← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 524

كشف الغمة عن أدلة الحجاب في الكتاب والسنة

أمل آل خميسة

Полный текст (507 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

* قال القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ قيل معناه تغطي به رأسها فوق خمارها، وقيل تغطي به وجهها حتى لا يظهر منها إلا عينها اليسرى. (١) * قال الإمام أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي (ت ٥٤٦ هـ): لما كانت عادة العربيات التبذل في معنى الحجبة وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكر فيهن أمر الله تعالى رسوله ﷺ بأمرهن بإدناء الجلابيب. (٢) * قال الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ): قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال ابن قتيبة: يلبسن الأردية، وقال غيره: يغطين رؤوسهن ووجوههن. (٣) * قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي المالكي (ت ٦٧١ هـ): لما كانت عادة العربيات التبذل وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكرة فيهن أمر الله رسوله ﷺ أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن. (٤)

стр. 37

* قال الإمام القاضي عبد الله بن عمر البيضاوي الشافعي (ت ٦٨٥ هـ): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة. (١) * قال الإمام عبد الله بن أحمد النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زال الثوب عن وجه المرأة أدني ثوبك على وجهك. (٢) * قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني (ت ٧٢٨ هـ): قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها ثم أنزل الله آية الحجاب بقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فحجب النساء عن الرجال، والجلباب هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء ... وقد حكى أبو عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها. (٣)

стр. 38

* قال الإمام علاء الدين علي بن محمد الشيحي أبو الحسن البغدادي، الشهير بالخازن (ت ٧٤١ هـ): أي يرخين ويغطين ﴿عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. (١) * قال العلامة محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي المالكي (ت ٧٤١ هـ): كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن. (٢) * قال الإمام النحوي المفسر محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ): أمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويهبن. (٣) * قال أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (ت ٧٤٩ هـ): والمعنى يغطين بها وجوههن وأبدانهن وقت خروجهن من بيوتهن لحاجة ولا يخرجن مكشوفات الوجوه والأبدان كالإماء. (٤) * قال الإمام الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي (ت ٧٧٤ هـ): الجلباب هو الرداء فوق الخمار ... قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن

стр. 39

بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة. قال محمد بن سيرين سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. (١) * قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (ت ٨٧٥ هـ): أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنّعن بها ويغطين وجوههن ورؤوسهن. (٢) * قال الإمام أبو حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي (ت ٨٨٠ هـ) "الجلابيب" جمع "الجلباب" وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، قال ابن عباس وعبيدة على نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة. (٣) * قال الإمام محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الحسني الحسيني الإيجي الشافعي (ت ٩٠٥ هـ) الجلباب: رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل، يعني يرخينها عليهن ويغطين وجههن وأبدانهن. (٤)

стр. 40

* تفسير الجلالين المحلي والسيوطي (ت ٩١١ هـ): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عيناً واحدة. (١) * قال الشيخ أبو السعود محمد بن محمد العمادي (ت ٩٥١ هـ): وقيل هي الملحفة وكل ما يتستر به أي يغطين بها وجوههن وأبدانهن إذا برزن لداعية من الدواعي. (٢) * قال الإمام إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي (ت ١١٢٧ هـ): والمعنى يغطين بها وجوههن وأبدانهن وقت خروجهن من بيوتهن لحاجة ولا يخرجن مكشوفات الوجوه والأبدان. (٣) * قال العلامة محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): قال الواحدي: قال المفسرون يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عينا واحدة. (٤) * قال العلامة ومفتي بغداد أبو الفضل شهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠ هـ): والظاهر أن المراد ب"عليهن" على جميع أجسادهن وقيل على رؤوسهن أو على

стр. 41

وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه ... وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب. (١) * قال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل (ت ١٣٣٢ هـ): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. (٢) * قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦ هـ): هذه الآية هي التي تسمى آية الحجاب فأمر الله نبيه أن يأمر النساء عموما ويبدأ بزوجاته وبناته أن ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وهن اللاتي يكن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه أي يغطين بها وجوههن وصدورهن. (٣) * قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ): من الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقال غير واحد من أهل العلم أنهن يسترن بها جميع وجوههن

стр. 42

ولا يظهر منهن شيئاً إلا عيناً واحدة تبصر بها، وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس وعبيدة السلماني. (١) * قال العلامة أبو الأعلى المودودي الحنفي (ت ١٣٩٩ هـ): هذه الآية نزلت خاصة في ستر الوجه. (٢) وقال: يتضح من هذه الأقوال جميعاً أنه من لدن عصر الصحابة إلى القرن الثامن للهجرة، حمل جميع أهل العلم هذه الآية على مفهوم واحد، هو الذي قد فهمناه من كلماتها، وإذا راجعنا بعد ذلك الأحاديث النبوية والآثار علمنا منها أيضاً أن النساء قد شرعن بلبس النقاب على العموم بعد نزول هذه الآية على العهد النبوي، وكن لا يخرجن سافرات. اهـ (٣). * وبذلك تبين إجماع المفسرين ومنهم أئمة التفسير كالطبري والبغوي وابن الجوزي والقرطبي والبيضاوي والنسفي وابن كثير والشوكاني ومنهم أئمة في اللغة كالفراء والنحاس والزمخشري وأبي حيان ومنهم أئمة في الفقه كعماد الدين الطبري والجصاص وابن العربي والبيضاوي والشوكاني وغيرهم على اختلاف مذاهبهم؛ على تفسير هذا الأمر الرباني الموجه لنساء المؤمنين بتغطية الوجه.

стр. 43

ثانياً: استشهد الشيخ الألباني بقول عبد الله بن عباس ﵁ " تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به" (١) على أنه تفسير من ابن عباس لآية إدناء الجلابيب فقال: (وقد صح عن ابن عباس أنه قال في تفسير آية الجلابيب" تدني الجلباب إلى وجهها، ولا تضرب به")!! والصحيح أن قول ابن عباس هذا لم يكن تفسيرا لآية إدناء الجلابيب كما ذكر الشيخ الألباني، ولم يستشهد به مطلقا أي أحد من المفسرين في تفسير هذه الآية! بل لم يرد له ذكر في كتب التفسير البتة!! لأن هذا القول من ابن عباس إنما كان لبيان كيفية تغطية وجه المرأة حال إحرامها، كما أن الشيخ الألباني لم يذكر رواية هذا الأثر بتمامها كما هي عند أبي داوود: قال أبو داود في مسائله للإمام أحمد، في باب: ما تلبس المرأة في إحرامها (ص ١١٠): "حدثنا أحمد، قال حدثنا يحيى وروح، عن ابن جريج، قال أخبرنا، قال عطاء، أخبرني أبو الشعثاء، أن ابن عباس ﵄ قال: (تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به، قال روح في حديثه: قلت: وما لا تضرب به؟ فأشار لي كما تجلبب المرأة، ثم أشار لي ما على خدها من الجلباب قال: تعطفه وتضرب به على وجهها، كما هو مسدول على وجهها) كما أخرجه الشافعي عن سعيد بن سالم ولفظه (تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به، قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال لا تعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه) (٢) وهذا يبين مراد ابن

стр. 44

عباس؛ وهو أن تغطية المرأة لوجهها حال إحرامها تكون بسدل الجلباب من فوق رأسها على وجهها، وليس لها رفع الثوب من أسفل وضربه على الوجه (١) للتلثم به والتبرقع، فالنهي متعلق بصفة التغطية وليس بالتغطية نفسها. لكن الشيخ الألباني أشار إلى هذه الزيادة في أثر ابن عباس في آخر موضع استشهد فيه بهذا الأثر في رده المفحم في هامش الصفحة قائلا: (وهذه زيادة شاذة لا تصح) (٢)!! والصحيح أن هذه الزيادة محفوظة غير شاذة؛ لأن الشذوذ مصطلح يطلق على زيادة تفرد بها ثقة خالف بها غيره، ولا يطلق على ما رواه ولم يروه غيره: قال العلامة محمد جمال الدين القاسمي في قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث (ص: ١٠٠): الشذوذ أن يخالف الثقات فيما رووه، فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثًا منفردًا به لم يرو الثقات خلافه فإن ذلك لا يسمى

стр. 45

شاذًّا ... قال الشافعي ﵀: "وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث بل الشاذ أن يروي خلاف ما رواه الثقات" وقال الحافظ ابن حجر في نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر (ص: ٨٢): زيادة راويهما أي: الصحيح والحسن مقبولة، ما لم تكن منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة: ١ ـ إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها فهذه تقبل مطلقاً لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره. ٢ ـ وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الراوية الأخرى فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها فيقبل الراجح ويرد المرجوح. اهـ وقال أبو العباس أحمد بن فرح الإشبيلي في الغرامية في مصطلح الحديث (ص: ١٠٤): لابد من توفر شرطين في الشاذ هما: التفرد والمخالفة. وزيادة روح بن عبادة ليست منافية ولا مخالفة لرواية يحيى بن سعيد حتى يحكم عليها بالشذوذ!! بل هي بمثابة الزيادة المفسرة لها، فلا يصح أن توصف بالشذوذ! بل إن الإنصاف أن تقبل مطلقا كما قال ابن حجر لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره.

стр. 46

وروح يعد من الثقات وقول الإمام أحمد الذي نقله عنه الشيخ الألباني لا يعد جرحا له، وقد وثقه البزار والخليل وابن سعد وابن معين (١) والعجلي في ثقاته وابن حجر في التقريب، وحديثه مخرج في الصحيحين. كما أن هذه الزيادة لم يتفرد بها روح فقد شاركه فيها سعيد بن سالم كما في مسند الشافعي، ولها شواهد من حديث عائشة ﵂ (٢)، وعمل بها الأئمة (٣). بل إن الشيخ الألباني نفسه قد أقرّ بمعناها فقال في الرد المفحم (ص:

стр. 47

٣٩): (فلكونها معتمرة فلا يجوز لها أن تلثم به كما قالت آنفا فتغطيتها لوجهها بالسدل فعل منها نقول به) فلا وجه إذن للطعن في هذه الزيادة والحكم عليها بالشذوذ، لأنه لا شذوذ هنا، ولا دليل عليه، بل هي زيادة ثقة يروي ما لم يرو غيره، فتكون مقبولة محتجا بها. ثالثا: (١) استشهد الشيخ الألباني بما جاء في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (١/ ٤٥٢) قال "الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة" على أن مراده عورة النظر! والصحيح أن مراد المرداوي عورة المرأة في الصلاة. (١)

стр. 48

وهذا نص ما ذكره المرداوي في الإنصاف (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣): (قوله"والحرة كلها عورة إلا الوجه" (١) الصحيح من المذهب أن الوجه ليس بعورة وعليه الأصحاب وحكاه القاضي إجماعا وعنه الوجه عورة أيضا قال الزركشي أطلق الإمام أحمد القول بِأن جميعها عورة وهو محمول على ما عدا الوجه أو على غير الصلاة انتهى. وقال بعضهم الوجه عورة وإنما كشف في الصلاة للحاجة قال الشيخ تقي الدين والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه انتهى ... وقوله " وفي الكفين روايتان " إحداهما: هما عورة. وهي المذهب وعليه الجمهور قال: وهو ظاهر كلام أحمد وجزم به الخرقي .... واختار الشيخ تقي الدين: أن القدمين ليسا بعورة أيضا. قلت: وهو الصواب) اهـ فإن ما ذكره المرداوي في الكفين من أن المذهب وظاهر قول أحمد أنهما عورة، وما رجحه من أن القدمين أيضا ليسا بعورة؛ يكشف أن مراد المرداوي عورة المرأة في الصلاة لا عورتها في النظر، أما رأيه في عورة المرأة في النظر؛ فيتبين بما ذكره في كتابه "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" عن حكم النظر للأمة التي لم يُفرض عليها الحجاب (٨/ ٢٧) حيث قال: الصواب أن الجميلة تنتقب،

стр. 49

وأنه يحرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الحرة الأجنبية ... فلا يجوز له النظر إلى الأجنبية قصدا وهو صحيح وهو المذهب. أهـ (٢) ومثل ذلك ما نقله الشيخ الألباني عن ابن قدامة المقدسي في المغني قائلا: وهو اختيار ابن قدامة المقدسي في "المغني" (١/ ٦٣٧) واستدل لاختياره بنهيه ﷺ المحرمة عن لبس القفازين والنقاب "لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء". وهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه "العمدة" اهـ. فإن مراد ابن قدامة؛ عورة المرأة في الصلاة، وهذا نص ما قال ابن قدامة في المغني (١/ ٦٣٧): (جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة لأن ابن عباس قال في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١ قال الوجه والكفين، ولأن النبي ﷺ نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء). اهـ وتوضيح ما ذكر ابن قدامة بأمرين:

стр. 50

الأول: علل ابن قدامة وغيره من الفقهاء كون الوجه والكفين ليسا بعورة من المرأة في الصلاة؛ بأن المرأة منهية حال إحرامها من لبس القفازين والنقاب (١)؛ وهذا ليس فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة أمام الرجال الأجانب! لأن المراد نهي المرأة من تغطية وجهها إذا لم تكن بارزة أمام رجال أجانب، ومما يشهد لذلك؛ قول ابن قدامة في المغني (٣/ ١٥٤): فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها روي ذلك عن عثمان وعائشة، وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن ولا نعلم فيه خلافا. . . ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة. - قال النووي (ت ٦٧٦ هـ) في المجموع (٨/ ٧٥): قال الشافعي والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز وتسدل على وجهها ما يستره. - قال أبو بكر ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) في عارضة الأحوذي (٤/ ٥٦): ستر وجه المرأة بالبرقع فرض إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها. - قال صدر الدين عليّ بن عليّ ابن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ): في التنبيه على مشكلات الهداية (٣/ ١٠٠٦): فإن النبي ﷺ لم يشرع للمرأة كشف الوجه

стр. 51

للرجال في الإحرام ولا غيره خصوصًا عند خوف الفتنة، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصًا. - قال ابن نجيم الحنفي (ت ٩٧٠ هـ) في البحر الرائق (٢/ ٣٨١): ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة. . . وهو يدل على أن هذا الإِرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها. اهـ وسيأتي زيادة تفصيل وبيان لهذه المسألة في مناقشة البحث الخامس إن شاء الله. وكذلك كون وجه المرأة ليس بعورة في الصلاة؛ لا يعني جواز كشف المرأة لوجهها إذا كانت تصلي على مرأى من رجال أجانب عنها، كما بيّن ذلك بعض الفقهاء على اختلاف مذاهبهم: كما في سبل السلام (١/ ١٣٢): والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي. وفي شرح العمدة (٤/ ٢٦٨): يكره للمرأة ستره في الصلاة ... إلا إن تكون بين رجال أجانب. وفي الإقناع للشربيني (١/ ١٢٤): إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.

стр. 52

وفي التاج والإكليل (١/ ٥٠٢): قال مالك إن صلت الحرة منتقبة لم تعد ... وكذا المتلثمة وقال اللخمي يكرهان، وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل. وفي الدر المختار (١/ ٤٠٥): قال في فصل شروط الصلاة: وستر عورته وهي للرجل ما تحت سرته إلى ما تحت ركبته. . . وللحرة جميع بدنها خلا الوجه والكفين والقدمين، وتمنع من كشف الوجه بين الرجال لخوف الفتنة. الثاني: أن قول ابن قدامة "ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء" فهو الذي علل به الفقهاء أمرين: ١ - كشف الإماء وجوههن وعدم احتجابهن، لأن الأمر بالحجاب مختص بالحرائر دون الإماء (١) في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ وسيأتي تفصيل ذلك وتأصيله في مناقشة البحث الخامس.

стр. 53

٢ - عدم احتجاب النساء الحرائر من الرقيق ونحوهم، ممن أجاز لهم الشرع الدخول على المرأة دون حجاب (١) لقوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ النور: ٣١ فالمراد من قول ابن قدامة "ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء"؛ الحاجة للأخذ والإعطاء مع من يحل له الدخول عليهن والنظر إليهن من العبيد ونحوهم، وكذلك الحاجة لكشف وجوه الإماء لأنهن سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها عند الشراء. فالمراد هو الحاجة للمعاملة مع من لم يضرب دونهم الحجاب؛ وهم العبيد المملوكون، ومن لم يؤمرن بحجاب وهن الإماء (٢). وليس المراد معاملة المرأة الحرة مع الرجال الأحرار الأجانب الذين ضرب دونهم الحجاب ومنعوا من النظر إليها والمعاملة معها بقوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ... الأحزاب: ٥٣

стр. 54

ومما يشهد لما ذكرنا من أن المراد؛ المعاملة مع هؤلاء: قول ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في الاستذكار (٨/ ٥٤٢): وإنما كره عمر للإماء أن يتهيأن بهيئة الحرائر لئلا يظن أنهن حرائر فيضاف إليهن التبرج والمشي وينسب ذلك منهن إلى ما وقع الظن عليهن فيأثم بذلك الظان، ومعلوم أن الإماء ينصرفن في خدمة ساداتهن فيكثر خروجهن لذلك وتطوافهن. وكذلك ما جاء في المبسوط للسرخسي ١٠/ ١٥٨ (ت ٤٨٣ هـ): وحديث أم سلمة ﵂ (إذا كان لإحداكن مكاتب (١) وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) (٢) محمول على الاحتجاب لمعنى زوال الحاجة فإن قبل ذلك تحتاج إلى المعاملة معه بالأخذ والإعطاء فتبدي وجهها وكفها له وقد زال ذلك بالأداء فلتحتجب. وما جاء في قواطع الأدلة في الأصول لأبي المظفر السمعاني ٢/ ٨٢ (ت ٤٨٩ هـ): فإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة، بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور.

стр. 55

كما إن من أهل العلم من أنكر إطلاق جواز الكشف والنظر للإماء للبيع والشراء: كما في مواهب الجليل لشرح مختصر خليل (٣/ ٤٠٥): ومقتضى كلام القباب في مختصر أحكام النظر لابن القطان أنه لا يجوز النظر إليهن للبيع والشراء. قال ابن القطان في أحكام النظر/١٩٣: (حكم نظر من يريد شراء أمة يقلبها) ... مسألة؛ ليس من الضرورات احتياجها إلى أن تبيع وتبتاع أو تستصنع وقد روي عن مالك أنه قال: أرى أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم ولا تترك الشابة تجلس إلى الصناع، وأما المتجالة والخادم الدون ومن لا يتهم على القعود عنده فلا بأس بذلك، وهذا كله صواب من القول، فإن أكثر هذه ليست بضرورات مبيحة للتكشف، فقد تستصنع وتتصرف بالبيع والشراء وغير ذلك وهي مستترة. ولا يمنعن - الإماء - من الخروج والمشي في حاجاتهن ولو كن معتدات وإلى المساجد، وإنما يمنعن من التبرج والتكشف والتطيب للخروج والتزين، بل يخرجن وهن تفلات ولا يتوسطن في المشي الطرقات بل يلصقن بالجدران ... وقال القاضي أبو بكر بن الطيب: أما بروزهن للتهمة والنظر والتعرض للفساق فيجب إنكاره والمنع منه، وأما خروجهن للحوائج والمهمات، وعلى غير وجه التعرض للفساد، فإنه غير منكر لأنه غير مطلق لهن، وقد يخرجن لسماع الوعظ وتعلم العلم والفضيلة من صلاة أو غير ذلك ونحوه لمن أمن الافتتان بهن من العجائز وأما الشواب منهن فيجب إنكار اختلاطهن بالرجال في المساجد ومجمع القصاص إلا أن يكون من وراء حجاب بحيث لا يراهن الرجال. انتهى كلامه بنصه وهو صواب كما ذكر. اهـ

стр. 56

ولذلك فلا حجة في هذا القول على جواز كشف وجه المرأة الحرة لمن ضرب دونهم الحجاب من الرجال الأحرار الأجانب. (٣) أما قول الشيخ الألباني (وهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه "العمدة") فهو أيضا عن عورة المرأة في الصلاة؛ وهذا نص قول ابن قدامة من كتابه (العمدة): (باب شروط الصلاة) وهي ستة: (أحدها) الطهارة من الحدث، لقول رسول الله ﷺ "لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ" (الشرط الثاني) الوقت، ووقت الظهر. . . (الشرط الثالث) ستر العورة بما لا يصف البشرة، وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة. ومن صلى في ثوب مغصوب. . . اهـ وبذلك يتبين أن ما استشهد به الشيخ الألباني عن ابن قدامة من كتابيه المغني والعمدة لم يكن عن عورة المرأة بالنسبة للنظر، وإنما كان عن عورة المرأة في الصلاة، أما قول ابن قدامة في عورة المرأة بالنسبة للنظر إليها فهو قوله في المغني (٧/ ٧٨): فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.

стр. 57

ــ:: البحث الثاني:: ــ : هل (الجلباب) المأمور به في آية الأحزاب هو معنى (الحجاب) المذكور في الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال الشيخ الألباني: يزعم كثير من المخالفين أن (الجلباب) المأمور به في آية الأحزاب هو معنى (الحجاب) المذكور في الآية الأخرى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ وهذا خلط عجيب، حملهم عليه علمهم بأن الآية الأولى لا دليل فيها على أن الوجه والكفين عورة، بخلاف الأخرى، فإنها في المرأة وهي في دارها، إذ إنها لا تكون عادة متجلببة ولا مختمرة فيها، فلا تبرز للسائل، خلافاً لما يفعل بعضهن اليوم ممن لا أخلاق لهن، وقد نبَّه على هذا الفرق شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في" الفتاوى" (١٥/ ٤٤٨): " فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن، وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن" قلت: فليس في أي من الآيتين ما يدل على وجوب ستر الوجه والكفين؛ أما الأولى فلأن الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها- وليس على وجهها-وعلى هذا كتب اللغة قاطبة، ليس في شيء منها ذكر للوجه البتة. وقد صح عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها: "تدني الجلباب إلى وجهها، ولا تضرب به". أخرجه أبو داود في "مسائله" (ص ١١٠) وأما الآية الأخرى، فلما ذكرت آنفاً.

стр. 58

ــ:: مناقشة البحث الثاني:: ــ أولا: أنكر الشيخ الألباني أن معنى الحجاب (تغطية الوجه) الذي تقتضيه آية الحجاب الأولى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ هو معنى الحجاب الذي تقتضيه آية الحجاب الثانية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾!! مخالفا بذلك ما أجمع عليه أهل العلم، قال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٣٥): (كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع) اهـ فإن آية الجلابيب نزلت تتمة لآية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فآية الحجاب هذه نزلت لبيان أحكام الحجاب في البيوت؛ فبينت أنه لا يجوز للرجال الأحرار الأجانب الدخول على النساء الحرائر في البيوت ومخالطتهن والجلوس معهن، بل عليهم إذا كان لهم حاجة أن يسألوهن من وراء حجاب؛ من جدار أو الستر الذي يرخى بين مصراعي الباب ونحوه كما سيأتي بيان ذلك قريبا. ولما كانت النساء قد يحتجن إلى الخروج من البيوت أنزل الله تعالى في حقهن آية إدناء الجلابيب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ

стр. 59

مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فأمرهن إذا خرجن أن يدنين عليهن من جلابيبهن ليسترن وجوههن وسائر أبدانهن ــ ووضع الشروط لخروجهن وسيأتي بيانها في مناقشة البحث السابع إن شاء الله ــ وبهذا تم أمر الحجاب في حالتي الخروج والاستقرار في البيوت. فيكون الفرق بين الآيتين في الطريقة التي تحتجب بها المرأة عن نظر الرجال حسب المكان كما قال شيخ الإسلام "فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن، وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن" ومما يثبت اتفاق الآيتين على معنى الحجاب (تغطية الوجه) ما ثبت في صحيح السنّة من تسمية كل من الآيتين بـ (آية الحجاب): أما آية الحجاب الأولى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فقد ثبت من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: أنا أعلم الناس بهذهِ الآية آية الحجاب لما أهديت زينب بنت جحش ﵂ إلى رسول اللَّه ﷺ كانت معه في البيت، صنع طعاما ودعا القوم فقعدوا يتحدثون فجعل النبي ﷺ يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ

стр. 60

وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ فضُرب الحجاب وقام القوم. (١) أما آية الحجاب الثانية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقد ثبت تسميتها آية الحجاب في القصة التي كانت سببا لنزولها كما جاء في الصحيحين أن عائشة ﵂ قالت (خرجت سودة بعد ما ضُرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعة، ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه فقال: إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن" (٢) وفي رواية قالت (فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس فقال عرفتك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل الله آية الحجاب). (٣) (٤)

стр. 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 62

ومما يؤكد أن المراد بقولها (فأنزل الله آية الحجاب) آية إدناء الجلابيب؛ أنها صرحت في الرواية الأولى أن خروج سودة هذا كان بعدما ضُرب عليهن الحجاب بقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فإن لم يكن المراد هنا بآية الحجاب؛ آية إدناء الجلابيب فماذا تكون إذن؟! ومما يؤكد ذلك ويشهد له: ١ - قال ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في التمهيد (٨/ ٢٣٥): كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب ... فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع. ٢ - قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١٠): قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها ثم أنزل الله آية الحجاب بقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... فحجب النساء عن الرجال.

стр. 63

٣ - قال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في فتح الباري (١/ ٢٤٩): وطريق الجمع بينها أن أسباب نزول الحجاب تعددت ... والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... . وقال في موضع آخر (١١/ ٢٤): حكى ابن التين عن الداودي أن قصة سودة هذه لا تدخل في باب الحجاب وإنما هي في لباس الجلابيب وتُعقب بأن إرخاء الجلابيب هو الستر عن نظر الغير إليهن وهو من جملة الحجاب. ٤ - قال بدر الدين العيني الحنفي (ت ٨٥٥ هـ) في عمدة القاري (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٥): الحجب ثلاثة؛ الأول: الأمر بستر وجوههن يدل عليه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَوَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ... الثاني: هو الأمر بإرخاء الحجاب بينهن وبين الناس يدل عليه قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الثالث: هو الأمر بمنعهن من الخروج من البيوت إلا لضرورة شرعية ... قال التيمي الحجاب هنا استتارهن بالثياب حتى لا يرى منهن شيء عند خروجهن وأما الحجاب الثاني فهو إرخاؤهن الحجاب بينهن وبين الناس (١) ... وقال الداودي قوله (قد أذن أن

стр. 64

تخرجن) دال على أنه لم يرد هنا حجاب البيوت فإن ذلك وجه آخر إنما أراد أن يستترن بالجلباب حتى لا يبدو منهن إلا العين. ٥ - وقال السيوطي (ت ٩١١ هـ) في الإتقان في علوم القرآن (١/ ٦٧): ومنها آية الإذن في خروج النسوة في الأحزاب قال القاضي جلال الدين والظاهر أنها ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ الآية، ففي البخاري عن عائشة (خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة ... فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن). وجاء في لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي (١/ ١٧٩): قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ الآية وأخرج البخاري عن عائشة قالت" خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب. . . فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن". ٦ - قال القسطلاني (ت ٩٢٣ هـ) في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري (٧/ ٣٣٩): " قوله (أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) دفعا للمشقة ورفعا للحرج وفيه تنبيه على أن المراد بالحجابالستر حتى لا يبدو من جسدهن شيء لا حجب أشخاصهن في البيوت" - أي بمنعهن من الخروج منها -.

стр. 65

وبذلك ثبت أن كلا من الآيتين تسمى آية الحجاب، وأن إدناء الجلباب يحمل معنى الحجاب في قوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، وأن كلا الأمرين يقتضي تغطية وجه المرأة الحرة عن الرجال الأحرار الأجانب. ثانياً: قال الشيخ الألباني إن مفاد آية الحجاب ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ لايقتضي تغطية الوجه وأن كل ما تعنيه (أن المرأة في دارها لا تكون متجلببة ولا مختمرة فلا تبرز للسائل)! وهذا مخالف لما فسر به أئمة التفسير هذه الآية، بل ومخالف قبل ذلك لمراد الله منها! فإن الله تعالى أراد بهذا الأمر الحد من دخول الرجال الأجانب على النساء، ومنع النساء عندها من البروز لهم حتى وإن كن مستترات بالجلابيب: وذلك؛ أولاً بتقييد الدخول بسؤال حاجة إذ لم يقل: وإذا دخلتم عليهن فخاطبوهن من وراء حجاب. وثانياً؛ أن الخطاب والأمر جاء موجها للرجال، ولو كان المقصود هو تستر النساء؛ لجاء الخطاب موجها لهن كما جاء في آية الجلابيب! أو لجاء الأمر لهن بلبس مايسترهن عند مخاطبة الرجال لهن! وثالثا؛ لو كان الأمر كما قال الشيخ الألباني لما قال تعالى بعد هذا الأمر ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ... .

стр. 66

* قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) في تفسيره جامع البيان (٢٢/ ٣٩): ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول وإذا سألتم أزواج رسول الله ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعا ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يقول تعالى ذكره سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء وفي صدور النساء من أمر الرجال وأحرى من ألا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل. * قال الإمام أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ هـ) في أحكام القرآن (٥/ ٢٤٢): قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ قد تضمن حظر رؤية أزواج النبي ﷺ وبين به أن ذلك أطهر لقلوبهم وقلوبهن لأن نظر بعضهم إلى بعض ربما حدث عنه الميل والشهوة فقطع الله بالحجاب الذي أوجبه هذا السبب. . . وهذا الحكم وإن نزل خاصا في النبي ﷺ وأزواجه، فالمعنى عام فيه وفي غيره إذ كنا مأمورين باتباعه والاقتداء به إلا ما خصه الله به دون أمته.

стр. 67

* قال الإمام علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن (ت ٤٦٨ هـ) في تفسيره (٢/ ٨٧٢): فخاطبوهن من وراء حجاب وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال فلما نزلت هذه الآية ضرب عليهن الحجاب فكانت هذه آية الحجاب بينهن وبين الرجال ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي الحجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فإن كل واحد من الرجل والمرأة إذا لم ير الآخر لم يقع في قلبه. * قال القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) في أحكام القرآن (٣/ ٦١٦): قوله ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وهذا يدل على أن الله أذن في مساءلتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها والمرأة كلها عورة بدنها وصوتها فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها. * قال الإمام فخر الدين الرازي الشافعي (ت ٦٠٤ هـ) في تفسيره الكبير مفاتح الغيب (٢٥/ ١٩٥): أمر بسدل الستر عليهن وذلك لا يكون إلا بكونهن مستورات محجوبات وكان الحجاب وجب عليهن ثم أمر الرجال بتركهن كذلك ونهوا عن هتك أستارهن. * قال الإمام عبد الله بن أحمد النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ) في تفسيره مدارك التنزيل وحقائق التأويل (٣/ ٣١٣): ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ

стр. 68

وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من خواطر الشيطان وعوارض الفتن وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال. * قال الإمام الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي (ت ٧٧٤ هـ) في تفسيره (٣/ ٥٠٦): ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي وكما نهيتكم عن الدخول عليهن كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب. * قال العلامة محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) في فتح القدير (٤/ ٢٩٨): ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي أكثر تطهيرا لها من الريبة وخواطر السوء التي تعرض للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال وفى هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه. اهـ وكما سبق من قول شيخ الإسلام (وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن) فلم يقيد شيخ الإسلام ولا أحد ممن سبقه؛ المخاطبة في المساكن من وراء حجاب بكونها إنما تشرع إذا كانت المرأة غير مختمرة ولا متجلببة كما قيدها الشيخ الألباني!!

стр. 69

بل إن الثابت أن أزواج النبي ﷺ وغيرهن من النساء؛ كن إذا جاء من يسألهن من الرجال يكلمنه من وراء حجاب، ولم يرد أنهن كن يلبسن الجلباب ويبرزن بأشخاصهن للسائل في البيوت!! يشهد لذلك الآثار الآتية: ١ - عن يوسف بن ماهك قال كان مروان على الحجاز. . . فقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ شيئا فقال خذوه فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه فقال مروان إن هذا الذي أنزل الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَلِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ الأحقاف: ١٧ فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري. (١) ٢ - عن مسروق بن الأجدع أنه أتى عائشة فقال لها يا أم المؤمنين إن رجلاً يبعث بالهدي إلى الكعبة ويجلس في المصر فيوصي أن تقلد بدنته. . . قال فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب وقالت لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ فيبعث هديه إلى الكعبة. . . (٢) ٣ - قال عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث: اجتمع ربِيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا والله لو بعثنا هذين الغلامين قالا لي وللفضل بن عباس إلى رسول الله ﷺ فكلماه فأمرهما على هذه الصدقات. . . ثُم دخل ودخلنا عليه

стр. 70

وهو يومئذ عند زينب بِنت جحش. . . قال فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه قال وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه. (١) ٤ - عن أبي موسى ﵁ قال كنت عند النبي ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال. . . ثم قال اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا فأخذا القدح ففعلا ما أمرهما به رسول الله ﷺ فنادتهما أم سلمة من وراء الستر أفضلا لأمكما مما في إنائكما فأفضلا لها منه طائفة. (٢) ٥ - عن يزيد بن بابنوس قال ذهبت أنا وصاحب لي إلى عائشة فاستأذنا عليها فألقت لنا وسادة وجذبت إليها الحجاب فقال صاحبي يا أمّ المؤمنين ما تقولين في العراك. (٣) ٦ - عن مسروق قال بكت عائشة ﵂ وبيني وبينها حجاب فقلت يا أم المؤمنين ما يبكيك قالت يا بني ما ملأت بطني من طعام فشئت أن أبكي إلا بكيت أذكر رسول الله ﷺ وما كان فيه من الجهد ما جمع رسول الله ﷺ طعام بر في يوم مرتين حتى لحق بربه. (٤)

стр. 71

٧ - عن شهر بن حوشب قال دخلت على أم سلمة بالمدينة وبيني وبينها حجاب فسمعتها تقول (كان أكثر دعاء النبي ﷺ يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (١). ٨ - عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية قالت لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت فأرسل إلينا عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم علينا فرددنا ﵇ ثم قال أنا رسول الله ﷺ إليكن قالت فقلنا مرحبا برسول الله وبرسوله، فقال تبايعنني على ألا تشركن بالله شيئا ولا تزنين ولا تسرقن الآية قالت فقلنا نعم قالت فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت (٢) ثم قال اللهم اشهد (٣). ١٠ - عن عائشة ﵂ قالت: أومت امرأة من وراء ستر بيدها كتاب إلى رسول الله ﷺ . (٤)

стр. 72

وهذا الأمر ثابت عند أهل العلم: - قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ١٧٠: إن نساء النبي ﷺ لا يكلمن إلا من وراء حجاب متجالات كن أو غير متجالات. - وقال النووي في المجموع (١٦/ ٣٥١): وقد ثبت أن كثيرا من راويات الحديث وحافظاته يسمعهن الأجانب عنهن من وراء حجاب، وقد كان أبو الشعثاء جابر بن زيد يسأل عائشة من وراء حجاب. - وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٧/ ٤١) بعد أن ذكر توجيه بعض الأئمة لرواية محمد بن إسحاق عن امرأة هشام بن عروة " وجائز أن يكون سمع منها وبينهما حجاب" قال: ذاك الظن بهما كما أخذ خلق من التابعين عن الصحابيات، مع جواز أن يكون دخل عليها ورآها وهو صبي فحفظ عنها. (١)

стр. 73

ثالثاً: مما يؤكد أن آية إدناء الجلابيب تقتضي وجوب ستر الوجه من المرأة؛ إشراك أمهات المؤمنين مع غيرهن في هذا الأمر فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ومن المجمع عليه أن الله تعالى أوجب على أزواج النبي التستر الكامل بما في ذلك الوجه والكفين في آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ولم يستثن عضواً من عضو، فلو كان المراد بإدناء الجلباب مجرد تغطية الرأس من غير أن يشمل الوجه؛ لكان كلامه تعالى في آية الجلابيب عبثاً في حق أمهات المؤمنين! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فإنه لا يعقل أن يؤمر أزواج النبي ﷺ أولا بالتستر الكامل بما في ذلك الوجه والكفين؛ ثم يؤمرن في هذه الآية بتغطية الرأس دون

стр. 74

الوجه؛ مع بقاء الآية الأولى محكمة غير منسوخة!! فإذا دل هذا الأمر على وجوب ستر الوجه والكفين في حق طائفة من إحدى الثلاث طوائف التي وجه لها الأمر في هذه الآية: أزواج النبي ﷺ وبناته ونساء المؤمنين؛ دل ذلك على وجوبه في حق الطائفتين الأخريين. - قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان (٦/ ٢٤٤): والقرينة المذكورة هي قوله تعالى ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدلّ على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب. رابعاً: أنكر الشيخ الألباني دلالة آية إدناء الجلابيب على تغطية الوجه بقوله: فلأن الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها وليس على وجهها وعلى هذا كتب اللغة قاطبة، ليس في شيء منها ذكر للوجه البتة. والجواب عليه بالآتي: ١) أنه سبق أن أقرَّ بهذا المعنى لإدناء الجلابيب في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص: ١٥٢) في معرض كلامه عن تشبه النساء بالرجال وتشبه الرجال بالنساء حيث قال: (الجلابيب التي تسدل من فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان). وكذلك فيما استشهد به في كتابه الجلباب (ص ٨٣) حيث قال: والجلباب: هو الملاءة التي تلتحف به المرأة فوق ثيابها على أصح الأقوال وقال ابن حزم (٣/ ٢١٧): "والجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله ﷺ هو ما

стр. 75

غطى جميع الجسم لا بعضه" وقال ابن كثير: "هو الرداء فوق الخمار، وهو بمنزلة الإزار اليوم". قلت: ولعله العباءة التي تستعملها اليوم نساء نجد والعراق ونحوهما وهو يستعمل في الغالب إذا خرجت من دارها، كما روى الشيخان وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق ... قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: "لتلبسها أختها من جلبابها". (١) قال الكشميري في فيض الباري (١/ ٥٠٣): (قوله: "لتلبسها ... " علم منه أن الجلباب مطلوب عند الخروج، وأنها لا تخرج إن لم يكن لها جلباب. والجلباب: رداء ساتر من القرن إلى القدم، وقد مر معنا أن الخمر في البيوت والجلابيب عند الخروج) (٢) اهـ
следующие страницы →