حسنا أو يجتنبوا آخر سيئا؛ فيوجه الخطاب لتلميذه المثالي أو لولده الأكبر قائلا (أنت لست مثلهم)؛ لعلمه أنه في مقام القدوة لهم، فهل يعني ذلك أن غيره من التلاميذ أو الأخوة ليس مطلوب منهم امتثال الخلق الحسن واجتناب السيئ! ومما يشهد لذلك اعتماد أهل العلم على حديث نبهان في القول بمنع سائر النساء من النظر للرجال الأجانب:
قال ابن حبان في صحيحه (١٢/ ٣٨٧): قال أبو حاتم قوله ﷺ أفعمياوان أنتما لفظة استخبار مرادها الزجر عن نظرهما إلى الرجل الذي كف وفيه دليل على أن النساء محرم عليهن النظر إلى الرجال إلا أن يكونوا لهن بمحرم سواء كانوا مكفوفين أو بصراء.
وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٦): الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وأكثر الصحابة أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ولأن الفتنة مشتركة وكما يخاف الافتتان بها تخاف الافتتان به ويدل عليه من السنة حديث نبهان مولى أم سلمة.
وقال علي القاري في مرقاة المفاتيح (٦/ ٤٤٤): والصحيح الذي عليه الجمهور أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ولحديث أم سلمة (أفعمياوان أنتما).
стр. 317
وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٢٤٨) ومحمد آبادي في عون المعبود (١١/ ١١٤): وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قول الشافعي وأحمد قال النووي وهو الأصح،
وقال ابن عبد البر المالكي في التمهيد (١٩/ ١٥٤) والاستذكار (٦/ ١٦٩): ففي هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى ويشهد له ظاهر قول الله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ كما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ويشهد لذلك من طريق الغيرة أن نظرها إليه كنظره إليها.
وقال الجاوي الحنفي في نهاية الزين (١/ ٤٧): الرجل له ثلاث عورات ... ثالثتها جميع بدنه وشعره حتى قلامة ظفره وهي عورته عند النساء الأجانب فيحرم على المرأة الأجنبية النظر إلى شيء من ذلك ولو علم الشخص أن الأجنبية تنظر إلى شيء من ذلك وجب حجبه عنها، ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط فإن لم تكن فتنة فلا إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقيب أو منعوا من الخروج إلا لضرورة.
стр. 318
رابعا: قال الشيخ الألباني بأن من صحح حديث نبهان من الحنابلة المعاصرين فقد خالف الإمام أحمد ومتَّبعيه من الحنابلة الكبار وغيرهم حديثياً وفقهياً؛ لأنهم صححوا الحديث وهو عند أحمد وغيره ضعيف معلَّل بالجهالة، ولم يتنبه لها ابن القطان فإن من عادته أن يعلَّ الحديث بمثلها "
١ - أما قوله أن من صحح حديث نبهان فقد خالف الإمام أحمد حديثيا؛ لأنه يرى أن الإمام أحمد قال بضعف حديث نبهان؛ وهذا لم يثبت عن الإمام أحمد إلا قوله أن نبهان روى "حديثين عجيبين"، ولذلك لم يعلل ابن القطان الحديث بالجهالة!!
٢ - أما قوله إنهم بتصحيحهم لحديث نبهان قد خالفوا الإمام أحمد فقهيا؛ فهذا قول غير صحيح! إذ إن القول بأنه لا يباح نظر المرأة للرجل؛ هو أحد قولي الإمام أحمد.
كما جاء في عون المعبود (١١/ ١١٤): وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قول الشافعي وأحمد، قال النووي وهو الأصح.
قال ابن قدامة الحنبلي في المغني (٧/ ٨١): فأما نظر المرأة إلى الرجل ففيه روايتان إحداهما لها النظر إلى ما ليس بعورة؛ والأخرى لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها، اختاره أبو بكر وهذا أحد قولي الشافعي لما
стр. 319
روى الزهري عن نبهان عن أم سلمة، ولقوله تعالى (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن).
وفي المبدع لابن مفلح الحنبلي (٧/ ١١): ويباح للمرأة النظر من الرجل إلى غير العورة نصره في الشرح وغيره لقول النبي ﷺ لفاطمة اعتدي في بيت أم مكتوم ... ولأنه لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب لئلا ينظرن إليهم كما تؤمر النساء به، وعنه لا يباح لها النظر إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها قدمه السامري وابن حمدان واختاره أبو بكر لحديث نبهان.
خامسا: أما ما ذكره الشيخ الألباني من رد بعضهم لحديث نبهان لمخالفته لحديث فاطمة بنت قيس؛ حيث أذن لها رسول الله ﷺ أن تعتد عند ابن أم مكتوم الأعمى فالجواب عنه من عدة وجوه:
١) ليس فيه أن النبي ﷺ أذن لفاطمة أن تنظر للرجل الأعمى كما نص على ذلك بعض أهل العلم كالنووي في شرح صحيح مسلم (١٠/ ٩٧):
وأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أم مكتوم فليس فيه إذن لها في النظر إليه بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيرها وهي مأمورة بغض بصرها فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة.
وفي عون المعبود (١١/ ١١٤): واحتجوا أيضا بحديث فاطمة بنت قيس ... ويجاب بأنه يمكن ذلك مع غض البصر منها ولا ملازمة بين الاجتماع في البيت والنظر.
стр. 320
٢) من دفع حديث نبهان بحجة صحة إسناد حديث فاطمة بنت قيس؛ فقد سبق أن بينا من أعلّ حديث فاطمة من أهل العلم وأسقط الاحتجاج به في مناقشة البحث السادس فليرجع إليه.
٣) أن من احتج بمخالفة حديث نبهان لحديث فاطمة بنت قيس؛ قد غفل عن موافقة حديث نبهان لكتاب الله في موضعين:
الأول: قوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ فإذا كانت النساء مأمورات في هذه الآية بأن يغضضن من أبصارهن عمن يحل لهم الدخول عليهن في البيوت دون حجاب عنهم - وسيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث التاسع - فكيف يقال بإطلاق جواز نظرهن لمن لا يحل له رؤيتهن إلا وهن محتجبات!
الثاني: قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٣ ففرض وجود الحجاب (الساتر) بين الرجل والمرأة عند المحادثة من قرب في البيوت ونحوها؛ يدل على عدم إطلاق جواز نظر المرأة للرجل، بقرينة في الآية وهي قوله ﴿وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فوجود الساتر والحاجز بين الجنسين أحرى لطهارة قلب كل منهما، وزوال هذا الساتر ينفي كمال الطهارة لقلب العين الناظرة - كمن تنظر للرجال وتخالطهم بنقابها - وهذا يبين أن الحجاب المضروب بينهما لمنع كلا الجنسين من النظر للآخر، ولذلك ينبغي أن
стр. 321
تحذر النساء من التهاون بهتك الستار والاختلاط المباشر بالرجال في البيوت وأماكن العمل لأنه يعد تجاوزا لما حدّه الشرع ومخالفة صريحة لكتاب الله.
قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٢٢/ ٣٩): ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ﴾ يقول تعالى ذكره سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء وفي صدور النساء من أمر الرجال وأحرى من ألا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل.
فهذا الحكم عام لجميع النساء كما بيناه مستوفيا في مناقشة البحث الثاني فليرجع إليه.
سادسا: أما من احتج بمخالفة حديث نبهان لحديث عائشة ﵂ قالت (رأيت رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون) (١)
فالجواب عليه بعد أن يقال أن هذا الحديث يعد من أدلة وجوب تغطية الوجه، أن الاحتجاج به على إطلاق جواز نظر المرأة للرجال الأجانب لا يصح لما يأتي:
١) أن من أذن رسول الله ﷺ لعائشة أن تنظر إليهم كانوا من العبيد الذين لا يحتجب منهم، فلا يقاس جواز النظر إليهم بجواز النظر إلى الأحرار.
стр. 322
يشهد لذلك قول الرسول ﷺ لهم (يا بني أرفدة) قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٤٤): قيل هو لقب للحبشة. . . وقيل المعنى يا بني الإماء.
ولذلك بوب البخاري لهذا الحديث بقوله (باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة) فقيّد جواز النظر بالحبشة ومن نحوهم من العبيد ولم يطلق بناء عليه جواز نظرها للرجال الأحرار الأجانب.
قال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٥٧): وأما الفرق بين ميمونة وأم سلمة، وبين عائشة إذ اباح لها النظر إلى الحبشة؛ فإن عائشة كانت ذلك الوقت والله أعلم غير بالغة ... ويجوز أن يكون قبل ضرب الحجاب (١) مع ما في النظر إلى السودان مما تقتحمه العيون.
стр. 323
٢) أن هؤلاء الحبش الذين أذن رسول الله ﷺ لعائشة أن تنظر إليهم؛ كانوا صبيانا ليسوا بالغين، كما قال العيني في عمدة القاري (٢٠/ ٢١٧): وأما المعارضة فلا نقول بها؛ بل نقول إن عائشة إذ ذاك كانت صغيرة فلا حرج عليها في النظر إليهم ... أو نقول إن الحبشة كانوا صبيانا ليسوا بالغين.
٣) أن هناك فرق بين النظر لرجل من قرب وتأمله، وبين النظر من بُعد لسودان يلعبون بحرابهم كما في الحديث (وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب) (١) ولذلك بوب النسائي للحديث في سننه الكبرى (١/ ٥٥٣) بقوله (نظر النساء إلى اللعب) ولم يقل إلى الرجال!
- وقال القاضي عياض: وفيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال، مثل هذا، لأنه إنما يكره لهن من النظر إلى الرجال ما يكره للرجال فيهن من تحديق النظر لتأمل المحاسن، والالتذاذ بذلك، والتمتع به (٢).
- قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٦/ ١٨٤): وفيه جواز نظر النساء إلى لعب الرجال من غير نظر إلى نفس البدن وأما نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي فإن كان بشهوة فحرام بالاتفاق وان كان بغير شهوة ولا مخافة فتنة ففي جوازه وجهان لأصحابنا أصحهما تحريمه لقوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ولقوله ﷺ لأم سلمة وأم حبيبة احتجبا عنه أي عن ابن أم
стр. 324
مكتوم ... وهو حديث حسن رواه الترمذي وغيره وقال هو حديث حسن وعلى هذا أجابوا عن حديث عائشة بجوابين وأقواهما أنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم وإنما نظرت لعبهم وحرابهم ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن وإن وقع النظر بلا قصد صرفته في الحال والثاني لعل هذا كان قبل نزول الآية في تحريم النظر.
- قال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ١٣١): وقد استدل لجواز نظر النساء إلى الرجال بما ثبت في الصحيح من أنه ﷺ أذن لعائشة أن تنظر إلى لعب الحبشة في المسجد ويجاب عنه بأنه لا تلازم بين النظر إلى وجوههم والنظر إلى لعبهم فإن اللعب هو الحركات الصادرة منهم من تقليب حرابهم بأيديهم وحركة أبدانهم. (١)
فالذي يتحقق من مجموع الأدلة أن نظر المرأة للرجل الأجنبي على قسمين:
стр. 325
١) النظر العابر أو من بُعد، كرؤية المرأة للرجال في الطريق، ومنه حديث عائشة ونظرها إلى الحبش وهم يلعبون، وهذا هو الذي يظهر فيه الفرق بين الرجال والنساء في جواز النظر.
٢) إدامة النظر للرجل من قُرب وتأمله فهذا الذي يمنع منه لأنه مظنة الفتنة، وهو الذي جاء النهي عنه في صريح القرآن ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ومنع منه النبي ﷺ كما في حديث نبهان، وهو المراد من قول من منع المرأة من النظر للرجل من الفقهاء.
قال ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٣٨٠): كما لا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة؛ فكذلك لا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجل، فإن علاقته بها كعلاقتها بهن وقصده منها كقصدها منه.
قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٢٠٢): وفي الأنوار في آخر كتاب الجهاد: المنكرات المألوفة أنواع؛ الأول: منكرات المساجد، قال: ولو كان الواعظ شابا متزينا كثِير الأشعار والحركات والإشارات وقد حضر مجلسه النساء وجب المنع فإن فساده أكثر من صلاحه بل ينبغي أن لا يسلم الوعظ إلا لمن ظاهره الورع وهيئته السكينة والوقار وزيُّه زيُّ الصالحين، وإلا فلا يزداد الناس به إلا تماديا في الضلال، فيجب أن يضرب بين الرجال والنساء حائل يمنع من النظر فإنه مظنة الفساد، ويجب منع النساء من حضور المساجد للصلاة ولمجالس الذكر إذا خيفت الفتنة اهـ. . . وفي المهذب في باب صلاة الجمعة:
стр. 326
ولأنها أي المرأة لا تختلط بالرجال وذلك لا يجوز فتأمله تجده صريحا في حرمة الاختلاط وهو كذلك لأنه مظنة الفتنة.
* قال الشيخ الألباني: فهذه أحاديث خمسة من الأحاديث الضعيفة التي يتداولها أكثر المؤلفين في تحريم وجه المرأة وكفيّها، وهم يختلفون في الإكثار والإقلال منها حسب توسع أحدهم في الموضوع وما يتصل به ... منها الضعيف، والمنكر جدّاً، والموضوع. ومن المفيد أن أقدم إلى القراء الكرام نماذج منها، دون الكلام على أسانيدها مكتفياً بالإحالة إلى كتابي الذي خرجته فيه وتكلمت عليه مفصلاً. اهـ
١ - وسبق أن بينَا ما احتج به الشيخ الألباني في كتابه الجلباب من الأحاديث والآثار بما فيها من الضعف والنكارة!
٢ - هذه الآثار ليست أصلا يعتمد عليه في إيجاب تغطية الوجه! لأن فيما صح غنية عنها، ولذلك لا فائدة من ذكرنا لها، ولكن سنذكر مثالا واحدا مما أنكر الشيخ الألباني على مخالفيه الاستشهاد به فقال: "وإليك مثالاً فيه تجلبب حفصة بعدما طلقها ﷺ ، وإسناده ليس بصحيح، فقد أعلّه ابن عبد البر والحافظ بالإرسال" اهـ وهو قد استشهد بهذا الحديث في كتابه جلباب المرأة (ص: ٨٦) فقال: (الجلباب لستر زينة المرأة عن الأجانب سواء خرجت إليهم أو دخلوا عليها فلا بد على كل حال من أن تتجلبب ويؤيد هذا ما قاله قيس بن زيد "أن رسول الله ﷺ طلق حفصة بنت عمر ... فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها فتجلببت فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل أتاني فقال لي: أرجع حفصة فإنها
стр. 327
صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة" وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير قيس بن زيد مختلف في صحبته، قال ابن عبد البر: "يقال: إن حديثه مرسل له صحبة" وقال الهيثمي "٩/ ٢٤٥": "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح"، وأخرجه الحاكم وذكر له شاهدا من حديث أنس، فيتقوى به إن شاء الله، لكن ليس فيه ذكر "التجلبب"، ورواه ابن سعد مختصرا بسند صحيح). اهـ
كان هذا ما ذكره الشيخ الألباني مما استشهد به مخالفوه وذيّله بما استشهد به بعضهم مما هو ليس نصا في تغطية الوجه؛ وإنما هو مما يستأنس به من تحذير الرجال من فتنة النساء؛ ولم يذكر الصحيح مما استدلوا به مما يقتضي وجوب تغطية الوجه كما سيأتي بيانه.
стр. 328
ــ:: الأدلة التي تشهد أن الحجاب المفروض على النساء الحرائر يقتضي تغطية الوجه:: ــ
(١) قول الرسول ﷺ "المرأة عورة" دون استثناء للوجه ولا لغيره، ولا خلاف في أن ستر العورة واجب. وهذا الحديث مما لم يتطرق له الشيخ الألباني بذكر في أي من كتابيه - الجلباب والرد المفحم- مع صحة إسناده!
-عن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال" المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان" (١)
- عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - وهو من التابعين ومن الفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم العلم في المدينة - قال: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. (٢)
- قال المباركفوري في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (٤/ ٢٨٣): قوله (المرأة عورة) قال في مجمع البحار: جعل المرأة نفسها عورة لأنها إذا ظهرت يُستحى منها كما يُستحى من العورة إذا ظهرت والعورة السوأة وكل ما يستحي منه إذا ظهر. وقيل إنها ذات عورة (فإذا خرجت استشرفها الشيطان) أي زينها في نظر الرجال ... والمعنى؛ أن المرأة يستقبح بروزها وظهورها فإذا خرجت أمعن النظر إليها ليغويها بغيرها ويغوي غيرها بها ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة.
стр. 329
- وقال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ١٤٢): قوله فيستشرفها الشيطان أي ينتصب ويرفع بصره إليها ويهم بها لأنها قد تعاطت سببا من أسباب تسلطه عليها وهو خروجها من بيتها.
(٢) أمر النساء بالقرار في البيوت وعدم الإذن لهن بالخروج إلا لحاجة:
قال تعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣
- قال أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) في أحكام القرآن (٥/ ٢٢٩): وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت منهيات عن الخروج.
- قال ابن الجوزي في زاد المسير (٦/ ٣٧٩): قال المفسرون ومعنى الآية الأمر لهن بالتوقر والسكون في بيوتهن وألا يخرجن.
- قال القرطبي في تفسيره (١٤/ ١٧٩): معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء؛ كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة.
- قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٨٣): أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه.
стр. 330
- قال الألوسي في تفسيره روح المعاني (٢٢/ ٦): والمراد أمرهن رضي الله تعالى عنهن بملازمة البيوت وهو أمر مطلوب من سائر النساء.
* فلم يؤذن للنساء في الخروج على عهد رسول الله ﷺ إلا لقضاء الحاجة -من البراز - أو للصلاة. ثم إنه كما قال ابن حجر في الفتح (١/ ٢٥٠): خروج النساء للبراز (١) لم يستمر، بل اتخذت الأخلية في البيوت فاستغنين عن الخروج إلا للضرورة.
- وعن عبد الله بن مسعود قال" إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس، فيستشرفها الشيطان فيقول إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتيه، وأن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال أين تريدين؟ فتقول أعود مريضا أو أشهد جنازة أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها" (٢) اهـ
وجاء في الفواكه الدواني (٢/ ٣١٣): النساء على ثلاثة أقسام شابة غير مخشية الفتنة ومن في حكمها فهذه لا تخرج إلا لصلاة الفرض في المسجد أو لجنازة من تتأثر بموته كما قال المصنف، ومتجالة -المرأة العجوز-لا رغبة للرجال فيها وهذه تخرج لكل شيء وشابة يخشى الافتتان بها فهذه لا تخرج أصلا. اهـ
стр. 331
* وما أوجب الله نفقتها على وليّها وأعفاها من الجمع والجماعات إلا قطعا لأسباب الخروج. بل إنه لم يرخص لهن الخروج للصلاة في المساجد إلا ليلا؛ وقتي العشاء والفجر (١):
- قال النبي ﷺ "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن" (٢) وقال "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل" (٣) وقال "ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد" (٤)
- وعن عائشة ﵂ قالت" كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس" (٥)
- قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣٩٥): إنما أذن لهن مشاهدة الصلوات بالليل لا بالنهار، وقال مع ذلك وبيوتهن خير لهن.
- قال ابن حجر (٢/ ٣٤٧): كان اختصاص الليل بذلك لكونه أستر وأخفى.
стр. 332
* ومع ذلك لم يطلق لهن الإذن بالخروج ولكن قُيّد بضوابط وشروط:
(٣) أمرهن بإدناء الجلباب على وجوههن عند الخروج وهو الأصل الذي يستند عليه في وجوب تغطية الوجه: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وقد أجمع المفسرون وفيهم أئمة في الفقه واللغة - كما أسلفنا في مناقشة البحث الأول- على أن المراد بهذا الأمر: وجوب تغطية الوجه على الحرائر من نساء المسلمين، وعليه جرى العمل من نساء هذه الأمة يشهد لذلك الآثار الآتية:
- عن أم سلمة ﵂ قالت "لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية" وفي رواية "من أكسية سود يلبسنها" (١).
- عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله تعالى نساء الأنصار لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ الآية شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله ﷺ كأنما على رؤوسهن الغربان) (٢) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن الاعتجار يعني تغطية الوجه.
стр. 333
- قال ابن عباس: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن ويبدين عيناً واحدة" (١)
- وعبيدة السلماني لما سئل عن قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فتقنع بردائه فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. (٢)
- وقال قتادة (أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) (٣)
- وقال سعيد بن جبير: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) (٤)
- وعندما اصطفى النبي ﷺ لنفسه صفية بنت حيي من سبي خيبر (فلما ارتحل وطَّى لها خَلْفه ومدَّ الحجاب بينها وبين الناس) وفي رواية (وجعل رداءه على ظهرها ووجهها) (٥).
стр. 334
- وكما في حديث عائشة ﵂ قالت (رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد). (١)
- وقالت عائشة ﵂ (كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن) (٢) وسبق أن بينا في جوابنا عن الحديث الرابع في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه.
- وقالت عائشة ﵂ في حادثة الإفك (فخمرت وجهي عنه بجلبابي) (٣)
- وقالت عائشة ﵂ لما خرج رسول الله ﷺ ليلا ليستغفر لأهل البقيع (اختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره) (٤) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه.
- قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ (كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام) (٥)
стр. 335
- وقالت أسماء ﵂: (خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فسمعت رجة الناس وهم يقولون آية ... فخرجت متلفعة بقطيفة للزبير حتى دخلت على عائشة) (١)
- وقالت فاطمة بنت المنذر: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات) (٢).
- قال عاصم الأحول (كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا؛ وتنقبت به). (٣)
- وجاءت امرأة إلى سمرة بن جندب ﵁ ... قال وجاءت المرأة متقنعة) (٤)
- وقالت زينب امرأة عبد الله بن مسعود: كانت عجوز تدخل علينا ... وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت فدخل يوما فلما سمعت صوته احتجبت منه. (٥)
стр. 336
ومن الضوابط والشروط التي قُيّد بها جواز خروج المرأة:
(٤) أمرهن بأن يبالغن في تسترهن بإرخاء ذيول جلابيبهن لستر أقدامهن:
- قال النبي ﷺ (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) فقالت أم سلمة فكيف يصنعن النساء بذيولهن قال" يرخين شبرا" فقالت إذا تنكشف أقدامهن قال" فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه" (١) وفي رواية عن أم سلمة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ كم تجر المرأة من ذيلها؟ قال شبرا. قالت: إذا ينكشف عنها. قال: ذراع لا تزيد عليها. (٢) قال البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٣٣): وفي هذا دليل على وجوب ستر قدميها" (٣)
قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٥٩): فهمت أم سلمة الزجر عن الإسبال فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة لأن جميع قدمها عورة".
ينبني على ذلك أنه من المستبعد أن يأمر الشارع الحكيم أن تبالغ المرأة في ستر قدميها أمام الرجال الأجانب ويبيح لها أن تكشف وجهها وهو أعظم فتنة من الأقدام!!
стр. 337
(٥) اشتراط عدم خروجهن بالطيب والزينة:
قال النبي ﷺ " أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية" (١) قال بن دقيق العيد: ويلحق بالطيب ما في معناه لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال. (٢)
قال ابن حزم في المحلى (١٠/ ٤٠): مسألة ولا يحل للمرأة التبرج ولا التزين للخروج إذا خرجن لحاجة قال الله ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣ وقد ذكرنا في كتاب الصلاة أمر النبي ﷺ إذا خرج النساء إلى الصلاة أن يخرجن تفلات.
- قال ﷺ " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات" (٣)
- وصح عن زينب امرأة عبد الله قالت قال لنا رسول الله ﷺ " إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمسَّ طيبا" (٤).
стр. 338
- وقال ﷺ " أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخر" (١) وقال" إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة" (٢)
فإذا كان هذا في ظلمة الليل وهي خارجة للمسجد، فكيف يجب أن يكون حال من كان خروجها نهارا ولغير المساجد؟!
قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة /١٣٩: فإذا كان ذلك حراما على مريدة المسجد فماذا يكون الحكم على مريدة السوق والأزقة والشوارع؟ لا شك أنه أشد حرمة وأكبر إثما وقد ذكر الهيتمي في (الزواجر) (٢/ ٣٧) أن خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر ولو أذن لها زوجها. ثم إن هذه الأحاديث عامة تشمل جميع الأوقات وإنما خص بالذكر العشاء الآخرة لأن الفتنة وقتها أشد فلا يتوهمن منه أن خروجها في غير هذا الوقت جائز.
(٦) اشتراط عدم اختلاطهن بالرجال في الطرقات، فمنع الاختلاط في غيرها من باب أولى:
- عن أبي أسيد الأنصاري أنه سمع سول الله ﷺ وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله ﷺ " استأخرن فليس لكن أن
стр. 339
تحققن الطريق (١)، عليكن بحافَّات الطريق" فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به" (٢)
- عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " ليس للنساء وسط الطريق" (٣)
- عن أم سلمة ﵂ " أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلَّمن من المكتوبة قُمْنَ وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال" (٤) قال الزهري نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال. (٥) وفي رواية قالت" كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ " (٦)
قال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٣٣٦): وفيه اجتناب مواضع التهم وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلا عن البيوت.
* ومع تلك القيود كلها جعلت صلاتهن في بيوتهن خير لهن كما قال الرسول ﷺ " لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن" (٧).
стр. 340
* ولعدم تقيّد النساء بعد ذلك بما سبق اشتراطه لهن عند الخروج على عهد رسول الله ﷺ ؛ كُره لهن بعد ذلك الصلاة في المساجد كما قالت عائشة ﵂: " لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد (١) كما منعت نساء بني إسرائيل" (٢)
قال الشوكاني في نيل الأوطار (٣/ ١٦٢): تريد ما اتخذن من حسن الملابس والطيب والزينة. كماصح عن ابن مسعود كان يحصب النساء يخرجهن من المسجد يوم الجمعة ويقول "صلين في بيوتكن" وفي رواية " أخرجن إلى بيوتكن خير لكن". (٣)
ولذلك كره جماعة من السلف خروج المرأة إلى العيدين:
- قال الثوري: أكره اليوم للنساء الخروج إلى العيدين، وقال ليس للمرأة خير من بيتها وإن كانت عجوزا. (٤)
- قال ابن المبارك: أكره اليوم للنساء الخروج في العيدين، فإن أبت المرأة إلا أن تخرج فليأذن لها زوجها أن تخرج في أطمارها ولا تتزين، فإن أبت أن تخرج كذلك فللزوج أن يمنعها من ذلك. (٥)
стр. 341
- قال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري في شرح صحيح البخاري (٥/ ٣٠٩): قال الإمام أحمد: " أكره خروجهن في الزمان لأنهن فتنة " وعن أبي حنيفة رواية " لا يخرجن إلا للعيدين خاصة " وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي قال: "حقٌ على كل ذات نطاق أن تخرج للعيدين" ولم يكن يرخص لهن في شيء من الخروج إلا في العيدين. ومنهم من رخص فيه للعجائز دون الشواب، وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد، وطائفة من أصحابنا أو أكثرهم. اهـ
فانظر رحمك الله أقوال الأئمة لوجود بعض الفتنة بها وهي خارجة تتعبد الله في المسجد فكيف يقال بجواز خروجها مطلقا لغير المساجد؟!
* قال الإمام ابن الجوزي في أحكام النساء/٣٩: ينبغي للمرأة أن تحذر من الخروج مهما أمكنها، إن سلمت في نفسها لم يسلم الناس منها، فإذا اضطرت إلى الخروج خرجت بإذن زوجها في هيئة رثة، وجعلت طريقها في المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق، واحترزت من سماع صوتها، ومشت في جانب الطريق لا في وسطه.
* قال الإمام الذهبي في الكبائر (١/ ١٧٦ - ١٧٧): وقال النبي ﷺ (اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء) (١) وذلك بسبب قلت طاعتهن لله ورسوله ولأزواجهن وكثرة تبرجهن والتبرج إذا أرادت الخروج لبست أفخر ثيابها وتجملت وتحسنت وخرجت تفتن الناس بنفسها فإن سلمت هي بنفسها لم يسلم الناس منها ولهذا
стр. 342
قال النبي ﷺ (المرأة عورة فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان وأعظم ما تكون المرأة من الله ما كانت في بيتها) (١) ... فإن اضطرت للخروج لزيارة والديها وأقاربها ولأجل حمام ونحوه مما لا بد لها منه فلتخرج بإذن زوجها غير متبرجة في ملحفة وسخة في ثياب بيتها وتغض طرفها في مشيتها.
* قال ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٢٠٢ - ٢٠٤): وفي مصنف ابن العطار: وينبغي للمرأة أن لا تخرج من بيتها بل تلزم قعره فإنها كلها عورة والعورة يجب سترها، وأما الخروج إلى المساجد في الغلس عند أمن الضرر والفتنة فقد كان مأذونا فيه زمن النبي ﷺ وزمان بعض أصحابه، ثم منع منه لما أحدث النساء من الافتتان بهن والتبهرج والتطيب وفتنتهن بالرجال، ثم ذكر حديث عائشة في منعهن ثم قال وينبغي للمرأة إذا خرجت من بيتها أن لا تتزين ولا تتطيب ولا تمشي وسط الطريق وأن لا يكون خروجها لحاجة شرعية إلا بإذن زوجها وينبغي للرجل أن لا يعين زوجته ولا امرأة ممن يحكم عليها بشيء من أسباب الإعانة على الخروج من بيتها وقد ثبت في الصحيح الإذن لهن يوم العيد والخروج إلى المصلى متلفعات بمروطهن حتى الحُيَّض ليشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزلن المسلمين وقد منع هذا في غير هذه الأزمان لما في حضورهن من المفاسد المحرمة، قال حجة الإسلام في الإحياء: وقد كان أذن رسول الله ﷺ للنساء في حضور المساجد والصواب الآن المنع إلا العجائز بل استصوب ذلك في زمن الصحابة ﵃ حتى قالت عائشة ﵂ وذكر ما مر عنها
стр. 343
وقال فيه أيضا في كتاب الأمر بالمعروف ويجب منع النساء من حضور المساجد للصلاة ومجالس الذكر إذا خيفت الفتنة بهن. فهذه أقاويل العلماء في اختلاف الحكم فيها بتغير الزمان، وأهل الأقاويل المذكورة هم جمهور العلماء من المجتهدين والأئمة المتقين والفقهاء الصالحين الذين هم من الممهرين فيجب الأخذ بأقاويلهم لأنهم علم الأمة واختيارهم لنا خير من اختيارنا لأنفسنا ومن خالفهم فهو متبع لهواه ... ويتضح الأمر بذكر تلك المحرمات المقترنة بالخروج:
فمنها أن خروجها متبرجة أي مظهرة لزينتها منهيٌّ عنه؛ روى ابن حبان والحاكم أن رسول الله ﷺ قال (يكون في أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف العنوهن فإنهن ملعونات) ...
ومنها تحريم نظر الأجانب إليها ونظرها إليهم كما صححه النووي.
ومنها مزاحمة الرجل في المسجد أو الطريق عند خوف الفتنة فإن ذلك حرام ... ينبغي القطع في زماننا بتحريم خروج الشابات وذوات الهيئات لكثرة الفساد والمعنى المجوز للخروج في خير القرون قد زال وأيضا فكن لا يبدين زينتهن ويغضضن أبصارهن وكذا الرجال ومفاسد خروجهن الآن محققة ... ولا يتوقف في منعهن إلا غبي جاهل قليل البضاعة في معرفة أسرار الشريعة قد تمسك بظاهر دليل حملا على ظاهره دون فهم معناه مع إهمالهم فهم عائشة ومن نحا نحوها ومع إهمال الآيات الدالة على تحريم إظهار الزينة وعلى وجوب غض البصر فالصواب الجزم بالتحريم والفتوى به. اهـ
стр. 344
(٧) نهي الرجال الأجانب (غير المملوكين) عن الدخول على النساء في البيوت؛
- عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال" إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال" الحمو الموت" (١)
ولما كانت الحاجة أحيانا تقتضي سؤال الرجل الأجنبي حاجة من أهل البيت؛ أبيح له ذلك ولكن قُيّد جوازه بشروط:
(٨) تحريم الاختلاط بهن في البيوت ورؤية أشخاصهن ولو كن مسترات بالجلابيب، وهذا هو الأصل في حجاب البيوت بنهي المرأة من البروز للرجال الأجانب وإن كانت مستترة بالجلباب قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ وهذا كما أسلفنا أمر يقتضي وجود الحجاب (الساتر) بين الرجل والمرأة
عند سؤال الحاجة من قرب في البيوت ونحوها، مما يدل على عدم إطلاق جواز المخالطة والنظر للمرأة وإن كانت متجلببة، كما يدل على عدم إطلاق جواز نظر المرأة للرجل، ومما يشهد لذلك قوله ﴿لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فوجود هذا الساتر والحاجز بين الجنسين أحرى لطهارة قلب كل منهما، وذلك يبين دقة التشريع وحكمته، إذ أوجب الساتر بين الجنسين عند سؤال الحاجة من قرب، واكتفى بالجلابيب للنساء عند
стр. 345
الاضطرار للخروج، لأن الشرع لم يأذن لها بمخالطة الرجال خارج البيت والوقوف معهم لتبادل أطراف الحديث؛ وإنما أذن لها أن تخرج مستترة بظلمة الليل تفلة لا يظهر منها شيء تمشي في حافة الطريق تقضي حاجتها ثم تعود لبيتها، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الرائي من بُعد لشخوص نساء مستترات إذا خرجن لحاجة، ليس كمن يجالس امرأة يحادثها وتحادثه وإن كانت مستترة بالجلباب!!
قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٧٢): وسؤال المتاع من وراء حجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي أكثر تطهرا من الخواطر الشيطانية التي تخطر للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال فإن الرؤية سبب التعلق والفتنة.
قال القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٢٨) وابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٦١٦): قوله تعالى ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يريد من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال أي ذلك أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله وأحصن لنفسه وأتم لعصمته.
(٩) تحريم الخلوة بهن ممن يحل له الدخول عليهن ممن لا يعد محرما لهن من العبيد ونحوهم، فتحريم ذلك على من لا يحل له مخاطبتهن إلا من وراء حجاب من باب أولى:
стр. 346
- عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم" (١) - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مُغِيبَة إلا ومعه رجل أو اثنان" (٢) وقال ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم" (٣)(١٠) نهي المرأة عن أن تصف امرأة أجنبية لزوجها؛
- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ " لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها". (٤) وهو صريح الدلالة على وجوب تغطية الوجه، إذ لو كانت النساء كاشفات الوجوه يراهن الرجال لما كان لنهي رسول الله ﷺ فائدة؟!
(١١) الأذن للخاطب بالنظر؛ مما يدل على عدم تمكنه من النظر قبل الخطبة:
- عن أنس ﵁ أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة فقال له النبي ﷺ (اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) قال: فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتها إلى أبويها وأخبرتهما بقول النبي ﷺ فكأنهما كرها ذلك، قال فسمعت ذلك المرأة
стр. 347
وهي في خدرها، فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر وإلا فأنشدك، كأنها أعظمت ذلك، قال فنظرت إليها فتزوجتها. (١)
- عن محمد بن مسلمة ﵁ قال خطبت امرأة فجعلت أتخبأ لها حتى نظرت إليها في نخل لها فقيل له أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول (إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها). (٢)
وهذه الأحاديث صريحة الدلالة على تقييد جواز النظر بالخطبة، مما يدل على تحريمه لغير الخاطب، كما تدل على أن النساء لم يكن كاشفات وجوههن بحضرة الرجال الأجانب، مما استلزم أن يُندب الخاطب إلى أن ينظر إلى مخطوبته، ولو كانت النساء مسفرات لما كان في حث الخاطب على النظر؛ فائدة!
بل إن بعض الفقهاء لم يدع جواز النظر للخاطب على إطلاقه (٣):
стр. 348
قال ابن القطان في أحكام النظر (ص/ ٤٧٥): لو كان خاطب المرأة عالما أنها لا تتزوجه، وأن وليها لا يجيبه، لم يجز له النظر وإن كان قد خطب. لأنه إنما أبيح النظر ليكون سببا للنكاح، فإذا كان على يقين من امتناعه فيبقى النظر على أصله من المنع.
فتبين بذلك أن تقييد جواز النظر بالخطبة والشهادة ونحوها فيه تحريم النظر لغير ذلك، وإذا ثبت تحريم النظر ثبت وجوب تغطية الوجه كما نقل الشيخ الألباني عن ابن القطان.
ويؤيد ذلك كله جريان العمل بتغطية النساء الحرائر وجوههن كما أسلفنا من أحاديث وآثار، وعليه أئمة المسلمين وعلمائهم.
فثبت بذلك أن تغطية الوجه فرض افترضه الله على الحرائر من النساء، وبطل قول الشيخ الألباني أنه سنة أو مستحب.
стр. 349
ــ:: البحث الثامن:: ــ
(إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها وكفيها)
قال الشيخ الألباني: لقد تهافت القوم على نقد هذا الحديث وتضعيفه، مخالفين في ذلك من قوّاه من حفاظ الحديث ونقاده: كالبيهقي في "سننه"، والمنذري في "ترغيبه"، والذهبي في "تهذيبه"، وغيرهم ... كما اتفقوا جميعاً على مخالفته قاعدة العلماء في تقوية الحديث بالطرق والآثار السلفية - إلى أن قال بعد أن ذكر بعض عبارات التعديل لأحد رواة الحديث وهو سعيد بن بشير- فهذه النصوص من هؤلاء الأئمة لا تدل على أن سعيداً هذا ضعيف جدّا لا يصلح للاستشهاد به، بل هي إن لم تدل على أنه وسط يستدل بحديثه، وهذا ما صرّح به الزيلعي، فقال في "نصب الراية" (١/ ٧٤) "وأقلّ أحوال مثل هذا أن يستشهد به" ... وسعيد بن بشير هذا لم يتفرد بمتن هذا الحديث، بل قد تابعه عليه ثقة حافظ عند أبي داود في "المراسيل" بسنده الصحيح عن هشام عن قتادة: (أن رسول الله ﷺ قال: فذكره نحوه) فهذه متابعة قوية من هشام لسعيد، فيكون إسناده مرسلاً صحيحاً، لأن قتادة تابعي جليل، قال الحافظ في" التقريب": " ثقة ثبت" وحينئذ يجرى فيه حكم الحديث المرسل إذا كان له شواهد، فقد رجحنا رواية قتادة هذه المرسلة لقوة إسنادها اتباعاً لعلم الحديث، لأن كلاً من الرواية المرسلة والمسندة تؤيد الأخرى متناً، ويشهد لهما الحديث الثالث عن أسماء بنت عميس ... - إلى أن نقل الشيخ الألباني عن أحد
стр. 350
معارضيه قوله - (أن مراسيل قتادة ضعيفة لا تقوم بها حجة أبداً) فقال الشيخ الألباني: عدم الاحتجاج بمرسل قتادة ليس موضع خلاف، وإنما هو: هل يتقوى بالمسند الضعيف أم لا؟ فنحن نرى تبعاً للبيهقي وغيره أن يتقوى. وتقوية المرسل بالشواهد أمر معروف لدى العلماء ولو كان النوع الذي لا يحتج به، ومرسل قتادة، فإنه قد عمل به أكثر العلماء. وهناك مقوٍّ ثالث لحديثنا هذا وهو أن له شاهدين مسندين من حديث عائشة وأسماء بنت عميس كما تقدم أيضاً. ومقوٍّ رابع، وهو قول أو عمل رواته به، عائشة وأسماء بنت عميس، وقتادة:
١ - أما عائشة، فقد صح عنها أنها قالت في المحرمة: "تسدل الثوب على وجهها إن شاءت" وبه قال الأئمة الأربعة وغيرهم.
٢ - وأما أسماء، فقد صح: أن قيس بن أبي حازم دخل مع أبيه على أبي بكر ﵁ وعنده أسماء، فرأياها امرأة بيضاء موشومة اليدين.
٣ - وأما قتادة، فقد قال في تفسير آية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: "أخذ الله عليهن أن يُقَنِّعنَ على الحواجب". والمعنى: يشددن جلابيبهن على جباههنَّ، وليس على وجوههن كما فسره الإمام ابن جرير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٢٥ - ٢٦): "والضعيف نوعان: ضعيف لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعفاً يوجب تركه، وهو الواهي. وقد يكون الرجل عندهم ضعيفاً لكثرة الغلط في حديثه، ويكون الغالب عليه الصحة، (فيروون حديثه) لأجل الاعتبار به
стр. 351
والاعتضاد به، فإنَّ تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها بعضاً، ولو كان الناقلون فُجَّاراً فساقاً، فكيف إذا كانوا علماء عدولاً، ولكن كثر في حديثهم الغلط؟! ولقد أبان ابن تيمية في كلمة أخرى عن تقوية الحديث الضعيف بالطرق، فقال (١٣/ ٣٤٧): "والمراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصداً، كانت صحيحة قطعاً، وإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات، وقد علم أن المُخْبِرَين لم يتواطآ على اختلاقه، علم أنه صحيح ... قال: وهذا الأصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي وما يُنقل من أقوال الناس". ولهذا، إذا روي الحديث من وجهين مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر، جزم بأنه حق لاسيما إذا علم أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب وإنما يخاف على أحدهما النسيان أو الغلط. وذكر نحو هذا؛ الحافظ العلائي في "جامع التحصيل" (٣٨) وزاد: "فإنه يرتقي بمجموعهما إلى درجة الحسن" ثم قال ابن تيمية "وفي مثل هذا يُنتفع برواية المجهول والسيئ الحفظ وبالحديث المرسل ونحو ذلك ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره ... والمرسل في أحد قولي العلماء حجة كمذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وفي الأخرى حجة إذا عضده قول جمهور أهل العلم وظاهر القرآن أو أرسل من وجه آخر" قال الشيخ الألباني: ومرسل قتادة هذا الذي نحن في صدد الكلام عليه وبيان صحته، قد توفرت فيه هذه الشروط كلها وزيادة كما تقدم بيانه فينبغي أن يكون حجة باتفاق لا خلاف فيه ... اهـ
стр. 352
ــ:: مناقشة البحث الثامن:: ــ
استشهد الشيخ الألباني في هذا المبحث بما أخرجه أبو داود عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ دخلت عليها وعندها النبي ﷺ في ثياب شامية رقاق فضرب رسول الله ﷺ إلى الأرض ببصره قال: (ما هذا يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى كفه ووجهه). (١) وذكر شاهدا له أخرجه البيهقي عن أسماء بنت عميس أنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة بنت أبي بكر ﵂ وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام، فلما نظر إليها رسول الله ﷺ قام فخرج، فقالت لها عائشة تنحي فقد رأى رسول الله ﷺ أمرا كرهه، فتنحت فدخل رسول الله ﷺ فسألته عائشة ﵂ لم قام؟ قال: " أولم تري إلى هيئتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا " وأخذ بكفيه فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه. (٢)
стр. 353
وشاهد آخر عن قتادة أن النبي ﷺ قال: "إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل" ثم قال: وهو مرسل صحيح يتقوى بما بعده!!
أولا: لابد أن نشير إلى ما تجلى في هذا المبحث من عدم إنصاف الشيخ الألباني غفر الله له بتضعيفه لحديث ابن عباس الذي فيه العين الواحدة وأثر عبيدة السلماني، ويتبين ذلك بالآتي:
(١) استشهاده بحديث عائشة؛ رغم ضعفه لأربع علل في إسناده:
قال الحافظ ابن القطان في أحكام النظر (ص: ٢٠٥): هذا حديث ضعيف؛ لأن سعيد بن بشير يضعف برواية المنكرات عن قتادة، وإن كان قد شهد له سبعة بالصدق، وابن عيينة بالحفظ، ولكنهم مع ذلك يضعفونه. وخالد بن دريك لم يدرك عائشة. قاله أبو داود، فالحديث منقطع. وزاد في كتابه بيان الوهم والإيهام (٣/ ٢٦): ... وخالد بن دريك، فإنه مجهول الحال.
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٦٧٥): وهو معلول من أوجه: بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه. (١)
أحدها: الطعن في سعيد بن بشير لا سيما في روايته عن قتادة.
ثانيها: أن خالد بن دريك مجهول الحال. كذا قال ابن القطان. (٢)
стр. 354
ثالثها: أنه مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة ... وأراد به الانقطاع.
رابعها: أنه مضطرب قال ابن عدي: لا أعلم يرويه عن قتادة غير سعيد بن بشير وقال فيه مرَّةً: عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عن عائشة. قال ابن القطان في كتابه (أحكام النظر): فهذه زيادة علة الاضطراب. (١)
ورغم هذه العلل في الحديث فهو مع ضعف سعيد بن بشير، منقطع، وفيه اضطراب، وفيه مجهول الحال! إلا أن الشيخ الألباني لم يمتنع من الاحتجاج به وتقويته بالشواهد، في حين أنه أنكر على مخالفيه احتجاجهم بحديث ابن عباس مع أن علتي حديث ابن عباس كما بينّاها هي خفّة في ضبط راويين لا تخرجه من دائرة الحديث الحسن وله شواهد منها شاهد صحيح عن عبيدة!!
(٢) قال الشيخ الألباني بعد أن ساق عبارات التعديل لسعيد بن بشير: (أنها لا تدل على أن سعيداً هذا ضعيف جدّا لا يصلح للاستشهاد به، بل هي إن لم تدل على أنه وسط يستدل بحديثه، فهي على الأقل تدل على أنه يعتبر ويتقوّى به، وهذا ما صرّح به الزيلعي، فقال وأقلّ أحوال مثل هذا أن يستشهد به"اهـ
فكيف يرد حديث "عبد الله بن صالح" الذي قال فيه الحافظ ابن القطان:
стр. 355
الرجل من أهل الصدق ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه لكنه مختلف فيه، فحديثه حسن) (١)؟!! وهل يعد سعيد بن بشير الذي قال عنه ابن حجر في التقريب (١/ ٢٣٤): "ضعيف" أمثل من علي بن أبي طلحة الذي قال عنه (١/ ٤٠٢): "صدوق قد يخطئ"! وهذا ما صرح به يعقوب الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٦٥): فقال عن علي بن أبي طلحة "وهو أمثل من سعيد بن بشير".
(٣) قال الشيخ الألباني: إن سعيد بن بشير هذا لم يتفرد بمتن هذا الحديث، بل قد تابعه عليه ثقة حافظ عند أبي داود في "المراسيل" بسنده الصحيح عن هشام عن قتادة، فيكون إسناده مرسلاً صحيحاً، لأن قتادة تابعي جليل، قال الحافظ في "التقريب": "ثقة ثبت" وحينئذ يجرى فيه حكم الحديث المرسل إذا كان له شواهد ... فقد رجحنا رواية قتادة المرسلة لقوة إسنادها اتباعاً لعلم الحديث، وإن كنا نعتقد أن ذلك لا يوهن من حجتنا شيئاً لأن كلاً من الرواية المرسلة والمسندة تؤيد الأخرى متنا!
فيقال إن كلاً من؛ حديث ابن عباس وهو أصح إسنادا من حديث عائشة، وأثر عبيدة وهو أصح إسنادا من معضل قتادة؛ تؤيد الأخرى متنا؟!! فقد وافق ابن عباس عبيدة السلماني عند الطبري بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين عنه، وعبيدة من كبار التابعين قال الذهبي: عبيدة بن عمرو السلماني الفقيه العلم، كاد أن يكون صحابياً، أسلم زمن الفتح باليمن وأخذ العلم عن علي وابن مسعود وبرع في الفقه، وكان ثبتا في الحديث، قال العجلي: كل شيء روى