٤ - أنه المنقول عن بعض تلامذة ابن عباس ﵁ كسعيد بن جبير فإنه فسر الإدناء: بوضع القناع على الخمار وقال" لا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت بها رأسها ونحرها". وذكر نحوه أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (٣/ ٣٧٢) عن مجاهد أيضاً مقروناً مع ابن عباس: " تغطي الحُرَّة إذا خرجت جبينها ورأسها". ومجاهد ممن تلقى تفسير القرآن عن ابن عباس. ثم تلقاه عن مجاهد قتادة فإنه من تلامذته والرواة عنه فقال في تفسير (الإدناء) " "أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب". أخرجه ابن جرير (٢٢/ ٢٣) بسند صحيح عنه.
فمن العجيب الغريب حقاً أن يذكر بعضهم هذا الأثر عقب حديث ابن عباس الضعيف هذا وعقب أثر عبيدة السلماني مستشهداً به! وهو حجة عليه!
وإن مما يسترعي الانتباه ويلفت النظر قول الشيخ الفاضل ابن عثيمين بعد أن ساق الحديث جازماً به "وتفسير الصحابي حجة بل قال بعض العلماء: إنه في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ". فأقول: نعم ولكن أثبت العرش ثم انقش! فقد كان الواجب قبل هذا أن تجيب عن علَّتي الحديث وتثبت صحته على أصول علم الحديث كما هو المفروض في أمثال هذه المسألة الخلافية ولا سيما وأنت في صدد الرد على مخالفك وقد ضعف حديثك هذا من قبل فإذا كنت مسَلِّماً بضعفه فلم احتججت به؟! وإن كنت ترى صحته فلماذا لم ترد عليه وتقيم الحجة على صحته؟!
стр. 282
ــ:: مناقشة البحث السابع:: ــ
أولا: أطلق الشيخ الألباني الحكم بالضعف على الآثار التي استشهد بها المخالفين له ولم يُعمل معها قواعد التحديث التي عمل بها مع أدلته، وإنما حكم عليها بالضعف بما لا يوجب لها الضعف! مما يوهم أن كل ما احتجوا به ضعيف واهٍ!!
ثانيا: أنكر الاستشهاد بأثر ابن عباس في تفسير آية إدناء الجلابيب الذي فيه إبداء العين الواحدة وهو قوله (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وذلك لعلتين في إسناده - خفة في ضبط راويين - رغم أن هذه العلل لا تسقطه من درجة الاحتجاج به! فإنه لاينزل بها عن رتبة الحسن، كما أن له شواهد صحيحة يتقوى بها، ويرتقي بها من الحسن إلى الصحيح - كما بينا ذلك مفصلا في مناقشة البحث الثالث فليرجع إليه - ولذلك فإن هذا الأثر يعد من الآثار الثابتة التي اعتمد عليها جل أهل العلم في تفسير هذه الآية:
قال الإمام جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٣ - ٥): وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة. وها أنا أسوق هنا ما ورد من ذلك عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ
стр. 283
كما احتج بها أئمة التفسير: ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، واعتمد على هذه الرواية علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام القرطبي في تفسيره، وكذلك الإمام ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، وغيرهم من المفسرين فكانت قوية ومحتجا بها عند علماء التفسير وغيرهم، وظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيدها؛ فلا وجه للطعن في هذه الرواية، فهي ثابتة عمل بها الأئمة واحتجوا بها.
ثالثا: استشهد الشيخ الألباني بقول ابن عباس: "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" -الذي نص على ضعفه- على أنه يناقض أثر العين الواحدة! واحتج بإدراج الطبري لقول ابن عباس "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" تحت قوله: "وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن" مستشهدا بذلك على أن الطبري يريد أن الفريق الآخر يرى أن الإدناء يكون بوضع الجلباب على الرأس وشده على الجبين دون تغطية الوجه!! وهذا تأويل مخالف لمراد الطبري من تقسيمه كما بيّناه في مناقشة البحث الخامس؛
قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا
стр. 284
واحدة. ذكر من قال ذلك: حدثني علي ... عن ابن عباس " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة" ... عن محمد عن عبيدة في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فلبسها عندنا ابن عون قال ولبسها عندنا محمد قال محمد ولبسها عندي عبيدة قال ابن عون بردائه فتقنع به فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب.
وقال آخرون بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد ... عن ابن عباس قال "كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" (١) حدثنا بشر عن قتادة " أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب" (٢) حدثنا ابن حميد عن أبي صالح " يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة". (٣) اهـ
ويتبين خطأ الشيخ الألباني في فهمه لمراد الطبري بالآتي:
стр. 285
أولا: قول الطبري: (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء) يدل على أنهم لم يختلفوا على ما ذكره قبل ذلك، وهو قوله: (قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن) أي أنهم متفقون على أن مراد الله من هذا الأمر هو أن تغطي نساء المؤمنين وجوههن بإدناء الجلابيب عليها، ولكن اختلفوا في صفة الإدناء كيف تكون لتحقيق هذه التغطية، ولذلك تجد أن من نقل عن الطبري من أهل العلم تفسير هذه الآية لا يذكر هذا الخلاف:
كما في عون المعبود (١١/ ١٠٦): وقوله ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة كذا في الجلالين، وقال الطبري في جامع البيان الجلباب رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن انتهى.
هل قول ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها) هو الأرجح؟
ثانيا: اسقط الشيخ الألباني من قول ابن عباس ما يبين الضابط في تقسيم الطبري وهو قوله (يغطين وجوههن "من فوق رؤوسهن بالجلابيب" ويبدين) فأسقط قوله (من فوق رؤوسهن بالجلابيب) ولذلك لم يتبين الضابط في تقسيم الطبري، وهو أن هناك فريقا قال إن تغطية الوجه تكون بسدل الجلباب على الوجه من فوق الرأس دون شدّ للجلباب حتى لا يظهر منها إلا عينا واحدة، وهي الصفة التي تغطي بها المرأة وجهها حال الإحرام، واستشهد الطبري على هذه الصفة بأثر عبيدة السلماني الموافق لقول ابن عباس.
стр. 286
ثالثا: استشهد الطبري لبيان الصفة الثانية للإدناء (تغطية الوجه) التي وصفها بقوله (وقال آخرون بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن) بقول ابن عباس: "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" وقول قتادة " إن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب" (١) وقول أبي صالح" يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة" ومفاد هذه الآثار كما حملها عليه أئمة التفسير؛ أنها تفيد تغطية الوجه من أسفل؛ بشد الجلباب على الجبين ثم رد طرفه وعطفه على الأنف فيغطي بذلك الوجه عدا العينين وهو التقنع، وهي الصفة التي نُهيت عنها المرأة حال إحرامها لما فيها من الشد والإلصاق على الوجه كما أسلفنا من قول ابن عباس (تدلي الجلباب على وجهها ولا تضرب به).
هذا مفاد تقسيم الطبري؛ وهو ما فهمه أهل التفسير من قول ابن عباس وقتادة؛ قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣) والمفسر النحوي أبو حيان في البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة ذلك أن تلويه فوق
الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
стр. 287
وبذلك تبين خطأ الشيخ الألباني فيما حمل عليه أثر ابن عباس وقتادة مخالفا ما حملها عليه أهل التفسير كما بينا ذلك مفصلا في مناقشة البحث الثالث! بل ومخالف لمعنى التقنع لغة وشرعا كما بيناه في مناقشة البحث الرابع.
رابعا: قال الشيخ الألباني أن قول ابن عباس "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" وإن كان إسناده ضعيفاً فإنه أرجح من الأول لأمور:
١) أنه الأقرب إلى لفظ (الإدناء) كما تقدم في" البحث الأول". يشير إلى ما نقله من قول الراغب الأصبهاني" (دنا)، الدنو: القرب ... ويقال: دانيت بين الأمرين وأدنيت أحدهما من الآخر ... "
فيقال؛ إذا كان معنى إدناء الجلباب هو شد الجلباب على الجبين كما قال؛ فسينبني عليه أن يكون معنى الإدناء والتقريب هو الشد؟!! وهذا لا يصح لغة! ولذلك فالذي يصح في معنى الإدناء في الآية هو ما تفق عليه المفسرون في تفسير هذه الآية ومنهم أئمة في اللغة العربية وقد بينا ذلك مستوفيا في مناقشة البحث الأول فليرجع إليه، وسأذكر هنا مثالين فقط:
- قال إمام العربية أبو جعفر النحاس النحوي اللغوي المفسّر (ت ٣٣٨ هـ) في كتابه إعراب القرآن (٣/ ٣٢٥): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين على وجوههن منه.
стр. 288
- وقال الإمام البارع العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠): ومعنى (يدنين عليهن من جلابيبهن) يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك.
٢) قال الشيخ الألباني " أنه الموافق لما صح عن ابن عباس: أن الوجه والكفين من الزينة الظاهرة " وسبق أن أشرنا إلى أن المراد بمن تُبدَى لهم الزينة الظاهرة (الوجه والكفين) هم من يحل لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب ممن لم يستثن في الآية من العبيد المملوكين للغير، ومن لم يبلغ الحلم من الأحرار، وليس المراد إظهار الوجه والكفين لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب، وسنبين قريبا ما صح من الأقوال في تأويل الزينة الظاهرة وأنها تشمل السوار والخاتم مما يؤكد ما ذكرنا وسيأتي بيان ذلك وتفصيله وتأصيله في مناقشة البحث التاسع إن شاء الله.
٣) قال الشيخ الألباني " إنه الموافق لقول ابن عباس "تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به" وسبق أن بينا في مناقشة البحث الأول أن الشيخ الألباني قد يكون توهم أن هذا الأثر كان تفسيرا من ابن عباس لآية إدناء الجلابيب، والصحيح أنه لم يرد لهذا الأثر ذكر في أي كتاب من كتب التفسير على الإطلاق! لأنه لم يكن تفسيرا من ابن عباس لآية الإدناء؛ وإنما كان لبيان كيف تغطي المحرمة وجهها؛ وذلك بسدل الجلباب عليه من فوق رأسها، لا بشده على الجبين ثم رفعه من
стр. 289
أسفل لعطفه على الأنف لأن المحرمة منهية عن الشد على الوجه كما بيناه في مناقشة البحث الخامس.
أما قوله إنه الموافق له؛ فالصحيح أنه وإن كان يوافقه على تغطية الوجه إلا أنه يخالفه في الكيفية؛ لأن قول ابن عباس" تدني الجلباب على وجهها ولا تضرب به" فيه أمر بالسدل على الوجه من فوق والنهي عن الضرب وهو الشد والإلصاق؛ أما قوله"تقنع وتشد على جبينها" ففيه مشروعية التغطية بالشد ورفع الثوب من أسفل للتقنع به، ولذك فإن الذي يوافق أثر ابن عباس هذا هو أثر العين الواحدة (يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة). والزيادة التي رواها "روح" في هذا الأثر تشهد لذلك - كما بينا ذلك مستوفيا في مناقشة البحث الأول - وهي كما عند أبي داود، والشافعي في باب: ما تلبس المرأة في إحرامها: (تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به، قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال لا تعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه). (١)
٤) قال الشيخ الألباني: إنه المنقول عن بعض تلامذة ابن عباس؛ كسعيد بن جبير فإنه فسر الإدناء: بوضع القناع على الخمار وقال" لا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت بها رأسها ونحرها"
стр. 290
أولا: ننقل قول ابن جبير بتمامه: عن سعيد بن جبير ﵁ في قوله (يدنين عليهن من جلابيبهن) قال: يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار، ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها. (١)
فيتبين أن ابن جبير فسر الإدناء بقوله (يسدلن عليهن من جلابيبهن) ثم زاد في البيان فقال (وهو القناع فوق الخمار) لما هو معلوم أن القناع يعني تغطية الوجه، والسدل كذلك يعني سدل الجلباب من فوق الرأس على الوجه، وقد قال به الشيخ الألباني كما في هامش (ص ١٠٨) من كتابه جلباب المرأة تعقيبا على قول أسماء بنت أبي بكر (كنا نغطي وجوهنا من الرجال ... في الإحرام) (٢) قال: والمراد بـ (نغطي) أي نسدل.
ثانيا؛ نقل الشيخ الألباني قول ابن جبير بتصحيف في قوله (وقد شدت بها) مما يوهم أن المراد شد الخمار والجلباب معا! والصحيح عند ابن أبي حاتم والسيوطي (وقد شدت به) وذلك يعني أن الشد عائد على الخمار دون الجلباب، لأنه فسر الإدناء بسدل الجلباب؛ فكيف يسدل الثوب ويشد في الوقت نفسه! كما أنه لو كان الشد عائدا على الخمار والقناع كليهما؛ فماذا ستكون فائدة لبس القناع فوق الخمار؟! فالصحيح أن المراد من قول ابن جبير: هو أن تسدل الجلباب من فوق رأسها على وجهها بعد أن تكون شدت
стр. 291
تحته بالخمار على رأسها ونحرها. وهذا يبين موافقته لأثر ابن عباس وعبيدة " أثر العين الواحدة" فيكون بذلك من شواهده التي يتقوى بها.
* ثم قال الشيخ الألباني: "وذكر نحوه أبو بكر الجصاص في" أحكام القرآن" عن مجاهد أيضاً مقروناً مع ابن عباس: "تغطي الحُرَّة إذا خرجت جبينها ورأسها" ومجاهد ممن تلقى تفسير القرآن عن ابن عباس ﵁". اهـ
فيقال: كان من الأولى نقل قول مجاهد لا نقل كلام الجصاص، كما إنه لم يتم النقل عن الجصاص ليتبين مراده (وقال ابن عباس ومجاهد تغطي الحرة إذا خرجت جبينها ورأسها خلاف حال الإماء) أما قول مجاهد فهو: " قوله ﴿يُدْنِينَ
عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يتجلببن فيعلم أنهن حرائر ". (١) فليس فيه ذكر لصفة التجلبب.
ومما يبين مراد أبو بكر الجصاص وأنه يرى وجوب تغطية وجه المرأة الحرة؛ قوله في الموضع الذي أخذ منه الشيخ الألباني قول مجاهد: أمر الله المؤمنات أن يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين. وقال ابن عباس ومجاهد تغطي الحرة إذا خرجت جبينها ورأسها خلاف حال الإماء ... قال أبو بكر -الجصاص- في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى
стр. 292
(ونساء المؤمنين) ظاهره أنه أراد الحرائر وكذا روي في التفسير لئلا يكن مثل الإماء اللاتي هن غير مأمورات بستر الرأس والوجه، فجعل الستر فرقا يعرف به الحرائر من الإماء. (١) أهـ
* ثم قال الشيخ الألباني: ثم تلقاه عن مجاهد قتادة فإنه من تلامذته والرواة عنه فقال "أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب" أخرجه ابن جرير بسند صحيح عنه. اهـ
فيقال صحيح أن قول قتادة هذا يوافق قول ابن عباس "تقنع وتشد على جبينها" ولكن على المعنى الصحيح للتقنع وهو تغطية الوجه بشد الجلباب على الجبين حتى يغطي الحواجب ثم يرد طرفه ويعطف على الأنف كما قال أهل التفسير؛ قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣) والمفسر النحوي أبو حيان في البحر المحيط (٧/ ٢٤٠):
واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. اهـ ولهذا فإن قول قتادة" أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب" الذي صححه الشيخ عنه، يعد أيضا من شواهد حديث ابن عباس التي يتقوى بها.
стр. 293
* بعد أن تبين أنه لايصح ما ذكره الشيخ الألباني من أسباب ترجيح الرواية الثانية؛ فلنا أن نرجح ونقوي - وإن كانت الروايتان تتفقان على تغطية الوجه - رواية ابن عباس" أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن ويبدين عيناً واحدة" للأمور الآتية:
(١) أنها أصح إسنادا؛ كما بينّاه مفصلا في مناقشة البحث الثالث؛
قال السيوطي في الإتقان (٢/ ٣ - ٥): عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ
وهي رواية قوّاها الإمام أحمد، واحتج بها البخاري في" الجامع الصحيح" وابن أبي حاتم في" تفسير القرآن" واعتمد على هذه الرواية علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره" محاسن التأويل" والإمام القرطبي في تفسيره" الجامع لأحكام القرآن" وكذلك الإمام ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة وغيرهم من المفسرين فكانت قوية محتجا بها عند علماء التفسير وغيرهم، كما أن ظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيدها، فهي ثابتة عمل بها الأئمة واحتجوا بها.
(٢) أنها الموافقة لفعل النبي ﷺ فإنه عندما اصطفى لنفسه صفية بنت حيي من سبي خيبر ( ... فلما ارتحل وطَّى لها خلفه ومدَّ الحجاب بينها وبين الناس وفي
стр. 294
رواية (وجعل رداءه على ظهرها ووجهها) (١). وكما في حديث عائشة ﵂ قالت (رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد). (٢)(٣) أنها الأقرب لمعنى الإدناء لغة كما بيّناه في مناقشة البحث الأول؛ كما فسّرها بذلك أئمة التفسير ممن هم أئمة في اللغة العربية:
- قال إمام العربية أبو جعفر النحاس النحوي اللغوي المفسّر في كتابه إعراب القرآن (٣/ ٣٢٥): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين على وجوههن منه.
- وقال الإمام البارع العلامة أبو القاسم الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٢٧٤): "يدنين عليهن" يرخين عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك.
(٤) لكثرة شواهدها:
١ - صح عن عبيدة السلماني لما سئل عن قوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فتقنع بردائه فغطى أنفه
стр. 295
وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. (١)
٢ - صح عن ابن عباس في صفة تغطية المحرمة وجهها (تدني الجلباب على وجهها ولا تضرب به، قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال: لاتعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه). (٢)
٣ - عن ابن عباس " كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها". (٣)
٤ - صح عن قتادة (أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) (٤)
٥ - عن سعيد بن جبير (يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) (٥)(٥) جريان العمل به من نساء سلف هذه الأمة امتثالا لهذه الآية:
стр. 296
١ - عن أم سلمة ﵂ قالت (لما نزل ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها). (١)
٢ - عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله ﷺ كأنما على رؤوسهن الغربان) (٢) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن الاعتجار يعني تغطية الوجه.
٣ - عن عائشة ﵂ قالت (إن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي ﷺ ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد) (٣) وسبق أن بينا في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه.
٤ - عن عائشة ﵂ أنها قالت في حادثة الإفك (فخمرت وجهي عنه بجلبابي). (٤) وصح عنها أنها قالت لما خرج رسول الله ﷺ ليلا ليستغفر لأهل البقيع) اختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره). (٥) وسبق أن بينا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه.
стр. 297
٥ - عن عائشة ﵂ قالت (فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها) (١) وقالت (تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها) (٢).
٦ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت (كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام). (٣)
٧ - عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات) (٤).
٨ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت (خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فسمعت رجة الناس وهم يقولون آية ... فخرجت متلفعة بقطيفة للزبير حتى دخلت على عائشة) (٥)
٩ - قال عاصم الأحول (كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا؛ وتنقبت به) (٦)
стр. 298
١٠ - وجاءت امرأة إلى سمرة بن جندب ﵁ فذكرت أن زوجها لا يصل إليها ... قال وجاءت المرأة متقنعة) (١)
١١ - عن زينب امرأة عبد الله قالت كانت عجوز تدخل علينا ... وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت فدخل يوما فلما سمعت صوته احتجبت منه. (٢)(٦) احتجاج أهل العلم بهذه الرواية؛ فقهاء ومحدثين ومفسرين فكان ذلك إجماعا منهم على حجيتها ووجوب العمل بها.
وبذلك نكون قد أقمنا الحجة على صحة حديث ابن عباس على أصول علم الحديث. وتبين خطأ الشيخ الألباني في تضعيفه لأثر ابن عباس، فإن أقل ما يقال في إسناده لو خلا مما ذكرنا مما يقويه ويعضده إنه حسن؛ والحديث الحسن يعمل به ويحتج به.
كما جاء في قواعد التحديث لمحمد جمال الدين القاسمي (١/ ١٠٦): بيان كون الحسن حجة في الأحكام: قال الأئمة: الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة، ولهذا أدرجه طائفة من نوع الصحيح ... وقال السخاوى في الفتح: منهم من يدرج الحسن في الصحيح لاشتراكهما في الاحتجاج، بل نقل ابن تيمية إجماعهم إلا الترمذي خاصة عليه، قال الخطابي: على الحسن مدار أكثر الحديث، لأن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح، وعمل به عامة
стр. 299
الفقهاء، وقبله أكثر العلماء. اهـ وقال السخاوي في فتح المغيث (١/ ٩٣): ونحوه قول البغوي: أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن. اهـ
فكيف وقد ثبت لحديث ابن عباس ما يقويه؛ من الشواهد، وجريان العمل عليه وقبول أهل العلم واحتجاجهم به مما يرتقي به من الحسن إلى الصحيح!
* وبعد أن تبين صحة الاحتجاج بقول ابن عباس في تفسير الإدناء على وجوب تغطية الوجه؛ فلنا أن نذكّر بما ذكره الشيخ ابن عثيمين ﵀ بعد الاستشهاد به وهو أن:
"تفسير الصحابي حجة بل هو في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ "
كما قال الحافظ ابن حجر في النكت (٢/ ٥٣١): والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁ إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع.
وبذلك ثبت أن تغطية المرأة الحرة لوجهها واجب وفرض بناء على تفسير الحبر (ابن عباس) لآية إدناء الجلابيب.
стр. 300
ــ:: تتمة البحث السابع (١):: ــ
قال الشيخ الألباني: الحديث الثاني: من الضعيف الذي استدلوا به: "سؤال ابن سيرين عبيدة السلماني عن آية (الإدناء)؟ فتقنَّع عبيدة بِملحفة وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطّى وجهه وأخرج عينه اليسرى". أخرجه السيوطي في "الدر". وبيان ضعفه من وجوه:
١ - أنه مقطوع موقوف فلا حجة فيه لأن عبيدة السلماني تابعي اتفاقاً فلو أنه رفع حديثاً إلى النبي ﷺ لكان مرسلاً لا حجة فيه فكيف إذا كان موقوفاً عليه كهذا؟! فكيف وقد خالف تفسير ترجمان القرآن: ابن عباس ومن معه من الأصحاب؟!
٢ - أنهم اضطربوا في ضبط العين المكشوفة فيه فقيل: "اليسرى" وقيل: "اليمنى" وهو رواية الطبري وقيل: "إحدى عينيه" وهي رواية أخرى له. وذكره ابن تيمية في "الفتاوى" (١٥/ ٣٧١) بسياق آخر يختلف تماماً عن السياق المذكور فقال: " وقد ذكر عبيدة السلماني وغيره: إن نساء المؤمنين كنَّ يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق". وإذا عرفت هذا فاعلم أن الاضطراب عند علماء الحديث علة في الرواية تسقطها عن مرتبة الاحتجاج بها حتى ولو كان شكلياً كهذا لأنه يدل على أن الراوي لم يضبطها ولم يحفظها على أن سياق ابن تيمية المذكور ليس شكلياً كما هو ظاهر لأنه ليس في تفسير الآية وإنما هو إخبار عن واقع النساء في العصر الأول وهو بهذا المعنى صحيح ثابت في
стр. 301
أخبار كثيرة ولكن ذلك لا يقتضي وجوب الستر لأنه مجرد فعل منهن ولا ينفي وجود من كانت لا تستر وجهها بل هذا ثابت أيضاً في عهده ﷺ وبعده كما سيأتي وتقدم بعضها.
٣ - مخالفته لتفسير ابن عباس للآية كما تقدم بيانه.
* الحديث الثالث: عن محمد بن كعب القرظي مثل حديث ابن عباس الأول في: "يدنين عليهن ممن جلابيبهن" قال: "تخمِّر وجهها إلا إحدى عينيها" أخرجه ابن سعد في "الطبقات": أخبرنا محمد ابن عمر عن أبي سبرة عن أبي صخر: وهذا إسناد موضوع آفته ابن سبرة قال الإمام أحمد في "العلل" "كان يكذب ويضع الحديث". والراوي عنه محمد بن عمر- وهو الواقدي- قريب منه قال الحافظ في "التقريب": "متروك" وقال أحمد: "كذاب" ثم هو إلى ذلك مرسل، والمبتدؤون في هذا العلم يعلمون أن مثل هذا الإسناد الهالك لا يصلح للتقوية.
* الحديث الرابع: عن الفضل بن عباس قال: كنت ردف رسول الله ﷺ وأعرابي معه ابنة له حسناء فجعل يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها قال: فجعلت ألتفت إليها وجعل رسول الله ﷺ يأخذ برأسي فيلويه. أخرجه أبو يعلى في "مسنده" من طريق يونس بن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عنه. قال الشيخ الألباني: وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات ومتنه منكر وفيه علل خمس ... إلخ.
стр. 302
ــ:: مناقشة تتمة البحث السابع (١):: ــ
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال سألت عبيدة عن قوله ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... قال فقال بثوبه فغطى رأسه ووجهه وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه.
وفي رواية أخرى لابن جرير: فتقنع به فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب. (١)
وهذا الأثر مما اعتمد عليه جل أهل التفسير في تفسير آية إدناء الجلابيب، ولكن الشيخ الألباني حكم عليه بالضعف ولم يكن محقا في ذلك لما يأتي:
أولا: قال إنه مقطوع موقوف، والموقوف هو ما أسند إلى صحابي، والمقطوع هو ما أسند إلى تابعي، فكيف يجتمعان في الحكم على أثر واحد! وقد احتج الشيخ الألباني بأثر قتادة المقطوع "أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب" قائلا: أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح إليه، ورمي هنا أثر عبيدة بالضعف وقد أخرجه ابن جرير بسند صحيح إليه!!
стр. 303
بل إن إسناده من أصح الأسانيد، رجاله كلهم جبال في الثقة والضبط؛ ولا أظن أن هذا مما خفي على الشيخ فهو عند ابن جرير في الموضع الذي أخذ منه الشيخ الألباني أثر قتادة وابن عباس ولكنه غفر الله له عزا هذا الأثر إلى السيوطي في الدر، ولم يعزه إلى ابن جرير الطبري!! علاوة على أن قتادة من صغار التابعين لم يرَ إلا عددا من الصحابة فجُلّ رواياته عن
التابعين. (١) أما عبيدة السلماني فهو من كبار التابعين وأعلامهم (٢)، ومخضرم ثقة ثبت، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين ولم يره، نزل المدينة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وعاصر الصحابة ولم يزل بها حتى مات؛ وبذلك فهو إنما يفسر ما كان سائداً في المجتمع الذي كان يمثله أجلة الصحابة ﵃ وأكابر الأمة الذين نزل بينهم القرآن وعليهم مدار هذا الدين.
قال عنه ابن عبد البر: هو من كبار أصحاب ابن مسعود الفقهاء. (٣) وقال الذهبي: عبيدة السلماني الكوفي الفقيه العلم، كاد أن يكون صحابياً، أسلم زمن الفتح باليمن وأخذ العلم عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وبرع في الفقه، وكان ثبتا في الحديث، وقال العجلي؛ عبيدة أحد أصحاب عبد الله بن
стр. 304
مسعود الذين يقرؤون ويفتون الناس، وقال ابن سيرين: ما رأيت رجلاً أشد توقياً من عبيدة (١).
وقد قال الإمام الذهبي في الموقظة في علم مصطلح الحديث (ص: ٣٩): فإن المرسل إذا صح إلى تابعي كبير، فهو حجة عند خلق من الفقهاء.
قال أبو العباس أحمد بن فرح الإشبيلي (ت ٦٢٤ هـ) في الغرامية في مصطلح الحديث (ص: ١٠٦): وليعلم أن المقطوع يقع عليه الوصفان، الصحة والضعف تبعا لحال إسناده ومتنه، ولا يلزم من صحته وجوب العمل به، إذا كان مجردا عن قرينة تدل على أن له حكم الرفع.
ولما كان أثر عبيدة هذا تفسيرا للآية بما كان سائدا ومعمولا به في مجتمع أكابر الصحابة الذين نزل عليهم القرآن الكريم؛ كانت تلك قرينة توجب العمل به وتدل على أن له حكم الرفع.
هذا علاوة على ما ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (٧/ ٧٨) قال: قال علي بن المديني وعمرو بن علي الفلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي وقال العجلي: كل شيء روى محمد عن عبيدة سوى رأيه فهو عن علي بن أبي طالب وكل شيء روي عن إبراهيم عن عبيدة سوى رأيه فإنه عن عبد الله بن مسعود. (٢) اهـ
стр. 305
فهذه شهادة باتصال سند هذه الرواية حيث إنها تفسير منه للآية بما كان سائدا في مجتمع الصحابة وليست مما يقال بالرأي، وعليه فإن إسنادها يعتبر أصح الأسانيد كما قال ابن المديني وعمرو الفلاس، كما ثبت أن تفسير عبيدة للآية أخذه عن علي بن أبي طالب ﵁ وإن لم يكن عن علي فهو عن عبد الله بن مسعود وهو أعلم وأفقه هذه الأمة بالقرآن.
وبذلك يكون قد اتفق على هذا التفسير لآية إدناء الجلابيب والذي يقتضي وجوب تغطية الوجه على النساء الحرائر؛ صحابيان: عبدالله بن عباس، وعلي بن أبي طالب ﵃، وتفسير الصحابي حجة يجب العمل به فحكمه كحكم المرفوع إلى النبي ﷺ .
ثانيا: قال الشيخ الألباني (أنهم اضطربوا في ضبط العين المكشوفة) واستشهد بذكر سياق ابن تيمية لأثر عبيدة بالمعنى؛ على أنها رواية أخرى للأثر!! إلى قال (أن الاضطراب عند علماء الحديث علة في الرواية تسقطها عن مرتبة الاحتجاج بها) اهـ فيقال؛ إن الاضطراب الذي يسقط الاحتجاج بالأثر: هو ما روي على أوجه متعارضة متدافعة بحيث لا يمكن التوفيق بينها، وتكون متساوية في القوة بحيث لا يمكن ترجيح إحداها على الأخرى. (١)
والروايات الواردة لأثر عبيدة ليس فيها تعارض ولا تدافع! وتفسيره للآية كان بفعل منه وليس بقول؛ ولذلك اختلف تعبير الرواة لهذا الفعل، فلا وجه
стр. 306
للطعن فيه بالاضطراب!! فإن كشف أي العينين لا يضر، فالأمر راجع للمرأة تكشف أيهما تشاء دون توسع في إظهار ما عداهما لأن الرخصة في إبداء العين إنما شرع لرؤية الطريق فقط.
كما قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٨): والإدناء التقريب يقال أدناني أي قربني وضمن معنى الإرخاء أو السدل ولذا عدي بعلى، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل.
كما أن الشيخ الألباني قد أنكر في بحثه الثامن - كما سيأتي - على من طعن حديث عائشة بالاضطراب في متنه فقال: ثم ماذا يفيدك هذا الشغب في هذا الاختلاف المرجوح مع اتفاق الطرق الثلاث على ذكر الوجه، وهو الجانب الأهم من الاختلاف. . .؟! فيقال وماذا يفيد الطعن في أثر عبيدة وقد اتفقت رواياته على ما مفاده تغطية الوجه وهو الجانب الأهم من الاختلاف؟!
ثالثا: قال الشيخ الألباني أنه قد خالف تفسير ترجمان القرآن: ابن عباس ومن معه من الأصحاب؟! وهذا قول غير صحيح؛ فإن أثر عبيدة موافق لما صح عن ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية (أمر الله
نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وقول سعيد بن جبير (يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار) بل وموافق لأثر قتادة الذي احتج به الشيخ الألباني (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) وتأمل هذه الموافقه: (فقنع بها، وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين) (فتقنع به. . . وأدنى رداءه من
стр. 307
فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب) فأين المخالفة التي ذكر الشيخ الألباني غفر الله له؟!
قال حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٤): أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة) فقد صح مثله عن عبيدة السلماني. اهـ
فما وجه حكم الشيخ الألباني على أثر عبيدة بالضعف؛ وإسناده من أصح الأسانيد ووافقه عليه ابن عباس وقتادة وابن جبير!
إذن فلا وجه للطعن في هذه الرواية وقد احتج بها أهل العلم واعتمد عليها أهل التفسير وعمل بها الأئمة.
* أما الحديث الثالث الذي أنكر الشيخ الألباني الاستشهاد به فهو ما روي عن محمد بن كعب القرظي ﵁ في تفسير آية إدناء الجلابيب قال: (فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن تخمر وجهها إلا إحدى عينيها) وهذه الرواية وإن كانت بنفس معنى قول ابن عباس في تفسير هذه الآية؛ إلا أنه لضعف سندها لم يُعتمد
عليها في الاستدلال على وجوب تغطية الوجه، ومن ذكرها فإنما يسوقها في الشواهد على سبيل الاستئناس بها لا على سبيل الاعتضاد!! وسيأتي لاحقا استشهاد الشيخ الألباني بقول شيخ الإسلام ابن تيمية
стр. 308
في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٢٦) "فإنَّ تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها بعضاً، حتى قد يحصل العلم بها، ولو كان الناقلون فُجَّاراً فساقاً ".
* أما الحديث الرابع: فقد أسهب الشيخ الألباني في تضعيف هذا الحديث؛ وهو لا يعد من الأدلة التي يستشهد بها على وجوب تغطية الوجه! لأنه رواية للحديث الأول الذي استشهد به الشيخ الألباني واحتج به (حديث المرأة الخثعمية)! ومن استشهد بهذه الرواية فإنما أراد بها تبرير كشف المرأة الخثعمية لوجهها، وقد بينا آنفا سبب كشف المرأة الخثعمية لوجهها وهو كونها من الإماء المملوكات ومن المتقرر شرعا كما أسلفنا في مناقشة البحث الخامس والسادس أن الحجاب (تغطية الوجه) واجب على الحرائر دون الإماء. فلا حاجة للاستشهاد بهذه الرواية صحيحة كانت أو ضعيفة.
стр. 309
ــ:: تتمة البحث السابع للألباني (٢):: ــ
قال الشيخ الألباني: الحديث الخامس: عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة، فأقبل ابن مكتوم ـ وذلك بعد أن أُمرنا بالحجاب ـ فقال النبي ﷺ : " احتجبا منه" فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟! فقال النبي ﷺ : "أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟! " أخرجه أصحاب السنن من طريق الزهري: حدثني نبهان مولى أم سلمة عنها. وهو مخرج في "الإرواء" و "الضعيفة" وخلاصة التحقيق الوارد فيهما:
١ - أن الحديث تفرّد به نبهان وعنه الزهري كما قال النسائي والبيهقي وابن البر وغيرهم.
٢ - وأن نبهان مجهول العين كما أفاده البيهقي وابن عبد البر وقريب منه قول الحافظ في "التقريب": "مقبول" وأن قوله في "الفتح": "إسناده قوي" غير قوي لمخالفته لقوله في "التقريب" وللقواعد الحديثية على أن قوله: "مقبول" وإن كان مؤيداً لضعف الحديث فهو غير مقبول لأن حقه أن يقول مكانه: "مجهول" لما تقدم من تفرد الزهري عنه، ولذلك لم يسع الحافظ إلا أن يصرح في مكان آخر من "الفتح" بقوله "وهو حديث مختلف في صحته".
قال الإمام أبو محمد بن قدامة المقدسي في "المغني" وأبو الفرج بن قدامة المقدسي في "الشرح الكبير" والشيخ منصور البهوتي في كتابه القيم "شرح منتهى الإرادات" و "المنتهى" للشيخ محمد تقي الدين الفتوحي، وكلهم من كبار علماء
стр. 310
الحنابلة قالوا: (ويباح لامرأة نظرٌ من رجل إلى غير عورة) لقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: "اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك فلا يراك" وقالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد" ولأنهن لو مُنِعنَ النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم. فأما حديث نبهان عن أم سلمة؛ قال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين: هذا الحديث، والآخر: "إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه"، كأنه أشار إلى ضعف حديثه، إذ لم يرو إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول. وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث وحديث فاطمة صحيح فالحجة به لازمة. ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص بأزواج رسول الله ﷺ بذلك قال أحمد وأبو داود" وخلاصة الكلام على هذا الحديث أنهم قد خالفوا الإمام أحمد ومتَّبعيه من الحنابلة الكبار وغيرهم حديثياً وفقهياً. لأنهم صححوا الحديث وهو عند أحمد وغيره ضعيف معلَّل بالجهالة، ولم يتنبه لها ابن القطان في "نظره" (٦٦/ ١) فإن من عادته أن يعلَّ الحديث بمثلها بل وبالجهالة الحالية عنده.
стр. 311
ــ:: مناقشة تتمة البحث السابع للألباني (٢):: ــ
أولا: ثبوت هذا الحديث أو عدمه لا يعد حجة على جواز الكشف أو عدمه! لأنه مما يستشهد به في حكم نظر المرأة للرجل، ولكنا سنجيب عليه إتماما للبحث والفائدة:
ثانيا: ضعَف الشيخ الألباني هذا الحديث وأعلَه بتفرد نبهان وجهالته؛ مع أن التفرد ليس بعلة قادحة تمنع من الاحتجاج به إذا كان المتفرد ممن يحتمل تفرده، فإن في الصحيحين أحاديث عن الوحدان من الصحابة. أما جهالة نبهان فغير متفق عليها فهناك من عدله ووثقه، فليس من الإنصاف أن يرد حديثه، وقد استشهد الشيخ الألباني بآثار في أسانيدها من هو أشد جهالة من نبهان!
كما أن الشيخ الألباني ذكر ما قيل في نبهان من الجرح دون ما ذكر فيه من التعديل فإن هناك من قبل حديثه ووثقه غير ابن حبان؛
- كالترمذي حيث قال بعد أن ساق حديثه؛ حديث حسن صحيح.
- والحاكم حيث قال بعد أن ساق الحديث؛ هذا حديث صحيح الإسناد. (١)
- والذهبي حيث قال في الكاشف: ثقة. (٢)
- وابن الملقن حيث قال بعد أن ساق حديثه: هذا الحديث صحيح. (٣)
стр. 312
- والنووي حيث قال في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٦): وهذا الحديث حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قال الترمذي هو حديث حسن، ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة معتمدة.
- والحافظ ابن حجر حيث قال فتح الباري (٩/ ٣٣٧): حديث أم سلمة الحديث المشهور أفعمياوان أنتما ... وإسناده قوي وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان وليست بعلة قادحة فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته.
- والشوكاني حيث قال في نيل الأوطار (٦/ ٢٤٧): حديث أم سلمة أخرجه أيضا النسائي وابن حبان وفي إسناده نبهان مولى أم سلمة شيخ الزهري وقد وثق، وفي الباب عن عائشة عند مالك في الموطأ أنها احتجبت من أعمى فقيل لها إنه لا ينظر إليك قالت لكني أنظر إليه. اهـ
وهذا الأثر عن عائشة يعد شاهد لحديث نبهان يتقوى به، وقد ذكره ابن حجر في التلخيص الحبير أيضا كما سيأتي، ولعله مما خفي على الشيخ الألباني!
بل إن أول مُعدّل لنبهان هو كتاب الله ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ النور: ٣٣ فلو لم تعلم أم سلمة فيه خيرا لما
стр. 313
كاتبته! ولذلك قال ابن حجر: فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته.
* أما قول الشيخ الألباني: (أن نبهان مجهول العين كما أفاده البيهقي وابن عبد البر) فأما البيهقي فلم يقل هو بجهالة نبهان وإنما قال في سننه الكبرى (١٠/ ٣٢٧): وحديث نبهان قد ذكر فيه معمر سماعا للزهري من نبهان، إلا أن البخاري ومسلما صاحبي الصحيح لم يخرجا حديثه في الصحيح وكأنه لم يثبت عدالته عندهما أو لم يخرج من حد الجهالة برواية عدل عنه. اهـ
فلم يجزم (وكأنه) كما أنه لم ينسب ذلك الرأي إليه فقال (عندهما)، فهذا يبين أنه لا يرى هو جهالة نبهان بدليل اعتماده على حديثه في أبواب غض البصر ومنع المرأة من النظر إلى الرجل؛ فقد أخرجه في كتابه معرفة السنن والآثار (٥/ ٢٢٧)، وفي سننه الكبرى (٧/ ٩١): باب مساواة المرأة الرجل في حكم الحجاب والنظر إلى الأجانب. كما أخرجه في سننه الصغرى (٦/ ٩٠): باب غض البصر إذا لم يكن سبب يبيح النظر.
* أما قول الشيخ الألباني: وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث وحديث فاطمة صحيح فالحجة به لازمة ".
فيقال بأن هذا ما نقله ابن عبد البر عن الفريق الذي قال بجهالة نبهان، ولكنه أتبعه بمن قبل روايته واحتج بها فقال ابن عبد البر: "ومن صحح حديث نبهان قال إنه معروف وقد روى عنه ابن شهاب ولم يأت بمنكر ... ففي
стр. 314
هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى ويشهد له ظاهر قول الله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾
كما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ويشهد لذلك من طريق الغيرة أن نظرها إليه كنظره إليها ... فمن ذهب إلى حديث نبهان هذا احتج بما ذكرنا وقال ليس في حديث فاطمة أنه أطلق لها النظر إليه وقال مكروه للمرأة أن تنظر إلى الرجل الأجنبي الذي ليس بزوج ولا ذي محرم،
قال وكما لا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة فكذلك لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل لأن الله يقول ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ كما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. (١)
* أما ما نقله عن ابن حجر (ولذلك لم يسع الحافظ إلا أن يصرح في مكان آخر من "الفتح" بقوله (١/ ٥٥٠): "وهو حديث مختلف في صحته") على أنه خلاصة رأي ابن حجر في الحديث! فالصحيح أن ابن حجر قال في فتح الباري (١/ ٥٥٠): "وهو حديث مختلف في صحته وسيأتي للمسألة مزيد بسط في موضعه إن شاء الله تعالى". ليبين رأيه هو في ذلك الموضع من فتح الباري (٩/ ٣٣٧) فيقول فيه: "حديث أم سلمة الحديث المشهور أفعمياوان أنتما وهو حديث أخرجه أصحاب السنن من رواية الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عنها وإسناده قوي وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان وليست بعلة قادحة فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته". اهـ
стр. 315
فهذا القول هو الذي يُفسّر به قوله (مختلف في صحته) لا العكس! ولو أن الحافظ اكتفى بقوله" إسناده قوي" فقط لكان له وجه، ولكنه قال (وإسناده قوي وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان وليست بعلة قادحة فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته) ومما يؤكد ذلك أيضا قول ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/ ١٤٨: حديث أم سلمة أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان وليس في إسناده سوى نبهان مولى أم سلمة شيخ الزهري وقد وثق وعند مالك عن عائشة أنها احتجبت من أعمى فقيل لها إنه لا ينظر إليك قالت لكني أنظر إليه.
ثالثا: قال الشيخ الألباني: (ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص بأزواج رسول الله ﷺ بذلك قال أحمد وأبو داود) وهذا كما في الفروع (٨/ ١٨٦): في مسائل الأثرم أنه قال لأبي عبد الله -الإمام أحمد-: حديث نبهان عندك لأزواج النبي ﷺ وحديث فاطمة لسائر الناس؟ فقال: نعم، أو أظهر استحسانه.
إلا أن القول بخصوصية منع النظر بأزواج النبي ﷺ قول ضعيف؛ فليست عامة النساء أطهر من أمهات المؤمنين حتى يباح لهن النظر للرجال دون أزواج النبي ﷺ ، ولو قيل العكس لكان أولى! أما الاحتجاج بقوله تعالى ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الأحزاب: ٣٢ فهذا تذكير لنساء النبي بما لهن من مقام القدوة لسائر نساء المسلمين تحفيزا لهن لامتثال الأوامر والنواهي. فهذا - ولله المثل الأعلى- كما لو أراد المعلم من تلاميذه أو الوالد من أولاده أن يمتثلوا خلقا
стр. 316
حسنا أو يجتنبوا آخر سيئا؛ فيوجه الخطاب لتلميذه المثالي أو لولده الأكبر قائلا (أنت لست مثلهم)؛ لعلمه أنه في مقام القدوة لهم، فهل يعني ذلك أن غيره من التلاميذ أو الأخوة ليس مطلوب منهم امتثال الخلق الحسن واجتناب السيئ! ومما يشهد لذلك اعتماد أهل العلم على حديث نبهان في القول بمنع سائر النساء من النظر للرجال الأجانب:
قال ابن حبان في صحيحه (١٢/ ٣٨٧): قال أبو حاتم قوله ﷺ أفعمياوان أنتما لفظة استخبار مرادها الزجر عن نظرهما إلى الرجل الذي كف وفيه دليل على أن النساء محرم عليهن النظر إلى الرجال إلا أن يكونوا لهن بمحرم سواء كانوا مكفوفين أو بصراء.
وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٦): الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وأكثر الصحابة أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ولأن الفتنة مشتركة وكما يخاف الافتتان بها تخاف الافتتان به ويدل عليه من السنة حديث نبهان مولى أم سلمة.
وقال علي القاري في مرقاة المفاتيح (٦/ ٤٤٤): والصحيح الذي عليه الجمهور أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ولحديث أم سلمة (أفعمياوان أنتما).
стр. 317
وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٢٤٨) ومحمد آبادي في عون المعبود (١١/ ١١٤): وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قول الشافعي وأحمد قال النووي وهو الأصح،
وقال ابن عبد البر المالكي في التمهيد (١٩/ ١٥٤) والاستذكار (٦/ ١٦٩): ففي هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى ويشهد له ظاهر قول الله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ كما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ويشهد لذلك من طريق الغيرة أن نظرها إليه كنظره إليها.
وقال الجاوي الحنفي في نهاية الزين (١/ ٤٧): الرجل له ثلاث عورات ... ثالثتها جميع بدنه وشعره حتى قلامة ظفره وهي عورته عند النساء الأجانب فيحرم على المرأة الأجنبية النظر إلى شيء من ذلك ولو علم الشخص أن الأجنبية تنظر إلى شيء من ذلك وجب حجبه عنها، ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط فإن لم تكن فتنة فلا إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقيب أو منعوا من الخروج إلا لضرورة.
стр. 318
رابعا: قال الشيخ الألباني بأن من صحح حديث نبهان من الحنابلة المعاصرين فقد خالف الإمام أحمد ومتَّبعيه من الحنابلة الكبار وغيرهم حديثياً وفقهياً؛ لأنهم صححوا الحديث وهو عند أحمد وغيره ضعيف معلَّل بالجهالة، ولم يتنبه لها ابن القطان فإن من عادته أن يعلَّ الحديث بمثلها "
١ - أما قوله أن من صحح حديث نبهان فقد خالف الإمام أحمد حديثيا؛ لأنه يرى أن الإمام أحمد قال بضعف حديث نبهان؛ وهذا لم يثبت عن الإمام أحمد إلا قوله أن نبهان روى "حديثين عجيبين"، ولذلك لم يعلل ابن القطان الحديث بالجهالة!!
٢ - أما قوله إنهم بتصحيحهم لحديث نبهان قد خالفوا الإمام أحمد فقهيا؛ فهذا قول غير صحيح! إذ إن القول بأنه لا يباح نظر المرأة للرجل؛ هو أحد قولي الإمام أحمد.
كما جاء في عون المعبود (١١/ ١١٤): وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قول الشافعي وأحمد، قال النووي وهو الأصح.
قال ابن قدامة الحنبلي في المغني (٧/ ٨١): فأما نظر المرأة إلى الرجل ففيه روايتان إحداهما لها النظر إلى ما ليس بعورة؛ والأخرى لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها، اختاره أبو بكر وهذا أحد قولي الشافعي لما
стр. 319
روى الزهري عن نبهان عن أم سلمة، ولقوله تعالى (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن).
وفي المبدع لابن مفلح الحنبلي (٧/ ١١): ويباح للمرأة النظر من الرجل إلى غير العورة نصره في الشرح وغيره لقول النبي ﷺ لفاطمة اعتدي في بيت أم مكتوم ... ولأنه لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب لئلا ينظرن إليهم كما تؤمر النساء به، وعنه لا يباح لها النظر إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها قدمه السامري وابن حمدان واختاره أبو بكر لحديث نبهان.
خامسا: أما ما ذكره الشيخ الألباني من رد بعضهم لحديث نبهان لمخالفته لحديث فاطمة بنت قيس؛ حيث أذن لها رسول الله ﷺ أن تعتد عند ابن أم مكتوم الأعمى فالجواب عنه من عدة وجوه:
١) ليس فيه أن النبي ﷺ أذن لفاطمة أن تنظر للرجل الأعمى كما نص على ذلك بعض أهل العلم كالنووي في شرح صحيح مسلم (١٠/ ٩٧):
وأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أم مكتوم فليس فيه إذن لها في النظر إليه بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيرها وهي مأمورة بغض بصرها فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة.
وفي عون المعبود (١١/ ١١٤): واحتجوا أيضا بحديث فاطمة بنت قيس ... ويجاب بأنه يمكن ذلك مع غض البصر منها ولا ملازمة بين الاجتماع في البيت والنظر.
стр. 320
٢) من دفع حديث نبهان بحجة صحة إسناد حديث فاطمة بنت قيس؛ فقد سبق أن بينا من أعلّ حديث فاطمة من أهل العلم وأسقط الاحتجاج به في مناقشة البحث السادس فليرجع إليه.
٣) أن من احتج بمخالفة حديث نبهان لحديث فاطمة بنت قيس؛ قد غفل عن موافقة حديث نبهان لكتاب الله في موضعين:
الأول: قوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ فإذا كانت النساء مأمورات في هذه الآية بأن يغضضن من أبصارهن عمن يحل لهم الدخول عليهن في البيوت دون حجاب عنهم - وسيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث التاسع - فكيف يقال بإطلاق جواز نظرهن لمن لا يحل له رؤيتهن إلا وهن محتجبات!
الثاني: قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٣ ففرض وجود الحجاب (الساتر) بين الرجل والمرأة عند المحادثة من قرب في البيوت ونحوها؛ يدل على عدم إطلاق جواز نظر المرأة للرجل، بقرينة في الآية وهي قوله ﴿وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فوجود الساتر والحاجز بين الجنسين أحرى لطهارة قلب كل منهما، وزوال هذا الساتر ينفي كمال الطهارة لقلب العين الناظرة - كمن تنظر للرجال وتخالطهم بنقابها - وهذا يبين أن الحجاب المضروب بينهما لمنع كلا الجنسين من النظر للآخر، ولذلك ينبغي أن