← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 523

مزيد فتح الباري بشرح البخاري - مخطوط

إبراهيم بن علي النعماني

Полный текст (565 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

خلف المتنفِّل من جهة أنَّ الملائكة ليسوا مكلَّفين بمثل ما كلِّف به الإنس، قال العَيني: هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنَّ جبريل كان مكلَّفًا بتبليغ تلك الصَّلوات ولم يكن متنفِّلًا، فتكون صلاةَ مفترضٍ خلف مفترض. وقال عياض: يحتمل ألَّا تكون تلك الصَّلاة كانت واجبة على النَّبِيِّ ﷺ حينئذ، ورُدَّ بأنها كانت صبيحة ليلة فرض الصَّلاة، واعترض عليه باحتمال أنَّ الوجوب عليه كان معلَّقًا بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلَّا بعد تلك الصَّلاة. وفيه جواز البنيان، ولكن ينبغي الاقتصاد فيه، ألا ترى أنَّ جدار الحجرة كان قصيرًا؟! قال الحسن: كنت أدخل في بيوت النَّبِيِّ ﷺ وأنا محتلم وأنا أسقفها بيدي. وفيه ما استدلَّ به من يرى بجواز الائتمام بمن يأتم بغيره، والجواب عنه: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان مُبَلِّغًا فقط كما في قصَّة أبي بكر في صلاته خلف النَّبِيِّ ﷺ وصلاة النَّاس خلفه، وسيأتي مزيد الكلام فيه في أبواب الإمامة. وفيه فضيلة عُمَر بن عبد العزيز، وفيه ما قال ابن بطَّال: فيه دليل على ضعف الحديث الوارد: ((أنَّ جبريلَ ﵇ أمَّ بالنَّبِيِّ ﷺ في يومَين لوقتَين مختَلفين لكُلِّ صلاةٍ)) قال: لأنَّه لو كان صحيحًا لم ينكر عُرْوَة على عُمَر صلاتَه في آخر الوقت محتجًّا بصلاة جبريل، مع أنَّ جبريل قد صلَّى في اليوم الثَّاني في آخر الوقت وقال: ((الوقتُ ما بينَ هَذَين)) وأجيب عن هذا: بأنه يحتمل أن تكون صلاة عُمَر كانت خرجت عن وقت الاختيار، وهو مصير ظلِّ الشيء مثله، لا عن وقت الجواز وهو مغيب الشَّمس، فحينئذ يتَّجه إنكارُ عُرْوَةَ، ولا يلزم منه ضعف الحديث، أو يكون إنكار عُرْوَة لأجل مخالفة عُمَر ما واظب عليه النَّبِيُّ ﷺ وهو الصَّلاة في أوَّل الوقت، ورأى أنَّ الصَّلاة بعد ذلك إنَّما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضًا، وفي قوله: (مَا وَاظَبَ عَليْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهوَ الصَّلاة فِي أَوَّلِ الوَقْتِ) نظر لا يخفى قاله العَيني، وقال ابن المنيِّر: قد يتعلق به من يُجَوِّز صلاة مفترض بفرض خلف مفترض بفرض آخر. قال شيخنا: كذا قال، وهو مسلَّم له في صورة المؤدَّاة مثلًا خلف المؤدَّاة، لا في صورة الظهر خلف العصر مثلًا. انتهى. وفيه قبول خبر الواحد المثبِت، واستدلَّ عياض على جواز الاحتجاج بمرسَل الثقة؛ لصنع عُرْوَة حين احتجَّ على عمر، وإنما راجعه عُمَر ليثبته فيه لا لكونه لم يرضَ به مرسَلًا، فإن قلت: ذكرُ حديث عائشة بعد ذكر حديث أبي مسعود ما وجهه؟ قال العَيني: لأن عُرْوَة احتجَّ بحديث عائشة في كونه ﵇ كان يصلِّي العصر في أوَّل الوقت، وحديث أبي مسعود يشعر بأنَّ أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل ﵇. قال العَيني: فإن قلت: ما معنى قولها: (قَبلَ أَنْ تَظهَرَ) والشمسُ ظاهرة على كلِّ شيء من أوَّل طلوعها إلى غروبها؟ قلت: إنَّها أرادت: والفيء في حجرتها قبل أن تعلو على البيوت، فكَنَّتْ بالشمس عن الفيء؛ لأن الفيء عن الشَّمس كما سُمِّي المطر سماء لأنَّه من السَّماء ينزل، ألا ترى جاء في رواية:

стр. 72

((لم يَظهَرِ الفَيءُ مِن حُجرَتِها))، وفي لفظ: ((وَالشَّمسُ طالِعَةٌ في حُجرَتي)) فافهم. قال شيخنا: زاد عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» عن الزُّهْري في هذه القصة، قال: فلم يزل عُمَر يُعَلِّمُ الصَّلاة بعلامة حتَّى فارق الدنيا. ورواه أبو الشيخ في كتاب «المواقيت» له من طريق الوليد عن الأوزاعي عن الزُّهْري قال: ما زال عُمَر بن عبد العزير يتعلم مواقيت الصَّلاة حتَّى مات. ومن طريق إسماعيل بن حكيم: أنَّ عُمَر بن عبد العزير جعل ساعاتٍ ينقضين مع غروب الشمس. زاد من طريق ابن إِسْحاق عن الزهري: فما أخَّرها حتَّى مات. وكلُّه يدل على أنَّ عُمَر لم يكن يحتاط في الأوقات كثير احتياط إلَّا بعد أن حدَّثه عُرْوَة بالحديث المذكور، والله أعلم. تنبيه: ورد في هذه القصَّة من وجه آخر عن الزُّهْري بيانُ أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يرفع الإشكال، ويوضح توجيه احتجاج عُرْوَة بالحديث، فروى أبو داود وغيره وصحَّحه ابن خُزَيمَة وغيره من طريق ابن وَهْب، والطَّبَراني من طريق يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن أسامة بن زيد عن الزُّهْري هذا الحديث بإسناده وزاد في آخره: قال ابن مسعود: ((فرأيت رسول الله ﷺ يصلِّي الظهر حين تزول الشَّمس)) فذكر الحديث. وذكر أبو داود أنَّ أسامة بن زيد تفرَّد بتفسير الأوقات فيه، وأنَّ أصحاب الزُّهْري لم يذكروا ذلك. قال: وكذا رواه هشام بن عُرْوَة وحبيب بن أبي مرزوق عن عُرْوَة لم يذكرا تفسيرًا. انتهى. ورواية هشام أخرجها سعيد بن مَنْصور في «سُنَنِهِ»، وقد وجدت ما يعضد رواية أسامةَ ويزيدُ عليها أنَّ البيان من فعل جبريل، وذلك فيما رواه البَاغَنْدي في «مسند عُمَر بن عبد العزيز» والبَيْهَقي في «السُّنَن الكبرى» من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن حزم إنَّه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعًا، لكن رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي بكر عن عروة، فرجع الحديث إلى عُرْوَة ووضح إنَّه له أصلًا، وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصارًا، وبذلك جزم ابن عبد البرِّ، وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفي الزيادة المذكورة، فلا توصف والحالة هذه بالشذوذ. وقد روى سعيد بن مَنْصور من طريق طَلْق بن حبيب مرسلًا قال: ((إن الرجلَ ليُصلِّي الصَّلاة وفاتَته، ولَمَا فاتَه من وقتِها خيرٌ له مِن أهلِه ومالِه)) ورواه أيضًا عن ابن عُمَر من قوله، ويؤيِّد ذلك احتجاج عُرْوَة بحديث عائشة في كونه ﷺ كان يصلِّي العصر والشَّمس في حجرتها، وهي الصَّلاة الَّتي وَقَعَ الإنكار بسببها. انتهى. (٢) (بابُ ﴿مُنِيْبِيْنَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوْهُ وَأَقِيْمُوا الصَّلاة وَلَا تَكُوْنُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]) أي هذا باب. فبابٌ بالتنوين خبر مبتدأ محذوف، وهكذا هو في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره: بابُ قوله تعالى بالإضافة، ثمَّ الكلام في هذه الآية على أنواع: الأوَّل: أنَّ هذه الآية الكريمة من سورة الروم، وقبلها قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلْدِّيْنِ حَنِيْفًا فِطْرَتَ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠] الآية. الثاني: في معناها وإعرابها، فقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلْدِّيْنِ﴾ [الروم: ٣٠] أي قوِّم وجهك له غير ملتفتٍ يمينًا وشمالًا، قاله الزمخشري، وعن الضَّحَّاك والكلبي: أي أقم عملك. قوله: (حَنِيْفًا) أي مسلمًا، قاله الضحَّاك، وقيل:

стр. 73

مخلصًا، وانتصابه على الحال من الدين. قوله: (فِطْرَتَ اللهِ) أي وعليكم فطرةَ الله، أي الزموا فطرة الله وهي الإسلام، وقيل: عهد الله في الميثاق. قلت: الفطرة تطلق على الإسلام، وتطلق على أصل الخِلقة، فمن المعنى الأوَّل قوله ﵇: ((كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ حتَّى يكونَ أبواهُ يهوِّدانهِ وينصِّرانهِ ويمجِّسانِه))، وقول جبريل ﵇ للنَّبيِّ ﷺ ليلة الإسراء لما أخذ اللبن: ((هِيَ الفِطرةُ الَّتي أَنتَ عَلَيها)) أي دين الإسلام، ومن المعنى الثاني: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَواتِ وَالأَرضِ﴾ [الأنعام: ١٤]. انتهى. قوله: (﴿مُنِيْبِيْنَ﴾) نصب على الحال من المقدر وهو: الزموا فطرة الله، معناه: منقلبين، واشتقاقه من: ناب ينوب إذا رجع، وعن قَتَادَة معناه: تائبين، وعن ابن زيد معناه: مطيعين، والإنابة: الانقطاع إلى الله تعالى بالإنابة، أي الرجوع عن كلِّ شيء. الثالث: في بيان وجه عطف قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] هو الإعلام بأن الصَّلاة من جملة ما يستقيم به الإيمان؛ لأنَّها عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، قال شيخنا: وهذه الآية مما استدلَّ به من يرى بتكفير تارك الصلاة؛ لما يقتضيه مفهومها. وأجيب بأن المراد: أنَّ ترك الصَّلاة من أفعال المشركين، فورد النَّهي عن التشبُّه بهم، لا أن من وافقهم في الترك صار مشركًا، وهي من أعظم ما ورد في القرآن في فضل الصلاة. انتهى. ٥٢٣ - قوله: (حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ) ابن سعيد الأنصاري، ترجمته في باب السَّلام من الإسلام. (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، وَهُوَ ابنُ عَبَّادٍ) أي المهلَّبي البصري، وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، قلت: قال الذهبي في «الكاشف» : عبَّاد بن عبَّاد بن حبيب بن المُهَلَّب المهلَّبي أبو معاوية عن أبي جمرة ويونس بن خباب، وعنه أحمد ومسدَّد وابن عرفة وخلق، ثقة، قال أبو حاتم: لا يحتجُّ به، مات سنة إحدى وثمانين. وقال شيخنا في «المقدِّمة» : وثَّقه ابن معين وأبو داود والنَّسائي والعجلي وغيرهم، وقال أبو حاتم: لا يحتجُّ بحديثه، وقال ابن سعد: كان ثقة وربَّما غلط، وقال مرَّةً: ليس بالقوي، قلت: ليس له في البخاري سوى حديثين، أحدهما في الصَّلاة عن أبي جمرة عن ابن عبَّاس من حديث وفد عبد القيس بمتابعة شُعْبَة وغيرِه، والثاني في الاعتصام عن عاصم الأحول بمتابعة إسماعيل بن زكريا، واحتجَّ به الباقون. قوله: (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) أي بالجيم والراء، واسمه نصر بن عِمْران. قوله: (عَنِ ابنِ عبَّاس ﵄ في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول، وفيه: (وَهُوَ ابنُ عَبَّادٍ)، كذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ بالواو، وفي رواية غيره: <عبَّاد هو ابن عبَّاد> بدون الواو، وفيه من وافق اسمه اسم أبيه كما نبَّهنا عليه، وفيه إنَّه من رباعيات البخاري، وفيه أنَّ رواته ما بين بَغْلاني - وبَغْلان من بلخ - وهو قُتَيْبَة، وبصري وهو عبَّاد وأبو جمرة. قوله: (قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ قَالُوا: إِنَّا هَذَا الحَيَّ مِنْ رَبيْعَةَ، وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيءٍ نَأخُذُهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِليهِ مَنْ وَرَاءَنَا، فَقَالَ: آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمُ عَنْ أَربَعٍ: الإِيمانِ بِاللهِ - ثمَّ فَسَّرَهَا لهُمْ - شَهَادَةُ ألَّا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُوْلُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيْتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَن تُؤَدُّوا إِليَّ خُمُسَ

стр. 74

مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَم ِوَالنَّقِيْرِ والمُقَيَّرِ). مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إنَّ في الآية المذكورة اقتران نفي الشرك بإقامة الصَّلاة، وفي الحديث اقتران إثبات التوحيد بإقامتها، فإن قلت: كيف المناسبة بين النَّفي والإثبات؟ قال العَيني: من جهة التضاد؛ لأنَّ ذِكْرَ أحد المتضادين في مقابلة الآخر يعدُّ مناسبة من هذه الجهة. قال العَيني: هذا الحديث قد أمعنا الكلام فيه في باب أداء الخمس من الإيمان؛ لأنَّ هذا الحديث ذكر فيه، لكنَّه رواه هناك عن علي بن الجعد عن شُعْبَة عن أبي جمرة، قال: كنت أقعد مع ابن عبَّاس فيجلسني على سريره، فقال: أقم عندي حتَّى أجعل لك سهمًا من مالي، فأقمت معه شهرين، ثمَّ قال: ((إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ)) الحديث، وقد ذكرنا هناك: إنَّه أخرج هذا الحديث في عشرة مواضع، وذكرنا أيضًا من أخرجه. قوله: (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ)، الوفد: قوم يجتمعون فيردُّون البلاد، وقال القاضي: هم القوم يأتون الملك ركابًا، وهو اسم الجمع، وقيل: الجمع، وعبد القيس أبو قبيلة، وهو ابن أفصى - بالفاء - ابن دُعمى -بالضمِّ- ابن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. قوله: (إِنَّا هَذَا الحَيَّ) بالنَّصب على الاختصاص. قوله: (مِنْ رَبِيْعَةَ) خبر، لأنَّ ربيعة هو ابن نزار بن معد بن عدنان، وإنَّما قالوا: ربيعة؛ لأنَّ عبد القيس من أولاده. قوله: (إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ) المراد به الجنس، فيتناول الأشهر الحرم الأربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم. قلت: وفي أوَّل الأشهر الحرم خلاف، وتظهر فائدته فيما لو نذر أن يصوم أوَّل الحرم، أو يؤجِّل المال إلى آخرها ونحو ذلك. انتهى. قوله: (نَأخُذُهُ) بالرَّفع على أنَّه استئناف، وليس جوابًا للأمر بقرينة عطف (نَدْعُوا) عليه مرفوعًا. قوله: (مَنْ وَرَاءَنَا) في محلِّ النَّصب على أنَّه مفعول ندعوا. قوله: (ثُمَّ فَسَّرَهَا) إنَّما أنَّث الضَّمير نظرًا إلى أنَّ المراد من الإيمان الشَّهادة وإلى إنَّه خصلة؛ إذ التقدير: آمركم بأربع خصال، فإن قلت: لم يذكر الصَّوم ههنا، مع إنَّه ذكر في باب أداء الخمس من الإيمان حيث قال: ((وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيَتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ)) والحال أنَّ الصَّوم كان واجبًا حينئذ؛ لأنَّ وفادتهم كانت عام الفتح، وإيجاب الصَّوم في السنة الثانية من الهجرة، قال ابن الصلاح: وأما عدم ذكر الصَّوم فيه فهو إغفال من الراوي، وليس من الاختلاف الصادر عن رسول الله ﷺ . قوله: (الدُّبَّاءِ) -بضمِّ الدال المهملة وتشديد الباء الموحَّدة وبالمدِّ وقد يقصر، وقد تُكسر الدَّال- وهو اليقطين اليابس، وهو جمع والواحدة دباءة، ومَن قَصَر قال: دُباة. و (الحَنْتَمِ) -بفتح الحاء المهملة وسكون النُّون وفتح التَّاء المُثَنَّاة من فوق- وهي الجِرار الخضر تَضرب الى الحُمرة، و (النَّقِيْرِ) -بفتح النُّون وكسر القاف- وهو جذع ينقر وسطُه ويُنبذ فيه، و (المُقَيَّرِ) -بضمِّ الميم وفتح القاف وتشديد الياء آخر الحروف- وهو المطلي بالقارِ وهو الزفت، وفي باب أداء الخمس من الإيمان: ((الحَنْتَم والدّبَاء والنَّقِيْر والمُزَفَّت)) وربما قال: ((المُقَيَّرِ)). فإن قلت: ما مناسبة نهيه ﵇ عن الظروف المذكورة، وأمرِه بأداء الخمس بمقارنة أمره بالإيمان وما ذكره معه؟ قال العَيني: كان هذا الوفد يكثرون الانتباذ في الظُّروف المذكورة، فعرفهم ما يهمُّهم ويُخشى منهم مواقعته، وكذلك كان يخاف منهم الغلول في الفيء فلذلك نصَّ عليه. انتهى. قلت: وفيه مناسبة

стр. 75

أخرى، فإنَّ الحقوق قد تتعلَّق بالله، وقد تتعلَّق بنفس العبد، وقد تتعلَّق بغيره من العباد، فأرشدهم بهذه الأمور إلى القيام بحقِّ الله وبحق النفس وبحقِّ الإخوان، فالإيمان من حقوق الله، وترك الانتباذ من حقوق النَّفس؛ فإنَّ الإنسان إذا انتبذ شرب فسكر فزال حكم عقله فصار كالبهائم الَّتي لا تعقل، وحقُّ الإخوان بإعطاء ما يستحقُّونه. انتهى. (٣) (بَابُ البَيْعَةِ عَلَى إِقامَةِ الصَّلَاةِ) أي هذا باب في بيان البيعة على إقامة الصَّلاة. وقوله: (إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) بالتَّاء رواية كريمة، وفي روايةٍ غيرها: <بابُ البيعةِ على إقامِ الصَّلاةِ>، بدون التَّاء وهو الأصل. والبيعة: المبايعة على الإسلام، وقال ابن الأثير: البيعة عبارة عن المعاقدة على الإسلام والمعاهدة، كأنَّ كلَّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة أمره. قال شيخنا: وكان ﷺ أوَّل ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة؛ لأنَّها رأس العبادات البدنية، ثمَّ أداء الزكاة؛ لأنَّها رأس العبادات المالية، ثمَّ يُعلِّم كلَّ قوم ما حاجتهم إليه أمسُّ، فبايع جريرًا على النصيحة؛ لأنَّه كان سيَّد قومه، فأرشده إلى تعليمهم بأمره بالنصيحة لهم، وبايع وفدَ عبد القيس على أداء الخُمُس؛ لكونهم كانوا أهلَّ محاربة مع من يليهم من كفَّار مُضر. انتهى. ٥٢٤ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى) أي بفتح النُّون المشدَّدة. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطَّان. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ) أي ابن خالد. قوله: (قَيْسٌ) أي ابن أبي حازم -بالحاء المهملة والزاي- (١). قوله: (عَنْ جَرِيْرِ بنِ عَبدِ اللهِ قالَ: بَايَعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَام ِالصَّلَاةِ، وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ). مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث يشمل ثلاثة أشياء، والترجمة على الجزء الأوَّل منها. وهذا الحديث بعينه مع هذا الإسناد غير محمَّد بن المثنَّى قد مضى في باب قول النَّبِيِّ ﷺ : ((الدَّيْنُ النَّصِيْحَةُ للهِ وَلِرَسُوْلِهِ)) في آخر كتاب الإيمان، ورواه هناك عن مُسَدَّد عن يحيى، وقد ذكرنا ثمَّ ما يتعلَّق بلطائف الإسناد ومعنى الحديث وغير ذلك مُستوفىً مستقصىً. (٤) (بَابٌ الصَّلاة كَفَّارَةٌ) أي هذا باب يذكر فيه الصَّلاة كفارةٌ، هكذا الصَّلاة كفارة في أكثر الرِّوايات، وفي رواية المُسْتَمْلي: باب تكفير الصَّلاة. قال العَيني: الكفَّارة عبارة عن الفِعلة والخصلة الَّتي من شأنها أن تكفِّر الخطيئة، أي تسترها وتمحوها، وهي على وزن فَعَّالة بالتشديد للمبالغة كقتّالة وضرّابة، وهي من الصفات الغالبة في باب الاسميَّة، واشتقاقها من الكَفر -بالفتح- وهو تغطية الشَّيء بالاستهلاك، والتكفير مصدر من كفَّر بالتشديد. ٥٢٥ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسَرْهَد. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَحيَى) أي القطَّان. قوله: (عَنِ الأَعْمَشِ) أي سُلَيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيْقٌ) أي ابن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ) أي ابن اليمان ﵁. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في الموضعين، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه: <حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ> رواية المُسْتَمْلي، وفي رواية غيره: <سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ>، وفيه

стр. 76

بصريان، وهما مُسَدَّد ويحيى، وكوفيان الأَعْمَش وشَقيق. قوله: (قَالَ: كُنَّا جُلُوْسًا عِنْدَ عُمَر ﵁ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَهُ، قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ أَو عَلَيْهَا لَجَرِيءٌ! قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُها الصَّلاة وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ. قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيْدُ، وَلَكِنِ الفَتْنَةُ الَّتي تَمُوْجُ كَمَا يَمُوْجُ البَحْرُ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ مِنْهَا يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ؛ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَينَهَا لَبَابًا مُغْلَقًا، قالَ: أَيُكَسَرُ أَمْ يُفتَحُ؟ قالَ: يُكْسَرُ. قَالَ: إِذًا لا يُغلَقُ أَبَدًا. قُلْنَا: أَكَانَ عُمَر يَعْلَمُ البَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُوْنَ الغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيْطِ، فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوْقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: البَابُ عُمَر ﵁. مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: (تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ). هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الزكاة عن قُتَيْبَة عن جرير، وفي علامات النبوَّة عن عُمَر بن حفص، قاله المزِّي في «الأطراف». قال العَيني: وهو وهم، وإنما أخرجه عن عُمَر بن حَفْص في الفتن، وفي الصَّوم عن علي بن عبد الله، وأخرجه مسلم في الفتن عن ابن نُمَير وأبي بكر كلاهما عن أبي معاوية، قاله المزِّي. قال العَيني: وهو وهم، إنَّما رواه مسلم من طريق أبي معاوية عن ابن نُمَير وأبي كُرَيب ومحمَّد بن المثنَّى ثلاثتهم عن أبي معاوية، فوهم في ذكره لأبي بكر وفي إسقاطه لابن المثنَّى، وأخرجه التِّرْمِذي في الفتن أيضًا عن محمود بن غيلان، وأخرجه ابن ماجَهْ فيه أيضًا عن ابن نُمَير عن أبيه وأبي معاوية كلاهما عن الأَعْمَش به. قوله: (جُلُوْسًا) أي جالسين. قوله: (فِي الفِتْنَةِ) وهي الخِبْرَة والإعجاب بالشيء، فَتَنَه يَفْتِنَه فَتْنًا وفُتُونًا وأَفْتَنَه. قال العَيني: وأباها الأصمعي، وقال سيبويه: فتنه جعل فيه فتنة، وأفتنه أوصل الفتنة إليه، قال: إذا قال: أفتنته فقد تعرَّض لفتن، وإذا قال: فتنه فلم يتعرَّض لفتن، وحكى أبو زيد: أُفتِن الرجلُ بصيغة ما لم يسمَّ فاعله، أي فُتِنَ. والفتنة: الضلال والإثم، وفَتَنَ الرجلَ: أماله عما كان عليه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، والفتنة: الكفر، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتَّى لَا تَكُوْنَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، والفتنة: الفضيحة، والفتنة: العذاب، والفتنة: ما يقع بين النَّاس من القتال، ذكره ابن سِيدَه، والفتنة: البليَّة، وأصل ذلك كلُّه من الاختبار، وإنَّه مِنْ فتنت الذهب في النَّار إذا اختبرته، وفي الغريبين: الفتنة الغلو في التأويل المظلم، وقال ابن طريف: فتنته وأفتنته، وفتِن بكسر التَّاء فتونًا: تحول من حسن إلى قبيح، وفتن إلى النِّساء وفتن فيهنَّ: أراد الفجور بهنَّ، وفي «الجمهرة» : فتنت الرجل أفتنه وأفتَنْتُه إفتانًا. وفي «الصِّحاح» قال الفرَّاء: أهل الحجاز يقولون: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِيْنَ﴾ [الصافات: ١٦٣]، وأهل نجد يقولون: (بِمُفْتِنِيْنَ). وقال عياض: إنَّها الابتلاء والامتحان، قال: وقد صار في عرف الكلام لكلِّ أمر كشفه الاختبار عن سوء، وتكون في الخير والشرِّ، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ [فِتْنَة] (١)﴾ [الأنبياء: ٣٥]. قوله: (أَنَا [أَحْفَظُهُ] (٢) كَمَا قَالَهُ) أي أنا أحفظه كما قاله رسول الله ﷺ ، فإن قلت:

стр. 77

الكاف لماذا وهو حافظ لنفس قول رسول الله ﷺ لا كمثله؟ قال العَيني: يجوز أن تكون الكاف ههنا للتعليل؛ لأنَّها اقترنت بكلمة ما المصدريَّة، أي أحفظ لأجل حفظ كلامه، ويجوز أن تكون للاستعلاء، بمعنى: أحفظ على ما عليه قوله. وقال الكِرْماني: لعله نقله بالمعنى، فاللفظ مثل لفظه في أداء ذلك المعنى. قال العَيني: حاصل كلامه يؤول إلى معنى المثليَّة، وهو في سؤاله نفى المثلية، فانتفى بذلك أن تكون الكاف للتشبيه. وقال شيخنا: الكاف زائدة للتأكيد، أو هي بمعنى على، وتحتمل أن يُراد بها المثليَّة، أي أقوله مثل ما قاله. قال العَيني: قوله: الكاف زائدة، أخذه من الكِرْماني، ولم يبين واحد منهما أنَّ الكاف إذا كانت زائدة ما تكون فائدته. انتهى. قلت: قد بين شيخنا الفائدة بقوله: للتأكيد، فلعل العَيني رأى النُّسخة الَّتي لم يبين شيخنا فيها الفائدة، وإنَّما ترك الكِرْماني ذلك وشيخنا أولًا لوضوحه. انتهى. فإن قلت: لفظ أنا مفرد، وهو مقول قوله: قلت، وقد علم أنَّ مفعول القول يكون جملة. قال العَيني: أنا مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: أنا أحفظ أو أضبط أو نحوهما. قوله: (عَلَيْهِ) أي قول رسول الله ﷺ . قوله: (أَوْ عَلَيْهَا) أي أو على مقالته، والشك من حذيفة، قاله الكِرْماني. قال العَيني: يجوز أن يكون ممن دونه. وقال شيخنا: (عَلَيْهِ) أي على النَّبِيِّ ﷺ أو (عَلَيْهَا) أي المقالة، والشك من أحد رواته. قوله: (وَالأَمْرُ) أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما صرَّح به البخاري في الزكاة. قوله: (لَجَرِيْءٌ) خبر إنَّ من قوله: (إِنَّكَ) واللَّام فيه للتأكيد، والجريء على وزن فعيل من الجُرأة، وهي الإقدام على الشَّيء. قوله: (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) قال ابن بطَّال: أن يأتيَ من أجلِّهم ما لا يحلُّ له من القول والعمل مما لم يبلغ كبيرة. وقال المُهَلَّب: يريد ما يعرض له معهنَّ من شرٍّ أو حزن وشبهه. قوله: (وَمَالِهِ) فتنة الرجل في ماله: أن يأخذه من غير مأخذه، ويصرفه في غير مصرفه، أو يفرط بما يلزمه من حقوق المال فتكثر عليه المحاسبة. قوله: (وَوَلَدِهِ) فتنة الرجل في ولده: فرط محبَّتهم وشغله بهم عن كثير من الخير، أو التوغُّل في الاكتساب لأجلِّهم من غير اكتراث من أن يكون من حلال أو حرام. قوله: (وَجَارِهِ) فتنة الرجل في جاره: أن يتمنَّى أن يكون حاله مثل حاله إن كان مُتَّسِعًا، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠]. قوله: (تُكُفِّرُهَا الصَّلَاةُ) أي يكفِّر فتنة الرجل في أهلِّه وماله وولده وجاره أداءُ الصَّلاة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] يعني الصَّلاة الخمس إذا اجتنبت الكبائر، هذا قول أكثر المفسِّرين، وقال مجاهد: هي قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر. وقال ابن عبد البرِّ: قال بعض المنتسبين إلى العلم من أهلِّ عصرنا: إنَّ الكبائر والصغائر تكفِّرها الصَّلوات والطَّهارة، استدلَّ بظاهر هذا الحديث، وبحديث الصُّنَابِحي: ((إذا توضَّأَ خرجَتِ الخطايا مِنْ فيهِ)) الحديث وغيره. قال العَيني: قال أبو عُمَر: هذا جهل وموافقة للمرجئة، وكيف يجوز أن تحمل هذه الآثار على عمومها وهو يسمع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا

стр. 78

إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] في آي كثير؟! فلو كانت الطهارة والصَّلوات وأعمال البرِّ مكفِّرة لما احتاج إلى التَّوبة، وكذلك الكلام في الصَّوم والصدقة والأمر والنَّهي، فإن المعنى: إنَّها تكفِّر إذا اجتنبت الكبائر. قوله: (وَالأَمْرُ) أي الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر كما صرَّح به في الزكاة، وتقدَّم هذا عن قريب، فإن قلت: ما النُّكتة في تعيين هذه الأشياء الخمسة؟ قال العَيني: الحقوق لما كانت في الأبدان والأموال والأقوال فذكر من أفعال الأبدان أعلاها وهو الصَّلاة والصَّوم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وذكر من حقوق الأموال أعلاها وهي الصَّدقة، ومن الأقوال أعلاها وهي الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. قوله: (تَمُوْجُ) من ماج البحر، أي تضطرب ويدفع بعضها بعضًا لعظمها، وكلمة ما في (كَمَا تَمُوْجُ) مصدريَّة، أي كموج البحر، وهو تشبيه بليغ. قوله: (قَالَ) أي قال حُذَيفة. قوله: (بَأْسَ) أي شِدَّة. قوله: (لَبَابًا) ويروى: ((بَابًا)) بدون اللَّام. قوله: (مُغْلَقًا) صفة الباب، قال ثعلب في «الفصيح» : أغلقت الباب فهو مغلق، وقال ابن دُرُسْتويه: العامَّة تقول: غلَّقت بغير ألف وهو خطأ، وذكره أبو علي الدِّيْنَوَرِيُّ في باب ما يحذف منه العامَّة الألف، وقال ابن سيده في «العَويص» والجوهري في «الصَّحاح» : غَلَقت، قال الجَوهَري: وهي لغة متروكة رديئة. وقال ابن هشام في شرحه: الأفصح غلَّقت بالتشديد، قال الله تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، قال العَيني: وفيه؛ لأنَّ غلَّقت مشدَّدة للتكثير، قاله الجَوهَري وغيره، وفي «المحكم» : غلق الباب وأغلقه وغلَّقه، الأولى من ابن دُرَيد عزاها إلى أبي زيد وهي نادرة. والمقصود من هذا الكلام: أنَّ تلك الفتن لا يخرج منها شيء في حياتك. قوله: (قَالَ: أَيُكْسَرُ) أي قال عُمَر ﵁: أيكسر هذا الباب أم يفتح؟ قوله: (قَالَ: يُكْسَرُ) أي قال حُذَيفة: يكسر. قوله: (قَالَ: إِذًا لَا يُغْلَقُ أَبَدًا) أي قال عُمَر ﵁: إذن لا يُغلق أبدًا هذا الباب، وإذن هو جواب وجزاء، أي إن انكسر لا يغلق أبدًا؛ لأنَّ المكسور لا يعاد بخلاف المفتوح، والكسر لا يكون غالبًا إلَّا عن إكراه وغلبة وخلاف عادةٍ. ولفظ: (لَا يُغْلَقُ) رُوي مرفوعًا ومنصوبًا، وجه الرَّفع أن يقال: إنَّه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: الباب إذًا لا يُغلق، ووجه النَّصب: ألَّا يقدر ذلك، فلا يكون ما بعده معتمدًا على ما قبله، والحاصل: إنَّه فعل مستقبل منصوب بإذًا، وإذا عملَ النَّصب في الفعل المستقبل لعدم ثلاثة أشياء، وهي: أن يعتمد ما قبلها على ما بعدها، وأن يكون الفعل فعل حال، وألَّا يكون معها واو العطف، وهذه الثلاثة معدومة في النَّصب. قوله: (قُلْنَا) هو مقول شَقيق. قوله: (كَمَا أَنَّ دُوْنَ الغَدِ اللَّيْلَةَ) أي كما يعلم أنَّ الغد أبعدُ فينا من اللَّيلة، يقال: هو دون ذاك، أي أقرب منه. قوله: (إِنِّي حَدَّثْتُهُ) مقول حُذَيفة. قوله: (لَيْسَ بِالأَغَالِيْطِ) جمع أغلوطة، وهي: ما يغالط بها، قال النَّوَوي: معناه: حدَّثته حديثًا صدقًا محقَّقًا من أحاديث رسول الله ﷺ لا من اجتهاده، أي ونحوه، وغرضه: أنَّ ذلك الباب رجل يقتل أو يموت كما جاء في بعض الروايات، قال: ويحتمل أن يكون حُذَيفة

стр. 79

علم أنَّ عُمَر يقتل ولكنَّه كره أن يخاطب عُمَر بالقتل؛ فإن عُمَر كان يعلم إنَّه هو الباب، فأتى بعبارة يحصل منها الغرض ولا تكون إخبارًا صريحًا بقتله، قال: والحاصل: أنَّ الحائل بين الفتنة والإسلام عُمَر ﵁ وهو الباب، فما دام حيًا لا تدخل الفتن فيه، فإذا مات دخلت، وكذا كان قوله: (فَهِبْنَا) أي خفنا، مِن هاب، وهو مقول شَقيق أيضًا. قوله: (مَسْرُوقًا) هو مَسْروق بن الأجدع، وقد تقدَّم ذكره، قلت: ترجمته في باب علامات المنافق. انتهى. فقوله: (فَقَالَ: البَابُ عُمَرُ) أي قال مَسْروق: الباب هو عمر، فإن قلت: قال أوَّلًا: (إِنَّ بَينَكَ وَبيَنَها بَابًا) فالباب يكون بين عُمَر وبين الفتنة، وهنا يقول: (البَابُ عُمَرُ) وبين الكلامين مغايرة. قال العَيني: لا تغاير بينهما؛ لأن المراد بقوله: (بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا) أي بين زمانك وبين زمان الفتنة وجود حياتك. وقال الكِرْماني: أو المراد بين نفسك وبين الفتنة بدنُك؛ إذ الرُّوح غير البدن، أو بين الإسلام والفتنة. وقال أيضًا: فإن قلت: من أين علم حُذَيفة أنَّ الباب عُمَر، وهل علم من هذا السِّياق إنَّه مسند إلى رسول الله ﷺ ، بل كلُّ ما ذكر في هذا الموضع لم يسند منه شيء إلى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قلت: الكلُّ ظاهر مسند إليه ﵇ بقرينة السُّؤال والجواب، ولأنَّه قال: (حدَّثته بحديث)، ولفظ الحديث المطلق لا يستعمل إلَّا في حديثه ﵊. فإن قلت: كيف سأل عُمَر ﵁ عن الفتنة الَّتي تأتي بعده خوفًا أن يدركها مع علمه بأنَّه هو الباب؟ قال العَيني: من شدَّة خوفه خشي أن يكون نسي فسأل مَنْ يذكره. ٥٢٦ - قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا يَزيْدُ بنُ زُرَيْعٍ) أي من الزيادة، وزُرَيع -بضمِّ الزاي وفتح الرَّاء وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره عين مهملة-. قوله: (عَنْ سُلَيمان التَّيْمِيِّ) أي ابن طَرْخان أبو المُعتَمِر، وقد مرَّ في باب من خصَّ بالعلم. قوله: (عَنْ أَبِي عُثْمان النَّهْدِيِّ) أي عبد الرحمن بن مِلَّ بكسر الميم وضمِّها وتشديد اللام، النَّهْدي بفتح النُّون وسكون الهاء وكسر الدَّال المهملة نسبةً إلى نهد بن زيد بن ليث بن أسلم -بضمِّ اللَّام- ابن الحاف بن قُضاعة، أسلم على عهد رسول ﷺ ولم يلقَه، ولكنَّه أدَّى إليه الصَّدقات، عاش نحوًا من مائة وثلاثين سنة، ومات سنة خمس وتسعين، وإنَّه كان يصلِّي حتَّى يُغشى عليه. فإن قلت: ورد النَّهي عن ذلك بقوله: (اكلَفُوا مِنَ العَمَلِ ما تُطِيقونَ) فما هذا؟ قلت: الجواب إنَّه كان مطيقًا، وإنَّما هذا حال يطرقه فيُغشى عليه، فليس من باب ما لا يطاق من العمل. انتهى. قوله: (عَنِ ابنِ مَسْعُوْدٍ) أي عبد الله ﵁. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصَّحابي، وفيه أنَّ رواته بصريُّون ما خلا قَتَيْبَة. قوله: (أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاة طَرَفَيِ النَّهار وَزُلَفًا مِنَ اللَّيل إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ [هود: ١١٤]،

стр. 80

فَقالَ الرَّجُلُ: يَا رَسولَ اللهِ، أَلِي هَذَا؟ قَالَ: لجَمِيْعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ). مطابقته للترجمة في قوله: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، لأنَّ المراد من الحسنات الصَّلوات الخمس، فإذا أقامها تكفِّر عن الذُّنوب إذا اجْتُنِبَتِ الكبائر كما ذكرنا. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التفسير عن مُسَدَّد عن يزيد بن زرع (١)، وأخرجه مسلم في التَّوبة عن قُتَيْبَة وابن كامل كلاهما عن يزيد بن زُرَيع، وعن محمَّد بن عبد الأعلى عن مُعتَمِر بن سُلَيمان، وعن عُثْمان بن جرير، وأخرجه التِّرْمِذي في التفسير عن محمَّد بن بشَّار عن يحيى، وأخرجه النَّسائي فيه عن قُتَيْبَة وابن أبي عَدِي، وعن إسماعيل بن مسعود عن يزيد بن زُرَيع، وأخرجه ابن ماجَهْ في الصَّلاة عن سُلَيمان بن وكيع، وفي الزهد عن إِسْحاق بن إبراهيم عن مُعتَمِر بن سُلَيمان. قوله: (أَنَّ رَجُلًا) هو أبو اليسر -بفتح التحتانية والسِّين المهملة- وقد صرَّح به التِّرْمِذي في روايته: حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا قيس بن الرَّبيع عن عُثْمان بن عبد الله بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبي اليسر قال: ((أتتني امرأةٌ تبتاعُ تمرًا، فقلتُ: إنَّ في البيتِ تمرًا أطيبَ منه، فدخلَت معي في البيتِ فأهويت إليها فقبَّلتها، فأتيتُ أبا بكرِ ﵁ فذكرْت ذلكَ له فقالَ: استرْ وتبْ، فأتيت عُمَر ﵁ فذكرتُ ذلكَ له فقالَ: استرْ على نفسِك وتبْ ولا تخبرْ أحدًا، فلم أصبرْ، [فأتيتُ] (٢) رسولَ اللهِ ﷺ فذكرتُ ذلكَ له فقالَ: أخلفت غازيًا في سبيلِ اللهِ في أهلهِ بمثل هذا؟! حتَّى تمنَّى إنَّه لم يكن أسلَّم إلَّا تلك الساعة، حتَّى ظنَّ إنَّه منْ أهلِ النَّار، قال: فأطرقَ رسولُ اللهِ ﷺ طويلًا حتَّى أوحى الله إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاة طَرَفَي النَّهار وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِيْنَ﴾ [هود: ١١٤]، قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ أصحابُه: يا رسولَ الله، ألهذا خاصَّة أم للنَّاسِ عامَّة؟ قالَ: بل للنَّاس عامَّة)). ثمَّ قال: هذا حديث حسن غريب، وقيس بن الرَّبيع ضعّفه وكيع وغيره، وقال الذَّهَبي: أبو اليسر كعب بن عُمَر السُّلَمي بدريٌّ. انتهى. واعلم إنَّه وَقَعَ خلاف في كون الرجل في الحديث المذكور أبا اليسر على ستَّة أقوال: أحدها: هذا، وهو الأصحُّ. الثاني: إنَّه عُمَر بن غزيَّة بن عَمْرو الأنصاري أبو حبَّة بالباء الموحَّدة التَّمَّار، رواه عن ابن عبَّاس: ((جاءتِ امرأة إلى عَمْرو بن غزيَّة تبتاع تمرًا، فقالَ: إنَّ في بيتِي تمرًا فانطلقِي أبيعَكِ منهُ، فلما دخلتِ البيتَ بطشَ بها فصنعَ بها كلَّ شيءٍ إلَّا أنَّه لم يقعْ عليها، فلما ذهبَ عنه الشَّيطان ندمَ على ما صنعَ، وأتى النَّبِيُّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، تناولتِ امرأة فصنعتُ بها كلَّ شيءٍ يصنعُ الرجلُ بامرأتِهِ إلَّا أني لم أقعْ عليها، فقالَ النَّبِيّ ﷺ : ما أدري. ولم يردَّ عليه شيئًا، فبينما همْ كذلك إذ حضرتِ الصَّلاة فصلَّوا، فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: ١١٤])). الثالث: إنَّه ابن مُعَتِّب رجل من الأنصار، ذكره ابن أبي خَيثَمَة في «تاريخه» من حديث إبراهيم النَّخَعي، قال: ((أتى النَّبِيُّ ﷺ رجلٌ منَ الأنصارِ يقالُ لهُ: ابنُ مُعَتِّب)) فذكر الحديث. الرابع:

стр. 81

إنَّه أبو مُقْبِل عامر بن قيس الأنصاري، ذكره مقاتل في «بوادر التفسير»، وقال: هو الذي نزل فيه ﴿وأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: ١١٤]. الخامس: هو نبهان التَّمَّار، وذكر الثَّعْلَبي: أنَّ نبهان لم ينزل فيه إلَّا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآية. السادس: إنَّه عبَّاد، ذكره القُرْطُبي في تفسيره. انتهى. قوله: (أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ) قال شيخنا: لم أقف على اسم المرأة المذكورة، ولكن جاء في بعض الروايات إنَّها من الأنصار. قوله: (فَأَتَى النَّبِيَّ) أي أتى الرجل النَّبِيَّ ﷺ فأخبره بما أصابه. قوله: (فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: ١١٤]) يشير بهذا إلى أنَّ سبب نزول هذه الآية في أبي اليسر المذكور. وفي «تفسير ابن مردويه» عن أبي أمامة: ((أنَّ رجلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أقمْ فيَّ حدَّ اللهِ، مرَّةً أو مرَّتين، فأعرضَ عنهُ، ثمَّ أُقيمتِ الصلاةُ، فأنزلَ اللهُ تعالى الآيةَ)). وروى أبو علي الطوسي في «كتاب الأحكام» من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ ﵁ قال ولم يسمع منه: ((أتى النَّبِيَّ ﵇ رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا لقي امرأة وليس بينهما معرفة، فليس يأتي الرجل شيئًا إلى امرأته إلَّا قد أتاه إليها إلَّا أنَّه لم يجامعها، فأنزل الله الآية، فأمره أن يتوضَّأ ويصلِّي، قال معاذ: فقلت: يا رسول الله، أهي له خاصَّة أم للمؤمنين عامَّة؟ قال: بل للمؤمنين عامَّة)). وروى مسلم من حديث ابن مسعود ﵁: ((يا رسول الله، إنِّي عالجتُ امرأةً في أقصى المدينةِ، وإنِّي أصبت منها ما دون أن أمسّها، فأنا هذا فاقض فيَّ بما شئتَ، فقالَ عُمَر ﵁: لقدْ ستركَ اللهُ لو سترتَ على نفسِك، ولمْ يردَّ عليه النَّبِيُّ ﷺ شيئًا، فانطلقَ الرجلُ فأتبعه رجلًا فتلا عليه هذه الآية)). قوله: (﴿طَرَفَي النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]) قال القُرْطُبي: طرفا النَّهار: الغداة والعَشي، وقال ابن عبَّاس: يعني صلاة الصُّبح وصلاة المغرب، وقال مجاهد: صلاة الفجر وصلاة العشي، وقال الضَّحَّاك: الفجر والعصر، وقال مقاتل: صلاة الفجر والظُّهر طرف، وصلاة المغرب والعصر طرف. وانتصاب (طرفي النَّهار) على الظَّرف؛ لأنَّهما مضافان إلى الوقت كقولك: أقمت عنده جميع النَّهار، وهذا على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه. قوله: (﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]) صلاة العتمة، وقال الحسن: هما المغرب والعشاء، وقال الأَخْفَش: يعني صلاة اللَّيل، وقال الزَّجَّاج: معناه الصَّلاة القريبة من أوَّل اللَّيل. والزُلَف: جمع زُلفة، وقراءة الجمهور: بضمِّ الزاي وفتح اللَّام، وقرأ أبو جعفر: بضمِّها، وقرأ ابن مُحَيصِن: بضمِّ الزَّاي وجزم اللَّام، وقرأ مجاهد: ﴿زُلْفَى﴾ مثل قُرْبى، وفي «المحكم» : زلف اللَّيل: ساعات من أوَّله، وقيل: هي ساعات اللَّيل الأخيرة من النَّهار، وساعات النَّهار الأخيرة من اللَّيل. وفي «جامع القزَّاز» : الزلفة القربة من الخير والشَّرِّ. وانتصاب (زُلَفًا) على أنَّه عطف على الصَّلاة، أي أقم الصَّلاة طرفي النَّهار، وأقم زلفًا من اللَّيل. قوله: (﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ﴾ [هود: ١١٤]) قال القُرْطُبي: لم يختلف أحد من أهل التأويل أنَّ الصَّلاة في هذه الآية يراد بها الفرائض. قوله:

стр. 82

(أَلي هَذَا؟) الهمزة للاستفهام، وقوله: (هذا) مبتدأ، وقوله: (لي) مقدِّمًا خبره، وفائدة التقديم التخصيصُ. قوله: (لِجَمِيْعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ) فيه مبالغة في التأكيد، وسقط (كُلِّهِمْ) من رواية المُسْتَمْلي. فيه عدم وجوب الحدِّ في القُبلة وشبهها من اللَّمس ونحوه من الصَّغائر، وهو من اللَّمم المعفوِّ عنه باجتناب الكبائر بنصِّ القرآن، وقال صاحب «التَّوضيح» : وقد يستدلَّ به على أنَّه لا حدَّ ولا أدب على الرجل والمرأة وإن وجدا في ثوب واحد، وهو اختيار ابن المنذر. انتهى. قال العَيني: سلَّمنا في نفي الحدِّ ولا نسلِّم في نفي الأدب سيَّما في هذا الزمان. انتهى. قال شيخنا: واحتجَّ المرجئة بظاهره وظاهر الذي قبله على أنَّ أفعال الخير مكفِّرة للكبائر والصغائر، وجملة جمهور أهل السنَّة على الصغائر عملًا بحمل المطلق على المقيَّد كما سيأتي بسطه في أواخر تفسير هود إن شاء الله تعالى. انتهى. وفيه: أنَّ إقامة الصَّلوات الخمس تجري مجرى التَّوبة في ارتكاب الصَّغائر، وفيه: أنَّ باب التَّوبة مفتوح والتَّوبة مقبولة. قال العَيني: وفي الآية المذكورة دليل على قول أبي حنيفة في أنَّ التَّنوير بصلاة الفجر أفضل، وأنَّ تأخير العصر أفضل؛ وذلك لأنَّ ظاهر الآية يدل على وجوب إقامة الصَّلاة في طرفي النَّهار، وبيَّنا أنَّ طرفي النَّهار الزَّمان الأوَّل بطلوع الشَّمس، والزمانَ الأوَّل بغروبها، وأجمعت الأمَّة على أنَّ إقامة الصَّلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروع، فقد تعذَّر العمل بظاهر هذه الآية ووجب حملها على المجاز، وهو أن يكون المراد إقامة الصَّلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النَّهار؛ لأنَّ ما يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه، فإذا كان كذلك فكلُّ وقت كان أقرب إلى طلوع الشَّمس وإلى غروبها كان أقرب إلى ظاهر اللفظ، وإقامة صلاة الفجر عند التَّنوير أقرب إلى وقت الطُّلوع من إقامتها عند الغَلَس، وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظل ُّكلِّ شيء مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عندما صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه، والمجاز كلَّما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللَّفظ عليه أولى. انتهى. قلت: هذا كلُّه مسلَّم من حيث لم يرد النصُّ بخلافه، فإذا ورد النصُّ بالتَّفسير كان هو المراد. انتهى. قال العَيني: وفيها دليل أيضًا على وجوب الوتر؛ لأنَّ قوله: ﴿وَزُلَفًا﴾ [هود: ١١٤] يقتضي الأمر بإقامة الصَّلاة في زلف من اللَّيل؛ وذلك لأنَّه عطف على الصَّلاة في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاة طَرَفَيِ النَّهَار﴾ [هود: ١١٤] فيكون التقدير: وأقم الصَّلاة في زلف من اللَّيل، والزلف جمع وأقلُّ الجمع ثلاثة، فالواجب إقامة الصَّلاة في الأوقات الثلاثة، فالوقتان للمغرب والعشاء، والوقت الثالث للوتر، فيجب الحكم بوجوبه. وقال صاحب «التَّوضيح» : ذكر هذا شيخنا قطب الدِّين، وتبعه شيخنا علاء الدِّين، وهي نزغة ولا نسلِّم لهما. قال العَيني: لا نسلِّم له؛ لأنَّ عدم التسليم بعد إقامة الدَّليل مكابرة. انتهى. قلت: هو كما قال صاحب «التَّوضيح»؛ لأنَّه مخالف للنَّصِّ من قوله: ﷺ للسائل لما قال: هل عليَّ غيرها؟ يعني الصَّلوات الخمس ((لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)). انتهى. (٥) (بَابُ فَضْلِ الصَّلاة لَوَقْتِهَا) أي هذا باب في بيان فضل الصَّلاة لوقتها، وكأنَّ الأصل

стр. 83

أن يقال: فضل الصَّلاة في وقتها؛ لأنَّ الوقت ظرف لها، ولذكره هكذا وجهان، الأوَّل: أنَّ عند الكوفيين حروف الجر يقام بعضها مقام البعض، والثاني: اللام هنا مثل اللَّام في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ [الطلاق: ١] أي مستقبلات لعدِّتهنَّ، ومثل قوله: لقيته لثلاثٍ بقين من الشَّهر، وتسمَّى بلام التأقيت والتأريخ، وأمَّا قيام اللَّام مقامَ في ففي قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلَّا هُو﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقولهم: مضى لسبيله، فإن قلت: ففي حديث الباب على وقتها، فالترجمة لا تطابقه؟ أجيب: بأن اللَّام تأتي بمعنى على أيضًا نحو قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَان﴾ [الإسراء: ١٠٩]، وقوله: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِه﴾ [يونس: ١٢] ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِين﴾ [الصافات: ١٠٣]. وعلى الأصل جاء أيضًا في الحديث أخرجه ابن خُزَيمَة في «صحيحه» عن بُنْدار قال: حدَّثنا عُثْمان بن عُمَر حدَّثنا مالك بن مِغْوَل عن الوليد بن العَيزار عن أبي عَمْرو عن عبد الله قال: ((سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ : أيُّ العملِ أفضل؟ قالَ: الصَّلاةُ في أوَّل وقتِها))، وأخرجه ابن حبَّان أيضًا في «صحيحه»، وكذا أخرجه البخاري في التوحيد بلفظ الترجمة، وأخرجه مسلم باللَّفظين، أي باللَّام وعلى. ٥٢٧ - قوله: (حَدَّثَنا أَبُو الوَلَيْدِ هِشَامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ) أي الطَّيالِسي البصري. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج. قوله: (قَالَ: قَالَ الوَلِيْدُ بنُ العَيْزَارِ) أي -بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالزَّاي قبل الألف وبالرَّاء بعدها- ابن حُرِيْث -بضمِّ الحاء المهملة- الكوفيُّ. قوله: (أَخْبَرَنِي) فيه تقديم وتأخير تقديره: حدَّثنا شُعْبَة أخبرني الوليد بن العَيزار. قوله: (سَمِعْتُ أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانيَّ يَقُوْلُ) أي سعيد بن إِياس -بكسر الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف- المخضرمَ، أدرك الجاهليَّة والإسلام، عاش مائة وعشرين سنة، قال: أذكر أنِّي سمعتُ بالنَّبِيَّ ﷺ وأنا أرعى إبلًا لأهلي بكاظمة -بالظاء المعجمة- وتكامل شبابي يوم القادسيَّة فكنت ابن أربعين سنة يومئذ. وكان من أصحاب عبد الله بن مسعود، قلت: قد تقدَّم الكلام على الخضرمة في باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]. انتهى. قوله: (يَقُوْلُ: حَدَّثنا صاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَشارَ إِلى دَارِ عَبدِ اللهِ) أي ابن مسعود. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه الإخبار بلفظ الإفراد من الماضي، وفيه القول والسَّماع والسُّؤال، وفيه أنَّ رواته ما بين بصري وكوفي وفيه تقديم وتأخير في قوله: (أخبرني) كما تقدَّم. قوله: (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟ قَالَ: الصَّلاة عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ: ثمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الوَالِدَينِ. قَالَ: ثمَّ أَيُّ؟ قالَ: الجِهادُ في سَبِيْلِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ استَزَدتُهُ لَزَادَنِي). هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الأدب عن أبي الوليد، وفي التوحيد عن سُلَيمان بن حرب، وفي الجهاد عن الحسن بن الصبَّاغ، وفي التوحيد أيضًا عن عبَّاد بن العوَّام، وأخرجه مسلم في الإيمان عن عُبَيْد الله بن معاذ وعن محمَّد بن يحيى وعن أبي بكر بن أبي شَيْبَة وعن عُثْمان بن أبي شَيْبَة، وأخرجه التِّرْمِذي في الصَّلاة عن قُتَيْبَة، وفي البرِّ والصِّلة عن أحمد بن محمَّد المروزي،

стр. 84

وأخرجه النَّسائي في الصَّلاة عن عَمْرو بن علي وعن عبد الله بن محمد. قوله: (حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) لم يصرِّح فيه شُعْبَة باسم عبد الله، بل رواه مبهمًا، ورواه مالك بن مِغْوَل عند البخاري في الجهاد، وأبو إِسْحاق الشَّيباني في التوحيد عن الوليد مصرِّحًا باسم عبد الله، وكذا رواه النَّسائي من طريق أبي معاوية عن أبي عَمْرو الشَّيباني، وأحمد من طريق أبي عُبَيْدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ومع هذا في قوله: (وَأَشارَ بَيَدِهِ إِلى دارِ عَبدِ اللهِ) اكتفاء عن التَّصريح؛ لأنَّ المراد من عبد الله هو ابن مسعود. قوله: (أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلى اللهِ؟) وفي رواية مالك بن مِغْوَل: ((أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟))، وكذا لأكثر الرُّواة. قوله: (عَلَى وَقْتِهَا) استعمال لفظة على ههنا بالنظر إلى إرادة الاستعلاء على الوقت والتمكن على أدائها في أيِّ جزء من أجزائها، واتفق أصحاب شُعْبَة على اللَّفظ المذكور، وخالفهم علي بن حَفْص فقال: ((الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا))، وقال الحاكم: روى هذا الحديث جماعة عن شُعْبَة ولم يذكر هذه اللفظة غير حجَّاج عن علي بن حفص، وحجَّاج حافظ ثقة، وقد احتجَّ مسلم بعلي بن حفص، قال شيخنا: وعلي بن حَفْص شيخ صدوق من رجال مسلم، أخرجه الحاكم والدَّارَقُطْني والبَيْهَقي من طريقه، قال الدَّارَقُطْني: ما أحسبه حفظه؛ لأنَّه كبر وتغير حفظه. ورواه الحسن بن علي المعمري في «اليوم والليلة» عن أبي موسى محمَّد بن المثنَّى عن غُندر عن شُعْبَة كذلك، قال الدَّارَقُطْني: تفرَّد به المَعْمري، فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه بلفظ: ((عَلَى وَقْتِهَا))، ثمَّ أخرجه الدَّارَقُطْني عن المُحاملي عن أبي موسى كرواية الجماعة، وهكذا رواه أصحاب غُندر عنه، والظَّاهر أنَّ المَعْمري وهم فيه؛ لأنَّه كان يُحدِّث من حفظه، وقد أطلق النَّوَوي في «شرح المهذب» : أنَّ رواية ((فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا)) ضعيفة. انتهى. لكن لها طريق أخرى أخرجها ابن خُزَيمَة في «صحيحه» والحاكم وغيرهما من طريق عُثْمان بن عُمَر عن مالك بن مِغْوَل عن الوليد وتفرَّد عُثْمان بذلك، والمعروف عن مالك بن مِغْوَل كرواية الجماعة، كذا أخرجه المصنِّف وغيره، وكان من رواها كذلك ظنَّ أنَّ المعنى واحد، ويمكن أن يكون أخذه من لفظةِ على؛ فإنها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فيتعيَّن أوَّله. انتهى. قوله: (ثُمَّ أَيُّ؟) قال الفاكهاني: إنَّه غير منوَّن؛ لأنَّه موقوف عليه في الكلام والسائلُ ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة ثمَّ يؤتى بما بعده، وقال ابن الجوزي: في هذا الحديث (أَيٌّ) مشدَّد منوَّن كذلك سمعت من ابن الخَشَّاب، وقال: لا يجوز إلَّا تنوينه؛ لأنَّه معرب غير مضاف. وقال شيخنا: وتُعُقِّب بأنَّه مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوف لفظًا، والتقدير: ثمَّ أيُّ العمل أحب؟ فيوقف عليه بلا تنوين، وقد نصَّ سيبويه على إنَّها معرب ولكنَّها تُبنى إذا أُضيفت، واستشكله الزَّجَّاج، قال العَيني: قالت النحاة: إنَّ أيًّا الموصولة والشرطيَّة والاستفهاميَّة معربة دائمًا، فإذا كانت أيُّ هذه معربة عند الإفراد فكيف يقال: إنَّها مبنيَّة عند الإضافة؟! ولما نقل عن سيبويه هذا هكذا أنكر عليه الزَّجَّاج فقال: ما تبيَّن لي أنَّ سيبويه غلط إلَّا في موضعين هذا أحدهما؛ فإنه يسلِّم إنَّها تعرب إذا أفردت، فكيف يقول ببنائها إذا أُضيفت؟! قوله: (قَالَ: بِرُّ الوَالِدَيْنِ) هكذا هو عند الأكثر من الرُّواة، وفي رواية

стр. 85

المُسْتَمْلي: ((قَالَ: ثمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ)) بزيادة كلمة (ثُمَّ)، والبرُّ بكسر الباء الموحَّدة: الإحسان، و (بِرُّ الوَالِدَيْنِ) : الإحسان إليهما والقيام بخدمتهما وترك العقوق والإساءة إليهما، من برَّ يَبرُّ فهو بارٌّ وجمعُه بَرَرَةٌ. قوله: (الجِهَادُ فِي سَبِيْلِ اللهِ) وهو المحاربة مع الكفَّار لإعلاء كلمة الله وإظهار شعائر الإسلام بالنفس والمال، فإن قلت: ما الحكم في تخصيص الذكر بهذه الأشياء الثلاثة؟ قال العَيني: هذه الثلاثة أفضل الأعمال بعد الإيمان، من ضيع الصَّلاة الَّتي هي عماد الدين مع العلم بفضيلتها كان لغيرها من أمر الدين أشدَّ تضييعًا وأشدَّ تهاونًا واستخفافًا، وكذا من ترك برَّ والديه فهو لغير ذلك من حقوق الله أشدُّ تركًا، وكذا الجهاد من تركه مع قدرته عليه عند تعيُّنه فهو لغير ذلك من الأعمال الَّتي يُتقرب بها إلى الله أشدُّ تركًا، فالمحافظ على هذه الثلاثة حافظ على ما سواها، والمضيِّع لها كان لما سواها أضيع. قوله: (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) مقول عبد الله بن مسعود، أي بهذه الأشياء الثلاثة، وإنَّه تأكيد وتقرير لما تقدَّم، وإنَّه باشر السؤال وسمع الجواب؛ إذ لا ريب أنَّ اللَّفظ صريح في ذلك، وهو أرفع درجات التحمُّل. قوله: (وَلَوِ اسْتَزَدتُهُ) أي ولو طلبت منه الزيادة في السُّؤال لزادني رسول الله ﷺ في الجواب، ثمَّ طلبُه الزيادة يحتمل أن يكون أرادها من هذا النَّوع وهي مراتب أفضل الأعمال، ويحتمل أن يكون أرادها من مطلق المسائل المحتاج إليها، وفي رواية التِّرْمِذي من طريق المسعودي عن الوليد: ((فسكت عنِّي رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني))، فكأنَّه فهم منه السآمة، فلذلك قال ما قاله، ويؤيِّده ما في رواية مسلم: ((فما تركت أستزيده إلَّا إرعاء عليه)) أي شفقة عليه لئلَّا يسأم. فيه: أنَّ أعمال البرِّ يفضل بعضها على بعض عند الله تعالى، فإن قلت: ورد أنَّ إطعام الطعام خير أعمال الإسلام، وورد أنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدومه وغيرُ ذلك، فما وجه التوفيق فيها؟ قال العَيني: أجاب النَّبِيُّ ﷺ لكلِّ من سأل بما يوافق غرضه، أو بما يليق به، أو بحسب الوقت، فإن الجهاد كان في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنَّه كان الوسيلة إلى القيام بها والتمكُّن من أدائها، أو بحسب الحال؛ فإن النصوص تعاضدت على فضل الصَّلاة على الصدقة، وربَّما تجدَّد حالٌ يقتضي مواساة مضطر فتكون الصَّدقة حينئذ أفضل. ويقال: إن أفعل في أفضل الأعمال ليس على بابه، بل المراد به الفضل المطلق، ويقال: التقدير: إنَّ من أفضل الأعمال، فحذفت كلمة مِن، وهي مرادة. قال العَيني: وفيه نظر. قلت: من جهة أنَّ السائل على هذا التقدير لم يحصل له الجواب عن جميع ما سأل عنه، وأيضًا إذا قلنا: البيان لا يتأخَّر عن وقت الحاجة، وأيضًا فقد أتى في اللَّفظ بثُمَّ الَّتي لا تقتضي مشاركة الثَّاني للأوَّل في الرتبة. وقال ابن بطَّال: فيه أنَّ البدار إلى الصَّلاة في أوَّل وقتها أفضل من التراخي فيها؛ لأنَّه إنَّما شرط فيها أن تكون أحبَّ الأعمال إذا أُقيمت لوقتها المستحبِّ. قال العَيني: لفظ الحديث لا يدلُّ على ما ذكره على ما لا يخفى. وقال ابن دقيق العيد: ليس في هذا اللَّفظ - أي قوله ﵇: (على وقتها) ما يقتضي أولًا ولا آخرًا، وكأنَّ المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء. قال شيخنا: وتُعُقِّبَ بأنَّ إخراجها عن وقتها محرَّم، ولفظ (أحبُّ) يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز

стр. 86

عن إيقاعها آخر الوقت. وأجيب: بأنَّ المشاركة إنَّما هي بالنسبة إلى الصَّلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصَّلاة في وقتها كانت أحبَّ إلى الله تعالى من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور كالنَّائم والناسي؛ فإن إخراجه لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم، ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال مع كونه محبوبًا، لكن إيقاعها في الوقت أحبُّ. وقال العَيني: الذي يدلُّ ظاهر اللَّفظ أنَّ الصَّلاة مشاركة لغيرها من الأعمال في المحبَّة، فإذا وقعت الصَّلاة في وقتها كانت أحبَّ إلى الله من غيرها، فيكون الاحتراز عن وقوعها خارج الوقت. فإن قلت: روى التِّرْمِذي من حديث ابن عُمَر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوقت الأوَّل من الصَّلاة رضوان الله، والوقت الأخير عفو الله))، والعفو لا يكون إلَّا عند التقصير. قال العَيني: قال ابن حبَّان لمَّا رواه في «كتاب الضعفاء» : تفرَّد به يعقوب بن الوليد، وكان يضع الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: هو موضوع. وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله يقول: لا أعرف شيئًا ثبت في أوقات الصَّلاة أوَّلها كذا وأوسطها كذا، يعني مغفرة ورضوانًا. انتهى. قلت: لكن الحديث الذي أخرجه ابن خُزَيمَة في «صحيحه» عن بُندار يدلُّ على أنَّ الصَّلاة في أوَّل وقتها أفضل، وقال علماؤنا: ويسنُّ تعجيل الصَّلاة لأوَّل وقتها، ولا شكَّ أنَّ تارك السنَّة مقصِّر، ولم يزل الصالحون مثابرين على إقامة الصَّلاة في أوَّل الوقت، ولا يخفى أنَّ من قام بالمأمور به عند أوَّل وقتٍ من تعلَّق الخطاب به أحبُّ إلى الآمر ممن يتراخى في القيام به؛ لأنَّ الأوَّل يدلُّ على شدَّة محبَّته للآمر وحرِصه على القيام بحقِّه ونشاطِه، وإن كان التراخي لا يدلُّ على عدم هذه الأشياء غير أنَّ الأوَّل دلَّ فعلُه على هذا. انتهى. وفيه تعظيم الوالدين وبيان فضله، ويجب الإحسان إليهما ولو كانا كافرين. وفيه السؤال عن مسائل شتَّى في وقت واحد، وجواز تكرير السؤال. وفيه الرِّفق بالعالم والتوقُّف عن الإكثار عليه خشية مَلاله. وفيه ما كان هو ﵇ من إرشاد المسترشد ولو شقَّ عليه ﷺ . وفيه أنَّ الإشارة تنزل منزلة التصريح إذا كانت معيِّنة للمشار إليه مميزةً له على غيره، ألَّا ترى أنَّ الأخرس إذا طلَّق امرأته بالإشارة المفهمة يقع طلاقه بحسب الإشارة وكذا سائر تصرفاته؟! وقال ابن بَزيزَة: الذي يقتضيه النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن؛ لأنَّ فيه بذل النفس، إلَّا أنَّ الصبر على المحافظة على الصَّلوات وأدائها في أوقاتها والمحافظة على برِّ الوالدين أمر لازم متكرر دائم لا يصبر على مراقبته أمر الله فيه إلَّا الصدِّيقون، والله أعلم. قلت: وفي الحديث أنَّ طالب العلم يبدأ في تعلمه من العلم بما يدلُّ على أفضل الأعمال عند الله، فإن قلت: فعلى هذا تكون البداءة بالعلم المتعلِّق بذات الله وصفاته؟ قلت: هو كذلك، ولكن لما علم ﵇ أنَّ السائل عنده ذلك أجابه بمراده. فإن قلت: هل لعلم التوحيد عمل؟ قلت: علمُه عملُه وعملُه علمُه إذا قلنا: إنَّ اعتقاد القلب كان في ذلك دون النطق باللسان، فإن قلنا:

стр. 87

لا بدَّ من النطق باللسان فهو العمل على ما لا يخفى. انتهى. (٦) (بَابٌ الصَّلوات الخَمْسُ كَفَّارَةٌ لِلخَطَايَا) (بَابٌ) منوَّن تقديره: هذا باب يذكر فيه الصَّلوات الخمس كفَّارة، وهكذا وَقَعَ في أكثر الروايات، وهي أخصُّ من الترجمة السابقة على الَّتي قبلها، وفي بعض الروايات الترجمة سقطت، وعليه مشى ابن بطَّال ومن تبعه، وفي رواية الكُشْمِيهَني: <بَابٌ الصَّلوات الخَمْسُ كَفَّارَةٌ للخَطَايَا إَذَا صَلَاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ فِي الجَمَاعَةِ وَغِيْرِهَا>. وقوله: (الصَّلَوَاتُ) مبتدأ، و (الخَمْسُ) صفته، و (كَفَّارَةٌ) خبره، وقد مرَّ تفسير الكفَّارة في الباب السَّابق للباب الذي قبله. والخطايا جمع خطيئة، وهي الإثم، يقال: خطئ يخطأ خطأ وخطأة على وزن فِعلة بكسر الفاء، والخطيئة على وزن فعيلة: الإثم، ولك أن تُشدِّد الياء؛ لأنَّ كلَّ ياء ساكنة قبلها كسرة أو واو ساكنة قبلها ضمَّة، وهما زائدتان للمدِّ لا للإلحاق، ولا هما من نفس الكلمة، فإنَّك تقلب الهمزة بعد الواو واوًا وبعد الياء ياء وتدغمُ وتقول في مقروء: مقروٌّ، وفي خطيئة: خطيَّة، وأصل الخطايا خطائي على وزن فعائل، فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء؛ لأنَّ قبلها كسرة ثمَّ استثقلت، والجمع ثقيل، وهو معتلٌّ مع ذلك قلبت الياء ألفًا، ثمَّ قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين. ٥٢٨ - قوله: (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيْمُ بنُ حَمْزَةَ) أي بالحاء المهملة، مرَّ في كتاب الإيمان، قلت: في باب سؤال جبريل ﵇ النَّبِيَّ ﷺ عن الإيمان. انتهى. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابنُ أَبِي حَازِمٍ) أي عبد العزير بن أبي حازم -بالحاء المهملة- وقد مرَّ في باب نوم الرجال في المسجد. قوله: (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) أي عبد العزير بن محمَّد الدراوردي، نسبةً إلى دراورد -بفتح الدَّال والراء المهملتين ثمَّ ألف ثمَّ واو مفتوحة ثمَّ راء ساكنة ثمَّ دال مهملة- وهي قرية بخراسان، وقال أكثرهم: منسوب إلى دار بجرد مدينة بفارس، وهي من شواذِّ النسب. قوله: (عَنْ يَزيْدَ بنِ عَبْدِ اللهِ) أي من الزيادة، ابن أسامة بن الهاد اللَّيثي الأعرج، مات سنة تسع وثلاثين ومائة. قوله: (عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ) التيمي، مات سنة عشرين ومائة. قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف. قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال العَيني: سمَّاه البخاري: عبد الله، وقال عَمْرو بن علي: لا يُعرف له اسم. قلت: قد تقدَّم الخلاف في اسمه في باب أمور الإيمان. انتهى. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد، وبصيغة الجمع في موضع، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه السَّماع، وفيه اثنان اسم كلُّ منهما عبد العزيز، وفيه ثلاثة تابعيون وهم: يزيد وهو تابعي صغير، قال شيخنا: ولم أرَ هذا الحديث بهذا الإسناد إلَّا من طريقه، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق اللَّيث بن سعد وبكر بن مضر كلاهما عنه، نعم روي من طريق الأَعْمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة، أخرجه البَيْهَقي في «الشعب» من طريق محمَّد بن عُبَيْد عنه، لكنَّه شاذٌّ؛ لأن أصحاب الأَعْمَش إنَّما رووه عنه عن أبي سُفْيان عن جابر، وهو عند مسلم أيضًا من هذا الوجه. انتهى. ومحمَّد وأبو سلمة. وفيه: أنَّ رواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه أنَّ شيخ البخاري من أفراده. قوله: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 88

وَسَلَّم يَقُوْلُ: أَرَأَيتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُم يَغتَسِلُ فيهِ كُلَّ يَومٍ خَمْسًا، مَا تَقُوْلُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلوات الخَمْسِ يَمحُو اللهُ بِهَا الخَطَايَا). هذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّلاة عن قُتَيْبَة عن ليث وبكر بن مضر عن ابن الهاد، وأخرجه التِّرْمِذي في الأمثال عن قُتَيْبَة به، وأخرجه النَّسائي في الصَّلاة عن قُتَيْبَة عن اللَّيث وحدَه به. قوله: (أَرَأَيْتُمْ) الهمزة للاستفهام على سبيل التقرير، والتاء للخطاب، ومعناه: أخبروني هل يبقي؟ ويروى: ((أَرَأَيْتُكُمْ)) فالكاف والميم لا محلَّ لهما من الإعراب. قوله: (لَوْ أَنَّ نَهَرًا) قال الطِّيبي: لفظ لو يقتضي أن يدخل على الفعل وأن يجاب، لكنَّه وضِعَ الاستفهامُ موضعَه تأكيدًا وتقريرًا، والتقدير: لو ثبت نهر صفته كذا لما بقي كذا، والنهر بفتح الهاء وسكونها: ما بين جنبي الوادي، سمِّي بذلك لسعته، وكذلك سمِّي النَّهار لسعة ضوئه. قوله: (مَا تَقُوْلُ) قال شيخنا: كذا في النُّسخ المعتمدة بإفراد المخاطب، والمعنى: ما تقول أيُّها السامع؟ ولأبي نُعَيم في «المستخرج» على مسلم، وكذا للإسماعيلي والجَوْزَقي: ((ما تقولون؟)) بصيغة الجمع. انتهى. قلت: لفظ الجمع أوفق لقوله: (أَرَأَيْتُمْ) لكن في الإفراد التفات. انتهى. قال شيخنا: لم أرَ في شيء من طرقه عند أحد من الأئمَّة الستَّة وأحمد بلفظ: (ما تقول) إلَّا عند البخاري، وليس هو عند أبي داود أصلًا، وهو عند ابن ماجَهْ من حديث عُثْمان لا من حديث أبي هريرة، ولفظ مسلم: ((أرأيتَ لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدِكم يغتسلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مرَّات، هل ْكانَ يبقى من درنه شيء؟))، وعلى لفظه اقتصر عبد الحقِّ في الجمع بين «الصحيحين»، وكذا الحُمَيدي، ووَقَعَ في كلام بعض المتأخِّرين بعد أن ساقه بلفظ: ((مَا تَقُوْلُونَ؟)) إنَّه في «الصَّحيحين» و «السُّنن الأربعة»، وكأنَّه أراد أصل الحديث، لكن يردُّ عليه: إنَّه ليس عند أبي داود أصلًا، ولابن ماجَهْ من حديث أبي هريرة، ووَقَعَ في بعض النسخ المتأخِّرة من البخاري بالياء التحتانية آخر الحروف: ((من تقول؟))، فزعم بعض أهل العصر إنَّه غلط، وإنَّه لا يصحُّ من حيث المعنى، واعتمد على ما ذكره ابن مالك، أي من قوله: فيه شاهد على إجراء الفعل مجرى فعل الظنِّ، وشرطه: أن يكون مضارعًا إلى آخره كما سيأتي، وأخطأ في ذلك، بل له وجه وجيه، والتقدير: ما يقول أحدكم في ذلك؟ والشرط الذي ذكره ابن مالك وغيره من النُّحاة إمَّا لإجراء فعل القول مجرى فعل الظنِّ، وإما إذا ترك القول على حقيقته فلا، وهذا ظاهر، وإنَّما نبهت عليه؛ لئلَّا يُغتر به. انتهى. قوله: (ذَلِكَ) إشارة إلى الاغتسال، وقال ابن مالك: فيه شاهد على إجراء فعل القول مجرى فعل الظنِّ، والشرط فيه: أن يكون فعلًا مضارعًا مسندًا إلى المخاطب متَّصلًا باستفهام كما في هذا الحديث، ولغة سُليم إجراء فعل القول مجرى الظنِّ بلا شرط، فيجوز على لغتهم أن يقال: قلْتُ زيدًا منطلقًا ونحوه. وقوله: (مَا تَقُوْلُ) كلمة ما الاستفهاميَّة في موضع نصب بلفظ يبقي، وقُدم لأن الاستفهام له صدر الكلام، والتقدير: أيُّ شيء تظنُّ ذلك الاغتسال مبقيًا من درنه؟ و (تَقُوْلُ) يقتضي مفعولين أحدهما هو قوله: (ذَلِكَ)، والآخر وهو المفعول الثاني. قوله: (يُبْقِي) وهو بضمِّ الياء من الإبقاء.

стр. 89

قوله: (مِنْ دَرَنِهِ) -بفتح الدَّال المهملة والراء- وهو الوسخ، قال شيخنا: زاد مسلم ((شيئًا))، وقد يطلق الدرن على الحبِّ الصِّغار الَّتي تحصل في بعض الأجساد، ويأتي البحث في ذلك. انتهى. قوله: (قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا) قال العَيني: (شَيْئًا) منصوب؛ لأنَّه مفعول (لَا يُبْقِي) بضمِّ الياء أيضًا وكسر القاف، وفي رواية مسلم: ((لا يبقى من درنه شيء))، فشيءٌ مرفوع؛ لأنَّه فاعل. قوله: (لَا يَبْقَى) بفتح الياء والقاف. قوله: (فَذَلِكَ) الفاء فيه جواب شرط محذوف، أي إذا أقررتم ذلك وصحَّ عندكم فهو مثل الصَّلوات؟ وفائدة التمثيل التقييدُ وجعلُ المعقول كالمحسوس، وقال ابن العربي: وجه التمثيل: أنَّ المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه ويطهِّره الماء الكثير، فكذلك الصَّلوات تطهِّر العبد عن أقذار الذنوب حتَّى لا تبقي له ذنبًا إلَّا أسقطته وكفَّرته. فإن قلت: ظاهر الحديث يتناول الصَّغائر والكبائر؛ لأن لفظ الخطايا يطلَّق عليها. قال العَيني: روى مسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: ((الصَّلواتُ الخمسُ كفَّارةٌ لما بينها ما اجتنبت الكبائر))، وقال ابن بطَّال: يؤخذ من الحديث: أنَّ المراد الصَّغائر خاصَّة؛ لأنَّه شبَّه الخطايا بالدرن، والدَّرن صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من القروح والجراحات. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد بالدَّرن الحبُّ؟ قال العَيني: لا، بل المراد به الوسخ؛ لأنَّه هو الذي يناسبه التنظيف والتطهير، ويؤيِّد ذلك ما رواه أبو سعيد الخُدْري ﵁ إنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((أرأيتَ لو أنَّ رجلًا كان له معتمَل، وبينَ منزلِه ومعتملِه خمسة أنهار، فإذا انطلقَ إلى معتملِه عمل ما شاءَ الله فأصابه وسخ أو عرق، فكلَّما مرَّ بنهر اغتسل منه)) الحديث، رواه البزَّار والطَّبَراني بإسناد لا بأس به من طريق عطاء بن يَسار عنه. فإن قلت: الصَّغائر مكفّرة بنصِّ القرآن باجتناب الكبائر، فما الذي تكفِّره الصَّلوات الخمس؟ أُجيب: لا يتمُّ اجتناب الكبائر إلَّا بفعل الصَّلوات الخمس، فإذا لم يفعلها لم يكن مجتنبًا للكبائر؛ لأن تركها من الكبائر، فيتوقف التكفير على فعلها. قال شيخنا: وقد أجاب عنه شيخنا البُلْقِيني بأنَّ السؤال غير وارد؛ لأنَّ مراد الله: أن تجنبوا، أي في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث: أنَّ الصَّلوات الخمس تكفِّر ما بينها - أي في يومها - إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم، فعلى هذا لا تعارض بين الآية والحديث. انتهى. وقد فصَّل الإمام البلقيني أحوال الإنسان بالنسبة إلى ما ينحصر في خمسة: أحدها: ألَّا يصدر منه شيء البتَّة، فهذا يعاوض-أي: يعوض - برفع الدَّرجات. ثانيها: يأتي بصغائر بلا إصرار، فهذا تكفَّر عنه جزمًا. ثالثها: مثله، لكن مع الإصرار، فلا يكفَّر إذا قلنا: الاصرار على الصَّغائر كبيرة. رابعها: أن يأتي بكبيرة واحدة وصغائرَ. خامسها: أن يأتي بكبائر وصغائر، وهذا فيه نظر محتمل إذا لم يجتنب الكبائر ألَّا تكفِّر الكبائر بل تكفِّر الصَّغائر، ويحتمل ألَّا تكفِّر شيئًا أصلًا، والثاني أرجح؛ لأنَّ مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهة لا يُعمل به، فهنا لا يكفِّر شيء، إما لاختلاط الكبائر والصغائر، أو لتمحض الكبائر، أو تكفِّر الصغائر فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة لدورانه بين الفصلين

стр. 90

فلا يعمل به، ويؤيِّده: أنَّ مقتضى تجنب الكبائر أنَّ هناك كبائر، ومقتضى (ما اجتُنِبَت الكبائر) أنَّ لا كبائر، فيُصان الحديث عنه. قوله: (بِهَا) أي بالصلوات، ويروى: (بِهِ) بتذكير الضَّمير، أي بأداء الصَّلوات. قلت: فيه استحباب الوعظ، وأن الواعظ يمثل بالأشياء المحسوسة للمعاني المعقولة ليفهم السَّامع، وفيه أنَّ الذُّنوب تؤثِّر في الإنسان كما يؤثِّر الوسخ في الثَّوب، قال الله تعالى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوْبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُوْنَ﴾ [المطففين: ١٤]، والرين يعلو القلب كالصدأ، فإن تداركه الإنسان بالجلاء بالتوبة والذكر انجلى، وإن تركه حتَّى تراكم وكثر ولم يتب يخاف عليه ألَّا يصلحه إلَّا النَّار كالحديدة إذا تراكم عليها الصَّدأ، وانظر في الحديث تجد الصَّلوات الخمس فيها تداركٌ مع قرب عهد، والله أعلم. وفيه أنَّ المتكلِّم بالعلم مع غيره يطلب منه الموافقة على المقدِّمات المتَّفق عليها ليفهم القياس، وفيه أنَّ الحسنات يذهبن السيئات، وفيه ردٌّ على من يوجب العقاب على العاصي بقدر معصيته. انتهى. (٧) (بَابٌ في تَضيِيعِ الصَّلاة عَن وَقْتِها) أي هذا باب في بيان تضييع الصَّلاة عن وقتها، وتضييعها: تأخيرها إلى أن يخرج وقتها، وقيل: تأخيرها عن وقتها المستحبِّ، قال العَيني: والأوَّل أظهر؛ لأن التضييع إنَّما يظهر فيه، وهذه الترجمة إنَّما تثبت في رواية الحموي والكُشْمِيهَني، وليست بثابتة في رواية الباقين. ٥٢٩ - قوله: (حَدَّثَنِي مُوْسَى بنُ إِسْمَاعِيْلَ) أي المِنقَري التَّبوذكي. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ) أي -بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدَّال المهملة- ابن ميمون أبو يحيى، مات بالمدينة سنة اثنتين وسبعين ومائة. قوله: (عَنْ غَيْلَانَ) أي -بفتح الغين المعجمة- ابن جرير. قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك ﵁. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الإفراد في موضع، وبصيغة الجمع في موضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه أنَّ إسناده كلُّهم بصريون. قوله: (قَالَ: مَا أَعْرِفُ شَيْئًا ممَّا كَانَ عَلى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ قَبْلَ الصَّلَاةِ، قَالَ: أَلَيْسَ صَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ فِيْهَا؟). وجه مطابقته للترجمة في قوله: (أَلَيْسَ صَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ فِيْهَا؟) يعني: من التضييع. هذا الحديث من أفراد البخاري. قوله: (قِيْلَ: الصَّلَاةُ) أي قيل له: الصَّلاة هي شيء مما كان على عهد النَّبِيِّ ﷺ وهي باقية، فكيف تصدق القضيَّة السالبة عامَّة. قال شيخنا: وهذا الذي قال لأنس ذلك يقال له: أبو رافع، بيَّنه أحمد بن حنبل في روايته لهذا الحديث عن رَوْح عن عُثْمان بن سعد عن أَنَس فذكر نحوه، فقال أبو رافع: يا أبا حمزة، ولا الصلاة؟ فقال له أنس: قد علمتم ما صنع الحجَّاج في الصَّلاة. انتهى. فأجاب أَنَس بقوله: أليس صنعتم ما صنعتم فيها؟ يعني: من تضييعها، وهو خروجها عن وقتها. وقال المُهَلَّب: المراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها المستحبِّ، لا أنَّهم أخرجوها عن الوقت، وتبعه على هذا جماعة. قال العَيني: الأصحُّ ما ذكرناه؛ لأنَّ أنسًا ﵁ إنَّما قال ذلك حين علم أنَّ الحجَّاج والوليد بن عبد الملك وغيرهما كانوا يؤخِّرون الصَّلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة، منها ما رواه عبد الرزَّاق عن ابن جُرَيج عن عطاء قال: أخَّر الوليد الجمعة حتَّى أمسى، فجئت فصلِّيت الظُّهر

стр. 91

قبل أن أجلس، ثمَّ صلِّيت العصر وأنا جالس إيماءً وهو يخطب. وإنَّما فعل ذلك عطاء خوفًا على نفسه. ومنها ما رواه أبو نُعَيم شيخ البخاري في «كتاب الصلاة» من طريق أبي بكر بن عُتْبَة قال: صلِّيت إلى جنب أبي جُحَيفة، فمشى الحجَّاج للصلاة، فقام أبو جُحَيفة فصلَّى، ومن طريق أبي عُمَر: إنَّه كان يصلِّي مع الحجَّاج، فلما أخَّر الصَّلاة ترك أن يشهدها معه، ومن طريق محمَّد بن إسماعيل قال: كنت بمنى وصحفُ تُقرأ للوليد فأخَّروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جُبَير وعطاء يومئان إيماءً وهما قاعدان. ومما يؤيِّد ما ذكرناه قولُه تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] قال أبو مسعود ﵁: أخَّروها عن مواقيتها وصلُّوها لغير وقتها. قوله: (أَلَيْسَ) اسمه ضمير الشأن. قوله: (أَلَيْسَ صَنَعتُمْ مَا صَنَعْتُمْ فِيْهَا؟) بصادين مهملتين والنُّون في رواية الأكثرين، وفي رواية النَّسَفي بالمعجمتين وتشديد الياء آخر الحروف، قال ابن قُرقول: رواية العُذْري: ((صنعتم)) بالصَّاد المهملة، ورواية النَّسَفي بالمعجمة والياء المُثَنَّاة من تحت، قال: والأوَّل أشبه، يريدُ ما أحدثوا من تأخيرها، قال العَيني: إلَّا إنَّه جاء في نفس الحديث ما يبين إنَّه بالضَّاد المعجمة وهو قوله: (ضيعت) في الحديث الآتي. انتهى. قال شيخنا: ورواية النَّسَفي واضحة في مطابقة الترجمة. ويؤيِّد الأوَّل ما رواه أحمد بن حنبل عن روح عن عُثْمان بن سعد - أي الَّتي تقدَّمت آنفًا - وما رواه التِّرْمِذي من طريق أبي عِمْران الجوني عن أنس، فذكر نحو هذا الحديث وقال في آخره: أولم تصنعوا في الصَّلاة ما قد علمتم؟ وروى ابن سعد في «الطبقات» سببَ قول أَنَس هذا القول، فأخرج في ترجمة أَنَس من طريق عبد الرحمن بن العريان الحارثي: سمعت ثابتًا البناني قال: كنا مع أَنَس بن مالك، فأخرج الحجَّاج الصلاة، فقام أَنَس يريد أن يكلِّمه فنهاه إخوانه شفقةً عليه منه، فخرج فركب دابته فقال في مسيره ذلك: والله ما أعرف شيئًا مما كنا على عهد رسول الله ﷺ إلَّا شهادة إلَّا إله إلَّا الله، فقال رجل: فالصَّلاة يا أبا حمزة؟ قال: قد جعلتم الظُّهر عند المغرب، أفتلك كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟! وأخرجه ابن أبي عُمَر في «مسنده» من طريق حمَّاد عن ثابت مختصرًا. ٥٣٠ - قوله: (حَدَّثَنا عَمْرو بنُ زُرَارَةَ) أي بضمِّ الزاي وبالراءين المهملتين، مرَّ في باب: قدرُ كم ينبغي أن يكون بين المصلِّي والسترة. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ وَاصِلٍ) أبو عُبَيْدة الحدَّاد أي السُّدوسي البصري، مات سنة تسع ومائة. قوله: (عَنْ عُثْمان بنِ أَبِي رَوَادٍ أَخِي عَبْدِ العَزِيْزِ) أي بفتح الرَّاء المهملة وتشديد الواو وبالدَّال المهملة، واسمه ميمون. قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْري يَقُوْلُ) أي محمَّد بن مسلم بن شِهاب، قوله: (دَخَلْتُ عَلَى أَنَس بنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ). في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضع، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع، وفيه العنعنة في موضع، وفيه القول في خمس مواضع، وفيه أنَّ رواته ما بين نيسابوري وخراساني وبصري ومدني، وفيه (أخو عبد العزيز) في رواية الأكثرين، أي هو أخو عبد العزيز، وفي رواية

стр. 92

الكُشْمِيهَني: <أَخِي عَبْدِ العَزِيْزِ> بدل من عثمان. قوله: (وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيْكَ؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَهَذِهِ الصَّلاة قَدْ ضُيِّعَتْ). مطابقته للترجمة في قوله: (ضُيِّعَتْ) وهذه المطابقة أظهر من مطابقة الحديث السَّابق إلَّا في الرواية بالضاد كما تقدَّم. قوله: (بِدِمَشْقَ) -بكسر الدَّال المهملة وفتح الميم بعدها شين معجمة ساكنة- وزَعَمَ الكلبي في كتابه «أسماء البلدان» تأليفه: إنَّما سمِّيت دمشق؛ لأنَّه بناها دماشق بن قاني بن مالك بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇. وقال أهل الأثر: سمِّيت بدماشق بن نمرود بن كنعان، وهو الذي بناها، وكان مع إبراهيم، كان دفعه نمرود إليه بعد أن نجاه الله تعالى من النَّار. وعن إِسْحاق بن أيُّوب: الشَّيطان الذي بناه كان اسمه جيرون، وكان من بناء سُلَيمان ﵇. وقال ابن عساكر: قيل: إنَّ نوحًا ﵇ اختطها. وقيل: بناها العازر، واسمه دمشق غلام إبراهيم ﵇ وكان حبشيًا وهبه له نمرود. وقيل: إنَّ الذي بناها بيوراسب. وعن البكري عن الحسن بن أحمد الهَمْداني: نزل جيرون بن سعد بن عاد دمشق وبنى مدينتها، فسمِّيت باسمه جيرون، قال: وهي إرم ذات العماد، ويقال: إنَّ بها أربع مائة ألف عمود من حجارة. وقال أهل اللُّغة: اشتقاق دمشق من قولهم: ناقة دمشق اللحم إذا كانت خفيفة اللحم، والدَّمْشقة الخفة، قال شيخنا: كان قدوم أَنَس دمشق في إمارة الحجَّاج على العراق، قدمها شاكيًا من الحجَّاج للخليفة وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك. قوله: (وَهُوَ يَبْكِي) جملة اسميَّة وقعت حالًا من أنس. قوله: (مِمَّا أَدْرَكْتُ) أي في عهد رسول الله ﷺ . قوله: (إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ) بالنَّصب لا غير، سواء جعلته استثناء أو بدلًا من قوله: (شيئًا) قال شيخنا: والمراد إنَّه لا يعرف شيئًا موجودًا من الطَّاعات معمول به على وجهه غير الصَّلاة. قوله: (وَهَذِهِ الصَّلَاةُ) جملة اسميَّة. قوله: (قُدْ ضُيِّعَتْ) وقعت حالًا من الصَّلاة. قوله: (وَقَالَ بَكْرُ بنُ خَلَفٍ) أي بالخاء المعجمة واللَّام المفتوحتين، قال الغَسَّاني: بكر بن خلف البُرْساني أبو بِشر، ذكره البخاري مستشهدًا به في كتاب الصَّلاة بعد حديثٍ ذكره عن أبي عُبَيْدة الحدَّاد، وهو ختن عبد الله بن يزيد المقرئ، مات سنة أربعين ومائتين. قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَكْرٍ البُرْسَانيُّ) أي بضمِّ الباء الموحدة وسكون الراء، وبالسِّين المهملة وبالنُّون، البصري منسوب إلى بُرْسان بطنٍ من أزد، مات سنة ثلاث ومائتين. قوله: (أَخْبَرَنَا عُثْمان بنُ أَبِي رَوَادٍ) أي المذكور في السند المتقدِّم. قوله: (نَحْوَهُ) أي مثل الحديث، هذا التعليق وصله الإسماعيلي فقال: أخبرنا محمود بن محمَّد الواسطي، حدَّثنا أبو بشر بكر بن خلف، حدَّثنا محمَّد بن بكر. ورواه أيضًا أبو نُعَيم عن أبي بكر بن خَلَّاد، حدَّثنا أحمد بن علي الخراز، حدَّثنا بكر بن خلف، حدَّثنا محمَّد ختن المقرئ، حدَّثنا محمَّد بن بكر فذكره. قوله: (نَحْوَهُ) أي نحو سَوق عَمْرو بن زُرَارة عن عبد الواحد عن عُثْمان بن أبي رَوَّاد... إلى آخره، والذي ذكره الإسماعيلي موافق للذي قبله، وفيه زيادة، وهي: لا أعرف شيئًا مما كنا عليه في عهد رسول الله ﷺ ، والباقي

стр. 93

سواء، قال شيخنا زاد فيه: وهو وحده... إلى آخره. تنبيه: إطلاق أَنَس محمول على ما شاهده من أمراء الشَّام والبصرة خاصَّة، وإلا فسيأتي في هذا الكتاب إنَّه قدم المدينة فقال: ما أنكرت شيئًا إلَّا أنكم لا تقيمون الصُّفوف، والسبب فيه: إنَّه قدم المدينة وعمرُ بن عبد العزيز أميرها حينئذ، وكان على طريقة أهل بيته، حتَّى أخبره عُرْوَة عن بشر بن أبي مسعود عن أبيه بالنصَّ على الأوقات، فكان يحافظ بعد ذلك على عدم إخراج الصَّلاة عن وقتها، كما تقدَّم بيانه في أوائل الصَّلاة، ومع ذلك كان يراعي الأمر معهم فيأخِّر الظُّهر إلى آخر وقتها، وقد أنكر ذلك أَنَس أيضًا كما في حديث أبي أمامة بن سهل عنه. انتهى. (٨) (بَابٌ المُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ) أي هذا باب يذكر فيه المصلِّي يناجي ربَّه، مِنْ ناجاه يناجيه مناجاة فهو مناجٍ، وهو المخاطِب لغيره والمحدِّث له، وثلاثيُّه مِن نجا ينجو نجاةً إذا أسرع، ونجا من الأمر إذا خَلَص، وأنجاه غيرُه. ومناسبة هذا الباب بالأبواب الَّتي قبله الَّتي تضمَّنها كتاب مواقيت الصَّلاة من حيث إنَّ فيه بيان أنَّ أوقات أداء الصَّلاة [أوقاتُ] (١) مناجاة الله تعالى، ومناجاة الله تعالى لا تحصل للعبد إلَّا فيها خاصَّة، والأحاديث السَّابقة دلَّت على مدح من صلَّى في وقتها وذمِّ من أخَّرها عن وقتها، وأورد البخاري أحاديث هذا الباب ترغيبًا للمصلِّي في تحصيل هذه الفضيلة على الوجه المذكور في أحاديث هذا الباب؛ لئلَّا يحرم عن هذه المنزلة السنيَّة الَّتي يخشى فواتها على المقصر في ذلك. ٥٣١ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ) أي أبو عَمْرو البصري. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي بفتح الدَّال. قوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة بكسر الدَّال. قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَتْفُلَنَّ عَنْ يَمِيْنِهِ، وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى). مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الإسناد بعينه قد مرَّ في الحديث الأوَّل في باب زيادة الإيمان ونقصانه حيث قال: حدَّثنا مسلم بن إبراهيم حدَّثنا هشام حدَّثنا قَتَادَة عن أَنَس قال: ((يخرج من النَّار من قال: لا إله إلَّا الله)) الحديث، وهذا الحديث قد مضى في باب حكِّ البزاق باليد من المسجد بأطولَ منه، رواه عن قُتَيْبَة عن إسماعيل بن جعفر عن حُمَيْد عن أنس: ((أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رأى نُخَامَةً)) الحديث، وأخرجه أيضًا في باب لا يبصق عن يمينه في الصَّلاة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخُدْري ﵄، وأخرج أيضًا عن أَنَس من حديث شُعْبَة عن قَتَادَة عنه من طرق مختلفة، وأخرجه أيضًا عن أبي هريرة، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفىً. قوله: (وَقَالَ سَعِيْدٌ) أي ابن أبي عَرُوبَة. قوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي قال سعيد عن قَتَادَة بالإسناد المذكور: ((لَا يَتْفِلُ قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ)). طريقه موصولة عند الإمام أحمد وابن حبَّان، وقوله فِيها: (أَوْ بَيْنَ يَدَيِهِ) شكٌّ من الراوي، ومعناه: قدَّامه. قوله: (وَقَالَ شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج: (لَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) أي قال شُعْبَة عن قَتَادَة بالإسناد أيضًا، وقد أوصله البخاري فيما تقدَّم

стр. 94

عن آدم عنه. قال شيخنا: وأراد بهذين التعليقين بيان اختلاف أصحاب قَتَادَة عنه في رواية هذا الحديث، ورواية شُعْبَة أتمُّ الروايات، لكن ليس فيها المناجاة. انتهى. قوله: (وَقالَ حُمَيْدٌ عَن أَنَس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا يَبْزُقَنَّ فِي القِبْلَةِ وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)، أوصله البخاري أيضًا فيما تقدَّم، ولكن ليس في تلك الطريقة قوله: (وَلا عَنْ يَمِيْنِهِ). وقال الكِرْماني: هذه تعليقات، لكنَّها ليست موقوفة على شُعْبَة ولا على قَتَادَة، يعني: بل هي مرفوعة، ويحتمل الدُّخُول تحت الإسناد السَّابق بأن يكون معناه مثلًا: حدَّثنا مسلم، حدَّثنا شُعْبَة عن قَتَادَة عن أَنَس عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال شيخنا: وهو احتمال ضعيف بالنِّسبة لشُعْبَة؛ فإنَّ مسلم بن إبراهيم سمع منه، وباطل بالنِّسبة لسعيد؛ فإنَّه لا رواية له عنه، والذي ذكرته هو المعتمد، وكذا طريق حُمَيْد وصلها المؤلِّف في أوائل أبواب المساجد من طريق إسماعيل بن جعفر عنه، لكن ليس فيها قوله: (وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ). قوله: (حَدَّثَنَا حَفْص بنُ عُمَرَ، قالَ: حَدَّثنا يَزيْدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَة عَنْ أَنَس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اعتَدِلُوا في السُّجُوْدِ، وَلا يَبْسُطْ ذِرَاعَيهِ كَالكَلْبِ، وَإِذَا بَزَقَ فَلا يَبْزُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ). مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله تقدَّموا، وفي إسناده التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، والعنعنة في موضعين، وفيه القول. ٥٣٢ - قوله: (اعْتَدِلُوا فِي السُّجُوْدِ) يأتي الكلام عليه في أبواب صفة الصلاة، وقال العَيني: المقصود من الاعتدال فيه: أن يضع كفَّه على الأرض ويرفع مرفقيه عنها وعن جنبيه ويرفع البطن عن الفخذ، والحكمة فيه: إنَّه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض وأبعد من هيئات الكسالى، فإن المنبسط يشبه الكلب ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة وقلَّة الاعتناء بها والإقبال عليها. والاعتدال من عدلته فاعتدل، أي قوَّمته فاستقام، قاله الجَوْهري. قوله: (وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ) بسكون الطَّاء، وفاعله مضمَر، أي المصلِّي، وفي بعض النُّسخ: ((أَحَدُكُمْ)) بإظهار الفاعل، والذِّراع: السَّاعد. قوله: (فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: <فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ> وسأل الكِرْماني ههنا ما ملخَّصه: أنَّ فيما مضى جعل المناجاة علَّة لنهي البزاق في القدَّام فقط لا في اليمين حيث قال: (فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللهَ) وقال: (وَلَا عَنْ يَمِيْنِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِيْنِهِ مَلَكًا) وأجاب: بأنَّه لا محذور بأن تعلل الشيء بعلَّتين منفردتين أو مجتمعتين؛ لأنَّ العلَّة الشرعيَّة معرّفة، وجاز تعدد المعرّفات، فعلل نهي البزاق عن اليمين بالمناجاة وبأنَّ ثمَّة ملكًا، وقال أيضًا: عادة المناجي أن يكون في القدَّام، وأجاب بأنَّ المناجي الشَّريف قد يكون قدَّامًا وقد يكون يمينًا. (٩) (بابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ) أي هذا باب في بيان فضل الإبراد بصلاة الظُّهر عند شدَّة الحرِّ، وسنفسِّر الإبراد في الحديث، وإنما قدَّم باب الإبراد بالظُّهر

стр. 95

على باب وقت الظُّهر للاهتمام به، وقال شيخنا: لأنَّ لفظ الإبراد يستلزم أن يكون بعد الزَّوال لا قبله؛ إذ وقت الإبراد هو ما إذا انحطَّت قوَّة الوهج من حرِّ الظَّهيرة، فكأنَّه أشار إلى أوَّل وقت الظُّهر، أو أشار إلى حديث جابر بن سَمُرَة قال: كان بلال يؤذِّن الظُّهر إذا دحضت الشَّمس. أي مالت ٥٣٣ - ٥٣٤ - قوله: (حَدَّثَنَا أيُّوْبُ بنُ سُلَيْمَان بنِ بِلَالٍ) أي المدني، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) أي عبد الحميد بن أبي أُويس الأَصْبَحي، توفِّي سنة ثنتين ومائة. قوله: (عَنْ سُلَيْمَانَ) أي ابن بلال والد أيُّوب المذكور. قوله: (قَالَ صَالِحٌ) أي ابن كيْسان. قوله: (حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ) أي عبد الرحمن بن هُرمُز. قوله: (وَغَيْرُهُ) أي غير الأعرج، قال شيخنا: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن فيما أظنُّ، وقد رواه أبو نُعَيم في «المستخرج» من وجه آخر عن أيُّوب بن سُلَيمان فلم يقل فيه: وغيره. انتهى. قوله: (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر ﵁. قوله: (وَنافِعٌ مَولَى عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) بالرفع عطف على الأعرج. قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب ﵄. قوله: (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ) أي أبو هريرة وابن عُمَر. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وبصيغة التثنية من الماضي في موضع واحد، وفيه العنعنة في أربع مواضع، وفيه القول في ثلاث مواضع، وفيه أنَّ رواته كلُّهم مدنيُّون، وفيه صحابيان وثلاثة من التَّابعين، وهم صالح بن كَيْسان، فإنَّه رأى عبد الله بن عُمَر، قاله الواقدي والأعرج ونافع، وفيه أنَّ أبا بكر من أقران أيُّوب، وفيه أنَّ أيُّوب روى عن والده سُلَيمان هنا بواسطة، قال شيخنا: تارة يروي عنه بواسطة، وتارة بلا واسطة. انتهى. قوله: (عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ إنَّه قَالَ: إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ). مطابقته للترجمة من حيث إنَّ المراد بقوله: (فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ) هي صلاة الظُّهر؛ لأنَّ الإبراد إنَّما يكون في وقت يشتدُّ الحرُّ فيه، وذلك وقت الظُّهر، ولهذا صرَّح بالظُّهر في حديث أبي سعيد حيث قال: ((أَبْرِدُوا بالظُّهْرِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)) على ما يأتي في آخر هذا الباب، والبخاري حمل المطلق على المقيَّد في هذه الترجمة. قوله: (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ) أي أبو هريرة وابن عُمَر حدَّثا من حدَّث صالح بن كَيْسان، ويحتمل أن يعود الضَّمير في (أَنَّهُمَا) إلى الأعرج ونافع، أي أنَّ الأعرج ونافعًا حدَّثاه، أي صالح بن كَيْسان عن شيخيهما بذلك، ووَقَعَ في رواية الإسماعيلي أنهما حدَّثا بغير ضمير، فلا يحتاج إلى التقدير المذكور. قوله: (إِذَا اشَتَدَّ الحَرَّ) من الاشتداد من باب الافتعال، وأصله: اشتدد، أدغمت الدَّال الأولى في الثانية. قوله: (فَأَبْرِدُوا) -بفتح الهمزة- من الإبراد، قال الزَّمَخشَري في «الفائق» : حقيقة الإبراد الدخول في البرد، والباء للتعدية، والمعنى: إدخال الصَّلاة في البرد، ويقال: معناه: افعلوها في وقت البرد، وهو الزَّمان الذي يتبيَّن فيه شدَّة انكسار الحرِّ؛ لأنَّ شدَّة الحرِّ تذهب الخشوع. وقال السَّفَاقُسي: (أَبْرِدُوا) أي ادخلوا في وقت الإبراد مثل أظلم: دخل في الظَّلام، وأمسى:

стр. 96

دخل في المساء، قال شيخنا: وأظهر إذا دخل في الظَّهيرة، ومثله في المكان: أنجد إذا دخل نجدًا، وأَتْهَم إذا دخل تِهامة. انتهى. وقال الخطَّابيُّ: الإبراد: انكسار شدَّة حرِّ الظَّهيرة، وذلك أنَّ فتور حرِّها بالإضافة إلى وقت الهاجرة بردٌ، وليس ذلك بأن يؤخِّر إلى آخر بردَي النَّهار وهو برد العشي؛ إذ فيه الخروج عن قول الأئمَّة. قوله: (بِالصَّلَاةِ) وفي حديث أبي ذرٍّ الذي يأتي بعد هذا الحديثُ عن الصلاة، والفرق بينهما: أنَّ الباء هو الأصل، وأما (عَنْ) ففيه تضمين معنى التأخير، أي تأخَّروا عنها مبرِّدين، وقيل: هما بمعنى واحد؛ لأن عَنْ تأتي بمعنى الباء كما يقال: رميت عن القوس، أي بالقوس، وقيل: الباء زائدة، والمعنى: أبردوا الصَّلاة. وقوله: (بِالصَّلَاةِ) بالباء هو رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَني: <عَنِ الصَّلَاةِ> كما في حديث أبي ذرٍّ، وقال شيخنا: قوله: (بِالصَّلَاةِ) الباء للتعدية، وقيل: زائدة، ومعنى (أَبْرِدُوا) : أخِّروا، على سبيل التضمين، أي أخَّروا الصلاة. قال العَيني: قوله: للتعدية غيرُ صحيح؛ لأنَّه لا يجمع في تعدية اللازم بين الهمزة والباء، فافهم، وقوله: على سبيل التَّضمين أيضًا غير صحيح؛ لأنَّ معنى التَّضمين في رواية (عَنْ) كما ذكرنا، لا في رواية الباء، فافهم، وقد ذكرنا: أنَّ المراد من الصَّلاة هي صلاة الظُّهر. انتهى. قلت: ما قاله شيخنا صحيح يشهد له قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] فإن قلت: قال العلماء باللَّغة: إنَّ سرى وأسرى بمعنىً واحد، أقول: قال صاحب المفردات: وقيل: أسرى ليست من لفظة سَرَى، إنَّما هي من السَّراة وهو أرض واسعة، فقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] أي ذهب به في سَراةٍ من الأرض، وقوله: على سبيل التَّضمين، لم يقل فيه على رواية الباجي يُعترض بهذا. انتهى. قوله: (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ) الفاء فيه للتعليل، أراد أنَّ علَّة الأمر بالإبراد هي شدَّة الحرِّ، واختلف في حكمة هذا التأخير، فقيل: دفع المشقَّة لكون شدَّة الحرِّ مما يذهب الخشوع، وقيل: لأنَّه وقت تسجر فيه جهنَّم كما روى مسلم من حديث عَمْرو بن عَبَسَةَ حيث قال له ﵇: ((اقصرْ عنِ الصَّلاة عندَ استواءِ الشَّمسِ؛ فإنَّها ساعةٌ تسجرُ فيها جهنَّمُ)). انتهى. فهذه الحالة ينتشر فيها العذاب. فإن قلت: الصَّلاة سبب الرحمة، وإقامتها مظنَّة دفع العذاب، فكيف أمر ﵇ بتركها في هذه الحالة؟ أجيب عنه بجوابين، أحدهما قاله اليعمري: بأن التعليل إذا جاء من جهة الشَّارع وجب قبوله وإن لم يفهم معناه، والآخر من جهة أهل الحكمة، وهو استنباط ابن المنيِّر، وهو أنَّ هذا الوقت وقت ظهور الغضب، فلا ينجع فيه الطلب إلَّا ممن أُذن له في ذلك كما في حديث الشَّفاعة، حيث اعتذر الأنبياء كلُّهم للأمم بذلك سوى رسول الله ﷺ ؛ فإنَّه أُذن له في ذلك. قلت: في تعليل أهل الحكمة هذا نظر؛ فإنَّه ﵇ قال في الكسوف: ((إنَّ اللهَ يُخَوْفُ بِهِ عِبَادَهُ))، وقال: ((إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافزَعُوا إلى الصَّلَاةِ))، والذي يظهر أنَّ تعليله بذلك إرشادٌ إلى تحقيق المشقَّة، قال شيخنا: ويمكن أن يقال: سَجْر جهنَّم سبب فتحها، وفتحُها سبب وجود شدَّة الحرِّ،

стр. 97

وهو مظنَّة المشقَّة الَّتي هي مظنَّة سلب الخشوع فناسب ألَّا يُصلَّى فيها، لكن يردُّ عليه أنَّ سجرها مستمرٌّ في جميع السنة، والإبراد مختصٌّ بشدَّة الحرِّ فيها متغايران، فحكمة الإبراد دفع المشقَّة، وحكمة الترك وقت سَجْرها لكونه وقت ظهور أثر الغضب، والله أعلم. انتهى. قوله: (مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) -بفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة- وهو سطوع الحرِّ وفورانه، وقال شيخنا: فيح جهنم سِعَة انتشارها وتنفُّسها، ومنه: مكان أفيح، أي متسع، وهذا كناية عن شدِّة استعارها. انتهى. ويقال بالواو: فَوَح، وفاحت القدرة تفوح إذا غلت، وقال ابن سيده: فاح الحرُّ يفيح فيحًا سطع وهَاجَ، قال شيخنا: وظاهره أنَّ مَثار وهج الحرِّ في الأرض من فيح جهنَّم حقيقة، وقيل: هو من مجاز التشبيه، أي كأنَّه نار جهنَّم في الحرِّ، والأوَّل أولى، ويؤيِّده الحديث الآتي: ((اشتكت النَّار إلى ربِّها، فأذِّن لها بنفسين)) وسيأتي البحث فيه. انتهى. وأما لفظ جهنَّم فقد قال قُطْرُب: زَعَمَ يُونُس إنَّه اسم أعجمي، وفي «الزاهر» لابن الأَنْباري: قال أكثر النَّحويين: هي أعجميَّة لذا لا تجري للتعريف والعجمة، وقيل: إنَّه عربي، ولم تجرِ للتعريف والتأنيث، وفي «المغيث» : هي تعريف (١) كهنَّام بالعبرانيَّة، وذكره في «الصِّحاح» في الرُّباعي ثمَّ قال: هو ملحق بالخماسي لتشديد الحرف الثالث، وفي «المحكم» : سُمِّيت جهنَّم لبعد قعرها، ولم يقولوا فيها: جهنام، ويقال: بئر جهنام بعيدة القعر، وبه سُمِّيت جهنَّم، وقال أبو عمرو: جهنام اسم وهو الغليظ البعيد القعر. انتهى. فيه: الأمر بالإبراد في صلاة الظهر، واختلفوا في كيفيَّة هذا الأمر، فحكى القاضي عياض وغيره: أنَّ بعضهم ذهب إلى أنَّ الأمر فيه للوجوب، وقال شيخنا: وغفل الكِرْماني فنقل الإجماع على عدم الوجوب، قال العَيني: لا يقال: إنَّه غفل، بل الذين نقل عنهم فيه الإجماع كأنَّهم لم يعتبروا كلام من ادَّعى الوجوب فصار كالعدم، وأجمعوا على أنَّ الأمر للاستحباب، قال شيخنا: والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب. وقال جمهور أهل العلم: يستحبُّ تأخير الظهر في شدَّة الحرِّ إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، وخصَّه بعضهم بالجماعة، فأما المنفرد فالتعجيل في حقِّه أفضل، وهذا قول أكثر المالكيَّة والشافعي، لكن خصَّه أيضًا بالبلد الحارِّ، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدًا من بُعد، فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كُنٍّ فالأفضل في حقِّهم التعجيل، والمشهور عن أحمد التسوية من غير تخصيص ولا قيد، وهو قول إِسْحاق والكوفيين وابن المنذر، واستدلَّ له التِّرْمِذي بحديث أبي ذرٍّ الآتي بعد هذا؛ لأنَّ في روايته أنَّهم كانوا في سفر، وهي رواية للمصنِّف أيضًا ستأتي قريبًا، قال: فلو كان على ما ذهب إليه الشافعي لم يأمر بالإبراد لاجتماعهم في السَّفر وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد، قال التِّرْمِذي: والأوَّل أولى بالاتباع. وتعقَّبه الكِرْماني بأن العادة في العسكر الكثير تفرُّقهم في أطراف المنزل للتخفيف وطلب المرعى، فلا نسلِّم اجتماعهم في تلك

стр. 98

الحال. انتهى. قال شيخنا: وأيضًا فلم تجر عادتهم باتِّخاذ خِباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرَّقون في ظلال الشجر، وليس هناك كنٌّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته إنَّه استنبط من النصِّ العامِّ - وهو الأمر بالإبراد - معنى يخصِّصه، وذلك جائز على الأصحِّ في الأصول، لكنَّه مبني على أنَّ العلَّة في ذلك تأذِّيهم بالحرِّ في طريقهم، وللمتمسِّك بعمومه أن يقول: العلَّة فيه تأذِّيهم بحرِّ الرمضاء في جباههم حالة السجود، ويؤيِّده حديث أنس: ((كنَّا إذا صلَّينا خلفَ النَّبِيِّ ﷺ بالظَّهائرِ سجدنا على ثيابِنا اتِّقاءَ الحرِّ)) وسيأتي قريبًا. والجواب عن ذلك: أنَّ العلَّة الأولى أظهر، فإن الإبراد لا يزيل الحرَّ عن الأرض، وذهب بعضهم إلى أنَّ تعجيل الصَّلاة أفضل مطلقًا، وقالوا: معنى (أَبْرِدُوا) : صلُّوا في أوَّل الوقت، أخذًا من برد النَّهار وهو أوَّله، وهو تأويل بعيد، ويرده قوله: (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) إذ التعليل بذلك يدلُّ على أنَّ المطلوب التأخير، وحديث أبي ذرٍّ الآتي صريح في ذلك حيث قال: (انتظر)، والحامل لهم على ذلك حديث خباب ((شَكَوْنَا إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمِ يُشْكِنَا)) أي لم يزل شكوانا، وهو حديث صحيح رواه مسلم، وتمسَّكوا أيضًا بالأحاديث الدالة على فضيلة أوَّل الوقت، وبأنَّ الصَّلاة حينئذ أكثر مشقَّة فتكون أفضل. والجواب عن حديث خَبَّاب: إنَّه محمول على أنَّهم طلبوا تأخيرًا زائدًا عن وقت الإبراد، وهو زوال حرِّ الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، فلذلك لم يجبهم، أو هو منسوخ بأحاديث الإبراد؛ فإنها متأخِّرة عنه، واستدلَّ له الطَّحاوي بحديث المغيرة بن شُعْبَة قال: (كنَّا نصلِّي معَ رسولِ اللهِ ﷺ الظُّهرَ بالهاجرةِ، ثمَّ قالَ لنا: أبردوا بالصَّلاة) الحديث، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد وابن ماجَهْ وصحَّحه ابن حبَّان، ونقل الخَلَّال عن أحمد إنَّه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، وجمع بعضهم بين الحديثين بأنَّ الإبراد رخصة والتعجيل أفضل، وهو قول من قال: إنَّه أمر إرشاد، وعكسه بعضهم فقال: الإبراد أفضل، وحديث خباب يدلُّ على الجواز. والجواب عن أحاديث أوَّل الوقت: إنَّها عامَّة أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاصٌّ، ولا التفات إلى من قال: التعجيل أكثر مشقَّة فيكون أفضل؛ لأنَّ الأفضليَّة لم تنحصر في الأشقِّ، بل قد يكون الأخفُّ أفضل كما في قصر الصَّلاة في السَّفر. انتهى. قال العَيني: فإن قلت: ما القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب وظاهر الكلام يقتضيه؟ قلت: لما كانت العلَّة فيه دفع المشقَّة عن المصلِّي لشدَّة الحرِّ، وكان ذلك للشفقة عليه فصار من باب النَّفع له، فلو كان للوجوب يصير عليه ويعود الأمر على موضعه بالنَّقض. وقال شيخنا: وحديث خَبَّاب هو الصارف للأمر عن الوجوب، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن ظاهره المنع من التأخير، وقيل: معنى قول خَبَّاب: (فَلَمْ يُشْكِنَا) أي لم يحوجنا إلى شكوى بل أذَّن لنا في الإبراد. حُكِي عن ثعلب، ويردُّه أنَّ في الخبر زيادة رواها ابن المنذر بعد قوله: (فَلَمْ يُشْكِنَا) وقال: ((إِذَا زَالَتِ الشَّمس فَصَلُّوا)). انتهى. وفي «التَّوضيح» :

стр. 99

اختلف الفقهاء في الإبراد بالصَّلاة، فمنهم من لم يردَّه، وتأوَّل الحديث على إيقاعها في برد الوقت وهو أوَّله، والجمهور من الصحابة والتَّابعين وغيرهم على القول به، ثمَّ اختلفوا فقيل: إنَّه عزيمة، وقيل: واجب تعويلًا على صيغة الأمر، وقيل: رخصة، ونصَّ عليه في «البويطي»، وصحَّحه الشيخ أبو علي من الشافعيَّة، وأغرب النَّوَوي فوصفه في «الروضة» بالشذوذ، لكنَّه لم يحكِه قولًا، وبنوا على ذلك: أنَّ من صلَّى في بيته أو مشى في كُنٍّ إلى المسجد هل يسنُّ له الإبراد؟ إن قلنا: رخصة، لم يسنَّ له؛ إذ لا مشقَّة عليه في التعجيل، وإن قلنا: سنَّة، أبرد وهو الأقرب لورود الأثر به مع ما اقترن به من العلَّة من أنَّ شدَّة الحرِّ من فيح جهنَّم، وقال صاحب «الهداية» من أصحابنا: يستحبُّ الإبراد بالظُّهر في أيَّام الصَّيف، ويستحبُّ تقديمه في أيَّام الشِّتاء. فإن قلت: يعارض حديث الإبراد حديث إمامة جبريل ﵇؛ لأنَّ إمامته في العصر في اليوم الأوَّل فيما إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، فدلَّ ذلك على خروج وقت الظُّهر، وحديث الإبراد دلَّ على عدم خروج وقت الظُّهر؛ لأنَّ اشتداد الحرِّ في ديارهم في ذلك الوقت، قال العَيني: الآثار إذا تعارضت لا ينقضي الوقت الثابت بيقين بالشكِّ، وما لم يكن ثابتًا بيقين هو وقت العصر لا يثبت بالشكِّ. فإن قلت: هل في الإبراد تحديد؟ قلت: روى أبو داود والنَّسائي والحاكم من حديث ابن مسعود ﵁ قال: ((كان قدر صلاة رسول الله ﷺ الظُّهر في الصَّيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشِّتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام))، فهذا يدلُّ على التحديد. اعلم أنَّ هذا الأمر مختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، وذلك لأنَّ العلَّة في طول اللَّيل وقصره هو زيادة ارتفاع الشَّمس في السَّماء وانحطاطها، فكلَّما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظلُّ أقصر، وكلَّما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظلُّ أطول، وكذلك ظلال الشِّتاء تراها أبدًا أطول من ظلال الصَّيف في كلِّ مكان، وكانت صلاة رسول الله ﷺ بمكَّة والمدينة - وهما من الإقليم الثَّاني - ثلاثةَ أقدام، ويذكرون أنَّ الظلَّ فيهما في أوَّل الصَّيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتدَّ الحرُّ متأخِّرة من الوقت المعهود قبله، فيكون الظلُّ عند ذلك خمسة أقدام، وأما الظلُّ في الشِّتاء فإنَّهم يذكرون إنَّه في تشرين الأوَّل خمسة أقدام أو خمسة وشيء، وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشيء، فقول ابن مسعود منزَّل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان الَّتي هي خارجة عن الإقليم الثَّاني. انتهى. قلت: الأقاليم سبعة: فالأوَّل من جهة خطِّ الاستواء، والإقليم الثَّاني ثلاثة، ففي الأوَّل بحر الصِّين وبحر الهند والنوبة والحبشة، وفي الثَّاني الصِّين والهند والسند ومكران وكرمان وخليج فارس وجزيرة العرب وغير ذلك، وكلُّ إقليم يمتدُّ ما بين الخافقين طولًا، أي يكون كلُّ إقليم من الأقاليم السبعة على شكل طولي فيكون عرضه قدرًا قليلًا، وهو ما يوجب تفاضل نصف ساعة في مقادير النَّهار الأطول. انتهى. وفي «التَّوضيح» : اختلف

стр. 100

في مقدار وقت الإبراد، فقيل: أن يؤخِّر الصَّلاة عن أوَّل الوقت مقدارًا يظهر للحيطان ظلٌّ، وظاهر النصِّ: أنَّ المعتبر أن ينصرف من الصَّلاة قبل آخر الوقت، ويؤيِّده حديث أبي ذرٍّ: ((حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ))، وقال مالك: إنَّه يؤخِّر الظُّهر إلى أن يصير الفيء ذراعًا، وسواء في ذلك الصَّيف والشِّتاء، وقال أَشْهَب في «مدونته» : لا يؤخِّر الظُّهر إلى آخر وقتها، وقال ابن بَزيزَةَ: ذكر أهل النَّقل عن مالك: إنَّه كره أن يصلِّي الظُّهر في أوَّل الوقت، وكان يقول: هي صلاة الخوارج وأهل الأهواء، وأجاز ابن عبد الحكم التأخير إلى آخر الوقت، وحكى أبو الفَرَج عن مالك: أوَّل الوقت أفضل في كلِّ صلاة إلَّا الظُّهر في شدَّة الحرِّ. وعن أبي حنيفة والكوفيين وأحمد وإِسْحَاق: يؤخِّرها حتَّى يبرد الحرِّ. وقد استدلَّ بعض الثَّاني (١) بقوله: ((أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ)) على أنَّ الإبراد يشرع في الجمعة أيضًا؛ لأنَّ لفظ الصَّلاة يطلق على الظُّهر والجمعة، والتعليل مستمرٌّ فيهما، وفي «التَّوضيح» : اختلف في الإبراد بالجمعة على وجهين لأصحابنا، أصحُّهما عند جمهورهم: لا يُشرع، وهو مشهور مذهب مالك أيضًا، فإنَّ التبكير سنَّة فيها. انتهى. قال العَيني: مذهب الحنفيَّة أيضًا التبكير يوم الجمعة؛ لما ثبت في الصحيح: أنَّهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس للحيطان ظلٌّ يستظلُّون به من شدَّة التبكير لها أوَّل الوقت، فدلَّ على عدم الإبراد، والمراد بالصلاة في الحديث الظُّهر كما ذكرناه، فعلى هذا لا يبرد بالعصر إذا اشتدَّ الحرُّ فيه. وقال ابن بَزيزةَ: إذا اشتدَّ الحرُّ في العصر هل يبرد بها أم لا؟ المشهور نفي الإبراد بها، وتفرَّد أشهب بإبراده وقال أيضًا: وهل يبرد الفَذُّ أم لا؟ والظاهر: أنَّ الإبراد مخصوص بالجماعة. وهل يبرد في زمن الشِّتاء أم لا؟ فيه قولان، والظَّاهر نفيه، وهل يبرد بالجمعة أم لا؟ المشهور نفيه. انتهى. وقال شيخنا: وقد حمل بعضهم الصَّلاة على عمومه بناءً على أنَّ المفرد المعرَّف يَعُمُّ، فقال به أشهب في العصر، وقال به أحمد في رواية عنه في العشاء حيث قال: يؤخِّر في الصَّيف دون العشاء، ولم يقل به أحد في المغرب ولا في الصُّبح لضيق وقتهما. انتهى. وفيه دليل على وجود جهنَّم الآن، قلت: وفيه دليل على أنَّ جهنَّم في هذا العالم. انتهى. ٥٣٥ - قوله: (حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ) أي الملقَّب بُنْدَار. قوله: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) أي محمَّد بن جعفر ابن امرأة شعبة، لقبه غُنْدَر. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج. قوله: (عَنِ المهَاجِرِ أبي الحَسَنِ) أي بلفظ اسم الفاعل من باب المفاعلة، ويُكنى بأبي الحسن. قوله: (سَمِعَ زَيدَ بنَ وَهْبٍ) أي أبو سُلَيمان الهَمْداني الجُهَني، قال: رحلت إلى رسول الله ﷺ فقُبض وأنا في الطَّريق، مات زمن الحجَّاج. قوله: (عَن أَبِي ذَرٍّ) أي الغفاري الصحابي المشهور، واسمه جُنْدُب بن جُنَادة على المشهور. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه السَّماع، وفيه أنَّ رواته ما بين بصري وكوفي، وفيه ذكر أحد الرُّواة بلقبه والآخر بكنيته وهو المهاجر فإنَّ كنيته أبو الحسن ذُكرت للتمييز، فإنَّ في الرُّواة المهاجرُ بنُ مِسْمار المدني من أفراد مسلم، والألف واللَّام فيه للمح الصفة كما في العبَّاس؛ فإنه في الأصل صفة ولكنَّه صار علمًا وسيأتي في الباب الذي بعده

стр. 101

بغير ألف ولام قوله: (أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ فَقَالَ: أَبْرِدْ أَبْرِدْ، أَوْ قَالَ: انْتَظِرِ انْتَظِرْ، وَقَالَ: شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاة حتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ). مطابقته للترجمة ظاهرة. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصَّلاة عن آدم وعن مسلم بن إبراهيم، وفي صفة النَّار عن أبي الوليد، كلِّهم عن شُعْبَة عن مهاجر أبي الحسن، وأخرجه مسلم في الصَّلاة عن أبي موسى عن غندر به، وأخرجه أبو داود فيه عن أبي الوليد، وأخرجه التِّرْمِذي فيه عن محمود بن غيلان عن أبي داود عن شُعْبَة بمعناه. قوله: (أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ هو بلال كما سيأتي قريبًا، وقال العَيني: لأنَّه جاء في بعض طرقه: ((أَذَّنَ بِلَالٌ)) أخرجه أبو عَوانة، وفي أخرى له: ((فأرادَ أنْ يؤذِّنَ فقالَ: مه يا بلال)). قوله: (الظُّهْرَ) بالنصب، أي أذَّن وقت الظُّهر، ولما حذف المضاف المنصوب على الظَّرفيَّة أقيم المضاف إليه مقامه، ورواية الإسماعيلي بلفظ: ((أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالظُّهْرِ)) وسيأتي بلفظ الظهر وهما واضحان. قوله: (فَقَالَ: أَبْرِدْ أَبْرِدْ) يعني مرَّتين، وفي لفظ أبي داود: ((فأرادَ المؤذِّنُ أنْ يؤذِّنَ الظهرَ فقالَ: أبردْ ثمَّ أبرد، ثمَّ أرادَ أنْ يؤذِّنَ فقالَ: أبردْ. مرَّتين أو ثلاثًا)). قوله: (عَنِ الصَّلَاةِ) قد ذكرنا وجهَ (عَنْ) هنا في الحديث السابق. قوله: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ) التُّلُول -بضمِّ المُثَنَّاة من فوق واللام جمع تَلٍّ بفتح المُثَنَّاة وتشديد اللام- قال ابن سِيدَه: من التُّراب معروف، والتَّل من الرَّمل: كَوْمَة منه، وكلاهما من التَّلِّ الذي هو إلقاء ذي جثة، والتلُّ: الرابية، وفي «الجامع» للقزَّاز: التَّلُّ من التُّراب وهو الرابية منه يكون مكدوسًا وليس بحلقة، والفيء فيما ذكره ثعلب في «الفصيح» يكون بالعشي كما أنَّ الظلَّ يكون بالغداة، وأنشد: الظلُّ من برد الضحى تستطيعه... ولا الفيء من برد العشي تذوق قال: وقال أبو عُبَيْدَة: قال رُؤْبَة بن العَجَّاج: كلُّ ما كانت عليه الشَّمس فزالت فهو فيء وظلٌّ، وما لم يكن عليه شمس فهو ظلُّ. وعن ابن الأعرابي: الظلُّ ما نسخته الشَّمس، والفيء ما نسخ الشَّمس، وقال القزاز: الفيء رجوع الظلِّ من جانب المشرق إلى جانب المغرب، وفي «المخصص» : و الجمع أفياء وفيوء، وقد فاء الفيء فيأً: تحوَّل، وهو ما كان شمسًا فنسخه الظلُّ، وقيل: الفيء لا يكون إلَّا بعد الزَّوال، وأمَّا الظلُّ فيطلق على ما قبل الزَّوال وبعده، ويروى: ((فيٌّ)) بتشديد الياء. قال شيخنا: قوله: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ) كذا وَقَعَ هنا مؤخَّرًا عن قوله: (شِدَّةُ الحَرِّ) إلى آخره، وفي غير هذه الرواية وَقَعَ ذلك عقب قوله: (أَبْرِدْ) وهو أوضح في السياق؛ لأنَّ الغاية متعلِّقة بالإبراد، وسيأتي في الباب الذي بعده بقيَّة مباحثه إن شاء الله تعالى. انتهى. قال العَيني: واعلم أنَّ كلمة حتَّى للغاية، ولا بدَّ لها من المغيَّا، وهو متعلِّق بقال، أي كان يقول إلى زمان الرؤية: أبرد مرَّةً بعد أخرى، أو هو متعلِّق بالإبراد، أي أبرد إلى أن ترى الفيء وانتظر إليه، ويجوز أن يكون متعلِّقًا بمقدَّر محذوف تقديره: أخَّرنا حتَّى رأينا فيء التلول. انتهى. فيه دلالة على أنَّ الأمر بالإبراد كان بعد التأذين، ولكن في لفظ آخر للبخاري: ((فَأَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنْ لِلْظُّهْرِ)) وظاهر هذا أنَّ الأمر بالإبراد وَقَعَ قبل الأذان، وقال شيخنا: يجمع بينهما على أنَّه شرع في الآذان فقيل له: (أَبْرِدْ) فترك، فمعنى (أَذَّنَ) شرع في الأذان، ومعنى: (أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ) أي يتمُّ الأذان، والله أعلم. قال العَيني: هذا غير سديد؛ لأنَّه لا يؤمر

стр. 102

بتركه بعد الشروع فيه، ولكن معناه: أراد أن يشرع في الأذان فقيل له: أبرد، فترك الشروع، والدليل عليه لفظ أبي عوانة: ((فأرادَ أنْ يؤذِّنَ فقالَ: مه يا بلال)) كما ذكرناه، ومعناه: اسكت، لا تشرعْ في الأذان، والأقرب في هذا أن يحمل اللفظان على حالتين فلا يحتاج إلى ذكر الجمع بينهما. انتهى. قلت: ما قاله شيخنا هو الأقرب؛ لأنَّ الأصل عدم التعدُّد، والظَّاهر من هذا الحديث إنَّه بعد التأذين، وما أوَّله العَيني لا يحتاج معه إلى جمع؛ لأنَّه جعل معنى (أَذَّنَ) أراد أن يؤذِّن كما في الرواية الأخرى، فعلى هذا ما فائدة قوله: على حالتين، لأنَّ الحالتين على تأويله كالحالة الواحدة، وإلا فيكون معنى هذه الرواية أنَّه أمره بالإبراد بعد الأذان، وقد قال: إنَّه لا يؤمر بتركه بعد الشروع فتأمَّله. انتهى. ٥٣٦ - قوله: (حَدَّثَنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ) المديني، أي الإمام المُبَرِّز. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي ابن عُيَيْنَة. قوله: (قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم. قوله: (عَنْ سَعِيْدِ بنِ المسَيِّبِ) أي ابن حَزن، أبو محمَّد القُرَشي المَخزُومي المديني، ختن أبي هريرة على ابنته وأعلم النَّاس بحديثه. قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر ﵁. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه القول والحفظ في هذه الرواية وفي رواية الإسماعيلي عن جعفر الفِرْيابي عن علي بن المديني شيخ المصنِّف فيه بلفظ: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) موضعَ (حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ)، ورواية البخاري أبلغ؛ لأن حفظ الحديث من الشيخ فوق مجرد سماعه منه، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وقوله: (عَنْ سَعِيْدِ بنِ المُسَيِّبِ)، كذا رواه أكثر أصحاب سُفْيان عنه، ورواه أبو العبَّاس السرَّاج عن أبي قدامة عن سُفْيان عن الزُّهْري عن سعيد أو أبي سلمة أحدهما أو كلاهما، ورواه أيضًا من طريق سعيد بن أبي حمزة عن الزُّهْري عن أبي سلمة وحدَه، والطريقان محفوظان، فقد رواه اللَّيث وعَمْرو بن الحارث عند مسلم، ومَعْمَر وابن جُرَيج عند أحمد وابن أخي الزُّهْري وأسامة بن زيد عند السرَّاج ستتهم عن الزُّهْري عن سعيد وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَاشتَكَتِ النَّار إِلى رَبِّها فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَها بِنَفَسَينِ، نَفَسٍ فِي الشِّتاء وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، أَشَدِّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدِّ ما تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيْرِ). مطابقته للترجمة ظاهرة. هذا الحديث أخرجه النَّسائي في الصَّلاة أيضًا عن قُتَيْبَة ومحمَّد بن عبد الله كلاهما عن علي بن المديني. ٥٣٧ - قوله: (اشتَكَتِ النَّارُ) قيل: إنَّه موقوف، وقيل: معلَّق، وهو غير صحيح، بل هو داخل في الإسناد المذكور، والدليل عليه: أنَّ في رواية الإسماعيلي قال: ((واشْتَكَتِ النَّارُ)) أي قال النَّبِيُّ ﷺ : ((اشْتَكَتِ النَّارُ))، قال شيخنا: وقد أفرده أحمد في «مسنده» عن سفيان، وكذلك السَّرَّاج من طريق سُفْيان وغيره. انتهى. وشكوى النَّار إلى ربِّها يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون بطريق الحقيقة، أي بلسان القال، والثاني: بطريق المجاز، أي لسان الحال، قال ابن عبد البرِّ: لكلا القولين وجه ونظائر، والأوَّل أرجح، وإليه ذهب عياض، وقال القُرْطُبي: لا إحالة في حمل اللَّفظ على الحقيقة؛ لأنَّ المخبر الصادق بأمر جائز

стр. 103

لا يحتاج إلى تأويله، فحمله على حقيقته أولى. وقال النَّوَوي نحو ذلك ثمَّ قال: حمله على حقيقته هو الصواب. وقال نحو ذلك الشيخ التُّورِبِشتي، وقال ابن المنيِّر: حمله على الحقيقة هو المجاز؛ لصلاحيَّة القدرة لذلك، ولأنَّ استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت لكن الشَّكوى وتفسيرها والتَّعليل والإذن والقبول والتَّنفُّس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما أُلِفَ من استعماله، وقال العَيني: قدرة الله أعظم من ذلك؛ لأنَّه يخلق فيها آلة الكلام كما خلق لهُدهُد سُلَيمان ما خلق من العلم والإدراك كما أخبر الله تعالى عن ذلك في كتابه الكريم، وحكى عن النَّار حيث تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، وورد: أنَّ الجنَّة إذا سألها عبد أمَّنت على دعائه، وكذا النَّار. انتهى. قلت: ويمكن أن يكون نطقها من غير خلق آلة للنطق، وقد اختلفوا في كيفيَّة نطق الحصى الَّتي سبَّحت في يده ﵇، وكذلك في نطق ذراع الشَّاة الَّتي سمَّتها اليهوديَّة، قال القاضي عياض: واختلف أئمَّة أهل النظر في هذا الباب، فمن قائل يقول: هو كلام يخلقه الله في الشَّاة الميتة أو الحجر أو الشجرة، وحروف وأصوات يُحْدِثُها الله تعالى فيها ويسمعها منها دون تعبير أشكالها ونقلها عن هيئتها، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي أبي بكر رحمهما الله تعالى وآخرون ذهبوا إلى إيجاد الحياة بها أولًا ثمَّ الكلام بعده، وحكي هذا أيضًا عن شيخنا أبي الحسن، وكلٌّ محتمل، والله أعلم، إذا لم يجعل الحياة شرطًا لوجود الحروف والأصوات؛ إذ لا يتخيَّل وجودها مع عدم الحياة بمجرَّدها، فأمَّا إذا كانت عبارة عن الكلام النَّفسي فلا بدَّ من شرط الحياة لها؛ إذ لا يوجد كلام النَّفس إلَّا من حيٍّ خلافًا للجَبَّائي من بين سائر متكلِّمي الفرق في إحالة وجود الكلام اللَّفظي والحروف والأصوات إلَّا من حيٍّ مركب تركيب من يصحُّ منه النطق بالحروف والأصوات، والتزم ذلك الحصا والجذع والذِّراع وقال: إنَّ الله خلق فيها حياة وخرق لها فمًا ولسانًا وآلة وأمكنها بها من الكلام، وهذا لو كان لكان نقله، والتهمُّم به آكد من التهمُّم بفعل تسبيحه أو حنينه، ولم ينقل أحد من أهل السير والرواية شيئًا من ذلك، فدلَّ على سقوط دعواه مع إنَّه لا ضرورة إليه في النظر، والله الموفق. انتهى. وقال الدَّاوُدي: وكلام النَّار يدلُّ على إنَّها تفهم وتعقل، وقد جاء: إنَّه ليس شيء أسمع من الجنَّة والنَّار، وقد ورد: أنَّ النَّار تخاطب سيَّدنا رسول الله ﷺ ، وتخاطب المؤمن بقولها: جُز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي، ورجَّح البَيْضَاوي حمله على المجاز فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكلها بعضها بعضًا مجاز عن ازدحام أجزائها، وتنفُّسها مجاز عن خروج ما يبرز منها، قال عنترة: وشكى إليَّ بعبرةٍ وتحمحُم وقال آخر: يشكي إليَّ جملي طول السُّرى... مهلًا [جميلًا] (١) فكلانا مبتلى قوله: (بِنَفَسَينِ) تثنية نفس -بفتح الفاء- وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء. قوله: (نَفَسٍ) في الموضعين بالجرِّ على البدل أو البيان، ويجوز فيهما الرَّفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف والتقدير: أحدهما نفس في الشِّتاء والآخر نفس في الصَّيف، ويجوز

стр. 104

فيهما النَّصب على تقدير: أعني نفسًا في الشِّتاء ونفسًا في الصَّيف. قوله: (أَشَدِّ مَا تَجِدُونَ) بجرِّ (أشدِّ) على أنَّه بدل من نفس أو بيان، ويروى بالرَّفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي هو (أَشَدُّ مَا تَجِدُوْنَ)، قال شيخنا: هو في روايتنا بالرَّفع، قال البَيْضَاوي: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: فذلك أشدُّ. وقال الطِّيبيُّ: جَعْلُ أشدُّ مبتدأ محذوف الخبر أولى والتقدير: أشدُّ ما تجدون من الحرِّ من ذلك النَّفس، ويؤيِّد رواية (١) الوجه الأوَّل رواية الإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ: ((فَهُوَ أَشَدُّ))، ويؤيِّد الوجه الثَّاني رواية النَّسائي من وجه آخر بلفظ: ((فأشدُّ ما تجدُون مِنَ الحَرِّ مِنْ حَرِّ جهنَّم)) وفي اللَّفظ الذي رواه البخاري لفٌ ونشرٌ على غير الترتيب، قلت: لأنَّه لو كان على الترتيب لقال: فأشدُّ ما تجدون من الزمهرير، وأشدُّ ما تجدون من الحرِّ. انتهى. قال شيخنا وهو مرتب في رواية النَّسائي. انتهى. قال العَيني: ولا مانع من حصول الزمهرير من نفس النَّار؛ لأنَّ المراد من النَّار محلُّها وهو جهنَّم وفيها طبقة زمهريريَّة. انتهى. قلت: يدلُّ على ذلك حديث مرفوع رواه عُثْمان الدَّارمي وغيره: ((إذا كان يوم شديد الحرِّ فقال العبد: لا إله إلَّا الله ما أشدَّ حرَّ هذا اليوم! اللَّهمَّ أجرني من حرِّ جهنَّم، قال الله تعالى لجهنَّم: إنَّ عبدًا من عبادي قد استجار بي منك وقد أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد فقال العبد: لا إله إلَّا الله ما أشدَّ برد هذا اليوم! اللَّهمَّ أجرني من زمهرير جهنَّم، قال الله تعالى لجهنَّم: إنَّ عبدًا من عبادي قد استجار بي من زمهريرك، وإنِّي أشهدك أني قد أجرته، قالوا: ما زمهرير جهنَّم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتمزَّق من شدَّة برده)). انتهى. ويقال: لا منافاة في الجمع بين الحرِّ والبرد في النَّار؛ لأنَّ النَّار عبارة عن جهنَّم، وقد ورد: أنَّ في بعض زواياها نارًا وفي أخرى الزمهرير، وليس محلًّا واحدًا يستحيل أن يجتمعا فيه. قال العَيني: الذي خلق الملك من ثلج ونار قادر على جمع الضدَّين في محلٍّ واحد، وأيضًا فالنَّار من أمور الآخرة، والآخرة لا تقاس على أمر الدنيا. انتهى. قلت: قد أرانا الله تعالى في الدُّنْيا من جمع النَّار والماء أنواعًا، منها الصَّواعق الَّتي تنزل مع المطر الشديد، وقد أحرقت هذه النَّار أماكن كثيرة مع نزولها مع الماء، وأيضًا ترى النَّار في الماء الحارِّ - أعني المالح - على هيئة السُّرُج على وجه الماء، وأيضًا إذا أخذ الماء من البحر المالح ونُثر تراه يطير شرارًا، وقد نبه الله تعالى على هذه القدرة بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠]. انتهى. وفي «التَّوضيح» قال ابن عبَّاس: خلق الله النَّار على أربعة، فنار تأكل وتشرب، ونار لا تأكل ولا تشرب، ونار تشرب ولا تأكل، وعكسه، فالأولى منها الملائكة، والثانية الَّتي في الحجارة، وقيل: الَّتي رجعت لموسى ليلة المناجاة، والثالثة الَّتي في البحر، وقيل: الَّتي خُلقت منها الشَّمس، والرابعة نار الدُّنيا، ونار جهنَّم تأكل لحومهم وعظامهم ولا تشرب دموعهم ولا دماءهم، بل يسيل ذلك إلى عين الخبال، وأخبر الشارع: أنَّ عصارة أهل النَّار شراب من مات مُصرًّا على شرب الخمر، والذي في الصحيح: أنَّ نار الدُّنْيا خلقت من نار جهنَّم، وقال: قال ابن عبَّاس: ضربت بالماء سبعين مرَّة، ولولا ذلك ما انتفع بها الخلائق. وإنَّما خلقها الله تعالى؛ لأنَّها

стр. 105

من تمام الأمور الدنيويَّة، وفيها تذكرة لنار الآخرة وتخويف من عذابها. انتهى. فيه استحباب الإبراد بالظهر عند اشتداد الحرِّ في الصَّيف، قال شيخنا: تنبيهان الأوَّل: قضية التعليل المذكور قد يتوهَّم منها مشروعية تأخير الصَّلاة عن وقت شدَّة البرد، ولم يقل به أحد؛ لأنَّها تكون غالبًا في وقت الصبح، فلا يزول إلَّا بطلوع الشمس، فلو أخِّرت يخرج الوقت الثَّاني التَّنفُّس المذكور ينشأ عنه أشدُّ الحرِّ في الصَّيف، وإنما لم يقتصر في الأمر بالإبراد على أشده لوجود المشقَّة عند شديدِه أيضًا، فالأشدِّية تحصل عند التَّنفُّس، والشدَّة مستمرَّة بعد ذلك فيستمرُّ الإبراد إلى أن تذهب الشدَّة، والله أعلم. انتهى. وفيه أنَّ الجنَّة مخلوقة الآن خلافًا لمن يقول من المعتزلة: إنَّها تخلق يوم القيامة. وفيه أنَّ الشكوى تُتصوَّر من جماد وحيوان أيضًا كما جاء في معجزات النَّبِيِّ ﷺ شكوى الجذع وشكوى الجمل على ما عُرف في موضعه، قلت: شكوى الجذع ستأتي في «الصحيح»، وأمَّا شكوى الجمل فأخبرني بها جماعة من المشايخ، منهم شيخي وقدوتي السيِّد الشريف شِهاب الدِّين أحمد بن حسن العطيطي النُّعْماني قراءةً مني عليه، قال: أخبرنا الشيخ مهنَّا بن أبي بكر سماعًا قال: أخبرنا الشيخ الإمام تاج الدِّين أبي الفضل محمَّد سماعًا، قال: قرأت على الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن أحمد الشَّافعي بمنزله بمصر سنة خمس وأربعين وسبع مائة، وعمَّة والدي ستِّ العرب، قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن النُّعْمان، ح: وأخبرني به غالبًا الشيخ محمَّد بن عُمَر الملتوتي عن السُّويداوي عن الفارقي عن ابن النُّعْمان قال: أخبرنا أبو المعالي عبد الرحمن بن علي القُرَشي، أنبأنا الشيخان أبو طاهر أحمد بن محمَّد الأَصْبَهاني وأبو العلاء محمَّد بن جعفر البصري قالا: أخبرنا أبو محمَّد جعفر بن أحمد بن الحسين وأبو مَنْصور محمَّد بن أحمد بن علي إجازة قالا: أخبرنا أبو القاسم عُبَيْد الله بن عُمَر بن أحمد حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الله بن محمَّد بن شَيْبان عن فَرُّوخ حدَّثنا مهدي بن ميمون حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: ((أردفَني رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ خلفَه فأسرَّ إليَّ حديثًا لا أحدِّثه أحدًا منَ النَّاس، قال: وكان أحبُّ ما استترَ بهِ رسولُ الله ﷺ لحاجتِه هدف أو حائش نخلِ، فدخلَ حائط رجلٍ منَ الأنصارِ فإذا جَمَلٌ، فلمَّا رأى النَّبِيَّ ﷺ حنَّ وذرفَت عيناه، فأتاه النَّبِيُّ ﷺ فمسحَ سراته وذفراه فسكت، -وفي رواية: فسكن- ثمَّ قال: منْ ربُّ هذا الجمل، لمن هذا الجمل؟ فجاءَ فتى منَ الأنصارِ فقالَ: هذا لي يا رسولَ اللهِ، فقال: أفلا تتقي اللهَ في هذِه البهيمة الَّتي ملَّكك إيَّاها؟! فإنَّه شكا إليَّ أنَّك تُجِيعُه وتُدْئِبُه)) أخرجه ابن شاهين في «دلائله»، كذلك قال الأستاذ محمَّد بن النُّعْمان، وهو حديث صحيح روى منه مسلم في «صحيحه» من أوَّله إلى قوله: ((حائش نخل)) عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء، ورواه أبو داود بطوله عن موسى بن إسماعيل عن مهدي بن ميمون، وروى أبو عبد الله بن ماجَهْ أوَّله عن محمَّد بن يحيى عن أبي النُّعْمان عن مهدي. انتهى.

стр. 106

وفيه أنَّ المراد من قوله: (فأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ) هو صلاة الظُّهر كما ذكرناه. قلت: وفيه أنَّ النَّار مؤمنة؛ لقولها: (رَبِّ)، وفيه ردٌّ على من يقول بقدم العالم؛ لتصريح النَّار بأنَّ لها ربًّا ربَّاها. انتهى. ٥٣٨ - قوله: (حَدَّثَنا عُمَر بنُ حَفْص بنِ غِيْاثُ) أي ابن طَلْق بن معاوية، أبو حَفْص النَّخَعي الكوفي. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي) أي حَفْص المذكور. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) أي سُلَيمان بن مِهْران. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا أَبو صَالِحٍ) أي ذكوان. قوله: (عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ) أي سعد بن مالك ﵁. في هذا الإسناد التَّحديث بصيغة الجمع في أربع مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه القول، وفيه رواية الابن عن الأب. قوله: (قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ). مطابقته ظاهرة. قال العَيني: اختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث المذكورة وبين حديث خباب: ((شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا)) رواه مسلم، فقال بعضهم: الإبراد رخصة والتقديمُ أفضل، وقال بعضهم: حديث خباب منسوخ بالإبراد، وإلى هذا مال أبو بكر الأثرم في كتابه «الناسخ والمنسوخ» وأبو جعفر الطَّحاوي وقال: وجدنا ذلك في حديثين، أحدهما حديث المغيرة: ((كُنَّا نُصَلِّي بَالهَاجِرَةِ، فَقَاَل لَنَا ﵇: أَبْرِدُوا)) فبيَّن هذا أنَّ الإبراد كان بعد التهجير، وحديث أَنَس ﵁: ((إِذَا كَانَ البَرْدُ بَكِّرْ، وَإِذَا كَاَن الحَرُّ أَبْرِدْ)). قال شيخنا: يُحمل حديث خباب على أنَّهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد. وقال أبو عُمَر في قول خباب: ((فَلَمْ يَشْكُنَا)) : يعني لم يحوجنا إلى الشكوى، وقيل: لم يُزِلْ شكوانا، ويقال: حديث خَبَّاب كان بمكَّة، وحديث الإبراد بالمدينة، فإن فيه من رواية أبي هريرة، وقال الخلَّال في «عِلَلِه» عن أحمد: آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبرادُ. قوله: (تَابَعَهُ سُفْيَانُ) أي الثوري. قال شيخنا: وقد وصفه المصنِّف في صفة النَّار من بدء الخلق ولفظه: (بِالصَّلَاةِ)، ولم أره من طريق سُفْيان بلفظ: (بِالظُّهْرِ)، وفي إسناده اختلاف على الثَّوْري، رواه عبد الرزَّاق عنه بهذا الإسناد فقال: عن أبي هريرة بدل أبي سعيد، أخرجه أحمد عنه والجَوْزَقي من طريق عبد الرزَّاق أيضًا، ثمَّ روي عن الذُّهْلي قال: هذا الحديث رواه أصحاب الأَعْمَش عنه عن أبي صالح عن أبي سعيد، وهذه الطريق أشهر، ورواه زائدة - وهو متقن - عنه فقال: عن أبي هريرة، قال: والطريقان عندي محفوظان؛ لأنَّ الثَّوْري رواه عن الأَعْمَش بالوجهين. انتهى. قال العَيني: قوله: (تَابَعَهُ سُفْيَانُ) أي تابع حَفْص بن غياث والد عُمَر المذكور سُفْيان الثَّوْري، وقد وصله المصنِّف في صفة الصَّلاة عن الفِرْيابي عن سُفْيان بن سعيد. قوله: (وَيَحْيَى) أي تابع حفصًا أيضًا يحيى بن سعيد القطَّان، وقد وصله أحمد في «مسنده» عنه بلفظ: (بالصَّلَاةِ)، ورواه الإسماعيلي عن أبي يعلى عن المُقَدَّمي عن يحيى بلفظ: (بِالظُّهْرِ)، وروى الخلال عن الميموني عن أحمد عن يحيى ولفظه: (فَوْحِ)، قال أحمد: ما أعرف أحدًا قال بالواو غير الأعمش. قوله: (وَأَبُو عَوَانَةَ) أي تابع حفصًا أيضًا أبو عَوانة الوضَّاح بن عبد الله، قال شيخنا: لم أقف على من وصله

стр. 107

عنه، وقد أخرجه السرَّاج من طريق محمَّد بن عُبَيْد، والبَيْهَقي عن وكيع كلاهما عن الأَعْمَش أيضًا بلفظ: (الظهر). انتهى. قال العَيني: وأراد بمتابعة سُفْيان الثَّوْري ويحيى القطَّان وأبي عَوانة لحفص بن غياث في روايتهم عن الأَعْمَش في لفظ: (أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ). انتهى. قال شيخنا: فائدةٌ: رتبَّ المصنِّف أحاديث الباب ترتيبًا حسنًا، فبدأ بالحديث المطلق، وثنَّى بالحديث الذي فيه الإرشاد إلى غاية الوقت الَّتي ينتهي إليها الإبراد، وهو ظهور فيء التلول، وثلَّث بالحديث الذي فيه بيان العلَّة في كون ذلك المطلق محمولًا على المقيد، وربَّع بالحديث المفصح بالتقييد، والله الموفق. (١٠) (بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ) أي هذا باب في بيان الإبراد بصلاة الظُّهر في حالة السَّفر، وأشار بهذا إلى أنَّ الإبراد بالظهر لا يختصُّ بالحضر، قال شيخنا: لكن محلَّ ذلك ما إذا كان المسافر نازلًا، أما إذا كان سائرًا أو على سير ففيه جمع التقديم أو التأخير كما سيأتي في بابه. انتهى. ٥٣٩ - قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن أبي إِيَاس، وهو من أفراد البخاري. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ). قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا مُهاجِرٌ أَبو الحَسَنِ مَولَىً لِبَني تَيمِ اللهِ). قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ وَهْبٍ). قوله: (عَنْ أَبي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ في سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَبْرِدْ، ثمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقالَ لَهُ: أَبرِدْ، حتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذا اشتَدَّ الحَرَّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ). هذا الحديث مضى في الباب الذي قبله، غير أنَّ هناك أخرجه عن محمَّد بن بشَّار عن غُنْدَر عن شُعْبَة، وههنا عن آدم عن شُعْبَة، وفي هذا من الزِّيادة ما ليست هناك فاعتبرها، وهذا مقيَّد بالسَّفر، وذلك مطلق، وأشار بذلك إلى أنَّ المطلق محمول على المقيَّد؛ لأنَّ المراد من الإبراد التسهيل ودفع المشقَّة، فلا تفاوت بين السَّفر والحضر. انتهى. قلت: بل السَّفر من باب أولى لأنَّ فيه مشقَّة أيضًا. انتهى. قوله: (فَأَرَادَ المؤَذِّنُ) في رواية أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن شَبَابَة ومُسَدَّد عن أميَّة بن خالد، والتِّرْمِذي من طريق أبي داود الطَّيالِسي، وأبو عَوانة من طريق حَفْص بن عُمَر ووَهْب بن جرير، والطَّحاوي والجَوْزَقي من طريق وَهْب أيضًا، كلُّهم عن شُعْبَة التصريحُ بأنَّه بلال. قوله: (ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ) وفي رواية أبي داود عن أبي الوليد عن شعبة: مرَّتين أو ثلاثًا، وفي رواية البخاري عن مسلم بن إبراهيم في باب الأذان للمسافرين في هذا الحديث: ((فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ، ثمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ، ثمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ، حتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُوْلَ)). قال شيخنا: فإن قيل: الإبراد للصلاة، فكيف أمر المؤذِّن به للأذان؟ فالجواب: أنَّ ذلك يبنى على أنَّ الأذان هل هو للوقت أو للصلاة؟ وفيه خلاف مشهور، والأمر المذكور يقوِّي القول بأنَّه للصلاة. وقال الكِرْماني: فإن قلت: الإبراد إنَّما هو في الصَّلاة لا في الأذان، قلت: كانت عادتهم أنَّهم لا يتخلَّفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة، فالإبراد بالأذان إنَّما هو لغرض الإبراد بالصلاة، أو المراد بالتأذين الإقامة. انتهى. ويشهَّد للجواب الثَّاني

стр. 108

رواية التِّرْمِذي حيث قال: حدَّثنا محمود بن غيلان قال: حدَّثنا أبو داود قال: أنبأنا شُعْبَة عن مهاجر أبي الحسن عن زيد بن وَهْب عن أبي ذرٍّ: ((أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ في سفرٍ ومعَه بلالٌ فأرادَ أنْ يقيمَ فقالَ: أبردْ، ثمَّ أرادَ أنْ يقيمَ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أبردْ في الظُّهرِ، قال: حتَّى رأينا فيء التُّلُولِ، ثمَّ أقامَ فصلَّى فقالَ رسول ُاللهِ ﷺ : إنَّ شدَّة الحرِّ منْ فيحِ جهنَّم فأبردُوا عنِ الصَّلاة)) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فإن قلت: في «صحيح أبي عوانة» من طريق حَفْص بن عُمَر عن شُعْبَة: ((فأرادَ بلالٌ أنْ يؤذِّنَ بالظهرِ)) وفيه بعد قوله: فيء التُّلُول ((ثمَّ أمرَه فأذَّنَ وأقامَ)) فيجمع بينهما بأن إقامته ما كانت تتخلف عن الأذان، فرواية التِّرْمِذي: ((فأرادَ أنْ يقيمَ)) يعني بعد الأذان، ورواية أبي عَوانَة: ((فأرادَ بلالٌ أنْ يؤذِّنَ)) يعني أن يؤذِّن ثمَّ يقيم. قوله: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ) قال شيخنا: هذه الغاية متعلِّقة بقوله: (فَقاَلَ لَهُ: أَبْرِدْ) أي كان يقول له في الزَّمان الذي قبل الرؤية أبرد، أو متعلِّقة بأبرد، أي قال له: أبرد إلى أن ترى أو متعلِّقة بمقدار، أي قال له: أبرد إلى أن رأينا. والفيء: -بفتح الفاء وسكون الياء بعدها همزة- وهو ما بعد الزَّوال من الظلِّ، والتُّلُول: جمع تلٍّ -بفتح المُثَنَّاة وتشديد اللام-كلُّ ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب مسطحة غير شاخصة، فلا يظهر لها ظلٌّ إلَّا إذا ذهب أكثر وقت الظُّهر. وقد اختلف العلماء في غاية الإبراد، فقيل: حتَّى يصير الظلُّ ذراعًا بعد ظلِّ الزوال، وقيل: ربع قامة، وقيل: ثلثها، وقيل: نصفها، وقيل غير ذلك، ونزَّلها المَاوَرْدي على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد إنَّه يختلف باختلاف الأحوال بشرط ألَّا يمتدَّ إلى آخر الوقت، وأمَّا ما وَقَعَ عند المصنِّف في الأذان عن مسلم بن إبراهيم عن شُعْبَة بلفظ: ((حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُوْلَ)) فظاهره يقتضي إنَّه أخَّرها إلى أن صار ظلُّ كلِّ شيء مثله، ويحتمل أن يُراد بهذه المساواة ظهور الظلِّ بجنب التَّلِّ بعد أن لم يكن ظاهرًا فساواه في الظهور لا في المقدار، أو يقال: قد كان ذلك في السَّفر، فلعله أخَّر الظهر حتَّى يجمعها مع العصر. انتهى. قال العَيني: وقال التِّرْمِذي في «جامعه» : وقد اختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظُّهر في شدَّة الحرِّ، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق، وقال الشافعي: إنَّما الإبراد بصلاة الظُّهر إذا كان مسجدًا ينتاب أهله من البعد، فأمَّا المصلِّي وحدَه والذي يصلِّي في مسجد قومه فالذي أحبُّ له ألَّا يؤخِّر الصَّلاة في شدَّة الحرِّ. قال أبو عيسى: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظُّهر في شدَّة الحرَّ هو أولى وأشبه بالاتباع، وأمَّا ما ذهب إليه الشَّافعي أنَّ الرخصة لمن انتاب من البعد والمشقَّة على النَّاس؛ فإنَّ في حديث أبي ذرٍّ ما يدلُّ على خلاف ما قال الشافعي: قال أبو ذرٍّ: ((كنَّا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في سفرِ، فأذَّنَ بلال بصلاةِ الظُّهر فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : يا بلال أبردْ)) فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشَّافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى؛ لاجتماعهم في السَّفر وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا

стр. 109

من البعد. وقال الكِرْماني: أقول: لا نُسلِّم اجتماعهم؛ لأنَّ العادة في القوافل سيَّما في العساكر الكثيرة تفرُّقهم في أطراف المنزل لمصالح مع التخفيف على الأصحاب وطلب المرعى وغيره، خصوصًا إذا كان فيه سلطان جليل القدر فإنهم يتباعدون عنه احترامًا وتعظيمًا له. قال العَيني: هذا ليس برد موجه لكلام التِّرْمِذي؛ فإنَّ كلامه على الغالب، والغالب في المسافرين اجتماعهم في موضع واحد؛ لأنَّ السَّفر مظنة الخوف، سيَّما إذا كان عسكر خرجوا لأجل الحرب مع الأعداء. انتهى. وقال شيخنا: وأيضًا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرَّقون في ظلال الشجر وليس هناك كنٌّ يمشون فيه، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي، وغايته إنَّه استنبط من النصِّ العامِّ معنى يخصَّصه. انتهى. قال العَيني: هذا أكثر بعدًا من كلام الكِرْماني؛ لأنَّ فيه إسقاط العمل بعموم النصوص الواردة في الإبراد بالظُّهر بأشياء ملفقة من الخارج، وقوله: وليس في سياق الحديث إلى آخره غيرُ صحيح؛ لأنَّ الخلاف لظاهر الحديث صريح لا يخفى لأنَّ ظاهره عامَّ، والتقييد بالمسجد الذي ينتاب أهله من البعد خلافُ ظاهرِ الحديث، والاستنباط من النصِّ العامِّ معنى يخصص لا يجوز عند الأكثرين، ولئن سلَّمنا فلا بدَّ من دليل للتخصيص ولا دليل لذلك ههنا. انتهى. قلت: غالب ما ذكره العَيني ههنا قد تقدَّم في باب الإبراد بالظُّهر في شدَّة الحرِّ، وكذا بعض ما ذكره شيخنا، وقول العَيني: ولا دليل لذلك ههنا غيرُ مُسَلَّم؛ لأنَّ الدِّليل مراعاة المعنى، فإن قال: أردت بالدَّليل النصَّ من الشَّارع قلنا: فإذًا لا يكون هذا من باب الاستنباط وإنما هو من حمل المطلق على المقيَّد. انتهى. قوله: (وَقالَ ابنُ عَبَّاسٍ) أي عبد الله. قوله: (في تَفسِيْرِ قَولِهِ تَعَالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ [النحل: ٤٨] : أنَّ مَعْنَاهُ تَتَمَيَّلُ) كأنَّه أراد أنَّ الفيء سُمِّي بذلك؛ لأنَّه ظلٌّ مالَ من جهة إلى أخرى، وقال الجَوْهَري: تفيأت الظِّلال، أي تقلَّبت، ويتفيأ بالياء آخر الحروف، أي وفاعله محذوف تقديره: يتفيأ الظِّلَّ، ويروى: ﴿تتفيأ﴾ بالتاء المُثَنَّاة من فوق، أي الظِّلال، قال شيخنا: في روايتنا بالمُثَنَّاة الفوقانيَّة، والقراءتان شهيرتان. وهذا التعليق في رواية المُسْتَمْلي وكريمة، وقد وصله ابن أبي حاتم في «تفسيره»، ومناسبته ذكر هذا عن ابن عبَّاس لأجل ما في حديث الباب من قوله: (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُوْلِ). (١١) (بَابُ وقت الظُّهر عِنْدَ الزَّوَالِ) أي هذا باب، ويجوز في باب التنوين على أنَّه خبر مبتدأ محذوف كما قدَّرنا، ويجوز أن يكون بالإضافة والتقدير: هذا باب يذكر فيه أنَّ وقت الظُّهر - أي ابتداؤه - عند زوال الشَّمس عن كبد السَّماء وميلها إلى جهة الغرب. قال شيخنا: وأشار بهذه الترجمة إلى الردِّ على من زَعَمَ من الكوفيين: أنَّ الصَّلاة لا تجب بأوَّل الوقت كما سيأتي. قوله: (وَقَالَ جَابِرٌ) أي ابن عبد الله ﵁ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالهَاجِرَةِ). هذا التعليق طرف من حديث جابر ذكره البخاري موصولًا

стр. 110

في باب وقت المغرب، رواه عن محمَّد بن بشَّار وفيه: ((فَسَأَلْنَا جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالهَاجِرَةَ)) والهَاجِرَةَ: نصف النَّهار عند اشتداد الحرِّ، ولا يعارض هذا حديث الإبراد؛ لأنَّه ثبت بالفعل، وحديثُ الإبراد بالفعل والقول فيرجَّح على ذلك، وقيل: إنَّه منسوخ بحديث الإبراد؛ لأنَّه متأخِّر عنه، وقال البَيْضاوي: الإبراد تأخير الظُّهر أدنى تأخير بحيث يقع الظلُّ، ولا يخرج بذلك عن حدِّ التهجير؛ فإن الهاجرة تُطلق على الوقت إلى أن تفوت العصر، قال العَيني: بأدنى التأخير لا يُحصل الإبراد، ولم يقل أحد: إنَّ الهاجرة تمتدُّ إلى قرب العصر. ٥٤٠ - قوله: (حَدَّثَنا أَبو اليَمَانِ) أي الحكم بن نافع. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة. قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي محمَّد بن مسلم. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَني أَنَس بنُ مَالِكٍ) أي خادم رسول الله ﷺ . قوله: (أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمس فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلى المِنْبَرِ فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيْهَا أُمُوْرًا عِظَامًا ثمَّ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَليَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلُوْنِي عَنْ شَيْءٍ إلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي. فَأَكْثَرَ النَّاس في البُكَاءِ، وَأَكثَرَ أَنْ يَقُوْلَ: سَلُوْنِي، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ ﵁ فَقالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُوْلَ: سَلُوْنِي، فَبَرَكَ عُمَر ﵁ عَلى رُكبَتَيهِ فَقالَ: رَضِيْنَا بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسلامِ دِيْنًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَ ثمَّ قَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الجنَّة وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذا الحَائِطِ فَلَمْ أَرَ كَالخَيْرِ وَالشَّرِّ). مطابقته للترجمة في قوله: (خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمس فَصَلَّى الظُّهْرَ) وهذا الإسناد بعينه مضى في كتاب العلم في باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدِّث، ومتن الحديث أيضًا مختصرًا، والزيادة هنا من قوله: (خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمْسُ) إلى قوله: (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بنُ حُذَافَةَ) وكذا قوله: (ثُمَّ قَالَ: عُرِضَتْ) إلى آخره. قال شيخنا: وسيأتي الكلام على فوائده مستوعَبًا إن شاء الله تعالى في كتاب الاعتصام. قوله: (حِيْنَ زَاغَتِ) أي حين مالت، وفي رواية التِّرْمِذي بلفظ: ((زالَتِ)) والغرض منه هنا صدر الحديث وهو قوله: (خَرَجَ حِيْنَ زَاغَتِ الشَّمس فَصَلَّى الظُّهْرَ) فإنَّه يقتضي أنَّ أوَّل زوال الشَّمس أوَّل وقت الظهر، إذ لم يُنقل إنَّه ﷺ صلَّى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع، وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة: إنَّه جوَّز صلاة الظُّهر قبيل الزوال، وعن أحمد وإسحاق مثله في الجمعة كما سيأتي في بابه. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّ أوَّل وقت الظُّهر زوال الشمس، وذكر ابن بطَّال عن الكرخي عن أبي حنيفة: أنَّ الصَّلاة في أوَّل الوقت تقع نفلًا، قال: والفقهاء بأسرهم على خلاف قوله. قال العَيني: ذكر أصحابنا - أي الحنفيَّة - أنَّ هذا القول ضعيف نقل عن بعض أصحابنا وليس منقولًا عن أبي حنيفة، والصحيح عندنا: أنَّ الصَّلاة تجب بأوَّل الوقت وجوبًا موسَّعًا، وذكر القاضي عبد الوهَّاب
следующие страницы →