- قال ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٣٨٣): اختلف العلماء فيما يبدو للأب من الزينة على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه الرأس قاله قتادة.
الثاني: أن الذي تبدي القرط والقلادة والسوار فأما خلخالها وشعرها فلا، قاله ابن عباس ونحوه عن ابن مسعود.
الثالث: أن يكون على رأسها خمار ومقنعة فتكشف المقنعة له.
ولو تأملت الأقوال الثلاثة لوجدت أن معناها واحد وهو أن تضع الرداء (وهو ما سماه المقنعة) دون أن تضع الخمار ليبدو الرأس والقرطين دون الشعر. ولذلك ذكرها ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٣٨٤) ثم قال: وهي متقاربة المعنى.
فخلاصة هذه الآثار أن المستثنين في الآية إنما يوضع عندهم الرداء دون الخمار؛ إذ لو كان المقصود وضع الخمار وإظهار الشعر لجاء مصرحا به ولو في بعض الروايات!!
قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨٤): ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية؛ كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج.
стр. 422
٢) الآثار التي تدل على كون الخمار من عامة لباسهن في البيوت أمام من يحل له الدخول عليهن:
- عن أنس بن مالك: أن صفية ﵂ لما غضب عليها رسول الله ﷺ أتت عائشة فقالت: يومي هذا لك من رسول الله ﷺ إن أنت أرضيته عني، فعمدت عائشة إلى خمارها وكانت صبغته بورس وزعفران فنضحته بشيء من ماء ثم جاءت حتى قعدت عند رأس رسول الله ﷺ فقال لها: ما لك؟ فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فعرف رسول الله ﷺ الحديث فرضي عن صفية. (١)
- كما ثبت عن عائشة ﵂ أنها نذرت على نفسها ألا تكلم عبد الله بن الزبير أبداً، ثم استشفع ابن الزبير بمن يكلمها حتى كلمته وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها. (٢)
وذلك يقتضي ملازمة الخمار لها، كما يقال في الرجل كان يذكر الشيء فيبكي حتى تبل دموعه لحيته!!
- عن العالية أنها قالت: رأيت على عائشة درعا موردا وخمارا جيشانيا. (٣)
стр. 423
- عن شميسة أنها دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق (١) ودرع وخمار. (٢)
-كما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي في بيتي حتى دفن عمر بن الخطاب فيه، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جداراً فتفضلت بعد). (٣)
- وصح عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة ... فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها - وفي المستدرك وجعلت على رأسها خمارها - ففتحت
стр. 424
الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. (١)(٢)
- ورد عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن الحمَّام فقال: إنه سيكون بعدي حمامات ولا خير في الحمامات للنساء، فقالت: يا رسول الله فإنها تدخله بإزار، فقال: "لا وإن دخلته بإزار ودرع وخمار وما من امرأة تنزع خمارها في غير بيت زوجها إلا كشفت الستر فيما بينها وبين ربها". (٣)
стр. 425
قال الشيخ الألباني الحديث صحيح بلفظ: "ثيابها" مكان "خمارها" وضعّف الحديث بهذا اللفظ ووصفه بالنكارة! لأنه يرى أنه مخالف للروايات الأخرى التي جاءت بلفظ "ثيابها" مكان "خمارها":
وذلك فيما صح أن نسوة من أهل حمص استأذن على عائشة ﵂ فقالت: لعلكن من اللواتي يدخلن الحمامات، سمعت رسول الله ﷺ يقول "أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله". (١)
وكذلك فيما صح عن أم الدرداء أن رسول الله ﷺ لقيها يوما فقال من أين جئت يا أم الدَّرداء قالت من الحمّام فقال لها رسول الله ﷺ " ما من امرأة تنزع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله من ستر" (٢)
فيجاب عليه بالآتي:
أولا: قوله أنه مخالف للروايات الأخرى الصحيحة لا يصح؛ لأنه مقيّد لما أُطلق فيها وليس مخالفا لها، فإن الروايات الأخرى جاء فيها لفظ (ثيابها) مطلقا قد يراد به الثياب الظاهرة وهي الجلباب والخمار وقد يراد به الثياب الباطنة، فجاءت هذه الرواية مقيدة لها بأن المراد بها؛ الثياب الظاهرة من الجلباب والخمار، فما وجه النكارة في ذلك ونصوص الشرع شاهدة على صحة ذلك.
стр. 426
فإنه قد ورد في كثير من النصوص إطلاق لفظ الثياب والمراد هو الجلباب أو الخمار كما أسلفنا: ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ قال ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٥): (فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن يعني جلابيبهن وهي القناع الذي يكون فوق الخمار والرداء الذي يكون فوق الثياب) اهـ فسمى الله تعالى الجلابيب في هذه الآية؛ ثيابا.
- وما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله ﷺ (أُريتك في المنام يجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت. . .) (١) وها هو رسول الله ﷺ عبر بالثوب عمّا يغطى به الوجه من خمار أو جلباب.
- وكذلك ما صح أن رفاعة طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها وأرتها خضرة بجلدها، فلما جاء رسول الله ﷺ قالت عائشة (ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات لجلدها أشد خضرة من ثوبها) (٢) وهذه عائشة ﵂ عبرت بالثوب عن الخمار.
فلا يستبعد أن يكون المراد بالثياب في هذا الحديث؛ هو الخمار.
стр. 427
ثانيا: أما السبب الثاني الذي لأجله ضعّف الشيخ الألباني الحديث بلفظ (خمارها)؛ فهو كما قال: مخالفته لقوله تعالى في آية النور ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآية أما أن ترفع خمارها في غير بيت زوجها أمام النساء المسلمات، فالآية صريحة بذلك. اهـ
فيقال بأن الحديث بهذا اللفظ (خمارها) يوافق آية النور هذه تمام الموافقة لأن هذه الآية جاءت آمرة المرأة بضرب خمارها على جيبها ناهية عن وضعه إلا لمن استثني في الآية، أما من لم يستثن في الآية ممن يحل لهم النظر فالمرأة منهية عن نزع الخمار أمامهم، ومنهم النساء غير المسلمات، وفي هذا الحديث جاء التحذير من دخول الحمامات التي يدخلها النساء غير المسلمات.
قال البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٠/ ٢٤): وروينا عن عمر بن الخطاب، أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: (أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات ومعهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل دونه) وفي رواية أخرى (فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها) قال أحمد: وهذا في العورة المحققة، والذي يؤكده ما روي عن مجاهد أنه قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة ولا تقبلها؛ لأن الله يقول: (أو نسائهن).
стр. 428
٣) ما جاء في صفة مسح المرأة لرأسها عند الوضوء مما يدل على أن الخمار كان من عامة لباسهن في البيوت:
- ومن ذلك ما روته أم علقمة مولاه عائشة ﵂ أن عائشة كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الرداء تمسح برأسها كله. (١)
- وعن نافع أنه رأى صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر تنزع خمارها ثم تمسح على رأسها بالماء ونافع يومئذٍ صغير. (٢)
- وسئل ابن المسيب كيف تمسح المرأة رأسها؟ قال: تسلخ خمارها ثم تمسح رأسها. (٣)
- وعن إبراهيم النخعي قال: إذا توضأت المرأة فلتنزع خمارها ولتمسح برأسها. (٤)
- وعن عطاء بن أبي رباح في المرأة إذا أرادت أن تمسح رأسها قال: تدخل يديها تحت الخمار فتمسح مقدم رأسها. (٥)
стр. 429
* ولو كانت النساء كاشفات عن شعورهن في البيوت في عامة أحوالهن أمام من يحل له الدخول عليهن لتواترت الآثار بذكر رؤية القرون وصفة الشعور كما تواترت بذكر الخُمر والأردية، وإن ورد شيء من ذلك فيحمل على أنه حال وضعهن للخمر كحال امتشاطهن ونحو ذلك (١) فلا يحتج به على أنهن لم يكن يلبسن الخمر في عامة أحوالهن.
٤) ومما يشهد لذلك أيضا ما أثر عن بعض السلف من التابعين من كراهة النظر إلى الشعر من ذوات المحارم:
أخرج عبد الرزاق في مصنفه باب ما يُرى من ذوات المحارم (٢):
- قال الزهري: لا بأس أن ينظر إلى قصة المرأة من تحت خمارها إذا كان ذا محرم فأما أن تسلخ خمارها فلا. وفي رواية؛ المرأة تسلخ خمارها عند ذي محرم؟ قال: أما أن يرى الشيء من دون الخمار فلا بأس وأما أن تسلخ الخمار فلا.
- عن ابن طاووس عن أبيه قال: ما كان أكره إليه من أن يرى عورة من ذات محرم، وكان يكره أن تسلخ خمارها عنده.
стр. 430
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١):
- عن طاووس إنه كان يكره أن ينظر الرجل إلى شعر ابنته أو اخته.
- عن عامر الشعبي أنه يكره أن ينظر إلى شعر كل ذات محرم.
- عن الحسن البصري في المرأة تضع خمارها عند أخيها قال والله ما لها ذلك.
- عن الضحاك بن مزاحم قال: لو دخلت علي أمي لقلت غطي رأسك.
٥) يؤيد ذلك أيضا ما ذهب إليه بعض الفقهاء من أن المحرم لا ينظر إلا إلى الوجه والكفين من المرأة:
- المحرر في الفقه لمجد الدين أبي البركات (٢/ ١٣): وقيل لا ينظر الخاطب والمحرم إلا الوجه والكفين.
- الفروع لمحمد بن مفلح المقدسي (٥/ ١٠٨): وينظر من أمة مستامة رأسا وساقا وعنه سوى عورة الصلاة وقيل كمخطوبة وكذا ذات محرم وهي إليه وكذا عبدها وقال جماعة وجها وكفا.
وقال في موضع آخر (٥/ ١١٢): ولأحد الزوجين نظر كل صاحبه وكذا سيد مع سريَّته ويحرم أن تتزين لمحرم غيرهما -الزوج والسيد-
стр. 431
- وفي المبدع لإبراهيم بن مفلح (٧/ ٨): (وعنه لا ينظر من ذوات محارمه إلا إلى الوجه والكفين) لقول ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... يعني وجهها وكفيها.
- وفي الإنصاف للمرداوي (٨/ ٢٠): لا ينظر من ذوات محارمه إلى غير الوجه ذكرها في الرعاية وغيرها، وعنه لا ينظر منهن إلا إلى الوجه والكفين.
- وفي التمهيد لابن عبد البر (المالكي) (٨/ ٢٣٦): ذوي المحارم لا يحتجب منهم ولا يستتر عنهم إلا العورات والمرأة فيما عدا وجهها وكفيها عورة بدليل أنها لا يجوز لها كشفه في الصلاة.
- وفي القوانين الفقهية لابن جزي (المالكي) (١/ ٢٩): وإن كانت ذات محرم جاز له رؤية وجهها ويديها دون سائر جسدها على الأصح.
- وفي الفتاوى الهندية للشيخ نظام (الحنفي) (٥/ ٣٣٣) ونقله ابن عابدين في حاشيته (١/ ٤٠٤): يرخص للمرأة كشف الرأس في منزلها وحدها فأولى أن يجوز لها لبس خمار رقيق يصف ما تحته عند محارمها كذا في الْقُنْية.
- قال أبو الأعلى المودودي الحنفي في كتابه الحجاب/٢٧٣: جسم المرأة كله إلا وجهها ويديها عورة يجب أن تسترها حتى عن أدنى أقاربها في البيت، فلا يجوز لها تكشف عورتها على أحد غير زوجها سواء كان أباها أو أخاها أو ابن أخيها.
стр. 432
- خامسا: تصريح بعض المفسرين بأن هذه الآيات نزلت لتنظيم مخالطة من أُحل لهم الدخول على النساء في البيوت:
كما قال أبو السعود العمادي في تفسيره (٦/ ١٦٨) والألوسي في روح المعاني (١٨/ ١٣٣): إنه إثر ما فصل الزواجر عن الزنا وعن رمي العفائف شرع في تفصيل الزواجر عما عسى يؤدي إلى أحدهما من مخالطة الرجال والنساء ودخولهم عليهن في أوقات الخلوات.
يشهد لذلك سبب نزول الآية التي قبلها الذي أورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧١) قال: أخرج الفريابي وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال: قالت امرأة لرسول الله ﷺ (إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد ولد ولا والد فيأتيني الآتي فيدخل علي فكيف أصنع) ولفظ ابن جرير (وأنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال) قال فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. (١) النور: ٢٧
وقد ذكر في الإتقان أن دخول سبب النزول في الحكم قطعي. (٢)
стр. 433
كما يشهد لذلك أيضا الآية التي جاءت بعدها آمرة بإنكاح وإحصان من يحل لهم الدخول دون حجاب من العبيد:
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ النور: ٣١ - ٣٣
- سادسا: من القرائن في الآية ما شرع من الاستئناس قبل الدخول في البيوت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ النور: ٢٧ واختصاص هذا الحكم في هذه الآية بمن يحل لهم الدخول في البيت دون حجاب؛ يشهد له أمور:
стр. 434
(١) أن المنهي عنه في الآية هو الدخول بغير استئناس؛ وليس المنهي عنه هو الدخول، وهذا يدل على أن الداخل ممن أجاز له الشرع الدخول دون حجاب (١)، لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ التشديد في النهي عن دخول الرجال الأجانب على النساء فقال ﷺ " إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال" الحمو الموت". (٢)(٢) أن الاستئذان في هذه الآية جاء بلفظ الاستئناس (٣) ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ (٤) والاستئناس كما صح عن مجاهد ﵁ في قوله ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قال: تنحنحوا وتنخموا. (٥)
стр. 435
وقال جابر بن زيد الاستئناس: التنحنح والتجرس حتى يعرفوا أن قد جاءهم أحد، قال: والتجرس كلامه وتنحنحه. (١)
وصح عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه. (٢) وفي رواية عن أبي عبيدة قال كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس سلم ورفع صوته. (٣)(٣) يؤكد ذلك قول أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ١٦٧): ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان
стр. 436
وإن لم يكن من صاحب البيت إذن، ولذلك قال مجاهد الاستئناس التنحنح والتنخع فكأنه إنما أراد أن يعلمهم بدخوله، وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته بالدخول بغير إذن.
- وقول القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢١٣): ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستعلموا أي تستعلموا من في البيت قال مجاهد (بالتنحنح) أو بأي وجه أمكن ويتأنى قدر ما يعلم أنه قد شعر به ويدخل إثر ذلك، وقال معناه الطبري ومنه قوله تعالى (فإن ءانستم منهم رشدا) النساء: ٦ أي علمتم ... قلت: وهذا نص في أن الاستئناس غير الاستئذان كما قال مجاهد ومن وافقه.
- وقول الألوسي في روح المعاني (١٨/ ١٣٥): وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم.
(٤) ثم جاءت قرينة أخرى في الآية التي تليها وهي قوله ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ النور: ٢٨
فالخطاب موجه فيها لمن يحل له دخول البيت ممن اعتاد دخوله من مماليك وتابعين ونحوهم؛ فنهوا عن دخولها إذا لم يكن أهلها فيها إلا بإذن ممن يملك الإذن ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ عن سعيد بن جبير في قوله
стр. 437
تعالى ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ يعني الرجوع خير لكم من القيام والقعود على أبوابهم (١). وهذا يشهد لكون المخاطبين من الرقيق ونحوهم.
(٥) وقرينة أخرى في آخر السورة في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ النور: ٥٨ فبعد أن شُرع الاستئناس لمن يحل له دخول البيت دون استئذان؛ وقع الحرج ممن يكثر دخولهم وخروجهم في جميع الأوقات وهم الصبية المميزون والمملوكون، فقُيّد دخولهم أوقات النوم وانكشاف العورات ووضع الثياب؛ بأن شرع لهم الاستئذان في هذه الأوقات (٢)، ورفع الحرج عنهم فيما عدا هذه الأوقات فأذن لهم الدخول بلا استئناس ولا استئذان (ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم).
стр. 438
(٦) ثم قال تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ النور: ٥٩
فبعد أن رخّص الله تعالى للصبية المميزين الدخول في غير الأوقات الثلاث بغير استئذان ولا استئناس؛ عقب ببيان حالهم بعد البلوغ عند الدخول على أهلهم، فشرع لهم إذا بلغوا الحلم أن يستأذنوا عند دخولهم على أهليهم بالاستئناس في جميع الأوقات، ولذا قيد أمرهم بالاستئذان بقوله ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي فليستأذنوا كاستئذان من شرع لهم الاستئناس عند الدخول في أول السورة.
قال الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٥٢): المقصود بالتشبيه بيان كيفية استئذان هؤلاء وزيادة إيضاحه ولا يتسنى ذلك إلا بتشبيهه باستئذان المعهودين عند السامع ولا ريب في أن بلوغهم قبل بلوغ هؤلاء مما لا يخطر ببال أحد وإن كان الأمر كذلك في الواقع، وإنما المعهود المعروف ذكرهم قبل ذكرهم أي فليستأذنوا استئذانا كائنا مثل استئذان المذكورين قبلهم بأن يستأذنوا في جميع الأوقات. (١)
стр. 439
ومما يشهد لذلك ما أُثر عن سعيد بن المسيب أنه قال ليستأذن الرجل على أُمّة فإنما نزلت ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ ... في ذلك. (١)
ولو كان المراد هو الاستئذان العام لجاء الأمر لهم بالاستئذان مطلقا دون تشبيهه باستئذان الذين من قبلهم. ولهذا قال الله تعالى أيضا في ختام هذه الآية ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وخلاصة ما سبق أن المعني بالخطاب في هذه الآية هم من يحل لهم الدخول على المرأة دون حجاب وليس الرجال الأحرار الأجانب الذين لا يحل لهم الدخول على النساء الحرائر، كما سبق من قول أبي بكر الجصاص: وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته بالدخول بغير إذن. وقول الألوسي: وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم.
- سابعا: ومن القرائن في الآية أن الأمر بغض البصر جاء فيها مبعضا بـ "من" التبعيضية أي الغض من البصر لا غض البصر كلّه، مما يدل أيضا على أن الأمر في هذه الآية متعلق بمن يحل لهم النظر، أما الرجال الأحرار الأجانب فقد سبق أن أنزل الله في سورة الأحزاب منعهم من النظر بالكلّية إلى النساء الأجنبيات الحرائر بضرب الحجاب بينهم ومنعهم من الدخول عليهن في البيوت - كما سبق بيان ذلك- ولحرص الشارع الحكيم على قطع أسباب الزنا أمر من أُبيح لهم الدخول والنظر الغضّ من البصر؛ سواء كان النظر للمحارم، أو
стр. 440
للإماء اللاتي لم يُفرض عليهن الحجاب، أو نظر العبيد ونحوهم للوجه والكفين من النساء الأجنبيات الحرائر؛ يشهد لذلك أنه لم يرد في تأويلها ما يدل على أن المراد غض بصر الرجال الأحرار عن وجوه من حال الحجاب دون النظر إليهن من النساء الحرائر - وإن كان هذا مأمور به ولكن ليس المراد هنا -بل جاء في تأويلها ما يدل على أن المراد الغض من البصر حال جواز النظر:
قال ابن عباس: يغضوا من أبصارهم؛ من شهواتهم مما يكره الله. (١)
وقال جابر بن زيد: يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له، إذا رأى ما لا يحل له غض من بصره لا ينظر إليه. (٢)
وقال قتادة: أي عما لا يحل لهم. (٣)
قال الطبري في تفسيره جامع البيان (١٨/ ١١٦): قال يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له إذا رأى ما لا يحل له غض من بصره لا ينظر إليه ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله إنما قال الله (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم).
قال الثعلبي في تفسيره الكشف والبيان (٧/ ٨٦) والبغوي في معالم التنزيل (٣/ ٤٠١) واختلفوا في قوله (مِنْ) فقال بعضهم: هو صلة أي يغضّوا أبصارهم،
стр. 441
وقال آخرون: هو ثابت في الحكم لأنّ المؤمنين غير مأمورين بغضّ البصر أصلا، وإنّما أمروا بالغضّ عمّا لا يحل النظر إليه.
قال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٢٩) والنسفي في مدارك التنزيل (٢/ ٤٩٩): (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) من للتبعيض، والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفروج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع؛ ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن ... وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها - ممن أُبيح لهم الدخول والنظر من العبيد المملوكين ونحوهم.
قال ابن جزي الكلبي في التسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ٦٦): والغض المأمور به هو عن النظر إلى العورة، أو إلى ما لا يحل من النساء.
قال أبو حفص سراج الدين النعماني في اللباب في علوم الكتاب (١٤/ ٣٤٩): قال الأكثرون: المراد غض البص عما يحرم والاقتصار به على ما يحل ... ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن، وكذا الجواري المستعرضات، وأما أمر الفروج فمضيق.
قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٢٢): ولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه ويحفظ الفرج غير أن ذلك معلوم بالعادة وأن المراد منه المحرم دون المحلل وفي البخاري وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء
стр. 442
العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك، يقول الله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وقال قتادة (عما لا يحل لهم) ... وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال (سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري) (١) ... ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته وزمانه خير من زماننا هذا وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة نظر شهوة يرددها.
- ثامنا: بعد أن شُرع الاستئناس وأمر بغض البصر عما يحرم عليه رؤيته، وكانت الفروج من أعظم ذلك؛ جاء الأمر بحفظها بسترها عمن لا يحل له النظر إليها، وهذه قرينة أيضاً وهي أن المراد بحفظ الفروج في هذه الآية؛ حفظها عن النظر - وإن كان حفظها عن النظر بسترها؛ يستلزم حفظها عن الزنا - يشهد لهذا ما ورد في تأويلها عن السلف:
- قال أبو العالية كل فرج ذكر حفظه في القرآن فهو من الزنا إلا هذه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ فإنه يعني الستر. (٢)
- وقال جابر بن زيد كل ما في القرآن من حفظ للفرج فهو عن الزنا إلا هذا فإنه أراد به الاستتار. (٣)
стр. 443
قال الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٦): يكفوا من نظرهم إلى ما يشتهون النظر إليه مما قد نهاهم الله عن النظر إليه ويحفظوا فروجهم أن يراها من لا يحل له رؤيتها بلبس ما يسترها عن أبصارهم ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ يقول فإن غضها من النظر عما لا يحل النظر إليه وحفظ الفرج عن أن يظهر لأبصار الناظرين.
قال الثعلبي في الكشف والبيان (٧/ ٨٦) والبغوي في معالم التنزيل (٣/ ٤٠١) والزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٢٩): (يحفظوا فروجهم) عما لا يحل، قال أبو العالية: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا، إلا في هذا الموضع فإنه أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه.
وهذا يؤكد أن هذه الآية تعني من يحل لهم الدخول دون حجاب من المحارم أو المملوكين لأنهم وإن استأنسوا قبل الدخول إلا أنه يحتمل أن يصادف دخولهم انكشاف العورة إن لم يحصل تحفظ من أهل البيت، فجاء الأمر بالحرص على الاستتار حفظا للفروج.
ولما كانت النساء هن مكمن الفتنة؛ لم يقتصر الأمر لهن بالغض من البصر وحفظ الفروج فقط كما جاء في حق الرجال، بل تعداه إلى منع كل ما من شأنه أن يكون سبباً للافتتان بهن ممن يدخل عليهن أو من قد يخلو بهن ممن أُذن له الدخول عليهن، وذلك بأمرهن بالتستر وعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها بقوله
стр. 444
تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والمراد هو النهي عن إبداء زينتهن الباطنة لمن يحل له الدخول عليهن في البيوت - من الرقيق ونحوهم - والاكتفاء بإبداء الزينة الظاهرة لهم وذلك بلبس الرداء وضرب الخمار على الجيب كما أسلفنا.
- تاسعا: ومن القرائن كذلك قوله تعالى في آخر الآية ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ النور: ٣١ وهي النهي عن الضرب بالأرجل، فلما كان الخلخال من الزينة الباطنة التي لايجوز إبداؤها إلا للزوج كما قال ابن عباس: الزينة الظاهرة؛ الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم؛ فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ والزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. (١) نهى الله المرأة عن تعمد إسماع صوت هذه الزينة لمن يدخل عليها - وإن كان النهي عن ذلك عند خروجها من باب أولى - لأن تعمد إسماع صوت الخلاخل أعظم فتنة من إظهارها؛
стр. 445
- قال ابن عباس في قوله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال، أو يكون في رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال، فنهى الله عن ذلك لأنه من عمل الشيطان. (١)
- قال جابر بن زيد ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ الأجراس من حليهن يجعلنها في أرجلهن في مكان الخلاخل فنهاهن الله أن يضربن بأرجلهن لتسمع تلك الأجراس. (٢)
- قال سعيد بن جبير: أن المرأة كانت يكون في رجلها الخلخال فيه الجلاجل فإذا دخل عليها غريب (٣) تحرك رجلها عمدا ليسمع صوت الخلخال. (٤)
- قال مجاهد في قوله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ ... قال الخلخال على الخلخال. (٥)
- قال قتادة ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ قال هو الخلخال لا تضرب امرأة برجلها ليسمع صوت خلخالها. (٦)
стр. 446
قال ابن جرير الطبري (١٨/ ١٢٤): وقوله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ يقول تعالى ذكره ولا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن علم الناس الذين مشين بينهم ما يخفين من ذلك.
قال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٣٣) والبيضاوي في أنوار التنزيل (٤/ ١٠٥): كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها، فيعلم أنها ذات خلخال. وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي بعدما نهين عن إظهار الحلي، علم بذلك أن النهى عن إظهار مواضع الحلي أبلغ.
قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٧): (ولا يضربن بأرجلهن) أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت لتسمع صوت خلخالها، فإسماع صوت الزينة كإبداء الزينة وأشد، والغرض التستر.
- عاشرا: الخلاف القائم حول بعض متعلقات الآية ؛ كالخلاف فيمن لم يذكر في الآية وهو ممن تحل له رؤية المرأة:
(١) كالعم والخال؛ فقال بعضهم إنهما يجريان مجرى الوالدين، وقال الآخرون بل تحتجب منهما المرأة فليسوا من المحارم وقد ينعتانها لأبنائهما، مستشهدين بما
стр. 447
صح عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية؛ قالا لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما، وقالا: " لا تضع خمارها عند العم والخال". (١)
ولكن إذا حُمل أن العم والخال ممن يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها دون حجاب ولكن لا تبدي لهم إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) بعدم وضع الرداء والخمار عندهما كما ذكر الشعبي وعكرمة؛ لكان ذلك أجمع للرأيين.
قال ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) في أحكام القرآن (٣/ ٦١٩): روي عن الشعبي أنه قال لم يذكر الله العم فيها ولا الخال لأنها تحل لأبنائهما. وقيل لم يذكرهما لأنهما قائمان مقام الأبوين بدليل نزولهما منزلتهما في حرمة النكاح. فأما من قال بالقول الأول فقال إن حكم الرجل مع النساء ينقسم على ثلاثة أقسام:
الأول: من يجوز له نكاحها؛ لم يحل له رؤية شيء منها.
والثاني: من لا يحل له نكاحها (ولا) لابنه كالأخ والجد والحفيد؛ جاز الوضع لجلبابها ورؤية زينتها.
والثالث: من لا يحل له نكاحها ويجوز لولده كالعم والخال؛ جاز رؤية وجهها وكفيها خاصة ولم يحل له رؤية زينتها. اهـ وهذا كله موافق تماما لما ذكرنا.
وقال الزمخشري في الكشاف (٣/ ٢٣٧): فإن قلت لم يذكر الله الأعمام والأخوال؟ قلت: سئل الشعبي عن ذلك فقال لئلا يصفها العم عند ابنه والخال
стр. 448
كذلك، ومعناه أن سائر القرابات يشترك الأب والابن في المحرمية إلا العمّ والخال وأبناءهما، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم فيداني تصوّره لها بالوصف؛ نظره إليها، وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في التستر.
(٢) المحارم بالرضاع والمصاهرة: فإنه لم يرد ذكرهم في الآية! ولو كان حكمهم في هذا الأمر كحكم المحارم بالنسب لورد ذكرهم فيها كما ورد ذكرهم في آية المحرمات في سورة النساء وهو القائل (ما فرطنا في الكتاب من شيء) الأنعام ٣٨
- يشهد لذلك ما ورد عن أيوب السختياني بإسناد صحيح إليه قال: قلت لسعيد بن جبير أيرى الرجل رأس (ختنته) (١) فتلا عليه ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ الآية؛ قال: لا أراها فيهم. (٢)
ولذلك فرق بينهم بعض أهل العلم في حدود ما يباح لهم النظر إليه من المرأة:
- جاء في أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٨٦): عن مالك قال: أكره أن يسافر الرجل بامرأة أبيه أو ابنه، ولله دره إنها ليست كأمه وابنته.
стр. 449
- قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٢): تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها وتختلف مراتب ما يبدي لهم فيبدي للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج.
- قال ابن القطان في أحكام النظر /١٤٠: من ذوات المحارم من في نظر ذي محرمها إليها خلاف، كأم الزوجة: جوّز مالك النظر إلى شعرها، ومنع ذلك سعيد بن جبير، وتلا حين سُئل عنها الآية، ثم قال: لا أراها فيها، وهو موضع نظر، فإن الشهوات لا تنضبط، وعلة الحرمة فيها، وهو كونها أمّاً للزوجة لا يقتضي الطبع انكماشاً، كما فيما بينه وبين أخته مثلاً، وقد كان جائزاً له نكاحها قبل تزوجه بابنتها ... والذي لا شك في جوازه؛ النظر منها إلى وجهها وكفيها فإن ذلك قد جاز النظر إليه من الأجنبية، والزيادة على ذلك عندي موضع توقف ... مسألة: جوز مالك أن يرى شعر امرأة ابنه، والقول بها عندي كالقول في أم امرأته.
- قال ابن قدامة في المغني (٧/ ٧٥): وتوقف أحمد عن النظر إلى شعر أم امرأته وبنتها لأنهما غير مذكورتين في الآية.
- وفي روضة الطالبين (٧/ ٢٤): وسواء المحرم بالنسب والمصاهرة والرضاع، وقيل لا ينظر بالمصاهرة والرضاع إلا إلى البادي في المهنة.
(٣) وكذلك حمل المراد من قوله ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ في هذه الآية على أنه الزوج، لأنه من المعلوم أن الزوج يحل له النظر إلى جميع بدن الزوجة؛ وهذا يضعف أن يكون هو المراد في هذا الموضع الذي ذُكر فيه من يحل لهم النظر إلى
стр. 450
بعض المواضع من جسدها دون بعض، ولما كان البعل هو الزوج والسيد في كلام العرب؛ فالصواب والله أعلم أن المراد بالبعل في هذه الآية؛ السيّد بالنسبة للأمة التي لها زوج، فإن الأمة غير المتزوجة يحل لسيدها منها ما يحل له من زوجته، وهذا جاء بيانه في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ المؤمنون: ٥ - ٦ ولكن لما كانت الأمة قد تكون ذات زوج فلا يحل لسيدها منها إلا ما يحل له من ذات المحرم؛ اندرج حكم سيدها في هذه الآية فيمن لا يحل له إلا رؤية الزينة من المرأة. (١)
ومما يؤكد عموم الخطاب في هذه الآية وأنه موجه للإماء والحرائر (٢)؛ أن الأمر في مطلعها جاء بلفظ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ وهذا اللفظ (المؤمنات) عام تدخل فيه الحرائر والإماء، بخلاف آية الجلابيب التي خص الله فيها الخطاب للحرائر دون
стр. 451
الإماء فقال جل في علاه ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فأخرج بقوله (نساء المؤمنين) قال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢١٨): البعل في لغة العرب السيد والزوج، وأيضا فالأمة قد تتزوج، وماعلمنا قط أن الإماء لا يكون لهن أبناء وآباء وأخوال وأعمام كما للحرائر.
ومما يشهد لما ذكرنا من أن المراد بالبعل هنا السيد والمالك؛ أنه لم يؤثر عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه قال بأن المراد بالبعولة في هذه الآية الأزواج، بل جاء ما ينفي ذلك وهو قول ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ قال الزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها" فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها" (١) فهذا القول من ابن عباس شاهد على أن الزوج لم يدخل في هذه الآية.
ومما يشهد لذلك أيضا أن الله تعالى لم يذكر البعولة في آية الحجاب في سورة الأحزاب ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ الأحزاب: ٥٥ ... لأن الخطاب فيها موجه للحرائر دون الإماء.
стр. 452
وقد أدى حمل قوله ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ في هذه الآية على أن المراد به الزوج إلى أن بالغ بعضهم فأحلوا النظر لجميع جسد المرأة لذوي محارمها عدا العورة المغلظة؛ معللين ذلك بأن الله قد ساوى في ذلك بين البعولة وبينهم في الآية! (١) ولاستبعاد ذلك قال الآخرون: مع أن الله تعالى جمع هؤلاء في سياق واحد إلا أنه لا يفهم منه استواء أحكامهم لأن الزوج يباح له النظر من زوجته ما لا يحل لأبيها النظر إليه! ولو حُمل المراد بالبعولة وآباء البعولة وأبنائهم في هذه الآية على السيّد بالنسبة للأمة المتزوجة ووالده وولده؛ لكان أسلم.
ومما يشهد لذلك أن "الحسن والحسين كانا لا يريان أمهات المؤمنين وكان ابن عباس يرى أن رؤيتهن لهما حل" (٢) فإنهن لهما بمنزلة زوجات الأب، ولكن لما كان أبناء الأزواج ممن لم يستثن في الآية؛ فلا يحل لزوجات أبيهم (أمهات المؤمنين) أن يبدين لهم من زينتهن إلا ما ظهر منها؛ كرهوا الدخول عليهن، والله تعالى أعلم.
وفيه كذلك الجواب على من أنكر على من قال إن العم والخال ينعتان لأبنائهم بأن الله قد أباح لأبي الزوج الزينة الباطنة وهو قد ينعت لأبنائه (إخوة الزوج) فإذا حُمل أن المراد هو أبو السيد بالنسبة للأمة، وأن آباء الأزواج لا يبدى لهم إلا ما ظهر من الزينة؛ كانوا كالأعمام في الحكم.
стр. 453
والمتأمل حقيقة في هذا التقسيم بمنع فئة ممن يحل لهم رؤية المرأة دون حجاب من رؤية زينتها إلا ما ظهر منها، يتبين له دقة الشارع فيأحكامه فمن لم يستثنوا في الآية ليس لديهم من نفرة الطباع ما للمحارم المستثنين فيها.
(٤) وكذلك النساء المشركات: حيث فُسر قوله تعالى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ بالنساء المسلمات كما قال سعيد بن جبير، ومجاهد: " نسائهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تَكَشّف بين يدي المشركة". (١)
ولذلك ذهب فريق من أهل العلم إلى أن النساء الكوافر بالنسبة للمرأة المسلمة كالرجال الأجانب! كما جاء في أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٣/ ١١١): وتحتجب مسلمة عن كافرة وجوبا فيحرم نظر الكافرة إليها لقوله تعالى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ ... فقد أفتى النووي بأنه يحرم على المسلمة كشف وجهها لها. (٢)
لكن هذا يضعفه ما صح أن نساء أهل الذمة كن يدخلن على أزواج النبي ﷺ يرين وجوههن! لذلك ذهب الفريق الآخر إلى أنهن في حل النظر كالمسلمات! وهو خلاف الآية كما هو بيّن. فإذا قلنا إن النساء الكافرات ممن يحل لهن الدخول ولكن لا يبدى لهن إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) لكان هذا أجمع للرأيين.
стр. 454
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١٢): وقوله (أو نسائهن) احتراز عن النساء المشركات فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة ولا تدخل معهن الحمام، لكن قد كن النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها فيرين وجهها ويديها بخلاف الرجال، فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات وليس للذميات أن يطلعن على الزينة الباطنة.
(٥) وكذلك الصبي المميز فلأنه لم يذكر في الآية جعله بعضهم كالبالغ وقال بعضهم إنه كذي المحرم كما جاء في الكافي في فقه ابن حنبل (٣/ ٦): ومن لا تمييز له من الأطفال لا يجب التستر منه في شيء لقوله تعالى ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ وفي المميز روايتان إحداهما هو كالبالغ لهذه الآية والثانية هو كذي المحرم لقوله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ النور: ٥٩ ففرق بينه وبين البالغ. (١)
فإذا قيل إنه يحل له الدخول على النساء ورؤيتهن ولكن لا يبدين له إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) كان ذلك أجمع للرأيين، فلا يُلحق بالمحرم والله لم يلحقه به في الآية، ولا يُلحق بالبالغ الذي فرق الله بينهما في الحكم في الآية الأخرى.
يؤيد ذلك قول الإمام أحمد كما في المغني (٧/ ٧٧): قيل لأبي عبدالله متى تغطي المرأة رأسها من الغلام قال إذا بلغ عشر سنين.
стр. 455
(٦) وكذلك ما وقع من خلاف في المراد من قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ففريق قال إن المراد بها الإماء المشركات، فبعد نهي المرأة عن إبداء زينتها للنساء الكوافر استثني من ذلك ما ملكت أيمانهن منهن، وهذا يضعفه أنه لو أُريد ذلك لجاء بصيغة الاستثناء كأن يقول (أو نسائهن إلا ما ملكت أيمانهن).
ومنهم من قال المراد به العبيد، وقد ورد عن عائشة وأم سلمة ﵄ عدم احتجابهما من العبيد، وثبوت دخولهم عليهن كما جاء ذلك عن مجاهد قال (كان العبيد يدخلون على أزواج النبي ﷺ ) (١)
وكذلك ما جاء عن سليمان بن يسار عن عائشة ﵂ قال (استأذنت عليها فقالت من هذا فقلت سليمان قالت كم بقي عليك من مكاتبتك قال قلت عشر أواق، قالت: أدخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم) (٢) كما جاء عن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد كان قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ﵂ ثوب ـ رداء ـ إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك (". (٣)
قال البيهقي عقبه (٧/ ٩٥): وروينا عن القاسم بن محمد أنه قال (إن كانت أمهات المؤمنين يكون لبعضهن المكاتب فتكشف له الحجاب ما بقي عليه درهم فإذا قضى أرخته دونه) وكان الحسن والشعبي وطاووس ومجاهد يكرهون أن ينظر
стр. 456
العبد إلى شعر سيدته، وكأنهم عدوا الشعر من الزينة التي لا تبديها لعبدها كما عده بن عباس ﵄ فيما رويناه من الزينة التي لا تبديها لمحارمها.
قال ابن حجر فتح الباري (٥/ ٢٦٥): وفيه دليل على أن عائشة كانت ترى ترك الاحتجاب من العبد سواء كان في ملكها أو في ملك غيرها لأنه كان مكاتب ميمونة زوج النبي ﷺ . اهـ
ولهذا جعله الفريق الآخر محرما لها يسافر بها ويخلو بها! وقد أنكر شيخ الإسلام هذا فقال في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١١): فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته وقد جاءت بذلك أحاديث وهذا لأجل الحاجة لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها أكثر من حاجتها إلى رؤية الشاهد والمعامل والخاطب فإذا جاز نظر أولئك فنظر العبد أولى وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرما يسافر بها كغير أولى الأربة فإنهم يجوز لهم النظر وليسوا محارم يسافرون بها فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ولا الخلوة بها بل عبدها ينظر إليها للحاجة وإن كان لا يخلو بها ولا يسافر بها.
قال النحاس في معاني القرآن (ت ٣٣٨ هـ) (٤/ ٥٢٧): قال ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فيه أقوال ... والقول الثاني أنه ليس لعبيدهن أن يروا منهن إلا ما يرى الأجنبي - الأتباع والعبيد المملوكون للغير - كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال ولا ينظر عبدها إلى شعرها ولا نحرها وأما الخلخال فلا ينظر إليه إلا الزوج. وهو مذهب عبد الله بن مسعود ومجاهد وعطاء والشعبي ...
стр. 457
ويكون التقدير على القول الثاني أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة ثم حذف.
قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٧): وقد قيل إن التقدير أو ما ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة (١) أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال حكاه المهدوي. اهـ
وهذا هو الصحيح والله أعلم؛ أن المراد بقوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من غير أولي الإربة، يؤكد ذلك قرينة في الآية وهي قوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ فلو لم تكن الصفة ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ عائدة على كلا النوعين (ملك اليمين والتابعين) لما كان لقوله ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ فائدة،
ولكان قوله ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ كاف لبيان المراد. وهذا لا ينفي كون العبيد ممن يحل لهم الدخول على النساء من غير حجاب، ولكن المراد أنه ليس لهم حكم العبيد غير أولي الإربة المستثنين في الآية الذين يحل للمرأة أن تبرز لهم بالدرع والخمار دون الرداء:
стр. 458
- عن الشعبي أنه كان لا يرى بأسا أن تضع المرأة ثوبها - الرداء والملحفه - عند مملوكها وإن كان يكره أن يرى شعرها. اهـ (١)
أما العبد تملكه المرأة وهو من أولي الإربة فهو كسائر العبيد لا تبدي له من زينتها إلا ما ظهر منها (الوجه والكفين) فلا تضع رداءها عنده.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٣٨٩): لم أر من الصواب؛ إلا أن يكون المملوك من غير أولى الإربة؛ فيكون حكمه حكم الأطفال الذين لا يفطنون لعورات النساء وكم من المماليك الأوغاد أتى منهم الفساد. اهـ
فإذا كان لا يحتجب من العبد المملوك؛ وكان المملوك من غير أولي الأربة حكمه كحكم المحارم والأطفال الذين لا يفطنون لعورات النساء؛ دل ذلك على أن المملوك من أولي الأربة لن يكون كحكم المملوك من غير أولي الأربة فيرى زينة المرأة، وهو ليس كحكم الحر الأجنبي الذي يجب على المرأة الحرة أن تحتجب منه! فلم يبق إلا أن يكون ممن لا يرى إلا الزينة الظاهرة منها، أي (الوجه والكفين). يؤيد ذلك قوله ﴿الَّذِينَ﴾ للجمع بعد
بصفة الإفراد وذلك لبيان عطف ما بعدها على ما قبلها من الرجال حيث قال بعد قوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ فلا بد أن تعود ﴿الَّذِينَ﴾ ... على آخرين مع الطفل ولا يكون إلا أقرب مذكور وهم ﴿مَا مَلَكَتْ
стр. 459
أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ فيكون التقدير والله أعلم: (أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة من الرجال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء، أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء، أو الأطفال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء) إذ إنه لو لم يكن كذلك لجاء نعت الطفل مفردا (أو الطفل الذي) أو جاء المنعوت بالجمع كما جاءت في قوله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ ولهذا قال تعالى في ختام هذه الآية ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ النور: ٥٩.
فيكون المعنى المراد والله تعالى أعلم أنه بعد أن عدّ من يحل لهم الدخول على المرأة من محارمها؛ ذكر النساء (أو نسائهن) ليكون فاصلا بين المحارم وبين من يشترط فيهم أن يكونوا من غير أولي الأربة؛ وهم الذين يتبعون أهل البيت ليس لهم حاجة في النساء ولا يحصل منهم ذلك بحال من الأحوال سواء كانوا من الرجال كالشيخ الكبير أو الأحمق والأبله أو الخصي والعنين، أو كان من الأطفال كيتيم الرجل الذي في حجره، وهذا التأويل كما ترى قد جمع بين جميع الآثار الواردة في تأويل هذه الآية.
- الحادي عشر: ومما يؤيد أن المراد بمن يحل له رؤية الزينة الظاهرة (الوجه والكفين) في هذه الآية (إلا ما ظهر منها) هم ممن يحل لهم النظر إلى المرأة دون حجاب من العبيد ونحوهم؛ إجماع أئمة المفسرين على تفسير آية إدناء الجلابيب بتغطية الوجه للنساء الحرائر دون ذكر للتعارض بين الآيتين،
стр. 460
فلا يسوغ أن يُحمل تأويلهم لجواز إظهار الوجه
والكفين في هذه الآية؛ ووجوب تغطيتهما في آية الأحزاب على نفس الفئة من الرجال! إذ لو كان كذلك لبيّنوا وجه هذا التعارض!
وقبل أن أنقل أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية لابد أن نذكّر بما سبق أن بيّناه من إطلاق السلف وأهل العلم لمسمى (الأجنبي) و (الغريب) عند الحديث عن النظر إلى المرأة وهم: مطلق الرجال الأجانب بالنسبة للإماء لأنه لم يفرض عليهن الحجاب، والمملوكون والأتباع بالنسبة للنساء الحرائر، وهذا هو السبب في وهم المتأخرين في هذه المسألة، حيث حملوا مراد من قال من أهل العلم المتقدمين (أن الزينة الظاهرة تبدى للأجنبيين) على أن مراده جواز إظهار المرأة الحرة لوجهها وكفيها للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم! والصحيح أن المراد هو من يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لا يعد محرما لها من العبيد المملوكين أو الأتباع.
ومن ذلك قول سعيد بن جبير ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني الوجه والكفين فزينة الوجه الكحل وزينة الكفين الخضاب ولا يحل أن يرى منها غريب غير ذلك. (١).