← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 523

مزيد فتح الباري بشرح البخاري - مخطوط

إبراهيم بن علي النعماني

Полный текст (565 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وهو منسوب إلى خَطْمي، بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء: بطن من الأوس. وقال الذهبي: عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين بن (١) عمرو الأوسي الخطمي أبو موسى، شهد الحديبية ومات قبل ابن الزبير ﵃. قلتُ: عبد الله هذا تقدمت ترجمته في باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحِسبة. انتهى. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي البَرَاءُ -وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ-) أي ابن عازب، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في ثلاث مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في أربع مواضع. وفيه: عبد الله بن يزيد الصحابي من أفراد البخاري. وفيه: رواية الصحابي ابنِ الصحابي عن الصحابي ابن الصحابي، كلاهُما من الأنصار ثم من الأوس وكلاهمُا سكن الكوفة، وذكر الذهبي في «تجريد الصحابة» والدَ عبد الله ووالد البراء كليهما في الصحابة، فقال: يزيد بن زيد بن حصين الأنصاري الخطمي، والد عبد الله وجد عدي بن ثابت لأمه. وقال أيضاً: عازب بن الحارث والدُ البراء، قال البراء: اشترى أبو بكر من عازب رجلاً. وفيه: أن أبا إسحاق كان معروفاً بالرواية عن البراء بن عازب لكنه روى الحديث المذكور ههنا بواسطة وهو: عبد الله بن يزيد. وفيه: أن أحد الرواة كان أميراً وهو: عبد الله بن يزيد، وكان أميراً على الكوفة في زمن عبد الله بن الزبير، وفي رواية البخاري في باب رفع البصر في الصلاة: أن أبا إسحاق قال: سمعت عبد الله بن يزيد يخطب. وفيه: قوله: (غَيْرُ كَذُوبٍ) على وزن: فعول، وهو صيغة مبالغة: كصبور وشكور، واختلفوا في هذا قيل: في حق من؟ فقال يحيى بن معين والحميدي وابن الجوزي: إن الإشارة في قول أبي إسحاق: غير كذوب، إلى عبد الله بن يزيد (٢)، لا إلى البراء، لأن الصحابة عدول فلا يحتاج أحدٌ منهم إلى تزكيةٍ وتعديل. وقال الخطيب: إن كان هذا القول من أبي إسحاق فهو في عبد الله بن يزيد، وإن كان من عبد الله فهو في البراء. وقال الخطابي: هذا القول لا يوجب تهمةً في الراوي، إنما يوجب حقيقةَ الصدق له لأن هذه عادتُهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي والعمل بما رَوَى، وكان أبو هريرة يقول: سمعت خليلي الصادقَ المصدوقَ، وقال ابن مسعود: حدثني الصادق المصدوق، وسلك عياض أيضا هذا المسلك وقال: لم يُرِد به التعديل وإنما أراد به تقوية الحديث إذْ حدَّث به البراء، وهو غير متهم، ومثل هذا قول أبي مسلم الخولاني: حدثني الحبيب الأمين. وقال النووي: معنى الكلام: حدثني البراء وهو غير متهم، كما علمتم فثقوا بما أخبركم به عنه. قال شيخنا: وقد اعترض بعض المتأخرين على التنظير المذكور فقال: كأنه لم يُلِمَّ بشيء من علم البيان، للفرق الواضح بين قولنا: فلان صدوق وفلان غير كذوب، لأن في الأول إثبات الصفة للموصوف، وفي الثاني نفي ضدها عنه فهما مفترقان قال:

стр. 492

والسرُّ فيه أن نفي الضد كأنه يقع جواباً لمن أثبته بخلافِ إثبات الصفة. انتهى كلامه المعترِض. والذي يظهر لي أن الفرق بينهما أنه يقع في الإثبات بالمطابقة وفي النفي بالالتزام، لكن التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى المراد باللفظين لأن كلاً منهما يرِد عليه أنه تزكية في حقِّ مقطوعٍ بتزكيتِه فيكون من تحصيل الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدم من أن المراد بكل منهما تفخيم الأمر وتقويته في نفس السامع. قال العيني: قد ظهر من كلام الخطابي وعياض والنووي أن هذا القول في البراءِ، وتَرَجَّحَ هذا بوجهين: الأول: أنه روي عن أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد وهو يخطب يقول: حدثني البراء، وكان غير كَذوب. قال ابن دقيق العيد: استدل به بعضُهم على أنه كلام عبد الله بن يزيد. قال العيني: إذا كان هذا كلامَ عبد الله فيكون ذلك في البراء، وأوضَحُ من هذا وأبْيَنُ ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق محارب بن دثار، قال: سمعت عبد الله بن يزيد على المنبر يقول: حدثني البراء وكان غير كذوب. الثاني: أن الضمير أعني قوله: (وَهُوَ) يرجع إلى أقرب المذكورَيْن وهو البراء، فإن قلت: كيف نزَّه يحيى بن معين البراء عن التعديل لأجل صحبته ولم ينزه عبد الله بن يزيد وهو أيضاً صحابي؟ أجيب: يحيى بن معين لا يُثبِتُ صحبتَه فلذلك تنسب هذه اللفظة إليه، ووافقه على ذلك مصعب الزبيري، وتوقف في صحبته أحمد وأبو حاتم وأبو داود، وأثبتها ابن البَرقي والدارقطني وآخرون. فإن قلت: نفي الكَذُوبية لا يستلزِم نفي الكاذبية، مع أنه يجب نفي مطلق الكذب عنهما. أجيب: معناه غيرُ ذي كذب، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. أي: وما ربك بذي ظلم. فإن قلتَ: ما سبب رواية عبد الله بن يزيد هذا الحديث؟ قال العيني: روى الطبراني من طريقه أنه كان يصلي بالناس بالكوفة، فكان الناس يضعون رؤوسهم قبل أن يضع رأسه، ويرفعون قبل أن يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره عليهم. قوله: (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ) مطابقته للترجمة في قوله: (ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ)، فإنه يقتضي أن يكون سجودُ من خلف الإمام إذا شرَع الإمام في السجدة. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً عن أبي نعيم وعن حجاج عن شعبة وعن آدم عن إسرائيل. وأخرجه مسلم فيه عن أحمد بن يونس ويحيى بن يحيى كلاهما عن زهير وعن أبي بكر بن خلاد. وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر عن شعبة به. وأخرجه الترمذي فيه عن بندار عن ابن مهدي عن سفيان به. وأخرجه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن إسماعيل بن عُليَّة وعن علي بن الحسين الدرهمي عن أمية بن خالد، كلاهما عن شعبة به. قوله: (إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وفي رواية شعبة: (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكَوعِ). ولمسلم من رواية محارب بن دثار: ((فإذا رفع رأسه من الركوع

стр. 493

فقال: سمع الله لمن حمده لم نزلْ قياماً)). قوله: (لَمْ يَحْنِ) ((بفتح التحتانية وسكون الحاء المهملة: لم يثْنِ، يقال: حنيتُ العود عطفتُه وحنوت لغةٌ، قاله الجوهري،)) وهي لغة صحيحة يقال: حنوت وحنيت بمعنى. قاله شيخُنا. وقال العيني: وفي رواية مسلم: ((لا يحنو أحد)) و ((لا يحني)) روايتانِ أي: لا يقوس ظهره. انتهى. قوله: (حَتَّى يَقَعَ سَاجِدًا) أي حال كونه ساجداً. قال العيني: ويجوز في (يَقَعَ) الرفع والنصب. وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق: (حَتَّى يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ) وسيأتي في باب السجود، ونحوُه لمسلم من رواية زهير عن أبي إسحاق، وفي رواية أحمد عن غُندَر عن شعبة: حتى يسجد ثم يسجدون. قوله: (ثُمَّ نَقَعُ) بنون المتكلم مع الغير. قوله: (سُجُودًا) حال، وهو جمعُ ساجد، و (نَقَعُ) مرفوع لا غير. فيه: وجوب متابعة الإمام في أفعاله، واستدل به ابن الجوزي على أن المأموم لا يَشرع في الركن حتى يتمَه الإمام، وتُعُقِّبَ بأنه ليس فيه إلا التأخر حتى يتلبس الإمامُ بالركن الذي ينتقل إليه بحيث يَشرع المأموم بعد شروعه وقبل فراغه منه. وقال العيني: وفي استدلال ابن الجوزي نظر، لأن الإمام إذا أتم الركنَ ثم شرع المأموم فيه لا يكون متابعاً للإمام ولا يعتد بما فعله، ومعنى الحديث أن المأموم يشرع بعد شروع الإمام في الركن وقبل فراغِه منه حتى تقع المتابعة، ووقع في حديث عمرو بن حريث عند مسلم: فكان لا يحني أحد منا ظهره حتى يستقيم ساجداً. ولأبي يعلى من حديث أنس: حتى يتمكن النبي ﷺ من السجود. وهو واضح في انتفاء المقارنة. واستدل به قوم على طول الطمأنينة، وفيه نظر، لأن الحديث لا يدل على هذا. وفيه: جواز النظر إلى الإمام لأجل اتِّباعه في انتقالاته في الأركان. قلتُ: وفيه: نقل الأحكام الشرعية من الأقوال والأفعال. انتهى. قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) أي الفضل بن دُكَيْن، ترجمته في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان. قوله: (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانَ) أي الثوري، نبهتُ عليه في السند السابق قوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) أي السبيعي المذكور فيه أيضاً. قوله: (نَحْوَهُ) أي نحو الحديث المتقدم، هذا السند وقع في البخاري في رواية المستملي وكريمة، وليس بموجود في رواية الباقين. وقال صاحب «التلويح» : هذا السند مذكور في نسخة سماعنا، وفي بعض النسخ عليه ضرب، ولم يذكره أصحاب الأطراف: أبو العباس الطرقي وخلف وأبو مسعود فمن بعدهم، ولم يذكره أبو نُعيم في «المستخرج»، وقد أخرجه أبو عوانة عن الصاغاني وغيرِه عن أبي نُعيم، ولفظه: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ لم يَحْنِ أحدٌ منا ظهره حتى يضَعَ النبيُّ ﷺ جبهته. (٥٣) (بَابُ إِثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ) أي هذا بابٌ في بيان إثم من رفع رأسه في الصلاة قبل رفع الإمام رأسه. قال شيخنا: أي من السجود كما سيأتي بيانُه. قال العيني: ومن الركوع أيضاً، فلا وجه لتخصيص السجود، لأن الحديث أيضاً يشمل

стр. 494

الاثنين بحسب الظاهر كما يجيء. فإن قلتَ: لهذا القائل أن يقول: إنما قلتُ: أي من السجود، لأن في رواية أبي داود عن حفص بن عمرو عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَمَا يَخْشَى - أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَالإِمَامُ سَاجِدٌ...)) الحديث. فَبَيَّنَ أن المراد الرفع من السجود. قال العيني: روايةُ البخاري تتناول المنعَ من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معاً، ولا يجوز أن تُخصَّص روايةُ البخاري برواية أبي داود، لأن الحكم فيهما سواء، ولو كان الحكم مقصوراً على الرفع من السجود لكان لدعوى التخصيص وجه، ومع هذا فالقائل المذكور ذكر الحديث عن البزَّار من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الذي يخفِض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيتُه بيد الشيطان)). وهذا ينقض عليه ما قاله. وأعجَبُ من هذا أنه رَدَّ على ابن دقيق العيد حيث قال: إن الحديث نصٌّ في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الركوع والسجود معاً، فهذا دقيقُ الكلام الذي قاله ابن الدقيق، ومستنده في الرد عليه هو قوله: وإنما هو نص في السجود، ويلتحق به الركوع لأنه في معناه. قال العيني: وهذا كلام ساقط جداً، لأن الكلام ههنا في رواية البخاري وليس فيها نص في السجود، بل هو نص عام في السجود والركوع. ودعوى التَّخصيص لا يصح كما ذكرنا، نعم لو ذكر النكتةَ في رواية أبي داود في تخصيص السجدة بالذِّكْرِ لكان له وجه، وهي أن رواية أبي داود من باب الاكتفاء، فاكتفى بذكر حكم السجدة عن ذكر حكم الركوع لكون العلة واحدة وهي: السبقُ على الإمام، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي والبرد أيضاً، وإنما لم يعكس الأمرَ لأن السجدة أعظم من الركوع في إظهار التواضع والتذلل، والعبدُ أقرب ما يكون إلى الرب وهو ساجد. انتهى. قال شيخنا: في هذا الكلام - أي قوله: نعم لو ذكر... إلى آخره - دعوى التخصيص، وهو فرع التعميم، ولم تقع في رواية الباب صيغةُ تعميم وإنما هو مطلق، فَرَدَّ به رواية أبي داود فتَّعَيَّن المرادُ منه، ونظائر ذلك كما مرَّ كثيرة، وأما قوله: لو ذكر النكتة... إلى آخره. أعجبُ من الأول، لأنه ذكرها. انتهى. ٦٩١ - قوله: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) أي السُّلَمي الأنماطي البصري أبو محمد، وقد مر ذكره في باب ما جاء أن الأعمال بالنية في آخر كتاب الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان. قوله: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) أي بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف، الجُمَحِي المدني سكن البصرة، ترجمته في باب غسل الأعقاب. قوله: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاث مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وواسطي

стр. 495

ومدني. وفيه: أنه من رباعيات البخاري. قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ))). مطابقته للترجمة من حيث إنَّ فيه وعيداً شديداً وتهديداً، ومرتكب الشيء الذي فيه الوعيد آثمٌ بلا نزاع. قوله: (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (أَوْ: لَا يَخْشَى). قال العيني: اختلفت ألفاظ هذا الحديث، فرواية مسلم والترمذي وابن ماجه: ((أما يخشى الذي يرفع رأسه))، وفي رواية النسائي: ((ألا يخشى))، وفي رواية البخاري وأبي داود من رواية شعبة: ((أما يخشى أو ألا يخشى)) بالشك، قال الكِرماني: الشك من أبي هريرة، وكلمة: (أَمَا) بتخفيف الميم، حرف استفتاح مثل ألا. وأصلُها ما النافية دخلت عليها همزة استفهام، وهو ههنا استفهام توبيخ وإنكار. قوله: (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ)، زاد ابن خزيمة من رواية حماد بن زيد عن محمد بن زياد: ((في صلاته))، وفي رواية حفص بن عمر: ((الذي يرفع رأسه والإمامُ ساجد)). فتبيَّنَ أن المراد بالرفع: من السجود، ففيه التعقُّب على من قال: إن الحديث نصٌّ في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معاً، وإنما هو نص في السجود ويلتحق به الركوع لكونه في معناه كما تقدم ذلك آنفاً. قال شيخنا: ويمكن الفرق بينهما بأنَّ السجود له مزية لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه، لأنه غاية الخضوع المطلوب منه فلذلك خُصَّ بالتنصيص عليه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء وهو: ذِكرُ أحد الشيئين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزية، وأما التقدم على الإمام في الخفض للركوع والسجود فقيل: يلتحق به من باب الأولى، لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائلِ، والركوعُ والسجودُ من المقاصد، وإذا دل الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة فأولى أن يجب فيما هو مقصد. ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح، لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعَهُ عن غاية كماله، ودخولُ النقص في المقاصد أشدُّ من دخوله في الوسائل، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخرَ أخرجه البزار من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان)) وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفاً، وهو المحفوظ. انتهى. قوله: (أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ). قال العيني: وههنا أيضا اختلف ألفاظ الحديث، ففي رواية يونس بن عبيد عند مسلم: ((ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته أن يحوِّلَ الله صورتَه في صورة حمار؟)). وفي رواية الربيع بن مسلم عند مسلم: ((أن يجعل الله وجهَه وجهَ حمار؟)). وفي روايةٍ لابن حِبَّان من رواية محمد بن ميسرة عن محمد بن زياد: ((أن يحوِّلَ الله رأسَه رأسَ كلب)). وفي رواية الطبراني في «الأوسط» من رواية محمد بن عمر عن ابن سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ما يُؤَمِّنُ مَن يرفع رأسه قبل الإمام ويضعه)). وفي رواية الدارقطني من رواية

стр. 496

مليح السعدي عن أبي هريرة قال: ((الذي يرفع رأسه قبل الإمام ويخفضه قبل الإمام فإنما ناصيته بيد شيطان)). ورواه البزار أيضاً كما ذكرناه، وذكرنا الآن أيضاً عن ابن مسعود: ((أن يعودَ رأسُه رأسَ كلب؟)) وهو موقوف، ولكنه لا يدرَك بالرأي فحكمُه حكمُ المرفوع. قوله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ) قال الكِرماني أيضاً: الشك فيه من أبي هريرة. وقال شيخنا: الشك فيه من شعبة، فقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمة وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلمُ من رواية يونس بن عبيد والربيعِ بن مسلم، كلُّهم عن محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمَّادان فقالا: (رَأْسَ)، وأما يونس فقال: (صُورَةَ)، وأما الربيع فقال: (وَجْهَ). والظاهر أنه من تصرف الرواة، قال عياض: هذه الروايات متفقة، لأن الوجه من الرأس ومعظمُ الصورة فيه. والصورة تُطلق على الوجه أيضاً، وأما: الرأسُ، فرواتها أكثر وهي أشمل فهي المعتَمَدة، وخُصَّ وقوع الوعيد عليها لأنَّ بها وقعت الجناية. انتهى. قال العيني: لا يلزم من إخراج مَن ذَكَرهُم بغير تردد أنْ لا يُخرِج غيرُهُم بتردد، فإذا كان الأمرُ كذلك يُحتمل أن يكون التردد من شعبة أو من محمد بن زياد أو من أبي هريرة، فمن ادعى تعيينَ واحدٍ منهم فعليه البيان، وأما اختلافُهم في الرأس أو الصورة أو الوجهِ كيف يكون من تصرف الرواة ولكل واحد من هذه الألفاظ معنى في اللغة يغاير معنى الآخر؟ أما الرأس فإنه اسم لعضو يشتمل على الناصية والقفا والفَوْدَين. والصورة: الهيئَةٌ، ويقال: صورته حسنة أي هيئته وشَارَتُه، وتطلق على الصفة أيضاً يقال: صورة الأمر كذا وكذا أي: صفته، وتطلق على الوجه أيضاً يقال: صورته حسنة أي: وجهه، وتطلق على شكل الشيء وعلى الخِلقةِ. والوجهُ اسم لما يواجهه الإنسان، وهو من منبت الناصية إلى أسفل الذقن طولاً، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضاً. والظاهر أن هذا الاختلاف من اختلاف تعدد القضية. وقول عياض: إن هذه الروايات متفقة... إلى آخره. فيه نظر، لأن الوجه خلافُ الرأس لغةً وشرعاً. انتهى. قلتُ: لا يلزم من كون الرأسِ يغاير الصورة أنْ لا تتصرف الرواةُ في ذلك، وقد وقع مثلُ هذا كثير حتى ألَّفَ الخَطَّابيُّ في ذلك تأليفاً. انتهى. واعلم أن العلماء اختلفوا في معنى الوعيد المذكور فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوي، فإنَّ الحمار موصوف بالبلادة فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعةِ الإمام، ويُرجِّح هذا المجاز أنَّ التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدل على أن ذلك يقع ولا بد، وإنما يدل على كون فاعله مُتَعرضاً لذلك وكونِ فعله ممكناً لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيءِ وقوعُ ذلك الشيء، قاله بن دقيق العيد. وقال ابن بَزيزة: يُحتمل أن يراد بالتحويل المسخُ أو تحويل الهيئة الحَسَنة أو المعنوية أو هما معاً. وحمله آخرون على ظاهره إذْ لا مانع من جواز وقوع ذلك.

стр. 497

قال شيخنا: وسيأتي في كتاب الأشربة الدليلُ على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة، وهو حديث أبي مالك الأشعري في المعازف، فإنَّ فيه ذكر الخسف وفي آخره: (وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)، وسيأتي مزيدٌ لذلك في تفسير سورة الأنعام إن شاء الله تعالى. ويُقَوِّي حملَه على ظاهره أن في رواية ابن حِبان من وجه آخر عن محمد بن زياد: ((أن يحول الله رأسه رأس كلب)) فهذا يُبَعِّد المجاز لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار، ومما يُبعِّدُه أيضاً إيراد الوعيد بالأمر المستقبل وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهُه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلاً: فرأسُه رأسُ حمار. وإنما قلتُ ذلك لأن الصفة المذكورة وهي البلادةُ حاصلةٌ في فاعل ذلك عند فعلِ المذكور فلا يحسُن أن يقال: يُخشَى إذا فعلتَ ذلك أن تصير بليدًا مع أنَّ فِعْلَهُ المذكور إنما نشأ عن البلادة. وقال ابن الجوزي في الرواية التي عبَّر فيها بالصورة: هذه اللفظة تمنَعُ تأويَل من قال: المرادُ رأس حمار في البلادة. ولم يُبيِّنْ وجهَ المنع. انتهى. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ليس قوله: (أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ) في هذه الأمة بموجود، فإن المسخ فيها مأمون، وإنما المراد به: معنى الحمار من قلة البصيرة وكثرة العناد، فإن مِن شأنه إذا قِيدَ حَرَن وإذا حُبِسَ طَعَن، لا يطيع قائداً ولا يُعِين حَابساً. انتهى. فإن قلتَ: ما السر في تشبيهه بالحمار؟ ولم يقل بالجمل لأن فيه مِن الجلادة أكثر ما في الحمار. قلتُ: لأن الحمار من شأنه أن يضع رأسه على الأرضِ يشَمُّ البول ويتنشقه رافعاً رأسه، فإذا ضُرِب ليدع رفع رأسه يعصي ويرفعها مرَّةً بعد مرة. انتهى. قال العيني: قولهم: إن المسخ لا يجوز في هذه الأمة، وإن المسخ فيها مأمون، نظر، وقد روي وقوع ذلك في آخر الزمان عن جماعة من الصحابة، فرواه الترمذي من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ((يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف...)) الحديث، وروي أيضا عن علي ﵁ وأبي هريرة وعمرو بن حصين، وروى ابن ماجه من حديث ابن مسعود وابن عمر وعبد الله بن عمرو وسهل بن سعد، وروى أحمد والطبراني من حديث عبادة بن الصامت وابنِ عباس، وروى أبو يعلى والبزار من حديث أنس وروى الطبراني أيضاً من حديث عبد الله بن بسر وسعيد بن أبي راشد، وروى الطبراني أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس أيضاً، ولكن أسانيدها لا تخلو من مقال. قال العيني: وإن سلمنا ذلك فلِمَ لا يجوز أن يؤخَّر العقابُ إلى وقت يريده الله تعالى؟ كما وقفنا في بعض الكتب وسمعنا من الثقات أن جماعة من الشيعة الذين يسبون الصحابةَ قد تحولت صورتهم إلى صورةِ حمار وخنزير عند موتهم، وكذلك جَرى على من عق والديه، وخاطبهم باسم الحمار أو الخنزير أو الكلب. انتهى. قلت: فمن ذلك ما أخبر به جماعةٌ من المشايخِ

стр. 498

منهم السيدُ الشريف أحمد بن حسين بن علي النعماني قراءةً عليه وسماعاً غير مرةٍ قال: أخبرني الشيخ الصالح..... بن أبي بكر بن إبراهيم خادم الفقراء..... في سنة ست وثمانين وسبعمئة بمكة... المسجد الحرام بحق سماعه على الشيخ الإمام العالم العلامة العامل تاج الدين أبي الفضل محمد بن أحمد بن الإمام أبي الفتح عمر بحق قراءته على الشيخ الإمام العالم العلامة شرف الدين محمد بن أحمد بن محمد بن علي الشافعي بمنزله بمصر في سنة خمس..... وسبعمئة وعلى عمة والده ست العرب بنت الشيخ أبي عبد الله بن النعمان قراءة عليها وهو يسمع قالا أخبرنا الشيخ الإمام.... الإمام المحقق........... بن النعمان قراءةً عليه في كتابه...... (١) الظلام ونحن نسمع مِراراً آخرُها سنة اثنين وثمانين وستمئة، قال: وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب «مجابي الدعوة» : أخبرنا الإمام أبو الحسين علي بن أبي الفضائل الشافعي عن شُهدة بنت أحمد قالت: أخبرنا طراد بن محمد أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا أبو علي بن صفوان حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال: حدثني سويد بن سعيد عن أبي المحياة التيمي قال حدثني مؤذن عكة قال: جُزتُ أنا وعمي إلى مَكران، وكان معنا رجل يسب أبا بكر وعمر ﵄ فنهيناه فلم ينته فقلنا اعتزلنا فاعتزلنا فلما دنا خروجُنا تذَمَّمْنا فقلنا لو صحبنا حتى نرجع إلى الكوفة، فلقيَنا غلامٌ له فقلنا: قل لمولاك يعود إلينا، قال: إنَّ مولاي حَدَث به أمر عظيم، قد مسخت يداه يدي خنزير، قال: فأتيناه فقلنا ارجع إلينا، قال: إنه قد حدث بي أمر عظيم وأخرج ذراعيه فإذا هما ذراعي خنزير، قال: فصحبَنا حتى انتهينا إلى قرية من قرى السوادِ كثيرة الخنازير، فلما رآها صاح صيحة ووثب فمسخ خنزيراً وخَفِيَ علينا فجئنا بغلامه ومتاعه إلى الكوفة. حاء: وأخبرني به عالياً الشيخُ الصالح المسنِدُ خليل بن... بن عبد الله قراءةً مني عليه عن روايته له عن ال.... أبي بكر بن إبراهيم بن العِز المقدسي وأبي حفص عمر بن محمد ال... كتابة، كلاهما عن زينب ابنة الكمال المقدسية سماعاً بإجازتها من الأعز بن فضائل قال: قُرِئ على شُهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفَرَج بن عمر الدينوري قراءة عليها ونحن نسمع ببغداد قالت: أخبرنا أبو الفوارس طراد بن محمد بن علي الزينبي قراءةً عليه وأنا أسمع ببغداد قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ال... ي المعدَّل قراءة عليه..... (٢) به قال: أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان البرذعي قراءة عليه في ذي الحجة من سنة أربعين وثلاثمئة، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا المذكور. انتهى. قال شيخنا: وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام لكونه توُعِّد عليه بالمسخ وهي أشد العقوبات، وبذلك جزم النووي في «شرح المهذب»، ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتَجزيه صلاته. انتهى. ونظر ابن مسعود إلى من سبق إمامه فقال: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت.

стр. 499

وعن ابن عمر نحوُه، وأَمَرَه بالإعادة. وقال القرطبي: من خالف الإمام فقد خالف سُنَّة المأموم وأجزأته صلاته عند جمهور العلماء. وفي «المغني» لابن قدامة الحنبلي: فإن سبق إمامَه فعليه أن يرفع ليأتي بذلك مؤتَمَّاً بالإمام، فإن لم يفعل حتى لحقه الإمام سهواً أو جهلاً فلا شيء عليه، فإن سبقه عالماً بتحريمه فقال أحمد في «رسالته» : ليس لمن سبق الإمام صلاةٌ، لقوله: ((أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام... ؟)) الحديث، ولو كانت له صلاة لرُجِي له الثوابُ، ولم يُخش عليه العقاب، وقال ابن بَزيزَة: استدل بظاهره قومٌ لا يعقلون على جواز التناسخ. قال شيخنا: وهو مذهب رديء مبني على دعاوى بغير برهان، والذي استدل بذلك منهم إنما استدل بأصل المسخ لا بخصوص الحديث. لطيفة: قال صاحب القبس: ليس التقدم قبل الإمام إلا طلبُ الاستعجال ودواؤه أن يستحضرَ أنه لا يُسلِّمُ قبل الإمام ولا يستعجل في هذه الأفعال والله المستعان. انتهى. وفي الحديث أيضاً: كمال شفقته ﷺ بأمته، وبيانُه لهم الأحكام وما يترتب عليها من الثواب والعقاب. قلتُ: وفيه جوازُ قلبِ الأعيان، والله أعلم. انتهى. (٥٤) (بَابُ إِمَامَةِ العَبْدِ وَالمَوْلَى) أي هذا بابٌ في بيان حكم إمامة العبد والمولى، أراد به المولى الأسفل وهو المعتوق، ولِلَفظ المولى معانٍ متعددة، والمراد به ههنا المعتوق. قال الزين بن المنير: لم يُفصح بالجواز، لكن لوَّحَ به لإيراده أدلتَه. قوله: (وَكَانَتْ عَائِشَةُ) أي أم المؤمنين. قوله: (يَؤُمُّهَا) أي يصلي إماماً لها. قوله: (عَبْدُهَا ذَكْوَانُ) أي بالذال المعجمة، وكنيته أبو عمرو ومات في أيام الحرة أو قُتِل بها. قوله: (مِنَ المُصْحَفِ) أي يقرأُ في صلاته بها في المصحف. إيراده هذا الأثر يدل على أن مراده من الترجمة الجوازُ وإن كانت الترجمة مطلَقَةً، ووصل هذا ابن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبي بكر بن أبي مليكة: أن عائشة ﵂ أعتقت غلاماً عن دُبُرٍ، فكان يؤمُّها في رمضان في المصحف. وروى أيضاً عن ابن عُليَّة عن أيوب سمعت القاسم يقول: كان يؤم عائشةَ عبدٌ يقرأ في المصحف. ورواه الشافعي عن عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: أنهم كانوا يأتون عائشة بأعلى الوادي هو وأبوه وعبيدُ بن عمير والْمِسور بن مَخرَمة وناسٌ كثير، فيؤمُّهم أبو عمروٍ مولى عائشة، وهو يومئذ غلامٌ لم يُعتَق. وكان إمامَ بني محمد بن أبي بكر وعروةَ. وعند البيهقي من حديث أبي عتبة أحمد بن الفرج الحمصي حدثنا محمد بن حمير حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن هشامٍ عن أبيه: أن أبا عمرو ذكوانَ كان عبداً لِعائشة فأعتقته، وكان يقومُ بها شهر رمضانَ يؤمُّها وهو عبدٌ. وروى ابن أبي داود في «كتاب المصاحف» من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة: أن عائشة كان يؤمُّها غلامُها ذكوان في المصحف. قوله: (مِنَ المُصْحَفِ) ظاهرُه يدل على جواز القراءة في المصحف في الصلاة، وبه قال ابن سيرين والحكم وعطاء والحسن، وكان أنس يصلي وغلامه خلفه يمسك له المصحف، وإذا تعايا في آيةٍ فَتَح عليه. وأجازَه مالك في قيام رمضان،

стр. 500

وكرهه النخَعي وسعيد بن المسيب والشعبي، وهو رواية عن الحسن، وقال: هكذا يَفعلُ النصارى. وفي مصنف ابن أبي شيبة: وسليمانُ بن حنظلة ومجاهد بن جبير وحماد وقتادة. وقال ابن حزم: لا تجوز القراءة من المصحف ولا من غيره لمصلٍّ إماماً كان أو غيره، فإنْ تعمدَ ذلك بطلت صلاتُه، وبه قال ابن المسيب والحسن والشعبي وأبو عبد الرحمن السُّلَمي. قال العيني: وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال صاحب «التوضيح» : وهو غريب لم أره عنه. قال العيني أيضاً: القراءة من مصحف في الصلاة مُفسِدةٌ عند أبي حنيفة لأنه عمل كثير، وعند أبي يوسف ومحمد: يجوز، لأن النظر في المصحف عبادة، ولكنه يُكرَه لما فيه من التشبُّهِ بأهل الكتاب في هذه الحالة، وبه قال الشافعي وأحمد. وعند مالك وأحمد في رواية: لا تُفسِد في النفل فقط. قال شيخنا: وإلى صحة إمامة العبد ذهب الجمهور، وخالف مالك فقال: لا يؤم الأحرارَ إلا إن كان قارئاً وهم لا يقرؤون، فيؤمُّهم إلا في الجمعة لأنها لا تجب عليه، وخالفه أشهب واحتج بأنها تجزئه إذا حضرها. وقال العيني: قال أصحابنا - أي الحنفية -: يكره إمامة العبد لاشتغاله بخدمة مولاه، وأجازها أبو ذر وحذيفة وابن مسعود، ذكره ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وعن أبي سفيان أنه كان يؤمُّ بني عبد الأشهل وهو مكاتَب وخلْفَه صحابةٌ: محمد بن مَسلمة وسلمة بن سلامة (١). وصلى سالم خلف زياد مولى أم الحسن وهو عبدٌ، ومن التابعين ابنُ سيرين والحسن وشريح والنخعي والشعبي والحَكَم، ومن الفقهاء الثوري وأبو حنيفة وأحمد والشافعي وإسحاق. وقال مالك: لا يؤم في جمعة ولا عيد، وعن الأوزاعي: لا يؤم إلا أهلَه. وممن كره الصلاة خلفَه: أبو مِجْلَز، فيما ذكره ابن أبي شيبة، والضحاك بزيادة: ولا يؤم من لم يحجَّ قوماً فيهم من قد حج. وفي «المبسوط» : إن إمامته جائزة وغيرُه أحبُّ. قال العيني: ولا شك أن الحُرَّ أولى منه لأنه مَنصِبٌ جليل، فالحُّر أليق بها، وقال ابن خيران من أصحاب الشافعية: تُكره إمامتُه بالحُرِّ، وخالف سليم الرازي. ولو اجتمع عبدٌ فقيه وحُرٌّ غير فقيه فثلاثة أوجه: أصحها أنهما سواء، ويترجح مَن قال: العبد الفقيه أولى لِمَا أَنَّ سالماً مولى أبي حذيفة كان يؤمُّ المهاجرين الأولين في مسجد قُباء فيهم عمرُ وغيرُه، لأنه كان أكثرَهم قرآنا. قوله: (وَوَلَدِ البَغِيِّ) عطفٌ على قولِه: (وَالمَوْلَى)، ولكن فَصَل بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه بأثر عائشة ﵂. والبغِيُّ بفتح الباء الموحدة وكسر الغين المعجمة والتشديد، وهي: الزانية، ونقل ابن التِّين أنه رواه بفتح الباء وسكون الغين والتخفيف، والأولُ أولى، وغفل القرطبيُّ في مختصر البخاري فجعله من بقية الأثر المذكور. وإلى صحة إمامة ولد الزنا ذهب الجمهور، وكان مالك يكره أن يُتَّخذ إماماً زانياً (٢)، وعلته عنده أنه يصير مُعرَّضاً لكلام الناس فيأَثمون بسببه، وقيل لأنه ليس له في الغالب من يُفَقِّهُه (٣) فيغلِب عليه الجهل، وأجاز النخَعي إمامتَه وقال: رُبَّ عبدٍ خيرٌ من مولاه، والشعبي وعطاء والحسن. وقالت عائشة: ليس عليه من وزر أبويه شيءٌ. ذكره ابن أبي شيبة،

стр. 501

وإليه ذهب الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن عبد الحكم، وكرهها عمر بن عبد العزيز ومجاهد ومالك إذا كان زانياً. وقال صاحب «التوضيح» أي ابنُ الملقِّن: ولا يُكره إمامتُه عندنا خلافاً للشيخ أبي حامد والعَبدَوي، وقال الشافعي: وأكره أن يُنصَّب من لا يُعرف أبوهُ إماماً، وتابعَه (١) البَندَنيجي، وغيرُه صرَّح بعدمها، وقال ابن حزم: الأعمى والخَصِيُّ والعبدُ وولد الزنا وأضدادُهم والقُرَشِيُّ سواء، لا تفاضل بينهم إلا بالقراءة. قال العيني: وقال الحنفية: تكره إمامة العبد وولدِ الزنا لأنه يُستخَفُّ به، فإن تقدَّمَا جازت الصلاة. قوله: (وَالأَعْرَابِيِّ) بالجر عطفٌ على ولد البَغِيِّ، وهو بفتح الهمزة، نُسِبَ إلى الجمع لأنه صار عَلَماً لهم، فهو في حكم المفرَد، والأعراب سكان البادية من العرب. وقال صاحب «المنتهى» : خاصةً والجمع أعاريب، وليس الأعراب جمعاً للعرب، كما أن الأنباط جمعٌ للنبط، وذكر بعضُهم أن الأعراب جمع عربٍ مثلَ: غَنَمٍ وأغنامٍ، وإنما سُموا أعراباً لأنهم عَرَب تجمعت من ههنا وههنا. قال شيخنا: وإلى صحة إمامته ذهب الجمهور أيضاً، وخالف في ذلك مالكٌ، وعلته عندَه غلبةُ الجهل على سكان البوادي، وقيل لأنهم يُديمون نقصَ السنن وترك حضورِ الجماعة غالباً. انتهى. وقال العيني: وأجاز أبو حنيفة إمامته مع الكراهة لغَلَبةِ الجهل عليه، وبه قال الثوري وإسحاق وغيرُهما، وصلى ابن مسعود خلف أعرابي. ولم ير بها بأساً إبراهيمُ والحسن وسالم. وفي الدارقطني من حديث مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً: ((لا يتقدم الصفَّ الأولَ أعرابيٌّ ولا عَجَميٌّ ولا غلامٌ لم يحتلم)). قوله: (وَلَا غُلَامٍ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ) بالجر أيضاً عطفٌ على ما قبله، وظاهره مطلَقٌ يتناول المراهِقَ وغيرَه، ولكن يخرج منه مَن كان دون سن التمييز بدليل آخر. ولعل المصنفَ راعَى اللفظ الوارد في النهي عن ذلك وهو فيما رواه عبد الرزاق من حديث بن عباس مرفوعاً: ((لا يؤُمُّ الغلامُ حتى يَحتلم)). قال شيخنا: وإسناده ضعيف، وقد أخرج (٢) المصنفُ في غزوة الفتح حديث عمرو بن سلِمة - بكسر اللام -: أنه كان يؤم قومه وهو ابنُ سبع سنين. وقيل: إنما لم يَستدلَّ به هنا لأنَّ أحمد بن حنبل توقف فيه، فقيل: لأنه ليس فيه اطلاعُ النبي ﷺ على ذلك، وقيل: لاحتمال أن يكون أراد أنه كان يؤمُّهم في النافلة دون الفريضة. وأجيب عن الأول: بأنَّ زمان نزول الوحي لا يقع فيه لأحدٍ من الصحابة التقريرُ على ما لا يجوز فعله، ولهذا استدل أبو سعيدٍ وجابر على جواز العزل: بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل. كما سيأتي في موضعه. وأيضاً: فالوفد الذين قَدَّموا عمرو بن سلمة كانوا جماعةً من الصحابة، وقد نقل ابن حزم أنه لا يُعلم لهم في ذلك مخالفٌ منهم. وعن الثاني: بأن سِياق رواية المصنف تدل على أنه كان يؤمُّهم في الفرائض لقوله فيه (صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا، فِي حِينِ كَذَا صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا، فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ...) الحديثُ. وفي روايةٍ أبي داود قال عمرو: فما شهدت مشهداً في جِرْمَ إلا كنت إمامَهم، وهذا يعُمُّ الفرائض والنوافل، واحتج ابن حزم على عدم الصحة بأنه ﷺ أمر أن يؤمَّهم أقرؤهم، قال: فعلى هذا إنما يَؤُمُّ

стр. 502

مَن يتوجه إليه الأمر والصبي ليس بمأمور، لأن القلم رُفِع عنه فلا يؤم. كذا قال. ولا يخفَى فسادُه لأنَّا نقول: المأمورُ من يَتوجهُ إليه الأمرُ من البالغين بأنهم يُقدِّمون من اتَّصَف (١) بكونه أكثرَ قرآناً، فبطل ما احتج به. وإلى صحة إمامة الصبي ذهب أيضاً الحسنُ والشافعي وإسحاق، وكرهها مالكٌ والثوريُّ، وعن أبي حنيفة وأحمد روايتان والمشهور عنهما الإجزاء في النوافل دون الفرائض. قال العيني: وأمَّا ما نقله ابن المنذر عن أبي حنيفة وصاحبيه أنها مكروهة فلا يصح هذا النقل، وعند الشافعي في الجمعة قولان. انتهى. قوله: (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ((يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ))). قال العيني: هذا تعليلٌ لجميع ما ذَكَرَ قبْلَه مِنَ: العبدِ وَوَلد البغي والأعرابيِّ والغلام الذي لم يحتلم، يعني الحديثُ لم يفرق بين المذكورين وغيرهم. قال العيني: ولكنَّ الذي يظهرُ مِن هذا أن إمامةَ أحدِ من هؤلاء إنما تجوز إذا كان أقرأ (٢) القوم، ألا ترى أن الأشعث بن قيس قدَّم غلاماً فعابوا ذلك عليه، فقال: ما قدَّمتُه ولكن قدَّمتُ القرآنَ العظيم، وقوله ﵇: (يَؤُمُّهُمْ (٣) أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ) تعليقٌ، وهو طرف من حديث أبي مسعود، أخرجه مسلم وأصحاب السنن بلفظ: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله))، وروى أبو سعيد عنده أيضاً مرفوعاً: ((أحقُّهم بالإمامة أقرؤُهم))، وعند أبي داود من حديث ابن عباس: ((وليؤمكم قراؤكم (٤))). قال شيخنا: واستُدِل بقوله: (أَقْرَؤُهُمْ) على أن إمامة الكافر لا تصح لأنه لا قراءة له. قوله: (وَلَا يُمْنَعُ الْعَبْدُ مِنَ الْجَمَاعَةِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ) هذه الجملة معطوفة على الترجمة، وهي من كلام البخاري وليست من الحديث المعلق، ووجهُ عدمِ منعه من حضور الجماعة لأنَّ حَقَّ الله مقدَّمٌ على حق المولى في باب العبادة، وقد وَرَد وعيدٌ شديد في ترك حضور الجماعة بغير ضرورة، أشار إليها بقوله: (بِغَيْرِ عِلَّةٍ) أي بغير ضرورة. وقال شيخنا: بغير ضرورةٍ لسيدِه، فلو قَصَدَ تفويتَ الفضيلة عليه بغير ضرورة لم يكن له ذلك، وسنذكر مستنده في الكلام على قصة سالمٍ في أول حديثَي الباب. انتهى. قال العيني: قَيْدُ السيد لا طائل تحته، لأنَّ عند الضرورة الشرعية ليس عليه الحضورُ مطلقاً، كما في حقِّ الحرِّ. انتهى. ٦٩٢ - قوله: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) أي أبو إسحاق الحِزامي المدني، ترجمته في باب من سُئل علماً وهو مشتغلٌ. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) أي بكسر العين المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف، مرَّ في باب التبرز في البيوت. قوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) أي بتصغير العبدِ العمريُّ، ترجمته في الباب أيضاً. قوله: (عَنْ نَافِعٍ) أي مولى ابن عمر، ترجمته في باب العلم والفتيا في المسجد. قوله: (عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ) أي عبد الله، ترجمته في كتاب الإيمان. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن رواته كلُّهم مدنيون. قوله: (لَمَّا قَدِمَ المهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصْبَةَ - مَوْضِعاً بِقُبَاءٍ - قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبَيِّ ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا) مطابقته للترجمة من حيث أن فيه دلالة على جواز إمامة المولى. هذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة أيضاً عن القَعْنَبي عن

стр. 503

أنس بن عياض، ورواه البيهقي وزاد: وفيهم أبو بكر وعُمَر وأبو سلمة وزيدُ بن حارثة وعامر بن ربيعة، وقال الداودي: وإمامتُه لأبي بكر يُحتمل أن يكون بعد قدومه مع النبي ﷺ . قوله: (لَمَّا قَدِمَ المهَاجِرُونَ) أي من مكة إلى المدينة، وصرح به في رواية الطبراني. قوله: (الأَوَّلُونَ) أي الذين قدِموا أولاً قبل قدوم النبي ﷺ المدينةَ. قوله: (العُصْبَةَ) بالنصب على الظرفية لقوله: (قَدِمَ)، كذا في جميع الروايات وفي رواية أبي داود: نزلوا العُصْبَة. أي المكان المسمى بذلك، وهو بإسكان الصاد المهملة بعدها موحَّدة، قال الزمخشري في كتاب «أسماء البلدان» : العُصْبَة موضع بقباء، قال الشاعر: بنيتُه بعُصْبَةٍ مِن مَاليَا... أخشى رُكَيْبَاً أَو رُجَيْلاً عَادِيا واختُلِف في أوله ففي «التوضيح» ضبطه شيخنا علاء الدين في شرحه: بفتح العين وسكون الصاد المهملة بعدها باء موحدةً، وضبطه الحافظ شرف الدين الدِّمياطِيُّ: بضم العين، وكذا ضبطه الشيخ قطب الدين الحلبي في «شرحه»، وقال أبو عبيد البكري: موضعٌ بقباء. روى البخاري عن ابن عمر: (لَمَّا قَدِمَ المهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ المعَصَّبَ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا) كذا ثبت في متن الكتاب، وكتب عبد الله بن إبراهيم الأصيلي عليه: العصبة مُهمَلاً غيرُ مضبوط. وقال شيخنا: قال: أبو عبيد البكريُّ لم يضبطه الأصيلي في روايته، والمعروف الْمُعَصَّبُ بالتشديد بوزن مُحَمَّد وهو موضع بقُباء. انتهى. قوله: (بِقُبَاءٍ) في محل النصب على الوصفية، أي موضعاً كائناً بقُباءٍ، وقُباءٌ يمدُّ ويقصَرُ، ويُصرَف ويُمنَع، ويُذَكَّر ويؤنَّث. قوله: (كَانَ (١) يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) قال شيخنا: وكأن إمامته بهم كان قبل أن يُعتَق، وكان سالمٌ مولى امرأة من الأنصار فأعتقته، وإنما قيل له: مولى أبي حذيفة لأنه لازَمَ أبا حذيفة بنِ عتبة بن ربيعة بعد أن عَتَقَ فتبناه، فلما نُهوا عن ذلك قيل (٢) له مولاهُ كما سيأتي في موضعِه، واستُشهِد سالمٌ باليمامة في خلافة أبي بكر ﵁. وقال العيني: ويقال: قُتِل شهيداً هو وأبو حذيفة فَوُجد رأس سالمٍ عند رِجْل أبي حذيفة ورأسُ أبي حذيفة عند رِجْل (٣) سالم. وقال الذهبي: سالمٌ مولى أبي حذيفة من كبار البدريين، مشهورٌ كبيرُ القَدْر، يقال له: سالمُ بن مَعقِل، وكان من أهل فارس من اِصْطَخْر، وقيل: إنه من العجم من سبي كِرمان، وكان يُعَدُّ من العجَم لأصله، ويُعَدُّ من (٤) المهاجرين لهجرته، ويُعَدُّ من الأنصار لأن معتقته أنصارية، ويُعَدُّ من القراء لأنه كان أقرأهم أي: أكثرهم قرآناً. وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف العبشمي أحدُ السابقين. قوله: (وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا) إشارةٌ إلى سبب تقديمِهم له مع كونهم أشرف منه، وفي رواية الطبراني: لأنه كان أكثرهم قرآنا. ٦٩٣ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أي بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة، ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولُهُم بالموعظة في كتاب العلم. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي ابن سعيد القطان، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب. قوله:

стр. 504

(قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ) أي بفتح التاء المثناة من فوقٍ وتشديدِ الياءِ آخر الحروف وبعد الألف حاء مهملة، واسمُه يزيد بن حميد الضبعي، مَرَّ في باب رفع العلم. قاله العيني. قلتُ: لكن ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة قبل الباب المحال عليه. انتهى. قوله: (عَنْ أَنَسِ) أي ابْنِ مَالِكٍ، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في أربع مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في أربع مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وواسطيٍّ وهو شعبة (١). قوله: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ))). مطابقته للترجمة من حيث إنه ﵇ أَمَر بالسمع والطاعة للعبد إذا استُعمل ولو كان حبشياً، فإذا أَمَر بطاعته فقد أمر بالصلاة خلفه، أو إن المستعمِل هو فوض إليه العمل، يعني: جُعِل أميراً ووالياً، والسُّنة أن يتقدم في الصلاة الوالي. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن محمد بن أَبَان عن غُندَر، وفي الأحكام عن مُسَدَّد عن يحيى. وأخرجه ابن ماجه في الجهاد عن بُندار وأبي بكر بن خلف، كلاهما عن يحيى به. قوله: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) أي فيما فيه طاعة لله . قوله: (وَإِنِ اسْتُعْمِلَ) أي جُعِل عاملاً، وللمصنف في الأحكام عن مسدد عن يحيى: (وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ)، وهو أصرح في مقصود الترجمة، وذَكَره بعد باب من طريق غُندَر عن شعبة بلفظ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ: اسْمَعْ وَأَطِعْ...) الحديثُ. وقد أخرجه مسلم من طريق غُندَر أيضاً لكن بإسنادٍ له آخر عن شعبة عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: إن خليلي ﷺ أوصاني أن: ((اِسْمَعْ وَأَطِعْ وإن كان عبداً حبشيَّاً مُجَدَّعَ الأطراف))، وأخرجه الحاكم والبيهقي من هذا الوجه، وفيه قصةُ: أن أبا ذرٍّ انتهى إلى الرَّبَذَة وقد أقيمت الصلاة فإذا عبدٌ يؤمهم، قال: فقيل هذا أبو ذر، فذهب يتأخرُ، فقال أبو ذر: أوصاني خليلي ﷺ ... فذَكَر الحديثَ، وأخرج مسلم أيضاً من طريق غُندَر أيضاً عن شعبة عن يحيى بن الحصين سمعت جدتي تحدث أنها سمعت النبي ﷺ يخطب في حِجَّة الوداع يقول: ((ولو استُعمل عليكم عبدٌ يقودُكم بكتاب الله)). وفي هذه الرواية فائدتان: تعيين جهة الطاعة، وتاريخُ الحديث، وأنه كان في أواخر عهد النبي ﷺ . قوله: (كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ) قيل: شَبَّهَهُ بذلك لصِغَر رأسِه وذلك معروفٌ في الحبشة، وقيل: لسواده، وقيل: لقصر شعرِ رأسه وتفلُّقِه (٢)، وقيل: يريد قصر (٣) شعرها واجتماعَ بعضه وتفرقَه حتى يصير كالزبيب. وقال الكِرماني: كأن رأسه زبيبةٌ أي حبةٌ من العنب سوداء، وهذا تمثيلٌ في الحقارة وسَماجة الصورةِ وعَدَم الاعتداد بها. فيه: الدَّلالة على صحة إمامة العبد، وقال ابن الجوزي: هذا في الأمراء والعمال لا الأئمة والخلفاء، فإنَّ الخلافة في قريش لا مدخل فيها لغيرهم، وقال الكِرماني: فإن قلتَ: العبدُ يكون والياً وشرطُ الولاية الحرية؟ قلتُ: بأن يوليَه بعض الأئمة أو يتغلبَ

стр. 505

على البلاد بالشَّوْكة. واستدل به بعضُهم على جواز الإمامة في غير قريش وهو متعَقَّبٌ إذْ لا تلازم بين الإجزاء والجواز. وفيه: النهي عن القيام على السلاطين وإن جاروا، لأن فيه تهييج فتنةٍ تَذهب فيها الأنفس والأموال والحُرَم، وقد مثَّلَه بعضُهم بالذي يبني قصراً ويهدم مِصراً (١). وفيه: دلالة على وجوب طاعة الخارجي، لأنه قال: (حَبَشِيٌّ) والخلافة في قريش، دل على أن الحبشي إنما يكون متغلِّباً، والفقهاء على أنه يُطاع ما أقام الُجمَع والجماعات والعيدَ والجهاد. قال شيخنا: وسيأتي بسط ذلك في كتاب الأحكام. انتهى. (٥٥) (بَابُ إِذَا لَمْ يُتِمَّ الإِمَامُ وَأَتَمَّ مَنْ خَلْفَهُ) أي هذا بابٌ ترجمته: إذا لم يتم الإمام بأن قصر في الصلاة وأتم من خلفه أي المقتدي، وجوابُ (إِذَا) محذوفٌ تقديره: لا يضر من خلفَه. ولكن هذا لا يمشي إلا عند من يقول أنَّ صلاة الإمام إذا فسَدت لا تفسُد صلاة المقتدي، وإذا قدَّرنا الجواب: يَضُرُّ، لا يمشي إلا عند من يقول أنَّ صلاة الإمام إذا فسَدت تفسُد صلاة المقتدي، وهذا مذهب الحنفية، لأن صلاة الإمام متضمنةٌ صلاةَ المقتدي صحةً وفساداً، والأول مذهب الشافعية لأن الاقتداء عندهم بالإمام في مجرد المتابعة فقط، وترك البخاري الجواب ليشمل المذهبين إلا أن حديث الباب يدل على أن جوابه: لا يَضُرُّ. ٦٩٤ - قوله: (حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) أي ابن إبراهيم الأعرج البغدادي، من صغار شيوخ البخاري، مات قبل البخاري بسنة، ومات البخاري ليلةَ عيدِ الفطر سنة ستٍّ وخمسين ومائتين، ومات الفضل بن سهلٍ ببغداد يوم الإثنين سنة خمسٍ وخمسينَ ومئتين. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى الأَشْيَبُ) أي بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره باءٌ موحدةٌ. أبو عليٍّ الكوفيُّ، سكن بغداد وأصلُه من خراسان، وَلِي قضاء حمص والموصل ثم قضاء طبرستان، ومات بالرِّي سنة تسع ومائتين. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) أي مولى عبد الله بن عمر المدني، ترجمته في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. قوله: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) أي أبو أسامة مولى عمر بن الخطاب، ترجمته في باب كفران العشير في كتاب الإيمان. قوله: (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) أي بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين المهملة، أبو محمد مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ ، ترجمته في الباب أيضاً. قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي عبد الرحمن بن صخر، ترجمته في باب أمور الإيمان. في هذا الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: العنعنة في ثلاث مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ. وفيه: أن عبد الرحمن بن عبد الله من أفراد البخاري. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ))). مطابقته للترجمة من حيث إن الإمام إذا لم يُتِمَّ الصلاة وأتمها المقتدي فليس عليه شيء، وهو معنى قوله: (فَإِنْ أَصَابُوا) يعني فإن أتموا، وبه صرح ابن حِبَّان في روايته من وجه آخر عن أبي هريرة، ولفظُه: ((يكون أقوامٌ

стр. 506

يصلون الصلاة فإن أتموا فلكم ولهم))، والأحاديث يفسر بعضُها بعضاً. هذا الحديث انفرد به البخاري. وأخرجه ابن حبان عن أبي هريرة كما ذكرناه. وأخرجه الدارقطني عن أبي هريرة: ((سيليكم بعدي ولاةٌ فاسمعوا وأطيعوا فيما وافق الحق، وصلُّوا وراءهم فإن أحسنوا فلهم، وإن أساؤا فعليهم)). وفي «سنن أبي داود» بإسنادٍ حسنٍ من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((يكون عليكم أمراءُ من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلةَ)). ورواه أبو ذر وثوبان مرفوعاً أيضاً، وروى الحاكم مصححاً عن سهل بن سعد: ((الإمام ضامنٌ فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء فعليه لا عليهم)). وأخرجه على شرط مسلم. وأخرج أيضاً على شرط البخاري عن عقبة بن عامر: ((من أم الناس))، وفي نسخة: ((فأصاب فالصلاة له ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئا فعليه ولا عليهم)). وأعلَّه الطحاوي بانقطاع ما بين عبد الرحمن بن حرملة وأبي علي الهمداني الراوي عن عقبة، وفي مسند عبد الله بن وهب: عن أبي شريح العدوي: ((الإمام جُنَّة فإن أتم فلكم وله، وإن نقص فعليه النقصان ولكم (١) التمام)). قوله: (يُصَلُّونَ) أي الأئمة. قوله: (لَكُمْ) أي لأجلكم، فاللام فيه للتعليل. قوله: (فَإِنْ أَصَابُوا) يعني فإن أتموا، يدل عليه حديث عقبة بن عامر المذكورُ آنفاً. وقال ابن بطال: (إِنْ أَصَابُوا) يعني الوقتَ، فإنَّ بني أمية كانوا يؤخرون الصلاةَ تأخيراً شديداً، يدل عليه ما رواه أبو داود بسندٍ جيدٍ عن قَبيصة بن وقاص، قال رسول الله ﷺ : ((يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلةَ))، وما رواه النسائي وابن ماجه عن ابن مسعودٍ قال ﷺ : ((ستدركون أقواماً يصلون الصلاة بغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون، ثم صلوا معهم واجعلوها سُبحَةً)). وقال الكِرماني: فإن أصابوا في الأركان والشروط والسنن فلكم. قوله: (فَلَكُمْ) أي: ثوابُ صلاتكم. قال العيني: (وَعَلَيْهِمْ) أي عقابُها، لأنَّ على تستعملُ في الشر، واللامُ في الخير. قال شيخنا: زاد أحمد عن الحسن بن موسى بهذا السند: ((ولهم)) أي ثوابُ صلاتهم، وهو يغني عن تكلف توجيه حذفِها، وتمسك ابنُ بطال بظاهر الرواية المحذوفة وغفل عن الزيادة التي في رواية أحمد فإنها تدل على أن المراد صلاتُهم معهم لا عند الانفراد، وفي رواية لأحمد في هذا الحديث: ((فإن صلَّوا الصلاة لوقتها وأتموا الركوع والسجود فهي لكم ولهم)). وهذا يبين أن المراد ما هو أعمُّ من ترك إصابة الوقت. وقال أبو عبد الملك قوله: (فَلَكُمْ) يريد ثواب الطاعةِ والسمعِ، (وَعَلَيْهِمْ) إثمُ ما صنعُوا واخطؤوا، وقيل: إن صليتم أفذاذاً في الوقت فصلاتُكم تامَّةٌ إن أخطؤوا في صلاتهم وائتممتُم أنتم بهم. ورُوي عن ابن عمر أنَّ الحَجَّاج لما أخَّر الصلاة بعرفة صلى ابنُ عمر في رَحله ووَقَفَ، فأمر به الحجاجُ فحُبِسَ، وكان الحَجاج يؤخر الصلاة يوم الجمعة، وكان أبو وائل يأمرنا أن نصليَ في بيوتنا ثم يأتي الحَجَّاجَ فيصلي معه، وفَعله مسروقٌ مع زياد، وكان عطاء وسعيد بن جبير في زمن الوليد إذا أخَّر الصلاة صليَا في محالِّهما ثم صليا معه، وفعله مكحول مع الوليد أيضاً. قال العيني: وهو مذهب

стр. 507

مالك. وفي «التلويح» : وكان جماعة من السلف يصلون في بيوتهم في الوقت ثم يَقْتدون معهم، وهو مذهب مالك، وعن بعض السلف: لا يُعيدون. وقال النخَعي: كان عبد الله يصلي معهم إذا أخَّروا عن الوقت قليلاً، وقيل لجعفر بن محمد: كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت؟ فقال: لا والله ما كان يزيد على صلاة الأئمة. قال ابن المنذر: هذا الحديثُ يَرُدُّ على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسَدت فسَدت صلاةُ من خلفه. انتهى. قوله (وَإِنْ أَخْطَئُوا) أي ارتكبوا الخطيئة، قال الكِرماني: الخطأ عقابُه مرفوع عن المكلفين، فكيف يكون عليهم؟ وأجاب: بأن الإِخطاء ههنا في مقابلة الإصابة لا في مقابلة العَمد، وهذا الذي في مقابلة العمد هو المرفوعُ لا ذاك، وسَأل أيضاً: ما معنى كونِ غير الصواب لهم إذْ لا خير فيه حتى يكون لهم؟ فأجاب بقوله: معناه صلاتُكُم لكُم وكذا ثوابُ الجماعة لكُم. انتهى. فيه: ما قاله المهلب: جوازُ الصلاة خلف البَرِّ والفاجر إذا خيف منه، يعني: إذا كان صاحب شوكة. وقال البغوي في «شرح السنة» : فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم محدِثاً أنه تصح صلاة المأمومين وعليه الإعادة. قال العيني: هذا على مذهب الشافعي كما ذكرنا أن المؤتم عندَه تَبَعٌ للإمام في مجرد الموافقة لا في الصحة والفساد، وبه قال مالك وأحمد، وعندنا تَبَعٌ له مطلقاً، يعني في الصحة والفساد، وثمرة الخلاف تظهر في مسائل، منها: أن الإمام إذا ظهر محدثاً أو جُنُباً لا يعيد المؤتمُّ صلاته عندهم. ومنها: أنه يجوز اقتداءُ القائِمِ بالمومِئِ. ومنها: قراءة الإمام لا تنوب عن قراءة المقتدي. ومنها: أنه يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل وبمن صلى فرضاً آخر. ومنها: أن المقتدي يقول: سمع الله لمن حمده. وعندنا الحكم بالعكس في كلِّها، ودليلُنا: ما رواه الحاكم مصححاً عن سهل بن سعد: ((الإمام ضامن))، يعني صلاتُهم في ضمن صلاتِه صحةً وفساداً. قال شيخنا: واستدل به غيرُ المهلب على أعمَّ من ذلك وهو: صحة الائتمام بمن يُخِل بشيء من الصلاة ركناً كان أو غيره إذا أتم المأموم، وهو وجهٌ عند الشافعية بشرط أن يكون الإمامُ هو الخليفة أو نائبه، والأصح عندهم صحة الاقتداء إلا بمن عُلِم أنه ترك واجباً، ومنهم من استدل به على الجواز مطلقاً بناءً على أن المراد بالخطأ ما يقابل العمد. قال: ومحل الخلاف في الأمور الاجتهادية، كمن يصلي خلف من لا يرى قراءة البسملة ولا أنها من أركان (١) القراءة لأنها آية من الفاتحة بل يرى أن التَّالِي يجزئ بدونها. قال: فإن صلاة المأموم (٢) تَصِحُّ إذا قرأ هو البسملة لأن غاية حكمِ الإمام من هذه المسألة أن يكون أخطأ، وقد دل الحديث على أن خطأ الإمام لا يؤثر (٣) في صحة صلاة المأموم إذا أصاب. انتهى. (٥٦) (بَابُ إِمَامَةِ المَفْتُونِ وَالمُبْتَدِعِ) أي هذا بابٌ في بيان حُكم إمامة المفتون، وهو من فُتِن الرجل فهو مفتون إذا ذهب مالُه وعقلُه، والفاتن: المضِلُّ عن الحق، فالمفتونُ المضَلُّ بفتح الضاد، هكذا فسره الكِرماني. وقال شيخنا: أي الذي دخل في الفتنة فخرج على الإمام، ومنهم من فسره بما هو أعمُّ من ذلك. قال العيني: هذا التفسير لا ينطبق إلا على الفاتن، لأن الذي يدخل في الفتنة ويخرج على الإمام هو الفاعل. وكان ينبغي للبخاريِّ أن يقول: باب إمامة الفاتن. انتهى. قلت: هو باعتبار

стр. 508

إسناد الفعل إليه فاتنٌ وباعتبار إسناد الفعل إلى الفاعل الحقيقيِّ مفتونٌ وبالاعتبار الثاني ركَّبَ المصنف. انتهى. قوله: (وَالمُبْتَدِعِ) وهو الذي يرتكب البدعة، والبدعةُ لغةً: كل شيء عُمل على غير مثالٍ سابقٍ، وشرعاً: إحداث ما لم يكن له أصلٌ في عهد رسول الله ﷺ . وهي على قسمين: بدعةٌ ضلالةٌ وهي: التي ذكرنا، وبدعةٌ حسنةٌ وهي: ما رآه المؤمنون حسناً ولا يكون مخالفاً للكتاب أو السنة أو الأثر أو الإجماع. قال شيخنا: المبتدع من اعتقد شيئاً مما يخالف أهل السنة والجماعة، والمرادُ هنا: البدعة الضلالة. قوله: (وَقَالَ الحَسَنُ) أي البصري، ترجمته في باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا في كتاب الإيمان. قوله: (صَلِّ وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ) أي إثم بدعته، هذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن هشام بن حسان: أن الحسن سُئل عن الصلاة خلف صاحب بدعةٍ فقال: صل خلفَه وعليه بدعتُه. ٦٩٥ - قوله: (وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أي الفِريابي، ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة في الأيام كي لا ينفروا. قوله: (قَاْلَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) أي عبد الرحمن بن عمرو، ترجمته في باب الخروج في طلب العلم. قوله: (قَاْلَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) أي محمد بن مسلم بن شهاب، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة. قوله: (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف، مرَّ في أوائل كتاب الإيمان، قلت: في باب تطوع صيام رمضان من الإيمان. قوله: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ) أي بتصغير العبد وفتح العين وكسر الدال المهملتين وتشديد الياء آخر الحروف من عَدِي، وكسر الخاء المعجمة وخفة الياء آخر الحروف وبالراء من الخِيَار، من بني نوفل بن عبد مناف المدني التابعي، أدرك زمن النبي ﷺ ولم تثبُت رؤيته، وكان من فقهاء قريش وثقاتهم، مات زمن الوليد بن عبد الملك. قال شيخنا: عبيد الله المذكور تابعيٌّ كبيرٌ معدودٌ في الصحابة لكونه وُلد في عهد النبي ﷺ ، وكان عثمان من أقارب أمه كما سيأتي في موضعه في هذا الإسناد أولاً. قوله: (وَقَالَ (١) لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) قال صاحب «التلويح» : كأنه أخذ هذا الحديث عنه مذاكرةً فلهذا لم يقل فيه: حدثنا. وقيل: إنه مما تحمله بالإجازة أو المناولة أو العرض. وقيل: هو متصلٌ من حيث اللفظ منقطعٌ من حيث المعنى. قال شيخنا: والذي ظهر لي بالاستقراء خلافُ ذلك وهو: أنه متصلٌ لأنه لا يعبِّر بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن موقوفاً أو كان فيه راوٍ ليس على شرطه والذي هنا من قَبيل الأول. وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: رواية ثلاثة من التابعين بعضُهم عن بعضٍ وهم: الزُّهري عن حميد عن عبيد الله. وفيه: الزهري عن حميد وفي رواية الإسماعيلي: أخبرني حميد. وفيه: حدثنا الأوزاعي وفي رواية ابن المبارك عن الأوزاعي. وفيه: عن حميد عن عبيد الله وفي رواية أبي نعيم والإسماعيلي حدثني عبيد الله بن عدي. قوله: (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ، وَنَتَحَرَّجُ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ) مطابقته

стр. 509

للترجمة في قوله (وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ...) إلى آخره. هذا الأثر وصله الإسماعيلي، قال: حدثنا عبد الله بن يحيى السرخسي حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن يوسف حدثنا الأوزاعي حدثنا الزهري فذكره، وقال أيضاً: أخبرنا إبراهيم بن هانئ حدثنا الزيادي حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة حدثنا يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عبيد الله بن عدي به، ومن طريق هِقْلِ بن زياد سمعت الأوزاعي عن الزهري حدثني حميد، ومن طريق عيسى عن الأوزاعي عن الزهري عن حميد حدثني عبيد الله بن عدي، ورواه أبو نعيم الأصبهاني من طريق الحسن بن سفيان عن حبان عن عبد الله بن المبارك أخبرنا الأوزاعي فذكره. قال شيخنا: وأخرجه الإسماعيلي من طرق عن الأوزاعي وخالفه يونس بن يزيد فقال عن الزهري عن عروة أخرجه الإسماعيلي أيضاً، وكذلك رواه معمر عن الزهري أخرجه عمر بن شَبَّة في كتاب «مقتل عثمان» عن غندر عنه ويحتمل أن يكون للزهري فيه شيخان. انتهى. قوله: (وَهُوَ مَحْصُورٌ) جملةٌ اسمية وقعت حالاً على الأصل بالواو، أي محبوسٌ في الدار ممنوع عن الأمور. قوله: (إِمَامُ عَامَّةٍ) بالإضافة، أي إمامُ جماعةٍ، وفي رواية يونس: وأنت الإمام، أي الإمام الأعظم. قوله: (وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى) بنون المتكلم ويروى: (مَا تَرَى)، بتاء المخاطب، أي من الحصار وخروج الخوارج عليك. قوله: (وَيُصَلِّي لَنَا) أي يؤمُّنا. قوله: (إِمَامُ فِتْنَةٍ) أي رئيسُ فتنة، واختُلِف في المشار إليه بذلك فقيل: هو عبد الرحمن بن عُدَيْس البَلَوِي أحد رؤوس المصريين الذين حصروا عثمان، وهو الذي جلب على عثمان أهل مصر. قاله ابن وضاح فيما نقله عنه ابن عبد البر وغيرُه، وقاله ابن الجوزي وزاد: أن كِنانة بن بِشر أحد رؤوسهم صلى بالناس أيضاً. قال شيخنا: وهو المراد هنا، فإن سيف بن عمر روى حديث الباب في كتاب «الفتوح» من طريق أخرى عن الزهري بسنده فقال فيه: دخلتُ على عثمان وهو محصور وكِنانة يصلي بالناس، فقلت: كيف ترى... الحديث. انتهى. وكان هؤلاء لما هجَموا على المدينة كان عثمانُ يخرج فيصلي بالناس شهراً، ثم خرج يوماً فحصبوه حتى وقع على المنبر ولم يستطع الصلاة يومئذ فصلى بهم أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري لكن بإذن عثمان، رواه عمر بن شَبَّة بسند صحيح، ورواه المدائني من طريق أبي هريرة: فمنعوه فصلى بهم عبد الرحمن بن عُدَيس تارة وابن بشر تارة فبقيَا على ذلك عشرة أيام. قال شيخنا: وكذلك صلى بهم علي بن أبي طالب فيما رواه إسماعيل الخطبي في «تاريخ بغداد» من رواية ثعلبة بن يزيد الحماني قال: فلمَّا كان يومُ عيد الأضحى جاء عليٌّ فصلى بالناس. وقال ابنُ المبارك فيما رواه الحسن الحلواني: لم يصلِّ بهم غيرَها، وفعل ذلك عليٌّ لئلا تُضاع السنة، وقال غيره: صلى بهم عدة صلوات، وصلى بهم أيضاً سهل بن حنيف. رواه عمر بن شَبَّة بإسناد قوي. وقيل: صلى بهم أيضاً أبو أيوب الأنصاري وطلحة بن عبيد الله. فإن قلتَ: فكيف يقال في حق هؤلاء: (إِمَامُ فِتْنَةٍ)؟ أجيب: ليس واحدٌ من هؤلاء مراداً بقوله: (إِمَامُ فِتْنَةٍ)، دل على ذلك تفسير الداودي، فإنه قال: معنى قوله: (إِمَامُ فِتْنَةٍ) أي إمامٌ وقتَ فتنة، وعلى هذا لا اختصاص له بالخارجي، قال: ويدل على صحة ذلك أن عثمان لم يَذكُر الذي أَمَّهُم بمكروه، بل ذكر أن فِعْلَه أحسنُ الأعمال. انتهى. قال شيخنا: وهذا مغاير لمراد المصنف في ترجمته، ولو كان كما قال لم يكن قوله: (وَنَتَحَرَّجُ) مناسباً.

стр. 510

انتهى. قلت: قد تقدم آنفاً أن عَدِي بن الخِيَار سأل عثمان حال صلاة كنانة بن بشر بالناس، فهذا يحُمل أن سؤاله خاصٌ بالخارجي، ويحتمل أن يكون سؤاله عاماً ليعلمَ الحالَ في ذلك. انتهى. قال العيني: أو نقول: إنهم استأذنوه في الصلاة فأذِن لهم لعلمه أن المصريين لا يَصِلون إليهم بِشَرٍّ. قوله: (وَنَتَحَرَّجُ) بالحاء المهملة وبالجيم، من التَّحَرُّج، أي نخاف الوقوع في الإثم، وأصل الحرجِ الضيقُ ثم استُعمِل للإثم لأنه يُضيِّق على صاحبه، وفي رواية ابن المبارك: وإنَّا لنتحرج من الصلاة معهم. وهذا القول ينصرف إلى صلاة من صلى من رؤساء الخوارج في وقت الفتنة، ولا يدخل فيه مَن ذكرناهم من الصحابة. قوله: (فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ) أي فقال عثمان: (الصَّلَاةُ أَحْسَنُ). فقوله: (الصَّلَاةُ) مبتدأ. وقوله: (أَحْسَنُ) مضافٌ إلى ما بعدَه خبرُهُ. وفي رواية ابن المبارك: إن الصلاة أحسن. وفي رواية هِقْل بن زياد عن الأوزاعي عند الإسماعيلي: الصلاةُ مِن أحسن ما يعمل الناس. فإن قلتَ: هذا يدل على أن عثمان لم يَذكر الذي أَمَّهُم من رؤساء الخوارج بمكروهٍ وتفسيرُ الداودي على هذا لا اختصاص له بالخوارج كما ذكرنا هذا عن قريب. قال العيني: لا يلزم من كون الصلاة أحسنُ ما يعملُ الناسُ أو مِن أحسنِ ما يعمل الناس أنْ لا يستحقَّ فاعلُها ذَمَّاً عند وجود ما يقتضيه. قوله: (فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ) ظاهرُه أن عثمان رخَّص له في الصلاة معهم كأنه يقول: لا يضرك كونه مفتوناً بل إذا أحسن فوافقه على إحسانه واترك ما افتُتِن به، وبهذا توجد المطابقة بينه وبين الترجمة. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون رأى أن الصلاة خلفه لا تصحُّ فحاد عن الجوابِ بقوله: (الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ) لأن التي هي أحسن هي الصلاة الصحيحةُ وصلاة الخارجي غير صحيحة، لأنه إما كافرٌ أو فاسق. انتهى. قال شيخنا: وهذا قاله نُصرَةً لمذهبه في عدم صحة الصلاة خلف الفاسق، وفيه نظرٌ، لأن سيف بن عمر روى في «الفتوح» عن سهل بن يوسف الأنصاري عن أبيه قال: كَرِهَ الناسُ الصلاةَ خلف الذين حصروا عثمان إلا عثمان فإنه قال: من دعا إلى الصلاة فأجيبوه. وهذا صريحٌ مِن أن المقصود بقوله: (الصَّلَاةُ أَحْسَنُ) الإشارةُ إلى الإذن بالصلاة خلفَه. وفيه تأييد لما فهمه البخاري من قوله: (إِمَامُ فِتْنَةٍ). وروى سعيد بن منصور من طريق مكحول قال: قالوا لعثمان: إنا لَنَتَحرَّج أن نصليَ خلف هؤلاء الذين حصروك، فذكر نحو رواية الزهري وهذا منقطع إلا أنه اعتضَد. قوله: (وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ) فيه تحذيرٌ من الفتنة والدخولِ فيها ومِن جميع ما يُنكَر من قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ. وفيه: أن الصلاة خلف من تُكره الصلاة خلفه أولى من تعطيل الجماعة. قال شيخنا: وفيه ردٌّ على من زعم أن الجمعة لا تجزئ أن تقام بغير إذن الإمام. قال العيني: ليس فيه ردٌّ بل دعوى الردِّ على ذلك مردودةٌ، لأن علياً صلى يوم عيد الأضحى الذي شرطها أن تصلى في مصلى الجمعة، فمن أين ثبت أنه صلى بغير إذن عثمان. ولذلك روي عنه أنه صلى عدة صلوات وفيها الجمعة. فمَن ادَّعى أنه صلى بغير استئذان فعليه البيان، ولئن سَلَّمنا أنه صلى بغير استئذان ولكن كان ذلك بسبب تخلف الإمام

стр. 511

عن الحضور، فإذا تعذر حضور الإمام فعلى المسلمين إقامةُ رجل منهم يقوم به، وهذا كما فعل المسلمون بمُؤتَةَ -أي بضم الميم وفتح المثناتين من فوق - لما قُتِل الأمراء اجتمعوا على خالد بن الوليد ﵁، أو نقول: إنَّ علياً لم يَتَوصَّل إليه؛ فعن هذا قال محمد بن الحسن: لو تَغلب على مصر متغلِبٌ فصلى أحدٌ بهم الجمعة جاز. ونُقل ذلك عن الحسن البصري. وكان علي ﵁ أولى بذلك لأن الصحابة رضُوا به وصلَّوا وراءه وسواءٌ كان بإذن أو لا بإذن. ثم قال العيني أيضاً: ولا نرى جوازها بغير إذن الإمام وكيف وقد روى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال: خَطَبنا رسول الله ﷺ ، الحديثُ، وفيه: ((فمن تركها - أي الجمعة -في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائرٌ استخفافاً بها وجحوداً لها فلا جمع الله شملَه ولا بارك له في أمرِه، أَلَا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حجَّ له ولا صومَ له ولا بِرَّ له حتى يتوب)). ومن هذا أخذ الحنفية، وقالوا: لا يجوز إقامتها إلا للسلطان وهو الإمام الأعظم أو لمن أمره كالنائب والقاضي والخطيب. قال العيني: فإن قلت: هذا الحديث ضعيفٌ وفي سنده عبد الله بن محمد وهو مُتكلَّمٌ فيه. قلتُ: هذا روي من طرق كثيرة ووجوه مختلفة، فحصل له بذلك قوةٌ فلا يُمنع من الاحتجاج به. وأما الصلاة خلف الخوارج وأهل البدع فاختلف العلماء فيه، فأجازت طائفة منهم: ابنُ عمر إذْ صلَّى خلف الحَجاج، وكذلك ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير ثم خرجا عليه. وقال النخَعيُّ: كانوا يصلون وراء الأمراء ما كانوا. وكان أبو وائل يُجَمِّعُ مع المختارِ بن عبيد. وسُئل ميمون بن مِهران عن الصلاة خلف رجلٍ يُذكَر أنه من الخوارج فقال: أنت لا تصلي له إنما تصلي لله وقد كنا نصلي خلف الحجاج حَرُورِياً أَزْرقيًّا. وروى أشهب عن مالك: لا أحب الصلاة خلف الإباضية والواصلية ولا السكنى معهم في بلدٍ. وقال ابن القاسم: أرى الإعادة في الوقت على من صلى خلف أهل البدع. وقال أصبغ: يعيد أبداً. وقال الثوري في القدريِّ: لا تُقدِّموه. وقال أحمد بن حنبل: لا يُصلَّى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعيًا إلى هواه، ومن صلى خلف الجهمي والرافضي والقدري يعيد. وقال الحنفية: تُكره الصلاة خلف صاحب هوىً وبدعةٍ، ولا تجوز خلف الرافضي والقدريِّ والجهميِّ لأنهم يعتقدون أن الله تعالى لا يعلم الشيء قبل حدوثه وهو كفر، والمشَبِّهةُ ومَن يقول بخلق القرآن. وكان أبو حنيفة لا يرى الصلاة خلف المبتدع. ومثلُه عن أبي يوسف. وأما الفاسق بجوارحه كالزاني وشارب الخمر فزعم ابن حبيبٍ أن من صلى خلف من شرب الخمر يعيد أبداً إلا أن يكون والياً. وقيل في رواية: يصح. وفي «المحيط» : لو صلى خلف فاسقٍ أو مبتدعٍ يكون مُحرِزاً ثواب الجماعةِ ولا ينال ثوابَ مَن صلى خلف الْمُتَّقِي. وفي «المبسوط» : يكره الاقتداء بصاحب البدعة. قوله: (وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ) أي بضم الزاي وفتح الباء الموحدةِ وسكون الياء آخر الحروفِ وبالدال المكسورة، وهو نسبة إلى زُبيد وهو بطن في مُذحِجٍ وفي الأزدِ وفي خَوْلان القُضاعِية. وهو صاحب الزهري، واسمه محمد بن الوليد أبو الهذيل الشَّاميُّ الحمصيُّ. قال ابن سعد: مات سنة ثمانٍ وأربعين ومئة وهو ابن سبعين سنة. قلت: قد تقدمت ترجمته في باب

стр. 512

متى يصح سماع الصبي. انتهى. قوله: (قَالَ: الزُّهْرِيُّ) أي محمد بن مسلم، ترجمته في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة. قال: (لَا نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ المُخَنَّثِ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا) أي على صيغة المجهول في قوله: (يُصَلَّى). قوله: (المُخَنَّثِ) قال شيخنا: رُويناه بكسر النون وفتحها. قال العيني: والكسر أفصح والفتح أشهر. وهو الذي خَلْقُه خلق النساء وهو نوعان: أحدهما من يكون ذلك خِلقةً له لا صُنع له فيه، وهذا لا إثم عليه ولا ذمٌّ. والثاني مَن تكلف ذلك وليس له خَلْقِيًّا وهذا هو المذموم. وقيل: بكسر النون، مَن فيه تكسُّرٌ وتثَنٍّ وتشبُّهٌ بالنساء. وبالفتح من يؤتَى في دبره. وقال أبو عبد الملك فيما حكاه ابن التين: أراد الزهريُّ الذي يؤتَى في دبره، وأما من يَتَكَسَّرُ في كلامه ومِشيتِه فلا بأس بالصلاة خلفَه. وقال الداودي: أرادهما لأنهما بِدعةٌ وجِرحةٌ، وذلك أنَّ الإمامة موضع كمالٍ واختيارِ أهل الفضل. وكما أن إمام الفتنة والمبتدع كلٌّ منهما مفتونٌ في طريقته فلمَّا شَمِلَهم معنى الفتنةِ وَهَتْ إمامتُهم إلا من ضرورة. وقال ابن بطَّال: ذكر البخاري هذه المسألة هنا لأن المخنَّث مفتَتَنٌ في طريقته. قوله: (إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا) أي يكونُ ذا شوكةٍ ومِن جهتِه فلا تُعَطَّلُ الجماعة بسببه. وقد رواه مَعمَرٌ عن الزهري بغير قيد، أخرجه عبد الرزاق عنه ولفظه: قلت: فالمخنث قال: لا ولا كرامة لا تأتَمَّ به. قال شيخنا: وهو محمول على حالة الاختيار. انتهى. ٦٩٦ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ) أي البلخيُّ مستملي وكيع، وقيل: الواسطي، وهو محتمِلٌ. لكن قال شيخنا: لم نجد للواسطي رواية عن غُندَر بخلاف البلخي، وقد تقدم عنه موضعٌ آخر في المواقيت. وهذا جميع ما أخرج عنه البخاري. قوله: (قال: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) أي بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال. وهو لقبُ محمد بن جعفر ابن امرأة شعبة، ترجمته في باب ظلمٌ دون ظلمٍ. قوله: (عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ: ((اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ))). مطابقته للترجمة كما قاله ابن المنير: أن الصفة المذكورة إنما توجد غالباً في أعجميٍّ حديثِ العهد بالإسلام لا يخلو من جهلٍ بدينه، وما يخلو مَن هذه صفته عن ارتكاب البدعة، ولو (١) لم يكن إلا افتتانُه بنفسه حتى تقدم للإمامة وليس من أهلها. وقد مر هذا الحديث في باب إمامة العبد غيرَ أن هناك: عن محمد بن بشار عن يحيى عن شعبة، وهناك الخطاب للجماعة وهنا الخطاب لأبي ذر ﵁. قوله: (وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ) أي ولو كان الطاعةُ أو الأمرُ لحبشي، سواء ٌكان ذلك مفتوناً أو مبتدعاً. (٥٧) (بَابٌ: يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ، بِحِذَائِهِ سَوَاءً إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ) أي هذا باب ترجمته يقوم... إلى آخره. والضميرُ في (يَقُومُ) يرجع إلى المأموم بقرينة ذكر الإمام. قوله: (بِحِذَائِهِ) الحِذاءُ بكسر المهملة وذال معجمةٍ بعدها مدةٌ. هو الإِزاء والجَنْب. فأخرج بذلك من كان خلفه أو ما تلا منه. قوله: (سَوَاءً) أي مساوياً. وانتصابُه على الحال. أخرج به من كان إلى جنبه لكنْ على بُعْدٍ عنه. وكذا قال الزين بن المنير. قال شيخنا:

стр. 513

والذي يظهر أن قوله: (بِحِذَائِهِ) يُخرِج هذا أيضاً. انتهى. قوله: (سَوَاءً) أي لا يتقدم ولا يتأخر. قال شيخنا أيضاً: وفي انتزاع هذا من الحديث الذي أورده بعدُ، وقد قال أصحابنا -أي الشافعية-: يُستحب أن يقف المأموم دونه قليلاً. وكأنَّ المصنف أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طُرُقه. فقد تقدم في الطهارة من رواية مخرمة عن كريب عن ابن عباس بلفظ: (فَقُمْتُ إِلَى جَنْبهِ) وظاهره المساواة. وروى عبد الرزاق عن ابن جريجٍ قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل، أين يكون منه؟ قال: إلى شِقه الأيمن. قلت أيحاذِي به حتى يصُفَّ معه لا يفوِّت أحدُهما الآخر؟ قال: نعم. قلت: أتحب أن يساويه حتى لا يكون بينهما فُرجَةٌ. قال: نعم. وفي «الموطأ» : عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: دخلتُ على عمر بن الخطاب بالهاِجرَة فوجدته يُسبِّح، فقمت وراءَه فقرَّبني حتى جعلني حِذاءَه عن يمينه. قوله: (إِذَا كَانَا) أي الإمامُ والمأموم، وقُيِّد به لأنه إذا كان مأمومان مع إمام فالحكم أن يتقدم الإمامُ عليهما. قال هكذا في جميع الروايات: (بَابٌ) بالتنوين (يَقُومُ...) إلى آخره. وأورده الزين بن المنير بلفظ: (بَابُ مَنْ يَقُومُ) بالإضافة وزيادةِ: (مَنْ)، وشرَحَه على ذلك، وتَرَدَّدَ بين كونِها موصولةً أو استفهاميةً، ثم أطال في حِكمَةِ ذلك وأنَّ سببه كونُ المسألة مختلفٌ فيها. والواقع أنَّ مَن محذوفةٌ، والسياقُ ظاهرٌ في أن المصنف جازمٌ بحكم المسألة لا متردد. قال العيني: لا نُسَلِمُ أنَّ (مَنْ) محذوفةٌ، فكيف يجوز حذف مَن، سواءً كانت استفهاميةً أو موصولةً؟ والنسخة المشهورة صحيحةٌ فلا تحتاج إلى تقدير وارتكابِ تعسف، بل الصواب ما قلنا وهو: أنَّ لفظ: (بَابٌ) مرفوع على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هذا باب. وقوله: (يَقُومُ) جملةٌ في محل الرفع على أنها خبرُ مبتدأ محذوف، والتقدير: ترجمته يقوم المأموم... إلى آخره، كما ذكرنا. انتهى. قال شيخنا: وقد نقل بعضُهم الاتفاقَ على أن المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام، إلا النخعي فقال: إذا كان الإمام ورجلٌ، قامَ الرجلُ خلف الإمام، فإن ركع الإمام قبل أن يجيء أحدٌ قامَ عن يمينه. أخرجه سعيد بن منصور ووجَّههُ بعضهم: بأن الإمام مظنةُ الاجتماع. فاعتُبِرتْ في موقف المأموم حتى يَظهر خلاف ذلك. وهو حسنٌ لكنه مخالف للنص، فهو فاسدٌ. ثم ظهر لي أن إبراهيم إنما كان يقول بذلك حيث يظنُّ ظنَّاً قوياً مجيءَ ثانٍ. وقد روى سعيد بن منصور أيضاً عنه قال: ربما قُمتُ خلف الأَسْوَد وَحْدِيَ حتى يجيء المؤذن. ٦٩٧ - قوله: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ) مطابقته للترجمة في قوله: (فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ). وهذا الحديث قد ذكره في باب السمر بالعلم، بأطول منه عن آدم عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقد تكلمنا هناك بما يتعلق به من الأمور مستوفى. قوله: (جَاءَ) أي من المسجد إلى منزله. قوله: (فَجِئْتُ) الفاء فيه فصيحة. أي قام من النوم فتوضأ فأحرم بالصلاة فجئت، ويحتمل أنْ لا تكون فصيحةً بأن يكون المراد: ثم قام إلى الصلاة، والقيام على الوجه الأول بمعنى النهوض. وعلى الثاني بمعنى المنهوض (١) والمراد من

стр. 514

الصلاة: صلاة الصبح. قاله العيني. وقال شيخنا: وذكر البيهقي أنه يستفاد من حديث الباب امتناعُ تقديمِ المأموم على الإمام خلافاً لمالك، لما في رواية مسلم: فقمت عن يساره فأدارني من خلفه حتى جعلني عن يمينه. وفيه نظر. انتهى. (٥٨) (بَابٌ: إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، فَحَوَّلَهُ الإِمَامُ إِلَى يَمِينِهِ ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُمَا) أي هذا باب ترجمته: إذا قام... إلى آخره. قوله: (الرَّجُلُ)، وفي بعض النسخ: (إِذَا قَامَ رَجُلٌ). قوله: (لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ) أي صلاة الرجل. ٦٩٨ - قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) قال شيخنا: لم أره منسوباً في شيء من الروايات. لكن جزم أبو نعيم في «المستخرج» بأنه ابن صالح وأخرجه من طريقه. انتهى. وقال العيني: وقال ابن السكن في نسخته وابن منده: هو أحمد بن صالح. وقال بعضهم: هو أحمد بن عيسى، وقيل: ابن أخي ابنِ وهْب، وقال ابن منده: لم يُخَرِّج البخاري عن أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب في «الصحيح» شيئاً، وإذا حدَّث عن أحمد بن عيسى نَسَبَه. انتهى. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) أي عبد الله ترجمته في باب من يرد الله به خيراَ يفقهه في. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو) أي ابن الحارث البصري. قال شيخنا: وكذا وقع عند أبي نعيم. انتهى، ترجمته في باب المسح على الخفين. قوله: (عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ) أي بفتح الراء وتشديد الموحدة. وهو أخو يحيى وسعد ابنا سعيد بن قيس بن عمرو بن سهيل الأنصاري، سمع مخرمةَ بن سليمان وعمْرةَ بنت عبد الرحمن عندهما، وأبا سلمة عند البخاري، والأعرجَ وعبد الله بن كعب الحِميري وأبا بكر بن عبد الرحمن عندهما. وروى عنه شعبة وابن عيينة وعمرو بن الحارث عندهما، ومالك بن أنس عند مسلم. قال عمرو بن علي: مات سنة تسع وثلاثين ومائة. قوله: (عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ) أي بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، وقد مرَّ في باب قراءة القرآن بعد الحدث. قوله: (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) أي بضم الكاف، ترجمته في باب التخفيف في الوضوء. قوله: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أي عبد الله، ترجمته في بدء الوحي. في هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: العنعنة في أربع مواضع. وفيه: القول في ثلاث مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصريين وثلاثة مدنيين. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن التابعي عن الصحابي. قوله: (قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ خَاْلَتِيْ مَيْمُونَةَ) أي بنت الحارث الهلالية، ترجمتها في باب السّمر بالعلم قوله: (وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ، يُصَلِّي وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عَمْرٌو: فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرًا، فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ) مطابقته للترجمة في قوله: (فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ). وهذا الحديث تقدم في كتاب الطهارة في قراءة القرآن بعد الحدَث، وقد ذكرنا هناك أن البخاري أخرج هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن مَخرمة في ستة مواضع، وههنا عن عبد ربه عن مَخرمة، وذكرنا هناك أيضاً من أخرجه غيره وما يتعلق به مستوفىً. قوله: (نِمْتُ) وفي رواية الكُشْمِيهَني: (بِتُّ) من البيتوتة. قوله: (فَأَخَذَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) قد تقدم أنه أداره من خلفِه، واستُدِل به على أنَّ مثل هذا لا يفسد الصلاة كما سيأتي. قوله: (قَالَ عَمْرٌو) أي ابن الحارث المذكور بالإسناد المذكور إليه. قال شيخنا:

стр. 515

ووهِم من زعم أنه من تعليق البخاري، فقد ساقه أبو نعيم مثلَ سياقه. قال العيني: أراد بقوله: وَهِم مَن زعم أنه تعليق: الكِرمانيَّ، والكِرماني لم يَهِم في ذلك، وإنما قال: يُحتمل التعليق، وبْين الوَهمِ والاحتمالِ فرقٌ كبير، لأن الوهمَ غلطٌ، ومدعي الاحتمال ليس بغالط، وسياقُ أبي نُعيم نحوُ سياق عمرو لا يستلزم نفي احتمال التعليق في سياق البخاري، مع أن الكِرماني قال أولاً: الظاهرُ أنه مِن مَقُول ابنِ وهْبٍ المذكور في إسناد الحديث. انتهى. قلت: حَكَمَ العينيُّ على أن شيخنا أراد الكِرمانيَّ وَرَدَّ على مقتضى ما حَكَمَ به، وليس في كلام شيخنا ما يدُل على أنه أراده، فانظره. انتهى. قوله: (فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرًا) أي ابنَ عبد الله بن الأشج، ترجمته في باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ. (فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ). قال شيخنا: استفاد عمرو بن الحارث بهذه الرواية (١) عنه العلوَّ بِرجل. انتهى. قلت: لأن بين عمرو وكريب عبدُ ربِّه ومَخرمة، وفي هذه صار بينَه وبين كريبٍ بُكيرٌ. انتهى. (٥٩) (بَابُ إِذَا لَمْ يَنْوِ الإِمَامُ أَنْ يَؤُمَّ، وجَاءَ قَوْمٌ فَأَمَّهُمْ) أي هذا باب ترجمته: إذا لم ينو الإمام بأَنْ يؤم، فأَنْ مصدريةٌ: أي: الإمامة، ولم يذكر جواب إذا، لأنَّ في هذه المسألة اختلافاً في أنه هل يشترط للإمام أن ينوي الإمامة أم لا؟ وحديث الباب لا يدل على النفي، ولا على الإثبات، ولا على أنه نوى في ابتداء صلاته، ولا بعد أن قام ابن عباس يصلي معه، لكن في إيقاف النبي ﷺ ابنَ عباس منه موقف المأموم ما يُشعِرُ بالثاني، وأما الأولُ فالأصلُ عدمُه. قال العيني: والمذهب عندنا - أي الحنفية - في هذه المسألة: نيةُ الإمام الإمامةَ في حق الرِّجالِ ليست بشرط، لأنه لا يلزمه باقتداء المأموم حكمٌ، وفي حق النساء شرطٌ عندنا لاحتمال فساد صلاته بمحاذاتها إياه، وقال زفر والشافعي ومالك: ليست بشرط، كما في الرجال. وقال السفاقسي: وقال الثوري، وروايةٌ عن أحمد وإسحاق: على المأموم الإعادة إذا لم ينو الإمامُ (٢) الإمامة، وعن ابن القاسم مثلُ مذهبِ أبي حنيفة، وعن أحمد: أنه يُشتَرط أن ينوي في الفريضة دون النافلة. قال شيخنا: وفيه نظر لحديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ رأى رجلا يصلي وحدَه فقال: ((ألا رجُلٌ يتصدقُ على هذا فيصلي معه)). أخرجه أبو داود وحسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. انتهى. واستدل ابنُ المنذر أيضاً بحديث أنسٍ: أن النبيَّ ﷺ صلى في رمضان، قال: فجئت فقمت إلى جنبه وجاء آخر فقام إلى جنبي حتى كُنَّا رهطاً، فلما أحسَّ النبي ﷺ بِنَا تجوَّز في صلاته. الحديثُ، وهو ظاهرٌ في أنَّه لم ينْوِ الإمامة ابتداءً وائتمُّوا به وأقرهم، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم وعلَّقَهُ البخاري كما سيأتي في الصيام. ٦٩٩ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مُسرهَد، ترجمته في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن سهم بن مقسم الأسدي البصري، وأمه عُلَيَّةُ مولاةٌ لبني أسد، ترجمته في باب حب الرسول من الإيمان. قوله: (عَنْ أَيُّوبَ) أي السَّختِياني، ترجمته في باب حلاوة الإيمان. قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أي مولَى بني وَالِبَةَ وأخو عبد الملك بن سعيد، سمع أباه، روى عنه أيوب. قوله: (عَنْ أَبِيهِ) أي سعيد بن جبير أي ابن هشام، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أي عبد الله، ترجمته في البدء أيضاً. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين.

стр. 516

وفيه: العنعنة في أربع مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن عبد الله بن سعيد من أقران أيوب الراوي عنه. وفيه: أن رواته كلهم بصريون. قوله: (قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ) مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث يتضمن أنَّ ابن عباس اقتدى بالنبي ﷺ وصلى معه وأقره على ذلك كما في الحديث الذي أخرجه مسلم عن أنسٍ. هذا الحديث أخرجه النسائي في الصلاة أيضاً عن يعقوب بن إبراهيم عن إسماعيل بن عُلَيَّة به. قوله: (بِتُّ) من البيوتة. قوله: (فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ) وهو عطف على: (قُمْتُ) الأولى، وليس بعطف الشيء على نفسه، لأن القيام الأولي بمعنى: النهوض، والثاني بمعنى الوقوف، أو أنَّ (قُمْتُ) الأولى بمعنى: أردتُ. قوله: (أُصَلِّي) جملةٌ وقعت حالاً. قال العيني: ومما يستفاد منه: أن موقف المأموم إذا كان بحِذاء الإمامِ على يمينه مساوياً له، وهو قول عمر وابنُه وأنس وابن عباس والثوري وإبراهيم ومكحول والشعبي وعروة وأبي حنيفة ومالك والأوزاعي وإسحاق، وعن محمد بن الحسن: يضع أصابع رجليه عند عَقِبِ الإمام، وقال الشافعي: يُستَحبُّ أن يتأخر عن مساواة الإمام قليلاً. وعن النخعي: يقف خلفَه إلا أن يركع، فإذا جاء أحدٌ وإلا قام (١) عن يمينه. وقال أحمد: إن وقف عن يساره تبطل صلاته. قال شيخنا: وسيأتي الكلام على بقية فوائد حديثِ ابن عباس المذكور في هذه الأبواب الثلاثة تامًّا في كتاب الوتر إن شاء الله تعالى. (٦٠) (بَابُ إِذَا طَوَّلَ الإِمَامُ، وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ، فَخَرَجَ وَصَلَّى) أي هذا باب ترجمته: إذا طوَّل الإمام... إلى آخره. قوله: (طَوَّلَ الإِمَامُ)، يعني: صلاته. قوله: (وَكَانَ لِلرَّجُلِ) أراد به المأموم. قوله: (فَخَرَجَ) يحتمِل الخروجَ من اقتدائه أو من صلاته بالكلية أو خرجَ من المسجد، لكن في رواية النسائي ما تنفي خروجه من المسجد، وذلك حيث قال: فانصرفَ الرجلُ وصلى في ناحية المسجد. وفي رواية مسلم ما يدل على أنه خرج من الاقتداء ومِن الصلاة أيضاً بالكلية حيث قال: فانحرَفَ رجل فسلم ثم صلى وحده، وبهذا يُرَدُّ على ابن رشيد قولُه: الظاهر أنه خرج إلى منزله وصلى فيه، وهو ظاهرُ قوله: فانصرف الرجل. قوله: (وَصَلَّى) وفي رواية الكُشْمِيهَني (فَصَلَّى) بالفاء، وجواب (إِذَا) محذوفٌ تقديره: وصلى صحت صلاته، والحاصل أن للمأموم أن يقطعَ الاقتداء ويُتِمَّ صلاته منفرداً، وهذا مذهب الشافعي، ومال إليه البخاري. قال العيني: ونذكره عن قريب مفصلاً. ٧٠٠ - ٧٠١ - قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ) أي ابنُ إِبراهِيمَ، أي أبو عمرو البصري، ترجمته في باب زيادة الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحَجَّاج، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان. قوله: (عَنْ عَمْرٍو) أي ابن دينار، ترجمته في باب كتابة العلم. قوله: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أي الأنصاري، ترجمته في بدء الوحي. قوله: (أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) أي ابن عمرو بن أوس، ترجمته في كتاب الإيمان. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. قوله: (كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ) مطابقته للترجمة من حيث إن هذا بعض الحديث الذي يأتي عقبه، والكل

стр. 517

حديث واحد وفيه: (فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ) على ما يأتي، وفيه المطابقة. فإن قلتَ: فإذا كان كذلك، فلِمَ قطعَه؟ قال العيني: للتنبيه على فائدتين: الأولى: أنه أشار بالطريق الأولى على علو الإسناد. الثانية: أنه أشار بالطريق الثانية إلى التصريح بسماع عمرو بن دينار من جابر بن عبد الله. قال شيخنا: واعلم أن هذا الحديث رواه عن جابرٍ عمرُو بن دينار ومحارِبُ بن دثار وأبو (١) الزبير وعبيد الله بن مقسم، فرواية عمرو للمصنف هنا عن شعبة، وفي الأدب عن سليم بن حَيان، ولمسلم عن ابن عيينة، ثلاثتُهم عنه. ورواية محارِب تأتي بعد بابين، وهي عند النسائي مقرونةً بأبي صالح، ورواية أبي الزبير عند مسلم، ورواية عبيد الله عند ابن خزيمة، وله طرق أخرى غير هذه سأذكر ما يُحتاج إليه منها معزواً. انتهى. قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أي بُندار، ترجمته في باب ما كان النبي ﷺ يَتَخَوَّلُهم بالموعظة كي لا ينفروا. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) أي محمد بن جعفر، ترجمته في باب ظلم دون ظلم. قوله: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى العِشَاءَ، فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَانَ مُعَاذٌ يَنَالُ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ((فَتَّانٌ، فَتَّانٌ، فَتَّانٌ)) ثَلَاثَ مِرَارٍ - أَوْ قَالَ: ((فَاتِنًا، فَاتِنًا)) - وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ، قَالَ عَمْرٌو: وَلَا أَحْفَظُهُمَا) هذه الطريقة التي رواها عن بُندار عن غُندَر عن شعبة... إلى آخره، تتمة الحديث الذي أخرجه قبلَه عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة، وقد ذكرْنا وجه تقطيعه إياه ووجه مطابقته للترجمة. قال العيني: ذِكْرُ الطرق المختلفة في هذا الحديث إلى جابر بن عبد الله وغيرِه: روى البخاري أيضاً حديث جابر هذا في باب من شكا إمامه إذا طوَّل مِن حديث محارب بن دثار. وأخرجه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن قتيبة عن الليث عن أبي الزبير عنه، وعن محمد بن رمح عن الليث بلفظ: قرأ معاذ في العشاء بالبقرة. وأخرجه مسلم ولفظه: افتتح بسورة البقرة. وفي رواية: بسورة البقرة أو النساء. على الشك. وأخرجه النسائي في الصلاة وفي التفسير عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رمح. وأخرجه السراج عن محارب بلفظ: فقرأ بالبقرة والنساء. بالواو بِلا شك. قال شيخنا: وكذا رأيتُه بخط البِرْزالي: ((فقال ﵇: أَمَا يكفيكَ أن تقرأ: بالسماء والطارق، والشمسِ وضحاها، ونحوِ هذا؟)). وأخرجه عبد الله بن وهْب في مسنده أخبرنا ابن لَهِيعة والليثُ عن أبي الزبير، فذكره وفيه: طَوَّل على أصحابِه فأُخبِر النبُّي ﷺ فقال: ((أفتَّانٌ أنتَ؟ خَفِّفْ على الناس واقرأ: سبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحوِ ذلك ولا تَشُقَّ على الناس)). وعند أحمد في «مسنده» من حديث بُريدة بإسنادٍ قوي: فَقَرَأَ: اقتربت الساعة. قال شيخنا: وهي شاذة إلا إنْ حُمِل على التعدد. انتهى. وفي «صحيح ابن حبان» مِنْ حديث سفيان عن عمرو عن جابر: أخَّرَ النبيُّ ﷺ العشاءَ ذات ليلة فصلى معه معاذ ثم رجع إلينا فتقدم ليؤمَّنا فافتتح بسورة البقرة، فلما رأى ذلك رجلٌ من القوم تنحَّى وصلى وحده... ، وفيه: فأَمَرَهُ بسورٍ قصارٍ لا أحفظُها، فقلنا لعمرو: إنَّ أبا الزبير قال لهم: إن النبي ﷺ قال له: ((اقرأْ بالسماء والطارق، والسماءِ ذات البروج، والشمسِ

стр. 518

وضحاها، والليلِ إذا يغشى))، قال عمرو: بنحو هذا. وفي «صحيح ابن خزيمة» : عن بُندار عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: فقال معاذ: إنَّ هذا - يعني الفتى - يتناوَلُني، ولأُخْبِرَنَّ النبيَّ ﷺ ، فلما أخبره قال الفتى: يا رسول الله يُطيلُ المكث عندك ثم يرجع فيطوِّل علينا، فقال: ((أَفَتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟ كيف تصنعُ يا ابن أخي إذا صليتَ؟)) قال: أقرَأُ الفاتحةَ وأسألُ الله الجنةَ وأعوذ به من النار، إني لا أدري ما دَنْدَنَتُكَ وَدَنْدَنَةُ معاذ، فقال النبي ﷺ : ((إني ومعاذاً حولها ندندن)) الحديث. وفي «مسند أحمد» من حديث معاذ بن رِفاعة عن رجل من بني سلِمة يقال له سُلَيْم أنه أتى النبيَّ ﷺ فقال له: يا نبيَّ الله إنَّا نظلُّ في أعمالِنا فنأتي حين نُمسِي فنصلي، فيأتي معاذُ بن جبل فينادي بالصلاة فنأتيه فيطوِّل علينا، فقال النبي ﷺ : ((يا معاذ لا تكن فاتناً)). ورواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رِفاعة: أن رجلاً من بني سلِمة... ، فذكره مرسلاً. ورواه البزَّارُ من وجهٍ آخر عن جابر وسماه سُلَيْمًا أيضًا، ووقع عند ابن حزم من هذا الوجه: أن اسمه: سَلْم (١) بفتح السين وسكون اللام، وكأنه تصحيف. والله أعلم. انتهى. قوله: (يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ زاد مسلم من رواية منصور عن عمرو: عِشَاءَ الآخِرَة، فكأنَّ العشاء هي التي كان يواظِبُ فيها على الصلاة مرتين. قوله: (ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ)، في رواية منصور: فيصلي بهم تلك الصلاة. وللمصنِّف في الأدب (فَيُصَلِّي بِهِم الصَّلَاةَ) أي المذكورة. قال شيخنا: وفي هذا رَدٌّ على من زعم أن المراد أن الصلاة التي كان يصليها مع النبي ﷺ غيرُ الصلاة التي كان يصليها بقومه، وفي رواية ابن عيينة: فصلى ليلةً مع النبي ﷺ العشاء ثم أتى قومه فأمَّهم. وفي رواية الحُميدي عن ابن عيينة، ثم يرجع إلى بني سلِمة فيصليها بهم. ولا مخالفة فيه لأن قومه هم بنو سلِمة، وفي رواية الشافعي رحمة الله عليه: ثُمَّ يرجع فيصليها بقومه في بني سلِمة. ولأحمد عنه: ثم يرجع فيؤمُّنا. قال العيني: قوله: وفي هذا رد على من زعم... إلى آخره، الجوابُ عنه من وجوه: الأول: أن الاحتجاج به من بابِ ترك الإنكار من النبي ﷺ ، وشرطُ ذلك علمُه بالواقعة، وجاز أنْ لا يكون عَلِمَ بها. الثاني: أنَّ النية أمر مُبطَن لا يُطَّلَع عليه إلا بإخبار الناوي، ومن الجائز أن يكون معاذٌ كان يجعل صلاته معه ﵇ بِنِيَّةِ النفلِ ليتعلَّمَ سُنَّةَ القراءة منه وأفعالَ الصلاة، ثم يأتي قومه فيصلي بهم صلاتَهُ الفرضَ. فإن قلتَ: يُستبعد من معاذ أن يترك فضيلةَ الفرضِ خلف النبي ﷺ ويأتيَ به مع قومه، وكيف يُظَنُّ بمعاذ بعد سماعه قولَ النبي ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)). ولعل صلاةً واحدةً مع النبي ﷺ خيرٌ له من كلِّ صلاةٍ صلَّاها في عُمُره، ولا سيما في مسجده التي هي خير من ألف صلاة فيما سواه. قال العيني: ليس تفوتُ الفضيلةُ معه ﵇ في سائر أئمة مساجد المدينة، وفضيلةُ النافلة خلفه مع أداء الفرضِ مع قومه يقوم مقامَ أداء الفريضة خلفه، وامتثالُ أمر النبي ﷺ في إمامة قومه زيادةُ طاعة. الثالث: قال المهلب: يحتمل أن يكون حديث معاذ كان أول الإسلام وقتَ عدم القراءة، ووقتَ لا عوضَ للقوم من معاذ، فكانت

стр. 519

حالةَ ضرورة فلا تُجعَل أصلاً يقاس عليه. قال العيني: هذا كان قبل أُحُدٍ، فلا حاجة إلى ذِكر الاحتمال. قال شيخنا: قول المهلب: فكانت حالة ضرورةٍ ضعيفٌ، قال ابن دقيق العيد: لأن القَدْرَ المجزئ من القراءة في الصلاة كان حافِظُوه كثيراً، وما زاد لا يكون سبباً لارتكاب أمرٍ ممنوع منه شرعاً في الصلاة. انتهى. الرابع: أنه يُحتمل أن يكون كان معاذٌ يصلي مع النبي ﷺ صلاة النهار، ومع قومه صلاة الليل، لأنهم كانوا أهلَ خدمة لا يحضرون صلاةَ النهار في منازلهم، فأخبر الراوي حالَ معاذ في وقتين لا في وقتٍ واحد. الخامس: أنه حديث منسوخ على ما نذكره، إن شاء الله تعالى. قوله: (فَصَلَّى العِشَاءَ) كذا في معظم الروايات، ووقع في روايةٍ لأبي عَوانة والطحاوي من طريق محارب: صلى بأصحابه المغرب. وكذا لعبد الرزاق من رواية أبي (١) الزبير. قال شيخنا: فإنْ حُمِلَ على تَعَدُّد القضية كما سيأتي أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازاً وإلا فما في الصحيح أصح. قال العيني: رجال الطحاوي في روايته رجالُ الصحيح، فمن أين يأتي الأصحِّيَّةُ في رواية العشاء؟ قوله: (فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ (٢)) واستُدِل به على من يَكره أن يقول: البقرةُ بل يقول: سورةُ البقرةِ، لكنْ في رواية الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه: فقرأ بسورة البقرة. ولمسلم عن ابن عيينة نحوُه. وللمصنف في الأدب (فَقَرَأَ بِهِمُ الْبَقَرَةَ) قال شيخنا: فالظاهر أن ذلك من تصرف الرواة. انتهى. قال العيني: ليس ذلك من تصرف الرواة، بل من تعدُّدِ القضية. انتهى. قلتُ: لا يلزم من تعدُّد القضيةِ أنْ لا تتصرف الرواةُ بل تصرُّف الرواة لازمٌ في مثل هذا. انتهى. قال شيخنا: والمراد أنه ابتدأ في قِراءتها، وبه صرح مسلم ولفظه: افتتحَ سورة البقرة. قوله: (فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ) إما أن يُراد به الجنس، والمعرَّفُ تعريفَ جنسٍ كالنكرة في مؤدَّاه، فكأنه قال: رَجُلٌ، أو يراد المعهودُ من رجلٍ معيَّنٍ، ووقع في رواية الإسماعيلي: فقام رجلٌ وانصرف، وفي رواية سليم بن حيان: فتَجَوَّزَ رجل فصلى صلاةً خفيفةً، وفي رواية مسلم عن ابنِ عيينة: فانحَرَفَ رجلٌ فسلَّم ثم صلى وحده. قال شيخنا: لم يقع في شيء من الطرق المتقدمة تسميةُ هذا الرجل لكن روى أبو داود الطيالسي في «مسنده»، والبزار من طريقِه عن طالب بن حبيب عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه قال: مَرَّ حَزْمُ بن أبي بن كعب بمعاذ بن جبل وهو يصلي بقومه صلاة العَتَمة، فافتتح بسورةٍ طويلةٍ ومع حزمٍ ناضحٌ له... الحديث. قال البزار: لا نعلم أحداً سماه عن جابر إلا ابنُ جابر. انتهى قولُ البزار. وقد رواه أبو داود في «السنن» من وجهٍ آخر عن طالب فجعله عن ابن جابرٍ عن حزمٍ صاحبِ القصةِ، وابنُ جابرٍ لم يُدرِك حزمًا، ووقع عنده: صلاة المغرب. وهو نحوُ ما تقدم من الاختلاف في رواية محارِب. ورواه ابن لَهيعة عن أبي (٣) الزبير عن جابر فسماه: حازماً. وكأنَّه صحَّفَهُ. ورواه أحمد والنسائي وأبو يعلى وابن السكن بإسنادٍ صحيح عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: كان معاذٌ يؤُمُّ قومَه فدخل حَرَامٌ وهو يريد أن يسقي نخلَه... الحديث. كذا فيه بِراءٍ بعدَها ألِفٌ، وظن بعضُهم أنه حَرَام بن مِلْحان خالُ أنس، وبذلك جزم الخطيب في «المبهمات» (٤)، لكنْ لم أَرَهُ منسوباً في الرواية، ويُحتمل أن يكون تصحَّفَ من: حَزْمٍ، فتَجْمَعُ هذه الروايات، وإلى ذلك يومئ صنيعُ ابن عبد البر، فإنَّه ذكر من الصحابة حَرَام بن أبي كعب وذَكَر له هذه القصة وعَزَا تسميتَه

стр. 520

لرواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس، ولم أقف في رواية عبد العزيز على تسمية أبيه، وكأنه بَنَى على أنَّ اسمه تصحَّفَ والأبُ واحدٌ سمَّاهُ جابرٌ ولم يسمه أنس. وجاء في تسميته قولٌ آخر أخرجه أحمد من رواية معاذ بن رِفاعة: عن رجل من بني سلِمة يقال له: سُلَيْم، وقد رواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رِفاعة: أن رجلاً من بني سلِمة... ، ورواه البزار من وجهٍ آخر عن جابرٍ فسماه سُلَيْمًا، لكن وقع عند ابنِ حزم من هذا الوجهِ أنَّ اسمه: سَلْم (١) بفتح السين وسكون اللام. قال شيخنا: وقولُه في رواية مسلم: ثم صَلَّى. لكنْ ذَكَر البيهقيُّ أن محمد بن عباد شيخَ مسلم تفرد عن ابن عيينة بقوله: ثم سلَّم. وأَنَّ الحفاظ من أصحاب ابن عيينة وكذا من أصحاب شيخِه عمرو بن دينار وكذا من أصحاب جابرٍ لم يذكروا السلامَ، وكأنه فَهِم أن هذه اللفظة تدلُّ على أن الرجلَ قطع الصلاة، لأن السلام يتحلل به من الصلاة، وسائر الروايات تدلُّ على أنه قطع القدوةَ فقط ولم يخرج من الصلاة بل استمر فيها منفرداً. قال الرافعي في «شرح المسند» - في الكلام على رواية الشافعي ﵁ عن ابن عيينة في هذا فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده -: هذا يُحتمل من جهة اللفظ أنه قَطَع الصلاة وتنحَّى عن موضع صلاته واستأنفَها لنفسه، لكنه غيرُ محمول عليه، لأن الفرض لا يُقطع بعد الشروع فيه. انتهى. ولهذا استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوةَ ويُتِمَّ صلاتَه منفرداً. ونازع النوويُّ فيه فقال: لا دَلالة فيه، لأنه ليس فيه أنه فارَقَه وبنى على صلاتِه، بل في الرواية التي فيها أنه سَلَّم دليلٌ على أنه قَطَع الصلاةَ من أصلها ثم استأنفَها، فيدل على جواز قطع الصلاةِ وإبطالها بعذر. قال شيخنا: واستُدِل بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، وذلك لأنَّ ابن جريج روى عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب: هي له تطوعٌ ولهم فريضة. قال العيني: فزعم أبو البركات ابن تيمية: أن الإمام أحمد ضعَّف هذه الزيادة، وقال: أخشى أن لا تكون محفوظة، لأن ابن عيينة يزيد فيها كلاماً لا يقوله أحد، وقال ابن قدامة في «المغني» : وروى الحديثَ منصورُ بن زاذان وشعبة فلم يقولا ما قال سفيان بن (٢) عيينة. وقال ابن الجوزي: هذه الزيادة لا تصح، ولو صحَّتْ لكانت ظنًّا من جابر، وبنحوه ذَكَره ابن العربي في «العَارِضَة» (٣). وقال الطحاوي: إنَّ ابن عيينة روى عن عمرو حديث جابر أَتَمَّ من سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة. قال شيخنا: ويدل على أن معاذاً كان ينوي بالأولى الفرضَ وبالثانية النفلَ ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرُهم من طريق بن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب زاد: هي له تطوع ولهم فريضة. كما تقدم آنفاً، وهو حديث صحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه منه فانتفت تهمة تدليسه، فَقَولُ (٤) ابن الجوزي: إنه لا يصح. مردودٌ. وتعليلُ الطحاوي له أن ابن عيينة ساقَه عن عمرو أَتَمَّ من سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة. ليس (٥) بقادح في صحته، لأن بن جريج أسنُّ وأجَلُّ من ابن عيينة وأقدمُ أخْذًا عن عمرو، ولو (٦) لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ ليست منافيةً لرواية من هو أحفظُ منه ولا أكثرُ عددًا فلا معنى للتوقف مِن الحكم بصحتها، وأما رَدُّ الطحاوي

стр. 521

لها باحتمالِ أن تكون مدرجةً فجوابُه: أن الأصل عدمُ الإدراج حتى يثبت (١) التفصيلُ، فمهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه، ولا سيما إذا رُوِي من وجهين، والأمرُ هنا كذلك، لكنَّ الشافعي أخرجَها من وجهٍ آخرَ عن جابر متابِعاً لعمرو بن دينار عنه. وقول الطحاوي: هو ظنٌّ من جابر. مردودٌ، لأن جابراً كان ممن يصلي مع معاذ، فهو محمولٌ على أنه سمع ذلك منه، ولا يُظَنُّ بجابرٍ أنه يخبِر عن شخص بأمٍر غير مشاهدٍ إلا بأنْ يكون ذلك الشخصُ أَطْلَعَه عليه. وأما احتجاجُ أصحابنا لذلك بقوله ﵇: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) فليس بجيد، لأن حاصلَه النهيُ عن التلبُّس بصلاةٍ غيرِ التي أقيمت من غيرِ تعرُّضٍ لنيةِ فرضٍ أو نفلٍ، ولو تعينت نيةُ الفريضة لامتنع على معاذ أن يصلي الثانية بقومه لأنها ليست حينئذٍ فرضاً له. قوله: (فَكَانَ مُعَاذٌ يَنَالُ مِنْهُ) أي من الرجل المذكور، ومعنى: ينال منه أي يصيب منه، أي يعيبه ويتعرض به بالإيذاء. وقوله: (كَانَ) فعل ماض، و (مُعَاذٌ) بالرفع اسمُه. وقوله: (يَنَالُ مِنْهُ) جملةٌ خبرٌ لِكانَ، وفي رواية المستملي: (يَتَنَاوَلُ مِنْهُ) من باب التفاعل، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (فَكَأَنَّ مُعَاذًا) بالهمز والنون المشددة. وقوله: (مُعَاذًا) بالنصب اسمُ كَأَنَّ، وقد فُسِّر ذلك في رواية سليم بن حيان. ولفظه: فبلغ ذلك معاذًا فقال: إنه منافق. وكذا في رواية أبي الزبير وابن عيينة: فقالوا له: أَنافقتَ يا فلان؟ قال: لا والله، لآتين رسولَ الله فَلَأُخبِرَنَّه. فكأَنَّ معاذًا قال ذلك في غَيْبَةِ الرجلِ، وَبَلَّغَهُ إلى الرجل أصحابُه. قوله: (فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أي فَبَلَغَ ذلك الأمرُ إلى النبيِّ ﷺ ، وقد بيَّن ابنُ عيينة ومحاربُ بن دِثار في روايتيهما أنه الذي جاء فاشتكى من معاذ، وفي رواية النَّسائي: فقال معاذ: لئن أصبحتُ لأذكُرَنَّ ذلك لرسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فأرسَلَ إليه فقال: ((ما حملك على الذي صنعت؟)) فقال: يا رسول الله، عملتُ على ناضحٍ لي بالنهار، فجئتُ وقد أقيمت الصلاة فدخلتُ المسجد، فدخلتُ معه في الصلاة فقرأ بسورة كذا وكذا، فانصرفتُ (٢) فصليتُ في ناحية المسجد. فقال رسول الله ﷺ : ((أفتَّانًا يا معاذ؟ أفتَّانًا يا معاذ؟)). وقوله: ٠ ويروى: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) و: (فَتَّانٌ) مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: أنت فتانٌ، والتكرار للتأكيد، وفي رواية ابن عيينة: أفتان أنت؟ بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار، ومعناه: أنت مُنَفِّرٌ، لأن التطويل سببُ خروجهم من الصلاة، والتَّكَرُّهِ للصلاة في الجماعة، وقال الداودي: يُحتَمل أن يريد قوله: (فَتَّانٌ) أي معذِّبٌ، لأنه عَذَّبَهُم بالتطويل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠]. أي عذبوهم. قوله: (أَوْ قَالَ: فَاتِنًا، فَاتِنًا) هذا شكٌّ من الراوي، ونصبُه على أنه خبرُ يكون مقدَّرًا أي يكون فاتنًا (٣). وفي رواية أبي (٤) الزبير: أتريد أن تكون فاتناً؟ وفي رواية أحمد في حديث معاذ بن رِفاعة المتقدم ذكرُه: ((يا معاذ لا تكن فاتنًا)). وزاد في حديث أنس: ((لا تُطوِّل بهم)). وروى البيهقي في «الشُّعَب» بإسناد صحيح عن عمر قال: لا تبغِّضوا الله إلى عباده يكون أحدكم إماما فيطول على القوم الصلاة حتى يبغض إليهم ما هم فيه. قوله: (وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ) أوسط المفصل مِن كُوِّرَتْ إلى الضحى، وطِوال المفصل من سورة الحجرات إلى والسماء ذات البروج، وقصار المفصل من

стр. 522

الضحى إلى آخر القرآن. وقيل: أولُ الطوال من قَاف، وقال الخطابي: رُوي هذا في حديث مرفوع، وحكى القاضي عياض أنه من الجاثية وهو قريب (١)، وسمي المفصَّل لكثرة الفصول فيه، وقيل: لقلة المنسوخ فيه. قال شيخنا: قوله: (أَوْسَطِ) يحتمل أن يريد به المتوسطَ، والسورُ التي مَثَّل بها من قِصار المتوسط، ويحتمل أن يريد به المعتدِل أي المناسِب للحالة من المفصَّل. قوله: (قَالَ عَمْرٌو: وَلَا أَحْفَظُهُمَا) أي: قال عمرو بن دينار: لا أحفظ السورتين المأمورَ بهما، وكأنَّ عَمْرًا قال ذلك في حال حديثه لشعبة، وإلا ففي رواية سليم بن حيان عن عمرو: ((اقْرَأْ والشمسِ وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها)). استدل الشافعي ﵁ بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل بناءً على أن معاذًا كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل. وبه قال أحمد في رواية، واختاره ابن المنذر، وهو قول عطاء وطاووس وسليمان بن حرب وداود، وقال الحنفية: لا يصلي المفترضُ خلف المتنفل، وبه قال مالك في رواية، وأحمد في روايةِ أبي الحارث عنه، وقال ابن قدامة (٢) : اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا - أي الحنابلة -، وهو قول الزهري والحسن البصري وسعيد بن المسيب والنخعي وأبي قلابة ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الطحاوي: وبه قال مجاهد وطاووس. انتهى. قال شيخنا فيما تقدم آنفاً: ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني... إلى آخره. انتهى. قال العيني: الجواب عن هذا: أن هذه زيادة قد ذكرنا ما قالوا فيها، أي فيما تقدم أيضاً، قال: ونقول أيضاً: إن معاذًا كان يصلي مع النبي ﷺ صلاةَ النهار ومع قومه صلاة الليل، فأخبر الراوي في قوله: فهي لهم فريضةٌ وله نافلة. بحالِ معاذ في وقتين لا في وقتٍ واحد، أو نقول: هو حكاية حالٍ لم نعلم كيفيتها فلا نعملُ بها، ونستدل بما في «صحيح ابن حبان» : ((الإمامُ ضامن)). يعني: يضمنُها صحةً وفسادًا، والفرضُ ليس مضمونًا في النفل. وقال ابن بطال: ولا اختلاف أعظمُ من اختلاف النيات، ولأنه لو جاز بناءُ المفترض على صلاة المتنفل لما شُرِعت صلاةُ الخوف مع كل طائفةٍ بعضُها، وارتكابُ الأعمال التي لا تصح الصلاة معها في غير الخوف، لأنه كان يمكنه أن يصلي مع كل طائفة جميعَ الصلاة وتكونُ الثانيةُ له نافلةً وللطائفة الثانية فريضة. انتهى. قال شيخنا: جوابُه أنه ثبت: أنه ﷺ صلى بهم صلاةَ الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود عن أبي بكرة صريحًا، ولمسلم عن جابر نحوُه، وأما صلاتُه لهم على أنواعٍ من المخالفة فلِبيان الجواز. انتهى. وأما قول الطحاوي: لا حجة فيها لأنها لم تكن بأمر النبي ﷺ ولا تقريره. فجوابه: أنهم لا يَختلفون في أَّن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيرُه حجةٌ، والواقع كذلك هنا، فإنَّ الذين كان يصلي بهم معاذ كلُّهم صحابة، ومنهم ثلاثون عَقَبِيًّا، وأربعون بَدْرِيًّا، قاله ابن حزم. قال: ولا يُحفَظ عن غيرِهم من الصحابة امتناعُ ذلك، بل قال بعضُهم بالجواز: عمرُ وابنُ عمر وأبو الدرداء وأنس وغيرهم. انتهى. قال الطحاوي أيضاً: لو سلَّمنا جميعَ ذلك لم يكن فيه حُجَّةٌ لاحتمال أن ذلك كان في الوقت

стр. 523

الذي كانت الفريضةُ فيه تصلَّى مرتين، أي فيكونُ منسوخًا. قال ابن دقيق العيد: هذا يتضمن إثباتَ النسخ بالاحتمال، وهو لا يسوغ، ويلزمُه إقامةُ الدليل على ما ادَّعاه من إعادة الفريضة. انتهى. قال شيخنا: وكأنَّ ابن دقيق العيد لم يقف على كتاب الطحاوي، فإنه ساق فيه دليلَ ذلك وهو حديثُ ابن عمر رَفَعَهُ: ((لا تصلوا الصلاة في اليوم مرتين)). ومن وجهٍ آخرَ مرسل: إن أهل العالية كانوا يُصلُّون في بيوتهم ثم يصلون مع النبي ﷺ ، فَبَلَغَه ذلك فنهاهم. وفي الاستدلال بذلك على تقديرِ صحته نظرٌ لاحتمال أن يكون النهيُ عن أن يُصلُّوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البيهقيُّ جمعاً بين الحديثين. قال العيني: إن كان الردُّ بالاحتمال: ونحن أيضا نقول: يُحتمل أن يكون النهي في ذلك لأجل أن أحدًا يقتدي به في واحدةٍ من الصلاتين اللتين صلاهُما على أنهما فرض، وفي نفس الأمر فرضُه إحداهما من غير تعيين، فيكون الاقتداءُ به في صلاةٍ مجهولةٍ فلا يصح. انتهى. قال شيخنا: بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخٌ بحديث معاذ لم يكن بعيدًا، ولا يقال: القصة قديمة، لأن صاحبها استُشهد بأُحُد، لأنَّا نقول: كانت أُحُد في أواخر الثالثة فلا مانع أن يكون النهيُ في الأولى والإذنُ في الثالثة، وقد قال ﷺ للرجلين اللذَيْن لم يصليا معه: ((إذا صليتُما في رِحالكما ثم أتيتُما لمسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكُمَا نافلة)). أخرجه أصحاب السنن من حديث يزيد بن الأسود العامري، وصححه ابن خزيمة وغيرُه، وكان ذلك في حِجَّة الوداع في أواخر حياة النبي ﷺ ، ويدل على الجواز أيضًا: أمرُه لمن أدركهُ الأئمةُ الذين يأتون بعدَه ويؤخرون الصلاةَ عن ميقاتها أنْ: ((صلوها في بيوتكم ثم افعلوها معهم نافلةً)). وأما استدلال الطحاوي على أنه ﵇ نهى معاذًا عن ذلك بقوله في حديث سُليم بن الحارث: ((إما أن تصليَ معي، وإما أن تخفف عن قومك))، ودعواهُ أنَّ معناه: إما أن تصلي معي ولا تصلي بقومك، وإما أن تخفف بقومك ولا تصلي معي. قال شيخنا: ففيه نظرٌ، لأن لِمُخالفِه أن يقول: بل التقدير: إما أن تصلي معي فقط إذا لم تخفِّفْ، وإما أن تخفف بقومك فتصلي معي. وهو أَوْلَى من تقديره، لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف، لأنه هو المسئول عنه المتنازَع فيه. انتهى. قال العيني: الذي قدَّره المخالفُ باطل، لأن لفظ الحديث: ((لا تكن فتانًا، إما أن تصليَ معي وإما أن تخفف عن قومك)). فهذا يدل على أنه يفعلُ أحدَ الأمرين: إما الصلاةُ معه أو بقومه ولا يجمعُهما، فدل على أن المراد عدمُ الجمع ومنعُه، وكلُّ أمرين بينهما مَنْع الجمع كان نقيضُهما منعُ (١) الخلو، كما قد بُيِّنَ هكذا في موضعه. انتهى. قلتُ: هذا إذا سُلِّم أن المراد منعُ الجمع، لكنَّ التقديرَ الذي قدره المخالفُ يدلُّ على الإذن في الجمع بشرط التخفيف ويؤيدُه ما تقدم من الحديث. انتهى. وفي حديث الباب من الفوائد أيضاً: استحباب تخفيفِ الصلاة مراعاةً لحال المأمومين، وقد قال ﵇ كما رواه البخاري: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ). فهذا يدل على أن الإمامَ ينبغي له أن يراعيَ حال قومه. قال العيني: وهذا لا خلافَ فيه لأحد، انتهى.

стр. 524

قال شيخنا: وأما من قال: لا يُكره التطويل إذا علمَ رضى المأمومين فيُشكِل عليه أنَّ الإمام قد لا يعلم حال من يأتي فيأتُّم به بعَد دخوله في الصلاة كما في حديث الباب، فعلى هذا يُكره التطويلُ مطلقاً إلا إذا فُرِض في مصلىً بقومٍ (١) محصورين راضين في مكانٍ لا يدخلُهُ غيرُهم. وفيه: أنَّ الحاجة من أمور الدنيا عُذرٌ في تخفيف الصلاة. قال شيخنا: وفيه جوازُ إعادة الصلاة الواحدة في اليوم مرتين. قال العيني: ليس هذا بمطلق، لأن إعادته على سبيل أنهما فرضٌ ممنوعةٌ بالنص كما ذكرنا عن قريب. انتهى. قلتُ: قد تقدم البحث معه في ذلك أيضًا. انتهى. وفيه: جواز خروج المأموم من الصلاة بعذر، وأما بغير عذرٍ فاستدل به بعضُهم - أي الحديثِ المذكور - وتُعُقِّب، وقال ابن المنير: لو كان كذلك لم يكن لأمرِ الأئمة بالتخفيف فائدة. قال شيخنا: وفيه نظر، لأنَّ فائدة الأمر بالتخفيف المحافظةُ على صلاة الجماعة، ولا ينافي ذلك جوازَ الصلاة منفردًا، وهذا كما استدل بعضُهم بالقصة على وجوب صلاة الجماعة وفيه نحوُ هذا النظر. انتهى. قال العيني: في «شرح المهذب» : اختلف العلماء فيمن دخل مع إمامٍ في صلاة فصلى بعضها، هل يجوز له أن يخرج منها؟ فاستدل أصحابنا بهذا الحديث على أن للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته منفردًا، وإن لم يخرج منها. وفي هذه المسألة ثلاثةُ أوجه: أصحُّها: أنه يجوز لعذرٍ ولغير عذر، والثاني: لا يجوز مطلقًا. والثالث: يجوز لعذر ولا يجوز لغيره، وتطويل القراءة عذرٌ على الأصح. وأصحابنا الحنفيةُ لا يجيزون شيئًا من ذلك، وهو مشهور مذهب مالك، وعن أحمد روايتان لأنَّ فيه إبطالَ العمل، والقرآنُ قد منع عن ذلك. انتهى وقد اختُلِف في عذر الرجل المذكور في الحديث: هل هو لأجل التطويل فقط؟ أو لكونه جاء من العمل وهو تعبان؟ أو لكونه أراد أن يسقيَ نخلَه إذ ذاك؟ أو لكونه خاف على الماء في النخل؟ وقد تقدم في الأحاديث المذكورة في الباب ما يدل على شيء من ذلك. وفيه: جوازُ صلاةِ المنفرد في المسجد الذي يصلَّى فيه بالجماعة. قال شيخنا: إذا كان بعذرٍ. وقال العيني: يجوز مطلقًا. انتهى. قلتُ: كلامُ شيخِنا على ما يستفاد من الحديث لا في الجواز وعدمِه مطلقاً حتى يُعقِبَه العيني بهذا. انتهى. وفيه: الإنكار بلطفٍ، لوقوعه بصورة الاستفهام. ويؤخَذ منه تعزيرُ كلِّ أَحَدٍ بحسبه. والاكتفاُء في التعزير بالقول. والإنكارُ في المكروهات. وأما تكراره ثلاثًا فللتأكيد (٢)، وقد تقدم في العِلم أنه ﷺ : كان يعيد الكلمةَ ثلاثًا لتُفهَم عنه. وفيه: اعتذارُ من وقع منه خطأٌ في الظاهر، وجوازُ الوقوعِ في حقِّ من وَقَع في محذورٍ ظاهر إذا كان له عذرٌ باطن للتنفيرِ عن فعل ذلك، وأنه لا لوْمَ على من فَعَلَ ذلك مُتَأَوِّلًا. وأنَّ التخلُّف عن الجماعة من فعل المنافقين. قلتُ: وفيه أن المأموم إذا رأى ممن هو مؤتمٌّ بإمامته ما يُخالِف الاقتداءَ يذكُرُه لإمامه وللإمام رَفْعُ ذلك الأمر إلى الحاكم إذا ظَنَّ أن فيه محذورًا، وأن للرجل أن يُبْلِغَ أخاه ما يقال فيه. (٦١) (بَابُ تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِي القِيَامِ، وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) أي هذا باب في بيان حكم تخفيف الإمام في

стр. 525

القيامِ، وفي حكم إتمام الركوع والسجود. وقال الكِرماني: الواو في (وَإِتْمَامِ) بمعنى مع، كأنه قال: بابُ التخفيف (١) بحيث لا يفوته شيء من الواجبات، فهو تفسير لقوله في الحديث: (فَلْيَتَجَوَّزْ)، لأنه لا يَأمُر بالتجوُّزِ المؤدي إلى فساد الصلاة. قال العيني: لا يحتاج إلى هذا التكلف، لأن المأمور في نفس الأمر هو إتمامُ جميع الأركان، وإنما ذكر التخفيف في القيام لأنه مظنة التطويل. ٧٠٢ - قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) أي أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي، ترجمته في باب من قال الإيمان هو العمل. قوله: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) أي بضم الزاي، ابن معاوية الجعفي، ترجمته في باب الصلاة من الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) أي ابن أبي خالد، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان. قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا) أي ابن أبي حازم، ترجمته في باب الدين النصيحة. قوله: (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ) أي عقبة بن عمرو الأنصاري البدري، قيل له البدري لأنه من ماء (٢) بدر، سكن الكوفة ولم يشهد بدراً. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاث مواضع. وفيه: شيخ البخاري منسوبٌ إلى جده. وفيه: أن رواته كلهم كوفيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. قوله: (أَنَّ رَجُلًا، قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ))). مطابقته للترجمة من حيث إنه ﵇ أمر الأئمة بتخفيف الصلاة على القوم. وقال ابن المنير وتبعه ابن رشيد وغيرُه: خُصَّ التخفيف في الترجمة بالقيام مع أن لفظ الحديث أعم، حيث قال: (فَلْيَتَجَوَّزْ) لأن الذي يَطُول في الغالب إنما هو القيام وما عداه لا يشق إتمامه على أحد، وكأنه حمل حديث الباب على قصة معاذ، فإنَّ الأمر بالتخفيف فيها مختص بالقراءة. انتهى ملخصاً. قال شيخنا: والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته، وأما قصة معاذ فمغايرة لحديث الباب، لأن قصة معاذ كانت في العشاء وكان الإمام فيها معاذاً، وكانت في مسجد بني سلمة، وهذه كانت في الصبح وكانت في مسجد قباء، ووهم من فسَّرَ الإمامَ المبهمَ هنا بمعاذ بل المراد: أُبَيُّ بن كعب كما أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن من رواية عيسى بن جارية - وهو بالجيم - عن جابر قال: كان أُبَيُّ بن كعب يصلي بأهل قباء فاستفتح سورةً طويلةً فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة فلما سمعه استفتحها انفتل من صلاته، فغضب أُبَيُّ فأتى النبي ﷺ يشكو الغلامَ، وأتى الغلامُ يشكو أُبَيًّا، فغضب النبي ﷺ حتى عُرِفَ الغضبُ في وجهه، ثم قال: ((إنَّ منكم منفرين، فإذا صليتم فأوجزوا، فإنَّ خلفَكم الضعيفُ والكبير والمريض وذا الحاجة)). فأبان هذا الحديث أن المراد بقوله في حديث الباب: (مِمَّا يُطِيلُ بِنَا) فلان أي من القراءة. واستفدنا منه أيضاً: تسميةَ الإمام، وبأي موضع كان. وفي

стр. 526

الطبراني من حديث عَدي بن حاتم: مَن أمَّنا فليتم الركوع والسجود. وفي قول ابن المنير: إن الركوع والسجود لا (١) يشق إتمامهما، نظرٌ، فإنه إن أراد أقلَّ ما يَنطلِقُ عليه اسمُ تمامٍ فذاك لا بد منه، وإن أراد غاية التمام فقد يشُقُّ، فسيأتي في حديث الباب قريباً أنه ﷺ كان قيامُه وركوعُه وسجودُه قريباً من السواء. انتهى. هذا الحديث قد مَرَّ في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة، أخرجه عن محمد بن كثير عن سفيان عن ابن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود، فانظر التفاوت بينهما في المتن، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به من الأشياء. قوله: (أَنَّ رَجُلًا) قال شيخنا: لم أقف على تسميته، ووهِمَ من زعم أنه حزم بن أبي كعب، لأن قصته كانت مع معاذ لا مع أُبَيِّ بن كعب كما تقدم آنفاً. قوله: (إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ) أي فلا أحضرُها مع الجماعة لأجل التطويل. قوله: (مِمَّا يُطِيلُ) كلمةُ ما مصدريةٌ، أي مِن تطويله، وفي رواية عبد الله بن المبارك في «الأحكام» : والله لأتأخرُ. بزيادة القسم. وفيه: جواز ذلك لأنه لم ينكِر عليه، وتقدَّم في كتاب العلم في باب الغضب في العلم بلفظ: إني لا أكاد أدرك الصلاة. وتقدم توجيهه، ويُحتمل أيضاً أن يكون المراد: أنَّ الذي ألِفَهُ من تطويله اقتضى له أن يتشاغل عن المجيء من أولِ الوقت وثوقاً بتطويله بخلاف ما إذا لم يطول، فإنه كان يحتاج إلى المبادرة إليه أولَ الوقت فكأنه يعتمد على تطويله فيتشاغلُ ببعض شُغلِه ثم يتوجه فيصادف (٢) أنه تارة يدركُه وتارة لا يدركه، فلذلك قال: لا أكاد أدركه مما يطول بنا، أي بسبب تطويله. واستُدِلَّ به على تسمية الصبح بذلك، ووقع في رواية سفيان الآتية قريباً: (عَنِ الصَّلَاةِ فِي الفَجْرِ)، وإنما خصها بالذِّكْرِ لأنها تَطُولُ فيها القراءةُ غالباً، ولأن الانصراف منها وقتُ التوجه لمن له حرفة إليها. قوله: (أَشَدَّ) بالنصب على الحال من النبي ﷺ ، ونُصِبَ (غَضَبًا) على التمييز. قال شيخنا: (أَشَدَّ) بالنصب نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي غضبا أشد. قال العيني: هذا ليس بشيء لفساد المعنى، يذوقُه من له يد في العربية. قوله: (يَوْمَئِذٍ) أي يوم أُخبِر بذلك. قال ابن دقيق العيد: سبب الغضب إما لمخالفة الموعظة أو للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه. قال تلميذُه أبو الفتح اليعمري: فيما قاله نظر، لأنه يتوقف على تقدم الإعلام بذلك. قال: ويُحتمل أن يكون ما ظهر من الغضب لإرادة الاهتمام بما يُلقيه لأصحابه ليكونوا من سماعه على بال، لئلا يعودَ مَن فعل ذلك إلى مثلِه. انتهى. قال شيخنا: هذا أحسن في الباعث على أصل إظهار الغضب، أما كونُه أشد فلاحتمال الثاني أوجه ولا يَرِدُ عليه التعقب المذكور. انتهى. قال العيني: ويُحتمل تقدم الإعلام به بقصةِ معاذ، ولهذا لم يُذكَر في حديثه الغضبُ، ووَاجَهَهُ وحدَه بالخطاب. وهنا قال: (إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) بصيغة الجمع، وهو من التنفير، يُقال (٣) : نفَر ينفُر نُفوراً ونِفاراً إذا فَرَّ وذهب. قوله: (إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) فيه تفسيرُ المرادُ للفتنة

стр. 527

في قوله في حديث معاذ: ((أَفَتَّانٌ أنت؟)). قال شيخنا: ويُحتمل أن تكون قصة أُبَيَّ هذه (١) بعد قصة معاذ بهذا يتوجه الاحتمال الأول لابن دقيق العيد بالخطاب. قوله: (فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى) أيْ فأيُّ واحد منكم، وكلمة: (مَا) زائدة، وزيادته معَ أي الشرطية كثير، وفائدتها التوكيد وزيادة التعميم. وفي رواية سفيان: (فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ) قوله: (فَلْيَتَجَوَّزْ) جواب الشرط أي فليخفف. يقال: تجوز في صلاته أي: خفف، وأصل اللام فيه أن تكون مكسورة، وجاز فيها السكون. وقال ابن بطال: لما أمر الشارع بالتخفيف كان المطوِّل عاصياً، ومخالفة العاصي جائزة لأنه لا طاعة إلا في المعروف. وقال ابن دقيق العيد: التخفيفُ من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفاً بالنسبة إلى عادة قومٍ طويلاً بالنسبة لعادة آخرين. قال: وقولُ الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عن النبي ﷺ أنه كان يزيد على ذلك، لأنَّ رغبة الصحابة في الخير تقتضي أنْ لا يكونَ ذلك تطويلاً. انتهى. قال شيخنا: التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن العاصي أن النبي ﷺ قال له: ((أنتَ إمامُ قومِك، واقدِر القوم بأضعَفِهِم)) إسنادُه حسن. وأصلُه في مسلم. قوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ) في رواية سفيان: (فَإِنَّ خَلْفَهُ) وهو تعليل الأمر المذكور ومقتضاه أنه متى لم يكن فيهم متصفٌ بصفةٍ من المذكورات لم يَضُرَّ التطويل، وقد قدمتُ ما يَرُدُّ عليه في الباب الذي قبله مِن إمكان مَجيءِ متصفٍ بأحدها. وقال اليعمري (٢) : الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقاً. قال: وهذا كما شرع القصر في كتاب (٣) صلاة المسافر وعُلِّلَ بالمشقة وهي مع ذلك تشرع ولو لم يشق عملا بالغالب، لأنه لا يدري ما يطرأ عليه، وهنا كذلك. قال العيني: ويؤيد كلامه صيغة الأمر بالتخفيف، فإنه أَمَر بعدَ الغضب الشديد، وظاهرُه يقتضي الوجوب. قوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ) كذا للأكثر ووقع في رواية سفيان في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة: (فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ) وكأن المراد بالضعيف هنا: المريض، وهناك: من يكون الضَّعْفُ في خِلْقَته كالنحيف والمسن، وكل مريضٍ ضعيفٌ من غير عكس، وسيأتي في الباب الذي بعده مزيد. (٦٢) (بَابٌ: إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ) أي هذا باب في بيان حكم المصلي إذا صلى، وأشار بهذا إلى أن الأمر بالتخفيف على الإطلاق إنما هو في حق الأئمة لأن خلفه من لا يطيق التطويل، وأما إذا صلى وحده فلا حجر عليه إن شاء طوَّل، وإن شاء خفف، ولكن لا ينبغي التطويل إلى أن يخرج الوقت، أو يدخلَ في حد الكراهة. ٧٠٣ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ))). مطابقته للترجمة ظاهرة وهذا الإسناد بهؤلاء الرجال قد مرَّ غير مرة. وأبو الزناد بالزاي والنون عبدُ الله ابن ذكوان، والأعرج عبدُ الرحمن بن هرمز.

стр. 528

والحديث أخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك، وأخرجه ابن ماجه عن قتيبة عن مالك. قوله: (لِلنَّاسِ) أي إذا صلى إماماً للناس، أو لأجل ثوابِ الناس أو خيرِهم الحاصلِ في الجماعة. قوله: (فَإِنَّ فِيهِمُ) هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيهَني: (فَإِنَّ مِنْهُمُ). قوله: (الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ) المراد بالضعيف هنا: ضعيف الخلقة، والسقيم: من به مرض. زاد مسلم من وجه آخر عن أبي الزناد: ((والصغير والكبير)). وزاد الطبراني في حديث عثمان بن أبي العاص: ((والحامل والمرضع))، وله من حديث عَدي بن حاتم: ((والعابرُ السبيل)). وقوله في حديث أبي مسعود الماضي: (وَذَا الحَاجَةِ) هي أشمل الأوصاف المذكورة. قوله: (فليطول ما شاء) ولمسلم: ((فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ)) أي مخففِّاً أو مطوِّلاً، واستُدِل به على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت، وهو المصحح عند بعض أصحابنا - أي الشافعية -، قال شيخُنا: وفيه نظر، لأنه يعارضهُ عمومُ قوله في حديث أبي قتادة: ((إنما التفريطُ أن يؤخِّر الصلاة حتى يدخل وقتُ الأخرى)). أخرجه مسلم. وإذا تعارضت مصلحة الكمال بالتطويل ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاةُ ترك المفسدة أولى. واستُدِل بعموم الحديث أيضاً على: جوازِ تطويل الاعتدال والجلوسِ بين السجدتين. وإنما جُعِل أمرُ المصلي في التطويلِ وغيرِه راجعاً إليه لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، وقد ذكر الرب ﷻ الأعذار التي من أجلها أسقط فرض قيام الليل عن عباده فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] الآية، فينبغي للإمام التخفيفُ مع الكمال في الأركان، ألا ترى أنه ﵇ قال للذي لم يتم ركوعه ولا سجوده: ((ارجع فصل فإنك لم تصل))، وقال ﵇: ((لا تجزِئ صلاة من لا يُقيم ظهرَه في الركوع والسجود)). وممن كان يخفف الصلاة من السلف أنس بن مالك، قال ثابت: صليت معه العتمة فتَجَوَّز ما شاء الله. وكان سعد إذا صلى في المسجد خفف الركوع والسجود وتجَوَّزَ، وإذا صلى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقيل له؟ فقال: إِنَّا أئمةٌ يُقتدَى بنا، وصلى الزبير بن العوام صلاةً خفيفةً فقيل له: أنتم أصحابُ النبيِّ ﷺ أخفُّ الناس صلاةً؟ فقال: إنَّا نبادر هذا الَوسواس. وقال عمار: احذِفُوا (١) هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان. وكان أبو هريرة يتم الركوع والسجود ويتَجَوَّز، فقيل له: هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم وأجوزُ. وقال عمرو بن ميمون: لما طُعِنَ عُمر ﵁ تقدم عبدُ الرحمن بن عوف، ﵁، فقرأ بأخصر سورتين في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]. وكان إبراهيم يخفف الصلاة ويتم الركوع والسجود، وقال أبو مِجلَز: كانوا يتمون ويتجوزون ويبادرون الوسوسة. ذكر هذه الآثارَ ابن أبي شيبة في «مصنفه». (٦٣) (بَابُ مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ) أي هذا باب ترجمته: من شكا إمامه إذا طول عليهم الصلاة. قوله: (وَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ) أي بضم الهمزة وفتح السين وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة، ووقع

стр. 529

في رواية المستملي: (أَبُو أَسِيد)، بفتح الهمزة. قال شيخنا: والصواب بالضم كما للباقين. انتهى. قال العيني: وفي «التوضيح» : وأُسيد، بضم الهمزة، كذا بخط الدمياطي. وقال الجياني: في نسخة أبي ذر من رواية المستملي وحده: (أَبُو أَسِيد)، بفتح الهمزة. وقال أبو عبد الله: قال عبد الرزاق ووكيع: أبو أُسيد، وهو الصواب. واسمه: مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي المدني، شهد المشاهد كلها، وهو مشهور بكنيته، مات سنة ثلاثين، وقيل: سنة ستين، وفيه اختلاف كثير، وهو آخر من مات من البدريين. قوله: (طَوَّلْتَ بِنَا يَا بُنَيَّ) مطابقته للترجمة ظاهرة. وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن وكيع حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، قال حدثني المنذر بن أبي أُسيد الأنصاري قال: فإنَّ أبي ليصلي خلفي، فربما قال لي: يا بني طولت بنا اليوم بالصافات. واستُفيد منه تسمية الابن المذكور أنه المنذر. وقوله: (يَا بُنَيَّ) بالتصغير لأجل الشفقة دون التحقير. وفي «التلويح» : قال البخاري: وكره عطاء أن يؤم الرجلُ أباه. قال العيني: هذا التعليق مذكور في بعض النسخ، فلئن صح فقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع حدثنا إبراهيم بن يزيد المكي عن عطاء قال: لا يؤم الرجل أباه. قال شيخنا: في قصة أبي أُسيد حجة على من كره للرجل أن يؤم أباه. انتهى. ٧٠٤ - قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ))). مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث قد مضى في الباب الذي سبق قبل الباب الذي قبله، وهناك: عن أحمد بن يونس عن زهير عن إسماعيل، وهنا: عن محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري، وقيل: محمد بن يوسف أبو أحمد البخاري البيكندي عن سفيان بن عيينة، والأول أصح، نص عليه أبو نُعيم. وأبو مسعود: هو عقبة بن عمرو البدري. قوله: (فِي مَوْعِظَةٍ) ويروى: (فِي مَوْضِعٍ). قوله: (مُنَفِّرِينَ)، ويروى: (لَمُنَفِّرِينَ) بلام التأكيد. ورُوي في هذا الباب عن أبي (١) واقد الليثي وابن مسعود وابن عمر وعثمان بن أبي العاص وأنس ﵃. أما حديث أبي واقد فأخرجه الشافعي في «مسنده» من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم (٢) عن نافع بن سرجس قال: عُدنا أبا واقد الليثي فسمعته يقول: كان رسول الله ﷺ أخفَّ الناس صلاة على الناس، وأطول الناس صلاةً لنفسه. وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الطبراني في «الأوسط» من حديث إبراهيم التيمي عن أبيه سمعت ابن مسعود قال رسول الله ﷺ : ((أيُّكُم أَمَّ الناس فليخفف، فإنَّ فيهم الضعيفَ والكبيرَ وذا الحاجة)). وأما حديث ابن عمر فأخرجه النَّسائي بسند صحيح عنه: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمُّنا. وأما حديث عثمان فأخرجه مسلم عنه يرفعه: ((من أَمَّ الناس

стр. 530

فليخفف فإن فيهم الكبيرَ، وإن فيهم الضعيفَ، وإن فيهم ذا الحاجة، فإذا صلى أحدكم وحده (١) فليصل كيف شاء)). وأما حديث أنس فأخرجه البخاري في هذا الباب، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ٧٠٥ - قوله: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) أي أبو الحسن، ترجمته في باب يتلو باب أمور الإيمان. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج، ترجمته في الباب أيضاً. قوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) أي بضم الميم وكسر الراء، ودِثار بكسر الدال خلافُ الشِّعار، ترجمته في باب الصلاة إذا قدم من سفر. قوله: (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ) ترجمته في باب بدء الوحي. في هذا الإسنادِ: التحديثُ بصيغة الجمع في ثلاث مواضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في أربع مواضع. قوله: (قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَيْهِ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ - أَوِ النِّسَاءِ - فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ)) - أَوْ ((فَاتِنٌ)) - ثَلَاثَ مِرَارٍ: ((فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الحَاجَة)) أَحْسِبُ هَذَا فِي الحَدِيثِ). مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن فيه شكوى صاحب الناضحين إلى رسول الله ﷺ من معاذ حين طوَّلَ الصلاة وهو إمام. هذا الحديث أخرجه النسائي. قوله: (بِنَاضِحَيْنِ) الناضح بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة: ما استعمل من الإبل في سقي النخل والزرع، وهو البعير الذي يُسقَى عليه. قوله: (وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ) أي أقبل بظلمته، وهو بفتح النون من باب فَتَح يفتَح. وهو يؤيد أن الصلاةَ المذكورة كانت العشاء كما تقدَّم. قوله: (فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ) يقال: قرأها وقرأ بها، لغتان. قوله: (أَوِ النِّسَاءِ) الشك من محارب، دلت عليه رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة: شك محارب. وبهذا يُرَدُّ على من زعم أن الشك من جابر. قوله: (وَبَلَغَهُ) أي بلغ الرجلَ، وهو صاحب الناضح. قوله: (إِلَيْهِ) أي إلى النبي ﷺ . قوله: (أَفَتَّانٌ أَنْتَ) فتَّان (٢) صفة واقعة بعد ألف الاستفهام رافعةٌ لِظاهر، ويجوز أن يكون مبتدأ و (أَنْتَ) سادٌّ مَسَدَّ الخبر، ويجوز أيضا أن تكون (أَنْتَ) مبتدأً و: هو، خبرَه، و: فتان صيغةُ مبالغةِ فاتن. وقوله: (أَوْ (٣) فَاتِنٌ) على وزن فاعل، شكٌّ من الراوي. قوله: (فَلَوْلَا صَلَّيْتَ) وقال الخطابي: فهلا قرأت. وقد عُلِم أنَّ لولا تأتي على أربعة أوجه: منها: أن يكون للتحضيضِ والعرض فتُخَصَّ بالمضارع أو ما في تأويله. ومنها: أن تكون للتوبيخ والتنديم فتُخَصَّ بالماضي. ومنها: أن تكون لربط امتناع الثانية بوجود الأولى نحو: لولا زيد لأكرمتك. ومنها: أن تكون للاستفهام نحو: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠]. وفيه خلاف، وههنا بمعنى القِسْمِ الثالث. قاله العيني وهو الظاهر. قوله: (بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى...) إلى آخره، فيه دليل على أن أوساط المفصل إلى: والضحى، لأن هذه الصلاة صلاة العشاء، والسنة فيها القراءة من أوساط المفصل لا من قصاره، ثم ذِكْرُ هذه السور الثلاث ليس للتخصيص بعينها، لأن المراد هذه الثلاث أو نحوها من القصار، كما في بعض الروايات لفظ: (وَنَحْوِهَا). قوله: (فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ) تقدَّم شرحه في الباب الذي قبله، وكان هذا هو الحامل لمن وحَّد (٤) بين القصتين. قوله:
следующие страницы →