← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 524

كشف الغمة عن أدلة الحجاب في الكتاب والسنة

أمل آل خميسة

Полный текст (507 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

١ - فقوله: عائشة ﵂. عبد الرزاق، وابن أبي حاتم "الدر المنثور"، وابن أبي شيبة، والبيهقي، وصححه ابن حزم. - أما عبد الرزاق فلم يخرج لها شيئا في تأويل قوله (إلا ما ظهر منها) ولعله سبق قلم أراد أن يقول الطبري، فإنه هو الذي أخرج لها في تفسيره (١٨/ ١١٩) في تأويل قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ عن ابن جريج بإسناد صحيح قال: قالت عائشة (القلب والفتخة) والقلب: هو السوار كما في النهاية في غريب الأثر (٤/ ٩٨) والفتخة: جمعها فتخ، وهي خواتيم كبار كما في النهاية في غريب الأثر (٣/ ٤٠٨). - ومثله ما أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي؛ قال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٨٠): وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت (القلب والفتخة) وضمت طرف كمها. (١) ولم يُخرّج أنها قالت (الوجه والكفان) إلا البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٦) وقد صرح الشيخ الألباني بضعف هذه الرواية في رده المفحم/ ١٢٩ فقال: ولفظ

стр. 387

حديثها عن البيهقي (٢/ ٢٢٦): " ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الوجه والكفان" وإسناده ضعيف (١)، لكن له طريق أخرى بنحوه عند ابن أبي شيبة وغيره! اهـ وقد رأينا ما أخرجه عنها ابن أبي شيبة وغيره بلفظ (القلب والفتخة) وليس (الوجه والكفان)! * فخلاصة ما صح عن عائشة ﵂ أن الزينة الظاهرة هي السوار والخاتم. ٢ - أما قول الشيخ الألباني: عبد الله بن عباس ﵁. ابن أبي شيبة، والطحاوي، والبيهقي، وصححه ابن حزم أيضاً، وله عنه سبعة طرق. اهـ - أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٥٤٦): عن جابر بن زيد عن ابن عباس ولا يبدين زينتهن قال (الكف ورقعة الوجه) وفي إسناده مقال (٢) وعلى فرض صحته

стр. 388

فإن المراد قصر ما يحل إظهاره من الزينة بما كان في رقعة الوجه والكفين دون توسع فيما جاورهما. وعند ابن أبي شيبة من طريق آخر (٣/ ٥٤٧) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (وجهها وكفها). وإسناده ضعيف، قال الشيخ الألباني في رده المفحم /١٣٣: " وقد تابعه سعيد بن جبير عن ابن عباس عند ابن أبي شيبة أيضا وفي سنده ضعيف". (١) - أما ما أخرجه الطحاوي عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: (الكحل والخاتم) (٢). - وكذلك البيهقي لم يخرج له أنه قال (الوجه والكفين) إلا من طريق واحدة ضعيفة في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٥): قال (ما في الكف والوجه). أما ما صح من الطرق عند البيهقي فقال فيها ابن عباس (الكحل والخاتم) (٣) وفي رواية قال: والزينة الظاهرة (الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها). (٤)

стр. 389

- وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٧٤) عن ابن عباس قال (وجهها وكفاها والخاتم). (١) - وأخرج الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩) عن ابن عباس قال (الخاتم والمسكة). المسكة: السوار. * فخلاصة ما صح عن ابن عباس أن الزينة الظاهرة هي مافي الوجه والكفين من الزينة ونص على أن منها الخاتم والسوار. ٣ - أما قول الشيخ الألباني: عبد الله بن عمر ﵁. ابن أبي شيبة، وصححه ابن حزم. اهـ - أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٥٤٦) قال ابن عمر: الزينة الظاهرة الوجه والكفان. (٢) وما أشبه إسناده بإسناد أثر ابن عباس في تفسير آية الإدناء الذي

стр. 390

رماه الشيخ بالضعف!! ولذلك عزا تصحيحه لابن حزم!! ومع ذلك فإن المراد كما أسلفنا قصر ما يحل إظهاره من الزينة بما في الوجه والكفين من الزينة. ٤ - أما قول الشيخ الألباني: أنس بن مالك ﵁. وصله ابن المنذر، وعلقه البيهقي. اهـ - قال السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧٩): وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال (الكحل والخاتم). وهو ما علقه البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٥): عن ابن عباس في قوله ولا يبدين زينتهن ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال (الكحل والخاتم) وروينا عن أنس بن مالك مثل هذا. * فهذا أنس ﵁ يوافق قول عائشة وابن عباس ﵄ في أن الخاتم من الزينة الظاهرة. ٥ - أما قول الشيخ الألباني: أبو هريرة ﵁. ابن عبد البر في "التمهيد".هـ - قال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٨): وقد روى عن أبي هريرة في قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال (القلب والفتخة) قال جرير بن حازم: القلب السوار، والفتخة الخاتم.

стр. 391

* وهذا أبو هريرة ﵁ أيضا يوافق عائشة وابن عباس ﵃ على أن المراد بالزينة الظاهرة السوار والخاتم. ٦ - أما قول الشيخ الألباني: المسور بن مخرمة ﵁. ابن جرير الطبري. اهـ - أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩) عن المسور بن مخرمة: في قوله (إلا ما ظهر منها) قال (القلبين والخاتم والكحل). القلبين: مثنى من القلب وهو السوار. * وهذا المسور بن مخرمة ﵁ يوافق أيضا عائشة وابن عباس وأبا هريرة ﵃ أن المراد بالزينة الظاهرة الخاتم والسوار. وبعد أن عرضنا هذه الأقوال التي أشار إليها الشيخ الألباني دون أن ينقلها؛ ننقل أيضا ما أشار إليه من تصحيح ابن حزم لبعض هذه الأقوال دون أن ينقل قول ابن حزم أو يشير إلى الموضع الذي صححها فيه!! قال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٢١): وقد روينا عن ابن عباس في ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال "الكف والخاتم والوجه"، وعن ابن عمر "الوجه والكفان"، وعن أنس "الكف والخاتم" وكل هذا عنهم في غاية الصحة، وكذلك أيضا عن عائشة وغيرها من التابعين.

стр. 392

فالأثر الذي صححه ابن حزم عن ابن عباس وأنس؛ فيه أن الخاتم من الزينة الظاهرة، كما أن ابن حزم أشار إلى صحة ما أثر عن عائشة ولم يصح عنها إلا قولها (القلب والفتخة). وكذلك ما صح عن بعض التابعين من تلامذة ابن عباس مما يعضد الأقوال السابقة: - عن قتادة في قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال "المسكتان والخاتم والكحل"وعنه من طريق آخر قال: "الكحل والسوران والخاتم". (١) - عن سعيد بن جبير قال ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الكحل والخاتم. (٢) وفي رواية قال: الخاتم والخضاب والكحل. (٣) - عن مجاهد قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الكحل والخضاب والخاتم. (٤) فخلاصة ما صح عن الصحابة؛ عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة والتابعين؛ سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة؛ أن الزينة الظاهرة هي: الكحل والخاتم والسوار.

стр. 393

فإذا ثبت عن كبار الصحابة والتابعين في تفسير قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... أن الخاتم والسوار من الزينة الظاهرة؛ دل ذلك على أن الذين تبدى لهم الزينة الظاهرة ليسوا من الرجال الأجانب الذين يُحتجب عنهم. لأنه من الثابت شرعا النهى عن إبداء هذه الزينة للرجال الأجانب، وأهل العلم قاطبة مجمعون على تحريم إبداء ذلك للرجال الأجانب (١)،

стр. 394

قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ١٥٨): وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: عنى بذلك: الوجه والكفان، يدخل في ذلك إذا كان كذلك: الكحل، والخاتم، والسوار، والخضاب. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. (١) اهـ وقال ابن عطية (ت ٥٤٢ هـ) في تفسيره المحرر الوجيز (٤/ ١٧٨) والقرطبي (ت ٦٧١ هـ) في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٢٨) والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٢٧): أمر الله النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك ... وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ، ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. قال القرطبي: فهذا أقوى من جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها. اهـ

стр. 395

فمما يبين أن مرادهم أن الزينة الظاهرة إنما يباح إظاهرها لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب: ١ - قولهم (لا يبدين زينتهن للناظرين) لتقييد من يحل إبداء الزينة الظاهرة لهم بكونهم ممن أبيح لهم النظر للمرأة. ٢ - قولهم (والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ) وهذا مما لم يقل بجواز إبدائه للرجال الأحرار الأجانب أحد من أهل العلم مطلقا ولا الشيخ الألباني نفسه؛ فهذا يؤكد أن مرادهم أن من تبدى لهم الزينة الظاهرة هم ممن أبيح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب. ٣ - قولهم بعدها (ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس) وهذا تصريح بأن الزينة الظاهرة إنما تبدى لمن يباح لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب. ٤ - قول القرطبي (فهذا أقوى من جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها) فجعل الاقتصار على كشف الوجه والكفين من جانب الاحتياط ومراعاة الفساد وهذا يؤكد أن من أُبيح لها أن تكشف لهم ذلك هم ممن يباح لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب حتى كان الاقتصار على كشف الوجه والكفين لهم يعد من باب الاحتياط ومراعاة الفساد. فإنه من المجمع عليه أن ستر ماعدا الوجه والكفين من الرجال الأجانب واجب وليس من باب الاحتياط!

стр. 396

فلما ثبت أن المراد بالزينة الظاهرة؛ ما تبديه المرأة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ ثبت بذلك براءة ابن عباس مما نسب إليه من القول بجواز كشف الوجه. قال أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣): أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال: " والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها" هكذا تمام كلام ابن عباس ولكن كثيراً من العلماء ينقلون عنه الشق الأول! فما نسب إلى ابن عباس بأن المراد من قوله تعالى (إلا ما ظهر منها) الوجه والكفان، ليس مطلقاً وإنما هو مقيد في بيتها لمن دخل من الناس عليها. ومما يؤكد هذا تفسيره لقوله تعالى (يدنين عليهن من جلابيبهن) فقد أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس قال: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة" فقد صح مثله عن عبيدة السلماني. وانظر الرواية التالية لابن عباس: أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس، قال ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ إلى قوله: ﴿عورات النساء﴾ قال: الزينة التي يبدينها لهؤلاء: قرطاها وقلادتها وسوارها، فأما خلخالاها ومعضداها، ونحرها، وشعرها فإنه لا تبديه إلا لزوجها " وفيها أن الزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها وقلادتها وسواراها، وأما الخلخال والنحر والشعر فلا تبديه إلا لزوجها. ومع الأسف الشديد أن مسألة جواز كشف الوجه واليدين ينسبه العلماء لابن عباس على إطلاقه، فليحرر.

стр. 397

- ثانيا: توافق المعنى الذي يحمله تأويل ابن عباس وابن مسعود ﵃ لهذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ حيث ظن المتأخرون أن تأويل ابن عباس للزينة الظاهرة بما في الوجه والكفين من الزينة؛ يناقض تأويل ابن مسعود الذي قال إنها تعني الثياب الظاهرة، والصحيح أنه لاتناقض بينهما؛ فإن الآية تضمنت معنيين مترادفين أشار ابن عباس إلى أحدهما وأشار ابن مسعود إلى الآخر، فإن الله تعالى نهى المرأة في هذه الآية عن إبداء زينتها فقال ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ وهذه الزينة المنهية عن إبدائها كما صح عن ابن مسعود هي " القرط والدملج (١) والخلخال والقلادة" (٢) وفي رواية قال " لا خلخال ولا شنف (٣) ولا قرط ولا قلادة (إلا ما ظهر منها) قال: الثياب" (٤) ولا يكون للمرأة أن تخفي هذه الزينة إلا بلبس ما يخفيها من خمار ورداء أو ملحفة مما تتخذه المرأة في بيتها، وهو ما عبر عنه ابن مسعود بقوله (الثياب) ويؤكد هذا المعنى أن الله تعالى ثنّى بعد هذا الأمر بقوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ... وليشددنها على جيوبهن حتى لا تنكشف نحورهن بما فيها من الزينة.

стр. 398

وأما المعنى الآخر الذي ذهب إليه ابن عباس فهو أن المرأة إذا أخفت هذه الزينة بلبس الرداء - دون أن تدنيه على وجهها - وضربت الخمار على جيبها فلن يبقى مكشوفا إلا الوجه والكفين بما فيهما من الزينة وإلى هذا المعنى أشار ابن عباس. وبذلك أمكن جمع كل ما ورد في تأويل قوله تعالى (إلا ما ظهر منها) واتضح الاتفاق وزال ما يُعد خلافا بين ابن مسعود وابن عباس. ومما يؤكد ترادف المعنيين وعدم تناقضهما الآتي: ١ - أنه قد صح عن بعض التابعين الجمع بين هذين القولين في تفسير هذه الآية - قال مجاهد: الثياب والخضاب والخاتم والكحل (١) - قال عكرمة: ثيابها وكحلها وخضابها. (٢) - قال الشعبي: الكحل والخضاب والثياب (٣). وفي رواية قال الكحل والثياب. (٤) - قال الحسن: الوجه والثياب. (٥)

стр. 399

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه حجاب المرأة ولباسها في الصلاة (١/ ١٩): ولذلك ذهب بعض السلف إلى الجمع بين قوليهما فقال ابن جرير في تفسيره (١٨/ ٩٤): وقال آخرون عني به الوجه والثياب؛ ثم روى بإسنادين صحيحين له عن الحسن البصري أنه قال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... قال: "الوجه والثياب" (١) ٢ - أنه لم يثبت عن ابن مسعود في تفسير هذه الآية ما يعارض قول ابن عباس: قال ابن مسعود: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ "الزينة القرط والدملج والخلخال والقلادة " فإنه لم يقل الزينة: الوجه والكف والكحل والخاتم! حتى يقال إنه خالف ابن عباس! ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال "الثياب" (٢) ولم يقل تغطي الوجه والكفين بالثياب حتى يقال إنه خالف ابن عباس! وقول ابن عباس ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الكف والوجه؛ ليست موضعا للخلخال ولا للقرط ولا للقلادة حتى يقال إنه خالف ابن مسعود!

стр. 400

فما وجه الخلاف إذن؛ وابن مسعود لم يعُدّ مما سيَخفَى من الزينة تحت الثياب؛ ما أظهره ابن عباس من الوجه والكف، وابن عباس لم يُظهر ما أخفاه ابن مسعود تحت الثياب!! وهذا يبين خطأ الشيخ الألباني في قوله في كتابه الجلباب/٥٣: فابن عباس ومن معه من الأصحاب والتابعين والمفسرين إنما يشيرون بتفسيرهم لآية ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إلى هذه العادة التي كانت معروفة عند نزولها وأقروا عليها فلا يجوز إذن معارضة تفسيرهم بتفسير ابن مسعود الذي لم يتابعه عليه أحد من الصحابة لأمرين اثنين: الأول: أنه أطلق الثياب ولا قائل بهذا الإطلاق لأنه يشمل الثياب الداخلية التي هي في نفسها زينة، فإذن هو يريد منها الجلباب فقط الذي تظهره المرأة من ثيابها إذا خرجت من دارها. والآخر: أن هذا التفسير لا ينسجم مع بقية الآية وهي: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية كما هو معروف في الأسلوب العربي: أنهم إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه فهو هو فإذا كان الأمر كذلك فهل الآباء ومن ذكروا معهم في الآية لا يجوز لهم أن ينظروا إلا إلى ثيابهن الباطنة؟ اهـ

стр. 401

وبيان خطأ الشيخ الألباني في ذلك يتضح بالآتي: إذا صح الإسناد إلى ابن مسعود؛ فينبغي أن يكون قوله هو المقدم في تفسير كتاب الله وهو من أعلم صحابة رسول الله ﷺ بكتاب الله، كما ذكر ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٥١٩): قال أبو وائل لما أمر عثمان بالمصاحف أن تشقق قال عبد الله "لا أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني" قال أبو وائل: فقمت إلى الخلق لأسمع ما يقولون؛ فما سمعت أحدا من أصحاب محمد ينكر ذلك عليه. وقال عقبة بن عمرو الأنصاري: ما أرى رجلا أعلم بما أنزل الله على محمد ﷺ من عبد الله بن مسعود. وقال أبو موسى الأشعري ليوم أو ساعة أجالس فيها عبد الله بن مسعود أوثق في نفسي من عمل سنة كان يسمع حين لا نسمع ويدخل حين لا ندخل. وقال لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم. اهـ كما أنه قد وافق ابن مسعود جمع من التابعين ممن قرن في تفسير الزينة الظاهرة بين الوجه والكفين؛ والثياب كما أسلفناهم، وأضف إ ليهم من وافقه: -كعبيدة السلماني ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... قال الثياب. (١) وموافقته هنا لابن مسعود في تفسير هذه الآية يشهد لما ذكرنا من كونه أخذ تفسير آية إدناء الجلابيب عن ابن مسعود أيضا.

стр. 402

- وإبراهيم النخعي في قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الثياب. (١) - وماهان الحنفي ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الثياب. (٢) أما قوله (إنه أطلق الثياب ولا قائل بهذا الإطلاق لأنه يشمل الثياب الداخلية التي هي في نفسها زينة) فنقول إن ما أطلقه مقيد في رواية أخرى صحت عنه أنه قال في تأويل قوله ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الرداء. (٣) أما قوله (إن هذا التفسير لا ينسجم مع بقية الآية وهي: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية ... ) ... فيقال إذا كانت الزينة الأولى هي عين الزينة الثانية؛ فتكون على قول ابن مسعود ليست الثياب الباطنة فقط بل تكون كل ما سينكشف من الزينة إذا وضعت الثياب الظاهرة؛ وهذا ما أقره الشيخ الألباني؛ فقال إنه لا يجوز إبداء أكثر من هذه المواضع من الزينة حيث قال في الرد المفحم (ص: ٧٥): "فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود. . . فهذا النص القرآني صريح في أن المرأة لا يجوز لها

стр. 403

أن تُبدي أمام المسلمة أكثر من هذه المواضع ... ولا تخفى كثرة المفاسد التي تترتب من تكشف النساء أمام النساء المسلمات بل وأمام الذمّيات أيضاً، بل وأمام الرجال المحارم أيضاً".اهـ والقرآن يشهد لصحة تفسير ابن مسعود؛ والقرآن يفسر بعضه بعضا: ١ - فإن الرخصة بوضع الثياب للنساء القواعد في آخر سورة النور هي استثناء من هذه الآية، كما جاء ذلك عن ابن عباس قال ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فنسخ واستثنى من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور ٦٠. (١) فإذا كانت الآية الناسخة فيها استثناء النساء القواعد بالإذن لهن بوضع الثياب دل ذلك على أن الآية الأولى فيها عدم الإذن بوضع الثياب، وهذا يوافق ما قال ابن مسعود. ٢ - كما أخرج الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الأعراف: ٣١ ... ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ ... قال الثياب. (٢) وهذه موافقة من ابن عباس لابن مسعود في تفسير الزينة بالثياب.

стр. 404

بل إن تفسير الزينة بالوجه والكفين هو خلاف ظاهر القرآن ولغة العرب، إلا أن يكون المراد مافي الوجه والكفين من الزينة: قال الشنقيطي في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٥/ ٥١٦): الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحلي، والحلل. فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول. كما أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى (يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) الأعراف ٣١، وقوله تعالى (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها) الكهف ٧، وقوله تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) الكهف ٤٦، وقوله تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) الصافات ٦، وقوله تعالى (فخرج على قومه في زينته) القصص ٧٩، وقوله تعالى عن قوم موسى: (ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم) طه ٨٧، وقوله تعالى (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) النور ٣١، فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته، كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب; كقول الشاعر (يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلن فهن خير عواطل) وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين، فيه نظر. اهـ

стр. 405

* ثالثا: ومما يشهد أن نهي المرأة عن إبداء زينتها لمن يحل لهم رؤيتها ممن لم يستثن في الآية يحمل معنى لبسها لما يخفي هذه الزينة من الثياب الظاهرة (من رداء أو ملحفة أو جلباب) مع ضرب الخمار على الجيب؛ الأمور الآتية: ١) ما أسلفناه من أن الرخصة بوضع الجلباب والرداء للنساء القواعد في آخر سورة النور هي استثناء من هذه الآية، كما جاء عن ابن عباس ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ فنسخ واستثنى من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾. (١) وقد صح عن ابن مسعود وابن عباس أن المراد بقوله (أن يضعن ثيابهن)؛ الجلباب والرداء. (٢) فإذا كانت آية القواعد التي هي رخصة بوضع الجلباب أو الرداء في البيت؛ هي استثناء من قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ دل ذلك على أن المراد بالنهي في قوله (ولا يبدين زينتهن) هو نهي المرأة عن وضع الثياب الظاهرة إلا لمن سماهم الله في الآية؛ ثم جاءت الرخصة للقواعد بوضع الثياب في البيوت أمام من يحل له الدخول عليهن دون حجاب ممن لم يسم في الآية ممن يعد غريبا عليهن وليس بمحرم لهن من العبيد المملوكين للغير والأتباع ونحوهم.

стр. 406

يشهد لذلك ما جاء في تأويل هذه الرخصة للقواعد: - قال ابن عباس: هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب. (١) - أخرج ابن أبي حاتم: عن مجاهد قال: تضع الجلباب في الدار والحجرة. - وعن سعيد بن جبير قال: هو الجلباب من فوق الخمار فلا باس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق وعنه في قول الله (وأن يستعففن خير لهن) قال: يعني وألا يضعن الجلباب من فوق الخمار عند غير ذي محرم خير لهن من أن يضعنه. - وعن مقاتل بن حيان قال: أن يضعن الجلباب ولا يضعن الخمار وروي عن الحسن وقتادة الزهري والاوزاعي نحو قول مقاتل بن حيان. - وعن أبي صالح: تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. (٢) - وقال عطاء: هذا في بيوتهن، فإذا خرجت فلا يحل لها وضع الجلباب. (٣)

стр. 407

* كما فسرها بذلك إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٥): قوله تعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ يقول فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن يعني جلابيبهن وهي القناع الذي يكون فوق الخمار والرداء الذي يكون فوق الثياب، لا حرج عليهن أن يضعن ذلك عند المحارم من الرجال وغير المحارم من الغرباء غير متبرجات بزينة. - وجاء في التسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ٧٢): قال ابن مسعود إنما أبيح لهن وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، وقال بعضهم إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها. * كما يؤيد ذلك تأويل قوله تعالى ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ بما يدل على ذلك: - عن الحسن وقتادة قالا: "باديات عن النحر" وقال مقاتل بن حيان: ليس لها أن تضع الجلباب لتريد بذلك أن تظهر قلائدها وقرطها وما عليها من الزينة. (١) - قال شهاب الدين في التبيان في تفسير غريب القرآن (١/ ٣١٣): ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي غير مكشوفات الشعور. - وقال النسفي في تفسيره (٣/ ١٥٧) في قوله ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي غير مظهرات زينة، يريد الزينة الخفية كالشعر والنحر والساق.

стр. 408

فهذه الأقوال تؤكد أن النهي عمّا يمكن أن تكشفه المرأة في بيتها. وهو التبرج الذي نهى الله النساء عنه بعدما أمرهن بالقرار في بيوتهن. قال تعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣ وهذه الآية مما حملها المتأخرون أيضا على غير محملها، والمراد بها والله أعلم نهي المرأة عن إظهار مالا يحل إظهاره من زينتها أمام من يحل له الدخول عليها دون حجاب. قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٨٣): وقال مقاتل بن حيان: والتبرج أنها تلقى الخمار على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها. وذلك التبرج ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج. قال الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤): وقيل إن التبرج هو إظهار الزينة وإبراز المرأة محاسنها للرجال. ٢) الآثار التي تدل على لبسهن لهذه الثياب - الأردية - في البيوت: - ما ورد عن إبراهيم النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﷺ فيراهن في اللحف الحمر. وما روي عن ابن أبي مليكة قال: رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر. (١)

стр. 409

- وما ورد عن شميسة أنها قالت (دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق ودرع وخمار) (١) - وما ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت (لا بد للمرأة من ثلاثة أثواب تصلي فيهن: درع وجلباب وخمار، وكانت عائشة تحل إزارها (٢) فتجلبب به) (٣). - وما ورد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة) (٤). * وهذا مما أشكل على الشيخ الألباني فظن أن هذه الأردية التي تتخذها النساء في البيوت هي الجلابيب التي أُمرت بإدناءها عند الخروج ولذلك قال في كتابه جلباب المرأة (ص ١٢١): واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير البياض أو السواد كما يتوهم بعض النساء وذلك لأمرين: الأول: قوله ﷺ : (طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه) والآخر: جريان العمل من نساء الصحابة على ذلك وأسوق هنا بعض الآثار الثابتة في ذلك مما رواه الحافظ ابن أبي شيبة في (المصنف) (٨/ ٣٧١ - ٣٧٢):

стр. 410

١ - عن إبراهيم وهو النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﷺ فيراهن في اللحف الحمر. ٢ - عن ابن أبي مليكة قال: رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر. ٣ - عن القاسم أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة. وفي رواية عن القاسم: أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي محرمة. ٤ - عن هشام عن فاطمة بنت المنذر أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة. ٥ - عن سعيد بن جبير: أنه رأى بعض أزواج النبي ﷺ تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة. والجواب عليه بالآتي: أولا: قوله (واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا)؛ مناقض لقوله في الصفحة التي تسبقها (ص ١٢٠): والمقصود من الأمر بالجلباب إنما هو ستر زينة المرأة فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة وهذا كما ترى بين لا يخفى ولذلك قال الإمام الذهبي في (كتاب الكبائر) (ص ١٣١): (ومن الأفعال التي تلعن عليها المرأة إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ تحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت ولبسها الصباغات

стр. 411

والأزر الحريرية والأقبية القصار مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة). كما أنه مخالف أيضا لما نقله عن الألوسي في هامش تلك الصفحة: " ثم أعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عن إبدائها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق ثيابهن ويتسترن به إذا خرجن من بيوتهن وهو غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان، وفيه من النقوش الذهبية أو الفضية ما يبهر العيون وأرى أن تمكين أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك ومشيهن به بين الأجانب من قلة الغيرة وقد عمت البلوى بذلك". ثانيا: أن ذلك مخالف لما جاء مصرحا به في صحيح السنة من لبس النساء للجلابيب السود امتثالا لآية الأمر بإدناء الجلابيب كما صح عن أم سلمة ﵂ أنها قالت" لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها" (١) قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة (ص ٨٣): شبهت الأكسية في سوادها بالغربان. فالثابت أن الأكسية التي سارعت إلى لبسها النساء عند الخروج امتثالا لآية إدناء الجلابيب هي المرط السود:

стр. 412

أخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله ﷺ فكأنما على رؤوسهن الغربان) وفي رواية (ما منهن امراة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجزت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فاصبحن يصلين وراء رسول الله ﷺ الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان). (١) قال ابن قتيبة في غريب الحديث (٢/ ٤٥٤): قولها: فأصبحن على رؤوسهن الغربان. تريد: أن المروط كانت من شعر أسود فصار على الرؤوس منها مثل الغربان، ومما يوضح هذا حديث عن عائشة أن رسول الله ﷺ (خرج ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود) (٢) يشهد لذلك أيضا ما جاء في مسند أحمد (٤٢/ ٤٢٢) (٢٥٦٢٨): (عن عائشة " أن رسول الله ﷺ كان يصلي وعليه مرط من هذه المرحلات، وكان رسول الله ﷺ يصلي وعليه بعضه، وعلي بعضه" والمرط من أكسية سود) (٣)

стр. 413

قال العيني في عمدة القاري (٤/ ٨٩): وفي (مجمع الغرائب) المروط: أكسية من شعر أسود. (١) ومما يشهد لذلك أيضا ما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي ﷺ ثم يرجعن متلفعات بمروطهن) (٢) وفي تاج العروس (٢٢/ ١٥٥): اللفاع وهو الكساء الأسود. وفي معجم متن اللغة (٥/ ١٩٤): اللفاع: الملحفة أو الكساء الغليظ تتلفع به المرأة، وزاد بعضهم الأسود.

стр. 414

ثالثا: أن الآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني علاوة على ما في أسانيدها من العلل؛ فإن المراد بها الملاحف والأردية التي تتخذها النساء في البيوت كما أسلفنا؛ وليست الجلابيب التي تدنيها النساء عليهن عند الخروج، وبيان ذلك بالآتي: ١ - استشهد أولا بقوله ﷺ (طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه ... ) وهذا ليس فيه دلالة! فإن الطيب مما يحرم على المرأة الخروج به عند الرجال الأجانب! ولو خرجت به لكونه لون لا ريح له فسيستره الجلباب! ٢ - عن إبراهيم وهو النخعي (أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﷺ فيراهن في اللحف الحمر) (١) على فرض صحة هذا الأثر فليس فيه حجة؛ لأن رؤية إبراهيم النخعي لهن كان بدخوله عليهن؛ فلا يؤخذ منه جواز الخروج بهذه اللحف الحمر. كما أن دخول إبراهيم النخعي عليهن ورؤيته لهن كان بسبب صغر سنه ولم يثبت أنه رأى من أزواج النبي ﷺ إلا عائشة ﵂، ومع ذلك لم يثبت له سماع منها لصغر سنه كما في جامع التحصيل (١/ ١٤١): (قال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم؛ إبراهيم النخعي دخل على عائشة ﵂ وهو صغير، زاد الرازيان؛ ولم يسمع منها شيئا).

стр. 415

وفي التاريخ الكبير (١/ ٣٣٣) والثقات لابن حبان (٤/ ٩): عن أبي معشر أن النخعي حدثهم أنه دخل على عائشة فرأى عليها ثوبا أحمر، فقال له أيوب وكيف دخل عليها، قال كان يحج مع عمه وخاله فدخل عليها وهو غلام. فسؤاله عن كيفية دخوله عليها يؤكد أنه لم يكن لأحد أن يدخل عليهن ويكلمهن إلا من وراء حجاب (١)؛ فيكون دخول إبراهيم مع علقمة والأسود للسماع من عائشة ﵂ من وراء الحجاب، واخترق إبراهيم الحجاب لصغر سنه ونظر إليها. ٢ - عن ابن أبي مليكة قال: (رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر). أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٥٩) وفي إسناده علّه فإن ابن أبي مليكة لم يدرك أم سلمة كما قال القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ٨٤) وعلى فرض أنه أدركها؛ فسيكون دخوله عليها في صغره. ومع ذلك فليس فيه حجة، لأن ابن أبي مليكة لم يصرح بخروجها بهذه الملحفة المعصفرة، بل إن رؤيته لدرعها - ثوبها- المعصفر يؤكد أن ذلك كان بدخوله عليها لأنها لو كانت خارجة لما استطاع رؤية درعها لأن الجلباب سيستره.

стр. 416

٣ - عن القاسم (أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة). وفي رواية عنه: (أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي محرمة). وهذا ليس فيه حجة أيضا فليس في الأثر ما يثبت خروج عائشة بهذه الثياب المعصفرة، والقاسم هو ابن أخيها محمد بن أبي بكر، فهو ممن يدخل عليها ويراها دون حجاب فلا حجة في رؤيته لثيابها المعصفرة وهي محرمة. ٤ - عن هشام عن فاطمة بنت المنذر (أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة). وهذا أيضا ليس فيه حجة، فإن الذي رأى هذه الثياب المعصفرة هي امرأة. ٥ - عن سعيد بن جبير: (أنه رأى بعض أزواج النبي ﷺ تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة). وإسناده لا يصح؛ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٦٠) والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤٠) عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن سعيد بن جبير؛ وهو كالأول آفته سعيد بن أبي عروبة ضعفه ابن معين كما أنه مدلس وقد عنعن، فلا يصح بذلك ولا تقوم به حجة. ولعل الشيخ الألباني وهل عن أن أزواج النبي ﷺ لم يكن يخرجن بالنهار ينظر إليهن الرجال حتى وإن كن مستترات بالجلابيب، بل وحتى في الحج أو العمرة لم يكن يخالطن الرجال ومن ذلك ما استشهد به هو في كتابه الجلباب ص ١٠٩: (أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي ﷺ في الحج في آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قال كان عثمان ينادي ألا لا يدنو إليهن أحد ولا ينظر

стр. 417

إليهن أحد وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب وكان عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أحد) (١) بل ولم يكنَّ يخاطن الرجال حتى في الطواف؛ فإما أن يطفن وهن راكبات في الهوادج من وراء الناس كما روي عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة "وفي رواية" فقال لها رسول الله ﷺ إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون" (٢) وإما أن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن معتزلات عن الرجال كما روي عن عطاء قال (كانت عائشة ﵂ تطوف حجرة (٣) من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت عنك وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال). (٤) قال المهلب: قول عطاء قد طاف الرجال مع النساء؛ يريد أنهم طافوا في وقت واحد غير مختلطات بالرجال، لأن سنتهن أن يطفن ويصلين وراء الرجال ويستترن عنهم. وبذلك فلا يصح قول الشيخ الألباني (ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير السواد) إذ ليس لقوله هذا مستند شرعي

стр. 418

يصح الاستناد عليه، بل هو مخالف لما جاء مصرحا به في صحيح السنة من لبس النساء للجلابيب السود امتثالا لآية إدناء الجلابيب، فهذا هو الأصل والمعمول به في هذه المسألة. - رابعا: أن إبداء الزينة لمن سمى الله في الآية يكون بوضع هذه الثياب (الأردية) لا بوضع الخمار؛ يشهد لذلك الآتي: ١) الآثار الواردة في تفسير هذه الآية: - أخرج الطبري والبيهقي عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الزينة الظاهرة الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ والزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. (١) قال البيهقي في سننه الكبرى (٧/ ٩٤) تعقيبا على هذه الرواية: وهذا هو الأفضل ألا تبدي من زينتها الباطنة شيئا لغير زوجها إلا ما يظهر منها في مهنتها.

стр. 419

- أخرج الطبري عن ابن مسعود في قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ ... قال: الطوق (١) والقرط. (٢) - أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال من المسلمات، لا تبديه ليهودية ولا لنصرانية وهو النحر والقرط. (٣) - وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة لأن الله تعالى يقول ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فليست من نسائهن. (٤) - وأخرج الطبري عن جابر بن زيد في قوله ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال نساء المؤمنات الحرائر ليس عليهن جناح أن يرين تلك الزينة، قال وإنما هذا كله في الزينة ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى شيء من عورة المرأة، قال ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فليس ينبغي لها أن تكشف قرطها للرجل وأما الكحل والخاتم والخضاب فلا بأس به، قال والزوج له فضل والآباء من وراء الرجل لهم فضل والآخرون يتفاضلون قال وهذا كله يجمعه ما ظهر من الزينة. (٥)

стр. 420

كما أورد ابن أبي حاتم الآثار الآتية: - عن سعيد بن جبير قال ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ ... يعني ولا يضعن الجلباب وهو القناع من فوق الخمار إلا لبعولتهن أو آبائهن. (١) - عن سعيد بن جبير في قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني عبد المرأة، لا يحل لها أن تضع جلبابها عند عبد زوجها. (٢) وقال مجاهد: تضع المرأة الجلباب عند المملوك. (٣) - عن الزهري قال: لا يبدو لهؤلاء الذين سمى الله من لا يحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر - أي من غير أن تحسر الخمار عن شعرها- وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم. (٤) وفي رواية عنه في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ قال: يرى الشيء من دون الخمار فأما أن تسلخه فلا. (٥)

стр. 421

- قال ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٣٨٣): اختلف العلماء فيما يبدو للأب من الزينة على ثلاثة أقوال: الأول: أنه الرأس قاله قتادة. الثاني: أن الذي تبدي القرط والقلادة والسوار فأما خلخالها وشعرها فلا، قاله ابن عباس ونحوه عن ابن مسعود. الثالث: أن يكون على رأسها خمار ومقنعة فتكشف المقنعة له. ولو تأملت الأقوال الثلاثة لوجدت أن معناها واحد وهو أن تضع الرداء (وهو ما سماه المقنعة) دون أن تضع الخمار ليبدو الرأس والقرطين دون الشعر. ولذلك ذكرها ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٣٨٤) ثم قال: وهي متقاربة المعنى. فخلاصة هذه الآثار أن المستثنين في الآية إنما يوضع عندهم الرداء دون الخمار؛ إذ لو كان المقصود وضع الخمار وإظهار الشعر لجاء مصرحا به ولو في بعض الروايات!! قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨٤): ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية؛ كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج.

стр. 422

٢) الآثار التي تدل على كون الخمار من عامة لباسهن في البيوت أمام من يحل له الدخول عليهن: - عن أنس بن مالك: أن صفية ﵂ لما غضب عليها رسول الله ﷺ أتت عائشة فقالت: يومي هذا لك من رسول الله ﷺ إن أنت أرضيته عني، فعمدت عائشة إلى خمارها وكانت صبغته بورس وزعفران فنضحته بشيء من ماء ثم جاءت حتى قعدت عند رأس رسول الله ﷺ فقال لها: ما لك؟ فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فعرف رسول الله ﷺ الحديث فرضي عن صفية. (١) - كما ثبت عن عائشة ﵂ أنها نذرت على نفسها ألا تكلم عبد الله بن الزبير أبداً، ثم استشفع ابن الزبير بمن يكلمها حتى كلمته وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها. (٢) وذلك يقتضي ملازمة الخمار لها، كما يقال في الرجل كان يذكر الشيء فيبكي حتى تبل دموعه لحيته!! - عن العالية أنها قالت: رأيت على عائشة درعا موردا وخمارا جيشانيا. (٣)

стр. 423

- عن شميسة أنها دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق (١) ودرع وخمار. (٢) -كما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي في بيتي حتى دفن عمر بن الخطاب فيه، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جداراً فتفضلت بعد). (٣) - وصح عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة ... فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها - وفي المستدرك وجعلت على رأسها خمارها - ففتحت

стр. 424

الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. (١) (٢) - ورد عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن الحمَّام فقال: إنه سيكون بعدي حمامات ولا خير في الحمامات للنساء، فقالت: يا رسول الله فإنها تدخله بإزار، فقال: "لا وإن دخلته بإزار ودرع وخمار وما من امرأة تنزع خمارها في غير بيت زوجها إلا كشفت الستر فيما بينها وبين ربها". (٣)

стр. 425

قال الشيخ الألباني الحديث صحيح بلفظ: "ثيابها" مكان "خمارها" وضعّف الحديث بهذا اللفظ ووصفه بالنكارة! لأنه يرى أنه مخالف للروايات الأخرى التي جاءت بلفظ "ثيابها" مكان "خمارها": وذلك فيما صح أن نسوة من أهل حمص استأذن على عائشة ﵂ فقالت: لعلكن من اللواتي يدخلن الحمامات، سمعت رسول الله ﷺ يقول "أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله". (١) وكذلك فيما صح عن أم الدرداء أن رسول الله ﷺ لقيها يوما فقال من أين جئت يا أم الدَّرداء قالت من الحمّام فقال لها رسول الله ﷺ " ما من امرأة تنزع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله من ستر" (٢) فيجاب عليه بالآتي: أولا: قوله أنه مخالف للروايات الأخرى الصحيحة لا يصح؛ لأنه مقيّد لما أُطلق فيها وليس مخالفا لها، فإن الروايات الأخرى جاء فيها لفظ (ثيابها) مطلقا قد يراد به الثياب الظاهرة وهي الجلباب والخمار وقد يراد به الثياب الباطنة، فجاءت هذه الرواية مقيدة لها بأن المراد بها؛ الثياب الظاهرة من الجلباب والخمار، فما وجه النكارة في ذلك ونصوص الشرع شاهدة على صحة ذلك.
следующие страницы →