* تقدير الإمام للشيخ أحمد سحنون، واعتراف بدوره في خدمة «البصائر».
* تَوَسُّم الإمام الثبات في الشيخ أحمد سحنون، وهو ما أكَّدَتْه الأيام والحوادث.
* اعتبار الإمام أن القصيدة بنتُ فكره وإن لم تكن بنت قلمه.
стр. 910
* موضوع القصيدة، الذي هو الإشادة بالمركز العام لجمعية العلماء في الجزائر العاصمة، الذي أصبح محورَ النشاط الديني، والثقافي، والسياسي.
لقد تناولت هذه المقالات العَيْناء عدة قضايا كانت وما تزال موضع اهتمام، ومجال صدام إلى يوم الناس هذا، ولم يتغيّر منها إلا الأسلوب والوسائل.
تناول قضية فصل الدين عن الحكومة، وبرهن في مقالاته أنه لا حق لفرنسا في الإشراف على الدين الإسلامي، لأنها ليست دولة إسلامية، ولأن دستورها يُحرِّم عليها الإشراف حتى على دينها. فأي منطق يخوِّلُ لها الإشراف على الدين الإسلامي؛ ويصل الإمام إلى لُبِّ القضية؛ وهو أن إشراف فرنسا على الدين الإسلامي إنما هو بقصد محوه، ويستوي في هذا القصد جميع الفرنسيين، فـ"إلى الآن لم يرزقنا الله حاسّة ندرك بها الفرق بين فرنسي وفرنسي .. بل الذي أدركناه وشهدت به التجارب القطعية أنهم نُسَخٌ من كتاب؛ فالعالم، والنائب، والجندي، والحاكم، والموظف البسيط، والفلاح كلهم في ذلك سواء، وكلهم جَارٍ على جِبِلَّةٍ كأنها من الخَلْقيات التي لا تتغير، ومَن زَعَم فيهم غير هذا فهو مخدوع أو مخادع" (٩). وننبّه هنا إلى أن بعض دعاة اللائكية في بلادنا يخدعون الشعب وُيوهِمُونه بأنهم إنما يدعون إلى مادعا إليه الإمام الإبراهيمي من فصل الدين عن الدولة. وكذبوا، وصدق الإمام الإبراهيمي. وهم في كذبهم كأسلافهم الذين تقوَّلُوا على الله، فقالوا إنه يقول: "لا تقربوا الصلاة .. "، ويقول: "فويل للمصلين .. ".
إن الإمام الإبراهيمي دعا إلى فصل الدين الإسلامي عن الدولة الفرنسية، لأنها دولة نصرانية في الجوهر، لائكية في المظهر، وفي كلتا الحالتين لاحق لها في الإشراف على الدين الإسلامي. أما اللائكيون عندنا فهَدَفُهُم هو القضاء على الإسلام في الجزائر، ودعوتهم هذه مرحلة من مراحل تحقيق ذلك الهدف.
وفي تناوله لهذه القضية المحورية، راغ الإمامُ الإبراهيمي على مخططيها ومنفّذيها ضَرْبًا باليمين، وسَقاهُم حميمًا وغسَّاقًا، جزاء وفاقًا.
وعلى رأس مخططيها المستشرق الفرنسي "لويس ماسينيون "، مهندس السياسة الفرنسية في الشؤون الإسلامية، ولا شك أن الإمام يعلم- منذ كان في الشام- مَدى تورُّط "ماسينيون" في المشروع الاستعماري، حيث عمل فترة في القنصلية الفرنسية ببيروت، وكان مكلَّفًا بمهمة قَذِرة؛ وهي شراء ذِمَم مَن لا ذمّة لهم، واستنزال هِمَم من لا همّة لهم، حتى سُمِّي "الصندوقْجِي"، كما كُلِّف سنة ١٩١٩ - من طرف وزارة الخارجية
стр. 911
الفرنسية- "بوضع نظام أساسي سوري بالاتفاق مع الأمير فيصل بن الحسين- ملك العراق لاحقًا - وقد استمرّ عمله ستة أشهر" (١٠).
ومن المعروف أن الإمام الإبراهيمي كان على علاقة طيبة مع الأمير فيصل، الذي دعاه إلى العودة إلى الحجاز للإشراف على شؤون المعارف، فاعتذر الإمام.
وقد كان ماسينيون يحقد على الإمام الإبراهيمي، لأنه كان يتصدّى لمخططاته ويكشفها، وقد وصل هذا الحقد إلى درجة لم يستطع ماسينيون معها كتمانه، فقال للدكتور جميل صليبا: "إن هذا الرجل- الإبراهيمي- من ألدّ أعدائي" (١١).
ومن منفذي السياسة الفرنسية في الميدان الديني الطرقيون المنحرفون ورجال الدين الرسميون، وفي مقدمتهم "محمد العاصمي"، الذي أنْعَمتْ عليه فرنسا بمنصب مفتي الحنفية في الجزائر، وبما أن المذهب الحنفي لم يَبْقَ له وجود في الجزائر، فقد رأى الإمام الإبراهيمي أن هذه النسبة- المفتي الحنفي- ليست لأبي حنيفة، وإنما هي لبني حنيفة، قوم مسيلمة الكذاب.
وتناولت هذه المقالات قضية التعليم العربي ومعاملة الدولة الفرنسية له ولأصحابه، وكشف الإمام في هذه المقالات نية الفرنسيين، وهي أنهم يريدون تجريد الجزائريين من "وطنهم الفكري"، كما سلبوهم "وطنهم الجغرافي"، وكما يريدون سَلْبَهم وتجريدهم من "وطنهم الروحي".
من أجل ذلك جعل الإمام التعليمَ العربيَّ شُغلَه الشاغل، وهمَّه الدائم، وكان يعتبره قضية حياة، لا بقاء للشعب الجزائري إلّا به.
وفي هذا الإطار تناول الإمام قضية اللهجة البربرية التي لم تطرح في الجزائر منذ أشرقت أرضها بنور الإسلام، رغم أن كل الدول الإسلامية التي نشأت في الجزائر بربرية. وكشف الإمام الهدف الفرنسي من وراء الدعوة إلى البربرية، وتخصيص إذاعة لها، وهو أنه "سلاح مبتكر لحرب العربية ومكيدة مدبرة للتقليل من أهميتها، وحجة مصطنعة لإسكات المطالبين بحقّها في وطنها" (١٢)، "ومن عادة الاستعمار أن يحيي المعاني الميتة ليقتل بها المعاني الحية"، كما يقول الإمام الإبراهيمي.
стр. 912
وكما نال أعوان فرنسا وآلاتها المسخرة لضرب الدين الإسلامي قسطهم من تشنيع الإمام الإبراهيمي؛ نال أعوانها في حرب اللغة العربية نصيبهم من هجومه، خاصة وأن كثيرًا من هؤلاء الأعوان من أدعياء الوطنية ومحتكريها.
وتناول الإمام في بعض هذه المقالات بعض المشاكل الاجتماعية بالجزائر كمسألة الزواج، والطلاق، وقضية اتحاد الأحزاب الجزائرية.
لقد حثَّ الإمامُ الشباب على الزواج ورغَّبَهم فيه، وحذَّر من مزاحمة المرأة الفرنسية للمرأة الجزائرية في هذا الأمر "فحذار أن يكون شبابنا فرائس هذا الاستعمار الضعيف القوي" (١٣)، لأن الزواج عنده أشرف خدمة للوطن "إنكم لا تخدمون وطنكم بأشرف من أن تتزوّجوا، فيصبح لكم عرض تدافعون عنه، وزوجات تحامون عنهم، وأولاد يوسعون الآمال، إن الزوجة والأولاد حبال تربط الوطني بوطنه وتزيد في إيمانه ... ولمَن تُخدم الأوطان، إذا لم يكن ذلك لحماية من على ظهرها من أولاد وحُرُم، ومَن في بطنها من رفات ورِمَم" (١٤). وتحدث عن الطلاق لا كما يتحدث عنه الفقهاء التقليديون. ودعا الإمام إلى التشدّد في إيقاع الطلاق لما ينجز عنه من مآسٍ، ويعقِّبُ على مبدإ "العصمة بيد الزوج" بأن "الإسلام لا يعطي هذه الحقوق أو هذه الامتيازات إلا المسلمَ الصحيح الإسلام القوي الإيمان ... أما إعطاء هذه الامتيازات إلى الجاهلين المتحللين من قيود الإسلام فهو لا يقل شناعة وسوء أثر عن إعطاء السلاح للمجانين ... إن العصمة امتياز لرجالكم، ما لم تطغوا فيه وتظلموا، فإذا طغيتهم فيه وجُرتم عن القصد، كما هي حالتكم اليوم، انتزعه منكم القضاء الإسلامي لو كان" (١٥).
أما مسألة اتحاد الأحزاب (١٦) الجزائرية لمواجهة الاستعمار الفرنسي فقد أبدأ الإمام فيها وأعاد، وقال فيها وأجاد، وسعى في سبيلها سعيًا كثيرًا، لأن ذلك الاتحاد هو المعقل الوحيد
стр. 913
للقضية الجزائرية، والوسيلة الوحيدة لنجاحها، ومن أجل ذلك توجّه إلى الشعب الجزائري ودعاه إلى حمل الأحزاب على الاتحاد.
وينبغي الإشارة هنا إلى ما يردّده بعض المغرضين من أن الإمام الإبراهيمي كان يوالي حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري؛ الذي كان في مواقفه بعضُ اللين تجاه فرنسا، ويناوئ حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية الداعي إلى الانفصال عن فرنسا.
والحقيقة هي أنه ما كان الإبراهيمي "بيانيًا " ولا "انتصاريًا "، ولكنه كان يعتبر نفسه والجمعية التي يرأسها "فوق الأحزاب"، ليكونا حَكَمًا بينها، إن تنازعت في شيء أو اختلفت في شأن.
كان الإمام الإبراهيمي يعلم أن مواقف أعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري من ثوابت الشعب الجزائري يشوبها بعض الضعف، وأن مواقفهم السياسية يطبعها بعض اللين، وكل ذلك بسبب الثقافة الفرنسية التي تلقّوها (١٧)، وكان يعلم- أيضا- أن فيهم كفاءات علمية، وطاقات فكرية كان الشعب الجزائري في أمسّ الحاجة إليها، فكان الإمام بين أمرين: إمّا أن يهمل تلك الكفاءات، ويفرط في تلك الطاقات فلا تستفيد الجزائر منها، وإمّا أن يعمل على كسبها، ويجتهد في أن يعيدها إلى شعبها، ويُنقذها من ضلالها، فتصير أكثر إيمانًا بثوابت شعبها، وأَصْلَب في مواقفها السياسية، وهذا ما فعله الإمام. إنّ مَثَلَه في ذلك كَمَثَل الطبيب الذي يغشى المواطن الموبوءة لعلاج الناس وإنقاذهم من الوباء الفاتك. وقد أثبتت الأيام حِكمة تصرّف الإمام، وسدادَ رأيه، إذ اعترف كثير من أعضاء ذلك الحزب بأخطائهم، وتراجعوا عن مواقفهم السياسية، وانضموا إلى الثورة التحريرية.
وتحدّث الإمام عن سياسة القمع والإرهاب الفرنسية في الجزائر، فكشف دسائسها، وصوَّر فضائعها، وفضح وسائلها، فتناول ذلك الدستور في وصفه بـ"الأعرج" الذي فُرِض على الشعب الجزائري، وسَخِر من ذلك "البرلمان" الأخرس، ومن أعضائه، إذ رفض أن يسمّيهم نوّابًا، "مادامت الانتخابات بِالعِصِيِّ"، وندَّد بتلك الحملات الوحشية التي كانت تُرْعِبُ الآمنين، وتبطش بالمستضعفين. وفي هذا الإطار تندرج تلك المقالات المُعَنْوَنة بـ"ويح المستضعفين- حَدِّثونا عن العدل فإننا نسيناه ١، ٢، ٣ - ويحهم ... أهي حملة حربية"، وهي مقالات لا يعلم كثير من الناس أنها كُتِبَت إثْر "الاعتقال للمئات من شباب
стр. 914
الأمة"، بعد اكتشاف مصالح الأمن الفرنسية- في مارس ١٩٥٠ - المنظمة الخاصة ( l'organisation spéciale)، وهي منظمة سرية، أُنشئت سنة ١٩٤٧، لتدريب الشبّان الجزائريين على الأعمال العسكرية، استعدادًا لإعلان الجها د من أجل تحرير البلاد.
وقد أنهى الإمام هذه المقالات بتأكيد ما دعا إليه سنة ١٩٣٦ من "أن الحقوق التي أخذت اغتصابًا لا تسترجع إلا غلابًا " (١٨)، فقال مخاطبًا الشعب الجزائري: "إن القوم - الفرنسيين- لا يدينون إلا بالقوة، فاطلبها بأسبابها، وأْتِها من أبوابها، وأقوى أسبابها العلم، وأوسع أبوابها العمل، فخُذْهُما بقوة تَعِشْ حميدًا وتَمُتْ شهيدًا " (١٩).
إن الإمام الإبراهيمي ليس رجُلَ قطر مهما اتّسعت أرجاؤه، وليس رجُلَ إقليم مهما امتدّت أطرافه، ولكنه رجُل أمّة برَّحت به مِحَنُها، وصهرت جوانحه آلامها، وأمَضَّه هوانُها على الناس، فحمل أثقالها مع أثقال وطنه، فأجال فكره في قضاياها، وأسال قلمه في مشكلاتها، وعمل على أن يعيدها - كما شاء ربّها - ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وكان لها في كل ما كتب وقال وعمل من الناصحين.
وكانت قضية القضايا عنده هي فلسطين، التي صَوَّرها فأحسن صُوَرها، وجادل عنها فأتقن الجدال، إذ دَبَّج عنها مقالات لم يُبْلِها تعاقبُ الأيام، وعَنَت لها أئمة الكلام، وأعْجَزَت حَمَلَة الأقلام، وخضعَتْ لها كَمَلَةُ الأحلام، فقد جاء فيها بما لم يأت الأوائل من بيان رائع، وبرهان ساطع، ودليل قاطع، حتى قال عنها الأستاذ فايز الصائغ- أستاذ الفلسفة بالجامعة الأمريكية ببيروت، إنه "لم يُكتَب مِثلُها من يوم جَرَت الأقلام في قضية فلسطين" (٢٠).
لقد كانت تلك المقالات آية في صدق لهجتها، وعُمْق معاناة كاتبها، فلم تترك خائنًا إلا كَشَفَته، ولا جَبانًا إلّا عيَّرَتْهُ، ولا بَخيلًا إلا وبَّخَته، ولا مقصِّرًا إلا عنَّفَتْه، ولا متقاعسًا إلا وَخَزَتْه، ولا خاذلًا إلا فضَحَتْه.
لقد دفع الإمامَ إلى الاهتمام بالقضية الفلسطينية أمران أساسيان هما:
١ - إنها قضية دينية، ففلسطين هي أرض النبوّات التي لا إيمان لمن لا يؤمن بها، وهي موطن كثير من الرسُل الذين أُمِر المسلمون أن يؤمنوابهم جميعًا، وأن لايفرِّقوا بين
أحد منهم، وهي تضم ثالِث أقداس المسلمين، وهي قبلتُهم الأولى، والمستهدَفُ فيها - بَدْءًا وختامًا - هو الإسلام.
стр. 915
- إنها تشبه القضية الجزائرية، فاليهود يريدون استئصال الفلسطينيين من فلسطين، كما يريد الفرنسيون استئصال الجزائريين من الجزائر.
من أجل ذلك، لم يكتفِ الإمامُ الإبراهيمي في قضية فلسطين بالقول، ولكنه سارع إلى الفعل، فشكَّل هيئة عليا لإعانة فلسطين (٢١)، وتبرَّع لها بأنفس ما يملك العالِمُ، وهو مكتبته (٢٢)، وخَرَج من مالٍ اقترضه، ليُؤْثِرَ به- رغم خصاصته- مَن جاءه يستعينه على السفر إلى فلسطين للجها د (٢٣).
ويضم هذا الجزء مقالات تناولت شخصيات مدحًا أو قدحًا. والإمام الإبراهيمي عندما يمدح شخصًا لا يمدحه لذاته مهما علت منزلته، أو غلت قيمته، ومهما عظم جاهه أو كَثُر ماله، أو غزُر عِلْمُه، ولكنه يمدح ما يجسده ذلك الشخص من وفاء لمبادئ الإسلام، وجهادٍ في سبيلها، وولاءً للأوطان وسعي في تحريرها، وهو عندما يذم شخصًا لا يذمّه لذاته، ولكنه يذم فعاله، ويُقَبِّح خِلالَه من انعدام مروءة، وسفالة همة، وخيانة الإسلام، وولاء لأعدائه، وتنكّر للأوطان وسعي في إذلالها.
لقد أشاد بالإمام ابن باديس، وكيف لا يستحق الإكبار والتمجيد من "أحيا أمة تعاقبت عليها الأحداث والغِيَرُ، ودينًا لابَسَتْه المحدثات والبدَعُ، ولسانًا أكلته الرطانات الأجنبية، وتاريخًا غطّى عليه النسيان، ومجْدًا أشاعه ورثةُ السوء، وفضائل قتلتها رذائل الغرب" (٢٤)؛ وأشاد بالإمام محمد الطاهر بن عاشور، لأنه عَمِل لإصلاح "الزيتونة" التي أطفأ نُورها التقليدُ الأعمى، والكسلُ العقلي، والشلل الذهني، وسعى إلى إعادتها شجرة مباركة، يُضيءُ زيتُها، وتؤتي أكلها. ورَثَى "المنصف باي"، لأنه نَهَج لأمته نهْجَ الكرامة، وشرع لها سنن التضحية، وعلَّمَها "كيف تموت الأسود جوعًا وظمأ، ولا تطعمُ الأذى ولا تَرِد القذى". وأثْنَى على محمد خطاب، ذلك الرجل العصامي الذي أنفق من مال الله الذي آتاه، فبنى صروحًا للعلم، وشاد قلاعًا للدين، ولم يُلْهِه التكاثر في الأموال عن حقوق الأوطان. وانتصر للسلطان محمد الخامس في محنته، وفي الدفاع عن حقوق وطنه، لأنه أبَى أن يعطي الدنية في دينه، ورفض أن يكون عَبْدًا في صورة مَلِك ...