← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 523

مزيد فتح الباري بشرح البخاري - مخطوط

إبراهيم بن علي النعماني

Полный текст (565 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الطبراني من حديث عَدي بن حاتم: مَن أمَّنا فليتم الركوع والسجود. وفي قول ابن المنير: إن الركوع والسجود لا (١) يشق إتمامهما، نظرٌ، فإنه إن أراد أقلَّ ما يَنطلِقُ عليه اسمُ تمامٍ فذاك لا بد منه، وإن أراد غاية التمام فقد يشُقُّ، فسيأتي في حديث الباب قريباً أنه ﷺ كان قيامُه وركوعُه وسجودُه قريباً من السواء. انتهى. هذا الحديث قد مَرَّ في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة، أخرجه عن محمد بن كثير عن سفيان عن ابن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود، فانظر التفاوت بينهما في المتن، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به من الأشياء. قوله: (أَنَّ رَجُلًا) قال شيخنا: لم أقف على تسميته، ووهِمَ من زعم أنه حزم بن أبي كعب، لأن قصته كانت مع معاذ لا مع أُبَيِّ بن كعب كما تقدم آنفاً. قوله: (إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ) أي فلا أحضرُها مع الجماعة لأجل التطويل. قوله: (مِمَّا يُطِيلُ) كلمةُ ما مصدريةٌ، أي مِن تطويله، وفي رواية عبد الله بن المبارك في «الأحكام» : والله لأتأخرُ. بزيادة القسم. وفيه: جواز ذلك لأنه لم ينكِر عليه، وتقدَّم في كتاب العلم في باب الغضب في العلم بلفظ: إني لا أكاد أدرك الصلاة. وتقدم توجيهه، ويُحتمل أيضاً أن يكون المراد: أنَّ الذي ألِفَهُ من تطويله اقتضى له أن يتشاغل عن المجيء من أولِ الوقت وثوقاً بتطويله بخلاف ما إذا لم يطول، فإنه كان يحتاج إلى المبادرة إليه أولَ الوقت فكأنه يعتمد على تطويله فيتشاغلُ ببعض شُغلِه ثم يتوجه فيصادف (٢) أنه تارة يدركُه وتارة لا يدركه، فلذلك قال: لا أكاد أدركه مما يطول بنا، أي بسبب تطويله. واستُدِلَّ به على تسمية الصبح بذلك، ووقع في رواية سفيان الآتية قريباً: (عَنِ الصَّلَاةِ فِي الفَجْرِ)، وإنما خصها بالذِّكْرِ لأنها تَطُولُ فيها القراءةُ غالباً، ولأن الانصراف منها وقتُ التوجه لمن له حرفة إليها. قوله: (أَشَدَّ) بالنصب على الحال من النبي ﷺ ، ونُصِبَ (غَضَبًا) على التمييز. قال شيخنا: (أَشَدَّ) بالنصب نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي غضبا أشد. قال العيني: هذا ليس بشيء لفساد المعنى، يذوقُه من له يد في العربية. قوله: (يَوْمَئِذٍ) أي يوم أُخبِر بذلك. قال ابن دقيق العيد: سبب الغضب إما لمخالفة الموعظة أو للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه. قال تلميذُه أبو الفتح اليعمري: فيما قاله نظر، لأنه يتوقف على تقدم الإعلام بذلك. قال: ويُحتمل أن يكون ما ظهر من الغضب لإرادة الاهتمام بما يُلقيه لأصحابه ليكونوا من سماعه على بال، لئلا يعودَ مَن فعل ذلك إلى مثلِه. انتهى. قال شيخنا: هذا أحسن في الباعث على أصل إظهار الغضب، أما كونُه أشد فلاحتمال الثاني أوجه ولا يَرِدُ عليه التعقب المذكور. انتهى. قال العيني: ويُحتمل تقدم الإعلام به بقصةِ معاذ، ولهذا لم يُذكَر في حديثه الغضبُ، ووَاجَهَهُ وحدَه بالخطاب. وهنا قال: (إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) بصيغة الجمع، وهو من التنفير، يُقال (٣) : نفَر ينفُر نُفوراً ونِفاراً إذا فَرَّ وذهب. قوله: (إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) فيه تفسيرُ المرادُ للفتنة

стр. 527

في قوله في حديث معاذ: ((أَفَتَّانٌ أنت؟)). قال شيخنا: ويُحتمل أن تكون قصة أُبَيَّ هذه (١) بعد قصة معاذ بهذا يتوجه الاحتمال الأول لابن دقيق العيد بالخطاب. قوله: (فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى) أيْ فأيُّ واحد منكم، وكلمة: (مَا) زائدة، وزيادته معَ أي الشرطية كثير، وفائدتها التوكيد وزيادة التعميم. وفي رواية سفيان: (فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ) قوله: (فَلْيَتَجَوَّزْ) جواب الشرط أي فليخفف. يقال: تجوز في صلاته أي: خفف، وأصل اللام فيه أن تكون مكسورة، وجاز فيها السكون. وقال ابن بطال: لما أمر الشارع بالتخفيف كان المطوِّل عاصياً، ومخالفة العاصي جائزة لأنه لا طاعة إلا في المعروف. وقال ابن دقيق العيد: التخفيفُ من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفاً بالنسبة إلى عادة قومٍ طويلاً بالنسبة لعادة آخرين. قال: وقولُ الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عن النبي ﷺ أنه كان يزيد على ذلك، لأنَّ رغبة الصحابة في الخير تقتضي أنْ لا يكونَ ذلك تطويلاً. انتهى. قال شيخنا: التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن العاصي أن النبي ﷺ قال له: ((أنتَ إمامُ قومِك، واقدِر القوم بأضعَفِهِم)) إسنادُه حسن. وأصلُه في مسلم. قوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ) في رواية سفيان: (فَإِنَّ خَلْفَهُ) وهو تعليل الأمر المذكور ومقتضاه أنه متى لم يكن فيهم متصفٌ بصفةٍ من المذكورات لم يَضُرَّ التطويل، وقد قدمتُ ما يَرُدُّ عليه في الباب الذي قبله مِن إمكان مَجيءِ متصفٍ بأحدها. وقال اليعمري (٢) : الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقاً. قال: وهذا كما شرع القصر في كتاب (٣) صلاة المسافر وعُلِّلَ بالمشقة وهي مع ذلك تشرع ولو لم يشق عملا بالغالب، لأنه لا يدري ما يطرأ عليه، وهنا كذلك. قال العيني: ويؤيد كلامه صيغة الأمر بالتخفيف، فإنه أَمَر بعدَ الغضب الشديد، وظاهرُه يقتضي الوجوب. قوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ) كذا للأكثر ووقع في رواية سفيان في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة: (فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ) وكأن المراد بالضعيف هنا: المريض، وهناك: من يكون الضَّعْفُ في خِلْقَته كالنحيف والمسن، وكل مريضٍ ضعيفٌ من غير عكس، وسيأتي في الباب الذي بعده مزيد. (٦٢) (بَابٌ: إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ) أي هذا باب في بيان حكم المصلي إذا صلى، وأشار بهذا إلى أن الأمر بالتخفيف على الإطلاق إنما هو في حق الأئمة لأن خلفه من لا يطيق التطويل، وأما إذا صلى وحده فلا حجر عليه إن شاء طوَّل، وإن شاء خفف، ولكن لا ينبغي التطويل إلى أن يخرج الوقت، أو يدخلَ في حد الكراهة. ٧٠٣ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ))). مطابقته للترجمة ظاهرة وهذا الإسناد بهؤلاء الرجال قد مرَّ غير مرة. وأبو الزناد بالزاي والنون عبدُ الله ابن ذكوان، والأعرج عبدُ الرحمن بن هرمز.

стр. 528

والحديث أخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك، وأخرجه ابن ماجه عن قتيبة عن مالك. قوله: (لِلنَّاسِ) أي إذا صلى إماماً للناس، أو لأجل ثوابِ الناس أو خيرِهم الحاصلِ في الجماعة. قوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ) هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (فَإِنَّ مِنْهُمُ). قوله: (الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ) المراد بالضعيف هنا: ضعيف الخلقة، والسقيم: من به مرض. زاد مسلم من وجه آخر عن أبي الزناد: ((والصغير والكبير)). وزاد الطبراني في حديث عثمان بن أبي العاص: ((والحامل والمرضع))، وله من حديث عَدي بن حاتم: ((والعابرُ السبيل)). وقوله في حديث أبي مسعود الماضي: (وَذَا الحَاجَةِ) هي أشمل الأوصاف المذكورة. قوله: (فليطول ما شاء) ولمسلم: ((فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ)) أي مخففِّاً أو مطوِّلاً، واستُدِل به على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت، وهو المصحح عند بعض أصحابنا - أي الشافعية -، قال شيخُنا: وفيه نظر، لأنه يعارضهُ عمومُ قوله في حديث أبي قتادة: ((إنما التفريطُ أن يؤخِّر الصلاة حتى يدخل وقتُ الأخرى)). أخرجه مسلم. وإذا تعارضت مصلحة الكمال بالتطويل ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاةُ ترك المفسدة أولى. واستُدِل بعموم الحديث أيضاً على: جوازِ تطويل الاعتدال والجلوسِ بين السجدتين. وإنما جُعِل أمرُ المصلي في التطويلِ وغيرِه راجعاً إليه لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد ذكر الرب ﷻ الأعذار التي من أجلها أسقط فرض قيام الليل عن عباده فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فينبغي للإمام التخفيفُ مع الكمال في الأركان، ألا ترى أنه ﵇ قال للذي لم يتم ركوعه ولا سجوده: ((ارجع فصل فإنك لم تصل))، وقال ﵇: ((لا تجزِئ صلاة من لا يُقيم ظهرَه في الركوع والسجود)). وممن كان يخفف الصلاة من السلف أنس بن مالك، قال ثابت: صليت معه العتمة فتَجَوَّز ما شاء الله. وكان سعد إذا صلى في المسجد خفف الركوع والسجود وتجَوَّزَ، وإذا صلى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقيل له؟ فقال: إِنَّا أئمةٌ يُقتدَى بنا، وصلى الزبير بن العوام صلاةً خفيفةً فقيل له: أنتم أصحابُ النبيِّ ﷺ أخفُّ الناس صلاةً؟ فقال: إنَّا نبادر هذا الَوسواس. وقال عمار: احذِفُوا (١) هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان. وكان أبو هريرة يتم الركوع والسجود ويتَجَوَّز، فقيل له: هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم وأجوزُ. وقال عمرو بن ميمون: لما طُعِنَ عُمر ﵁ تقدم عبدُ الرحمن بن عوف، ﵁، فقرأ بأخصر سورتين في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]. وكان إبراهيم يخفف الصلاة ويتم الركوع والسجود، وقال أبو مِجلَز: كانوا يتمون ويتجوزون ويبادرون الوسوسة. ذكر هذه الآثارَ ابن أبي شيبة في «مصنفه». (٦٣) (بَابُ مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ) أي هذا باب ترجمته: من شكا إمامه إذا طول عليهم الصلاة. قوله: (وَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ) أي بضم الهمزة وفتح السين وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة، ووقع

стр. 529

في رواية المستملي: (أَبُو أَسِيد)، بفتح الهمزة. قال شيخنا: والصواب بالضم كما للباقين. انتهى. قال العيني: وفي «التوضيح» : وأُسيد، بضم الهمزة، كذا بخط الدمياطي. وقال الجياني: في نسخة أبي ذر من رواية المستملي وحده: (أَبُو أَسِيد)، بفتح الهمزة. وقال أبو عبد الله: قال عبد الرزاق ووكيع: أبو أُسيد، وهو الصواب. واسمه: مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي المدني، شهد المشاهد كلها، وهو مشهور بكنيته، مات سنة ثلاثين، وقيل: سنة ستين، وفيه اختلاف كثير، وهو آخر من مات من البدريين. قوله: (طَوَّلْتَ بِنَا يَا بُنَيَّ) مطابقته للترجمة ظاهرة. وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن وكيع حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، قال حدثني المنذر بن أبي أُسيد الأنصاري قال: فإنَّ أبي ليصلي خلفي، فربما قال لي: يا بني طولت بنا اليوم بالصافات. واستُفيد منه تسمية الابن المذكور أنه المنذر. وقوله: (يَا بُنَيَّ) بالتصغير لأجل الشفقة دون التحقير. وفي «التلويح» : قال البخاري: وكره عطاء أن يؤم الرجلُ أباه. قال العيني: هذا التعليق مذكور في بعض النسخ، فلئن صح فقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع حدثنا إبراهيم بن يزيد المكي عن عطاء قال: لا يؤم الرجل أباه. قال شيخنا: في قصة أبي أُسيد حجة على من كره للرجل أن يؤم أباه. انتهى. ٧٠٤ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ))). مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث قد مضى في الباب الذي سبق قبل الباب الذي قبله، وهناك: عن أحمد بن يونس عن زهير عن إسماعيل، وهنا: عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري، وقيل: محمد بن يوسف أبو أحمد البخاري البيكندي عن سفيان بن عيينة، والأول أصح، نص عليه أبو نُعيم. وأبو مسعود: هو عقبة بن عمرو البدري. قوله: (فِي مَوْعِظَةٍ) ويروى: (فِي مَوْضِعٍ). قوله: (مُنَفِّرِينَ)، ويروى: (لَمُنَفِّرِينَ) بلام التأكيد. ورُوي في هذا الباب عن أبي (١) واقد الليثي وابن مسعود وابن عمر وعثمان بن أبي العاص وأنس ﵃. أما حديث أبي واقد فأخرجه الشافعي في «مسنده» من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم (٢) عن نافع بن سرجس قال: عُدنا أبا واقد الليثي فسمعته يقول: كان رسول الله ﷺ أخفَّ الناس صلاة على الناس، وأطول الناس صلاةً لنفسه. وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الطبراني في «الأوسط» من حديث إبراهيم التيمي عن أبيه سمعت ابن مسعود قال رسول الله ﷺ : ((أيُّكُم أَمَّ الناس فليخفف، فإنَّ فيهم الضعيفَ والكبيرَ وذا الحاجة)). وأما حديث ابن عمر فأخرجه النَّسائي بسند صحيح عنه: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمُّنا. وأما حديث عثمان فأخرجه مسلم عنه يرفعه: ((من أَمَّ الناس

стр. 530

فليخفف فإن فيهم الكبيرَ، وإن فيهم الضعيفَ، وإن فيهم ذا الحاجة، فإذا صلى أحدكم وحده (١) فليصل كيف شاء)). وأما حديث أنس فأخرجه البخاري في هذا الباب، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ٧٠٥ - قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) أي أبو الحسن، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في الباب أيضاً. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) أي بضم الميم وكسر الراء، ودِثار بكسر الدال خلافُ الشِّعار، ترجمته في باب الصلاة إذا قدم من سفر. قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ) ترجمته في باب بدء الوحي. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في أربع مواضع. قوله: (قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَيْهِ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ - أَوِ النِّسَاءِ - فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ)) - أَوْ ((فَاتِنٌ)) - ثَلَاثَ مِرَارٍ: ((فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الحَاجَة)) أَحْسِبُ هَذَا فِي الحَدِيثِ). مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن فيه شكوى صاحب الناضحين إلى رسول الله ﷺ من معاذ حين طوَّلَ الصلاة وهو إمام. هذا الحديث أخرجه النسائي. قوله: (بِنَاضِحَيْنِ) الناضح بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة: ما استعمل من الإبل في سقي النخل والزرع، وهو البعير الذي يُسقَى عليه. قوله: (وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ) أي أقبل بظلمته، وهو بفتح النون من باب فَتَح يفتَح. وهو يؤيد أن الصلاةَ المذكورة كانت العشاء كما تقدَّم. قوله: (فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ) يقال: قرأها وقرأ بها، لغتان. قوله: (أَوِ النِّسَاءِ) الشك من محارب، دلت عليه رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة: شك محارب. وبهذا يُرَدُّ على من زعم أن الشك من جابر. قوله: (وَبَلَغَهُ) أي بلغ الرجلَ، وهو صاحب الناضح. قوله: (إِلَيْهِ) أي إلى النبي ﷺ . قوله: (أَفَتَّانٌ أَنْتَ) فتَّان (٢) صفة واقعة بعد ألف الاستفهام رافعةٌ لِظاهر، ويجوز أن يكون مبتدأ و (أَنْتَ) سادٌّ مَسَدَّ الخبر، ويجوز أيضا أن تكون (أَنْتَ) مبتدأً و: هو، خبرَه، و: فتان صيغةُ مبالغةِ فاتن. وقوله: (أَوْ (٣) فَاتِنٌ) على وزن فاعل، شكٌّ من الراوي. قوله: (فَلَوْلَا صَلَّيْتَ) وقال الخطابي: فهلا قرأت. وقد عُلِم أنَّ لولا تأتي على أربعة أوجه: منها: أن يكون للتحضيضِ والعرض فتُخَصَّ بالمضارع أو ما في تأويله. ومنها: أن تكون للتوبيخ والتنديم فتُخَصَّ بالماضي. ومنها: أن تكون لربط امتناع الثانية بوجود الأولى نحو: لولا زيد لأكرمتك. ومنها: أن تكون للاستفهام نحو: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠]. وفيه خلاف، وههنا بمعنى القِسْمِ الثالث. قاله العيني وهو الظاهر. قوله: (بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى...) إلى آخره، فيه دليل على أن أوساط المفصل إلى: والضحى، لأن هذه الصلاة صلاة العشاء، والسنة فيها القراءة من أوساط المفصل لا من قصاره، ثم ذِكْرُ هذه السور الثلاث ليس للتخصيص بعينها، لأن المراد هذه الثلاث أو نحوها من القصار، كما في بعض الروايات لفظ: (وَنَحْوِهَا). قوله: (فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ) تقدَّم شرحه في الباب الذي قبله، وكان هذا هو الحامل لمن وحَّد (٤) بين القصتين. قوله:

стр. 531

(أَحْسِبُ هَذَا فِي الحَدِيثِ) قائل: (أَحْسِبُ) هو شعبة الراوي عن محارب، ولفظة: (هَذَا) إشارةٌ إلى الجملة الأخيرة. وهي قوله: (فَإِنَّهُ يُصَلِّي...) إلى آخره، والتذكير باعتبار المذكور، وقال الكِرماني: المحسوب هو (فَلَوْلَا صَلَّيْتَ...) إلى آخره، لأن الحديث برواية عمرو فيما تقدم آنفاً انتهى عندَه حيث قال: ولا أحفظهما. وقال الكِرماني أيضاً: أو أنَّه من كلام البخاري، وأن المراد به لفظ: (ذُو الحَاجَة) فقط. قال العيني: هذا الذي قاله تخمين وحُسبان، فلذلك (١) قال هو: لكن لم يتحقق لي ذلك لا سماعاً ولا استنباطاً من الكتاب. قوله: (وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) أي والد سفيان الثوري، وقد وصل روايتَه هذه أبو عوانة من طريق أبي الأحوص عنه. قوله: (وَمِسْعَرٌ) أي بكسر الميم وسكون السين المهملة، ابن كِدَام الكوفي، وهو بالرفع لأنه معطوفٌ على سعيد، وقد وصل روايته السراج عن زياد عن أبي أيوب حدثنا أبو نُعيم عن محارب بلفظ: فقرأ بالبقرة والنساء، فقال النبي ﷺ : ((أما يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحوِ هذا؟)). قوله: (وَالشَّيْبَانِيُّ) أي أبو إسحاق، سليمان بن أبي سليمان، واسمه: فيروز الكوفي، (وَالشَّيْبَانِيُّ) بالرفع، عطفٌ على مِسعر، وقد وصل روايته البزار عن محارب، والمعنى: تابعَ شعبةَ سعيدٌ ومسعر والشيبانيُّ، ومتابعةُ هؤلاء في أصل الحديث لا في جميع ألفاظه. قوله: (قَالَ عَمْرٌو) أي ابن دينار. قوله: (وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ) أي بكسر الميم وسكون القاف: المدني. قوله: (وَأَبُو الزُّبَيْرِ) أي محمد بن (٢). قوله: (عَنْ جَابِرٍ (٣)، قَرَأَ مُعَاذٌ فِي العِشَاءِ) إنما قال: (قَالَ عَمْرٌو)، ولم يقل: وتابعه، مثلَ ما قال في سابقه ولاحقه، لأن هؤلاء الثلاثة لم يتابعوا أحداً في ذلك، أما رواية عمرو فقد تقدمت في باب إذا طَوَّل الإمام، وأما رواية عبيد الله فوصلها ابن خزيمة عن بندار عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان عنه، وهي عند أبي داود باختصار، وأما رواية أبي الزبير فوصلها عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، وهي عند مسلم من طريق الليث عنه، لكن لم يُعيِّن أن السورة البقرة. قوله: (وَتَابَعَهُ الأَعْمَشُ، عَنْ مُحَارِبٍ) أي وتابع شعبةَ سليمانُ الأعمش عن محارب بن دثار، ووصل روايته النسائي من طريق محمد بن فضيل عن الأعمش عن صالح، كلاهما عن جابر بطوله. وقال فيه: فيُطوِّل بهم معاذ. ولم يعين السورة، والفرق بين المتابعتين - أعني السابقة واللاحقة - أن الأولى ناقصة، إذْ لم يذكر المتابَع عليه، والأخيرة كاملة إذْ ذَكَرَه حيث عن محارب. (بَابُ الإِيجَازِ فِي الصَّلَاةِ وَإِكْمَالِهَا) أي هذا باب في بيان إيجاز الصلاة مع إكمالها، أي إكمال أركانها، وفي بعض النسخ: (بَابُ الإِيجَازِ) فقط. ومع هذا هذه الترجمة إنما ثبتت عند المستملي وكريمة، وذكرها الإسماعيلي أيضاً، وليست بموجودة في رواية الباقين. ٧٠٦ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) أي بفتح الميمين: عبد الله بن عمرو المقعد، ترجمته في باب قول النبي ﷺ : اللهم علمه الكتاب. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ)

стр. 532

أي ابن سعيد، ترجمته في الباب أيضاً. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) أي ابن صهيب، ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان. قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابْنِ مَالِكٍ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، والعنعنة في موضع واحد، والقول في ثلاث مواضع. قوله: (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلَاةَ وَيُكْمِلُهَا) مطابقته للترجمة ظاهرة، وعلى سقوط الترجمة من حيث إن النبي ﷺ أمر في حديث ذلك الباب بالإيجاز، وههنا فَعَلَهُ بنفسه، فأشار البخاري بهذا إلى أن الإيجاز مع الإكمال مندوبٌ، لأنه ثبت بقول النبي ﷺ وفعلِه. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضاً وابنُ ماجه ولفظه: يوجز الصلاة ويتم الصلاة. وعند السراج: يوجز في الصلاة. وفي لفظ: كان أتمَّ الناس صلاة في إجازةٍ. وفي لفظ: أخفَّ الناس صلاةً في تمام. وفي لفظ: من أخفِّ. وفي لفظ: كانت صلاته متقاربة وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر مَدَّ في صلاة الفجر. وفي لفظ: ما صليت بعد النبي ﷺ صلاة أخف من صلاته في تمام ركوع وسجود. وفي لفظ: كان إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى يقول: قد أوهمَ، وكان يقعد بين السجدتين حتى يقول قد أوهم. قوله: (يُوجِزُ الصَّلَاةَ) من الإيجاز وهو ضد الإطناب، والإكمال ضد النقص. والمراد بالإيجاز مع الإكمال الإتيان بأقل ما يمكن من الأركان والأبعاض. وروى بن أبي شيبة من طريق أبي مجلز (١) قال: كانوا أي الصحابة يتمون ويوجزون ويبادرون الوسوسة. فبيَّن العلة في تخفيفهم، ولهذا عقب المصنف هذه الترجمة بالإشارة إلى أن تخفيفَ النبي ﷺ لم يكن لهذا السبب لعصمته من الوسوسة بل كان يخفف عند حدوث أمر يقتضيه كبكاء الصبي. (٦٥) (بَابُ مَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصَّبِيِّ) يجوز أن يضاف (بَابُ) إلى (مَنْ) الموصولة، ويجوز أن يُنوَّن على أنه خبرُ مبتدأ محذوف تقديره: هذا بابٌ. وقوله: (مَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ) في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: ترجمتُه (مَنْ أَخَفَّ)، وقوله: (أَخَفَّ) على وزن أَفْعَلَ مِن الإخفاف وهو التخفيف. قال الزين ابن المنير: التراجم السابقة في التخفيف تتعلق بحق المأمومين وهذه الترجمة تتعلق بقدر زائد على ذلك وهو مصلحة غير المأمومين، لكن حيث تتعلق بشيء يُرجَع إليه. ٧٠٧ - قوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أي ابن يزيد أبو إسحاق الرازي يعرف بالصغير، مَرَّ في باب غسل الحائض رأس زوجها. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ) أي ابْنُ مُسْلِمٍ، مَرَّ في باب وقت المغرب. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) أي عبد الرحمن بن عمرو، ترجمته في باب طلب العلم. قوله: (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) ترجمته في باب كتابة العلم. قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) أي أبو يحيى الأنصاري السلمي، ترجمته في باب النهي عن الاستنجاء باليمين. قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي الحارث بن رِبعِي الأنصاري، ترجمته في الباب أيضاً. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: العنعنة في أربع مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: عن يحيى، وفي رواية بشر الآتية: عن الأوزاعي حدثني يحيى. وفيه: عن عبد الله ابن أبي قتادة في

стр. 533

رواية ابن سماعة عن الأوزاعي عند الإسماعيلي حدثني عبد الله بن أبي قتادة. وفيه: أن رواته ما بين رازي ودمشقي ومدني. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ))). مطابقته للترجمة ظاهرة. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً عن محمد بن مسكين عن بشر بن بكر. وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن الأوزاعي. وأخرجه ابن ماجه فيه عن دحيم به. قوله: (إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ) وفي رواية بشر بن بكر: (لَأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ) والواو في: (وَأَنَا أُرِيدُ) للحال. وقوله: (أُرِيدُ) أيضاً في موضع الحال. قوله: (أَنْ أُطَوِّلَ (١)) أنْ مصدرية، أي: أريد التطويل في الصلاة. قوله: (بُكَاءَ الصَّبِيِّ) البكاء إذا مددتَ أردتَ به الصوت الذي يكون معه، وإذا قصرتَ أردتَ خروج الدمع، وههنا ممدود لا محالة بقرينة: (فَأَسْمَعُ)، إذْ السماع لا يكون إلا في الصوت. قوله: (فَأَتَجَوَّزُ) أي فأخفف. وقال ابن سابط: التجوز هنا يراد به بِقليل القراءة، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي السوداء النهدي عن ابن سابط: أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعة الأولى بسورةٍ نحوَ ستين آية، فسمع بكاء صبي فقرأ في الثانية بثلاث آيات. قال العيني: ابن سابط هو عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط الجمحي، مات بمكة سنة ثمان عشرة ومائة. قوله: (كَرَاهِيَةَ) بالنصب على التعليل مضافٌ إلى أنْ المصدرية. استَدَلَّ به بعضهم على جواز إدخال الصبي في المسجد، قال شيخنا: وفيه نظر لاحتمال أن يكون الصبي كان مخلَّفًا في بيته بقرب من المسجد. قال العيني: ليس هذا موضع النظر، لأن الظاهر أن الصبي لا يفارق أمه غالباً. انتهى. قال شيخنا: لمْ يُدفع الاحتمالُ بالغلَبة، فكيف يتِمُّ الدليل مع قيام الاحتمال وهو يوجَدُ وبِكثْرةٍ ولا سيما في صلاة الصبحِ، لأنها مظنة استمراره في النومِ إلى أن تصليَ وترجعَ إليه وقد يستيقظُ فلا يجدُها فيبكي. وفيه: دلالة على جواز صلاة النساء مع الرجال. وفيه: دلالة على كمال شفقة النبي ﷺ على أصحابه، ومراعاته أحوال الكبير منهم والصغير. وبه استدل بعض الشافعية على أن الإمام إذا كان راكعاً فأحسَّ بداخل يريد الصلاة معه ينتظره ليدرِك معه فضيلة الركعة في جماعة، وذلك أنه إذا كان له أن يحذِفَ من طول الصلاة لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا كان له أن يزيد فيها لعبادة الله تعالى، بل هذا أحق وأولى. وقال القرطبي: ولا دلالة فيه، لأن هذا زيادة تَحَمُّلٍ (٢) في الصلاة بخلاف الحذف. وقال ابن بطال: وممن أجاز ذلك الشعبي والحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقال آخرون: ينتظر ما لم يشق على أصحابه، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور، وقال مالك: لا ينتظر لأنه يضر من خلفه، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي. وقال السفاقسي عن سحنون: صلاتهم باطلة. وفي «الذخيرة» من كتب الحنفية: سمع الإمام في الركوع خفق النعال، هل ينتظر؟ قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة وابن أبي ليلى عن ذلك فكرهاه، وقال أبو حنيفة: أخشى عليه أمراً عظيماً - يعني الشرك - ورَوَى هشام عن محمد أنه

стр. 534

كره ذلك، وعن أبي مطيع: أنه كان لا يرى بأساً. وبه قال الشعبي: إذا كان ذلك مقدار التسبيحة أو التسبيحتين، وقال بعضهم: يطوِّل التسبيحات ولا يزيد في العدد - أي المأثورِ -، وقال أبو القاسم الصفار: إن كان الجائي غنياً لا يجوز، وإن كان فقيراً يجوز انتظارُه. وقال أبو الليث: إن كان الإمام عَرَف الجائي لا ينتظره، وإن لم يعرفه فلا بأس به، إذ فيه إعانةٌ على الطاعة. وقيل: إن أطال الركوع لإدراك الجائي خاصةً ولا يريد إطالة الركوع للقُربة إلى الله فهذا مكروه، وقيل: إن كان الجائي شريراً ظالماً فلا يُكره لدفع شره. قال شيخنا: وفي هذه المسألة عند الشافعية خلاف وتفصيل، وأطلق النووي عن المذهب استحباب ذلك وفي «التجريد» للمحاملي نقل كراهيته عن الجديد. انتهى. قوله: (تَابَعَهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ) أي بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة، الشامي. وبَكر بفتح الباء الموحدة (١)، أي تابع الوليدَ بن مسلم بشرٌ. قال شيخنا: متابعةُ بشر موصولةٌ عند المؤلف في كتاب الجمعة. قال العيني: هذا غفلة منه وسهو، وإنما ذكر البخاري في باب خروج النساء إلى المساجد حديث بشر مسنداً. قوله: (وَابْنُ المُبَارَكِ) أي وتابع الوليدَ أيضا عبدُ الله بن المبارك، ومتابعته (٢) هذه رواها النسائي عن سويد (٣) بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي، ﷺ ، قال: ((إني لأقوم...)) الحديثُ. قوله: (وَبَقِيَّةُ) أي وتابع الوليدَ بن مسلم بقيةُ أيضاً، بفتح الباء الموحدة وكسر القاف وتشديد الياء آخر الحروف، ابن الوليد الكَلَاعي، بفتح الكاف وتخفيف اللام الحضرمي، سكن حمص، وهو من أفراد مسلم، والبخاريُّ استشهد به، مات سنة سبع وتسعين ومائة. قال شيخنا: ومتابعةُ بقية بن الوليد لم أقف عليها. قال العيني: وتابع الوليدَ بن مسلم أيضاً عمر بن عبد الواحد أخرجه أبو داود حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا عمر بن عبد الواحد وبشر بن بكر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني لأقوم...)) الحديثُ، وتابع الوليدَ أيضاً إسماعيلُ بن عبد الله بن سماعة، أخرجه الإسماعيلي. انتهى. ٧٠٨ - قوله: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) أي بفتح الميم، البجلي الكوفي، مَرَّ في أول كتاب العلم في باب طرح الإمام المسألة على الناس. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أي أبو أيوب، ويقال: أبو محمد التيمي، ترجمته في باب أمور الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن أبي نمير، أبو عبد الله القرشي، ويقال: الليثي من أنفُسهم، مات عام أربعين ومائة، ترجمته في باب القراءة والعرض على العالم. قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ) ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في أربع مواضع. وفيه: أن شيخ البخاري كوفي وبقية الرواة مدنيون، قال شيخنا: والإسناد كله مدنيون. قال العيني: ليس كذلك، فإن خالد بن مخلد كوفي، ويقال له أيضاً: القطواني، وقطوان محِلَّةٌ على باب الكوفة. قال شيخنا: هو كوفي سكن المدينة كما أن أنَساً مدني سكن البصرة فجاز نسبةُ كلٍّ منهما إلى البلدين والنسبة يكفي فيها بأدنى

стр. 535

ملابَسة. انتهى. قوله: (مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً، وَلَا أَتَمَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَتَنَ أُمُّهُ) مطابقته للترجمة ظاهرة. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر، أربعتُهم عن إسماعيل ابن جعفر عن شريك. قوله: (أَخَفَّ) صفةٌ للإمام، و (صَلَاةً) نصبٌ على التمييز. قوله: (وَلَا أَتَمَّ) إلى هنا أخرج مسلم من هذا الحديث من رواية إسماعيل بن جعفر عن شريك، ووافق سليمان بن بلال عن تكملته أبو ضمرة عند الإسماعيلي. قوله: (وَإِنْ كَانَ) لفظُ (إِنْ) هذه مخففة وأصلها: إنه، والضمير فيه للشأن. قوله: (فَيُخَفِّفُ) بيَّن مسلم في روايته عن أنس محل التخفيف، ولفظه: فيقرأ بالسورة القصيرة. وبيَّن ابنُ أبي شيبة من رواية عبد الرحمن بن سابط مقدارها في حديثه المتقدم. قال شيخنا: وهو مرسل. قوله: (مَخَافَةَ) نُصِبَ على التعليل مضافٌ إلى أنْ المصدرية. قوله: (أَنْ تُفْتَتَنَ أُمُّهُ) من الافتتان، أي تلتهي عن صلاتها لاشتغال قلبها ببكائه، زاد عبد الرزاق من مرسل عطاء: ((أو تتركَه فيضيع)). وقال الكِرماني: وتفتن من الثلاثي، ومن الإِفعال والتفعيل. قال العيني: أشار بهذا إلى ثلاثة أوجه فيه: الأول: تُفتَن على صيغة المجهول من فُتِن يُفتَن، والثاني: من أُفتِن على صيغة المجهول أيضاً، والثالث: من التَّفتِين، والذي ذكرتُه من باب الافتعال، فيكون على أربعة أوجه. ٧٠٩ - قوله: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن جعفر أبو الحسن، يقال له: ابن المديني، ترجمتُه في باب فهم العلم. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أي بضم الزاي وفتح الراء، ترجمته في. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) أي ابن أبي عروبة، ترجمته في (١). قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) ترجمته في باب من الإيمان أن يحب. قوله: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ) في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في أربع مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع، وفيه: القول في أربع مواضع. ورواته كلهم بصريون. قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي))). قوله: (وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا) فيه أنَّ من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحب لا يجب عليه الوفاء به خلافاً لأشهب حيث ذهب إلى أَنَّ من نوى التطوع قائماً ليس له أن يتمه جالساً قوله: (مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ) هذا طريق آخر من حديث أنس ﵁. قوله: (مِمَّا أَعْلَمُ) كلمةُ (مَا) مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، والعائد محذوف. قوله: (وَجْدِ أُمِّهِ) الوجد: الحزن. قال ابن سيده: وَجَد الرجل وَجداً ووُجداً، كلاهما عن اللحياني: حزِن. وفي «الفصيح» : ووجدت في الحزن وجداً، ومضارعه: يَجِدُ، وحكى القزازُ عن الفراء: يَجِدُ، يعني بضم الجيم. وفي «المطالع» : مِن مَوجِدة أُمِّهِ، أي: من حبا إياه وحُزنِها لبكائه. قال: وقد روي: ((مِن وَجَدِ أُمِّهِ)). وفي «المحكم» : وَجَد يَجِد وجداً بالسكون والتحريك. وقال شيخنا: وكأنَّ ذِكرَ الأم خرج مخرج الغالب، وإلا فمَن كان في معناها يلتحِق بها. قال العيني: وفيه نظر، لأن غير الأم ليس كالأم في الموجدة. قال شيخنا: خَفِي عليه الاشتراكُ في أصل العلة. ٧١٠ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أي الملقب ببُندار، ترجمته في باب ما كان النبي

стр. 536

يتخولهم بالموعظة. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) أي محمد بن إبراهيم البصري. قوله: (عَنْ سَعِيدٍ) أي ابن أبي عروبة. قوله: (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب. قوله: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ﵁ في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربع مواضع. ورجاله (١) بصريون. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، فَأُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ))). هذا طريق آخر من حديث أنس ﵁. قوله: (مِمَّا أَعْلَمُ)، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (لِمَا أَعْلَمُ) بلام التعليل. قوله: (وَقَالَ مُوسَى) أي ابن إسماعيل التَّبوذَكي. قوله: (حَدَّثَنَا أَبَانُ) أي ابن يزيد العطار. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) هذا التعليق فائدته بيانُ سماع قتادة له عن أنسٍ وصله السراج في «مسنده» فقال: حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان بن يزيد حدثنا قتادة، فذكره بلفظ: ((إني أقوم في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه ببكائه)). وفي حديث حُمَيد وعلي زيد عنه: أن رسول الله ﷺ جوَّزَ ذات يوم في صلاة الفجر، فقلت له: جوزتَ يا رسول الله! قال: ((سمعتُ بكاء صبي فكرهتُ أن أشغل عليه أمه)). وفي لفظ: سمع صوت صبي وهو في الصلاة، فخفف الصلاة فظننا أنه خفف رحمةً للصبي مِن أَنَّ أمه في الصلاة. وفي حديث ثابت عنه: إذا سمع بكاءَ الصبيِّ قرأ بالسورة الخفيفة، أو السورة القصيرة. شك جعفر بن سليمان. (٦٦) (بَابُ إِذَا صَلَّى ثُمَّ أَمَّ قَوْمًا) أي هذا باب ترجمته: إذا صلى رجل مع الإمام ثم أمَّ قوماً، ولم يذكر جواب: (إِذَا) جرياً على عادته في ترك الجزم بالحكم المختلف فيه، قال العيني: والظاهر أن ميله إلى جواز ذلك، فحينئذ يُقَدَّر الجواب لفظ: يجوز أو يجزئ. ٧١١ - قوله: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ)، قوله: (وَأَبُو النُّعْمَانِ) هو محمد بن الفضل. قوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) قوله: (عَنْ أَيُّوبَ) أي السختياني. قوله: (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) هو أبو محمد المكي الجُمحي أحد الأئمة. قوله: (عَنْ جَابِرِ ﵁، قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بنُ جَبَلَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ، فَيُصَلِّي بِهِمْ) مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مَرَّ البحث فيما يتعلق به مستوفىً، وتقدم الحديث من وجهٍ آخر عن عمرو. (٦٧) (بَابُ مَنْ أَسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإِمَامِ) أي هذا بابٌ في بيان حكم من أسمع الناس، وهذا بعمومه يتناول المؤذنَ وغيره ممن يسمع الناس تكبيرَ الإمام في الصلاة. ٧١٢ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَتَاه ُ- يَعْنِي بِلَالاً - يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، قَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ))، قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى القِرَاءَةِ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ))، فَقُلْتُ: مِثْلَهُ، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: ((إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ))، فَصَلَّى وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ الأَرْضَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ

стр. 537

يَتَأَخَّرُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ صَلِّ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ). مطابقته للترجمة في قوله: (وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ) وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب حد المريض أن يشهد الجماعة، وفي باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة. قال شيخنا: والشاهد فيه قولُه: (وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ)، وهذه اللفظة مفسِّرة عند الجمهور المرادَ بقوله في الرواية الماضية: (فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ)، وقد ذكر البخاري أن محاضِراً تابع عبد الله بن داود على ذلك، وسيأتي البحث في ذلك في الباب الذي بعده. قال ابن مالك: وقع في بعض الروايات هنا: (إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِي). و (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّي) بإثبات الياء فيهما، وهو من قبيل إجراء المعتل مجرى الصحيح والاكتفاءِ بحذف (١) الحركة، ومنه قراءةُ من قرأَ ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]. قوله: (يُوذِنُهُ) بضم الياء من الإيذان، وهو الإعلام. قوله: (أَسِيفٌ) أي: رقيق القلب. قوله: (يُهَادَى) بفتح الدال، أي يمشي بين اثنين يعتمد عليهما. قوله: (وَأَبُو بَكْرٍ) الواو فيه للحال. قال شيخنا: تنبيهٌ: سَقَط في رواية أبي زيد المروزي من هذا الإسناد إبراهيم ولا بد منه. انتهى. قوله: (تَابَعَهُ مُحَاضِرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ) أي تابع عبدَ الله بن داود محاضرٌ عن سليمان الأعمش، ومُحاضِرٌ، بضم الميم وبالحاء المهملة وبعد الألف ضاد معجمة مكسورة وفي آخره راء: ابن الْمُوَرِّع، بضم الميم وفتح الواو وكسر الراء: الهمداني الكوفي، مات سنة ست ومئتين (٢). (٦٨) (بَابٌ: الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ) أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يقتدي بالإمام ويقتدي الناس بالمأموم الذي اقتدى بالإمام. قال ابن بطال: هذا يوافق قولَ مسروق والشعبي: إن الصفوف يؤمُّ بعضُها بعضاً خلافاً للجمهور. قال شيخنا: وليس المرادُ أنهم يأتمُّون بهم في التبليغ فقط كما فهمه بعضُهم بل الخلاف معنوي، لأنَّ الشعبي قال: ومن أحرم قبل أن يرفع الصفُّ الذي يليه رؤوسَهم من الركعة إنه أدركها ولو كان الإمام رَفَع قبل ذلك، لأن بعضَهم لبعض أئمةٌ. انتهى. فهذا يدُلُّ على أنه يرى أنهم يتحملون عن بعضِهم بعضاً ما يتحمله الإمامُ، وأثر الشعبي الأول وصله عبد الرزاق والثاني وصله ابن أبي شيبة، ولم يفصِح البخاري باختياره في هذه المسألة لأنه بدأ بالترجمة الدالة على أن المراد بقوله: (وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ) أي أنه في مقام المبلغ، ثم ثنى بهذه الرواية التي أطلق فيها اقتداء الناس بأبي بكر ورجح ظاهرها بظاهر الحديث المعلق، فيحتمل أن يكون يذهب إلى قول الشعبي ويرى أن قوله في الأولى (يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ) لا ينفي كونهم يأتمون به، لأن إسماعه لهم التكبير جزءٌ من أجزاء ما يأتمُّون به فيه، وليس فيه نفيٌ لغيرِه، ويؤيد ذلك روايةُ الإسماعيلي من طريق عبد الله بن داودَ المذكور ووكيعٍ جميعاً عن الأعمش بهذا الإسناد، قال فيه: (وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ). قوله: (وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((ائْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ))). هذا التعليقُ طرفٌ من حديث أبي سعيد الخدري خرَّجه مسلم في «صحيحه» عن الدارمي حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا بشر بن منصور عن الجُرَيري عن أبي نضرة عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخراً،

стр. 538

فقال لهم: ((تقدموا فائتموا بي، وليأتَمَّ بكم من بعدكم، ولا يزال قومٌ يتأخرون حتى يؤخرهم الله )، وأخرجه أبو داود أيضاً حدثنا موسى بن إسماعيل ومحمد بن عبد الله الخزاعي قالا: حدثنا أبو الأشهب عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري... الحديثُ، وأخرجه النَّسائي وابن ماجه أيضاً. قال الكِرماني: وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض لأن أبا نضرة ليس على شرطه. قال شيخنا: وهذا عندي ليس بصواب، لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحاً للاحتجاج به عندَه وليس هو على شرط صحيحِه الذي هو أعلى (١) شروط الصحة، والحقُّ أن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف بل قد تُستعمل في الصحيح أيضاً بخلاف صيغة الجزم فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح، وظاهرُه يدل لمذهب الشعبي. قال العيني: هذا الذي قاله يخرِم قاعدتَه، لأنه إذا لم يكن على شرطه كيف يحتج به؟ وإلا فلا فائدة لذلك الشرط. انتهى. قلتُ: لا تنخرمُ قاعدتُه بالاحتجاجِ بمثل هذا، لأنه لم يشترِط خلوَّ الصحيحِ مِن هذا القدْرِ الذي ميَّزه بهذه الصفة، وإنما تنخرِمُ قاعدتُه بسياقِه بصفةِ الأحاديثِ الموصولة ولم يكن صالحاً لاحتجاجٍ لَمَا كان لِذكره هنا فائدة، وأما ذِكرُه بهذه الصيغة فإنَّ البخاريَّ قد يذكُر في موضعٍ مثلَ هذا ثم يجزِمُ في موضعٍ آخر، فلهذا قال شيخُنا: إن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف. انتهى. وأبو نَضْرَة، بالنون المفتوحة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء، واسمه المنذر بن مالك البصري، وأبو الأشهب في مسند أبي داود اسمُه جعفر بن حَيَّان العُطَارِدي السعدي البصري الأعمى، وثقه (٢) يحيى وأبو زرعة وأبو حاتم، مات سنة ست وثلاثين ومائة، روى له الجماعة. انتهى. قوله: (ائْتَمُّوا بِي) خطابٌ لأهل الصف الأول. قوله: (وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ) معناه عند الجمهور: يستدلون بأفعالكم على أفعالي، لا أنهم يقتدون به حال اقتدائهم بغيرهم، فإن الاقتداء لا يكون إلا لإمامٍ واحد. وفيه: جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مُبَلِّغٍ عنه أو صف قُدَّامَه يراه متابعاً للإمام. قوله: (مَنْ) بفتح الميم، في محل الرفع لأنه فاعل لقوله: (وَلْيَأْتَمَّ). قوله: ((ولا يزال قومٌ يتأخرون)) أي عن الصفوفِ الأُوَل ((حتى يؤخرهم الله)) عن عظيم فضله أو رَفْعِ منزلتِه أو نحوِ ذلك. ٧١٣ - قوله: (حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ) أي ابن سَعِيدٍ. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) أي محمد بن حازم الكوفي. قوله: (عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِلَالٌ يُؤذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَإِنَّهُ مَتَى مَا يَقُومُ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ)) فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: ((إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ)) فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ يَخُطَّانِ الأَرْضَ، حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ، ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي

стр. 539

قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁. مطابقته للترجمة في قوله: (يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ...) إلى آخره، وهذا الحديث مضى في باب حد المريض أن يشهد الجماعة، ورواه عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وفي باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، عن أحمد بن يونس عن زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة، وفي باب من أسمع الناسَ تكبير الإمام، عن مسدد عن عبد الله بن داود عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وقد مر الكلام في مباحثه مستوفي. قوله: (يُؤذِنُهُ) أي: يُعْلِمه. قوله: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ) هذه رواية الكُشْمِيهَني، وفي رواية غيره: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي). قوله: (مَتَى مَا يَقُومُ) كذا هو بإثبات الواو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (مَتَى مَا يَقُمْ) بالجزم هذا على الأصل، لأن متى مِنْ كَلِمِ المجازاة، وأما على رواية الأكثرين فشُبِّهت متى بإذا فأهملت كما تُشَبَّهُ إذا بمتى فتُهمل، كما في قوله صلى ﵇: ((إذا أخذتما مضاجعكما تُكبِّرا أربعاً وثلاثين. وتُسبحا ثلاثًا وثلاثين، وتحمدا ثلاثاً وثلاثين)). قوله: (يَتَأَخَّرُ) جملةٌ حالية (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أشار إليه أنْ لا يتأخر. قوله: (حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ) وإنما لم يجلس عن اليمين، لأن اليسار كان من جهة حجرته، فكان أخف عليه. قوله: (مُقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ) على صيغة الجمع لاسم الفاعل، ويروى: (يَقْتَدُونَ) بصيغة المضارع. (٦٩) (بَابٌ: هَلْ يَأْخُذُ الإِمَامُ إِذَا شَكَّ بِقَوْلِ النَّاسِ ؟) أي هذا باب ترجمته: هل يأخذ الإمام... إلى آخره، وفي بعض النسخ: (هَلْ يَأْخُذُ الإِمَامُ بِقَوْلِ النَّاسِ إِذَا شَكَّ؟) يعني في الصلاة، وإنما لم يذكر الجواب لأنه مشى على عادته أن الحكم إذا كان مختلَفاً فيه لا يذكره بالجزم. وقال الزين بن المنير: أراد أن محل الخلاف في هذه المسألة هو ما إذا كان الإمامُ شاكَّاً أما إذا كان على يقينٍ مِن عَمَلِ نفسِه فلا خلاف أنه لا يرجع إلى أحد. انتهى. وقد اختلف العلماء في أن الإمام إذا شك في صلاته فأخبره المأمومُ بأنه تَرَكَ ركعةً مثلاً، هل يرجع إلى قوله أم لا؟ واختُلِف عن مالك في ذلك فقال مرَّةً: يرجع إلى قولهم - وهو قول أبي حنيفة - وقال مرَّةً: يعمل عمل نفسِه ولا يرجع إلى قولهم، وهو قول الشافعيِّ والصحيحُ عند أصحابه. وقال ابن التين: يُحتمل أن يكون ﷺ شك بإخبار ذي اليدين، فسألهم إرادةَ تيقُّنِ أحد الأمرين، فلما صدَّقُوا ذا اليدين علم صحة قوله. وهذا الذي أراد البخاري بتبويبه. قال ابن بطَّال: حمَل الشافعيُّ ﵀ رجوعه ﵇ على أنه تذكَّر فذَكَر. قال: وفيه نظر، لأنه لو كان كذلك لبيَّنَهُ ﵇ لهم ليرتفع اللبس، ولو بيَّنَه لنُقِل ومن ادعى ذلك فعليه ذِكره. قال شيخنا: قد ذكره أبو داود من طريق الأوزاعي عن الزهري عن سعيد وعبد الله عن أبي هريرة بهذه القصة، قال: ولم يسجد سجدتي السهو حتى يَقَّنَهُ اللهُ ذلك. انتهى. ٧١٤ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

стр. 540

رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في أربع مواضع. وفيه: ذكر مالك بنَسْبه إلى أبيه، وكذلك أيوب ذُكِر مع نسبته إلى حِرفَته، واسمُ أبي تميمةَ كيسانُ. وفيه: أن رواته ما بين مدني وبصري. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ)) فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ). مطابقته للترجمة من حيث أنه ﵇ شك فيما قال له ذو اليدين فرجع فيه إلى قول الناس، وهو السبب الظاهر في ذلك وإن كان يُحتَمل تذكُّره ﵇ الأمرَ- من تلقاء نفسِه فبَنَى عليه لا على إخبار الناس، لأن هذا سبب خفي، والشيءُ إذا كان له سببان ظاهرٌ وخفيٌّ يُسند إلى السبب الظاهر دون الخفي. وقد ذكرنا مباحث هذا الحديث وما يتعلق به من كل شيء في باب تشبيك الأصابع في المسجد وفي باب التوجه نحو القبلة. قال شيخنا: وسيأتي الكلامُ عليه في موضعِه. انتهى. قوله: (انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ) من الصلاة الرُّباعية وكانت إحدى صلاتي العَشِيِّ كما جاء في لفظ البخاري: (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا). وفي رواية أيوب عن محمد: أكبرُ ظني أنها الظهر. وكذا ذكره البخاري في الأدب، وفي «الموطأ» : العصرُ. قوله: (أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ) واسمه الخِرباق بكسر الخاء المعجمة، والهمزة فيه للاستفهام عن سبب تغيير وضع الصلاة ونقصِ ركعاتها. قوله: (مِثْلَ سُجُودِهِ) ظاهرُه أنه سَجَدَ واحدةً، ولكن لفظ السجود مصدر يتناول السجدة والسجدتين والحديث الذي يأتي بعده فَبَيَّن أن المراد سجدتان. ٧١٥ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) أي هشام بن عبد الملك الطيالسي. (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابنُ الحجاج. (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن عبد الرحمن بن عوف. (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي عمِّ سعد (٢) بن إبراهيم. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، فَقِيلَ: صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ) هذا طريق آخرُ في الحديث المذكور، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن عبد الله بن معاذ عن أبيه، وأخرجه النسائي فيه عن سليمان بن عبيد الله عن بهز عن شعبة به، وقال: لا أعلم أحداً ذَكَرَ في هذا الحديث: ثم سجد سجدتين، غيرَ سعد بن إبراهيم. فإن قلتَ: رَوَى ابنُ عَدي في «الكامل» : أخبرنا أبو يعلى حدثنا ابن معين حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا ليث وابن وهب عن عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ : لم يسجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو، قال: كان ابن شهاب يقول: إذا عرف الرجل ما نسي من صلاته فأتمها فليس عليه سجدتا السهو لهذا الحديث. قال العيني: قال مسلم في «التمييز» : قول ابن شهاب: إنه لم يسجد يومَ ذي اليدين، خطأ وغلط، وقد ثبت أنه سجد سجدتي السهو من رواية الثقات: ابنِ سيرين وغيرِه. (٧٠) (بَابُ إِذَا بَكَى الإِمَامُ

стр. 541

فِي الصَّلَاةِ) أي هذا باب ترجمته إذا بكى الإمام في الصلاة، يعني هل تفسد أم لا؟ ولم يذكر جواب: (إِذَا) لما فيه من الخلاف والتفصيل على ما نذكره عن قريبٍ إن شاء الله تعالى. قوله: (وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ) أي ابن الهاد، تابعيٌّ كبير له رواية، ولأبيه صحبة. وقال الذهبي: عبد الله بن شداد بن أسامة بن الهاد الكناني الليثي، من قدماء التابعين. وقال في باب الشين: شداد بن الهاد، واسمُ الهاد: أسامة بن عمرو، وقيل له الهاد، لأنه كان يوقد النار في الليل ليهتدي إليه الأضياف. وقيل: الهاد، لقب جده عمرو، ترجمته في باب مباشرة الحائض. قوله: (سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ ﵁، وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]) هذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن إسماعيل بن محمد بن سعد سمع عبدَ الله بن شداد بهذا، وزاد: في صلاة الصبح. وأخرجه ابن المنذر من طريق عبيد بن عمير، (قال: صلى عمر ﵁ الفجرَ فافتتح بيوسف فقرأ ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]، فبكى حتى انقطع ثم رجع). وقال البيهقي: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن وأبو سعيد بن أبي عمرو حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج سمعت ابن أبي مليكة يقول: أخبرني علقمة بن وقاص قال: كان عمر بن الخطاب يقرأ في العتمة بسورة يوسف ﵇، وأنا في مؤخر الصف، حتى إذا جاء ذكر يوسف سمعت نشيجه من مؤخر الصف. قوله: (نَشِيجَ (١)) النشيج على وزن: فَعِيل بفتح النون وكسر الشين المعجمة وفي آخره جيم، مِن نَشَج الباكي ينشُج نشيجاً: إذا غصَّ بالبُكاء في حلقه، أو تردد في صدره ولم ينسحب (٢)، وكل صوت بدا كالنفخة فهو نشيج، ذكره أبو المعالي في «المنتهى». وفي «المحكم» : النشيجُ: أشدُّ البكاء، وقيل: هي فاقةٌ يرتفع لها النفَس كالفُوَاق، وقال أبو عبيد: النشيج هو مثل بكاء الصبي إذا ردد صوته في صدره ولم يخرجه. وفي «مجمع الغرائب» : هو صوتٌ معه توجع وتحزن. وقال السفاقسي: أجاز العلماء البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى وخشيته واختلفوا في الأنين والتأوه. قال ابن المبارك: إذا كان غالباً فلا بأس، وعند أبي حنيفة: إذا ارتفع تأَوُّهُهُ أو بكاؤه فإنْ كان من ذِكْر الجنة والنار لم يقطعها، وإن كان من وَجَعٍ أو مصيبة قَطَعَها، وعن الشافعي وأبي ثور: لا بأس به إلا أن يكون كلاماً مفهوماً، وعن الشعبي والنخعي: يعيد الصلاة. قلتُ: المقرر في كتب الشافعية أنَّ المصلي إذا نطق بحرفين بطلت صلاتُه، وكذا إن نطق بحرفٍ مُفهِمٍ. انتهى. ٧١٦ - قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) أي ابن أويس الأصبحي المدني ابن أخت مالك بن أنس. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) أي خالُه. قوله: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أي عروة بن الزبير. قوله: (عَنْ عَائِشَةَ) أي أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون. قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاس)) قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)) فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ،

стр. 542

فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَهْ إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ)) فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا). مطابقته للترجمة من حيث إن عائشة أخبرت فيه أن أبا بكر إذا قام في مقام النبي ﷺ يبكي بكاءً شديداً حتى لا يُسمع الناسَ قراءتَه من شدة البكاء. فإن قلتَ: هذا إخبارٌ عما سيقع وليس فيه ما يدل على أنه بَكَى. قال العيني: هي أخبرت عما شاهدتْهُ من بكائه في صلاته قبلَ ذلك، وقاست على هذا أنه إذا قام مقام النبي ﷺ يبكي أشدَّ من ذلك لرؤيته خلوَّ مكان النبي ﷺ مع ما عندَهُ من الرِّقَّة وسرعةِ البكاء. فإن قلتَ: ما في الحديث شيءٌ يدلُّ على أن أبا بكر كان إماماً، فضلاً عن أنه بكى وهو إمام؟ قال العيني: جاء في حديثِ هذا البابِ عن عائشة: قلتُ: يا رسول الله إنَّ أبا بكر رجل رقيقٌ، إذا قرأ القرآنَ لا يملِكُ دمعَه. فثبَتَ بهذا أنه كان يبكي إذا قرأ القرآن، وثبت أنه كان إماماً قبلَ أن يأتيَ النبي ﷺ ، وكان قرأ قبل ذلك. والدليلُ عليه ما جاء فيه: فاستفتح النبيُّ ﷺ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة، فدل ذلك على أنه كان يبكي وهو يقرأ القرآن، وأنه قرأ وهو إمام إلى وقت مجيء النبي ﷺ ، فطابق الحديثُ الترجمة من هذه الحيثية. فافهمْ فإنَّ أحداً ما نبَّهَ على هذا. انتهى. قوله: (مِنَ البُكَاءِ) كلمةُ (مِنْ) للتعليل، أي لأجل البكاء. وقال الكِرماني: (فِي البُكَاءِ) أي لأجل البكاء، و (فِي) جاءَ للسببية وهو حال، أي كائناً في البكاء، وهو من باب إقامة بعض حروف الجر مقام بعض. قال العيني: هذا إنما يتوجه إذا صحت رواية: (فِي البُكَاءِ). انتهى. قوله: (فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ) ويروى: (يُصَلِّي). قوله: (بِالنَّاسِ) ويروى: (لِلنَّاسِ). قوله: (فَفَعَلَتْ) أي القولَ المذكور، ولم تقل: فقالت كذا وكذا اختصاراً. قوله: (مَهْ) كلمة زجر، وقد تقدم فيما مضى. قال شيخنا: وفي الباب حديث عبد الله بن الشِّخِّير: رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي بِنَا وفي صدرِه أزيزٌ كأزيز الْمِرجَل من البكاء. رواه أبو داود والنسائي والترمذي في «الشمائل»، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ووهِم من زعم أن مسلماً أخرجه. والْمِرجَلُ بكسر الميم وفتح الجيم: القِدْرُ إذا غلت، والأَزِيزُ بفتح الهمزة بعدها زاي ثم تحتانية ساكنة ثم زايٌ أيضاً: هو صوتُ القِدْر وفي لفظٍ: كأزيز الرَّحَى. (٧١) (بَابُ تَسْوِيَةِ الصَّفِّ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا) أي هذا بابٌ في بيان حكم تسوية الصفوف عند الإقامة للصلاة وبعد الإقامة أي بعد الفراغ من الإقامة قبل الشروع في الصلاة. ٧١٧ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) أي الطيالسي البصري، ترجمته في باب علامة الإيمان حب الأنصار. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن (١) الحجاج، ترجمته في بابٍ يتلو باب أمور الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء، أبو عبد الله الجُهني بضم الجيم، الْمُرَادي بضم الميم وتخفيف الراء، الكوفي الأعمى، من الأئمة العاملين، مات سنة ست عشرة ومائة. قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الجَعْدِ) أي بفتح الجيم، رافع الأشجعي الكوفي التابعي، ترجمته في باب

стр. 543

التسمية على كل حال وعند الوداع. قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ) أي بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة، مَرَّ في كتاب الإيمان في باب من استبرأ. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في خمس مواضع. وفيه: أن شيخه مذكورٌ بكنيتِه واسمِه صريحاً. وفيه: أن رواته ما بين بصري وكوفي. قوله: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ))). مطابقته للترجمة في لفظ التسوية ظاهرة وليس فيه ما يطابقُ قولَه: (عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا)، ولكنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث، وقد روى مسلم من حديث النعمان: قالَ ذلكَ عندما كاد أن يكبر. وفي حديث أنس في الباب الذي بعد هذا: أقيمت الصلاةُ فأقبل علينا فقال... هذا الحديث أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن مثنى وابن بشار عن غندَر عن شعبة. قوله: (لَتُسَوُّنَّ) بفتح اللام وضم الواو وتشديد النون، واللام فيه للتأكيد، وقال البيضاوي: هذه اللام هي التي يُتَلقَّى بها القسم، والقسم هنا مُقَدَّر، ولهذا أكده بالنون المشددة، وقد أبرزه أبو داود في «سننه» : حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي القاسم الجدلي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: أقبل رسولُ الله ﷺ على الناس بوجهه، فقال: ((أقيموا صفوفكم))، ثلاثاً ((والله لَتُقِيمُنَّ صفوفَكم أو لَيُخالِفَنَّ اللهُ بين قلوبكم)). الحديثُ، وأصل (لَتُسَوُّنَّ) : لَتُسَوُّوْن، لأنه من التسوية تقول: تُسوِّي تُسوِّيان تُسوُّوْن، بضم الواو الأولى وسكون الثانية، والنون فيه علامة الجمع، فلما دخلت عليه نون التأكيد الثقيلة حُذِفت نونُ الجمع وإحدى الواوين لالتقاء الساكنين، فالمحذوف هو واوُ الجمع أو واوُ الكلمة؟ فيه خلاف، وقد عُلِمَ في موضعه. وفي رواية المستملي: (لَتُسَوُّوْنَ) فالنون على هذه الرواية نون الجمع. فإن قلتَ: ما معنى التسوية؟ قال العيني: اعتدال القائمين بها على سَمْتٍ واحد، ويراد بها أيضاً سدُّ الخلل الذي في الصف على ما سيأتي. قوله: (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ) بفتح اللام الأولى لأنها لام التأكيد، وبكسر اللام الثانية وفتح الفاء، ولفظ: (اللهُ) مرفوع بالفاعلية، وكلمة: (أَوْ) في الأصل موضوعةٌ لأحد الشيئين أو الأشياء، وقد تخرُج إلى معنى بل، وإلى معنى الواو، وهي حرف عطفٍ ذَكَر المتأخِّرون لها معانيَ كثيرة، وههنا لأحد الأمرين، لأن الواقع أحدُ الأمرين: إما إقامةُ الصفوف أو المخالفةُ. والمعنى: لَيُخَالِفنَّ اللهُ إن لم تقيموا الصفوف، لأنه قَابَلَ بين الإقامة وبينَهُ، فيكون الواقع أحد الأمرين، وهذا وعيدٌ لِمَن لم يُقِم الصفَّ من جنس ذنبه لاختلافهم في مقامهم. واختُلِف في الوعيد المذكور فقيل: هو على حقيقته، والمراد: تسوِيَةُ الوجه بتحويل خَلْقِه عن وضعه بِجَعْلِه موضعَ القفا أو نحوَ ذلك، فهو نظيرُ ما تقدم من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، وعلى هذا فهو واجبٌ والتفريط فيه حرام، وسيأتي البحث في ذلك في باب إثم مَن لم يُتِمَّ الصفوف قريباً، ويؤيد حملَه على ظاهره حديثُ أبي أُمامة بلفظ: ((لَتُسَوُّنَّ الصفوفَ أو لَتُطْمَسَنَّ الوجوهُ)) أخرجه أحمد، ولهذا قال ابن الجوزي:

стр. 544

الظاهر أنه مثلُ الوعيدِ المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. قال شيخنا: وحديث أبي أُمامة في إسناده ضعف. انتهى. ومنهم مَن حمله على المجازِ قال النووي: معناه يُوقِع بينكم العداوة والبغضاء واختلافَ القلوب، كما تقول: تغيَّر وجهُ فلان عَلَيَّ أي ظهر لي من وجهِه كراهِيَةٌ، لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفةٌ في ظواهرهم واختلافُ الظواهر سببٌ لاختلاف البواطن، ويؤيده رواية أبي داود وغيرِه بلفظ: ((أوْ ليخالِفَنَّ الله بين قلوبكم)) كما سيأتي قريباً. وقال القرطبي: معناه يفترقون فيأخذ كل واحدٍ وجهاً غيرَ الذي أخذ صاحبُه، لأن تقدم الشخص على غيرِه مظِنَّةُ الكِبْرِ المفسِدِ للقلب الداعي إلى القطيعة، والحاصل أن المراد بالوجه إن حُمِل على العضو المخصوص فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية أو الصفةِ أو جَعْلِ القُّدَامِ وراءً، وإن حُمِل على ذات الشخص فالمخالفة بحسب المقاصد. أشار إلى ذلك الكِرماني، ويُحتمل أن يراد بالمخالفة: في الجزاء فيجازي الْمُسَوِّي بخيرٍ ومَن لا يسوي بِشَرٍّ. فإن قلتَ: إذا كان الصفُّ ثلاثةَ نفرٍ فتقدَّم واحدٌ على الأوسطِ وتأخَّر واحدٌ عنه، فإنْ سوَّى مع المتقدِّمِ فقد فرَّطَ في التسوية مع المتأخِّر وبالعكس، فكيف يفعلُ؟ قلتُ: يسوِّي مع الذي بينه وبين الإمامِ بالقدْر المطلوب في الشرع إلا أن يكون هناك صفٌّ بينهم وبين الإمام أكثر من القدْر المطلوبِ شرعاً أو أقل وثَمَّ واحدٌ بينه وبينه القدْر المطلوب فيُسوي مع الصفِّ. انتهى. ٧١٨ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) أي بفتح الميمين، هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد، ترجمته في باب قول النبي اللهم علمه الكتاب في كتاب العلم. (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) أي ابن سعيد البصري، ترجمته في الباب أيضاً. قوله: (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان. قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابْنِ مَالِكٍ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع. قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي))). مطابقته للترجمة من حيث إن الأمرَ بإقامة الصفوف هو الأمر بالتسوية. وهذا الحديث أخرجه مسلم عن شيبان عن عبد الوارث، وعند النسائي: كان يقول: ((استووا استووا، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم بين يدَيَّ)). قوله: (أَقِيمُوا الصُّفُوفَ) أي عدِّلوا، يقال: أقام العودَ أي عدَّله وسوَّاه. قوله: (فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي) الفاء فيه للسببية، وأشارتُه ﵇ إلى أن سببَ الأمرِ بذلك إنما هو تحقُّقِي منكم خلافَه، ولا يخفى ذلك علَيَّ لأَنِّي أرى مِن خلف ظهري، كما أرى مِن بين يدي. ثم إن هذا يجوز أن يكون إدراكاً خاصَّاً بالنبي ﷺ مُحَقَّقاً انخَرقتْ له العادة، وخُلِقَ له عينٌ وراءه فيرى بها، كما ذكر مختار بن محمد في رسالته «الناصرية» : أنه ﵇ كان بين كَتِفَيْه عينانِ مثلَ سَمِّ الخِيَاط، فكان يُبصِر بهما، ولا يحِجبُهُما الثياب. وفي حديث: كان ﵇ -

стр. 545

يرى في الظلام كما يرى في الضوء. وذكر بعض أهل العلم أن ذلك راجع إلى العلم، وأن معناه: لأَعْلَمُ. وهذا تأويلٌ لا حاجة إليه، بل حَمْلُ ذلك على ظاهره أولى، ويكون ذلك زيادةً في كرامات الشارع. قاله القرطبي: وقال أحمد وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية العين حقيقةً ولا مانع له من جهة العقل، وورودُ التصريحٍ به فوجب القول به. انتهى. فإن قلتَ: هذه الخصوصيةُ كانت من حينِ المبعثِ أو بعدَه؟ قلتُ: ورد في حديثٍ ذكره أبو الربيع في «شفاء الصدور» أنَّ هذا حصل له ﵇ ليلة المعراج، وهو يؤيد حمله على الحقيقة، لأن المعراج وما وقع فيه كلُّ ذلك مِن خرق العادة، وقال بعضُ العارفين: إنه ﵇ ليلة المعراج انخرقَ بصرُه إلى بصيرته وبصيرتُه إلى بصَرِه فرجع وهو يرى من خلفِه كما يرى مِن بين يديه. انتهى. فيه: الأمر بتسوية الصفوف، وهي من سنة الصلاة عند أبي حنيفة والشافعي ومالك، وزعم ابنُ حزمٍ أنه فرض، لأنَّ إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض. قال ﵇: ((فإنَّ تسوية الصف من تمام الصلاة)). فإن قلتَ: الأصلُ في الأمر للوجوب ولا سيما فيه الوعيد على ترك تسوية الصفوف، فدل على أنها واجبة. قال العيني: هذا الوعيد من باب التغليظ والتشديد تأكيداً وتحريضاً على فعلها، كذا قاله الكِرماني، وليس بِسَديد، لأنَّ الأمر المقرون بالوعيد يدل على الوجوب، بل الصواب أن يقول: فلتكن التسوية واجبة بمقتضى الأمر، ولكنها ليست من واجبات الصلاة بحيث إنه إذا تركها فسَدت صلاتُه أو نَقَصَتْها. غاية ما في الباب إذا تركها يأثم. وروي عن عمر ﵁: أنه كان يوكل رجلاً بإقامة الصفوف، فلا يكبر حتى يُخبَر أن الصفوف قد استوت. وروي عن علي وعثمان ﵄: أنهما كانا يتعاهدان ذلك ويقولان: استووا. وكان علي يقول: تقدم يا فلان، وتأخر يا فلان. وروى أبو داود من حديث النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفَنا إذا قُمنا للصلاة وإذا استوينا كبَّر للصلاة، ولفظُ مسلم: كان يسوي صفوفَنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأَى أَنَّا قد عَقَلْنا عنه خرج يوماً فقامَ حتى كان أن يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدرُه، فقال: ((عبادَ الله لَتُسَوُّنَّ صفوفَكم...)) الحديثُ. (٧٢) (بَابُ إِقْبَالِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ، عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ) أي هذا باب في بيان حكم إقبال الإمام، ولفظُ الإقبال مصدرٌ مضافٌ إلى فاعله. ٧١٩ - قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) أي بفتح الراء وتخفيف الجيم وبالمد، واسم أبي رجاء عبدُ الله بن أيوب أبو الوليد الحنفي الهروي، مات بهراة في سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، ترجمته في باب إذا حاضت في شهر ثلاث حِيَض. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) أي ابن المهلب الأزدي البغدادي وأصلُه كوفي. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ) أي بضم القاف، مَرَّ في باب غسل المذي. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ) أي بضم الحاء، ترجمته في باب خوف المؤمنِ أن يحبط عملُه وهو لا يشعر في كتاب الإيمان. قوله: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ترجمته في باب لا يؤمن أحدكم. في هذا الإسنادِ: التحديث

стр. 546

بصيغة الجمع في جميع الإسناد مثل هذا إلى هنا (١). وفيه: القول في خمس مواضع. وفيه: أن رواته ما بين هروي وبغدادي وكوفي وبصري. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن معاوية بن عمرو أيضاً من شيوخ البخاري، وهو مِن قدماء شيوخه، وروى له ههنا بواسطة، والظاهر أنه لم يسمع هذا الحديث منه. وفيه: تصريح حميد بالتحديث عن أنس، فأُمِن بذلك تدليسُه. قوله: (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي))). مطابقته للترجمة ظاهرة. قوله: (أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ) الخِطابُ للجماعة الحاضرين لأداء الصلاة مع النبي ﷺ ، وإقامة الصفوف: تسويتُها، وقد وقع في رواية معمر عن حميد عند الإسماعيلي بدل: (أَقِيمُوا) (اعْتَدِلُوا). قوله: (وَتَرَاصُّوا) بضم الصاد المشددة وأصله: تراصَصُوا، أدغمت الصاد في الصاد لأنهما مِثْلاً يُوجِبُ الإدغامَ، ومعناه: تضامُّوا وتلاصقوا حتى يتصل ما بينكم ولا ينقطع، وأصلُه من الرصِّ، يقال: رص البناءَ يرصُّه رصَّاً إذا ألصق بعضه ببعض، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، وفي «سنن أبي داود» و «صحيح ابن حبان» : من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: ((رُصُّوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده أني لأرى الشيطانَ يدخل من خَلَلِ الصف، كأنه الحَذَفُ)). والحَذَفُ بالحاء المهملة والذالِ المعجمة المفتوحتين وفي آخره فاء، وهي غنم صغار سود يكون باليمن، وفسرها مسلم: بالنَّقَد، بالتحريك، وهي جنس من الغنم قِصارُ الأرجل قِبَاحُ الوجوه. قال الأصمعي: أجودُ الصوف صوفها. وفي رواية البيهقي: قيل: يا رسول الله، وما أولادُ الحذف؟ قال: ((ضأنٌ جُرْدٌ سُودٌ يكون بأرض اليمن)). وقال الخطابي: ويقال: أكثر ما يكون بأرض الحجاز. قوله: (مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) أي من خلف ظهري، وههنا ذَكَر كلمة (مِنْ) بخلاف الباب السابق، والنكتة فيه أنه إذا وُجِدَ (مِنْ) يكون صريحاً بأنَّ مَبدأ الرؤية ومَنشأَها من خلفٍ بأن يخلق الله حاسَّةً باصِرةً فيه، وإذا عُدِم يُحتمل أن يكون منشؤُها هذه الحاسة المعهودة، وأن تكون غيرُها مخلوقةً في الوراء، ولا يلزم رؤيتُها بتلك الحاسة، إذْ الرؤيةُ إنما هي بخلق الله تعالى وإرادته. فيه: جواز الكلام بين الإقامة وبين الصلاة وقد تقدم في باب مفرد. قال العيني: وفيه: وجوب تسوية الصفوف، وفيه: معجزة النبي ﷺ . قال شيخنا: وفيه: مراعاة الإمام لرعيته والشفقةُ عليهم وتحذيرُهم من المخالفة. قلت: وفيه: أن المصلين كانوا يقومون خلفه أكثر من صفين، وأن الصف الأول لا يحجِبُ رؤيتَه للصف الثاني، ولا الأول والثاني يحجبان رؤيته للصف الثالث، ولا الظلامُ ولا الثيابُ يحجبون رؤيته للمصلين خلفَه. انتهى. (٧٣) (بَابُ الصَّفِّ الأَوَّلِ) أي هذا بابٌ في بيان ثوابِ الصف الأول، واختُلِف في الصف الأول فقيل: المراد به ما يلي الإمام مطلقاً. وقيل: المرادُ من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر الصفوف،

стр. 547

قاله ابن عبد البر. وقيل: المراد به أولُ صف تامٍّ مسدودٍ لا يتخلله شيء مثلُ مَقصورةٍ ونحوِها. وقال النووي: القول الأول هو الصحيح المختار، وبه صرح المحققون، والقولان الآخران غلطٌ صريح. قال العيني: القول الثاني لا وجه له، لأنه ورد في حديث أبي سعيد أخرجه أحمد: ((وإنَّ خير الصفوف صفُّ الرجال المقدَّم وشرَّها المؤخر)) الحديث، والقولُ الثالث له وجه، لأنه ورد في حديث أنسٍ أخرجه أبو داود وغيره: ((رصوا صفوفكم))، وقد ذكرناه آنفاً، وإذا تخلل بين الصف شيء ينتقض الرصُّ، وفيه أيضاً: ((إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف)). وأما كونُ القولِ الأول هو الصحيح فوجهُهُ أن الأول اسم لشيء لم يسبقه شيء فلا يُطلق هذا إلا على الصف الذي يلي الإمامَ مطلقاً، وإليه أشار البخاري لأنه ترجم بالصفِّ الأول، وحديثُ الباب فيه: (الصَّفِّ المُقَدَّمِ) وهو الذي لا يتقدَّمُه إلا الإمام. فإن قلتَ: ورد في حديثٍ أخرجه أحمد: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأُوَل)). قلتُ: لفظ الأول من الأمور النسبية، فإنَّ الثاني أولٌ بالنسبة إلى الثالث، والثالثُ أول بالنسبة إلى الرابع، وهَلُمَّ جرًّا، ولكنَّ الأولَ المطلقَ هو الذي لم يسبقه شيء. ثم الحكمةُ في التحريض والحثِّ على الصف الأول المطلق على وجوهٍ: المسارعةُ إلى خلاص الذمة، والسبقُ لدخول المسجد، والقربُ من الإمام، واستماعُ قراءته والتعلُّم منه، والتبليغُ عنه، والفتحُ عليه عند الحاجة، واحتياجُ الإمام إليه عند الاستخلافِ، والبعدُ ممن يخترق الصفوف، وسلامةُ الخاطر من رؤيةِ من يكونُ بين يديه، وخلوُّ موضعِ سجوده من أذيال المصلين. ٧٢٠ - ٧٢١ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) أي النبيلُ، الضحاك بن مخلد، ترجمته في باب القراءة والعرض على العالِم. قوله: (عَنْ مَالِكٍ) أي الإمام، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (عَنْ سُمَيٍّ) أي بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف، ترجمته في باب الاستهام في الأذان. قوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) أي ذكوان السمان، ترجمته في باب أمور الإيمان. قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن، ترجمته في الباب أيضاً. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه: العنعنة في أربع مواضع، ورواته ما بين بصري ومدني، فالبصري شيخ البخاري والباقون مدنيون. قوله: (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((الشُّهَدَاءُ: الغَرِقُ، وَالمَبْطُونُ، وَالمَطْعُونُ، وَالهَدِمُ)))، وَقَالَ: ((وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ المُقَدَّمِ لَاسْتَهَمُوا)). أخرج البخاري من هذا الحديث في باب فضل التهجير عن قتيبة عن مالك عن سُمَي عن أبي صالح عن أبي هريرة بِأَتَمَّ منه، وأخرجه في باب الاستهام في الأذان، وذكرنا في البابين جميع ما يتعلق به من الأشياء. قوله: (الغَرِقُ) بكسر الراء يعني الغريق. (وَالمَبْطُونُ) : هو صاحب الإسهال. (وَالهَدِمُ) بكسر الدال وقيل: سكونِها. وقال الكِرماني: هو المهدوم. قال العيني: المهدوم هو الذي ينهدم، وأما الْهَدِمُ فهو الذي يقع عليه الهَدْمُ كما في الحديث الماضي، وصاحِبُ (١) الاستهام: الاقتراعُ، و (الْمُقَدَّمِ) ضد المؤخر، وهو أيضاً

стр. 548

أمرٌ نسبي، ورُوِيَ: (الصفِّ الْأَوَّلِ). (٧٤) (بَابٌ: إِقَامَةُ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ) أي هذا باب في بيان إقامة الصف - وهي تسويته - من تمام الصلاة، وسنذكر ما المراد من: تمام الصلاة. ٧٢٢ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي ابن عبد الله أبو جعفر الجُعفي البخاري المسندي، مات في ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومائتين، ترجمته في باب أمور الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أي ابن همام أبو بكر الصنعاني اليماني، ترجمته في باب حسن إسلام المرء. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، ابن راشد البصري، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) أي ابن مُنَبِّه بضم الميم وفتح النون وكسر الموحدة، ترجمته في باب حسن إسلام المرء. قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بخاري وبصري ويمانيين. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ))). ذكر البخاري في الترجمة: (مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ)، وفي الحديث: (مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ)، وفي حديث أنسٍ في الباب: (فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ)، وفي رواية أبي داود عن أبي الوليد الطيالسي وسليمان بن حرب، كلاهما عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)). وكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة والبيهقي من طريق عثمان الدارمي، كلاهما عنه. وكذا مسلم وغيره من طريق جماعة عن شعبة. ثم توجيه المطابقة بين الترجمة وحديثي الباب من حيث إن المراد من الحُسْنِ هو الكمالُ، لأن حُسْنَ الشيء زائدٌ على حقيقته، فيتعين تقدير هذا اللفظ في الترجمة هكذا: بابُ إقامة الصف من كمالِ تمامِ الصلاة، أو: مِن حُسن تمامِ الصلاة. ولا خفاء أن تسوية الصف ليست من حقيقة الصلاة، وإنما هي من حُسنِها وكمالها، وإن كانت هي في نفسُها سنةً أو واجبةً أو مستحبةً على اختلاف الأقوال. وكذلك الكلام في حديث أنس؛ فإن تسوية الصفوف ليست من إقامة الصلاة (١)، لأن الصلاة تقام بغيرها، والتقديرُ: فإن تسوية الصفوف من كمالِ إقامة الصلاة. قال العيني: وقد تكلف بعض الشُّرَّاح ههنا بكلام لا طائل تحته. انتهى. قلتُ: يعني ابنَ رشيدٍ، لأنه قال: إنما قال البخاري: (مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ) لأنه أراد أن يُبَيِّنَ الحُسْنَ هنا وأنه لا يعني به الظاهرَ الْمَرْئِيَّ مِن الترتيب بل المقصودُ به الحُسنُ الحكميُّ بدليل حديث أنسٍ الثاني من حديثيْ الباب حيث عبَّر بقوله: (مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ). انتهى. هذا الحديث أخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن محمد بن رافع، وقد مضى في باب إنما جعل الإمام ليؤتم به نحو حديث أبي هريرة

стр. 549

هذا في موضعين أحدهما: عن عائشة أم المؤمنين، والآخر: عن أنس. ٧٢٣ - قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) أي هشام بن عبد الملك. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج. قوله: (عَنْ (١) قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) مَرُّوا عن قريب. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ))). وجه مطابقة الترجمة للحديث قد ذكرناه آنفاً. وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن أبي موسى وبُندار، كلاهما عن غندر. وأخرجه أبو داود فيه عن أبي الوليد وسليمان بن حرب. وأخرجه ابن ماجه فيه عن بندار عن يحيى وعن نصر بن علي عن أبيه وبشر بن عمر. قوله: (فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ) في رواية الأصيلي: (الصَّفِّ) بالإفراد، والمراد به الجنسُ. قوله: (مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) هكذا ذكره البخاري عن أبي الوليد، وذكره غيره عنه بلفظ: ((من تمام الصلاة)) كما قدمناه وذَكرْنا اختلاف الروايات فيه. زاد الإسماعيلي من طريق أبي داود الطيالسي قال: سمعتُ شعبة يقول: دَاهَنْتُ في هذا الحديثِ؛ لم أسأل قتادة: أسمعته من أنس أم لا؟ قال شيخنا: ولم أره عن قتادة إلا مُعَنْعَنًا، ولعل هذا هو السر في إيراد البخاري لحديث أبي هريرة معه في الباب تقويةً له، وقد استدل بن حزم بقوله: (إقامة الصلاة) على وجوب تسوية الصفوف، قال: لأن إقامة الصلاة واجبة، وكلُّ شيء من الواجب واجب. ولا يخفى ما فيه ولا سيما وقد بَيَّنَّا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة. وتمسك ابنُ بطال بظاهر لفظِ حديث أبي هريرة فاستدل به على أن التسوية سنة، قال: لأن حُسْنَ الشيء زيادةٌ على تمامِه. وأُورِد عليه روايةُ: ((من تمام الصلاة))، فأجاب ابن دقيق العيد فقال: قد يؤخذ من قوله: ((تمام الصلاة)) الاستحبابُ، لأن تمام الشيء في العرف أمرٌ زائدٌ على حقيقته التي لا يتحقق إلا بها، وإن كان يُطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقةُ إلا به، كذا قال. قال شيخنا: وهذا الأخذُ بعيدٌ لأن لفظ الشارع لا يُحمل إلا على ما دل عليه الوضعُ في اللسان العربي، وإنما يُحمل على العرف إذا ثبت أنه عُرْفُ الشارع لا العُرفُ الحادث. تنبيهٌ: لفظ الترجمة أورده عبد الرزاق من حديث جابر. انتهى. (٧٥) (بَابُ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ) أي هذا بابٌ في بيان إثم من لا يتم الصفوف عند القيام إلى الصلاة. ٧٢٤ - قوله: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) أي بضم الميم، أبو عبد الله المروزي نزل البصرة، ترجمته في باب إذا زار الإمام قوماً فأَمَّهم. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى) أي المروزي السِّيناني، بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وتخفيف النون وبعد الألف نون أخرى، نِسبةً إلى سِينَان قريةٌ من قرى مرو، مات سنة إحدى أو اثنتين وتسعين ومائة. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ) أي أبو الهذيل الكوفي. قوله: (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الأَنْصَارِيِّ) أي بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء، ويَسَار بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين المهملة وبعد الألف راء، المدني مولى الأنصار، ترجمته في باب من مضمضَ من السُّويق ولم يتوضأ. قوله: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ)

стр. 550

ترجمته في باب من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: بشير المذكور وليس في الكتب الستة عن أنس غير هذا الحديث. والحديث أيضاً من أفراد البخاري. وفيه: أن رواته ما بين مروزي وكوفي ومدني، وتابع الفضلَ أبو معاوية وإسحاق الأزرق عن سعيد كما أخرجه الإسماعيلي عنهما. قوله: (أَنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ) مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن أنساً حصل منه الإنكار على عدم إقامتهم الصفوف، وإنكاره يدل على أنه يرى تسوية الصفوف واجبةً، فتاركُ الواجب آثم. وظاهر ترجمة البخاري يدل على أنه أيضاً يرى وجوب التسوية. قال العيني: والصواب هذا لِورودِ الوعيد الشديدِ في ذلك. قيل: الإنكار قد يقع على ترك السنة فلا يدل على حصول الإثم. قال العيني: الإنكار يستلزم المنكَر وفاعل المنكَر آثمٌ، على أنه ﵇ أَمَرَ بالتسوية، والأصل في الأمر الوجوبُ إلا إذا دلت قرينةٌ على غيره، ومع ورود الوعيد على تركِها، وإنكارُ أنس ظاهرٌ في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن النبي ﷺ من إقامة الصفوف، فعلى هذا يستلزم المخالفة التأثيم. انتهى. قال شيخُنا: وهو ضعيف لأنه يقتضي أنْ لا يبقى شيء مسنونٌ، لأن التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب. انتهى. قال العيني: لا نسلم أنَّ حصولَ التأثيم منحصرٌ على ترك الواجب، بل التأثيم يحصُل أيضاً عن ترك السنة، ولا سيما إذا كانت مؤكدةً. انتهى. وقال ابن بطال: لما كانت تسوية الصفوف من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلُها المدحَ عليها دلَّ على أن تاركها يستحق الذم. انتهى. قال شيخنا: وهو ضعيفٌ أيضاً من جهة أنه لا يلزَم مِن ذَمِّ تارك السنة أن يكون آثماً سَلَّمْنَا لكن يَرُدُّ عليه التَّعَقُّبُ الذي قبله، ويُحتمل أن يكون البخاريُّ أَخَذَ الوجوبَ من صيغة الأمر في قوله: (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ)، ومِن عُموم قوله: (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)، ومِن ورود الوعيد على تركه يترجَّحُ عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يصِحُّ على ترك السنن، ومع القول بأن التسوية واجبةٌ فصلاةُ من خالَفَ ولم يَسْتَوِ صحيحةٌ لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنساً مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة. وأفرط ابنُ حزمٍ فجزم بالبطلان ونازَعَ مَن ادعى الإجماعَ على عدم الوجوبِ بما صح عن عمر ﵁: أنه ضَرَبَ قَدَمَ أبي (١) عثمان النهدي لإقامة الصف. وبما صح عن سويد بن غفلة قال: كان بلال يسوي مناكبَنا ويضربُ أقدامنا في الصلاة. فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحداً على ترك غير الواجب. وفيه نظر، لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة. انتهى. قال العيني: قد ناقض في قوله حيث قال فيما مَرَّ: التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب. فإذا لم يكن تاركُ السنة آثماً فكيف يستحق التعزير؟ بل الظاهرُ أن ضربهما كان لترك الأمر الذي ظاهره الوجوب، ولاستحقاق

стр. 551

الوعيد الشديد في الترك. انتهى. قلتُ: ويُحتمل أن ضرب عمر وبلال ليس بتعزير وإنما هو ضربٌ خفيف يُشيرانِ به إلى تعليم الجاهل وتذكيرِ الناسي والله أعلم. قوله: (أَنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ) أي: من بَصْرَةَ. قوله: (مَا أَنْكَرْتَ) أي: أَيُّ شيءٍ أنكرتَ (مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ)؟ وقد علمتَ أنَّ: منذَ ومُذْ حرفا جرٍّ وهو الصحيح، وقيل: اسمان مضافان، فبمعنى: مِن، يكون إن كان الزمان ماضياً، وبمعنى: في، إن كان حاضراً، وبمعنى: مِن وإلى جميعاً، إن كان معدوداً نحو: ما رأيتُه منذ يومِ الخميس أو منذ يومِنا أو عامِنا أو منذ ثلاثةِ أيام، والمعنى ههنا: ما أنكرتَ مِنَّا مِن يوم عهدتَ رسولَ الله ﷺ ؟ وقد وقع هكذا أي (مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا) بزيادة لفظ: (مِنَّا) في رواية المستملي والكُشْمِيهَنِي، وفي رواية غيرهما: (مَا أَنْكَرْتَ مُنْذُ يَوْمِ...). قوله: (مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا...) إلى آخره، يدل على أن إنكاره على ترك الواجب أو السنة المذكورة (١)، فلذلك بوب البخاري بالترجمة المذكورة. قاله العيني. قوله: (وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ) أي بضم العين المهملة وسكون القاف، أبو الرَّحَّال بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة، أخو سعيد بن عبيد راوي الإسناد الذي قبلَه، وليس للبخاري عن عقبة هذا إلا هذا المعلَّق. قوله: (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) أي بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، ترجمته في باب من مضمضَ من السُّويق ولم يتوضأ. قوله: (قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسٌ المَدِينَةَ بِهَذَا) قد وصل هذا المعلق أبو نعيم الحافظ عن أبي بكر بن مالك عن عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: حدثنا أبو معاوية ويحيى بن سعيد، قالا: حدثنا عقبة بن عبيد الطائي فذكره، ووصله أحمد أيضاً في «مسنده» عن يحيى القطان عن عقبة بن عبيد الطائي، حدثني بشير بن يسار، قال: جاء أنس إلى المدينة فقلنا: ما أنكرتَ مِنَّا من عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: ما أنكرتُ منكم شيئا غير أنكم لا تقيمون الصفوف. تنبيه: هذه المقدمة غير المقدمة (٢) التي تقدم ذكرها في باب وقت العصر، فإنَّ ظاهر الحديث فيها أنه أنكر تأخير الظهر إلى أول وقت العصر، وهذا الإنكارُ أيضاً غيرُ الإنكار الذي تقدم ذكره في باب تضييع الصلاة عن وقتها حيث قال: لا أعرف شيئاً مما كان على عهد النبي ﷺ إلا الصلاة وقد ضُيِّعَت، فإنَّ ذاك كان بالشام وهذا بالمدينة، وهذا يدل على أن أهل المدينة كانوا من ذلك الزمان أشدَّ من غيرهم في التمسك بالسنن. فإن قلتَ: ما فائدة ذكر هذا المعلَّق وما الفرق بين الطريقين؟ فالجواب عن الأول: أن البخاري أراد بذكر الطريق الثاني بيان سماع بشير بن يسار عن أنس، وعن الثاني: أنه في الأول روى عن أنس، وفي الثاني ما روى عنه، بل شاهدَ بنفسه الحال. (٧٦) (بَابُ إِلْزَاقِ المَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ وَالقَدَمِ بِالقَدَمِ فِي الصَّفِّ) أي هذا بابٌ في بيان إلصاق المنكب بالمنكب... إلى آخره، وأشار بهذا إلى المبالغة في تعديل الصفوف وسدِّ الخلل فيه. وقد وردَ أحاديث كثيرة في ذلك: منها: ما رواه أبو داود من حديث محمد بن مسلم بن السائب صاحب «المقصورة» قال: صليتُ إلى جنب أنس بن مالك يوماً فقال: هل تدري لم صُنِع هذا العودُ؟ فقال: لا والله. قال: كان رسول الله ﷺ

стр. 552

يضع يده عليه فيقول: ((استووا واعدِلوا صفوفكم)). ثم قال: حدثنا مسدد حدثنا حميد بن الأسود حدثنا مصعب بن ثابت عن محمد بن مسلم عن أنس بن مالك بهذا الحديث قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه ثم التفت فقال: ((اعتدلوا سوُّوا صفوفكم)). وفي لفظٍ: ((رُصُّوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا الأعناق))، الحديث. وفي لفظٍ: ((أتموا الصف المقدَّم ثم الذي يليه، فما كان من نقصٍ فليكُن في الصف المؤخر)). ومنها: ما رواه ابن حبان في «صحيحه» : عن البراء بن عازب: كان رسول الله ﷺ يتخلل الصفَّ مِن ناحية إلى ناحيةٍ يمسحُ صدورنا ومناكبَنا ويقول: ((لا تختلفوا فتختلفَ قلوبكم))، وفي لفظ: فيمسح عواتِقَنا وصدورَنا، وعند السراج: مناكبَنا أو صدورَنا، وفي لفظٍ: كان يأتي من ناحية الصف إلى ناحيته القصوى يُسَوِّي بين صدور القوم ومناكبِهم، وفي لفظ: يمسحُ عواتقنا - أو قال: مناكبَنا، أو قال: صدورَنا - ويقول: ((لا تختلفَ صدورُكم فتختلفَ قلوبُكم)). ومنها: ما رواه مسلم من حديث أبي مسعود: كان يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: ((استووا ولا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم)) الحديث. ومنها: ما رواه أبو داود حدثنا عيسى بن ابراهيم الغافقي حدثنا ابن وهب وحدثنا قتيبة حدثنا الليث، وحديثُ ابن وهب أتمُّ عن معاوية بن صالح عن أبى الزاهرِيَّة عن أبي شجرة لم يذكر ابنُ عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((أقيموا الصفوف وحاذُوا بين المناكب وسُدُّوا الخللَ، ولِينُوا بأيدي إخوانكم - لم يقل عيسى: بأيدي إخوانكم -، ولا تَذَرُوا الفُرُجَات للشيطان، ومَن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله)). قال العيني: ابنُ وهبٍ هو عبد الله بن وهب وأبو الزَّاهِرية: حُدَيْر بن كُرَيب، بضم الحاء المهملة، وأبو شَجَرة: هو كَثير بن مُرَّة. انتهى. قال شيخنا: أجمع الأحاديث في هذا حديث ابن عمر ﵄ عند أبي داود وصححه ابن خزيمة والحاكم، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: ((أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسُدُّوا الخلل ولا تذروا فرجات للشيطان، ومَن وصل صفًّا وصله الله، ومَن قطع صفًّا قطعه الله)). انتهى. قوله: ((ولينوا بأيدي إخوانكم)) قال أبو داود: معناه: إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخُل فيه فينبغي أن يُلين له كل رجل مَنكِبَه حتى يدخل في الصف. قوله: ((ولا تذروا)) أي: لا تتركوا. قوله: (وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) أي ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي أبو عبد الله المدني صاحبُ رسول الله ﷺ وابن صاحبه، وهو أول مولود وُلِد في الأنصار بعد قدوم النبي ﷺ ، وقال يحيى بن معين: أهل المدينة يقولون: لم يَسمع من رسول الله ﷺ ، وأهلُ العراق يصححون سماعه منه، قتل بين دمشق وحِمص يوم راهط، وكان زُبيرِيًّا. وعن أبي مسهر: كان عاملاً على حمص لابن الزبير، فلما تَمَرْوَنَ أهلُ حِمص خرج هاربًا فاتبعه خالد بن خَلِيٍّ فقتله، وقيل: قتل في سنة ست وستين بسَلَمِيَّة ﵁. قلت: تقدمت ترجمته في كتابِ الإيمان في باب من استبرأ. وقد أعاد العيني من ترجمته هنا. انتهى. قوله: (رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ) هذا التعليق طرف من حديث رواه أبو

стр. 553

داود وصححه ابن خزيمة: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي القاسم الجدلي - أي الحسين بن الحارث المنسوب إلى جديلة قيسٍ الكوفي -، قال: (سمعت النعمان بن بشير يقول: أقبل رسول الله ﷺ ، على الناس بوجهه، فقال: ((أقيموا صفوفكم)) - ثلاثاً - ((والله لتقيمُنَّ صفوفَكم أو لَيخالفَنَّ الله بين قلوبكم)). فقال: فرأيت الرجل يُلزِق مَنكِبه بمنكب صاحبه وركبتَه بركبةِ صاحبه وكعبَه بكعبِه). وأخرجه ابن حبان أيضاً في «صحيحه». قوله: ((لتُقيمُنَّ)) بضم الميم لأن أصله: لُتقيمُون، فلما دخلت عليه نون التوكيد حُذفت الواو لالتقاء الساكنين. قوله: ((أو لَيُخَالِفَنَّ الله)) اللام الأولى للتأكيد مفتوحة، والفاء مفتوحة. قوله: (يُلْزِقُ) بضم الياء، من الإلزاق، أي يُلصِق. قوله: (كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ) أي يلزق كعبه بكعب صاحبه الذي بحذائه. قال شيخنا: واستُدِلَّ بحديث النعمان هذا على أن المراد بالكعب في آية الوضوء العظمُ الناتئ في جانبي الرجل وهو عند ملتقى الساقِ والقدمِ، فهو الذي يمكن أن يُلزَق بالذي بجنبه خلافًا لمن ذهب أن المراد بالكعب مؤخرُ القدم، وهو قول شاذٌّ يُنسَب إلى بعض الحنفية، ولم يُثبته محققُوهم، أثبته بعضهم في مسألة الحج لا الوضوء. وأنكر الأصمعي قولَ من زعم أن الكعب في ظهر القدم. انتهى. ٧٢٥ - قوله: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) أي ابن فَرُّوخ الحراني الجزري، سكن مصر، وترجمته في باب إطعام الطعام من الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) أي ابن معاوية، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان. قوله: (عَنْ حُمَيْدٍ) أي الطويل، ترجمته في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله. قوله: (عَنْ أَنَسٍ) أي ابْنِ مَالِك، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: القولُ. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي، وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ))). مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد تقدم الكلام على فوائده. ورواه سعيد بن منصور عن هُشيم فصرح فيه بتحديث أنس لحميد، وفيه الزيادة التي في آخره، وهي قوله: (وَكَانَ أَحَدُنَا...) إلى آخره. وصرح بأنها من قول أنس. وأخرجه الإسماعيلي من رواية مُعتمِرٍ عن حميد بلفظ: قال أنس: فلقد رأيت أحدَنا... إلى آخره، وأفاد هذا التصريحُ أن الفعل المذكور كان في زمن النبي ﷺ . قال شيخنا: وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته. وزاد مُعتمر في روايته: ولو فعلتُ ذلك بأحدهم اليوم لَنَفَرَ كأنَّهُ بغل شَموس. (٧٧) (بَابٌ: إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، وَحَوَّلَهُ الإِمَامُ، خَلْفَهُ إِلَى يَمِينِهِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ) أي هذا باب ترجمته: إذا قام... إلى آخره. وقوله: (تَمَّتْ صَلَاتُهُ) جوابُ إذا، يعني لا يَضرُّ صلاتَه. وقوله: (خَلْفَهُ) منصوبٌ بالظرفية، أي في خلفِه، أو بنزع الخافض، أي مِن خلفِه، قال العيني: والضمير راجع إلى الإمام. قال شيخنا: تقدم أكثرُ لفظ هذه الترجمة قبل بنحوٍ من عشرين باباً لكن ليس هناك لفظ: (خَلْفَهُ)، وقال هناك: (لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُمَا) بدل قوله: (تَمَّتْ صَلَاتُهُ). وأخرج هناك حديثَ ابن عباسٍ هذا لكنْ مِن وجهٍ آخر، ولم ينبِّه أحدٌ من الشُّرَّاح على حِكمَةِ.

стр. 554

هذه الإعادة، بل أسقط بعضهم الكلام على هذا الباب، والذي يظهر لي أن حكمهما مختلف لاختلاف الجوابين، فقوله: (لم تفسد صلاتهما) أي: بالعمل الواقع منهما لكونه خفيفاً، وهو من مصلحة الصلاة أيضاً، وقوله: (تمت صلاته) أي: المأموم، ولا يضر وقوفه عن يسار الإمام أولاً مع كونه في غير موقفه؛ لأنه معذور بعدم العلم بذلك الحكم، ويحتمل أن يكون الضمير للإمام، وتوجيهه أن الإمام وحده في مقام الصف، ومحاولته لتحويل المأموم فيه التفات ببعض بدنه، ولكن ليس تركاً لإقامة الصف للمصلحة المذكورة، فصلاته على هذا لا نقص فيها من هذه الجهة، والله أعلم. قلت: عَود الضمير إلى المأموم؛ لأن النقص إنما كان في صلاته بوقوفه في غير موقفه، وبهذا الفعل تمت صلاته، وفِعل الإمام ليس نقصاً في صلاته؛ لأنه لمصلحة الصلاة. انتهى، وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون الضمير للرجل؛ لأن الفاعل وإن تأخر لفظاً لكنه متقدم مرتبة، فلكل منهما قربٌ من وجه، لكن إذا عاد الضمير للإمام أفاد أنه احترز أن يحوله من بين يديه؛ لئلا يصير كالمار بين يديه. قال العيني: الأَولى أن يكون الضمير للإمام؛ لأنه هو الذي يحوله من خلفه، ولا معنى لتحويله من خلف الرجل. قلت: في حديث الباب ما يدل على أنه حوَّله من خلف نفسه، وهو قوله: (من ورائي) وهو معدودة من الخوارق! ٧٢٦ - قوله: (حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى وَرَقَدَ، فَجَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ يُصَلِّي وَلَمْ يَتَوَضَّأْ). مناسبته للترجمة في قوله: (فقُمت عن يساره... إلى آخره) وقد تكرر هذا الحديث فيما مضى وههنا في عدة مواضع، أولها في كتاب العلم في باب السمر بالعلم، ومباحث الحديث قد مرَّت في الأبواب التي تقدمت، وأكثرها في كتاب العلم وفي باب تخفيف الوضوء. (٧٨) (بابُ المرأةِ تَكونُ وَحدَها صَفّاً) أي: هذا باب في بيان أن المرأة تكون صفاً، اعترض الإساعيلي فقال: الواحد والواحدة لا تسمى صفاً إذا انفردوا وإن جازت صلاته منفرداً خلف الصف، وأقل ما يقوم به الصف باثنين. ورُدَّ عليه بأنه قيل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] أن الروح وحدَه صفٌّ، وأجاب الكرماني بأن المراد أنها لا تقف في صف واحد، بل تقف وحدها ويكون في حكم الصف، أو أن جنس المرأة غير مختلطة بالرجال يكون صفاً. قال شيخنا: هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه ابن عبد البر من حديث عائشة مرفوعاً المرأة وحدها صف. ٧٢٧ - قوله: (حَدَّثَنا عَبدُ اللهِ بنُ محمدٍ) أي: الجُعفي المعروف بالمسندي، ترجمته في باب الإيمان، قال شيخنا: هو الجعفي وإن كان عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قد روى هذا الحديث أيضاً عن سفيان. انتهى قوله: (قالَ: حَدَّثَنا سُفيان) أي: ابن عيينة، ترجمته في كتاب الوحي. قوله: (عَن إِسحَاق) أي: ابن عبد الله بن أبي طلحة، ترجمته في باب [من قعد] حيث ينتهي به المجلس. قوله: (عَن أَنَس) أي: ابن مالك، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه القول في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين،

стр. 555

وفي رواية الحميدي عند أبي نعيم وعلي ابن المديني عند الإسماعيلي كلاهما عن سفيان، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك ﵁. قوله: (قالَ: صَلَّيتُ أَنا وَيَتيمٌ في بَيتِنا خَلفَ النَّبي ﷺ وَأُمِّي أُمُّ سُلَيمٍ خَلفَنَا) مطابقته للترجمة في قوله: (وأُمّي أمُّ سُليم خلفَنا) لأنها وقفت خلفهم وحدها، فصارت في حكم الصف. هذا الحديث أخرجه النسائي أيضاً عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، وأخرج البخاري هذا الحديث معلولاً في باب الصلاة على الحصير عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن إسحاق بن عبد الله، وقد ذكرنا مباحثه هناك. قوله: (صَلَّيتُ أَنا) ذكر لفظة (أنا) ليصح العطف على الضمير المرفوع، وهو مذهب البصريين، والكوفيون لم يشترطوا ذلك. قوله: (وَيَتيمٌ) كذا للجميع، وكذا وقع في خبر يحيى بن يحيى المشهور من روايته عن ابن عيينة، ووقع عند ابن فتحون فيما رواه عن ابن السكن بسنده في الخبر المذكور: ((صليتُ أنا وسُليم)) بسين مهملة ولام مصغَّر، فتصحف على الراوي من لفظ (يتيم) ومشى على ذلك ابن فتحون فقال في ذيله على «الإستيعاب» : سُليم غير منسوب، وساق الحديث، قال شيخنا: قال العيني: واليتيم هو ضُميرة بن أبي ضُميرة بضم الضاد المعجمة، له ولأبيه صحبة. قوله: (وَأُمّي أُمُّ سُلَيم) وأُمّي عطف على يتيم، وأم سُليم عطف بيان، وكانت مشهورة بهذه الكنية، واسمها سهلة، وقيل: رُميلة أو رميثة أو الرميصاء أو الغميصاء، زوجة أبي طلحة، وكانت فاضلة دَيّنة. فيه: أن المرأة لا تصف مع الرجال خشية الافتتان بها، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور، قال شيخنا: وعن الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة، وهو عجيبٌ! وفي توجيهه تعسُّف حيث قال قائلهم: دليله قول ابن مسعود: ((أخِّروهن من حيث أخَّرهن الله)) والأمر للوجوب، وحيث ظرف مكان، ولا مكان يجب تأخيرهُنَّ فيه إلا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل؛ لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها، وحكاية هذا تكفي عن تكلُّف جوابه، والله المستعان. انتهى قال العيني: أثر ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» عن سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود ﵁، وهذا القائل لو أدرك دقة ما قاله الحنفية ههنا لما قال: وهو عجيب وفي توجيهه تعسف، والتعسف على الذي لا يفهم كلام القوم. انتهى، قلت: هذا ردٌّ بالصدر ودقة النظر مع شيخنا؛ فإنه قال: قد ثبت النهي عن الصلاة في الثوب المغصوب، وأمر لابسه أن ينزعه، فلو خالف يصلي فيه ولم ينزعه أثم وأجزأته صلاته، فلم لا يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك؟! وأوضح منه لو كان بباب المسجد صُفّة مملوكة، فصلى فيها شخص بغير إذن مالكها مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة، صحّت صلاته وأثم، وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته، ولا سيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة فصلت بجنبه. انتهى، وقال ابن رشيد: الأقرب أن البخاري قصد أن يبين أن هذا مستثنى من عموم الحديث الذي فيه: ((لا صلاة لمنفرد خلف الصف)) يعني أنه مختص بالرجال. والحديث المذكور أخرجه بن حبان من حديث علي بن سنان، قال شيخنا وفي صحته نظر كما سنذكره في باب إذا ركع دون الصف.

стр. 556

انتهى، واستدل به ابن بطال على صحة صلاة المنفرد خلف الصف خلافاً لأحمد؛ لأنه لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى. انتهى، قال شيخنا: لكن لمخالفه أن يقول: إنما ساغ ذلك لامتناع أن تصف مع الرجال بخلاف الرجل؛ فإن له أن يصف معهم وأن يزاحمهم وأن يجذب رجلاً من حاشية الصف فيقوم معه، فافترقا. واستُدل بقوله: (فَصَفَفتُ أَنا واليَتيمُ وراءَه) على أن السنة في موقف الاثنين أن يصفّا خلف الإمام خلافاً لمن قال من الكوفيين: إن أحدهما يقف عن يمينه والآخر عن يساره، وحجَّتهم في ذلك حديث بن مسعود الذي أخرجه أبو داود وغيره عنه أنه أقام علقمة عن يمينه والأسود عن شماله، وأجاب عنه ابن سيرين: بأن ذلك كان لضيق المكان، رواه الطحاوي. انتهى، قال العيني: القائل بذلك من الكوفيين هو أبو يوسف، فإنه قال: الإمام يقف بينهما؛ لما روى الترمذي في «جامعه» عن ابن مسعود: أنه صلى بعلقمة والأسود فقام بينهما. وأما عند أبي حنيفة ومحمد فإنه يتقدم على الاثنين؛ لما في حديث أنس المذكور، وأُجيب عن حديث ابن مسعود بثلاثة أجوبة: الأول: أن ابن مسعود لم يبلغه حديث أنس. الثاني: أنه كان لضيق المكان، رواه الطحاوي عن ابن سيرين أنه قال: الذي فعله ابن مسعود كان لضيق المسجد أو لعذر آخر، لا على أنه السنة. والثالث: ما ذكره البيهقي في كتاب «المعرفة» : ((أنه رأى النبي ﷺ وأبو ذر عن يمينه وكل واحد يصلي لنفسه، فقام ابن مسعود خلفهما، فأومأ إليه النبي ﷺ بشماله))، فظن ابن مسعود أن ذلك سنة الموقف، ولم يعلم أنه لا يؤمُّهما، وعلمه أبو ذر ﵁ حتى قال: يصلي كل رجل منّا لنفسه. وقال الخطابي: اختلف أهل العلم فيمن صلى خلف الصف وحده، فقالت طائفة: صلاته فاسدة على ظاهر حديث أبي هريرة الذي رواه الطبراني في «الأوسط» : ((أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحدَه فقال له: أعد صلاتك))، هذا قول النخعي وأحمد وإسحاق، وقال ابن حزم: صلاة المنفرد خلف الصف وحده باطلة، لما في حديث وابصة بن معبد، أخرجه ابن حبان في «صحيحه» : ((صلى رجل خلف الصف فقال له ﵇: أعد صلاتك؛ فإنه لا صلاة لك)) وفي حديث علي بن شيبان: ((استقبل صلاتك))، وفي لفظ: ((أعد صلاتك؛ فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف وحده)). وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: صلاة المنفرد خلف الإمام جائزة. وأجيب عن حديث أبي هريرة: بأن الأمر بالإعادة على الاستحباب دون الإيجاب، وعن حديث وابصة: أنه لم يثبته جماعة، وفيه اضطراب، قاله أبو عمر. وقال الشافعي: في سنده اختلاف، وعن حديث ابن شيبان: أن رجاله غير مشهورين، وعن الشافعي: لو ثبت هذا لقلت به. قال شيخنا: وباقي مباحثه تقدمت في باب الصلاة على الحصير انتهى (٧٩) (بابُ مَيمَنَةِ المسجِدِ وَالإِمامِ) أي: هذا باب في بيان أن ميمنة المسجد والإمام هي مكان المأموم إذا كان وحدَه. ٧٢٨ - قوله: (حَدَّثَنا مُوسَى) أي: إسماعيل التبوذكي، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (قالَ: حَدَّثَنا ثابتُ بنُ زَيدٍ) أي: بالثاء المثلثة في أوله، ويقال: ابن يزيد، قال العيني: والأول

стр. 557

أصح يكنى أبا زيد الأحول البصري. قوله: (قالَ عاصِمٌ) أي: ابن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن، ترجمته في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. قوله: (عَنِ الشَّعبي) أي: عامر بن شراحيل أبو عمرو الكوفي، ترجمته في بابٍ يتلو باب أمور الإيمان. قوله: (عَنِ ابنِ عَبّاسٍ) أي: عبد الله، ترجمته في بدء الوحي. في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه القول في ثلاث مواضع، وفيه رواية مَن يلقب بالأحول عن الأحول، وفيه أن رواته ما بين كوفي واحد وهو الشعبي وثلاثة بصريين. قوله: (قالَ: قُمْتُ لَيلَةً أُصَلي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي، أَوْ بِعَضُدِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِي). مطابقته للترجمة في حق الإمام بالمطابقة، وأما للمسجد فباللزوم. قال العيني: مطابقته في جهة المسجد ظاهرة؛ لأن المأموم إذا كان عن يمين إمامه كان في ميمنة المسجد بلا نزاع، ولا يرد عليه الاستشكال فيه من جهة أن هذا الحديث إنما ورد فيما إذا كان المأموم واحداً وما إذا كبروا، فلا دليل فيه على فضيلة المسجد؛ لأنا نقول: إن البخاري إنما وضع الترجمة على طبق ما في الحديث، وهو ما ذكرناه أن ميمنة المسجد والإمام في مكان المأموم إذا كان وحده، وأما الذي يدل على فضيلة ميمنة المسجد والإمام فحديث البراء أخرجه النسائي بإسناد صحيح، قال: ((كنّا إذا صلّينا خلف النبي ﷺ اجتنبنا أن نكون عن يمينه)) قال شيخنا: ولأبي داود بإسناد حسن: ((إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)) فإن قلت: روى ابن ماجة عن ابن عمر ﵄، قال: ((قيل للنبي ﷺ : إن ميسرة المسجد تعطلت، فقال: مَن عَمَر ميمنة المسجد كُتب له كفلان من الأجر)) يقال: في إسناده مقال، ولئن سلمنا صحته فلا يعارض حديث البراء؛ لأن ما ورد لمعنى عارض يزول بزواله. انتهى هذا الحديث أخرجه ابن ماجة عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن عبد الوحد بن زياد عن عاصم عنه به. قوله: (أَو بِعَضُدي) شك من الراوي، وقال الكرماني: الشك من ابن عباس. قال العيني: يحتمل أن يكون من غيره، ووجه الجمع بين قوله: (فأخذ بيدي) وبين قوله في باب إذا أم الرجل: (فأخذ برأسي) كون القضية متعددة، وإلا فوجهه أن يقال: أخذ أولاً برأسه ثم بيده أو بعضه أو بالعكس. قوله: (فَقَالَ بِيَدِهِ) أي: أشار بها أو تناول، ويدل عليه رواية الإسماعيلي: ((فأخذ بيدي)). قوله: (مِن وَرائي) وفي رواية الكشميهني: ((مِن وَرائه)) أي: من وراء الرسول ﵇ وهذا أوجه. (٨٠) (بابٌ إذا كانَ بَينَ الإِمامِ والقَومِ حائِطٌ أَو سُترَةٌ) أي: هذا باب ترجمته إذا كان... إلى آخره، وجواب إذا محذوف تقديره: لا يضره ذلك، والمقالة فيها خلاف، ولكن ما في الباب يدل على أن ذلك جائز، قال العيني: وهو مذهب المالكية أيضاً، وهو المنقول عن أنس وأبي هريرة وابن سيرين وسالم، وكان عروة يصلي بصلاة الإمام وهو في دار بينها وبين المسجد طريق، وقال مالك: لا بأس أن يصلي وبينه وبين الإمام نهر صغير أو طريق، وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام في أحدها تجزئهم الصلاة معه، وكره ذلك طائفة

стр. 558

وروي عن عمر بن الخطاب إذا كان بينه وبين الإمام طريق أو نهر فليس هو معه، وكره الشعبي وإبراهيم أن يكون بينهما طريق، وقال أبو حنيفة: لا يجزئه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق، وبه قال الليث والأوزاعي وأشهب. انتهى، ومنهم من فرق بين المسجد وغيره. قوله: (وَقالَ الحَسَنُ: لا بَأسَ أَن تُصَلِّي وَبَينَكَ وَبَينَهُ نَهرٌ) مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن الفاصل بينه وبين الإمام كالحائط والنهر، قال شيخنا: لم أرَ هذا الأثر موصولاً بلفظه، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه في الرجل يصلي خلف الإمام أو فوق سطح يأتم به لا بأس بذلك. انتهى قوله: (وَبَينَكَ) حال، وقوله: (نَهرٌ) ويروى: نُهيرٌ مصغراً، وهو يدل على أن المراد من النهر الصغير والكبير يمنع. قوله: (وَقالَ أَبو مِجلَزٍ) أي: بكسر الميم وسكون الجيم وفي آخره زاء معجمة، لاحق بن حميد بضم الحاء المهملة ابن سعيد البصري الأعور، من التابعين المشهورين، مات بظهر الكوفة في سنة مئة أو إحدى ومئة. قوله: (يَأتَمُّ بِالإِمامِ وَإِن كَانَ بَينَهُمَا طَريقٌ أَو جِدَارٌ إِذا سَمِعَ تَكبِيرَ الإِمَامِ) مطابقته للترجمة ظاهرة جداً، وهذا الأثر وصله ابن شيبة عن معتمر بن سليمان عن ليث بن أبي سليمان عنه في امرأة تصلي وبينها وبين الإمام حائط، قال: إذا كانت تسمع تكبير الإمام أجزأها ذلك. قال شيخنا: وليث ضعيف، لكن أخرجه عبد الرزاق عن ابن التيمي، وهو معتمر عن أبيه عنه فإن كان مضبوطاً فهو إسناد صحيح. انتهى ٧٢٩ - قوله: (حَدَّثَني محمد) أي: ابن سلام، قاله أبو نعيم، وبه جزم ابن عساكر في روايته ترجمته في باب قول النبي ﷺ : أنا أعلمكم بالله. قوله: (أَخبَرنا عَبدَةُ) أي: بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة، ابن سليمان الكلابي من أنفسِهم، ويقال: العامري الكوفي، وكان اسمه عبد الرحمن وعَبدةُ لقبُه فغلب عليه، يكنى أبا محمد، ترجمته في الباب أيضاً. قوله: (عَن يَحيَى بنِ سَعيدٍ) ترجمته في............ (١) قوله: (عَن عَمرَةَ) أي: بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية، ترجمتها في باب عرق الاستحاضة. قوله: (عَن عَائِشَةَ) أي: أم المؤمنين، ترجمتها في بدء الوحي. في هذا الإسناد التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه القول في موضعين، وفيه من غلب لقبه على اسمه، وفيه رواية التابعي عن التابعية عن الصحابية، وفيه أن رواته ما بين السكندري وهو شيخُ البخاري وكوفي ومدني، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه أن شيخه مذكور بلا نسبة. قوله: (قالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ نَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ لَيْلَةَ الثَّانِيَةِ فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ). مطابقته للترجمة في قوله: (فَقامَ ناسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ) لأنه كان بينه وبينهم جدار الحجر. هذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة عن أبي خيثمة زهير بن حرب، عن هشيم بن بشير

стр. 559

بشير عن يحيى به مختصراً. قوله: (في حُجْرَتِه) أي: في حجرة بيته، يدل عليه ذكر جدار الحجرة، وأوضح منه رواية حماد بن زيد عن يحيى عند أبي نعيم، بلفظ: ((كان يصلي في حجرة من حجر أزواجه))، ويحتمل أن المراد بالحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، كباقي الرواية التي بعدها وكذا حديث زيد بن ثابت الذي بعده، ولأبي داود ومحمد بن نصر من وجهين آخرين عن أبي سلمة عن عائشة أنها هي التي نصبت له الحصير على باب بيتها، فإما أن يحمل على التعدد أو على المجاز في الجدار وفي نسبة الحجرة إليها، والحجرة الموضع المنفرد من الدار. قوله: (شَخَصَ النَّبِي ﷺ الشخص سواد الإنسان وغيره يراه من بعيد، وإنما قال بلفظ الشخص، لأنه كان ذلك بالليل ولم يكونوا يبصرون منه إلا سواده. قوله: (فَقَامَ نَاسٌ)، وفي رواية الكُشْمِيهَنِي: ((فقام أناس)) بزيادة همزة في أوله. قوله (بِصَلاتِه) أي: متلبسين بصلاته أو مقتدين بها. قوله: (فَأَصْبَحُوا) أي: دخلوا في الصباح، وهي تامة. قوله: (فَقَامَ لَيْلَة الثَّانيَة) هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي: ((فقام الليلة الثانية))، وجه الرواية الأولى أن فيه حذفاً تقديره: ليلة الغداة الثانية، وقال الكَرْمَانِي: الليلة مضافة إلى الثانية من باب إضافة الموصوف إلى صفته. قوله: (ذَلِكَ) أي: الاقتداء بالنبي ﷺ . قوله: (إذَا كَانَ) أي: الوقت أو الزمان. قوله: (فَلَمْ يَخْرُج)، أي: إلى الموضع المعهود الذي كان صلى فيه تلك الليالي، فلم يروا شخصه. قوله: (فَلَمَّا أصْبَح ذَكَر ذَلكَ النَّاس) أي: للنبي ﷺ ، وذكر عبد الرزاق أن الذي خاطبه بذلك عمر، ﵁، أخرجه عن معمر عن الزهري عن عروة عنها. قوله: (أنْ تُكْتَب)، أي: تفرض، وقال الخطابي: قد يقال عليه: كيف يجوز أن تكتب علينا صلاة وقد أكمل الله الفرائض، ورد عدد الخمسين منها إلى الخمس؟ فقيل: إن صلاة الليل كانت واجبة على النبي ﷺ ، وأفعاله التي تفضل بالشريعة واجب على الأمة الائتساء به فيها، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على فعل يقتدون به، ويرونه واجباً، فترك النبي ﷺ الخروج إليهم في الليلة الرابعة، وترك الصلاة فيها لئلا يدخل ذلك الفعل في الواجبات المكتوبة عليهم من طريق الأمر بالاقتداء به، فالزيادة إنما تجب عليهم من جهة وجوب الاقتداء بأفعال رسول الله ﷺ ، لا من جهة إنشاء فرض يستأنف زائداً على الخمس، وهذا كما يوجب الرجل على نفسه صلاة نذر. ولا يدل ذلك على زيادة في الشرع المفروض في الأصل، وفيه وجه آخر، وهو أن الله تعالى فرض الصلاة أولاً خمسين، ثم حط بشفاعة رسول الله ﷺ معظمها تخفيفاً عن أمته، فإذا عادت الأمة فيما استوهبت وتبرعت بالعمل به لم يستنكر أن يكتب فرضاً عليهم، وقد ذكر الله تعالى عن النصارى أنهم ابتدعوا رهبانية ما كتبها الله عليهم، ثم لما قصروا فيها لحقتهم الملامة في قول الله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. فأشفق ﷺ أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، فقطع العمل به تخفيفا عن أمته. فيه: ما قاله المهلب جواز الائتمام بمن لم ينو أن يكون إماماً في تلك الصلاة، لأنَّ الناس ائتموا به ﷺ من وراء الحائط، ولم يعقد النية معهم على الإمامة، وهو قول مالك والشافعي قال العيني: هو مذهب أبي حنيفة أيضاً إلا أنَّ أصحابنا قالوا:

стр. 560

لا بد من نية الإمامة في حق النساء، خلافاً لزفر. وفيه: أنَّ فعل النوافل في البيت أفضل. وقال ابن القاسم عن مالك: إنَّ التنفل في البيوت أفضل منه في مسجد النبي ﷺ إلا للغرباء. وفيه: جواز النافلة في جماعة. وفيه: أيضاً شفقته ﷺ على أمته خشية أن تكتب عليهم صلاة الليل فيعجزوا عنها، فترك الخروج لئلا يخرج ذلك الفعل منه. وفيه: أنَّ الجدار ونحوه لا يمنع الاقتداء بالإمام، وعليه ترجمة الباب. قال العيني: إنَّما يجوز ذلك إذا لم يلتبس عليه حال الإمام. انتهى. قلت: وفيه جواز احتجار قطعة من المسجد بحصير ونحوها ليصلي فيها وحده، وفيه جواز ترك فضيلة خوفاً من الوقع في الملامة والذم. انتهى. (٨١) باب صلاة الليل أي: هذا باب في بيان صلاة الليل، كذا وقع في رواية المستملي وحده ولم يشرح عليه أكثر الشراح ولا ذكره الإسماعيلي وهو وجه السياق لأنَّ التراجم متعلقة بأبواب الصفوف وإقامتها، ولما كانت الصلاة بالحائل قد يتخيل أنها مانعة من إقامة الصف ترجم لها وأورد ما عنده فيها. فأمَّا صلاة الليل بخصوصها فلها كتاب مفرد سيأتي في أواخر الصلاة وكأنَّ النسخة وقع فيها تكرير لفظ صلاة الليل وهي الجملة التي في آخر الحديث الذي قبله فظن الراوي أنها ترجمة مستقلة فصدرها بلفظ باب، وقد تكلف بن رشيد توجيهها بما حاصله أن من صلى بالليل مأموماً كانت فيه مشابهة بمن صلى وراء حائل. وأبعد منه من قال: يريد أنَّ من صلى بالليل مأموماً في الظلمة كان كمن صلى وراء حائط، ثم ظهر لي احتمال أن يكون المراد صلاة الليل جماعة فحذف لفظ جماعة والذي يأتي في أبواب التهجد إنما هو حكم صلاة الليل وكيفيتها من عدد الركعات وفي المسجد والبيت ونحو ذلك. انتهى. قلت: الاحتمال الذي ظهر لشيخنا حسن، لكن يحتاج إلى تتمة وهو صلاة الليل جماعة حكم صلاة النهار جماعة في موقف المأموم إن كان المأموم واحداً وقف عن يمين الإمام. وإنْ كانوا أكثر صفوا خلفه، وترك البخاري هذه الجمل لطول الترجمة بها واكتفى بدلالة حديث ابن عباس وحديث عائشة الذي في الباب عن ذكر ذلك. انتهى. ٧٣٠ - قوله: (حدثنا إبراهيم بن المنذر) أي-أبو إسحاق المدني-ترجمته في باب من سأل علماً وهو مشتغل. قوله: قال: (حدثنا ابن أبي الفُدَيْك) بضم الفاء وفتح الدال المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره كاف، وقد استعمل بالألف واللام وبدونها، من فدكت القطن إذا نبشته، وهو محمد بن إسماعيل ابن سليم ابن أبي فديك، واسم أبي فديك: دينار الديلي أو إسماعيل المدني ترجمة محمد في باب حفظ العلم. قوله: قال (حَدَّثَنا ابنُ أبِي ذِئْب) أي -بكسر الذال المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة-وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب هشام بن شعبة أبو الحارث المدني ترجمته في الباب أيضاً. قوله: (عن المَقْبُرِي) أي -بفتح الميم وسكون القاف وضم الباء الموحدة وفتحها وقيل بكسرها أيضاً-وهو نسبة إلى المقبرة، والمراد به ههنا، سعيد بن أبي سعيد كيسان أبو سعيد المدني، وسمي بالمقبري

стр. 561

لأن سكناه كان بجوار المقبرة ترجمته في باب الدين يسر. قوله: (عن أبي سَلَمَة بن عبْدِ الرَّحمَن بن عَوْف) ترجمته في بدء الوحي. قوله (عن عاَئِشَة) أي -أم المؤمنين ﵂ ترجمتها في البدء أيضاً. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع، وفيه: القول في موضعين، وفيه: أن رواته كلهم مدنيون، وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية، وفيه: أربعة من الرواة لم يسموا: أحدهم مذكور بالنسبة، والآخر مذكور بالكنية. قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ، يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ، فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ) مطابقته للترجمة في قوله: ((فصفُّوا ورائه)) لأن صفهم وراء النبي ﷺ كان في صلاة الليل، وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن محمد بن أبي بكر عن المعتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن المقبري به، وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن مثنى عن عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر به، وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة عن الليث عن ابن عجلان عن سعيد المقبري، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة بتمامه. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر عن عبيد الله بن عمر مختصراً. قوله: (حَصِيْر)، قال الجوهري: الحصير البارية. قال العيني: هو المتخذ من البُرْدَى وغيره، يبسط في البيوت. قوله: (يبْسُطُه بالنَّهَار) جملة في محل الرفع على أنه صفة لحصير. قوله: (ويَحتَجِرَه) بالراء المهملة في رواية الأكثرين، ومعناه: يتخذه مثل الحجرة فيصلي فيها، وفي رواية الكُشْميْهَنِي: (يحتجزه) بالزاي أي: يجعله حاجزاً بينه وبين غيره. قوله: (فَثَابَ إليه نَاسٌ)، بالثاء المثلثة وبعد الألف باء موحدة من ثاب الناس إذا اجتمعوا وجاءوا. وقال الجوهري: ثاب الرجل يثوب ثوباً وثوباناً: رجع بعد ذهابه، وثاب الناس اجتمعوا وجاءوا، وكذلك الماء إذا اجتمع في الحوض، ومنه: المثابة وهو الموضع الذي يثاب إليه أي: يرجع مرة بعد أخرى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥] لأن أهله يثوبون إليه أي: ينصرفون في أمورهم ثم يرجعون هذا، هكذا وقع في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَنِي والسرخسي: ((فثار إليه ناس)) بالثاء المثلثة والراء من: ثار يثور ثوراً وثوراناً إذا انتشر وارتفع، قاله ابن الأثير. وقال الجوهري: إذا سطع، وقال غيره: الثوران الهيجان، فالمعنى ههنا ارتفع الناس إليه، ويقال: ثاب به الناس إذا وثبوا عليه، ووقع عند الخطابي: آبوا، أي: رجعوا يقال: آب يؤب أوباً وأوبة وإياباً، والأواب التائب، والمآب المرجع. قوله: (فَصَفُّوا وَراءَه) أي: وراء النبي ﷺ . أخرج البخاري هذا الحديث مختصراً، ولعل مراده منه: بيان أنَّ الحجرة المذكورة في الحديث الذي رواه عن عمرة عن عائشة المذكور قبل هذا الباب كانت حصيراً، والأحاديث يفسر بعضها، وكل موضع حجر عليه فهو حجرة، وفي حديث زيد بن ثابت الآتي ذكره الآن: ((اتخذ حجرة، قال: حسبت أنه قال: من حصير))، وجاء في رواية: ((احتجر بخصفة أو حصير في المسجد)) وفي رواية: ((أنه صلى في حجرتي)) رواه عمرة عن عائشة، وفي رواية: ((فأمرني فضربت له حصيراً

стр. 562

يصلي عليه)). قال العيني: ولعل هذه كانت في أحوال. انتهى. قلت: لا حاجة إلى التعداد لاحتمال أنها ضربت له حصيراً يصلي عليها في الحجرة التي هي حصير أيضاً، وأما قولها: (في حُجْرَتِي) أحالتها إلى نفسها لأنها كانت على باب حجرتها، لأنه لو كان في حجرتها مار أشخصه من في المسجد. انتهى. ٧٣١ - قوله: (حَدَّثَنَا عبد الأَعْلَى بن حمَّاد) أي: بتشديد الميم: ابن نصر أبو يحيى، مر في: باب الجنب يخرج. قوله: قال (حَدَّثَنَا وَهِيْب) أي: ابن خالد مرَّ في: باب من أجاب الفتيا. قوله: قال (حَدَّثَنَا مُوسَى بن عقْبَة) أي-ابن أبي عياش الأسدي-ترجمته في باب إسباغ الوضوء. قوله: (عن سَالم أبي النَّضْر) أي-بسكون الضاد المعجمة-وهو ابن أبي أمية، مرَّ في: باب المسح على الخفين. قوله: (عن بُسْر بن سَعِيْد) أي -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة-مرَّ في باب الخوخة والممر في المسجد. قوله: (عن زَيْد بن ثَابِت) أي-الأنصاري كاتب الوحي-مرَّ في باب إقبال المحيض. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: ثلاثة مدنيون على نسق واحد من التابعين، أولهم: موسى بن عقبة، ووهيب بصري، وعبد الأعلى أصله من البصرة، سكن بغداد، وفيه: عن سالم أبي النضر، وروى ابن جريج عن موسى فلم يذكر سالماً أبا النضر في هذا الإسناد، أخرجه النسائي وقال: ذكر اختلاف ابن جريج ووهيب على موسى بن عقبة في خبر زيد بن ثابت أخبرني عبد الله بن محمد بن تميم المِصِّيْصِي، قال: سمعت حجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني موسى بن عقبة عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت: أنَّ النبي ﷺ قال: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)). أخبرنا أحمد بن سليمان، قال حدثنا عثمان بن مسلم، قال: حدثنا وهيب، قال: سمعت موسى بن عقبة قال: سمعت أبا النضر يحدث عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ قال: ((صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)). ثم قال: وقفه مالك. أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن (١) أبي النضر عن بُسْر بن سعيد أن زيد بن ثابت، قال: ((أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم)). يعني إلا صلاة الجماعة. وروى عن مالك خارج «الموطأ» مرفوعاً. قال شيخنا: ورواية الجماعة أولى، أي بإثبات أبي النضر. قوله: (أنَّ رسولَ الله ﷺ اتخَذَ حُجْرَةً قَالَ حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ منْ حصِيرٍ فِي رمَضَانَ فَصلَّى فيهَا ليالِيَ فَصَلَّى بِصَلاتِه ناسٌ مِنْ أصْحَابِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ. فَقَالَ قَدْ عرَفْتُ الَّذِي رَأيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ فَصَلُّوا أيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فإنَّ أفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَاّ المَكْتُوبَةَ). مطابقته للترجمة ظاهرة لأن الحديث في صلاة الليل. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الاعتصام عن إسحاق عن عفان، وفي الأدب. وقال المكي: حدثنا عبد الله بن سعيد وعن محمد بن زياد عن محمد بن جعفر. وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن محمد ابن المثنى عن محمد بن جعفر به، وعن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد عن وهيب به. وأخرجه أبو داود فيه عن هارون

стр. 563

بن عبد الله عن مكي بن إبراهيم به، وعن أحمد بن صالح عن ابن وهيب بالفصل الأخير. وأخرجه الترمذي فيه عن بندار عن محمد بن جعفر، بالفصل الأخير منه. وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن سليمان عن عفان به، وعن عبد الله بن محمد بن تميم عن حجاج عن ابن جريج، بالفصل الأخير منه. ولما أخرج الترمذي الفصل الأخير قال: وفي الباب عن عمر بن الخطاب وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وابن عمر وعائشة وعبد الله بن سعد وزيد بن خالد. قال العيني: حديث عمر بن الخطاب عند ابن ماجه ولفظه: قال عمر: ((سألت رسول الله ﷺ ، فقال: أما صلاة الرجل في بيته فنور، فنوروا بيوتكم))، وفيه انقطاع. وحديث جابر عند مسلم في أفراده، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل في بيته نصيباً من صلاته)). وحديث أبي سعيد عند ابن ماجه عن النبي ﷺ : ((إذا قضى أحدكم صلاته فليجعل لبيته منها نصيباً، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً)). وحديث أبي هريرة عند مسلم والنسائي في «الكبرى» و «في اليوم والليلة» : أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إنَّ الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة)). وحديث ابن عمر أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه. وحديث عائشة أخرجه أحمد: أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: ((صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها عليكم قبوراً)). وحديث عبد الله بن سعيد أخرجه الترمذي في «الشمائل»، وابن ماجه قال: ((سألت رسول الله ﷺ : أيما أفضل: الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد؟ فلأن أصلي في بيتي أحب إليَّ من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة)). وحديث زيد بن خالد أخرجه أحمد والبزار والطبراني، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً)). قال العيني: ممَّا لم يذكره عن الحسن بن علي بن أبي طالب وصهيب بن النعمان. أما حديث الحسن فأخرجه أبو يعلى قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً...)) الحديث. وأما حديث صهيب بن النعمان فأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» قال: قال رسول الله ﷺ : ((فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل المكتوبة على النافلة)). قوله: (اتَّخَذَ حُجْرَة) بالراء عند الأكثرين، وفي رواية الكُشْميْهَنِي: بالزاي، أيضاً، ومعناه: شيئاً حاجزاً أي: مانعاً بينه وبين الناس. قوله: (قَدْ عَرَفْتُ)، ويروى: ((قد علمت)). قوله: (مِنْ صَنِيْعِكُم)، بفتح الصاد وكسر النون، وفي رواية الكُشْميهَنِي: ((من صنعكم))، بضم الصاد وسكون النون أي: حرصكم على إقامة صلاة التراويح، وهذا الكلام ليس لأجل صلاتهم فقط، بل لكونهم رفعوا أصواتهم وسبحوا به ليخرج إليهم، وحصب بعضهم الباب لظنهم أنه نائم، وسيأتي ذلك في الأدب، وزاد في «الاعتصام» ((حتى خشيت أن تكتب عليكم، ولو كتبت عليكم ما قمتم به)) قوله: (فَإنَّ أفْضَل الصَّلَاة...) إلى آخره، ظاهره يشمل جميع النوافل. قوله: (إلا المكْتُوبَة) أي: الفريضة. فيه: أنَّ صلاة التطوع فعلها في البيوت أفضل من فعلها في المساجد، ولو كانت في المساجد الفاضلة التي تضعف فيها الصلاة على غيرها. وقد ورد التصريح بذلك في إحدى روايتي أبي داود لحديث زيد بن

стр. 564

ثابت، فقال فيها: ((صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة))، وإسنادها صحيح، فعلى هذا: لو صلى نافلة في مسجد المدينة كانت بألف صلاة على القول بدخول النوافل في عموم الحديث، وإذا صلاها في بيته كانت أفضل من ألف صلاة، وهكذا حكم مسجد مكة وبيت المقدس إلا أن التضعيف بمكة يحصل في جميع مكة، بل صحح النووي: أن التضعيف يحصل في جميع الحرم، واستثنى من عموم الحديث عدة من النوافل، ففعلها في غير البيت أفضل، وهي: ما تشرع فيها الجماعة: كالعيدين والاستسقاء والكسوف. وقالت الشافعية: وكذلك تحية المسجد وركعتا الطواف وركعتا الإحرام إن كان عند الميقات مسجد كذي الحليفة، وكذلك التنفل في يوم الجمعة قبل الزوال وبعده. وفيه: حجة على من استحب النوافل في المسجد ليلية كانت أو نهارية حكاه القاضي عياض والنووي عن جماعة من السلف، وعلى من استحب نوافل النهار في المسجد دون نوافل الليل، وحكى ذلك عن سفيان الثوري ومالك. وفيه: ما يدل على أصل التراويح، لأنه ﷺ ، صلاها في رمضان بعض الليالي ثم تركها خشية أن تكتب علينا، ثم اختلف العلماء في كونها سنة أو تطوعا مبتدأ، وقال الإمام حميد الدين الضرير: نفس التراويح سنة، أما أداؤها بالجماعة فمستحب، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن التراويح سنة لا يجوز تركها. وقال الشهيد: هو الصحيح. وفي «جوامع الفقه» : التراويح سنة مؤكدة، والجماعة فيها واجبة، وفي «الروضة» للحنفية: أن الجماعة فضيلة. وفي «الذخيرة» للحنفية أيضاً عن أكثر المشايخ: إن إقامتها بالجماعة سنة على الكفاية، ومن صلى في البيت فقد ترك فضيلة المسجد. وفي «المبسوط» : لو صلى إنسان في بيته لا يأثم، فعلها ابن عمر وسالم والقاسم ونافع وإبراهيم، ثم إنها عشرون ركعة. وبه قال الشافعي وأحمد، ونقله القاضي عن جمهور العلماء، وحكي بأن الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة، ويوتر بسبع، وعند مالك: تسع ترويحات بست وثلاثين ركعة غير الوتر، واحتج على ذلك بعمل أهل المدينة، واحتج الحنفية والشافعية والحنابلة بما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد الصحابي، قال: ((كانوا يقومون على عهد عمر، رضي الله تعالى عنه، بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما، مثله)). فإن قلت: قال في «الموطأ» : عن يزيد بن رومان قال: كان الناس في زمن عمر، رضي الله تعالى عنه، يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة؟ قال البيهقي: والثلاث هو الوتر، ويزيد لم يدرك عمر وفيه انقطاع. فائدة: استثناء المكتوبة مما يصلى في البيوت هو في حق الرجال دون النساء، فإن صلاتهن في البيوت أفضل، وإن أذن لهن في حضور بعض الجماعات، وقد قال رسول الله ﷺ ، في الحديث الصحيح: ((إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن وبيوتهن خير لهن)). أخرى: قوله: (في بيوتكُم)، يحتمل أن يكون المراد بذلك إخراج بيوت الله تعالى، وهي المساجد، فيدخل فيه بيت المصلى وبيت غيره، كمن يريد أن يزور قوما في بيوتهم ونحو ذلك. ويحتمل أن يريد بيت

стр. 565

المصلي دون بيت غيره، وهو ظاهر قوله في الرواية الأخرى: ((أفضل صلاة المرء في بيته)) فيخرج بذلك أيضا بيت غير المصلى. أخرى: اختلف في المراد بقوله: في حديث ابن عمر: ((صلوا في بيوتكم))، فقال الجمهور فيما حكاه القاضي عنهم: إن المراد في صلاة النافلة استحباب إخفائها. قال: وقيل هذا في الفريضة، ومعناه: اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وعبيد ومريض ونحوهم، قال النووي: والصواب أن المراد النافلة، قال ولا يجوز حمله على الفريضة. أخرى: إنما حث على النوافل في البيوت لكونها أخفى وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة والملائكة، وتنفر منه الشياطين. قوله: وقال عفان: حدثنا وهيب حدثنا موسى سمعت أبا النضر عن بُسْر عن زيد عن النبي ﷺ . قال شيخنا: كذا في رواية كريمة وحدها ولم يذكره الإسماعيلي ولا أبو نعيم، وذكر خلف في «الأطراف» في رواية حماد بن شاكر حدثنا عفان وفيه نظر؛ لأنه أخرجه في كتاب الاعتصام بواسطة بينه وبين عفان، ثم فائدة هذه الطريق بيان سماع موسى بن عقبة له من أبي النضر، والله أعلم. خاتمة: اشتمل أبواب الجماعة والإمامة من الأحاديث المرفوعة على مائة واثنين وعشرين حديثاً: الموصول منها ستة وتسعون، والمعلق ستة وعشرون، المكرر منها فيها وفيما مضى تسعون حديثاً الخالص اثنان وثلاثون، ووافقه مسلم على تخريجها سوى تسعة وهي حديث أبي سعيد في فضل صلاة الجماعة، وحديث أبي الدرداء ما أعرف شيئاً، وحديث أنس كان رجل من الأنصار ضخماً وحديث مالك بن الحويرث في صفة الصلاة، وحديث ابن عمر لما قدم المهاجرون، وحديث أبي هريرة يصلون فإن أصابوا، وحديث النعمان المعلق في الصفوف، وحديث أنس كان أحدنا يلزق منكبيه، وحديثه من إنكاره إقامة الصفوف. وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين سبعة عشر أثراً كلها معلقة إلا أثر ابن عمر أنه كان يأكل قبل أن يصلي، وأثر عثمان الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإنهما موصولان والله أعلم. نجز الجزء الخامس ولله الحمد على يد أفقر عبيد الله وأحوجهم إلى رحمته علي بن موسى الخطيب بالجامع العتيق بالجيزة لطف الله به في الدارين والمسلمين. وكان الفراغ منه يوم الخميس حادي عشر شوال سنة تسعين وثمان مائة. أحسن الله عاقبتها، وصلى الله على نبيه محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.