متأكّد، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء أوجبه. قال العَيني: قال أهل الظَّاهر بوجوبه لظاهر الأمر، فكأن النَّوَوي ما اطلع على هذا، أو ما اعتدَّ بخلافهم.
وقال ابن بطَّال: اتفقوا على دفع المارِّ إذا صلَّى إلى سترة، فأمَّا إذا صلَّى إلى غير السترة فليس له؛ لأنَّ التصرف والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلِّي فيه، فلم يستحق أن يمنعه إلَّا ما قام الدليل عليه، وهي السترة الَّتي وردت السنَّة بمنعها.
وفيه: إنَّه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليردَّه، وإنَّما يدافعه ويردُّه من موضعه؛ لأنَّ مفسدة المشي في الصَّلاة أعظم من مروره بين يديه، وإنَّما أبيح له قدر ما يناله من موقفه، وإنَّما يردُّه إذا كان بعيدًا منه بالإشارة والتَّسبيح ولا يجمع بينهما، وقال إمام الحرمين: لا ينتهي دفع المارِّ إلى منع محقق، بل يُومئ ويشير برفق في صدر من يمرُّ به. وفي «الكافي» للرُّويانيِّ: يدفعه ويصبر على ذلك وإن أدَّى إلى قتله، وقيل: يدفعه دفعًا شديدًا أشدّ من الدرء، ولا ينتهي إلى ما يفسد صلاته، وهذا هو المشهور عند مالك وأحمد، وقال أشهب في «المجموعة» : إن قرب منه درأه ولا ينازعه، فإن مشى له ونازعه لم تبطل صلاته، وإن تجاوزه لا يردُّه؛ لأنَّه مرور ثانٍ. وكذا رواه ابن القاسم من أصحاب مالك، وبه قال الشَّافعي وأحمد، وقال ابن مسعود وسالم: يردُّه من حيث جاء، وإذا مرَّ بين يديه ما لا تؤثر فيه الإشارة كالهرَّة قالت المالكية: دفعه برجله أو ألصقه إلى السُّترة.
وفيه: فإن أبى فليقاتله، قال عياض: أجمعوا على أنَّه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ولا بما يؤدِّي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قَوَد عليه باتِّفاق العلماء، وهل تجب ديَّته أم يكون هدرًا؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك، قال ابن سُفْيان: عليه الدية في ماله كاملة، وقيل: هي على عاقلته، وقيل: هدر. ذكره ابن التِّين.
واختلفوا في معنى: (فَلْيُقَاتِلْهُ) والجمهور على أنَّ معناه: الدفع بالقهر، لا جواز القتل، والمقصود: المبالغة في كراهة المرور، وأطلق جماعة من الشافعيَّة: أنَّ له أن يقاتله حقيقةً، وردَّ ابن العربيِّ ذلك وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة، وقال بعضهم: معنى (فَلْيُقَاتِلْهُ) : فليلعنه، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الخَرَّاصُوْنَ﴾ [الذاريات: ١٠] أي لعنوا، وأنكره بعضهم، وقال ابن المنذر: يدفع في نحره أوَّل مرَّة، ويقاتله في الثانية وهي المدافعة وقيل: المقاتلة بعد الثالثة، وقيل: يؤاخذه على ذلك بعد إتمام الصَّلاة ويؤنِّبه، وقيل: يدفعه دفعًا أشدّ من الردِّ مُنْكِرًا عليه، وفي «التَّمهيد» : العمل القليل في الصَّلاة جائز، نحوَ قتل البرغوث، وحكِّ الجسد، وقتل العقرب بأخفِّ من الضرب، ما لم تكن المتابعة والطول والمشي إلى الفُرَج إذا كان ذلك قريبًا، ودرء المصلِّي، وهذا كلُّه ما لم يكثر، فإن كثر فسد، قلت: إذا قتل برغوثًا في صلاته بطلت إذا كان قتله على شيء من جسده أو ثيابه. انتهى.
وفيه: أنَّ المارَّ كالشَّيطان في إنَّه شغل قلبه عن مناجاة ربِّه.
وفيه: إنَّه يجوز أن يقال للرجل إذا
стр. 37
فتن في الدين: إنَّه شيطان، كما مرَّ عن ابن بطَّال.
وفيه: أنَّ الحكم للمعاني لا للأسماء؛ لأنَّه يستحيل أن يصير المارُّ شيطانًا بمروره بين يديه، وقد علمت ما فيه مما مرَّ.
وفيه: دفع الأمور إنَّما هو بالأسهل فالأسهل.
وفيه: أنَّ في المنازعات لا بدَّ من الرَّفع إلى الحاكم، ولا ينتقم الخصم بنفسه.
وفيه: أنَّ رواية العدل مقبولة وإن كان الرَّاوي له منتفعًا به.
قلت: وفيه سؤال الحاكم من المدَّعى عليه برفق وإن كان الكلام الفاحش في المجاوزة لا يُؤاخذ به إذا لم يعلم المتكلِّم أنَّ الحقَّ غيره. انتهى.
(١٠١) (بَابُ إِثمِ المَارِّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي) أي هذا بابٌ في بيان إثم المارِّ بين يدي المصلِّي، وأصل المارٍّ: مارِرٌ، فأسكنت الرَّاء الأولى وأُدغمت في الثَّانية، والإدغام في مثله واجب.
٥١٠ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التَّنِّيسي.
قوله: (أَخْبَرَنا مَالِكٌ) أي الإمام، ترجمتهما في بدء الوحي.
قوله: (عَنْ أَبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَر بنِ عُبَيْدِ اللهِ) -أي بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة- اسمه: سالم، ترجمته في باب المسح على الخفَّين.
قوله: (عَن بُسْرِ بنِ سَعِيْدٍ) أي -بضمِّ الباء الموحَّدة وسكون السين المهملة- الحضرمي المدني الزَّاهد، مات ولم يخلِّف كفنًا.
قوله: (إِنَّ زَيْدَ بنَ خَالِدٍ) أي الجُهَني الصَّحابي، ترجمته في باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره.
قوله: (أَرْسَلَهُ إِلى أَبِي جُهَيْمٍ) أي عامر بن حُذَيفة العدوي القُرَشي، ترجمته في باب إذا صلَّى في ثوب لها أعلام ونظر إلى علمها. قوله: (يَسْأَلُهُ).
وفي هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه تابعي وصحابيان، وفيه أبو جُهَيم بالتصغير، مرَّ في باب التيمم في الحضر، وقال ابن عبد البرِّ: راوي حديث المرور هو غير راوي حديث التيمم، وقيل غير ذلك، وقد تقدَّم ذلك كلُّه.
قوله: (مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في المارِّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : لَوْ يَعْلَمُ المارُّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَربَعِيْنَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَينَ يَدَيْهِ. قالَ أَبو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي أَقَالَ: أَربَعِيْنَ يَوْمًا أَو شَهْرًا أَوْ سَنَةً). مطابقته للترجمة ظاهرة.
وهذا الحديث أخرجه بقيَّة الستَّة، وقال ابن ماجه: حدَّثنا هشام بن عمَّار حدَّثنا ابن عُيَيْنَة عن أبي النَّضْر عن بُسر قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلِّي فأخبرني عن النَّبِيِّ ﷺ قال: ((لَأَنْ يقومَ أربعينَ خيرًا لَهُ مِنْ أنْ يمرَّ بينَ يديهِ))، قال سفيان: ولا أدري أربعين سنة أو شهرًا أو صباحًا أو ساعةً.
وفي «مسند البزَّار» : أخبرنا أحمد بن عَبْدَة حدَّثنا سُفْيان به، وفيه: أرسلني أبو جُهَيم إلى زيد بن خالد فقال: ((لأنْ يقومَ أربعينَ خريفًا خيرٌ لهُ مِنْ أنْ يقومَ بينَ يديهِ))، وقال أبو عُمَر في «التَّمهيد» : رواه ابن عُيَيْنَة مقلوبًا، والقول عندنا قول مالك ومَن تابعه. وقال
стр. 38
ابن القطَّان في حديث البزَّار: خَطِئ فيه ابن عُيَيْنَة، وليس خطؤه بمتعين؛ لاحتمال أن يكون أبو جُهيم بعث بُسرًا إلى زيد، وزيد بعثه إلى أبي جُهَيم يستثبت كلُّ واحد ما عند الآخر، فأخبر كلٌّ منهما بمحفوظه، فشكَّ أحدُهما وجزم الآخر، واجتمع ذلك كلُّه عند أبي النَّضْر. انتهى.
قال شيخنا: تعليل الأئمَّة للأحاديث مبني على غلبة الظنِّ، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا، لم يتعيَّن خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال فيُعتمد، ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذِّ، وهو ما يخالف الثقةُ فيه من هو أرجحُ منه في حدِّ الصحيح. انتهى.
قال العَيني: قول مالك في «الموطأ» : لم يُختلف عليه فيه أنَّ المرسل هو زيد، وأنَّ المرسل إليه هو أبو جُهيم. وتابعه سُفْيان الثَّوْري عن أبي النَّضْر عند مسلم وابن ماجَهْ وغيرهما، وخالفهما ابن عُيَيْنَة عن أبي النَّضْر فقال: عن بُسر بن سعيد قال: أرسلني أبو جُهَيم إلى زيد بن خالد أسأله، فذكر هذا الحديث. قلت: هذا عكس متن «الصحيحين»؛ لأنَّ المسؤول فيهما هو أبو الجُهَيم، وهو الرَّاوي عن النَّبِيِّ ﷺ ، وعند البزَّار: المسؤول زيد بن خالد. انتهى.
قوله: (مَاذَا عَلَيْهِ) أي من الإثم والخطيئة، وفي رواية الكُشْمِيهَني: <مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ> وليس هذه الزيادة في شيء من الروايات غيره، وكذا في «الموطأ» ليست هذه الزيادة وكذا في سائر المسندات والمستخرجات، غير أنَّه وَقَعَ في «مصنَّف ابن أبي شَيْبَة» : ((ماذا عليه)) يعني: من الإثم. انتهى.
قال شيخنا: فيحتمل أن يكون ذكرت حاشية فظنَّها الكُشْمِيْهَني أصلًا؛ لأنَّه لم يكن من أهل العلم ولا من الحفَّاظ، وقد عزاها المحبُّ الطَّبَري في «الأحكام» للبخاريِّ وأطلق، فعيب ذلك عليه وعلى صاحب «العمدة» في إيهامه إنَّها في «الصحيحين»، وأنكر ابن الصَّلاح في «مشكل الوسيط» على من أثبتها في الخبر فقال: لفظ الإثم ليس في الحديث صريحًا، ولما ذكره النَّوَوي في «شرح المهذب» بدونها قال: وفي رواية رُوِّيناها في «الأربعين» لعبد القادر الرَّهاوي: ((ماذا عليه من الإثم)). انتهى.
قال العَيني: قوله: (مَاذَا عَلَيْهِ) كلمة (ما) استفهام، ومحلُّه الرَّفع على الابتداء، وكلمة (ذا) إشارة خبره، والأَولى أن تكون (ذا) موصولة بدليل افتقاره إلى شيء بعده؛ لأنَّ تقديره: ماذا عليه من الإثم، ثمَّ إن (مَاذَا عَلَيْهِ) في محلِّ النَّصب على أنَّه سدَّ مسدَّ المفعولين لقوله: (لَوْ يعْلَم) وقد عُلِّق عمله بالاستفهام.
قوله: (بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي) أي أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بينهما، وقد تقدَّم حدُّ ذلك، فقيل: إذا مرَّ بينَه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينَه وبين مقدار ثلاثة أذرع، وقيل: بينَه وبين قدر رميةٍ بحجر.
قوله: (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَربَعِيْنَ) وقد ذكرنا: أنَّ في رواية ابن ماجه: ((أربعين سنة أو شهرًا أو صباحًا أو ساعةً))، وفي رواية البزَّار: ((أربعين خريفًا))، وفي «صحيح ابن حبَّان» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلمُ أحدُكم ما لهُ في أن يمرَّ بين يدي أخيه معترضًا
стр. 39
في الصَّلاة، كان لَأَن يقيمَ مائةَ عامٍ خيرٌ لهُ مِنَ الخطوةِ الَّتي خطَا))، وفي «الأوسط» للطبرانيِّ عن عبد الله بن عَمْرو مرفوعًا: ((إن الذي يمرُّ بين يدي المصلِّي عمدًا يتمنَّى يومَ القيامةِ إنَّه شجرةٌ يابسةٌ))، وفي «المصنَّف» عن عبد الحميد عاملِ عُمَر بن عبد العزيز ﵁ قال ﵇: ((لوْ يعلمِ المارُّ بينَ يدي المصلِّي ما عليهِ، لَأَحبَّ أنْ تنكسرَ فخذَه ولا يمرَّ بينَ يديه))، وقال ابن مسعود: المارُّ بين يدي المصلِّي أبغض من الممرِّ عليه. وكان إذا مرَّ أحد بين يديه التزمه حتَّى يردَّه. وقال ابن بطَّال: قال عُمَر ﵁: لكان يقوم حولًا خير له من مروره. وقال كعب الأحبار: لكان أن يخسف به خير له من أنْ يمرَّ بين يديه.
قال العَيني: قوله: (لكان) جواب لو، وكلمة (أن) مصدريَّة، والتقدير: لو يعلم المارُّ ما الذي عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلِّي، لكان وقوفه أربعين خيرًا له من أن يمرَّ، أي من مروره بين يديه. وقال الكِرْماني: جواب لو ليس هو المذكور؛ إذ التقدير: لو يعلم ماذا عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له. قال العَيني: لا ضرورة إلى هذا التقدير، وهو تصرف فيه تعسُّف، وحقُّ التركيب ما ذكرناه. انتهى.
قال شيخنا: قوله: (خَيْرًا لَهُ) في روايتنا بالنَّصب على أنَّه خبر كان، ولبعضهم: ((خَيْرٌ)) بالرفع، وهي رواية الترمذي، وأعربها ابن العربيِّ على إنَّها اسم كان، وأشار إلى أنَّ تسويغ الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة، ويحتمل أن يقال: إنَّ اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها. انتهى.
قوله: (قَالَ أَبُو النَّضْرِ) قال الكِرْماني: إما من كلام مالك فهو مسند، وإما تعليق من البخاري، قال شيخنا: هو كلام مالك، وليس من تعليق البخاري؛ لأنَّه ثابت في «الموطأ» من جميع الطرق، وكذا ثبت في رواية النَّوَوي وابن عُيَيْنَة كما ذكرنا.
قوله: (أَقَالَ) الهمزة فيه للاستفهام، وفاعله بُسرٌ أو رسول الله ﷺ ، كذا قاله الكِرْماني، وقال العَيني: الظَّاهر إنَّه بُسر بن أبي أميَّة.
قوله: (لَا أَدْرِي أَقَالَ أَربَعِينَ يَومًا أَو شَهرًا أَو سَنَةً) لأنَّه ذكر العدد - أعني أربعين- ولا بدَّ له من مميِّز؛ لأنَّه لا يخلو عن هذه الأشياء، وقد أبهم ذلك ههنا، فإن قلت: ما الحكمة فيه؟ قال الكِرْماني: وأبهم الأمر؛ ليدلَّ على الفخامة، وإنَّه مما لا يُقادَر قَدْره ولا يدخل تحت العبارة. قال العَيني: الإبهام ههنا من الراوي، وفي نفس الأمر العدد معيَّن، ألا ترى كيف تعيَّن فيما رواه ابن ماجَهْ من حديث أبي هريرة: ((لكانَ أنْ يقفَ مائةَ عامٍ)) الحديث كما ذكرنا؟ وكذا عين في «مسند البزَّار» من طريق سُفْيان بن عُيَيْنَة: ((لكان أن يقف أربعين خريفًا))، وقال الكِرْماني: فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة؟ قلت: أسرار أمثالها لا يعلمها إلَّا الشَّارع، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنَّ الغالب في أطوار الإنسان أنَّ كمال كلِّ طور بأربعين كأطوار النطفة، فإنَّ كلَّ طور منها بأربعين، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنة، ثمَّ الأربعة
стр. 40
أصل جميع الأعداد؛ لأنَّ أجزاءه هي عشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فلما أُريد التكثير ضُوعف كلٌّ إلى عشرة أمثاله. انتهى.
قال العَيني: غفل الكِرْماني عن رواية المائة حيث قصر في بيان الحكمة. قال بعضهم: في التنكيت على الكِرْماني: بأن هذه الرواية تشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معين. قال العَيني: لا ينافي رواية المائة عن بيان وجه الحكمة في الأربعين، بل ينبغي أن يطلب وجه الحكمة في كلِّ منهما؛ لأنَّ لقائل أن يقول: لم أطلق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر ولِمَ لَمْ يذكر الخمسين أو ستين أو نحو ذلك؟ والجواب الواضح الشافي في ذلك: أنَّ تعيين الأربعين للوجه الذي ذكره الكِرْماني، وأمَّا وجه ذكر المائة فما ذكره الطَّحاوي: إنَّه قيد بالمائة بعد التقييد بالأربعين لزيادة تعظيم الأمر على المار؛ لأنَّ المقام مقام زجر وتخويف وتشديد. فإن قلت: من أين علم أنَّ التقييد بالمائة بعد التقييد بالأربعين؟ قال العَيني: وقوعها معًا مستبعد؛ لأنَّ المائة أكثر من الأربعين، وكذا وقوع الأربعين بعد المائة؛ لعدم الفائدة، وكلام الشَّارع كلُّه حكمة وفائدة، والمناسبة أيضًا تقتضي تأخير المائة عن الأربعين. قال شيخنا: ومميز الأربعين إن كان هو السنة ثبت المدعى، أو ما دونها من باب إطلاق الأولى. انتهى.
فإن قلت: قد علم فيما مضى وجه الحكمة في الأربعين، فما وجه الحكمة في تعيين المائة؟ قال العَيني: المائة وسط بالنسبة إلى العشرات والألوف، وخير الأمور أوساطها، وهذا مما تفرَّد به العَيني كما قاله.
قال النَّوَوي: فيه دليل على تحريم المرور؛ فإنَّ معنى النَّهي الأكيد والوعيد الشديد يدلُّ على ذلك. انتهى. ومقتضى ذلك: أن يعدَّ المرور من الكبائر.
وفيه أخذ القرين على قرينه ما فاته واستثباته فيما سمع معه. وفيه الاعتماد على خبر الواحد؛ لأنَّ زيدًا اقتصر على النزول مع القدرة على العلو اكتفاء برسوله المذكور. وفيه استعمال لو في باب الوعيد، ولا يدخل ذلك في النهي؛ لأنَّ محلَّ النهي: أن يشعر بما يعاند المقدور كما سيأتي حيث أورده المصنِّف إن شاء الله تعالى.
تنبيهات:
أحدها: استنبط ابن بطَّال من قوله: (لَوْ يَعْلَمُ) أنَّ الإثم يختصُّ بمن يعلم بالنَّهي وارتكبه، قال شيخنا: وأخذه من ذلك فيه بعدٌ، لكن هو معروف من أدلَّة أخرى. قال العَيني: ليس فيه بعد؛ لأنَّ لو للشرط، فلا يترتب الحكم المذكور إلَّا عند وجوده.
ثانيها: ظاهر الحديث أنَّ الوعيد المذكور يختصُّ بمن مرَّ، لا بمن وقف عامدًا بين يدي المصلِّي أو قعد أو رقد، إن كانت العلَّة فيه التشويش على المصلِّي فهم في معنى المارَّ.
ثالثها: ظاهر عموم النَّهي في كلِّ مصلِّي، وخصَّه بعض المالكيَّة بالإمام والمنفرد؛ لأنَّ المأموم لا يضرُّه من مرَّ بين يديه؛ لأنَّ سترة إمامه له سترة له، أو إمامه سترة له. انتهى. قال شيخنا: والتعليل المذكور لا يطابق المدَّعى؛ لأنَّ السترة تفيد رفع الحرج عن المصلِّي لا عن
стр. 41
المارِّ، فاستوى الإمام والمأموم والمنفرد.
رابعها: ذكر ابن دقيق العيد: أنَّ بعض الفقهاء -أي المالكيَّة- قسم أحوال المارِّ والمصلِّي في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام: يأثم المارُّ دون المصلِّي، وعكسه يأثمان جميعًا، وعكسه، فالصورة الأولى: أن يصلِّي إلى سترة في غير مشرع وللمارِّ منه وجهٌ، فيأثم دون المصلِّي. الثانية: أن يصلِّي في مشرع مسلوك بغير سترة، أو متباعدًا عن السترة ولا يجد المارُّ منه وجه، فيأثم المصلِّي دون المارِّ. الثالثة مثل الثانية، لكن يجد المارُّ منه وجه، فيأثمان جميعًا، الرابعة مثل الأولى، لكن لا يجد المارُّ منه وجه، فلا يأثمان جميعًا. انتهى.
وظاهر الحديث يدلُّ على منع المرور مطلقًا ولو لم يجد مسلكًا، بل يقف حتَّى يفرغ المصلِّي من صلاته، قال شيخنا: ويؤيَّده قصَّة أبي سعيد السابقة؛ فإن فيها: (فنظر الشَّابُّ فلم يجد مساغًا) وقد تقدَّمت الإشارة إلى قول إمام الحرمين: أنَّ الدفع لا يُشرع للمصلِّي في هذه الصُّورة، وتبعه الغزالي، ونازعه الرافعي، وتعقَّبه ابن الرِّفعة بما حاصله: أنَّ الشاب إنَّما استوجب من أبي سعيد الدفع لكونه قصر في التأخُّر عن الحضور إلى الصَّلاة حتَّى وَقَعَ الزحام. انتهى. وما قاله محتمل، لكن لا يدفع الاستدلال؛ لأنَّ أبا سعيد لم يعتذر بذلك؛ لأنَّه متوقف على أنَّ ذلك وَقَعَ قبل صلاة الجمعة أو فيها، مع احتمال أن ذلك وَقَعَ بعدها، فلا يتجه ما قاله من التقصير بعدم التبكير، بل كثرة الزحام حينئذ أوجه، والله أعلم.
خامسها: وَقَعَ في رواية أبي العبَّاس السرَّاج من طريق الضَّحَّاك بن عُثْمان عن أبي النَّضْر: ((لو يعلم المارُّ بين يدي المصلِّي والمصلَّى))، فحمله بعضهم على ما إذا قصَّر المصلِّي في دفع المارِّ، أو بأن صلَّى في الشارع، ويحتمل أن يكون قوله: (والمُصَلَّى) -بفتح اللَّام- أي بين يدي المصلِّي من داخل سترته، وهذا أظهر، والله أعلم. انتهى.
قال العَيني: وفيه طلب العلم والإرسال لأجله، وفيه جواز الاستنابة. انتهى.
قلت: وفيه وعظ الإمام الرعيَّة، وفيه أنَّ النَّبِيَّ يختصُّ بالاطلاع على أمور تخفى على غيره، وفيه الترهيب من ارتكاب الإثم، وفيه الاهتمام بشأن الصَّلاة، وفيه الإشارة إلى ترك التشويش على المصلِّي بما يشغله عن صلاته. انتهى.
(١٠٢) (بَابُ استِقبَالِ الرَّجُل ِالرَّجُلَ وَهُوَ يُصَلِّي) أي هذا بابٌ في بيان حكم استقبال الرجلِ الرجلَ والحال إنَّه يصلِّي، يعني: هل تكره أم لا؟
والرجل الأوَّل مضافٌ إليه الاستقبالُ، والرجل الثَّاني منصوب؛ لأنَّه مفعول، وقال الكِرْماني: في بعض النسخ: ((بابُ: استقبالِ الرجلِ صاحبَهُ أوْ غيرَهُ))، وفي بعضها: ((استقبالُ الرجلِ وهو يصلِّي))، وفي بعضها لفظ الرجل مكرر، ولفظ (هو) يحتمل عوده إلى الرجل الثاني، فيكون الرجلان متواجهين، وإلى الأوَّل فلا يلزم التواجه. وقال شيخنا: في نسخة الصَّغاني: <استقبالُ الرجلِ صاحبَهُ أو غيرَهُ في صلاتِهِ>.
قوله: (وَكَرِهَ عُثْمَانُ) أي ابن عفَّان، أحد الخلفاء الأربعة الراشدين، ترجمته في باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا.
قوله: (أَنْ يُسْتَقبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّي) مطابقته للترجمة
стр. 42
ظاهرة، وقوله: (يُسْتَقبَلُ) بضمِّ الياء على صيغة المجهول، والرجلُ مرفوع لنيابته عن الفاعل، ويجوز فتح الياء على صيغة المعلوم، ولا مانع من ذلك، والكِرماني اقتصر على الوجه الأول.
قوله: (وَهُوَ يُصَلِّي) جملة اسميَّة وقعت حالًا عن الرجل، قال شيخنا: ولم أر هذا الأثر عن عُثْمان إلى الآن، وإنما رأيته في «مصنَّفَي عبد الرزَّاق وابن أبي شَيْبَة» وغيرهما من طريق هلال بن يَساف عن عُمَر ﵁: إنَّه زجر عن ذلك، وفيهما أيضًا عن عُثْمان ما يدلُّ على عدم كراهية ذلك، فليتأمَّل؛ لاحتمال أن يكون فيما وَقَعَ في الأصل تصحيف من عُمَر إلى عثمان، قال العَيني: لا يلزم من عدم رؤيته هذا الأثر عن عُثْمان ألَّا يكون منقولًا عنه، فليس بسديد زَعَمَ الاحتمال الناشئ من غير دليل. فإن قلت: رواية عبد الرزَّاق وابن أبي شَيْبَة عن عُثْمان بخلاف ما ذكره البخاري عنه دليل الاحتمال، قال العَيني: لا يُسلَّم ذلك؛ لاحتمال أن يكون المنقول عنه آخرًا بخلاف ما نقل عنه أوَّلًا؛ لقيام الدَّليل عنده بذلك. انتهى.
قال شيخنا: هكذا يكون التحامل؛ فإنِّي لم أنفِ وقوع نقل ذلك عن عثمان، واحتمال التصحيف لا ينكر. انتهى.
قوله: (وَهَذَا إِذا اشتَغَلَ بِهِ) فأمَّا إذا لم يشتغل به فقد قال زيد بن ثابت ﵁: ما باليت أنَّ الرجل لا يقطع صلاة الرَّجل.
(زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ) أي الأنصاري النَّجَّاري الفرضي الخزرجي أبو سعيد، ويقال: أبو خارجة، واسم جدِّه الضَّحَّاك، سمع زيد النَّبِيَّ ﷺ ، روى عنه ابن عُمَر وأنس بن مالك وعبد الله بن يزيد الخطمي ومروان بن الحكم وبشر بن سعيد وعطاء بن يَسار وابنه خارجة بن زيد في الصَّلاة وغيرِ موضع، قال البخاري: قال علي بن المديني: مات سنة أربع أو خمس وخمسين. وقال خليفة وأبو عيسى: مات سنة خمس وأربعين. وقال الذُّهْلي: وقال أحمد بن حنبل: بلغني مات زيد بن ثابت سنة إحدى أو اثنين وخمسين، وصلَّى عليه مروان. وقدم النَّبِيُّ ﷺ وهو ابن إحدى عشرة سنة.
قال صاحب «التَّوضيح» ـ أي ابن المُلَقِّن ـ: قوله: (هَذَا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ...) إلى آخره، من كلام البخاري، يشير به إلى أنَّ مذهبه ههنا بالتفصيل، وهو أنَّ استقبال الرجل الرجل في الصَّلاة إنَّما يكره إذا اشتغل المستقبل المصلِّي؛ لأنَّ علَّة الكراهة هي كفُّ المصلِّي عن الخشوع وحضور القلب، وأمَّا إذا لم يشغله فلا بأس به، والدليل عليه قول زيد بن ثابت: (مَا بَالَيْتُ) أي بالاستقبال المذكور، ويقال: لا أباليه أي لا أكترث له.
قوله: (إِنَّ الرَّجُلَ) بكسر إنَّ؛ لأنَّه استئناف ذكر لتعليل عدم المبالاة، وروى أبو نُعَيم في «كتاب الصَّلاة» حدَّثنا مسْعَر قال: أُراني أوَّل من سمعه من القاسم قال: ضرب عُمَر ﵁ رجلين أحدهما مستقبلٌ والآخر يصلِّي، وحدَّثنا سُفْيان حدَّثنا رجل عن سعيد بن جُبَير: أنَّه كره أن يصلِّي وبين يديه مخنَّث محدث، وحدَّثنا سُفْيان
стр. 43
عن أشعث بن أبي الشَّعثاء عن ابن جُبَير قال: إذا كانوا يذكرون الله تعالى فلا بأس، وقال ابن بطَّال: أجاز الكوفيُّون والثَّوْري والأوزاعي الصَّلاة خلف المتحدِّثين، وكرهه ابن مسعود، وكان ابن عُمَر لا يستقبل من يتكلَّم إلَّا بعد الجمعة، وعن مالك: لا بأس أن يصلِّي إلى ظهر الرَّجل، وأما إلى جنبه فلا. ورويَ عنه التخفيف في ذلك قال: لا تصلُّوا إلى المتحلِّقين لأنَّ بعضهم يستقبله، قال: وأرجو أن يكون واسعًا. وذهبت طائفة من العلماء إلى أنَّ الرَّجل يستر إلى الرَّجل إذا صلَّى، وقال الحسن وقتادة: يستره إذا كان جالسًا. وعن الحسن: يستره. ولم يشترط الجلوس ولا تولية الظهر، وأكثر العلماء على كراهة استقباله بوجهه، وقال نافع: كان ابن عُمَر إذا لم يجد سبيلًا إلى سارية المسجد قال لي: ولِّ ظهرك. وهو قول مالك، وقال ابن سيرين: لا يكون الرَّجل سترةً للمصلِّي.
٥١١ - قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ خَلِيْلٍ) أي أبو عبد الله الخزَّاز الكوفي، تقدَّم في باب مباشرة الحائض.
قوله: (قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ) تقدَّم في الباب أيضًا.
قوله: (عَنِ الأَعْمَشِ) أي سُلَيمان الكوفي، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (عَنْ مُسْلِمٍ) أي البَطين ظاهرًا، قاله الكِرْماني، وقال العَيني: الظاهر: إنَّه مسلم بن صُبَيح أبو الضُّحى. انتهى. وقال شيخنا: وأمَّا ظنُّ الكِرْماني أنَّ مسلمًا هو البَطين فلم يُصِبْ في ظنِّه ذلك. قلت: الأوَّل مسلم بن أبي عِمْران أبو عبد الله البَطين الكوفي، حدَّث عن سعيد بن جُبَير ومَسْروق، وعنه الأَعْمَش، قاله أحمد بن محمَّد الكلاباذي، وقال محمَّد بن طاهر المَقْدِسي: ويقال: مسلم بن عِمْران، ويقال: ابن أبي عبد الله البَطين، يُكنى أبا عبد الله، سمع سعيد بن جُبَير عند البخاري ومسلم، أو مسروقًا عند البخاري وعطاءَ بن أبي رباح ومجاهدًا عند مسلم، روى عنه الأَعْمَش عندهما، ومخول بن أسد وإسماعيل بن مسلم وسلَّمة بن كُهَيل عند مسلم. انتهى. وقال الذَّهَبي: مسلم بن عِمْران البَطين عن أبي وائل وعلي بن الحسين وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، وعنه الأَعْمَش وابن عَوْن. انتهى. والثاني ترجمته في باب الصَّلاة في الجبة الشامية.
قوله: (عَنْ مَسْرُوْقٍ) أي ابن الأجدع الكوفي، ترجمته في باب علامات المنافق.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع، وكذلك الإخبار، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع،
قوله: (ذُكِرَ عِندَهَا مَا يَقطَعُ الصَّلاة، فَقَالُوا: يَقطَعُهَا الكَلبُ وَالحِمَارُ وَالمَرأَةُ، فَقَالَت: لَقَد جَعَلتُمُونَا كِلَابًا، لَقَد رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي، وَإِني لَبَينَهُ وَبَينَ القِبْلَةِ، وَأَنَا مُضطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَكُونُ لِي الحَاجَةُ، فَأَكرَهُ أَنْ أَستَقبِلَهُ، فَأَنسَلَّ انسِلَالًا) وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة على وجوه:
الأوَّل: ما قاله الكِرْماني: حكم الرجال والنِّساء واحد في الأحكام الشرعيَّة إلَّا ما خصَّصه الدَّليل. قال العَيني: بيان ذلك أنَّ عائشة ﵂ كانت مضطجعة على السَّرير، وكانت بين النَّبِيِّ صلَّى الله عليه
стр. 44
وسلَّم وبين القبلة، فيكون استقبال الرجل المرأة في الصَّلاة، ولم تكن تشغل النَّبِيَّ ﷺ ، فدلَّ على عدم الكراهة، ولا يقال: الترجمة استقبال الرجل الرجل، وفيما ذكر استقبال الرجل المرأة؛ لأنَّا نقول: حكم الرجال والنِّساء واحد إلى آخر ما ذكرنا، وقد ذكرنا: أنَّ الترجمة رويت على ثلاثة أوجه، وهذا الذي ذكرنا في الوجه الواحد، وهو باب استقبال الرجل الرجل وهو يصلِّي، وأما في الوجهين الآخرين فالتطابق ظاهر، فلا يحتاج إلى التكلُّف، قال شيخنا: واتسع الكِرْماني بأنَّ حكم الرجل والمرأة واحد للأحكام الشرعيَّة، ولا يخفى ما فيه. انتهى.
الوجه الثاني: ذكره ابن المنير فقال: لأنَّه يدلُّ على المقصود بطريق الأولى وإن لم يكن تصريح بأنهَّا كانت مستقبلة، فلعلَّها كانت منحرفة أو مستدبرة.
الوجه الثالث: ذكره ابن رُشَيْد فقال: فصَّل البخاريُّ أنَّ شغل المصلِّي بالمرأة إذا كانت في قبلته على أي حالة كانت أشدُّ من شغله بالرجل، ومع ذلك فلم يضرَّ صلاته ﵊؛ لأنَّه غير مشتغل بها، كذلك لا تضرُّ صلاة من لم يشتغل بها، وبالرجل من باب أولى، والكلام على الحديث قد مرَّ في باب الصَّلاة إلى السَّرير؛ لأنَّه أخرجه هناك من وجه آخر.
قوله: (كِلَابًا) أي كالكلاب في حكم قطع الصلاة.
قوله: (رَأَيْتُ) أي أبصرت.
قوله: (وَإِنِّي لَبَيْنَهُ) أي بين النَّبِيِّ ﷺ ، وهذه الجملة في محلِّ النَّصب على الحال، وكذلك: (وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ).
قوله: (وَأَكْرَهُ) كذا هو بالواو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِهيني: <فَأَكْرَهُ> بالفاء.
قوله: (فَأَنْسَلُّ) أي أخرج بالخِفية.
قوله: (وَعَنِ الأَعْمَشِ) أي سُلَيمان المذكور في السَّند السَّابق.
قوله: (عَنْ إِبْرَاهِيْمَ) أي النَّخَعي، ترجمته في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (عَنِ الأَسْوَدِ) أي ابن يزيد النَّخَعي، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.
قوله: (نَحْوَهُ) قلت: النَّحو في اللُّغة: القَصْدُ والقِسْمُ والجِهَةُ والقَدْرُ والمِثْلُ، وهو المراد هنا. انتهى.
قال الكِرْماني: قوله: (وَعَنِ الأَعْمَشِ) يحتمل التعليقَ وكونَه من كلام ابن مُسْهِر أيضًا، قال العَيني: خرَّجه بعد البابين في باب: مَن قال: لا يقطع الصَّلاة شيء، والحاصل: أنَّ هذا معطوف على الإسناد الذي قبله، ونبَّه به على أنَّ عليَّ بن مُسْهِر قد روى هذا الحديث عن الأَعْمَش بإسنادين إلى عائشة، أحدهما: عن مسلم عن مَسْروق عن عائشة باللَّفظ المذكور، والآخر: عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة بالمعنى، وأشار إليه بقوله: (نَحْوَه) وهو بالنَّصب، فإن قلت: كيف يقول: (نَحْوَه) ولفظ النحو يقتضي المماثلة بينهما من كلِّ الوجوه، وههنا ليس كذلك؟ قال العَيني: لا نسلِّم إنَّه كذلك، بل يقتضي المشاركة في أصل المعنى المقصود فقط. انتهى.
(١٠٣) (بَابُ الصَّلاة خَلْفَ النَّائِمِ) أي هذا باب في بيان حكم الصَّلاة خلف النَّائم، يعني: تجوز ولا تكره، على ما سنبيِّنه إن شاء الله تعالى.
٥١٢ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد،
стр. 45
ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان، ترجمته في الباب أيضًا.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي ابن عروة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي) أَي عُرْوَة بن الزبير. قوله: (عَنْ عائِشَةَ) أي زوج النَّبِيِّ ﷺ ، ترجمة هؤلاء الثلاثة في بدء الوحي.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه العنعنة في موضع.
قوله: (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعتَرِضَةٌ عَلَى فِراشِهِ، فِإِذا أَرادَ أَنْ يُوتِرَ أَيقَظَني فَأَوتَرْتُ) مطابقته للترجمة ظاهرة، فإن قلت: كيف الظُّهور والترجمة خلف النَّائم، والحديث خلف النَّائمة؟ قال العَيني: قد ذكرنا أنَّ الرِّجال والنِّساء واحد في الأحكام الشَّرعيَّة إلَّا ما خصَّه الدليل، أو إنَّه إذا جاز خلف النائمة فخلف النَّائم بالطريق الأولى، أو أراد بالنَّائم الشَّخص النَّائم ذكرًا كان أو أنثى. انتهى.
قلت: قال شيخنا: توسَّع الكِرْماني في قوله: الرِّجال والنِّساء واحد في الأحكام الشَّرعيَّة، ولا يخفى ما فيه. انتهى.
قوله: (كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي) مثلَ هذا التركيب يفيد التكرار.
قوله: (وَأَنا رَاقِدَةٌ) جملة حالية، وقوله: (مُعْتَرِضَةٌ) صفة بعد صفة.
قوله: (أَنْ يُوْتِرَ) أي إذا أراد أن يصلِّي الوتر.
قوله: (أَيْقَظَنِي) من الإيقاظ.
قال ابن بطَّال: الصَّلاة خلف النَّائم جائزة، إلَّا أنَّ طائفة كرهتها خوفَ ما يحدث من النَّائم، فيشتغل المصلِّي به أو يضحكه فتفسد صلاته، وقال مالك: لا يصلَّى إلى النَّائم إلَّا أن يكون دونه سترة. وهو قول طاوس، وقال مجاهد: أصلِّي وراء قاعد أحبُّ إليَّ من أن أصلِّي وراء نائم.
فإن قلت: روى أبو داود عن ابن عبَّاس أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: ((لا تصلُّوا خلف النَّائم ولا المتحدِّث))، وأخرجه ابن ماجَهْ أيضًا، وروى البزَّار عنه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: ((نُهيتُ أنْ أصلِّيَ إلى النيَّام والمتحدِّثين))، وروى ابن عَدِي عن ابن عُمَر نحوَه، وروى الطَّبَرَاني في «الأوسط» عن أبي هريرة نحوه.
قال العَيني: قال أبو داود: طرق حديث ابن عبَّاس كلُّها واهية، وقال الخطَّابيُّ: هذا الحديث - يعني حديث ابن عبَّاس - لا يصحُّ عن النَّبِيِّ ﷺ لضعف سنده. قال العَيني: وفي سند أبي داود رجل مجهول، وفيه عبد الله بن يعقوب لم يُسَمَّ من حَدَّثَه، قلت: وفي سند ابن ماجَهْ أبو المقدام هشام بن زياد البصري لا يحتجُّ بحديثه، وحديث ابن عُمَر وأبي هريرة ﵄ واهيان أيضًا، وروى البزَّار أيضًا: حدَّثنا أحمد بن يحيى الكوفي حدَّثنا إسماعيل بن صبيح حدَّثنا إسرائيل عن عبد الأعلى الثعلبي عن محمَّد بن الحنفيَّة عن علي ﵁: ((أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رأى رجلًا يصلِّي إلى رجلٍ، فأمرَه أنْ يعيدَ الصَّلاة، قالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي صلِّيتُ وأنتَ تنظرُ إليَّ))، قال: هذا حديث لا نحفظه إلَّا بهذا الإسناد، وكأنَّ هذا المصلِّي كان مستقبل الرجل بوجهه فلم يتنح عن حياله. وقال أبو بكر بن أبي شَيْبَة: حدَّثنا إسماعيل بن عليَّة عن ليث عن مجاهد يرفعه قال: ((لا يأتمُّ بنائم ولا متحدِّث))،
стр. 46
وحدَّثنا وكيع حدَّثنا سُفْيان عن عبد الكريم أبي أميَّة عن مجاهد: ((أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى أنْ يُصلَّى خلفَ النوَّامِ والمتحدِّثين))، وعبد الكريم متروك الحديث.
قال شيخنا: أورد البخاري في هذا الباب حديث عائشة أيضًا من وجهٍ آخر بلفظ آخر للإشارة إلى إنَّه قد يُفَرِّق مُفَرِّقٌ بين كونها نائمة أو يقظى، وكأنَّه أشار أيضًا إلى تضعيف الحديث الوارد في النَّهي عن الصَّلاة خلف النَّائم ذكره مجاهد وطاوس ومالك الصَّلاة إلى النَّائم خشية ما يبدو منه مما يُلهي المصلِّي عن صلاته، وظاهر تصرُّف المصنِّف عدم الكراهة حيث يحصل الأمن من ذلك. انتهى.
(١٠٤) (بَابُ التَّطَوُّعِ خَلْفَ المَرْأَةِ) أي هذا باب في بيان حكم الصَّلاة التطوُّع خلف المرأة يعني يجوز.
٥١٣ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) أي التِّنِّيسي.
قوله: (قَالَ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ) أي الإمام.
قوله: (عَنْ أَبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ) أي بغير واو، (ابنِ عُبَيْدِ اللهِ) أي أبو النَّضْر سالم بن أبي أميَّة.
قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ) أي ابن عَوْف.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّها قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلَايَ في قِبلَتِهِ، فَإِذا سَجَدَ غَمَزَني فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذا قامَ بَسطْتُهُما، قالَتْ وَالبُيوتُ يَومَئِذٍ لَيسَ فِيها مَصَابِيحُ).
هذا الحديث بعينه بهذا الإسناد مرَّ في باب الصَّلاة على الفراش، غير أنَّ هناك أخرجه عن إسماعيل عن مالك، وههنا عن عبد الله بن يوسف عن مالك، قال العَيني: وقد نبهنا على ما يتعلَّق به مستوفى مستقصى، ومطابقته للترجمة ظاهرة. انتهى.
قال شيخنا: أورد فيه حديث عائشة أيضًا، ودلالة الحديث على التَّطوُّع من جهة أنَّ صلاته هذه في بيته باللَّيل، وكانت صلاته الفرائض بالجماعة في المسجد. وقال الكِرْماني: لفظ الترجمة يقتضي أن يكون ظهر المرأة إليه، ولفظ الحديث لا تخصيص فيه بالظَّهر، ثمَّ أجاب: بأنَّ السنَّة للنائم أن يتوجَّه إلى القبلة، والغالب من حال عائشة ذلك. انتهى. قال شيخنا: ولا يخفى تكلُّفه، وسنَّة ذلك للنائم في ابتداء النَّوم لا في دوامه؛ لأنَّه يتقلَّب وقد لا يشعر، والذي يظهر أنَّ معنى خلف المرأة: وراءها، فتكون هي نفسها أمام المصلِّي، لا خصوص ظهرها، ولو أراده لقال: خلف ظهر المرأة، والأصل عدم التقدير، وفي قولها: (البُيُوْتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيْهَا مَصَابِيْحُ) إشارة إلى عدم الاستقبال بها، ولا يعكر على ذلك كونه فغمزها عند السُّجود، ثمَّ يسجد مكان رجليها كما وَقَعَ صريحًا في رواية لأبي داود؛ لأنَّ الشُّغل بها مأمون في حقِّه ﷺ ، فمن أمن ذلك لم يكره في حقِّه.
تنبيه: الظَّاهر أنَّ هذه الحالة غير الحالة الَّتي تقدَّمت في صلاته ﷺ إلى جهة السَّرير الَّتي كانت عليه؛ لأنَّه في تلك الحالة غير محتاج لأن يسجد مكان رجليها، ويمكن أن يوحِّد بين الحالتين بأن يقال: كانت صلاته فوق السَّرير لا أسفل منه، كما احتجَّ به الإسماعيلي
стр. 47
فيما سبق، لكن حمله على حالتين أولى، والله أعلم. انتهى.
(١٠٥) (بَابُ مَنْ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلاة شَيْءٌ) أي هذا باب في بيان قول من قال: (لَا يَقْطَعُ الصَّلاة شَيْءٌ)، ومعناه: مِن فعل غير المصلِّي.
٥١٤ - قوله: (حَدَّثَنا عُمَر بنُ حَفْص بنِ غِيَاثٍ). قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي) أَي حفص، ترجمتها في باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سُلَيمان بن مِهْران.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِبراهِيْمُ) أي النَّخَعي ترجمتهما في باب ظلم دون ظلم.
قوله: (عَنِ الأَسوَدِ) أي ابن يزيد النَّخَعي، ترجمته في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي الصِّدِّيقة.
قوله: (وَقالَ الأَعْمَشُ) أي سُلَيمان المتقدِّم في السند.
قوله: (حَدَّثَني مُسْلِمٌ) أي أبو الضُّحَى، ذكر في باب الصَّلاة في الجبَّة الشاميَّة.
قوله: (عَنْ مَسْرُوْقٍ) أي ابن الأجدع الكوفي، في باب علامات المنافق، وزيد في ترجمته في باب التيمُّن في الوضوء والغسل.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، ترجمتها في بدء الوحي.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في أربع مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع واحد، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه إسنادان أحدهما عن عُمَر بن حَفْص عن أبيه حَفْص بن غياث عن الأَعْمَش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، والآخر عن الأَعْمَش عن مسلم عن مَسْروق عن عائشة، وأشار إليه بقوله: (وَقَالَ الأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ) قال الكِرْماني: هذا إما تعليق، وإما داخل تحت الإسناد الأول، وهذا تحويل، سواء كان بكلمة (ح) كما في بعض النُّسخ، أو لم يكن. قال شيخنا: قوله: (قَاَل الأَعْمَشُ) هو مقول حَفْص بن غياث وليس بتعليق، وهو نحو ما تقدَّم من رواية علي بن مُسْهِر. قال العَيني: أراد به الردَّ على الكِرْماني، وليس له وجه؛ لأنَّه ذكر التعليق بالنَّظر إلى ظاهر الصُّورة، وذكر أيضًا: إنَّه داخل تحت الإسناد الأوَّل. انتهى. قلت: لم ينفِ شيخُنا أنَّ ظاهر الصُّورة لا يحتمل التعليق، بل نفى ما يحتمله ظاهر الصُّورة حتَّى لا يتردَّد النَّاظر في ذلك. انتهى.
قوله: (ذُكِرَ عِندَهَا مَا يَقطَعُ الصَّلاة الكَلبُ وَالحِمَارُ وَالمرأَةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلَابِ؟! وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا عَلَى السَّرير بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضطَجِعَةً، فَتَبدُو [لي الحاجة] (١) فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوْذِي النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ).
مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إنَّه يدلُّ على الصَّلاة لا يقطعها شيء، بيان ذلك: أنَّ عائشة ﵂ أنكرت على من ذكر عندها أنَّ الصَّلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة، بكونها كانت على السَّرير بين النَّبِيِّ ﷺ وبين القبلة وهي مضطجعة، ولم يجعل ﵇ ذلك قطعًا لصلاته، فهذه الحالة أقوى من المرور، فإذا لم تقطع ففي المرور بالطريق الأولى، ثمَّ المرور عام من أي حيوان كان؛ لأنَّ الشَّارع جعل كلَّ مارٍّ بين يدي المصلِّي شيطانًا، وذلك في حديث
стр. 48
أبي سعيد الخُدْري أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك، وأبو داود عن القَعنَبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْري عن أبي سعيد الخُدْري أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((إذا كانَ أحدُكم يُصلِّي فلا يَدْعنَّ أحدًا يَمرُّ بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإنْ أبى فليقاتلْه فإنَّما هو شيطان)) وهو بعمومه يتناول بني آدم وغيرَهم، فجعل نفس المرور قاطعًا، وإنما ذمَّ المارَّ حيث جعله شيطانًا من باب التشبيه.
قال العَيني: وحديث الباب قد تكرر ذكره مطوَّلًا ومختصرًا بوجوه شتَّى وطرق مختلفة، ذُكر في باب الصَّلاة إلى السَّرير، وفي باب استقبال الرجل الرجل في الصَّلاة، وفي باب الصَّلاة خلف النَّائم، وفي باب التطوُّع خلف المرأة، وفي هذا الباب في موضعين. انتهى.
قوله: (ذُكِرَ عِنْدَهَا) أي ذُكر عند عائشة.
قوله: (مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ) كلمة (ما) موصولة، ويجوز فيه وجهان، الأول: أن يكون مبتدأ وخبره قولُه: (الكلْبُ) والجملة في محلَّ النصب؛ لأنَّه مفعول ما لم يسمِّ فاعله، ويكون قوله: (الكُلْبُ) بدلًا منه.
قوله: (وَأَنَا عَلَى السَّرير بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةٌ) ثلاثة أخبار مترادفة. قاله الكِرْماني، وقال أيضًا: أو خبران وحال، أو حالان وخبر، وفي بعضها ((مُضْطَجِعَةً)) بالنَّصب، فالأوَّلان خبران، أو أحدهما حال والآخر خبر. قال العَيني: التحقيق فيه أن قوله: (وَأَنَا عَلَى السَّرِيْرِ) جملة اسميَّة وقعت حالًا من عائشة، وكذا قوله: (بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ) حال، وقوله: (مُضْطَجِعَةٌ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره: وأنا مضطجعة، وعلى هذا التقدير تكون هذه الجملة أيضًا حالًا، ويجوز أن تكون (مُضْطَجِعَةٌ) بالرفع خبرًا لقوله: (وَأَنا) أي والحال أنا مضطجعة على السَّرير، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير مبتدأ، وأما وجه النَّصب في ((مُضْطَجِعَةً)) فعلى إنَّه حال من عائشة أيضًا، ثمَّ يجوز أن يكون هذان الحالان مترادفان، ويجوز أن يكونا متداخلين.
قوله: (شَبَّهتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلَابِ؟!) قال شيخنا: قال ابن مالك: في هذا الحديث جواز تعدي المشبَّه بالباء. وأنكره بعض النَّحويين حتَّى بالغ فخطَّأ سيبويه في قوله: شبَّه كذا بكذا، وزعم: إنَّه لا يوجد في كلام من يُوثق بعربيته، وقد وجد في كلام من هو فوق ذلك، وهي عائشة ﵂، والحقُّ: إنَّه جائز وإن كان سقوطُها أَشهَرُ في كلام المتقدِّمين، وثبوتها لازم في عُرف العلماء المتأخِّرين. انتهى.
قلت: هذا الذي نقله شيخنا عن ابن مالك ذكره في كتاب «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح» المشهور تعدِّيه شَبَّه إلى مشبَّه ومشبَّه به دون باء؛ لقول امرئ القيس:
فشبَّهتهم في الآل لما تكمَّشوا... حدائقَ دوم أو سفينًا مقيرًا
ويجوز أن يعدَّى بالباء فيقال: شبَّهت كذا بكذا، ثمَّ ذكر له تتمَّة. انتهى.
وفي رواية للبخاري: (لَقَدْ جَعَلْتُمُوْنَا كِلَابًا) وهي في باب استقبال الرجل الرجل وهو يصلِّي، وفي رواية مسلم قالت: ((عدلتُمونا بالكلابِ والحمر؟!))، وفي رواية أخرى له: ((قد شبَّهتُمونا بالحمرِ والكلابِ!)) ورواية الطَّحاوي: ((لقدْ عدلتُمونا بالكلابِ والحميرِ!))، وقد
стр. 49
أخرج الطَّحاوي هذا الحديث من سبع طرق صِحاح، وفي رواية سعيد بن مَنْصور قالت عائشة: ((يا أهلَ العراقِ قدْ عدلتمونا...)) الحديث، وقد أخرج العراق: حدَّثنا عن أبي ذرٍّ ﵁ أخرجه مسلم، وقال: حدَّثنا ابن أبي شَيْبَة قال: حدَّثنا إسماعيل بن عليَّة، وحدَّثني زُهَير بن حرب قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن يُونُس عن حُمَيْد بن هلال، وحدَّثني زُهَير بن حرب قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن يُونُس عن حُمَيْد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قامَ أحدُكم يصلِّي فإنَّه يسترُه إذا كانَ بينَ مثلِ آخرةِ الرَّحل، فإذا لمْ يكنْ بين يديه مثلُ آخرةِ الرَّحل فإنَّه يقطعُ صلاتَه الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ)). قلت: يا أبا ذرٍّ، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر ومن الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألتُ رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: ((الكلبُ الأسودُ شيطانٌ))، وأخرجه الأربعة أيضًا مطولًا ومختصَرًا، وقيَّد الكلب في روايته بالأسود، وروى ابن ماجَهْ من حديث ابن عبَّاس عن النَّبِيِّ ﷺ قال: ((يقطعُ الصَّلاةُ الكلبُ الأسودُ والمرأةُ الحائضُ))، وقيَّد المرأة في روايته بالحائض، قال شيخنا: وهو عند ابن ماجَهْ من طريق الحسن البصري عن عبد الله بن معقل، وعند الطَّبَرَاني من طريق الحسن أيضًا عن الحكم بن عَمْرو نحوه من غير تقييد، وعند مسلم من طريق أبي هريرة كذلك.
قوله: (فَتَبْدُو ليَ الحَاجَةُ) أي تظهر، وفي «مسند السَّرَّاج» : ((فتكون لي الحاجة)).
قوله: (فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ) أي أستقبل رسول الله، وذكر في باب الصَّلاة على السَّرير: (فأكرَه أنْ أسنَحَه) وفي باب استقبال الرحل: (فَأكرَهُ أنْ أَسْتَقَبِلَهُ)، والمقصود من ذلك كلِّه واحد، لكن لاختلاف المقامات اختلفت العبارات.
قوله: (فَأُوْذِي) بلفظ المتكلِّم من المضارع، وفاعله الضَّمير فيه، و (النَبِّيَ) بالنَّصب مفعوله، وفي النَّسائي من طريق شُعْبَة عن مَنْصور عن الأسود عن عائشة في هذا الحديث: ((فأكرهُ أنْ أقومَ، فأمرَّ بينَ يديهِ)).
قوله: (فَأَنْسَلُّ) بالرَّفع عطفًا على (فَأُوْذِي) ومعنى: (فَأَنْسَلُّ) أي أمضي بتأنٍّ وتدريج، وقد ذكرناه مرَّة، وفي رواية الطَّحاوي: ((فَأَنْسَلُّ انْسِلَالًا)) وكذا في رواية للبخاري.
قال الطَّحاوي دلَّ حديث عائشة على أنَّ مرور بني آدم بين يدي المصلِّي لا يقطع الصَّلاة، وكذلك دلَّ حديث أمِّ سلمة وميمونة بنت الحارث، فأخرج الطَّحاوي حديث أمِّ سلمة عن زينب بنت أبي سلمة عن أمِّ سلمة قالت: ((كانَ يفرشُ لي حيالَ مصلَّى رسولِ الله ﷺ ، كان يصلِّي وإنِّي حياله))، وأخرجه أحمد في «مسنده» نحوه، غير أنَّ في لفظه: ((حيال مسجد رسول الله ﷺ ) أي تلقاء وجهه، وأخرج الطَّحاوي أيضًا حديث ميمونة عن عبد الله بن شدَّاد قال: حدَّثتني خالتي ميمونة بنت الحارث قالت: ((كانَ فراشي حيالَ مصلَّى رسول اللهِ ﷺ ، فربَّما
стр. 50
وَقَعَ ثوبُه عليَّ وهو يصلِّي))، وأخرجه أبو داود ولفظه: ((كانَ رسولُ اللهُ ﷺ يصلِّي وأنا حِذاءَه وأنا حائض، وربَّما أصابني ثوبُه إذا سجد، وكان يصلِّي على الخمرةِ)).
قوله: (مُصَلَّى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ -بفتح اللَّام- وهو الموضع الذي كان يصلِّي فيه ﵇ في بيته، وهو مسجده الذي عيَّنه للصلاة فيه، و (الخُمْرَةُ) -بضمِّ الخاء المعجمة- حصير صغير يُعمل من سَعَفِ النَّخل وينسج بالسيور والخيوط، وهي على قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف، فإذا كبرت عن ذلك تسمَّى حَصِيرًا. قلت: وفيها خلاف تقدَّم في باب الصَّلاة على الخمرة. انتهى.
وقال الطَّحاوي: فقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله ﷺ بما يدلُّ على أنَّ بني آدم لا يقطعون الصَّلاة، وقد جُعل كلُّ مارٍّ بين يدي المصلِّي في حديث ابن عُمَر وأبي سعيد شيطانًا، وأخبر أبو ذرٍّ: أنَّ الكلب الأسود إنَّما يقطع الصَّلاة لأنَّه شيطان، فكانت العلَّة الَّتي جُعلت لقطع الصَّلاة قد جُعلت في بني آدم أيضًا، وقد ثبت عن النَّبِيِّ ﷺ : أنَّهم لا يقطعون الصَّلاة، فدلَّ على أنَّ كلَّ مارٍّ بين يدي المصلِّي مما سوى بني آدم كذلك أيضًا لا يقطع الصَّلاة، والدليل على صحَّة ما ذكرنا: أنَّ ابن عُمَر مع روايته ما ذكرنا عنه قد رُوي عنه قوله من بعده ما حدَّثنا يُونُس قال: حدَّثنا سُفْيان عن الزُّهْري عن سالم قال: قيل لابن عُمَر: إنَّ عبد الله بن عيَّاش بن أبي ربيعة يقول: يقطع الصَّلاة الكلب والحمار، فقال ابن عمر: لا يقطع صلاة المسلم شيء. فقد دلَّ هذا على ثبوت نسخ ما كان سمعه من رسول الله ﷺ ، حتَّى صار ما قال به أولى عنده من ذلك. انتهى. قال شيخنا: وتُعقِّب كلام الطَّحاوي بأنَّ النَّسخ لا يُصار إليه إلَّا إذا علم التَّاريخ وتعذَّر الجمع، والتَّاريخ هنا لم يتحقق والجمع (١) لم يتعذَّر، قال العَيني: لا نسلِّم ذلك؛ لأنَّ مثل ابن عُمَر ﵄ بعدما روي عنه أنَّ المرور يقطع قال: لا يقطع صلاة المسلم شيء، فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك لم يقل بما قال من عدم القطع، ومن الدليل على ذلك: أنَّ ابن عياش الذي هو (٢) أحد رواة القطع روي عنه أنَّه حمله على الكراهة، قال البَيْهَقي: روى سماك عن عكرمة، قيل لابن عياش: أيقطع الصَّلاة المرأةُ والكلبُ والحمارُ؟ فقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فما يقطع هذا ولكن يكره. وقال الطَّحاوي: وقد رُوي عن نفر من أصحاب رسول الله ﷺ : أنَّ مرور بني آدم وغيرهم بين يدي المصلِّي لا يقطع الصَّلاة، ثمَّ أخرج عن سعيد بن المُسَيَّب بإسناد صحيح: أنَّ عليًا وعثمان قالا: ((لا يقطع صلاة المسلم شيء، وادرؤوا ما استطعتم))، وأخرجه أيضًا ابن أبي شَيْبَة في «مصنَّفه» عن ابن المُسَيَّب عن علي وعُثْمان قالا: ((لا يقطعُ الصَّلاةَ شيءٌ، فادرؤوهم عنكم ما استطعتم))، وأخرج الطَّحاوي عن كعب بن عبد الله عن حُذَيفة بن اليمان يقول: ((لا يقطع الصَّلاة شيء))، وأخرجه ابن أبي شَيْبَة
стр. 51
أيضًا، وأخرج الطَّبَرَاني من حديث علي ﵁ مرفوعًا: ((لا يقطع الصَّلاة شيء إلَّا الحدث)).
وقال الكِرْماني: القائلون بقطع الصَّلاة بمرورهم من أين قالوا به؟ قلت: باجتهادهم، ولفظ: (شَبَّهْتُمُوْنَا) يدلُّ عليه؛ إذ نسبت التشبيه إليهم، وإما بما ثبت عندهم من قول الرسول ﵇. قال العَيني: هذا السؤال سؤال مَن لم يقف على الأحاديث الَّتي فيها القطع، وأحد شقي الجواب غير موجَّه؛ لأنَّه لا مجال للاجتهاد عند وجود النصِّ. ثمَّ قال الكِرْماني: فإن قال الرسول به فلم لا يُحكم بالقطع؟ قلتُ: إما لأنَّها رجحت خبرها على خبرهم من جهة إنَّها صاحبة الواقعة، أو من جهة أخرى، أو إنَّها أوَّلت القطع بقطع الخشوع ومواطأة القلب اللسان في التلاوة، لا قطع أصل الصَّلاة، أو جعلت حديثها وحديث ابن عبَّاس من مرور الحمار والأتان ناسِخَين له، وكذا حديث أبي سعيد الخُدْري حيث قال: (فَلْيَدْفَعْهُ) و (فَلْيُقَاتِلْهُ) من غير حكم بانقطاع الصَّلاة بذلك. فإن قلت: لِمَ لَمْ يعكس بأن يجعل الأحاديث الثلاثة منسوخة به؟ قلت: للاحتراز عن كثرة النسخ؛ إذ نسخ حديث واحد أهون من نسخ ثلاثة، أو لأنَّها كانت عارفة بالتاريخ وتأخُّرها عنه. انتهى.
قال شيخنا: ومال الشَّافعي ﵁ وغيرُه إلى تأويل القطع في حديث أبي ذرٍّ؛ فإن المراد به: نقص الخشوع لا الخروج من الصَّلاة، ويؤيِّد ذلك: أنَّ الصحابي راوي الحديث سأل عن الحكمة في التقييد بالأسود، فأجيب: بأنه شيطان، وقد عُلم أنَّ الشَّيطان لو مرَّ بين يدي المصلِّي لم تفسد صلاته كما سيأتي في «الصحيح» : (إذا ثُوِّب بالصلاة أدبرَ الشيطان، فإذا قُضي التثويبُ أقبلَ حتَّى يخطُر بينَ المرء ونفسِه) الحديث، وسيأتي في باب العمل في الصَّلاة حديثُ: (إنَّ الشَّيطان عَرَض لي فشدَّ عليَّ) الحديث، وللنَّسائي من حديث عائشة: ((فأخذتُه فصرعتُه فخنقتُه)) ولا يقال: قد ذُكر في هذا الحديث: إنَّه جاء ليقطع صلاته؛ لأنّا نقول: قد بين في رواية مسلم سبب القطع، وهو إنَّه جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهه، وأما سجود المرور فقد حصل ولم تفسد به الصلاة. وقال بعضهم: حديث أبي ذرٍّ مقدَّم؛ لأنَّ حديث عائشة على أصل الإباحة. انتهى. وهو مبني على أنهما متعارضان، ومع إمكان الجمع المذكور لا تعارض.
وقال أحمد: يقطع الصَّلاة الكلب الأسود، وفي النَّفس من المرأة والحمار شيءٌ. ووجَّه ابن دقيق العيد وغيرُه بأنه لم يجد في الكلب الأسود ما يعارضه، ووجد في الحمار حديثَ ابن عبَّاس، يعني الذي تقدَّم في مروره وهو راكب بمنى، ووجد في المرأة حديث عائشة، يعني حديث الباب، وسيأتي الكلام في دلالته على ذلك بعدُ. قال: واستدلَّ بقول عائشة: (فأكرَهُ أنْ أجلِسَ فَأُوذي النَّبِيَّ ﷺ على أنَّ التشويش بالمرأة وهي قاعدة يحصل منه ما لا يحصل
стр. 52
بها وهي راقدة، والظَّاهر: أنَّ ذلك من جهة الحركة والسُّكون، وعلى هذا فمرورها أشدُّ، وقد تقدَّم حديث النَّسائي: ((فأكره أنْ أقومَ فأمرَّ بين يديه)) فالظَّاهر أنَّ عائشة إنَّما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصَّلاة في جميع الحالات لا المرور بخصوصه.
٥١٥ - قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحاق بنُ إِبْرَاهِيْمَ) أي الحنظلي المعروف بابن راهويه، ترجمته في باب فضل من علم وعلَّم.
قوله: (قَالَ: أَخبَرَنَا يَعْقُوْبُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ سَعْدٍ) أي القُرَشي المدني الزُّهْري، في باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا ابنُ أَخِي ابنُ شِهَابٍ) أي محمَّد بن عبد الله بن مسلم في باب ما يستر من العورة.
قوله: (أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ) أي محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهْري، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (عَنِ الصَّلاة يَقْطَعُها شَيءٌ؟ فَقَالَ: لَا يَقْطَعُها شَيءٌ، أَخبَرَني عُرْوَة بنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهَا) ترجمتهما في بدء الوحي.
في هذا الإسناد: التَّحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه الإخبار كذلك في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه السؤال والقول، وفيه رواية الرجل عن عمه، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصحابية، وفيه إنَّه وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ: <إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ الحَنْظَلِي> المعروف بابن راهويه، وفي رواية غيره وقع: <إِسْحَاقُ> غيرَ منسوب، وزَعَمَ أبو نعيم: إنَّه إِسْحاق بن مَنْصور الكوسج، وجزم ابن السَّكَن بأنَّه ابن راهويه وقال: كلُّ ما في «البخاري» عن إِسْحاق غير منسوب فهو ابن راهويه، وقال الكلاباذي: إِسْحاق بن إبراهيم وإِسْحاق بن مَنْصور كلاهما يرويان عن يعقوب. قال شيخنا: وما جزم به ابن السَّكَن أَولى. انتهى.
قلت: قال شيخنا: في غير هذا المحلِّ وكنت أجوِّز إنَّه ابن راهويه لثبوته في «مسنده» عن الفِرْيابي إلى أن رأيت في سياقه له مغايرة. انتهى.
قوله: (قَالَتْ: لَقَد كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَقُوْمُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيل وَإِنِّي لَمُعتَرِضَةٌ بَينَهُ وَبَينَ القِبْلَةِ عَلى فِراشِ أَهلِهِ).
مطابقة الحديث للترجمة صريح في قول الزُّهْري، وقال شيخنا: وجه الدلالة من حديث عائشة الذي احتجَّ به ابن شِهاب: أنَّ حديث (يقطع الصَّلاة المرأة...) إلى آخره يشمل ما إذا كانت مارَّةً أو قائمة أو قاعدة أو مضطجعة، فلمَّا ثبت إنَّه ﷺ صلَّى وهي مضطجعة أمامَه دلَّ ذلك على نسخ الحكم في المضطجع، وفي الباقي بالقياس عليه، وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور المذكورة، وقد تقدَّم ما فيه، فلو ثبت أنَّ حديثها متأخِّر عن حديث أبي ذرٍّ لم يدلَّ إلَّا على نسخ الاضطجاع فقط، وقد نازع بعضهم في الاستدلال به مع ذلك من أوجهٍ أخرى:
أحدها: أنَّ العلَّة في قطع الصَّلاة بها ما يحصل من التَّشويش، وقد قالت: إنَّ البيوت يومئذ لم يكن فيها مصابيح، فانتفى المعلول بانتفاء علَّته.
ثانيها: أنَّ المرأة في حديث أبي ذرٍّ مطلقةٌ، وفي حديث عائشة مقيَّدة بكونها زوجته، فقد يحمل المطلق على المقيَّد، ويقال بتقييد القطع بالأجنبيَّة لخشية الافتتان بها، بخلاف الزوجة فإنَّها حاصلة.
ثالثها: أنَّ حديث عائشة
стр. 53
واقعة حال يتطرَّق إليها الاحتمال، بخلاف حديث أبي ذرٍّ فإنَّه مسوق مساق التشريع العام، وقد أشار ابن بطَّال إلى أنَّ ذلك كان من خصائصه ﷺ ؛ لأنَّه كان يَقدِر من مِلْكِ إربه على ما لا يَقْدِر عليه غيرُه، وقال بعض الحنابلة: يعارض حديث أبي ذرٍّ وما وافقه أحاديثُ صحيحة غير صريحة وصريحة غير صحيحة، فلا يترك العمل بحديث أبي ذرٍّ الصريح بالمحتمل، يعني حديث عائشة وما وافقه، والفرق بين المار وبين النَّائم في القبلة: أنَّ المرور حرام بخلاف الاستقرار، نائمًا كان أو غيره، فهكذا المرأة يقطع مرورها دون لُبثها. انتهى.
قوله: (لَا يَقْطَعُهَا) أي لا يقطع الصَّلاة شيء، وهذا عام مخصوص بالأمور الثلاثة الَّتي وَقَعَ النزاع فيها؛ لأنَّ القواطع في الصَّلاة كثيرة، مثل القول والفعل الكثير وغيرهما، وما من عام إلَّا وقد خُصِّص إلَّا: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ﴾ [البقرة: ١٣٢] ونحوُه، فإن قلت: قوله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] عامٌّ مطلقًا أم مخصوص؟ قلت: هو مخصوص بالحادث؛ لأنَّ القرآن شيء وليس مخلوقًا، وهو تعالى يسمَّى شيئًا وليس خالقًا لنفسه، والمخصص قد يكون عقليًّا وقد يكون عُرفيًّا، فالمخصص في الآية عقليًّا. انتهى.
قوله: (أَخَبَرَنِي) من تتمَّة مقول ابن شهاب.
قوله: (وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ) جملة اسميَّة مؤكَّدة بإنَّ واللَّام في موضع النَّصب على الحال.
قوله: (عَلَى فِرَاشِ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المُسْتَمْلي: <عَنْ فِرَاشِ> قال شيخنا: والأوَّل يقتضي أن تكون صلاته كانت واقعة على الفراش، بخلاف الثَّاني ففيه احتمال، وقد تقدَّم في باب الصَّلاة على الفراش من رواية عقيل عن ابن شهاب مثل الأوَّل. انتهى. وعلى الروايتين هو متعلِّق بـ (يقوم) مع أنَّ الرواية الأولى يحتمل تعلُّقها بلفظ (يصلِّي) أيضًا.
قال العَيني: استدلَّت بهذا الحديث عائشةُ والعلماءُ بعدَها على أنَّ المرأة لا تقطع صلاة الرجل، وفيه جواز صلاة الرجل إليها، وكرهه البعض لغير النَّبِيِّ ﷺ لخوف الفتنة بها وبذكرها واشتغال القلب بها بالنظر إليها، والنَّبِيُّ ﷺ منزَّه عن هذا كلِّه، مع إنَّه كان في اللَّيل والبيوت يومئذ ليست فيها مصابيح، وفيه استحباب صلاة اللَّيل، وفيه جواز الصَّلاة على الفراش.
(١٠٦) (بابُ: مَن حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنِقِهِ) أي هذا باب في بيان من حمل جارية صغيرة على عنقه، يعني لا تفسد صلاته، وقال ابن بطَّال: أدخل البخاري هذا الحديث هنا ليدلَّ أنَّ حمل المصلِّي الجارية على العنق لا يضرُّ صلاته؛ لأنَّ حملها أشدُّ من مرورها بين يديه، فلمَّا لم يضرّ حملها كذلك لا يضرّ مرورها. قال شيخنا: وأشار إلى نحو هذا الاستنباط الشَّافعي ﵁، لكن تقييد المُصَنِّف بكونها صغيرة قد يشعر بأن الكبيرة ليست كذلك. انتهى. قال العَيني: فكذلك، أي كون حملها لا يضرُّ فكذلك مرورها. ترجم هذا الباب بهذه الترجمة، وبينه وبين الأبواب الَّتي قبله مناسبة من هذا الوجه.
٥١٦ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوْسُفَ) أي التَّنِّيسي.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا
стр. 54
مَالِكٌ) أي ابن أنسٍ.
قولُه: (عَنْ عَامِرِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ) أي ابنِ العَوَّام.
قولُه: (عَنْ عَمْرو بنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقيِّ) -أي بضمِّ السِّينِ من سُليمٍ والزَّاي من الزُّرَقيِّ وفتحِ الرَّاء منه- وهو نسبه في الأنصارِ إلى زُرَيقِ بنِ عامرِ بنِ زُرَيقِ بنِ عبدِ حارِثةَ بنِ مالكِ بنِ عصبِ بنِ جُشَمِ بنِ الخَزرجِ.
قولُه: (عَنْ أَبِي قَتَادَة الأَنْصَارِيِّ) أي الحارثِ أو النُّعْمانِ أو عَمْرو بنِ رِبعيِّ بنِ بَلدَمَةَ السُّلَمِيِّ، قال الهيثمُ بنُ عَدِيٍّ: إنَّ عليًا ﵁ صلَّى عليه بالكوفةَ في سنةِ ثمانٍ وثلاثينَ.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغةِ الجمعِ في موضعٍ واحدٍ، وكذلكَ الإخبارُ والعَنعَنةُ في ثلاثِ مَواضعَ، وفيه في روايةِ عبدِ الرزَّاق عن مالك: سمعتُ أبا قَتَادة، وكذا في روايِة أحمدَ من طريقِ ابن جُرَيج عن عامرٍ عن عَمْرو بنِ سُليمٍ: إنَّه سمعَ أبا قَتَادَةَ، وفيه: أنَّ رجالَه كلَّهُم مدنيُّون ما خلا شيخ البخاريِّ، وفيه: روايةُ التَّابعي عنِ التَّابعي عنِ الصَّحابيِّ.
قوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتِ زَينَبَ بِنْتِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وَلأَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيْعِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَها، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا) مطابقته للترجمة ظاهرةٌ، فإن قلتَ: أينَ الظُّهورُ وقد خُصِّصَ الحملُ بكونِه على العُنُق، ولفظُ الحديث أعمُّ من ذلك؟ أُجيب بأنَّه أشارَ بذلك إلى أنَّ الحديثَ له طرقٌ أخرى؛ منها لمسلم ٍمن طريق بُكيرِ بنِ الأَشجِّ عن عَمْرو بنِ سُليم، وصرَّح فيه: ((عَلَى عُنُقِهِ))، وكذا في روايةُ أبي داود، وفي روايةٍ له: ((يصلِّي رسول الله ﷺ وهي على عاتقه)). وفي روايةٍ لأحمدَ من طريقِ ابنِ جُريجٍ: ((على رقبته)).
هذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ في الأدب عن أبي الوليد الطّيالسيِّ، وأخرجه مسلمٌ في الصَّلاة عن القَعنَبي ويحيى بنِ يحيى وقُتَيْبَةَ ثلاثتُهم عن مالكٍ به، وعن قُتَيْبَة عن ليثٍ به، وعن ابن أبي عُمَر عن سُفْيان بن عُيَيْنةَ، وعن محمَّد بن المثنَّى عن أبي بكرٍ الحنفيِّ، وعن أبي الطاهرِ بنِ السَّرح وهارونَ بنِ سعيدٍ كلاهما عن ابن وَهْبٍ.
وأخرجه أبو داود فيه عن القَعنَبي به، وعن قُتَيْبَة عن اللَّيث به، وعن محمَّد بن سَلَمَةَ عن ابن وَهْب به، وعن يحيى بن خَلَفٍ عن عبد الأعلى عن محمَّد بن إِسْحاق.
وأخرجَه النَّسائي فيه عن قُتَيْبَة عن مالك به، وعن قُتَيْبَة عن اللَّيث به، وعن قُتَيْبَة عن سُفيانَ، وعن محمَّد بن صَدقةَ الحمصيِّ عن محمَّد بن حربٍ.
قولُه: (وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) جملةٌ اسميّةٌ في محلِّ النَّصب على الحال، ولفظُ: (حَامِلٍ) بالتنوين، و (أُمَامَةَ) بالنَّصبِ، وهو المشهور، ويروى بالإضافة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] بالوجهين في القراءة، وقال الكِرْماني: فإن قلتَ: قالتِ النُّحَاةُ: فإن كان اسمُ الفاعل للماضي وجبَتِ الإضافةُ، فما وجهُ عملِه؟ قلتُ: إذا أُريد حكايةُ الحال الماضيةِ جاز إعماله كما في قوله تعالى ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْه﴾ [الكهف: ١٨].
و (أُمَامَةَ) -بضمِّ الهمزة وتخفيف الميمين- بنتُ زينبَ ﵂، وكانت زينبُ أكبرَ بناتِ رسول الله ﷺ ، وكانت فاطمةُ أصغرَهُنَّ وأَحبَّهنَّ إلى رسول الله ﷺ ، وكان أولادُ النَّبِيِّ ﷺ كلَّها من خديجةَ ﵃ سوى إبراهيمَ فإنَّه من ماريةَ القِبْطِيَّةِ، تزوج ﵇ خديجةَ قبلَ البعثة، قال الزُّهْرِي: وكان عمرُه ﵇ يومئذٍ إحدى وعشرين سنةً. وقيل: خمسًا وعشرين سنةً، زمانَ بُنِيَتِ الكعبةُ، قاله الواقديُّ وزادَ: ولها من العمر خمسٌ وأربعون سنة، وقيل: كان عمرُه ﵇ ثلاثين سنة وعمرُها أربعين سنة، فولدتِ له
стр. 55
القاسمَ وبه كان يكنَّى، والطاهرَ وزينبَ ورُقَيَّةَ وأمَّ كُلثومٍ وفاطمةَ.
وتزوَّجَ بزينبَ أبو العاصِ بنُ الربيع، فولدَت منه عليًا وأُمامةَ هذه المذكورةَ في الحديث، وتزوَّجها عليُّ بنُ أبي طالبٍ بعد موت فاطمةَ بوصيَّةٍ منها فولدَت منه محمدًا، وكانت وفاةُ زينبَ في ثمانٍ، قاله الواقديُّ. وقال قتادةُ: في أوَّل سنةِ ثمانٍ.
قولُه: (بِنْتِ زَيْنَبَ) قال الكِرْماني: الإضافةُ فيه بمعنى اللّام، فأظهرَ في المعطوف وهو قوله: (ولأبي العاصِ) ما هو مقدَّرٌ في المعطوف عليه. انتهى.
قال شيخُنا: وأشار ابنُ العطَّار إلى أنَّ الحكمةَ في ذلك كونُ والدِ أُمامةَ كان إذ ذاك مشركًا، فنُسبت إلى أمها تنبيهًا على أنَّ الولد يُنسب إلى أشرف أبويه دينًا ونسبًا، ثمَّ بيَّن إنَّها من أبي العاصِ تبيينًا لحقيقة نسبتِها. انتهى.
وقال شيخُنا أيضًا: وهذا السِّياق لمالكٍ وحدَه، وقد رواه غيره عن عامرِ بنِ عبد الله، فنسبوها إلى أبيها ثمَّ بينوا إنَّها بنتُ زينبَ كما هو عند مسلمٍ وغيره، ولأحمدَ من طريق المغيرةِ عن عَمْرو بن سُليم: ((يحمل أُمامةَ بنتَ أبي العاصِ وأمُّها زينب بنت رسول الله ﷺ على عاتقه)).
قوله: (وَلأَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيْعِ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ)، وفي «أحاديث الموطَّأ» للدَارَقُطنيِّ: قال ابنُ نافعٍ وعبدُ الله بنُ يوسفَ والقَعنَبي في رواية إِسْحاق عنه، وابنُ وَهْب وابنُ بُكيرٍ وابنُ القاسم وأيُّوبُ بنُ صالحٍ عن مالكٍ: ((ولأبي العاصِ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ))، وقال محمَّد بنُ الحسن: ((ولأبي العاصِ بنِ الرَّبيع)) مثلَ قولِ مَعنٍ وأبي مُصعبٍ، وفي «التمهيد» رواه يحيى: ((ولأبي العاصِ بنِ ربيعةَ)) بهاء التأنيث، وتابعه الشَّافعي ومُطرِّفٌ وابنُ نافعٍ، والصَّوابُ: ابنُ الربيع. وكذا أصلحَه ابن وضّاح في رواية يحيى، قال عياضٌ: وقال الأَصِيلي: هو ابنُ ربيعِ بنِ ربيعةَ، فنسبَه مالكٌ إلى جدِّه. قال عياضٌ وغيرُه: هذا غيرُ معروفٍ، ونسبُه عند أهل الأخبار بإثباتهم: أبو العاصِ بنُ الربيعِ بنِ عبدِ العُزّى بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ مَنافٍ. وقال الكِرْماني: البخاريُّ نسبَه مخالفًا للقوم من جهتين؛ قال: ربيعة بحرف التأنيث، وعندَهم: الرّبيع بدونه، وقال: ربيعةَ بنِ عبد شمس، وهم قالوا: ربيعِ بنِ عبدِ العُزّى بنِ عبدِ شمسٍ. قال العَيني: لو اطَّلع الكِرْماني على كلام القوم لما قال: نسبه البخاريُّ مخالفًا للقوم من وجهين، على أنَّ الذي عندنا في نسختنا: الربيع بنِ عبد شمس، بالنسبة إلى جدِّه.
واختُلف في اسم أبي العاصِ؛ فقيل: لَقيط، وقيل: بهشَم، قال الزُّبَيْر عن محمَّد بنِ الضَّحّاك عن أبيه: اسمه القاسم، وهو أكثر في اسمه، وقال أبو عمرٍو: الأكثرُ لَقيط، ويُعرف بجرو البطحاء، وربيعةُ عمُّه، وأمُّ أبي العاصِ: هدلة، وقيل: هندُ بنتُ خُويلد أختُ خديجةَ ﵂ لأبيها وأمها.
وأبو العاص أسلمَ قبلَ الفتح وهاجرَ، وردَّ عليه النَّبِيُّ ﷺ ابنته زينبَ وماتت معه، وقال ابنُ إسحاقَ: وكان أبو العاصِ من رجال مكَّة المعدودين مالًا وأمانةً وتجارةً، وكانت خديجةُ هي الَّتي سألت رسول الله ﷺ أن يزوّجَه بابنتها زينبَ، وكان لا يخالفُها، وذلك قبل الوحي، والإسلام فرَّق بينَهما. وقال ابنُ كثير: إنَّما حرَّم الله المسلماتِ على المشركين عامَ الحُديبيةِ سنةَ ستٍّ من الهجرة، وكان أبو العاص في غزوة بدرٍ مع المشركين ووَقَعَ في الأسر. وقال ابنُ هشامٍ: وكان الذي أسرَه خِراش بنُ الصِّمة أحد بني حَرَام.
وقال ابنُ إِسْحاق
стр. 56
عن عائشة ﵂: لما بعثَ أهلُ مكَّة في فداء أسراهُم بعثت زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ في فداء أبي العاصِ بمالٍ، وبعثَت فيه بقلادةٍ لها كانت خديجةُ ﵂ أدخلَتها بها على أبي العاصِ حين بنى عليها، قالت: فلمّا رآها رسول الله ﷺ رقَّ لها رِقّةً شديدةً وقال: ((إنْ رأيتُم أنْ تُطْلِقوا لها أسيرَها وتَردّوا عليها الذي لها فافعلوا))، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردُّوا عليها الذي لها. وقال ابنُ إسحاقَ: وقد كان رسول الله ﷺ قد أخذَ عليه أن يُخلّي سبيلَ زينبَ- يعني أن تهاجرَ إلى المدينة - فوفّى أبو العاص بذلك ولحقت بأبيها، وأقام أبو العاصِ بمكةَ على كفره، واستمرت زينبُ عند أبيها بالمدينة، ثمَّ آخرَ الأمر أسلمَ وخرجَ حتَّى قدم على رسول الله ﷺ . وعن ابنِ عبَّاسٍ: ردَّ عليه رسول الله ﷺ ابنتَه زينبَ على النِّكاح الأوَّل لم يُحدِث شيئًا. وسنذكر حقيقةَ هذا الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا) في رواية مسلم من طريق عُثْمان بن أبي سُلَيمان ومحمَّد بن عجلان، والنَّسائي من طريق الزُّبَيدي، وأحمدَ من طريق ابن جُرَيج، وابنِ حبَّان من طريق أبي العُمَيس، كلُّهم عن عامرِ بن عبد الله شيخِ مالكٍ فقالوا: ((إذا ركعَ وضعها))، وفي رواية أبي داودَ من طريق المَقبُري عن عَمْرو بن سُلَيم: ((حتَّى إذا أراد أنْ يركعَ أخذَها فوضعَها ثمَّ ركع وسجد، حتَّى إذا فرغَ من سجوده فقام أخذها فردَّها في مكانها)).
قال العَيني: تكلّمَ النَّاس في حكم هذا الحديث؛ فقال النَّوَوي: هذا يدلُّ لمذهب الشَّافعي ومن وافقَه: إنَّه يجوز حملُ الصَّبيِّ والصّبيَّة وغيرِهما من الحيوان في صلاة الفرض وصلاةِ النَّافلة، ويجوزُ للإمام والمنفردِ والمأموم، أما مذهبُ أبي حنيفةَ في هذا ما ذكره صاحبُ «البدائع» في بيان العمل الكثيرِ الذي يفسدُ الصَّلاة والقليلِ الذي لا يفسدُها، فالكثيرُ ما يُحتاج فيه إلى استعمال اليدين، والقليلُ ما لا يُحتاج فيه إلى ذلك، وذكر لهما صورًا حتَّى قال: إذا أخذ قوسًا ورمى فسدت صلاتُه، وكذا لو حملتِ امرأة صبيَّها فأرضعته؛ لوجود العمل الكثير، وأمّا حملُ الصَّبيِّ بدون الإرضاع فلا يوجب الفسادَ. ثمَّ روى الحديثَ المذكورَ ثمَّ قال: وهذا الصّنيع لم يُكره منه ﵇؛ لأنَّه كان محتاجًا إلى ذلك لعدم من يحفظُها، أو لبيانه الشرعَ بالفعل، وهذا غيرُ موجبٍ فسادَ الصَّلاة، ومثل هذا أيضًا في زماننا لا يُكره لواحدٍ منّا لو فعل عند الحاجة، أمَّا بدون الحاجة فمكروه. انتهى.
وذكر أشهبُ عن مالكٍ: أنَّ ذلك كان من رسول الله ﷺ في صلاة النَّافلة، وأنَّ مثلَ هذا الفعل غيرُ جائزٍ في الفريضة. وقال أبو عمرَ: حسبُك بتفسير مالكٍ، ومن الدَّليل على صحَّة ما قاله في ذلك أنِّي لا أعلم خلافًا أنَّ مثلَ هذا العمل في الصَّلاة مكروه. وقال النَّوَوي: هذا التأويلُ فاسدٌ؛ لأنَّ قوله: (يؤمَ النَّاس) صريحٌ أو كالصّريح في إنَّه كان في الفريضة. قال العَيني: هو ما رواه سُفْيان بن عُيَيْنَة بسنده إلى أبي قَتَادَة الأنصاريِّ قال: ((رأيت النَّبِيَّ ﷺ يؤمَ النَّاس وأُمامةُ بنتُ أبي العاصِ وهي بنتُ زينبَ ابنةِ رسول الله ﷺ على عاتقه))، ولأنَّ الغالبَ في إمامةِ رسول الله ﷺ كانت في الفرائض
стр. 57
دونَ النوافل، وفي رواية أبي داودَ عن أبي قَتَادَة صاحبِ رسول الله ﷺ قال: ((بينما نحنُ ننتظرُ رسولَ الله ﷺ للصَّلاة في الظُّهر أو العصر وقد دعاه بلالٌ ﵁ للصَّلاة، إذ خرجَ إلينا وأمامةُ بنتِ أبي العاصِ بنتُ ابنته على عُنقه، فقام رسول الله ﷺ في مُصلّاه وقُمنا خلفَه)) الحديث.
وفي كتاب «النسب» للزُّبير بنِ بكّار عن عَمْرو بن سُلَيم: أنَّ ذلك كان في صلاة الصُّبح. وقال النَّوَوي: وادَّعى بعضُ المالكيَّة إنَّه منسوخٌ، وقال الشيخُ تقيُّ الديّن: وهو مرويٌّ عن مالكٍ أيضًا. وقال أبو عمر: ولعلَّ هذا نُسخ بتحريم العمل والاشتغال بالصَّلاة، وقد رُدَّ هذا بأنَّ قوله ﵇: ((إنَّ في الصَّلاة لشُغلًا)) كان قبلَ بدرٍ عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وأنَّ قدوم زينبَ وابنتِها إلى المدينة كان بعدَ ذلك، ولو لم يكنِ الأمرُ كذلك لكان فيه إثباتُ النَّسخ بمجرّد الاجتهاد. وروى أشهبُ وابن نافع عن مالك: أنَّ هذا كان للضرورة. وادعى بعضُ المالكيَّة: إنَّه خاصٌّ بالنَّبِيّ ﷺ . ذكره القاضي عياض، وقال النَّوَوي: وكلُّ هذه الدعاوي باطلة ومردودةٌ؛ فإنَّه لا دليلَ عليها ولا ضرورةَ إليها، بل الحديثُ صحيحٌ صريحٌ في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالفُ قواعد الشرع؛ لأنَّ الآدميَّ طاهر وما في جوفه من النجاسة معفوٌّ عنه لكونه في معدتِه، وثياب الأطفال وأجسادهُم على الطهارة، ودلائلُ الشرع على أنَّ هذه الأفعالَ في الصَّلاة لا تُبطلها إذا قَلَّت أو تَفرَّقت، وفعلَ النَّبِيُّ ﷺ هذا بيانًا للجواز وتنبيهًا عليه. قال العَيني: وقد قال بعضُ أهل العلم: إنَّ فاعلًا لو فعل مثل ذلك لم أرَ عليه إعادةً من أجل هذا الحديث، وإن كنتُ لا أحبُّ لأحد فِعلَه. وقد كان أحمدُ بن حنبلَ يُجيز هذا، قال الأثرم: سُئل أحمدُ: أيأخذُ الرجلُ ولدَه وهو يصلِّي؟ قال: نعم. واحتجَّ بحديث أبي قتادة.
وقال الخطَّابيُّ: يشبه أن يكون هذا الصنيع من رسول الله ﷺ عن قصدٍ وتعمُّدٍ له في الصَّلاة، ولعلَّ الصبيّةَ لطولِ ما ألفَتْه واعتادَتْه من مُلابسته في غير الصَّلاة كانت تتعلَق به حتَّى تلابسَه وهو في الصَّلاة، فلا يدفعُها عن نفسه ولا يبعدُها، فإذا أراد أن يسجُد وهي على عاتقه وضعَها بأنْ يحطَّها أو يرسلَها إلى الأرض حتَّى يفرغ من سجوده، فإذا أراد القيامَ وقد عادتِ الصبيةُ إلى مثل الحالة الأولى لم يدافعها ولم يمنعها، حتَّى إذا قام بقيَت محمولةً معه، هذا عندي وجهُ الحديث، ولا يكاد يتوهَّم ﵇ إنَّه كان يتعمَّد حملَها ووضعَها وإمساكَها في الصَّلاة تارةً بعدَ أخرى؛ لأنَّ العملَ في ذلك قد يكثُر فيتكرر، والمصلِّي يشتغلُ بذلك عن صلاته، وإذا كان عَلَمُ الخَميصة يشغلُه عن صلاته حتَّى يستبدلَ بها الأَنبجانيّةَ، فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صفته من الأمر؟! وفي ذلك بيانُ ما تأوّلناه.
وقال ابنُ دقيقٍ العيد: من المعلوم أنَّ لفظ (حمل) لا يساوي لفظ (وضع) فعلى هذا: فالفعل الصادرُ منه هو الوضع لا الرَّفع فيَقلّ العملُ، قال: وقد
стр. 58
كنت أحسبُ هذا حسنًا، إلى أن رأيت في بعض طُرقه الصحيحة: (فإذا قامَ أعادَها).
وقال النَّوَوي بعد أن نقلَ ملخَّص كلامِ الخطَّابيُّ: هذا الذي ذكره هذا باطلٌ ودعوى مجرّدةٌ، ومما يرد قوله في «صحيح مسلم» : ((فإذا قام حملَها))، وقوله: ((فَإذا رَفَعَ مِنَ السُّجود أَعادَها))، وقوله في غير رواية مسلم: ((خَرَجَ عَلينا حَامِلًا أُمامةَ فصَلَّى)) وذكر الحديث، وأمّا قضيّةُ الخَميصة فلأنها تشغلُ القلب بلا فائدة، وحملُ أُمامةَ لا نسلِّم إنَّه يُشْغِلُ القلب، وإن شَغَلَه فيترتب عليه فوائدُ وبيانُ قواعد ما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشُّغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة، فالصَّواب الذي لا يُعدل عنه: أنَّ الحديثَ كان لبيان الجواز والتنبيهِ على هذه الفوائد، فهو جائزٌ لنا وشرعٌ مستمرٌ للمسلمين إلى يوم الدين.
وقال العَيني: وجهٌ آخرُ لردِّ كلام الخطَّابيُّ، قولُهُ: (وَقامَ فَأخذَها فردَّها في مَكَانها) وهذا صريحٌ في أنَّ فعلَ الحمل والوضع كان منه ﵇ لا من أُمامةَ. وقال بعضُ أصحابِ مالك بن أنسٍ: لأنَّه ﵇ لو تركها لبكَت وشغَلت سِرَّه في صلاته أكثرَ من شُغله بحملها. وفرَّق بعضُ أصحابه بين الفريضة والنافلة، وقال الباجيُّ: إن وَجَدَ من يكفيه أمرَها جاز في النافلة دونَ الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما.
وحمل أكثرُ أهل العلم هذا الحديث على أنَّه عملٌ غيرُ مُتوالٍ؛ لوجود الطُّمأنينة في أركان صلاته، وقال الفاكهانيُّ: كان السِّرُّ في حمله أُمامةَ في الصَّلاة دفعًا لما كانت العرب تألفُه من كراهة البناتِ وحملِهنَّ، وخالفَهم في ذلك حتَّى في الصَّلاة للمبالغة في ردعِهم، والبيانُ بالفعل قد يكون أقوى من القول.
ومن فوائد هذا الحديث: جوازُ إدخال الصِّغار في المساجد، ومنها: جوازُ صحَّةِ صلاة مَن حمل آدميًا، وكذا من حملَ حيوانًا طاهرًا. وللشافعية تفصيلٌ بين المستجمِر وغيره، ومنها: أنَّ فيه تواضعَ النَّبِيِّ ﷺ وشفقتَه على الصِّغار وإكرامَه لهم جبرًا لهم ولوالديهم.
قلتُ: وفيه جوازُ حملِ مَن لا يَتوقّى النجاسةَ إذا احتُمل إنَّه طاهرٌ حالَ الحمل. انتهى.
وروى عبدُ الله بن يوسفَ التِّنِّيسيُّ عن مالكٍ: أنَّ الحديثَ منسوخٌ. قال شيخُنا: روى ذلك الإسماعيليُّ عَقِبَ روايتِه للحديث من طريقه، لكنَّه غيرُ صريحٍ، ولفظه: قال التِّنِّيسيُّ: قال مالكٌ: في حديث النَّبِيِّ ﷺ ناسخٌ ومنسوخٌ، وليس العملُ على هذا. وقال ابنُ عبد البرِّ: لعلَّه نُسخ بتحريم العمل في الصَّلاة. وتُعقِّب بأنَّ النَّسخَ لا يثبتُ بالاحتمال، وبأنَّ هذه القضيَّةَ كانت بعد قوله ﵇: ((إنَّ في الصَّلاة لشُغْلًا))؛ لأنَّ ذلك كان قبلَ الهجرة، وهذه القصَّةُ كانت بعد الهجرة قطعًا بمدَّة مديدة. وذكر عياضٌ عن بعضهم: أنَّ ذلك كان من خصائصه؛ لكونه كان معصومًا من أن تبولَ وهو حاملُها. ورُدَّ بأنَّ الأصلَ عدمُ الاختصاص، وبأنَّه لا يلزم من ثبوت الاختصاصِ في أمرٍ ثبوتُه في غيره بغير دليلٍ، ولا مدخلَ للقياس في مثل ذلك،
стр. 59
ولابن دقيقٍ العيد هنا بحث من جهة أنَّ حكاياتِ الأحوال لا عمومَ لها، وقد يُجاب عن هذه القضيَّة بأنها واقعةُ حالٍ، فيَحتمل أن تكونَ أُمامَةُ كانت حينئذٍ قد غُسلت، كما يَحتمل أنَّه كان ﷺ يمسُّها بحائل.
(١٠٧) (بَابٌ إِذَا صَلَّى إِلَى فِرَاشٍ فِيهِ حَائِضٌ) أي هذا بابٌ فيه إذا صلَّى، وجواب (إذا) محذوفٌ تقديره: صحَّت صلاتُه، أو معناه: بابُ هذه المسألة، وهي: ما يقولُه الفقهاء إذا صلَّى كذا وكذا كيف كان حكمه؟ فصارَ الجزء الأوَّل منها علمًا لها، قاله الكِرْمانيُّ. قال العَيني: هذا فيه تعسُّفٌ، ولو قال: معناه إذا صلَّى إلى فراش فيه حائضٌ كيف يكون حكمُه، يُكره أم لا؟
وحديثُ الباب يدلُّ على عدم الكراهة، قال شيخُنا: وتقدَّم الكلامُ عليه في أبواب سَتر العَورة في باب إذا أصابَ ثوبُ المصلِّي امرأتَه، وهذه الترجمةُ أخصُّ من تلك، وتقدَّمت له طرقٌ أخرى في آخر كتاب الحيض.
٥١٧ - قوله: (حَدَّثَنا عَمْرو بنُ زُرَارَةَ) أي بالواو، وزُرارةُ -بضمِّ الزاي ثمَّ بالرَّاء المكررة- وقد تقدَّم في باب قدرُ كم ينبغي أن يكونَ بينَ المصلِّي والسُّترة.
قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا هُشَيْمٌ) -أي مُصَغَّرًا- ابنُ بُشيرٍ بضمِّ الباء الموحَّدة، أبو معاويةَ الواسطي، مات ببغداد سنةَ ثلاثٍ وثمانين ومائة، تقدَّم في كتاب التيمم.
قوله: (عَنِ الشَّيْبَانيِّ) أي أبو إِسْحاق سُلَيمان بنُ أبي سُلَيمان فيروزٍ الكوفيُّ، تقدَّم في باب مباشرة الحائض.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهَادِّ) أي بتشديد الدّال، واسمُ شدّادٍ أسامةُ الكوفيُّ تقدَّم في الباب أيضًا.
قوله: (قالَ: أَخْبَرَتْنِي خَالَتِي مَيْمُوْنَةُ بِنْتُ الحَارِثِ) أي إحدى زوجاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، ترجمتها في باب السَّمَر بالعلم.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعٍ واحد، وفيه الإخبارُ كذلك، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد من الماضي في موضعٍ واحد، وفيه العنعنةُ في موضعين، وفيه القولُ، وفيه أنَّ رواتَه ما بين واسطيٍّ وكوفيٍّ.
قوله: (قَالَتْ: كَانَ فِراشِي حِيَالَ مُصَلَّى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَرُبَّما وَقَعَ ثَوبُهُ عَلَيَّ وَأَنا عَلَى فِرَاشِي وَأَنَا حَائِضٌ) مطابقتُه للترجمة ظاهرةٌ عند التأمُّل، ولكنِ اعتُرض فيه بوجهين؛ الأوَّل: كيف دلَّ على الترجمة الَّتي هي كونُ المصلِّي مُنتهيًا إلى الفراش؛ لأنَّه قال: إذا صلَّى إلى فراش، وكلمة (إلى) لانتهاء الغاية، والثاني: أنَّ هذا الحديث يدلُّ على اعتراض المرأة بين المصلِّي وقبلتِه، فهذا يدلُّ على جواز القعود لا على جواز المرور.
وأُجيبَ عنِ الأوَّل: بأنَّه لا يلزمُ أن يكونَ الانتهاءُ من جهة القِبلة، وكما إنَّها مُنتهيةٌ إلى جَنب رسولِ الله ﷺ فرسولُ الله ﷺ أيضًا مُنتهٍ إليها وإلى فراشها. وعن الثاني: بأنَّ ترجمةَ الباب ليسَت معقودةً للاعتراض؛ فإنَّ المتعلِّق بالاعتراض قد تقدَّم، والذي قَصَدَ البخاريُّ بيانُ صحةِ الصَّلاة ولو كانت بجنبِ المصلِّي ولو أصابَتها ثيابُه، لا كونَ الحائض بينَ المصلِّي وبينَ القِبلة.
قال: قد ذكرنا تعدُّد موضعِ هذا الحديث ومَن أخرجه غيرُه ومعناه وما يتعلقُ به من الأحكام في باب إذا أصاب ثوبُ المصلِّي امرأتَه في السُّجود، فإنه أخرج هذا الحديثَ هناك عن مسدَّد عن خالدٍ عن الشَّيبانيِّ. انتهى.
قال شيخُنا: (حِيَالَ) -بكسر المهمَلة بعدَها تحتانيّةٌ- أي بجنبه كما ذكره في الطريق
стр. 60
الثانية.
٥١٨ - قوله: (حَدَّثَنا أَبُو النُّعْمَانِ) أي بضمِّ النُّون، محمَّد بنُ الفضل.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ) أي العبديُّ، ويُعرف بالثَّقَفِيِّ.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانيُّ) سليمان؛ أي ابن فيروز.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ شَدَّادٍ) أي ابن أسامة اللَّيثيّ.
قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُوْنَةَ) أي أمُّ المؤمنين ﵂، هذا الإسنادُ بعينه مرَّ في باب مباشرة الحائض في أوائل كتابِ الحيض.
قوله: (تَقُوْلُ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ نائِمَةٌ، فَإِذا سَجَدَ أَصابَني ثَوبُهُ وَأَنَا حَائِضٌ) لفظُ الحديث في باب مباشرةِ الحائض، قالت - يعني ميمونةَ -: (كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أنَّ يُبَاشِرَ امرأةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ).
قوله: (ثَوبُهُ) كذا للأكثر، وللمُسْتَمْلي والكُشْمِيهَني: <ثِيَابُهُ>، وللأَصِيلي: <أَصَابَتْنِي ثِيَابُهُ>.
قوله: (وَأَنَا حَائِضٌ) قال الكِرْماني: فإن قلتَ: قالوا: إذا أُريد الحدوثُ يقال: حائضةٌ، وإذا أُريد الثُّبُوتُ وأنَّ من شأنها الحيضَ يقال: حائضٌ، ولا شكَّ أنَّ المراد ههنا كونُها في حالة الحيض. قلت: معناه أنَّ الحائضةَ مختصَّةٌ بما إذا كانت فيه، والحائضَ أتمُّ منه. انتهى.
قال العَيني: لا فرق بين الحائض والحائضة، يقال: حاضتِ المرأةُ تحيضُ حَيضًا ومَحيضًا فهيَ حائضٌ وحائضةٌ، عن الفرَّاء وأنشد:
كحائضةٍ يزنى بها غير حائضِ
وفي اللُّغة لم يُفرَّق بينَهما، غيرَ أنَّ الأصلَ فيه التأنيثُ، ولكن لخصوصيَّة النِّساءِ به وعدمِ الالتباسِ ترك التَّاء.
قال ابن بطَّال: هذا الحديث وشِبهُه من الأحاديث الَّتي فيها اعتراضُ المرأة بين المصلِّي وقِبلتِه يدلُّ على جواز القعود لا على جواز المرور. انتهى. وتُعقِّب بأنَّ ترجمة الباب ليست معقودةً للاعتراض، بل مسألةُ الاعتراض تقدَّمت، والظَّاهر: أنَّ المصنِّفَ قصدَ بيانَ صحّةِ الصَّلاة ولو كانتِ الحائضُ بجنبِ المصلِّي ولو أصابَتها ثيابُه، لا كونَ الحائضِ بينَ المصلِّي وبينَ قِبلته، وتعبيرُه بقوله: (إلى) أعمُّ من أن يكون بينَه وبينَ القِبلة، فإنَّ الانتهاءَ يصدُق على ما إذا كانت نائمةً إلى جنبه أو عن يمينه أو عن شماله، وقد صرَّح في الحديث بكونها كانت إلى جنبه.
قال شيخُنا: قوله: (وَأَنَا حَائِضٌ) كذا لأبي ذرٍّ، وسقطت هذه الجملةُ لغيره، لكن في رواية كريمةَ بعد قوله: (أَصَابَنِي ثوبُهُ) زاد مُسَدَّد عن خالد عن الشَّيبانيِّ: ((وَأَنَا حَائِضٌ)) ورواية مُسَدَّد هذه ساقَها المصنِّفُ في بابِ إذا أصابَ ثوبُ المصلِّي، وفيها هذه الزيادة، وهي أصرحُ لمراد الترجمة، والله أعلم.
(١٠٨) (بَابٌ هَلْ يَغْمِزُ الرَّجُلُ امْرَأَتِهِ عِندَ السُّجود لِكَي يَسْجُدَ) أي هذا بابٌ فيه: هل يغمزُ الرجلُ... إلى آخره، يعني: نعم، إذا غمزَها فلا شيءَ يترتبُ عليه من فساد الصَّلاة.
في الترجمة الَّتي قبلَها بيانُ صحَّة الصَّلاة ولو أصابَت المرأةَ بعضُ ثيابِ المصلِّي، وفي هذه الترجمة بيانُ صحَّتِها ولو أصابها بعضُ جسدِه.
٥١٩ - قوله: (حَدَّثَنا عَمْرو بنُ عَلِيٍّ) أي بالواو، الفَلَّاسُ البَاهِليُّ، ترجمتُه في باب الدِّينُ يُسرٌ.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان، ترجمتُه في باب من الإيمان أن يُحبَّ.
قوله: (حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ) أي العُمَرِيُّ، ترجمتُه في باب التَّبرُّز في البيوت.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا القَاسِمُ)
стр. 61
أي ابنُ محمَّد بنِ أبي بكرٍ، ترجمتُه في باب مَن بدأ بالحِلاب أو الطِّيب في كتاب الطَّهارة.
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي الصِّدِّيقة ﵂، في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في أربع مواضعَ، وفيه العنعنةُ في موضع واحدٍ، وفيه أنَّ رواتَه ما بين بصريٍّ ومَدنيٍّ.
قوله: (قَالَتْ: بِئْسَمَا عَدَلتُمُوْنَا بِالكَلْبِ وَالحِمَارِ، لَقَدْ رَأَيْتُني وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَإِذا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجلَيَّ فَقَبَضْتُهُمَا) مطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
قوله: (بِئْسَمَا) كلمةُ بِئْسَ من أفعال الذمِّ كما أنَّ كلمة نِعْمَ من أفعال المدح، وشرطُهما: أن يكون الفاعل المظهَر فيهما معرَّفًا باللَّام، أو مضافًا إلى المعرَّف بها، أو مُضمَرًا مميَّزُه نكرةٌ منصوبةٌ، وههنا يجوز الوجهان، الأول: أن تكون (مَا) بمعنى الذي وتكون فاعلًا لبئس، والجملة - أعني قوله: عدلتُمونا - صِلةٌ له، ويكون المخصوص بالذمِّ محذوفًا، والتقديرُ: بئسَ الذي عدلتُمونا بالحمار ذلك الفعل، والوجه الثاني: أن يكون فاعل بِئْسَ مُضمَرًا مُميَّزًا، وتكون الجملةُ بعدَه صفةً له والمخصوص أيضًا محذوفًا، والتقدير: بئس شيئًا ما عدلتُمونا بالحمار شيءٌ، وفي الوجهين المخصوصُ بالذمِّ مبتدأ وخبرُه الجملة الَّتي قبلَه.
ومعنى (عَدَلتُمُوْنَا) : جعلتُمونا مثلَه، قال شيخُنا: (عَدَلْتُمُوْنَا) بتخفيف الدّال، و (مَا) نكرةٌ مُفسّرة لفاعل (بئس) والمخصوص بالذَّم محذوف تقديره: عدلُكم، أي تسويَتُكم إيَّانا بما ذكر.
وقد تقدَّم الكلامُ على مباحث الحديث في باب التَّطوُّع خلفَ المرأة، وقال العَيني: وقد مرَّ الكلامُ عليه مُستوفىً في باب الصَّلاة على الفراش، ثمَّ قال: قولُها: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي) بضمِّ التَّاء، وكونُ الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحدٍ من خصائص أفعال القلوب، وفي التقدير: لقد رأيتُ نفسي. وقال الكِرْماني: إن كان الرؤيةُ بمعناها الأصليِّ فلا يجوز حذفُ أحد مفعولَيه، وإن كانت بمعنى الإبصار فلا يجوز اتحادُ الضميرين، ثمَّ أجاب بقول الزمخشريِّ؛ فإنَّه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] جازُ حذفُ أحدِهما؛ لأنَّه مبتدأٌ في الأصل فيحذفُ كالمبتدأ، ثمَّ قال الكِرْماني: هذا مخالفٌ لقوله في «المفصَّل» : وفي سائر مواضع «الكَشَّاف» : لا يجوزُ الاقتصارُ على أحد مفعولَي الِحسبان، ثمَّ أجاب عنه بأنه رويَ عنه أيضًا: إنَّه إذا كان الفاعل والمفعولُ عبارةً عن شيءٍ واحد جازَ الحذفُ، وأمكن الجمعُ بينهما بأنَّ القولَ بجواز الحذف فيما إذا اتحدَ الفاعلُ والمفعولُ معنىً، والقولَ بعدمِه فيما إذا كان بينهما الاختلاف، والحديثُ هو من القسم الأوَّل؛ إذ تقديرُه: رأيتُ نفسي مُعترضَةً؛ إذ أُعطي للرؤية الَّتي بمعنى الإبصار حُكمَ الرؤية الَّتي من أفعال القلوب.
قولُها: (وَرُسُوْلُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي) جملةٌ اسميّةٌ وقعت حالًا على الأصل، أعني بالواو، وكذلك قولُها: (وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ).
قولُها: (غَمَزَ رِجلَيَّ) قال الجوهريُّ: غمزتُ الشَّيءَ بيدي، وقال الشاعر:
وكنتُ إذا غَمَزْتُ قَناةَ قَومٍ... كَسَرْتُ كُعوبَها أو تَستَقيما
وغمزتُه بعيني، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] والمراد هنا الغَمزُ باليد، وفي رواية للبخاريِّ: ((فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ بِرِجْلَيَّ، وإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا))، وفي رواية الطَّحاوي: ((فإذا سجدَ غَمَزَني فرفعتُهما فقبضتُهما، فإذا قامَ مددْتُهما))، وفي روايةٍ: ((غَمَزَها برِجله فقال: تَنَحَّي)) وفي رواية لأبي داودَ: ((فإذا أرادَ أنْ يسجدَ ضربَ رِجليَّ فقبضتُهما فسجد))، وفي رواية له: ((فإذا أرادَ أنْ يسجدَ
стр. 62
غَمَزَ رِجْلِي فضممْتُها إليَّ ثمَّ سجدَ)).
(١٠٩) (بابٌ المرأَةُ تَطْرَحُ عَنِ المُصَلِّي شَيئًا مِنَ الأَذَى) أي هذا بابٌ فيه المرأةُ تطرحُ... إلى آخره، ولفظُ (بَابٌ) منوَّن؛ لأنَّه خبر لمبتدأ، و (تَطْرَحُ) خبرُه، وكلمةُ (مِنَ) بيانيّة.
قال ابن بطَّال: هذه الترجمةُ قريبةٌ من التراجم الَّتي قبلَها، وذلك أنَّ المرأةَ إذا تناوَلَت ما على ظهر المصلِّي فإنَّها تقصِدُ إلى أخذِهِ من أيِّ جهةٍ أمكَنها تناوُلُه؛ فإن لم يكن هذا المعنى أشدَّ من مرورها بين يدَيه فليس بدونِه.
وقد ترجَم على حديث هذا الباب في الطهارة قبلَ الغسل بقوله: (بابٌ: إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيْفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ)، قال العَيني: وقد ذكرنا هناك ما يتعلَّق بهذا الحديث مُستَوفىً من كلِّ وجه، فلنذكرْ ههنا ما يُحتاج إليه من غير ما ذكرنا.
٥٢٠ - قوله: (حَدَّثَنا أَحْمَدُ بنُ إِسْحَاقَ) أي السِّرْماريُّ -بكسر السِّين المهملةِ وفتحها وسكونِ الرَّاء الأولى- نسبةً إلى سِرْمار من قُرى بُخارى، وهو الذي يُضربُ بشجاعته المثلُ، قتلَ ألفًا من التُّرك، ماتَ سنةَ اثنينِ وأربعين ومائتين، وهو من صغار شُيوخ البخاريِّ، وقد شاركَه في روايته عن شيخِه عُبَيْد الله بنِ موسى المذكور.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوْسَى) أي الكوفيُّ، في باب دعاؤكُم إيمانكُم.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيْلُ) أي ابنُ يُونُسَ، ترجمتُه في باب مَن ترك بعضَ الاختيار في كتاب العلم.
قوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) أي عمرٍو، ترجمته في باب الصَّلاة من الإيمان، وهذا الحديث لا يُروى إلَّا بإسناده.
قوله: (عَنْ عَمْرو بنِ مَيْمُوْنَ) ترجمتُه في باب غسل المني.
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) أي ابنِ مسعود، ترجمتُه في باب قول النَّبِيِّ ﷺ : بُني الإسلامُ على خمسٍ.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغةِ الجمعِ في ثلاثةِ مواضع، وفيه: العنعنةُ في موضعين، وفيه: أنَّ رجالَه كلُّهم كوفيّون ما خلا أحمدَ بنَ إسحاقَ.
قوله: (قَالَ: بَينَمَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِم إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ ألا تَنْظُرُوْنَ إِلَى هَذَا المُرَائِي أَيُّكُمْ يَقُوْمُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا فَيَجِيءُ بِهِ ثمَّ يُمْهِلُهُ حتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَينَ كَتِفَيهِ، فَانبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَضَعَهُ بَينَ كَتِفَيهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حتَّى مَالَ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانطَلَقَ مُنطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ ـ وَهِيَ جُوَيْرَةُ ـ فَأَقبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا حتَّى أَلقَتْهُ عَنْهُ وَأَقبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلاة قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيشٍ. ثمَّ سَمَّى: اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِعَمْرِو بنِ هِشَامٍ، وَعُتبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بنِ رَبِيْعَةَ، وَالوَلِيْدِ بنِ عُتْبَةَ، وَأميَّة بنِ خَلَفٍ، وَعُقبَةَ بنِ أَبِي مُعَيطٍ، وَعُمَارَةَ بنِ الوَلِيدِ. قَالَ عَبدُ اللهِ: فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثمَّ سُحِبُوا إِلَى القَلِيْبِ قَلِيْبِ بَدرٍ، ثمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ القَلِيْبِ لَعْنَةً).
مطابقتُه للترجمة ظاهرةٌ، وهذا الحديثُ لا يُروى إلَّا بإسناد عَمْرو بنِ مَيمونٍ، مر في باب: إذا أُلقيَ على ظهرِ المصلِّي قَذَرٌ.
قوله: (بَينَمَا رَسُوْلُ اللهِ) وفي روايته هناك:
стр. 63
(بَيْنَا)، وقد ذكرناه هناك، والعاملُ فيه معنى المفاجأةِ الَّتي في (إِذْ) قال: ولا يجوزُ أنْ يَعمل فيه (يُصَلِّي) لأنَّه حالٌ عن رسول الله ﷺ المضافِ إليه (بين) فلا يعمل فيه.
قوله: (أَلَا تَنْظُرُوْنَ إِلَى هَذَا المُرَائِي) مأخوذ من الرياء، وهو التعبد في الملأ دون الخلوة ليُرى.
قوله: (جَزُوْرِ آلِ فُلَانٍ) قال شيخُنا: لم أقفْ على تعيينهِم، لكن يُشبِه أن يكونوا آلَ أبي مُعَيط، لمبادرة عُقْبَة بنِ أبي مُعَيط إلى إحضار ما طلبوه منه، وهو المعنيُّ بقوله: (أَشْقَاهُمْ). انتهى.
قلتُ: وقد تقدَّم الكلامُ في قوله: (أَشْقَاهُمْ) مع أنَّ أبا جهلٍ أشقى من المنبعِث. انتهى.
قوله: (فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ) قال شيخُنا أيضًا: لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو ابنَ مسعود.
قوله: (فَيَعْمِدُ) بالرفع عطفًا على (يقوم)، ويروى بالنَّصب؛ لأنَّه وَقَعَ بعدَ الاستفهام.
قوله: (فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ) أي انتهضَ أشقى القوم، وهو عُقْبَة بنُ أبي مُعَيط كما تقدَّم.
قوله: (جَوَيْرَةٌ) أي صغيرة، وهو تصغير جاريةٍ.
قوله: (عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) أي بهلاكهم.
قوله: (بِعَمْرِو بنِ هِشَامٍ) هو أبو جهلٍ عليه اللَّعنةُ.
قوله: (وَعُمَارَةَ بنِ الوَلَيْدِ) هو السَّابع، ولم يذكره الرَّاوي هناك - أي في باب إذا أُلقي - وههنا ذكره؛ لأنَّه هناك نسيَه وهنا يذكره.
قوله: (أُتْبِعَ) -بضمِّ الهمزة- إخبارٌ من الرسول ﷺ بأنَّ الله أَتبَعَهم اللَّعنةَ؛ أي كما أنَّهم مقتولون في الدُّنْيا مطرودون عن رحمة الله في الآخرة، ويُروى: ((وأَتْبِعَ)) بفتح الهمزة، ويُروى بلفظ الأمر، فهو عطف على (عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) أي قال في حياتهم: اللَّهمَّ أهلِكْهم، وقال في هلاكهم: أَتْبِعهُم لعنةً. قال شيخنا: وقد تقدَّم الكلام على فوائد هذا الحديث في الطَّهارة قبل الغسل بقليل.
خاتمة
اشتملت أبوابُ استقبالِ القِبلة وما معها من أحكام المساجد وسُترة المصلِّي من الأحاديث المرفوعة على ستةٍ وثمانين حديثًا، المكرَّر منها ستةٌ وثلاثون حديثًا، عشرةٌ تقدَّمت وستةٌ وعشرون فيها الخالصُ منها خمسون حديثًا، وافقَه مسلمٌ على تخريج أصولها سوى حديثِ أنسٍ: ((مَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا))، وحديث ابن عبَّاس في الصَّلاة في قبل الكعبة، لكنْ أوضحنا أنَّ مسلمًا أخرجَه عن ابن عبَّاس عن أسامةَ، وحديث جابرٍ في الصَّلاة على الراحلَة، وحديث عائشةَ في قصَّة الوَليدة صاحبةِ الوِشَاح، وحديث أبي هريرةَ: رأيت سبعين من أصحاب الصفَّة، وحديث ابنِ عمرَ: كان المسجدُ مَبنيًّا باللَّبِنِ، وحديث ابنِ عبَّاس في قصَّة عَمَّارٍ في بناء المسجد، وحديثه في الخُطبة في خَوخَة أبي بكرٍ، وحديث عُمَر في رفع الصَّوت في المسجد، وحديث ابنِ عُمَر في المساجد الَّتي على طُرِق المدينة، وهو مشتمِلٌ على عشرة أحاديثَ، وحديث عائشةَ: لم أعقْل أَبَوَيَّ إلَّا وهما يَدِينان الدِّين، وفيها من المعلَّقاتِ ثمانيةَ عشرَ حديثًا كلُّها مُكرَّرة إلَّا حديثَ أَنَس في قصَّة العبَّاس ومال البَحرين، وهو من أفراده أيضًا عن مسلم، جملةُ ما فيها من الأحاديث بالمكرَّر مائةٌ وأربعةُ أحاديثَ، وفيها من الآثار ثلاثةٌ وعشرون، كلُّها معلَّقاتٌ إلَّا أثرَ مساجدِ ابنِ عبَّاسٍ، وأثرَ عُمَر وعثمانَ: أنّهما كانا يستلقيان في المسجد، وأثرَهما: أنّهما زادا في المسجد، فإنَّ هذه
стр. 64
موصولةٌ، والله أعلم.
أبوابُ المواقيتِ
كتابُ مواقيتِ الصَّلاةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال شيخُنا: كذا للمُسْتَمْلي وبعدَه البَسملةُ، ولرفيقيه البسملةُ مقدَّمةٌ وبعدَها بابُ مواقيتِ الصَّلاة وفضلِها، وكذا في نسخة الصَّغَانيِّ، وكذا لكريمةَ لكن بلا بسملةٍ، وكذا للأَصِيلي لكن بلا باب. وقال العَيني: أي هذا كتابٌ في بيان أحكامِ مَواقيت الصَّلاة.
ولما فرغَ من بيانِ الطّهارةِ بأنواعِها الَّتي هي شرطُ، شرعَ في بيان الصَّلاة بأنواعِها الَّتي هيَ المشروطةُ، والشّرطُ مقدَّمٌ على المشروطِ، وقدَّمها على الزَّكاةِ والصَّوم وغيرهِما لما إنَّها تاليةٌ للإيمان وثانيتُه في الكتاب والسُّنَّة، ولشدَّةِ الاحتياج وعمومِه إلى تعلُّمِها لكثرةِ وقوعِها ودوَرانها بخلاف غيرها من العباداتِ.
وهي في اللُّغة: من تحريك الصَّلَوين، وهما العظمانِ الناتئانِ عند العَجِيزة، وقيلَ: من الدُّعاء، فإن كانت من الأوَّل تكون من الأسماء المغيَّرة شرعًا المقرَّرة لغةً، وإن كانت من الثَّاني تكون من الأسماء المنقولة، وفي الشَّرع عبارة عن الأركان المعلومة والأفعال المخصوصة.
والمواقيتُ جمع مِيقاتٍ على وزن مِفعال، وأصلُه مُوقات، قلبَت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها من: وَقَتَ الشيءَ يَقِتُه إذا بيَّن حدَّه، وكذا وقتُه وقتٌ مخصوص، وهو بيانُ مِقدارِ المدَّة، وكذلك التأقيتُ، وقال السَّفَاقُسي: الميقاتُ هوَ الوقتُ المضروبُ للفعل والموضِعُ، وفي «المنتهى» : كلُّ ما جُعل له حينٌ وغايةٌ فهو مُوَقَّتٌ، ووقَّتَه ليوم كذا، أي أجَّلَه، وفي «المحكَم» : وَقْتٌ موقوتٌ ومُوَقَّتٌ محدودٌ، وفي «نوادر الهَجريِّ» : قال القردِي: أيقتوا مَوْقتًا آتيكُم فيه.
ثم قال العَيني أيضًا: قولُه: (بَابُ مَوَاقِيْتِ الصَّلاة وفَضْلِهَا) أي على رواية رفيقي المُسْتَمْلي، من العادة المستمرَّة عند المصنِّفين أن يذكروا الأبوابَ بعدَ لفظ الكتاب، فإِنَّ الكتبَ تشمَلُ الأبواب والفُصولَ، والبابُ هو النَّوع، وأصلُه البَوب، قُلِبت الواوُ ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلَها، ويجمع على أبوابٍ، وقد قالوا: أَبوِبةٌ، وإنّما جُمع أبوبةً للازدواج، ولو أفردَه لم يَجُز، ويقال: أبوابٌ مُبَوَّبة كما يقال: أصنافٌ مُصنَّفة، والبَابَةُ: الخَصْلةُ، والبَابَاتُ: الوُجوه، وقال ابن السِّكِّيت: البَابَةُ عند العرب الوَجْهُ.
قوله: ((وقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الصَّلاة كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوْتًا﴾ [النساء: ١٠٣])) وَقَّتَه عليهم.
قوله: مجرورٌ عطفًا على مواقيت الصَّلاة، أي هذا بابٌ في بيانِ مَواقيت الصَّلاة وبيانِ قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاة كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣]، وفَسَّرَ ﴿مَوْقُوْتًا﴾ بقوله: (وَقَّتَه عليهم) أي وقَّتَ اللهُ الكتابَ - أي المكتوبَ الذي هو الصَّلاة - عليهم، أي على المسلمين، وليسَ بإضمار قبلَ الذكر لوجود العربيَّة، ووَقَعَ في أكثر الرِّوايات: ﴿مَوْقُوتًا﴾ مُوَقّتًا عليهم، وليس في بعض النُّسخ لفظُ: ((مُوَقَّتًا)) يعني بالتشديد، واستشكل ابن التِّين تشديدَ القاف من (وَقَّتَه) وقال: المعروف في اللُّغة التَّخفيفُ. قال العَيني: ليس فيه إشكالٌ؛ لأنَّه جاء في اللُّغة: وَقَتَه بالتخفيف ووقَّتَه بالتشديد، فكأنَّه ما اطَّلع في «المحكم» وغيره، وقال شيخُنا:
стр. 65
والظَّاهر أنَّ المصنِّف أرادَ بقوله: (مُوَقَّتًا) بيانَ قوله: (مَوْقُوْتًا) من التوقيت، فقد جاء عن مجاهد في معنى قوله: ﴿مَوْقُوْتًا﴾ قال: مفروضًا، وعن غيره: محدودًا. انتهى.
قال العَيني: أراد بقوله: (مُوَقَّتًا) بيانَ قوله: ﴿مَوْقُوْتًا﴾ هذا كلامٌ واهٍ، وليس في لفظ (مَوْقُوْتًا) إيهامٌ حتَّى ينبِّه بقوله: (مُوَقَّتًا). انتهى.
٥٢١ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ) أي القَعنَبي، ترجمتُه في باب من الدِّين الفِرارُ من الفتن.
قوله: (قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ) أي الإمام، ترجمتُه في كتاب الوحي.
قوله: (عَنِ ابنِ شِهَابٍ) أي محمَّد بن مُسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
قوله: (أَنَّ عُمَر بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ) أي ابن مروان، أميرُ المؤمنين من الخلفاء الراشدين، ترجمته ﵁ في كتاب الإيمان.
قوله: (عُرْوَة بنُ الزُّبَيْرِ) أي ابن العَوَّام، ترجمته في بَدء الوَحي.
قوله: (المُغِيْرَةُ بنُ شُعْبَةَ) أي الصَّحابي، ترجمته في باب الدِّين النَّصيحة.
قوله: (أَبُو مَسْعُوْدٍ الأَنْصَارِيُّ) أي عُقْبَة بن عَمْرو بنِ ثَعْلَبَةَ الخزرجيُّ الأنصاريُّ ﵁، ترجمته في باب ما جاء أنَّ العملَ بالنيَّة والحِسبة.
قوله: (بَشَيْرُ بنُ أَبِي مَسْعُوْدٍ) أي ابن عُقْبَة المذكور، قال شيخُنا: هو بفتح الموحَّدة بعدَها معجَمة، بوزن فعيل، وهو تابعي جليلٌ، وذُكر في الصحابة لكونه وُلد في عهد النَّبِيِّ ﷺ ورآه. انتهى.
قلتُ: ذكر أبو عيسى التِّرْمِذي في «تاريخه» في باب مَن وُلد في حياة رسول الله ﷺ أو بعد وفاته بشير، ولم يذكر له قصةً. انتهى.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجَمع في مَوضع واحدٍ، والإخبارُ بصيغة الإفراد من الماضي، وفيه القراءةُ على الشيخ، وفيه العنعنةُ في موضع واحدٍ، وفيه أنَّ رجالَه كلُّهم مدنيّون، وفيه ما قاله ابنُ عبد البَّرِّ، وهو أنَّ هذا السِّياق منقطع عند جماعة من العلماء؛ لأنَّ ابنَ شِهابٍ لم يقل: حضرتُ مراجعةَ عُرْوَة لعمرَ بن عبد العزيز، وعُرْوَة لم يقل: حدَّثني بشير، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة لا بالصِّيَغ.
وقال الكِرْماني: اعلم أنَّ هذا الحديث بهذا الطريق ليس بمتصِل الإسناد؛ إذ لم يقل أبو مسعودٍ: شاهدتُ رسول الله ﷺ ، ولا قال: قال رسول الله ﷺ . انتهى.
قال شيخُنا: هذا لا يُسمّى منقطعًا اصطلاحًا، وإنما هو مرسلُ صحابي؛ لأنَّه لم يدرك القصة، فاحتمل أن يكون سمع ذلك من النَّبِيِّ ﷺ أو بلغه عنه بتبليغ مَن شاهدَه أو سمعه لصحابي آخر، على أنَّ رواية اللَّيث عند المصنِّف تزيل الإشكالَ كلَّه، ولفظُه: فقال عروةُ: سمعت بشير بنَ أبي مسعود يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكر الحديث، وكذا سياقُ ابن شِهاب ليس فيه التصريحُ بسماعه له من عُرْوَةَ، وابنُ شهابٍ قد جُرِّب عليه التدليسُ، لكن وَقَعَ في رواية عبد الرزَّاق عن مَعْمَر عن ابن شِهابٍ قال: كنّا مع عُمَر بن عبد العزيز، فذكره، وفي رواية شُعَيب عن الزهريِّ: سمعت عُرْوَة يحدِّث عُمَر بن عبد العزيز، الحديث. انتهى.
قال العَيني: قولُ هذا القائل: رواية اللَّيث عند المُصَنِّف تزيل الإشكالَ كلَّه إلى آخره، غيرُ مُسلَّمٍ
стр. 66
في الرواية الَّتي ههنا؛ لأنَّها غيرُ متَّصلةُ الإسناد بالنَّظر إلى الظَّاهر، وإن كانت في نفس الأمر متصلةَ الإسناد، وكلامُ الكِرْماني بحسب الظَّاهر وإن كان الإسناد في نفس الأمر متَّصلًا. انتهى.
قال شيخنا: لم أقل: إنَّها متَّصلةٌ لفظًا، بل هي متَّصلةٌ اصطلاحًا بدليل رواية اللَّيث، فالذي لا يُسلِّم هذا - يعني العَيني - لا يُلام؛ لأنَّه لا يدري الاصطلاح، وما زال الأئمةُ يحرصون على بيان الاتصال فيما يوهِم الإرسالَ وتسميةِ مَن أُبهم ونحو ذلك من النُّكت الحديثيَّة، وبالله التَّوفيق. انتهى.
قوله: (أَنَّ عُمَر بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ أَخَّرَ الصَّلاة يَومًا وهو بالعراق، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَة بنُ الزُّبَيْر فَأَخبَرَهُ: أَنَّ المُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَة أَخَّرَ الصَّلاة يَوْمًا وَهُوَ بِالعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُوْدٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيْلَ ﵇ نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، ثمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، ثمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، ثمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، ثمَّ صَلَّى، فصلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثمَّ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْتُ؟! فَقَالَ عُمَر لِعُرْوَةَ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ، أَوَ إِنَّ جِبرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاَةِ؟ قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيْرُ بنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيْهِ).
قَالَ عُرْوَةُ: (وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ).
مطابقته للترجمة في قوله: (أَنَّ جِبْرِيْلَ نَزَلَ فَصَلَّى...) إلى آخره، وهي خمسُ مرَّات، فدلَّ أنَّ الصَّلوات مؤقَّتة بخمسة أوقات، فإن قلت: الحديث لا يدلُّ إلَّا على عدد الصلوات، لأنَّه لم يذكر الأوقات. قال العَيني: وقوعُ الصَّلاة خمس مرَّات يستلزم كونَ الأوقات خمسةً، واقتصر أبو مسعود على ذكر العدد؛ لأن الوقت كان معلومًا عند المخاطبة.
هذا الحديثُ أخرجه البخاريُّ أيضًا في بدء الخلق عن قُتَيْبَة عن ليثٍ، وفي المغازي عن أبي اليمان عن شُعَيب ثلاثتُهم عن الزُّهْري عن عُرْوَة عنه به، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن قُتَيْبَة ومحمَّد بن رُمحٍ كلاهُما عن ليثٍ به، وعن يحيى بن يحيى عن مالك به، وأخرجه أبو داود فيه عن محمَّد بن مسلمةَ عن ابن وَهْب عن أسامة بن زيد عن الزُّهْري عن عُرْوَة عنه به، وأخرجه النَّسائي فيه عن قُتَيْبَة به، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه عن محمَّد بن رُمحٍ به.
قوله: (أَخَّرَ الصَّلاة يَوْمًا) وفي رواية للبخاري في بدء الخلق: أخَّر العصرَ شيئًا، وقوله: (يَوْمًا) بالتنكير؛ ليدلَّ على التعليل، ومرادُه يومًا ما، لا أنَّ ذلك كان سَجيةً كما كانت ملوكُ بني أميَّة تفعل لا سيَّما العصرَ، فقد كان الوليد بن عُتْبَة يؤخِّرها في زمان عُثْمان ﵁، وكان ابنُ مسعود يُنكِر عليه، وقال عطاء: أخَّر الوليد مرَّةً الجمعةَ حتَّى أمسى، وكذا كان الحجَّاج يفعل، وسيأتي بيان ذلك قريبًا في باب تضييع الصَّلاة عن وقتها.
وفي رواية الطَّبَرَاني من طريق أبي بكر بن حَزم: أنَّ عُرْوَة حدَّث عُمَر بن عبد العزيز
стр. 67
وهو يومئذٍ أميرُ المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك، وكان ذلك زمانٌ يؤخِّرون فيه الصلاة، يعني بني أميَّة، قال ابن عبد البرِّ: المرادُ إنَّه أخَّرها حتَّى خرج الوقتُ المستحبُّ، لا إنَّه أخَّرها حتَّى غربت الشمس. انتهى.
قال شيخنا: ويؤيِّده سياقُ رواية اللَّيث المتقدِّمة.
قال العَيني: أخرَّها عن الوقت المستحبِّ المرغَّب فيه، لا عن الوقت، ولا يُعتقد ذلك فيه لجلالته، وإنكارُ عُرْوَة عليه إنَّما وَقَعَ لتركه الوقتَ الفاضلَ الذي صلَّى فيه جبريلُ ﵇.
فإن قلت: روى الطَّبَرَاني من طريق يزيد بن أبي حبيبٍ عن أسامةَ بن زيد اللَّيثيِّ عن ابن شهاب في هذا الحديث قال: دعا المؤذنُ لصلاة العصر، فأمسى عُمَر بن عبد العزيز قبل أن يصلِّيها. أجيب بأنَّ معناه: قارَب المساءَ. لا إنَّه دخل فيه.
قال شيخنا: وقد رجع عُمَر بن عبد العزيز عن ذلك، فروى الأوزاعي عن عاصم بن رجاء بن حَيوَة عن أبيه: أنَّ عُمَر بن عبد العزيز - يعني في خلافته - كان يصلِّي الظُّهر في السَّاعة الثامنة، والعصرَ في السَّاعة العاشرة حين تدخل.
قوله: (أَنَّ المُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَة أَخَّرَ الصَّلاة يَومًا) بيَّن عبدُ الرزَّاق في روايته عن ابن جُرَيج عن ابن شِهَاب: أنَّ الصَّلاة المذكورة العصرُ أيضًا، ولفظه: ((مَسَّى المغيرةُ بنُ شُعْبَة بصلاةِ العصرِ)).
قوله: (وَهُوَ بِالعِرَاقِ) جملةُ اسميَّة وقعت حالًا عن المغيرة، وأراد به عراقَ العرب، وهو من عبَّادان إلى الموصل طولًا، ومن القادسيَّة إلى حُلوان عرضًا، وفي رواية القَعنَبي وغيره عن مالك في الموطأ: وهو بالكوفة. وكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة عن القَعْنَبي، والكوفةُ من جملة عراق العرب، فالتعبير بها أخصُّ من التعبير بالعراق، وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا عليها من قِبل معاويةَ بن أبي سفيان.
قوله: (مَا هَذَا) أي التأخير.
قوله: (أَلَيْسَ) الرواية وقعت كذا (أَلَيْسَ) وكأنَّ مقتضى الكلام: (أَلَيْسَتْ) بالخطاب، قال القُشَيري: قال بعض فضلاء الأدب: كذا الرواية، وهي جائزة، إلَّا أنَّ المشهور في الاستعمال (أليست) يعني بالخطاب.
وقال عياض: يدلُّ ظاهر قوله: (قَدْ عَلِمْتَ) على علم المغيرة بذلك، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل الظنِّ من أبي مسعود؛ لعلمه بصحبة المغيرة. قال العَيني: لأجل ذلك ذكره بلفظ الاستفهام في قوله: (أَلَيْسَ) ولكن يؤيِّد الوجه الأوَّل رواية شُعَيب عن ابن شهاب عند البخاري أيضًا في غزوة بدر بلفظ: فقال: (لَقَدْ عَلِمْتَ) بغير حرف الاستفهام، ونحوُه عن عبد الرزَّاق عن مَعْمَر وابن جُرَيج جميعًا.
قوله: (أَنَّ جِبْرِيْلَ نَزَلَ) قلت: قد قدَّمنا الكلام على جبريل ﵇ مستقصىً في كتاب الوحي. انتهى. بيَّن ابن إِسْحاق في المغازي: أنَّ ذلك كان صبيحة اللَّيلة الَّتي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء.
قال شيخنا: قال ابن إسحاق: حدَّثني عُقْبَة بن مسلم عن نافع بن جُبَير، وقال عبد الرزَّاق: عن ابن جُرَيج قال: قال نافع بن جُبَير وغيره: ((لما أَصبحَ النَّبِيُّ ﷺ منَ الليلةِ الَّتي أُسريَ بِهِ لم يرُعْهُ إلَّا جبريلُ نزلَ حِينَ زاغَتِ الشَّمس - ولذلك سمِّيت الأولى؛ أي صلاة الظُّهر - فأمرَ
стр. 68
فَصِيحَ بأصحابِه: الصَّلاة جامعَة، فاجتمعُوا فصلَّى بهِ جبريلُ، وصلَّى النَّبِيُّ ﷺ بالناسِ)) فذكر الحديث، وفيه ردٌّ على من زَعَمَ أنَّ بيانَ الأوقات إنَّما وَقَعَ بعد الهجرة، والحقُّ: أنَّ ذلك وَقَعَ قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النَّبِيِّ ﷺ . انتهى.
قلت: اليوم الذي يسفر عن ليلتها، ورُدَّ: أنَّ الإسراء كان ليلة الجمعة، وكأنَّ بعضهم يقول: ليلة السَّبت، قال ابن دِحْيَة: وهذا نقلٌ مَحضٌ يُطلب فيه الصِّحَّة، ثمَّ قال: يكون إن شاء الله تعالى يوم الاثنين. وذكر الدَّليل على ذلك بمقدمات حساب من تاريخ الهجرة، وحاصل الأمر: إنَّه استنبط وحاول موافقةَ كون المولد الشريف يوم الاثنين، وكون المبعث يوم الاثنين، وكون المعراج يوم الاثنين، وكون الهجرة يوم الاثنين، وكون الوفاة يوم الاثنين، قال: فإن هذه أطوارُ الانتقالاتِ النبوية وجودًا ونبوَّةً وهجرةً ومعراجًا ووفاةً، فيكون يوم الاثنين في حقِّه ﵇ كيوم الجمعة في حقِّ آدم ﵇، فيه خُلق وفيه تِيب عليه وفيه مات ﵇. انتهى. ذكره في كتاب «الابتهاج».
قوله: (فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ قال العَيني: الكلام هنا في موضعين؛ أحدهما: في كلمة (ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى)، والآخر: في كلمة الفاء، أما الأوَّل فقد قال الكِرْماني: فإن قلت: لِمَ قال في صلاة جبريل: (ثُمَّ صَلَّى) بلفظ (ثم)، وفي صلاة الرَّسول: (فَصَلَّى) بالفاء، قلت: لأنَّ صلاة الرسول كانت متعقبة لصلاة جبريل ﵇ بخلاف صلاته؛ فإن بينَ كلِّ صلاتين زمانًا، فناسب كلمة التراخي. انتهى. قلت: وقد علمت مما قاله الكِرْماني: إنَّه ليس بين نزوله وصلاته تراخي؛ لأنَّه قال: (فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ . انتهى.
وأما الثَّاني فقد قال عياض: ظاهره أنَّ صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل، لكن المنصوص في غيره: أنَّ جبريل أَمَّ النَّبِيَّ ﷺ ، فيحمل قوله: (فَصَلَّى فَصَلَّى) على أنَّ جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصَّلاة تابعه النَّبِيُّ ﷺ بفعله. وقال النَّوَوي: (صَلَّى فَصَلَّى) مكرِّرًا خَمْس هكذا خمس مرات، معناه: إنَّه كلما فعل جزءًا من أجزاء الصَّلاة فعله النَّبِيُّ ﷺ حتَّى تكاملت صلاتهما. انتهى.
قال العَيني: مبنى كلام عياض على أنَّ الفاء في الأصل للتعقيب، فيدلُّ على أنَّ صلاة النَّبِيِّ ﵇ كانت عُقيب فراغ جبريل من صلاته، وحاصل جوابه: إنَّه جعل الفاء على أصله، وأوَّله بالتأويل المذكور، وبعضهم ذهب إلى أنَّ الفاء هنا بمعنى الواو؛ لأنَّه ﵊ إذا ائتم بجبريل يجب أن يكون مصلِّيًا معه لا بعده، وإذا حملت الفاء على حقيقتها وجب ألَّا يكون مصلِّيًا معه، واعترض عليه بأن الفاء إذا كان بمعنى الواو يحتمل أن يكون النَّبِيُّ ﷺ صلَّى قبل جبريل؛ لأن الواو لمطلق الجمع، والفاء لا تحتمل ذلك، قلت: مجيء الفاء بمعنى الواو لا يُنكر كما في قوله:
* بين الدخول فحَوْمل
فإن الفاء فيه بمعنى الواو، والاحتمال الذي ذكره المعترض يدفع بأن جبريل ﵇ هنا مبيِّن لهيئة الصَّلاة
стр. 69
الَّتي فرضت ليلة الإسراء، فلا يمكن أن تكون صلاته بعد صلاة النَّبِيِّ ﷺ ، وإلا لانتفى أن يكون لصلاة جبريل فائدة، ويمكن أن تكون الفاء هنا سببيَّة كما في قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوْسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]. انتهى.
قال شيخنا: وفي رواية اللَّيث عند المُصَنِّف وغيره: ((نَزَلَ جِبريلُ فَأَمَّني فَصَلَّيتُ مَعَهُ))، وفي رواية عبد الرزَّاق عن معمر: ((نَزَلَ فَصَلَّى، فصَلَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فصلَّى النَّاس مَعَهُ))، وهذا يؤيِّد رواية نافع بن جُبَير المتقدِّمة، وإنَّما دعاهم إلى الصَّلاة بقوله: ((الصَّلاةُ جامِعَةٌ)) لأنَّ الأذان لم يكن شرع حينئذ. انتهى.
قال القُرْطُبي: قول عروة: (أَنْ جِبْرِيْلَ نَزَلَ) ليس فيه حجَّة واضحة على عُمَر بن عبد العزير؛ إذ لم يعين له الأوقات، قال: وغاية ما يتوَّهم عليه أنَّه ينبِّهه، وذكره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بعد؛ لإنكار عُمَر على عُرْوَة حيث قال له: اعلم ما تحدِّثُ [به] (١) يا عُرْوَة، قال: وظاهر هذا الإنكار إنَّه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل، قال شيخنا: لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المستمرِّ، لكن لم يعرف أنَّ أصله بتبيين جبريل ﵇ بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكأنَّه كان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا يحمل عمل المغيرة وغيره من الصحابة، ولم أقف على شيء من الرِّوايات على جواب المغيرة لأبي مسعود، والظَّاهر إنَّه رجع إليه.
قوله: (بِهَذَا) أي بأداء الصَّلاة في هذه الأوقات.
قوله: (أُمِرْتُ) رُوِيَ بضمِّ التَّاء وفتحها، وعلى الوجهين هو على صيغة المجهول، قال ابن العربي: نزل جبريل ﵇ إلى النَّبِيِّ ﷺ مأمورًا مكلَّفًا بتعليم النَّبِيِّ ﷺ لا بأصل الصَّلاة، وأقوى الروايتين فتح التَّاء، يعني: أنَّ الذي أُمرت به من الصَّلاة البارحة مجملًا هذا تفسيره اليوم مفصَّلًا، قال العَيني: فعلى هذا الوجه يكون الخطاب من جبريل للنَّبيِّ ﷺ ، وأمَّا وجه الضمِّ فهو أنَّ جبريل ﵇ يُخبر عن نفسه إنَّه أُمِرَ به هكذا، فعلى الوجهين الضَّمير المرفوع في قوله: (ثَمَّ قَالَ) يرجع إلى جبريل ﵇، ومن قال في وجه الضمِّ: إنَّ النَّبِيَّ أخبر عن نفسه إنَّه أُمِرَ به هكذا، وأن الضَّمير في (قَالَ) يرجع إلى النَّبِيِّ ﷺ فقد أبعد وإن كان التركيب يقتضي هذا أيضًا. انتهى.
قوله: (اعْلَمْ مَا تَحَدَّثُ بِهِ) بصيغة الأمر، تنبيه من عُمَر بن عبد العزيز لعُرْوَة على إنكاره إيَّاه، وقال القُرْطُبي: ظاهره الإنكار؛ لأنَّه لم يكن عنده خبر من إمامة جبريل ﵇، إمَّا لأنَّه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه، والأولى عندي: أنَّ حجَّة عُرْوَة عليه إنَّما هي فيما رواه عن عائشة، وذكر له حديث جبريل موطِّئًا له ومُعلمًا بأنَّ الأوقات إنَّما ثبت أصلها بإيقاف جبريل ﵇ للنَّبيِّ ﷺ عليها.
قوله: (أَوَأَنَّ جِبْرِيْلَ) قال السَّفَاقُسي: الهمزة حرف الاستفهام دخلت على الواو فكان ذلك تقريرًا، وقال
стр. 70
النَّوَوي: الواو مفتوحة، وأنَّ ههنا تُفتح وتُكسر، وقال صاحب «الاستقضاب» (١) : كسر الهمزة أظهر؛ لأنَّه استفهام مستأنف إلَّا إنَّه ورد بالواو والفتح على تقدير: أو علمت أو حدَّثت أنَّ جبريل نزل؟ قال العَيني: لم يذكر أحد منهم أنَّ الواو أي واو هي، وهي واو العطف على ما ذكره بعضهم، ولكنَّه قال: والعطف على شيء مُقَدَّر، ولم يبيِّن ما هو المُقَدَّر. انتهى.
قلت: أراد العَيني بقوله: (بَعْضُهم) شيخَنا، فإنَّه قال: (أَوَ أَنَّ) بفتح الهمزة، وهي للاستفهام، والواو وهي العاطفة، والعطف على شيء مُقَدَّر. انتهى.
قلت: يجوز أن يكون التقدير بعد قوله: اعلم ما تحدِّث إذ حدَّثت، أي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان مأمومًا، أو علمت أو حدَّثت أنَّ جبريل هو أقام. انتهى.
قوله: (وُقُوْتَ) كذا للمستملي بصيغة الجمع، وللباقين: ((وَقْتَ الصَّلَاةِ)) بالإفراد وهو للجنس.
٥٢٢ - قوله: (قَالَ عُرْوَةُ) قال الكِرْماني: هذا إما مقول ابن شهاب، أو تعليق من البخاري.
قال شيخنا: الاحتمال الثَّاني على بعده مغاير للواقع كما سيظهر في باب وقت العصر قريبًا؛ فقد ذكره مسندًا عن ابن شهاب عن عُرْوَة عن عائشة، فهو مقوله: وليس بتعليق، وسنذكر الكلام على فوائده هناك إن شاء الله تعالى. انتهى.
قوله: (كَذَلِكَ كانَ بَشِيْر) تقدَّم الكلام على هذا في الكلام على الإسناد.
قوله: (فِي حُجْرَتِها) قال ابن سِيدًه: الحجرة من البيوت معروفة، وقد سمِّيت بذلك لمنعها الداخل من الوصول إليها، يقال: استحجر القوم واحتجروا اتخذوا حجرةً، وفي «المنتهى» و «الصحاح» : الحجرة: حظيرة الإبل، ومنه حجرة الدَّار، تقول: احتجرت حجرة، أي اتَّخذتها، والجمع حُجَر مثل غرفة وغُرَف، وحُجُرات بضمِّ الجيم.
قوله: (أَنْ تَظْهَرَ) ذكر في «الموعب» : يقال: ظهر فلان السَّطح إذا علاه. وعن الزَّجَّاجِ في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه. وفي «المنتهى» : ظهرتُ البيتَ علوتُه، وأظهرتُ بفلان أعليتُ به، وفي «كتاب ابن التين» وغيره: ظهر الرجل فوق السطح إذا علا فوقه. قيل: وإنَّما قيل له ذلك؛ لأنَّه إذا علا فوقه فقد ظهر شخصُه لمن تأمّله، وقيل: معناه: أن يخرج الظلُّ من قاعة حجرتها فيذهب، وكل شيء خرج فقد ظهر. قال العَيني: والتفسير الأوَّل أقرب وأليق بظاهر الحديث؛ لأنَّ الضَّمير في قوله: (تَظْهَرَ) إنَّما هو راجع إلى الشمس، ولم يتقدَّم للظلِّ ذكرٌ في الحديث. وسنستوفي الكلام في حديث عائشة عن قريب في باب وقت العصر إن شاء الله تعالى.
فيه دليل على أنَّ وقت الصَّلاة من فرائضها، وأنَّها لا تجزئ قبل وقتها، وهذا لا خلافَ فيه بين العلماء إلَّا شيءٌ روي عن أبي موسى الأشعري وعن بعض التَّابعين أجمع العلماء على خلافه، قال العَيني: ولا وجه لذكره ههنا؛ لأنَّه لا يصحُّ عنهم، وصحَّ عن أبي موسى خلافه مما وافق الجماعة فصار اتفاقًا صحيحًا.
وفيه المبادرة بالصلاة في أوَّل وقتها، وهذا هو الأصل وإن روي الإبراد بالظهر والإسفار بالفجر بالأحاديث الصحيحة، وفيه دخول العلماء على الأمراء وإنكارهم عليهم ما يخالف السنَّة، وفيه جواز مراجعة العالم لطلب البيان، والرجوع عند التنازع إلى السنَّة.
وفيه أنَّ الحجَّة في الحديث المسند دون المنقطع، ولذلك لم يقنع عُمَر به، فلما أسند إلى بشير بن أبي مسعود قنع به.
وفيه ما استدلَّ به قوم منهم ابن العربي على جواز صلاة المفترض
стр. 71
خلف المتنفِّل من جهة أنَّ الملائكة ليسوا مكلَّفين بمثل ما كلِّف به الإنس، قال العَيني: هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنَّ جبريل كان مكلَّفًا بتبليغ تلك الصَّلوات ولم يكن متنفِّلًا، فتكون صلاةَ مفترضٍ خلف مفترض. وقال عياض: يحتمل ألَّا تكون تلك الصَّلاة كانت واجبة على النَّبِيِّ ﷺ حينئذ، ورُدَّ بأنها كانت صبيحة ليلة فرض الصَّلاة، واعترض عليه باحتمال أنَّ الوجوب عليه كان معلَّقًا بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلَّا بعد تلك الصَّلاة.
وفيه جواز البنيان، ولكن ينبغي الاقتصاد فيه، ألا ترى أنَّ جدار الحجرة كان قصيرًا؟! قال الحسن: كنت أدخل في بيوت النَّبِيِّ ﷺ وأنا محتلم وأنا أسقفها بيدي.
وفيه ما استدلَّ به من يرى بجواز الائتمام بمن يأتم بغيره، والجواب عنه: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان مُبَلِّغًا فقط كما في قصَّة أبي بكر في صلاته خلف النَّبِيِّ ﷺ وصلاة النَّاس خلفه، وسيأتي مزيد الكلام فيه في أبواب الإمامة.
وفيه فضيلة عُمَر بن عبد العزيز، وفيه ما قال ابن بطَّال: فيه دليل على ضعف الحديث الوارد: ((أنَّ جبريلَ ﵇ أمَّ بالنَّبِيِّ ﷺ في يومَين لوقتَين مختَلفين لكُلِّ صلاةٍ)) قال: لأنَّه لو كان صحيحًا لم ينكر عُرْوَة على عُمَر صلاتَه في آخر الوقت محتجًّا بصلاة جبريل، مع أنَّ جبريل قد صلَّى في اليوم الثَّاني في آخر الوقت وقال: ((الوقتُ ما بينَ هَذَين)) وأجيب عن هذا: بأنه يحتمل أن تكون صلاة عُمَر كانت خرجت عن وقت الاختيار، وهو مصير ظلِّ الشيء مثله، لا عن وقت الجواز وهو مغيب الشَّمس، فحينئذ يتَّجه إنكارُ عُرْوَةَ، ولا يلزم منه ضعف الحديث، أو يكون إنكار عُرْوَة لأجل مخالفة عُمَر ما واظب عليه النَّبِيُّ ﷺ وهو الصَّلاة في أوَّل الوقت، ورأى أنَّ الصَّلاة بعد ذلك إنَّما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضًا، وفي قوله: (مَا وَاظَبَ عَليْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهوَ الصَّلاة فِي أَوَّلِ الوَقْتِ) نظر لا يخفى قاله العَيني، وقال ابن المنيِّر: قد يتعلق به من يُجَوِّز صلاة مفترض بفرض خلف مفترض بفرض آخر. قال شيخنا: كذا قال، وهو مسلَّم له في صورة المؤدَّاة مثلًا خلف المؤدَّاة، لا في صورة الظهر خلف العصر مثلًا. انتهى.
وفيه قبول خبر الواحد المثبِت، واستدلَّ عياض على جواز الاحتجاج بمرسَل الثقة؛ لصنع عُرْوَة حين احتجَّ على عمر، وإنما راجعه عُمَر ليثبته فيه لا لكونه لم يرضَ به مرسَلًا، فإن قلت: ذكرُ حديث عائشة بعد ذكر حديث أبي مسعود ما وجهه؟ قال العَيني: لأن عُرْوَة احتجَّ بحديث عائشة في كونه ﵇ كان يصلِّي العصر في أوَّل الوقت، وحديث أبي مسعود يشعر بأنَّ أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل ﵇.
قال العَيني: فإن قلت: ما معنى قولها: (قَبلَ أَنْ تَظهَرَ) والشمسُ ظاهرة على كلِّ شيء من أوَّل طلوعها إلى غروبها؟ قلت: إنَّها أرادت: والفيء في حجرتها قبل أن تعلو على البيوت، فكَنَّتْ بالشمس عن الفيء؛ لأن الفيء عن الشَّمس كما سُمِّي المطر سماء لأنَّه من السَّماء ينزل، ألا ترى جاء في رواية:
стр. 72
((لم يَظهَرِ الفَيءُ مِن حُجرَتِها))، وفي لفظ: ((وَالشَّمسُ طالِعَةٌ في حُجرَتي)) فافهم.
قال شيخنا: زاد عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» عن الزُّهْري في هذه القصة، قال: فلم يزل عُمَر يُعَلِّمُ الصَّلاة بعلامة حتَّى فارق الدنيا. ورواه أبو الشيخ في كتاب «المواقيت» له من طريق الوليد عن الأوزاعي عن الزُّهْري قال: ما زال عُمَر بن عبد العزير يتعلم مواقيت الصَّلاة حتَّى مات. ومن طريق إسماعيل بن حكيم: أنَّ عُمَر بن عبد العزير جعل ساعاتٍ ينقضين مع غروب الشمس. زاد من طريق ابن إِسْحاق عن الزهري: فما أخَّرها حتَّى مات. وكلُّه يدل على أنَّ عُمَر لم يكن يحتاط في الأوقات كثير احتياط إلَّا بعد أن حدَّثه عُرْوَة بالحديث المذكور، والله أعلم.
تنبيه: ورد في هذه القصَّة من وجه آخر عن الزُّهْري بيانُ أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يرفع الإشكال، ويوضح توجيه احتجاج عُرْوَة بالحديث، فروى أبو داود وغيره وصحَّحه ابن خُزَيمَة وغيره من طريق ابن وَهْب، والطَّبَراني من طريق يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن أسامة بن زيد عن الزُّهْري هذا الحديث بإسناده وزاد في آخره: قال ابن مسعود: ((فرأيت رسول الله ﷺ يصلِّي الظهر حين تزول الشَّمس)) فذكر الحديث. وذكر أبو داود أنَّ أسامة بن زيد تفرَّد بتفسير الأوقات فيه، وأنَّ أصحاب الزُّهْري لم يذكروا ذلك. قال: وكذا رواه هشام بن عُرْوَة وحبيب بن أبي مرزوق عن عُرْوَة لم يذكرا تفسيرًا. انتهى. ورواية هشام أخرجها سعيد بن مَنْصور في «سُنَنِهِ»، وقد وجدت ما يعضد رواية أسامةَ ويزيدُ عليها أنَّ البيان من فعل جبريل، وذلك فيما رواه البَاغَنْدي في «مسند عُمَر بن عبد العزيز» والبَيْهَقي في «السُّنَن الكبرى» من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن حزم إنَّه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعًا، لكن رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي بكر عن عروة، فرجع الحديث إلى عُرْوَة ووضح إنَّه له أصلًا، وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصارًا، وبذلك جزم ابن عبد البرِّ، وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفي الزيادة المذكورة، فلا توصف والحالة هذه بالشذوذ. وقد روى سعيد بن مَنْصور من طريق طَلْق بن حبيب مرسلًا قال: ((إن الرجلَ ليُصلِّي الصَّلاة وفاتَته، ولَمَا فاتَه من وقتِها خيرٌ له مِن أهلِه ومالِه)) ورواه أيضًا عن ابن عُمَر من قوله، ويؤيِّد ذلك احتجاج عُرْوَة بحديث عائشة في كونه ﷺ كان يصلِّي العصر والشَّمس في حجرتها، وهي الصَّلاة الَّتي وَقَعَ الإنكار بسببها. انتهى.
(٢) (بابُ ﴿مُنِيْبِيْنَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوْهُ وَأَقِيْمُوا الصَّلاة وَلَا تَكُوْنُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]) أي هذا باب. فبابٌ بالتنوين خبر مبتدأ محذوف، وهكذا هو في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره: بابُ قوله تعالى بالإضافة، ثمَّ الكلام في هذه الآية على أنواع:
الأوَّل: أنَّ هذه الآية الكريمة من سورة الروم، وقبلها قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلْدِّيْنِ حَنِيْفًا فِطْرَتَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] الآية.
الثاني: في معناها وإعرابها، فقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلْدِّيْنِ﴾ [الروم: ٣٠] أي قوِّم وجهك له غير ملتفتٍ يمينًا وشمالًا، قاله الزمخشري، وعن الضَّحَّاك والكلبي: أي أقم عملك.
قوله: (حَنِيْفًا) أي مسلمًا، قاله الضحَّاك، وقيل:
стр. 73
مخلصًا، وانتصابه على الحال من الدين.
قوله: (فِطْرَتَ اللهِ) أي وعليكم فطرةَ الله، أي الزموا فطرة الله وهي الإسلام، وقيل: عهد الله في الميثاق.
قلت: الفطرة تطلق على الإسلام، وتطلق على أصل الخِلقة، فمن المعنى الأوَّل قوله ﵇: ((كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ حتَّى يكونَ أبواهُ يهوِّدانهِ وينصِّرانهِ ويمجِّسانِه))، وقول جبريل ﵇ للنَّبيِّ ﷺ ليلة الإسراء لما أخذ اللبن: ((هِيَ الفِطرةُ الَّتي أَنتَ عَلَيها)) أي دين الإسلام، ومن المعنى الثاني: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَواتِ وَالأَرضِ﴾ [الأنعام: ١٤]. انتهى.
قوله: (﴿مُنِيْبِيْنَ﴾) نصب على الحال من المقدر وهو: الزموا فطرة الله، معناه: منقلبين، واشتقاقه من: ناب ينوب إذا رجع، وعن قَتَادَة معناه: تائبين، وعن ابن زيد معناه: مطيعين، والإنابة: الانقطاع إلى الله تعالى بالإنابة، أي الرجوع عن كلِّ شيء.
الثالث: في بيان وجه عطف قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] هو الإعلام بأن الصَّلاة من جملة ما يستقيم به الإيمان؛ لأنَّها عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، قال شيخنا: وهذه الآية مما استدلَّ به من يرى بتكفير تارك الصلاة؛ لما يقتضيه مفهومها. وأجيب بأن المراد: أنَّ ترك الصَّلاة من أفعال المشركين، فورد النَّهي عن التشبُّه بهم، لا أن من وافقهم في الترك صار مشركًا، وهي من أعظم ما ورد في القرآن في فضل الصلاة. انتهى.
٥٢٣ - قوله: (حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ) ابن سعيد الأنصاري، ترجمته في باب السَّلام من الإسلام.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، وَهُوَ ابنُ عَبَّادٍ) أي المهلَّبي البصري، وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، قلت: قال الذهبي في «الكاشف» : عبَّاد بن عبَّاد بن حبيب بن المُهَلَّب المهلَّبي أبو معاوية عن أبي جمرة ويونس بن خباب، وعنه أحمد ومسدَّد وابن عرفة وخلق، ثقة، قال أبو حاتم: لا يحتجُّ به، مات سنة إحدى وثمانين. وقال شيخنا في «المقدِّمة» : وثَّقه ابن معين وأبو داود والنَّسائي والعجلي وغيرهم، وقال أبو حاتم: لا يحتجُّ بحديثه، وقال ابن سعد: كان ثقة وربَّما غلط، وقال مرَّةً: ليس بالقوي، قلت: ليس له في البخاري سوى حديثين، أحدهما في الصَّلاة عن أبي جمرة عن ابن عبَّاس من حديث وفد عبد القيس بمتابعة شُعْبَة وغيرِه، والثاني في الاعتصام عن عاصم الأحول بمتابعة إسماعيل بن زكريا، واحتجَّ به الباقون.
قوله: (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) أي بالجيم والراء، واسمه نصر بن عِمْران.
قوله: (عَنِ ابنِ عبَّاس ﵄ في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول، وفيه: (وَهُوَ ابنُ عَبَّادٍ)، كذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ بالواو، وفي رواية غيره: <عبَّاد هو ابن عبَّاد> بدون الواو، وفيه من وافق اسمه اسم أبيه كما نبَّهنا عليه، وفيه إنَّه من رباعيات البخاري، وفيه أنَّ رواته ما بين بَغْلاني - وبَغْلان من بلخ - وهو قُتَيْبَة، وبصري وهو عبَّاد وأبو جمرة.
قوله: (قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ قَالُوا: إِنَّا هَذَا الحَيَّ مِنْ رَبيْعَةَ، وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيءٍ نَأخُذُهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِليهِ مَنْ وَرَاءَنَا، فَقَالَ: آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمُ عَنْ أَربَعٍ: الإِيمانِ بِاللهِ - ثمَّ فَسَّرَهَا لهُمْ - شَهَادَةُ ألَّا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُوْلُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيْتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَن تُؤَدُّوا إِليَّ خُمُسَ
стр. 74
مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَم ِوَالنَّقِيْرِ والمُقَيَّرِ).
مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إنَّ في الآية المذكورة اقتران نفي الشرك بإقامة الصَّلاة، وفي الحديث اقتران إثبات التوحيد بإقامتها، فإن قلت: كيف المناسبة بين النَّفي والإثبات؟ قال العَيني: من جهة التضاد؛ لأنَّ ذِكْرَ أحد المتضادين في مقابلة الآخر يعدُّ مناسبة من هذه الجهة.
قال العَيني: هذا الحديث قد أمعنا الكلام فيه في باب أداء الخمس من الإيمان؛ لأنَّ هذا الحديث ذكر فيه، لكنَّه رواه هناك عن علي بن الجعد عن شُعْبَة عن أبي جمرة، قال: كنت أقعد مع ابن عبَّاس فيجلسني على سريره، فقال: أقم عندي حتَّى أجعل لك سهمًا من مالي، فأقمت معه شهرين، ثمَّ قال: ((إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ)) الحديث، وقد ذكرنا هناك: إنَّه أخرج هذا الحديث في عشرة مواضع، وذكرنا أيضًا من أخرجه.
قوله: (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ)، الوفد: قوم يجتمعون فيردُّون البلاد، وقال القاضي: هم القوم يأتون الملك ركابًا، وهو اسم الجمع، وقيل: الجمع، وعبد القيس أبو قبيلة، وهو ابن أفصى - بالفاء - ابن دُعمى -بالضمِّ- ابن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
قوله: (إِنَّا هَذَا الحَيَّ) بالنَّصب على الاختصاص.
قوله: (مِنْ رَبِيْعَةَ) خبر، لأنَّ ربيعة هو ابن نزار بن معد بن عدنان، وإنَّما قالوا: ربيعة؛ لأنَّ عبد القيس من أولاده.
قوله: (إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ) المراد به الجنس، فيتناول الأشهر الحرم الأربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم. قلت: وفي أوَّل الأشهر الحرم خلاف، وتظهر فائدته فيما لو نذر أن يصوم أوَّل الحرم، أو يؤجِّل المال إلى آخرها ونحو ذلك. انتهى.
قوله: (نَأخُذُهُ) بالرَّفع على أنَّه استئناف، وليس جوابًا للأمر بقرينة عطف (نَدْعُوا) عليه مرفوعًا.
قوله: (مَنْ وَرَاءَنَا) في محلِّ النَّصب على أنَّه مفعول ندعوا.
قوله: (ثُمَّ فَسَّرَهَا) إنَّما أنَّث الضَّمير نظرًا إلى أنَّ المراد من الإيمان الشَّهادة وإلى إنَّه خصلة؛ إذ التقدير: آمركم بأربع خصال، فإن قلت: لم يذكر الصَّوم ههنا، مع إنَّه ذكر في باب أداء الخمس من الإيمان حيث قال: ((وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيَتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ)) والحال أنَّ الصَّوم كان واجبًا حينئذ؛ لأنَّ وفادتهم كانت عام الفتح، وإيجاب الصَّوم في السنة الثانية من الهجرة، قال ابن الصلاح: وأما عدم ذكر الصَّوم فيه فهو إغفال من الراوي، وليس من الاختلاف الصادر عن رسول الله ﷺ .
قوله: (الدُّبَّاءِ) -بضمِّ الدال المهملة وتشديد الباء الموحَّدة وبالمدِّ وقد يقصر، وقد تُكسر الدَّال- وهو اليقطين اليابس، وهو جمع والواحدة دباءة، ومَن قَصَر قال: دُباة.
و (الحَنْتَمِ) -بفتح الحاء المهملة وسكون النُّون وفتح التَّاء المُثَنَّاة من فوق- وهي الجِرار الخضر تَضرب الى الحُمرة، و (النَّقِيْرِ) -بفتح النُّون وكسر القاف- وهو جذع ينقر وسطُه ويُنبذ فيه، و (المُقَيَّرِ) -بضمِّ الميم وفتح القاف وتشديد الياء آخر الحروف- وهو المطلي بالقارِ وهو الزفت، وفي باب أداء الخمس من الإيمان: ((الحَنْتَم والدّبَاء والنَّقِيْر والمُزَفَّت)) وربما قال: ((المُقَيَّرِ)).
فإن قلت: ما مناسبة نهيه ﵇ عن الظروف المذكورة، وأمرِه بأداء الخمس بمقارنة أمره بالإيمان وما ذكره معه؟ قال العَيني: كان هذا الوفد يكثرون الانتباذ في الظُّروف المذكورة، فعرفهم ما يهمُّهم ويُخشى منهم مواقعته، وكذلك كان يخاف منهم الغلول في الفيء فلذلك نصَّ عليه. انتهى.
قلت: وفيه مناسبة
стр. 75
أخرى، فإنَّ الحقوق قد تتعلَّق بالله، وقد تتعلَّق بنفس العبد، وقد تتعلَّق بغيره من العباد، فأرشدهم بهذه الأمور إلى القيام بحقِّ الله وبحق النفس وبحقِّ الإخوان، فالإيمان من حقوق الله، وترك الانتباذ من حقوق النَّفس؛ فإنَّ الإنسان إذا انتبذ شرب فسكر فزال حكم عقله فصار كالبهائم الَّتي لا تعقل، وحقُّ الإخوان بإعطاء ما يستحقُّونه. انتهى.
(٣) (بَابُ البَيْعَةِ عَلَى إِقامَةِ الصَّلَاةِ) أي هذا باب في بيان البيعة على إقامة الصَّلاة.
وقوله: (إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) بالتَّاء رواية كريمة، وفي روايةٍ غيرها: <بابُ البيعةِ على إقامِ الصَّلاةِ>، بدون التَّاء وهو الأصل.
والبيعة: المبايعة على الإسلام، وقال ابن الأثير: البيعة عبارة عن المعاقدة على الإسلام والمعاهدة، كأنَّ كلَّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة أمره.
قال شيخنا: وكان ﷺ أوَّل ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة؛ لأنَّها رأس العبادات البدنية، ثمَّ أداء الزكاة؛ لأنَّها رأس العبادات المالية، ثمَّ يُعلِّم كلَّ قوم ما حاجتهم إليه أمسُّ، فبايع جريرًا على النصيحة؛ لأنَّه كان سيَّد قومه، فأرشده إلى تعليمهم بأمره بالنصيحة لهم، وبايع وفدَ عبد القيس على أداء الخُمُس؛ لكونهم كانوا أهلَّ محاربة مع من يليهم من كفَّار مُضر. انتهى.
٥٢٤ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى) أي بفتح النُّون المشدَّدة.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ) أي ابن خالد.
قوله: (قَيْسٌ) أي ابن أبي حازم -بالحاء المهملة والزاي- (١).
قوله: (عَنْ جَرِيْرِ بنِ عَبدِ اللهِ قالَ: بَايَعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَام ِالصَّلَاةِ، وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ).
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث يشمل ثلاثة أشياء، والترجمة على الجزء الأوَّل منها.
وهذا الحديث بعينه مع هذا الإسناد غير محمَّد بن المثنَّى قد مضى في باب قول النَّبِيِّ ﷺ : ((الدَّيْنُ النَّصِيْحَةُ للهِ وَلِرَسُوْلِهِ)) في آخر كتاب الإيمان، ورواه هناك عن مُسَدَّد عن يحيى، وقد ذكرنا ثمَّ ما يتعلَّق بلطائف الإسناد ومعنى الحديث وغير ذلك مُستوفىً مستقصىً.
(٤) (بَابٌ الصَّلاة كَفَّارَةٌ) أي هذا باب يذكر فيه الصَّلاة كفارةٌ، هكذا الصَّلاة كفارة في أكثر الرِّوايات، وفي رواية المُسْتَمْلي: باب تكفير الصَّلاة.
قال العَيني: الكفَّارة عبارة عن الفِعلة والخصلة الَّتي من شأنها أن تكفِّر الخطيئة، أي تسترها وتمحوها، وهي على وزن فَعَّالة بالتشديد للمبالغة كقتّالة وضرّابة، وهي من الصفات الغالبة في باب الاسميَّة، واشتقاقها من الكَفر -بالفتح- وهو تغطية الشَّيء بالاستهلاك، والتكفير مصدر من كفَّر بالتشديد.
٥٢٥ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد.
قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحيَى) أي القطَّان.
قوله: (عَنِ الأَعْمَشِ) أي سُلَيمان.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيْقٌ) أي ابن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي.
قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ) أي ابن اليمان ﵁.
في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في الموضعين، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه: <حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ> رواية المُسْتَمْلي، وفي رواية غيره: <سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ>، وفيه