← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 524

كشف الغمة عن أدلة الحجاب في الكتاب والسنة

أمل آل خميسة

Полный текст (507 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٧ - عن شهر بن حوشب قال دخلت على أم سلمة بالمدينة وبيني وبينها حجاب فسمعتها تقول (كان أكثر دعاء النبي ﷺ يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (١). ٨ - عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية قالت لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت فأرسل إلينا عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم علينا فرددنا ﵇ ثم قال أنا رسول الله ﷺ إليكن قالت فقلنا مرحبا برسول الله وبرسوله، فقال تبايعنني على ألا تشركن بالله شيئا ولا تزنين ولا تسرقن الآية قالت فقلنا نعم قالت فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت (٢) ثم قال اللهم اشهد (٣). ١٠ - عن عائشة ﵂ قالت: أومت امرأة من وراء ستر بيدها كتاب إلى رسول الله ﷺ . (٤)

стр. 72

وهذا الأمر ثابت عند أهل العلم: - قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ١٧٠: إن نساء النبي ﷺ لا يكلمن إلا من وراء حجاب متجالات كن أو غير متجالات. - وقال النووي في المجموع (١٦/ ٣٥١): وقد ثبت أن كثيرا من راويات الحديث وحافظاته يسمعهن الأجانب عنهن من وراء حجاب، وقد كان أبو الشعثاء جابر بن زيد يسأل عائشة من وراء حجاب. - وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٧/ ٤١) بعد أن ذكر توجيه بعض الأئمة لرواية محمد بن إسحاق عن امرأة هشام بن عروة " وجائز أن يكون سمع منها وبينهما حجاب" قال: ذاك الظن بهما كما أخذ خلق من التابعين عن الصحابيات، مع جواز أن يكون دخل عليها ورآها وهو صبي فحفظ عنها. (١)

стр. 73

ثالثاً: مما يؤكد أن آية إدناء الجلابيب تقتضي وجوب ستر الوجه من المرأة؛ إشراك أمهات المؤمنين مع غيرهن في هذا الأمر فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ومن المجمع عليه أن الله تعالى أوجب على أزواج النبي التستر الكامل بما في ذلك الوجه والكفين في آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ولم يستثن عضواً من عضو، فلو كان المراد بإدناء الجلباب مجرد تغطية الرأس من غير أن يشمل الوجه؛ لكان كلامه تعالى في آية الجلابيب عبثاً في حق أمهات المؤمنين! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فإنه لا يعقل أن يؤمر أزواج النبي ﷺ أولا بالتستر الكامل بما في ذلك الوجه والكفين؛ ثم يؤمرن في هذه الآية بتغطية الرأس دون

стр. 74

الوجه؛ مع بقاء الآية الأولى محكمة غير منسوخة!! فإذا دل هذا الأمر على وجوب ستر الوجه والكفين في حق طائفة من إحدى الثلاث طوائف التي وجه لها الأمر في هذه الآية: أزواج النبي ﷺ وبناته ونساء المؤمنين؛ دل ذلك على وجوبه في حق الطائفتين الأخريين. - قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان (٦/ ٢٤٤): والقرينة المذكورة هي قوله تعالى ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدلّ على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب. رابعاً: أنكر الشيخ الألباني دلالة آية إدناء الجلابيب على تغطية الوجه بقوله: فلأن الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها وليس على وجهها وعلى هذا كتب اللغة قاطبة، ليس في شيء منها ذكر للوجه البتة. والجواب عليه بالآتي: ١) أنه سبق أن أقرَّ بهذا المعنى لإدناء الجلابيب في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص: ١٥٢) في معرض كلامه عن تشبه النساء بالرجال وتشبه الرجال بالنساء حيث قال: (الجلابيب التي تسدل من فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان). وكذلك فيما استشهد به في كتابه الجلباب (ص ٨٣) حيث قال: والجلباب: هو الملاءة التي تلتحف به المرأة فوق ثيابها على أصح الأقوال وقال ابن حزم (٣/ ٢١٧): "والجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله ﷺ هو ما

стр. 75

غطى جميع الجسم لا بعضه" وقال ابن كثير: "هو الرداء فوق الخمار، وهو بمنزلة الإزار اليوم". قلت: ولعله العباءة التي تستعملها اليوم نساء نجد والعراق ونحوهما وهو يستعمل في الغالب إذا خرجت من دارها، كما روى الشيخان وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق ... قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: "لتلبسها أختها من جلبابها". (١) قال الكشميري في فيض الباري (١/ ٥٠٣): (قوله: "لتلبسها ... " علم منه أن الجلباب مطلوب عند الخروج، وأنها لا تخرج إن لم يكن لها جلباب. والجلباب: رداء ساتر من القرن إلى القدم، وقد مر معنا أن الخمر في البيوت والجلابيب عند الخروج) (٢) اهـ

стр. 76

٢) أن كون الجلباب؛ هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها؛ لا ينفي كون الوجه داخل فيما تستره الملاءة! لأن الالتحاف لا يشترط في معناه أن يخرج الوجه من جسد الملتحف!! كما أن تغطية الوجه فرضت بأمر زائد على لبس الجلباب ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وهو إدناءه عليها حتى يستر وجهها كما أطبق على ذلك جل أهل العلم من لغويين ومفسرين وفقهاء ومحدثين كما أسلفنا في مناقشة البحث الأول وكما سيأتي: - قال العلامة البارع اللغوي أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٦٩): الجلباب: ثوب واسع أوسع من الخمار ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها وتبقى منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس ﵄: الرداء الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقيل: الملحفة وكل ما يستتر به من كساء أو غيره. ومعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههنّ وأعطافهنّ. - قال الإمام علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن في لباب التأويل في معاني التنزيل (٥/ ٢٧٦): يدنين. أن يرخين ويغطين عليهن من جلابيبهن جمع جلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقيل الملحفة وكل ما يستتر به من كساء، وغيره. قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة.

стр. 77

- وقال برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي في نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (٦/ ١٣٥): ثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة ... وإن كان ما يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها ... وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين. - وقال العلامة زين الدين أبو الفرج الشهير بابن رجب في فتح الباري (٢/ ١٣٨): (الجلباب): قال ابن مسعود ومجاهد وغيرهما: هو الرداء، يستر أعلاها، إلا أنه يقنعها فوق رأسها، وقد فسر عبيدة السلماني قولالله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ بأنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، وهذا كان بعد نزول الحجاب، وقد كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها، وكان الأمر بذلك مختصا بالحرائر دون الإماء. - وقال العلامة الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): وهو ثوب أكبر من الخمار قال الجوهري الجلباب الملحفة وقيل القناع وقيل هو ثوب يستر جميع بدن المرأة. ٣) إن عدم ذكر الوجه والكفين في كتب اللغة لا يلزم منه إخراجهما مما يستر؛ لأن كتب اللغة لم تصرح كذلك بستر القدمين ولا الشعر ولا الذراعين؛ فهل يخرج ذلك كله مما يستره الجلباب؟!! كما إن ما جاء في كتب اللغة أن الجلباب؛ (ما تتغطى به المرأة) و (تغطي به المرأة رأسها) فإن المراد به تغطية الرأس كله

стр. 78

بما فيه الوجه كما ذكر صاحب نظم الدرر: (وإن كان ما يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها) كما إن التغطية إذا أطلقت على المرأة (امرأة متغطية) فالمراد أنها مغطية لوجهها ومن ذلك: - تفسير غريب ما في الصحيحين لمحمد بن أبي نصر فتوح الأزدي الحميدي (١/ ٥٧٥): الجلباب: ما تتغطى به المرأة من ثوب أو غيره. - تاج العروس من جواهر القاموس لمحمد مرتضى الحسيني الزبيدي (٢/ ١٧٥): وخصه بعضهم بالمشتمل على البدن كله ... وقال تعالى (يُدنِينَ عَلَيهِنَّ من جلابِيبِهِنَّ) وقيل: هو ما تغطّي به المرأة. - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي (١/ ١٠٤): (الجلباب) ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء وقال ابن فارس (الجلباب) ما يغطى به من ثوب وغيره. كما إنه قد ثبت في كتب اللغة أن من معاني الجلباب؛ المقنعة: - كما في مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ١٤٩): الجلباب ... قال النضر هو ثوب أقصر وأعرض من الخمار وهي المقنعة تغطي به المرأة رأسها. - وفي النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨٣): والجلباب: الإزار والرداء. وقيل الملحفة. وقيل هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها.

стр. 79

- وفي تاج العروس (٢/ ١٧٥): الجلباب: ثوب أقصر من الخمار وأعرض منه، وهو المقنعة. وقد جاء التصريح في كتب اللغة أن المقانع التي تغطي بها النساء رؤوسهن؛ شامل لوجوههن: - كما في التكملة للصغاني (ت ٦٥٠) (٥/ ٥٢١) والقاموس المحيط (ص: ١٠٦٠) وتاج العروس للزبيدي (٣٠/ ٤٣٧): والمميلات؛ اللاتي يملن قلوب الرجال إليهن، أو يملن المقانع عن رؤوسهن لتظهر وجوههن وشعورهن. ٤) قال الشيخ الألباني في كتابه الجلباب ص ٦: (فسروا الجلباب بأنه الثوب الذي يغطي الوجه، ولا أصل له في اللغة بل هو ينافي تفسير العلماء بأنه الثوب الذي تلقيه المرأة على خمارها، ولم يقولوا على وجهها) لكنه لم ينقل شيئا من أقوال المفسرين في تفسير آية إدناء الجلابيب كما أسلفنا! فقد اقتصر في معنى إدناء الجلباب بالاستشهاد بأثر ابن عباس عن كيفية تغطية وجه المرأة حال إحرامها، وبالمعنى العام للإدناء لأحد اللغويين! هذا فقط ما استشهد به الشيخ الألباني؛ وقد استشهدنا بما أجمع عليه أئمة المفسرين واللغويين، والفقهاء والمحدثين بأن المراد من الأمر بإدناء الجلابيب؛ هو تغطية الوجه.

стр. 80

ــ:: البحث الثالث:: ــ قال الشيخ الألباني: ومن تناقضهم، أنهم- في الوقت الذي يوجبون على المرأة أن تستر وجهها- يجيزون لها أن تكشف عن عينها اليسرى وتسامح بعضهم فقال: بالعينين كلتيهما! بناء على بعض الآثار الواهية التي منها حديث لابن عباس وروي عنه ما يناقضه بلفظ: "وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشده على جبينها". وهذا نص قولنا: إنه لا يشمل الوجه. ولذلك كتمه كل المخالفين، ولم يتعرضوا له بذكر! وهو ضعيف السند، لكن له شواهد كما يأتي ... ويبدو لي أنهم- لشعورهم في قرارة نفوسهم بضعف حجتهم- يلجؤون إلى استعمال الرأي ولغة العواطف- أو ما يشبه الفلسفة- فيقولون: إن أجمل ما في المرأة وجهها، فمن غير المعقول أن يجوز لها أن تكشف عنه! فقيل لهم: وأجمل ما في الوجه العينان، فعمّوها إذن، ومروها أن تسترهما بجلبابها!

стр. 81

ــ:: مناقشة البحث الثالث:: ــ أولاً: في الوقت الذي يبيح فيه الشيخ الألباني جواز كشف وجه المرأة؛ ينكر القول بجواز كشف إحدى العينين أو كلتيهما لرؤية الطريق ويعدَّ ذلك تساهُل من مخالفيه! ولا ينكر أحدا إنه وإن كانت العينان أجمل ما في الوجه؛ إلا أنه لا يمكن أن تعرف المرأة الشوهاء من الحسناء بمجرد الكشف عن إحدى العينين أو كلتيهما بخلاف ما لو خرجت المرأة سافرة عن وجهها بأكمله!! كما أن في إباحة كشف العينين للمرأة لرؤية الطريق إذا تعذر عليها رؤيته؛ تجلي لسماحة الدين وتيسيره على المرأة حين أباح لها ذلك للحاجة، فلا إفراط بمنعها من كشف ما يتيسر معه رؤيتها للطريق؛ ولا تفريط بإباحة سفورها عن وجهها بأكمله. قال الألوسي في تفسيره روح المعاني (٢٢/ ٨٨) في تفسير آية الإدناء: والإدناء التقريب يقال أدناني أي قربني وضمن معنى الإرخاء أو السدل؛ ولذا عدي بعلى، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل. اهـ كما إن الشيخ الألباني قد أقرَّ بمشروعية ذلك في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص: ١٥٢) حيث قال: (الجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان) وقال في موضع آخر منه (والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة، وكذا الوجه أو العينين على الأقل)!! اهـ

стр. 82

ثانيا: أن هذا القول ليس وليد هذا العصر؛ بل هو حكم شرعي مبني على "أصل ثابت" وهو ما أُثر عن ابن عباس ﵁ في تفسير آية إدناء الجلابيب: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة). (١) وقول الشيخ الألباني في رده المفحم أنه من (الآثار الواهية) لعلّتين لم يذكرهما فيه وإنما أحال القارئ إلى كتابه (جلباب المرأة) لا يصح؛ فإن هاتين العلَّتين لا تقدح في صحة هذا الأثر، ولا تصل به إلى درجة القول بأنه من الآثار الواهية!! قال الشيخ الألباني في الموضع المشار إليه من كتابه جلباب المرأة (هامش ص ٨٨): (لا يصح هذا عن ابن عباس، لأن الطبري رواه من طريق علي عنه، وعلي هذا هو ابن أبي طلحة وهو مع أنه تكلم فيه بعض الأئمة، لم يسمع من ابن عباس، بل لم يره، وقد قيل: بينهما مجاهد، فإن صح هذا في هذا الأثر؛ فهو متصل، لكن في الطريق إليه أبو صالح، واسمه عبد الله بن صالح، فيه ضعف) اهـ والجواب على هاتين العلّتين بالآتي: العلّة الأولى؛ علة الانقطاع بين علي وابن عباس تندفع بما قيل بأن بين علي وابن عباس؛ مجاهد، وهذا ما صرح به الشيخ الألباني نفسه فقال (وقد قيل بينهما مجاهد، فإن صح هذا في هذا الأثر فهو متصل)

стр. 83

قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢/ ٣٨٩): وحملنا على قبول رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وإن كان لم يلقه لأنها في الحقيقة عنه عن مجاهد وعكرمة عن ابن عباس. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ١١٠): "وعلي يقال لم يسمع من ابن عباس لكنه إنما أخذ التفسير عن ثقات أصحابه مجاهد وغيره وقد اعتمده البخاري وأبو حاتم وغيرهما في التفسير". وقال في الأمالي المطلقة (١/ ٦٢): " قالوا لم يسمع علي بن أبي طلحة من ابن عباس وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وسعيد بن جبير عنه. قلت بعد أن عرفت الواسطة وهي معروفة بالثقة حصل الوثوق به".اهـ. فهذه شهادة باتصال تفسيره إلى ابن عباس. أما قول الشيخ الألباني أن علي بن أبي طلحة " قد تكلم فيه" فهذه إشارة إلى أنه ليس بالضعيف الذي يرد حديثه؛ فقد روى عنه الثقات وخرج له مسلم، ووثقه العجلي وذكره ابن حبان في ثقاته، وعدّه الدارقطني في كتابه (ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عن الثقات عند البخاري ومسلم). وقال الحافظ ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (٣/ ٥٤١): قال بعد أن ساق حديثا في إسناده علي بن أبي طلحة: وسائر من في هذا الإسناد لا يسأل عنهم. . . فإن علي بن أبي طلحة ثقة.

стр. 84

قال الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال (٥/ ١٦٣): روى معاوية بن صالح عنه عن ابن عباس تفسيرا كبيرا ممتعا. قال الحافظ ابن حجر في الأمالي المطلقة (١/ ٦٢): وقد اعتمد البخاري في أكثر ما يجزم به معلقا عن ابن عباس في التفسير على نسخة معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة هذا. العلّة الثانية: وهي قوله عن عبد الله بن صالح "فيه ضعف" وهذه إشارة إلى أنه ليس بالضعيف الذي يرد حديثه، إذ أن حديثه لاينزل عن رتبة الحسن: - قال عمر الوادياشي الأندلسي في تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج (٢/ ٢٥٣) منكرا على ابن حزم تضعيفه له فقال: وقد روى عنه ابن معين والبخاري وقال أبو زرعة حسن الحديث. - قال الحافظ ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام (٤/ ٦٧٨): والحديث من أجله حسن، والرجل من أهل الصدق، ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه، لكنه مختلف فيه. - وقال الإمام الذهبي في ميزان الاعتدال (٤/ ١٢٢): " قلت وقد روى عنه البخاري في الصحيح، على الصحيح، ولكنه يدلسه، يقول: حدثنا عبد الله ولا ينسبه، وهو هو ... وفي الجملة ما هو بدون نعيم بن حماد، ولا إسماعيل بن أبي أويس، ولا سويد بن سعيد، وحديثهم في الصحيحين ".

стр. 85

- وفي تهذيب التهذيب (٥/ ٢٢٦ - ٢٢٨): قال أبو حاتم الرازي سمعت أبا الأسود النضر بن عبد الجبار وسعيد بن عفير يثنيان على كاتب الليث وقال أبو حاتم أيضا سمعت عبد الملك بن شعيب بن الليث يقول أبو صالح ثقة مأمون ... وكان ابن معين يوثقه ... وقال أبو حاتم ولم يكن وزن أبي صالح وزن الكذب كان رجلا صالحا وقال سألت أبا زرعة عنه فقال لم يكن عندي ممن يتعمد الكذب وكان حسن الحديث، وقال أبو هارون الخريبي ما رأيت أثبت من أبي صالح قال وسمعت يحيى بن معين يقول هما ثبتان ثبت حفظ وثبت كتاب وأبو صالح ثبت كتاب ... وقال ابن القطان هو صدوق ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه إلا أنه مختلف فيه فحديثه حسن (١). اهـ * فإذا كان هذا رأي الذهبي، وأبي حاتم، وابن القطان، وابن عدي، وأبي زرعة، وابن معين، وأبي هارون الخريبي، وعبد الملك بن شعيب؛ فكيف يرد حديثه؟! فهو ليس بأكثر ضعفا من ابن عقيل، وابن لهيعة وقد استشهد بهما الشيخ الألباني وقال "حديثهما حسن للخلاف المعروف فيهما" كما سيأتي ذلك لاحقا!

стр. 86

* ولذلك فإن هذه الرواية تعد من الروايات المقبولة والمعتبرة عند المفسرين والمحدثين: - قال قال الإمام جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٥): وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة. وها أنا أسوق هنا ما ورد من ذلك عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. وقال في موضع آخر منه (٤/ ٢٣٧): وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، وفيه روايات وطرق مختلفة، فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي، عنه قال أحمد بن حنبل" بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا" ... وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيرا فيما يعلقه عن ابن عباس وأخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر كثيرا بوسائط بينهم وبين أبي صالح. اهـ - كما قال الحافظ ابن حجر في كتابه العجاب في بيان الأسباب (١/ ٢٠٣ - ٢٠٧) بعد أن عدَّ الذين اعتنوا بجمع التفسير: والذين اشتهر عنهم القول في ذلك من التابعين أصحاب ابن عباس وفيهم ثقات وضعفاء؛ فمن الثقات:

стр. 87

١ - مجاهد بن جبر ... ٢ - ومنهم عكرمة ... ٣ - ومن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعلي صدوق لم يلق ابن عباس لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة. اهـ - وكان ابن حجر نفسه يصحح هذه الرواية ويحتج بها؛ فقد قال في فتح الباري (١٣/ ٢٧١): وأخرج الطبري بسند صحيح عن عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس قال الأب ما تنبته الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس وأخرج عن عدة من التابعين نحوه ثم أخرج من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بسند صحيح. اهـ قال إدريس الصمدي في تحقيقه لأحكام النظر (ص/١٧٦): ورجال هذه الرواية كلهم ثقات إلا أنها منقطعة وذكر أن الواسطة بين علي وابن عباس؛ مجاهد بن جبير المكي, وهو إمام كبير ثقة ثبت، وقد احتج برواية علي بن أبي طلحة هذه عن ابن عباس البخاري في "الجامع الصحيح" أوردها في مواضع عديدة من كتاب التفسير معلقة. ومن الذين اعتمدوا على هذه الرواية جمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام القرطبي في تفسيره، وكذلك ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، فكانت هذه الرواية قوية عندهم. اهـ فإذا كانت هذه الرواية قوية محتجا بها عند علماء التفسير وغيرهم، فلا وجه للطعن في هذا الأثر، فإنه يعد من الآثار الثابتة التي يحتج بها.

стр. 88

ثالثا: استشهد الشيخ الألباني بأثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشدُّ على جبينها) (١) مع تصريحه بضعفه؛ على أنه يناقض أثر العين الواحدة لابن عباس، وأنكر على مخالفيه استشهادهم لتقوية أثر العين الواحدة لابن عباس بما صح عن قتادة أنه قال" أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب" (٢)؛ لأن الشيخ الألباني يرى أنه يناقضه!! والصحيح أن أثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشد على جبينها) وأثر قتادة (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) كلها توافق أثر ابن عباس (يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة)؛ ولا تناقضه، فكلها تحمل معنى تغطية الوجه وإن اختلفت كيفية التغطية، ومما يشهد لصحة ذلك ما يأتي: ١) أن هذا ما حملها عليه أهل التفسير: كالقرطبي والشوكاني وغيرهما فقد حملوا قول ابن عباس وقتادة على تغطية الوجه برد طرف الجلباب وعطفه على الأنف بعد شدّه على الجبين ـ وهذا هو التقنع ـ ولم يقل أحد منهم أن المراد أن تقنع الشعر وتشد الجلباب على الجبين دون تغطية للوجه!! - قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣): والجلباب هو الثوب الذي يستر جميع البدن، واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة

стр. 89

السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. - قال العلامة محمد بن جزي الكلبي في التسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ١٤٤): والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل: هو الرداء، وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقيل: أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها. - قال المفسر النحوي أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): وقال ابن عباس وقتادة وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. - قال الثعالبي في تفسيره (٣/ ٢٣٦): الجلباب ثوب أكبر من الخمار، واختلف في صورة إدنائه فقال ابن عباس وغيره ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضا وقتادة ذلك أن تلويه على الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.

стр. 90

- قال العلامة الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): قال الواحدي: قال المفسرون يغطين وجوههن إلا عيناً واحدة ... وقال قتادة: تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. - قال العلامة الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): قال ابن عباس وقتادة تلوى الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه وفي رواية أخرى عن الحبر رواها ابن جرير؛ تغطى وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينا واحدة. ٢) أن هذا هو الثابت عند أهل العلم في معنى التقنع: - قال العلامة الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠): "ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة ". - وقال الألوسي في تفسيره (روح المعاني) (٢٢/ ٨٩): وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن. - وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في موضعين (١٠/ ٢٧٤) (٧/ ٣٤٣) والعيني في عمدة القاري أيضا في موضعين (٢١/ ٣٠٨) (١٧/ ١٣٦) والعظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ٩٢) كلهم اتفقت عبارتهم في تعريف التقنع بقولهم: التقنع؛ هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره. وسيأتي زيادة بيان وتفصيل لمعنى التقنع قريبا في مناقشة البحث الرابع. وبذلك تبين أن أثر ابن عباس وأثر قتادة؛ توافق أثر العين الواحدة لابن عباس وتعد من الشواهد التي يتقوى بها.

стр. 91

ــ:: البحث الرابع: الخمار والاعتجار:: ــ قوله تعالى ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ... النور: ٣١ قال الشيخ الألباني: ذكرنا أن الخمار: غطاء الرأس فقط دون الوجه، واستشهدت على ذلك بكلام بعض العلماء: كابن الأثير وابن كثير. . . ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ ... النقول التي ذكرها في تفسير: ﴿ثيابهن﴾ بأنها الجلباب، ومنها قوله: "وقال أبو صالح: تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. وقال سعيد ابن جبير: فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق" ... واعلم أن المقصود من ذكر آية (القواعد) هذه، إنما هو إقامة الحجة بأن الخمار لغة لا يستر الوجه. أقول هذا لكي أذكِّر بأن هناك قولاً آخر في تفسير: ﴿ثيابهنَّ﴾ كنت ذكرته في محله من الكتاب- وهو الخمار، وهو الأصح عن ابن عباس كما سيأتي. واختار ابن القطان الفاسي في" النظر في أحكام النظر" القول الآخر، فقال (ق ٣٥/ ٢): "الثياب المذكورة هي الخمار والجلباب، رُخِّص لها أن تخرج دونهما وتبدو للرجال ... وهذا قول ربيعة بن عبد الرحمن. وهذا هو الأظهر، فإن الآية إنما رخصت في وضع ثوب إن وضعته ذات زينة أمكن أن تتبرج ... " إلى آخر كلامه، وهو نفيس جداً، ولولا أن المجال لا يتحمل التوسع لنقلته برمَّته، فإني لم أره لغيره.

стр. 92

وأما مخالفته للسنة فهي كثيرة، ومنها قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار". وهو حديث صحيح مخرج في "الإرواء" وفي" المعجم الوسيط "ما نصه: " الخمار: كل ما ستر ومنه خمار المرأة، وهو ثوب تغطي به رأسها، ومنه العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه، ويديرها تحت الحنك". فهذه نصوص صريحة من هؤلاء العلماء على أن الخمار بالنسبة للمرأة كالعمامة بالنسبة للرجل، فكما أن العمامة عند إطلاقها لا تعني تغطية وجه الرجل، فكذلك الخمار عند إطلاقه لا يعني تغطية وجه المرأة به. وعلى هذا جرى العلماء على اختلاف اختصاصاتهم من: المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، واللغويين، وغيرهم، سلفاً وخلفاً، وقد تيسر لي الوقوف على كلمات أكثر من أربعين واحداً منهم، ذكرت نصوصها في البحث المشار إليه في المقدمة، وقد أجمعت كلها على ذكر الرأس دون الوجه في تعريفهم للخمار.

стр. 93

ــ:: مناقشة البحث الرابع:: ــ أولاً: نوافق الشيخ الألباني فيما ذهب إليه هنا من أن الخمار عند الإطلاق يراد به غطاء الرأس دون الوجه - وإن كان قد يستخدم في تغطية الوجه كما ذكر-ولكن ذلك ليس فيه دليل على جواز كشف الوجه! لأن تغطية الوجه لم تفرض بالأمر بضرب الخمار عليه وإنما فُرضت بالأمر بإدناء الجلباب عليه، وسيأتي لاحقا في مناقشة البحث التاسع بيان أن الأمر بضرب الخمر أمر متعلق بفئات أبيح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب. ثانياً: أسهب الشيخ الألباني في هذا المبحث في ذكر الشواهد من أقوال العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء ولغويين في معنى الخمار، في حين أنه لم يذكر شيئا من أقوالهم في معنى إدناء الجلباب كما أسلفنا!! ثالثاً: استشهد الشيخ الألباني بقوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ مستشهدا أولا بقول من قال بأن المراد بقوله ﴿ثيابهن﴾ بأنها الجلباب، على أن المراد به جواز كشف المرأة القاعد وجهها عند الرجال الأجانب ـ وهذا فيه نظر وسيأتي لاحقا في مناقشة البحث التاسع المراد بهذه الرخصة للقواعد وأنها لا تعني جواز كشف وجه المرأة القاعد للرجال الأحرار الأجانب ـ فقال الشيخ الألباني: هذا ما صرح به جمع من الحنابلة وغيرهم ونقل عن ابن الجوزي قول القاضي أبي يعلى" وفي هذه الآية دلالة على أنه يباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال"اهـ

стр. 94

وهذا القول يستلزم عدم جواز كشف الوجه للمرأة الشابة! لذا رجع الشيخ الألباني عن هذا القول؛ وذهب إلى القول بأن المراد بالثياب في رخصة القواعد (الخمار)!! مخالفا بذلك ما صح عن ابن مسعود وابن عباس، وغيرهم من التابعين وما عليه جمهور المفسرين من أن المراد بها في هذه الآية؛ الجلباب. - صح عن ابن مسعود ﵁ في قوله ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال الرداء والجلباب. (١) - وصح عن ابن عباس أنه كان يقرأ (أن يضعن من ثيابهن) قال الجلباب. (٢) - قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٥): ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ يعني جلابيبهن وهي القناع الذي يكون فوق الخمار والرداء الذي يكون فوق الثياب - قال السمعاني في تفسيره (٣/ ٥٤٩): وثيابهن ها هنا الرداء والجلباب وعن ابن عباس قال الجلباب وأما الخمار لا يجوز لها أن تضعه.

стр. 95

- قال البغوي في تفسيره (٣/ ٣٥٦): يضعن بعض ثيابهن وهي الجلباب والرداء الذي فوق الثياب والقناع الذي فوق الخمار فأما الخمار فلا يجوز وضعه. - قال النسفي في تفسيره (٣/ ١٥٧): أي الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ يريد الزينة الخفية كالشعر والنحر. - قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٠٥): قال ابن مسعود في قوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال الجلباب أو الرداء، وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي وغيرهم. - قال الشوكاني في السيل الجرار (ص/٧٤١): وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز لهن أن يضعن ثيابهن عما عدا الوجه واليدين فرفع الجناح عنهن؛ هو عن وضع الثياب التي على الوجه والكفين. وبذلك تبين أن الإجماع على أن المراد بالثياب في هذه الآية هو الجلباب، مما يبين ضعف قول الشيخ الألباني أن المراد بها الخمار، فإنه ليس له مستند على قوله هذا إلا قولا لابن زيد لم يُثبت صحة إسناده فقد أشار إليه في رده المفحم بقوله (هناك قولاً آخر في تفسير: ﴿ثيابهنَّ ﴿كنت ذكرته في محله من الكتاب- وهو الخمار)!! وقال في الموضع المشار إليه من كتابه الجلباب / ١١١: وقال جابر بن زيد (وهو ثقة فقيه مات سنة ٩٣ هـ): إنه (الخمار) رواه ابن جرير، وأبو بكر

стр. 96

الجصاص (٣/ ٤١١)، ولعل مستنده ما في "القرطبي": "والعرب تقول: امرأة واضع؛ للتي كبرت، فوضعت خمارها" ويؤيده أن هذه الآية ذكرها الله في سورة النور بعد آية أمر النساء بالخمر المتقدمة، وهي مطلقة، فكأن الله تعالى أراد تقييدها، فأورد هذه في السورة ذاتها. والله أعلم. ثم رأيت ابن عباس ﵄ قد صرح بهذا المعنى، وأن آية (القواعد) مستثناة من آية (الخمر). رواه أبو داود (٤١١١) والبيهقي بسند حسن عنه. فالظاهر أن جابر بن زيد تلقى ذلك عن ابن عباس؛ فإنه ﵀ من المكثرين عنه. وقد رأيت الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي ﵀ قد تنبه لهذا، فقال في تفسيره" (٥/ ٤٤٥): "أي الثياب الظاهرة كالخمار ونحوه الذي قال الله فيه للنساء (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) وسبقه إلى هذا الحافظ أبو الحسن بن القطان في" النظر في أحكام النظر" اهـ وبيان ضعف استدلاله هذا من عدة وجوه: ١) اكتفى الشيخ الألباني في تصحيح أثر ابن زيد بتوثيق جابر! دون بيان صحة أو ضعف إسناده؛ فعزاه للطبري ساكتا عنه! وقد أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٦) قال: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال "وضع الخمار".

стр. 97

وابن زيد هذا ليس جابر بن زيد الذي قال عنه الشيخ الألباني (ثقة فقيه)؛ مع أنه لو كان هو لكان إسناده ضعيفا لا تقوم به حجة؛ للانقطاع بين عبد الله بن وهب الذي ولد سنة (١٢٥ هـ)؛ وجابر بن زيد (ت ٩٣ هـ) فإنه لم يسمع منه بل لم يره! والصحيح؛ أن ابن زيد راوي هذا الأثر؛ هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فهو الذي روى عنه عبد الله بن وهب، ومع اتصال سنده إلا أنه إسناد ضعيف لا يحتج به لإجماع أهل الجرح والتعديل على ضعف عبدالرحمن بن زيد (١). إذن فلا يصح أن يحتج في معنى الآية بمثل هذا الإسناد الضعيف عن أحد التابعين؛ وتضرب به الأسانيد الصحيحة المأثورة عن الصحابة في تفسيرها! ٢) نسب القول بهذا الأثر أيضا لأبي بكر الجصاص! وبالرجوع إلى ما ذكره أبو بكر الجصاص في تفسير هذه الآية؛ يتبين أنه لا يؤيد ما ذكره الشيخ الألباني بل يخالفه!

стр. 98

- قال أبو بكر في أحكام القرآن (٥/ ١٩٦): قال ابن مسعود ومجاهد والقواعد اللاتي لا يرجون نكاحا هن اللاتي لا يردنه، وثيابهن جلابيبهن، وقال إبراهيم وابن جبير الرداء، وقال الحسن الجلباب والمنطق، وعن جابر بن زيد يضعن الخمار والرداء، قال أبو بكر: لا خلاف في أن شعر العجوز عورة لا يجوز للأجنبي النظر إليه كشعر الشابة وأنها إن صلت مكشوفة الرأس كانت كالشابة في فساد صلاتها فغير جائز أن يكون المراد وضع الخمار بحضرة الأجنبي ... وفي ذلك دليل على أنه إنما أباح للعجوز وضع ردائها بين يدي الرجال بعد أن تكون مغطاة الرأس. اهـ ٣) ثم أسند الشيخ الألباني هذا القول إلى ما ذكره القرطبي: "والعرب تقول: امرأة واضع؛ للتي كبرت، فوضعت خمارها" وبالرجوع إلى قول القرطبي يتبين أنه لا يؤيد هذا القول؛ بل إنه يرى أن الصحيح خلافه حيث قال القرطبي في تفسير هذه الآية (١٢/ ٣٠٩): قال ابن عباس وهو الجلباب وروي عن ابن مسعود أيضا من جلابيبهن والعرب تقول "امرأة واضع" للتي كبرت فوضعت خمارها، وقال قوم الكبيرة التي آيست من النكاح لو بدا شعرها فلا بأس فعلى هذا يجوز لها وضع الخمار، والصحيح أنها كالشابة في التستر إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع والخمار قاله ابن مسعود وابن جبير وغيرهما. اهـ ٤) أما قول الشيخ الألباني (ويؤيده أن هذه الآية ذكرها الله في سورة النور بعد آية أمر النساء بالخمر) يريد قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ وهذه الآية تحمل أمراً آخر قبل الأمر بضرب

стр. 99

الخمر، وهو قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ صح عن عبد الله بن مسعود وعبيدة السلماني في تأويلها أنها الثياب والرداء. (١) أي لا يحل لهن وضع الثياب الظاهرة (الجلباب والرداء) في البيوت عند دخول من ليسوا بمحارم وهم العبيد المملوكون ونحوهم ممن يحل لهم رؤية المرأة والدخول عليها دون حجاب ـ وسيأتي تفصيل ذلك وتأصيله في مناقشة البحث التاسع ـ ثم استثنى الله القواعد من هذا الأمر وجاءت الرخصة لهن بوضع هذه الثياب الظاهرة. ٥) قال الشيخ الألباني: ثم رأيت ابن عباس ﵄ قد صرح بهذا المعنى وأن آية (القواعد) مستثناة من آية (الخمر) رواه أبو داود (٤١١١) والبيهقي (٧/ ٩٣) بسند حسن عنه. اهـ وقال في رده المفحم (وهو الأصح عن ابن عباس)! والذي أثر عن ابن عباس بإسناد صحيح هو: " أنه كان يقرأ ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال الجلباب" وقد صححه الألباني في كتابه الجلباب/٨٦، فكيف يكون الحسن أصح من الصحيح؟! ومع ذلك فإن هذا الأثر كما رواه أبو داود والبيهقي عنه وساقه الشيخ الألباني في كتابه الجلباب ص ٨٥: عن ابن عباس ﵁ قال ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية فنسخ واستثنى من

стр. 100

ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية (١). ليس فيه حجة لما ذكر الشيخ الألباني؛ لأنه ليس فيه النص على تسميتها بآية الخُمر! بل إنه لم يرد عن أحد من الصحابة أو التابعين تسمية آية النور هذه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ... ﴾ بآية "الخُمر"! وذلك لأنها تحمل أمراً آخر غير ضرب الخمر وهو عدم وضع الثياب الظاهرة (الجلباب والرداء) كما سيأتي بيان ذلك. ٦) استشهد الشيخ الألباني بمعنى غير مراد للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦ هـ) فقال: (وقد رأيت الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ قد تنبه لهذا، فقال في تفسيره" (٥/ ٤٤٥): "أي الثياب الظاهرة كالخمار ونحوه الذي قال الله فيه للنساء ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾) ولو أكمل الشيخ الألباني نقله عن السعدي لاتضح أن مراده مخالف له؛ فقد قال السعدي في تفسيره (١/ ٥٧٤): "أي الثياب الظاهرة كالخمار ونحوه الذي قال الله فيه للنساء ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فهؤلاء يجوز لهن أن يكشفن وجوههن". فمراد الشيخ عبد الرحمن السعدي أن للقواعد أن يضعن الخمار الذي يغطين به وجوههن، وليس مراده الخمار الذي يغطين به الشعر!

стр. 101

٧) ثم قال الشيخ الألباني: وسبقه إلى هذا الحافظ أبو الحسن بن القطان في "النظر في أحكام النظر" ونقل الشيخ الألباني بعض ما ذكره ابن القطان فقال: واختار ابن القطان الفاسي في" النظر في أحكام النظر" القول الآخر، فقال (ق ٣٥/ ٢): "الثياب المذكورة هي الخمار والجلباب، رُخِّص لها أن تخرج دونهما وتبدو للرجال ... وهذا هو الأظهر، فإن الآية إنما رخصت في وضع ثوب إن وضعته ذات زينة أمكن أن تتبرج ... " إلى آخر كلامه، وهو نفيس جداً، ولولا أن المجال لا يتحمل التوسع لنقلته برمَّته، فإني لم أره لغيره. اهـ وبالرجوع إلى قول ابن القطان يتبين أنه لا يعني أنه يجيز للقواعد كشف الشعر عند الرجال الأجانب (١):

стр. 102

حيث قال ابن القطان في تمام كلامه في أحكام النظر (ص ١٠٣): "وهذا هو الأظهر، فإن الآية إنما رخصت في وضع ثوب إن وضعته ذات زينة أمكن أن تتبرج بعد وضعه بزينتها، ولا يعد تبرجا إلا ما كان على الأجانب، فهذا أبيح للعجزة القواعد وضعه ... فقوله ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ إنما معناه أن يضعن ثيابهن التي كان يجب عليهن إدناؤها إذ كن شواب من الجلباب والرداء". اهـ فمراد ابن القطان بقوله (وهذا هو الأظهر فإن الآية إنما رخصت في وضع ثوب إن وضعته ذات زينة أمكن أن تتبرج بعد وضعه بزينتها) استبعاد قول من قال بأن المرد إزار الحقو، وليس استبعاد قول من قال بأنه الرداء والجلباب! وكذلك قوله (ولا يعد تبرجا إلا ما كان على الأجانب) أراد به استبعاد قول من قال (إنما تضع ذلك عند أبيها وأخيها وابنها). وبذلك يتبين خطأ الشيخ الألباني فيما ذهب إليه من أن المراد بالثياب في آية القواعد؛ الخمار، إذ لم يصح فيه ما يستند إليه، وأن الصحيح ما عليه الجمهور من أنه الجلباب والرداء. كما قال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ١٢٩): ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز لهن أن يضعن ثيابهن عما عدا الوجه واليدين.

стр. 103

ــ:: تتمة البحث الرابع:: ــ قال الشيخ الألباني: وهنا لا بد لي من بيان خطأ وقع في شرح الحافظ لحديث عائشة في نزول آية (الخُمُر) المتقدمة، فقال الحافظ قول عائشة: " فاختمرن بها": (أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها، وترميمه من الجانب الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها، وتكشف ما قدامها، فأمرن بالاستتار). فأقول: تفسير الحافظ " غطين وجوههن" يناقض قوله: " وصفة ذلك ... " فإن هذا لو طُبَّق لوجد الوجه مكشوفاً غير مغطى! ويؤكد ذلك تشبيه الحافظ خمار المرأة بعمامة الرجل، وكذلك قوله: " وهو التقنع"، ففي كتب اللغة: (تقنّعت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها)، كما في" المعجم الوسيط" وغيره، مثل الحافظ نفسه فقد قال في" الفتح" (٧/ ٢٣٥ و ١٠/ ٢٧٤)): التقنع: تغطية الرأس (وبناءً على ما سبق فقوله" وجوههن"، يحتمل أن يكون خطأ من الناسخ، أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: " صدورهن" فسبقه القلم! ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازياً أي: ما يحيط بالوجه من باب المجاورة، فقد وجدت في" الفتح" نحوه في موضع آخر تحت حديث البراء ﵁: " أتى النبي ﷺ رجلٌ مقنع بالحديد " (قوله: " مقَنَّع" كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب) فإنه يعني ما جاور الوجه، وإلا لم يستطع المشي فضلاً عن القتال، فبهذه الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة التفسير والحديث والفقه واللغة، ثبت قولنا: إن الخمار غطاء الرأس، ولا ينافي كون الخمار غطاء الرأس أن يستعمل أحياناً لتغطية الوجه. وإذا عرفت هذا

стр. 104

فمن قال بأن" الاعتجار مطابق للاختمار في المعنى" فأقول: نعم هو كذلك بالمعنى الصحيح المتقدم للاختمار وأما بمعنى تغطية الوجه عند الإطلاق فهو باطل لغة قال الإمام الفيروزآبادي في" قاموسه" والزبيدي في" تاجه" (الاعتجار: لي الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك) وفي بعض العبارات: هو" لف العمامة دون التلحِّي" وروي عن النبي ﷺ " أنه دخل مكة يوم الفتح معتجراً بعمامة سوداء" المعنى: أنه لفها على رأسه ولم يتلح بها. والمعجر كمنبر: ثوب تعتجر به المرأة أصغر من الرداء وأكبر من المقنعة وهو ثوب تلفّه المرأة على استدارة رأسها ثم تجلبب فوقه بجلبابها) وهذا لا ينافي ما احتجَّ به ابن حجر: (قال ابن الأثير: وفي حديث عبدالله بن عدي بن الخيار: جاء وهو معتجر بعمامته ما يرى وحشي منه إلا عينيه ورجليه. الاعتجار بالعمامة: هو أن يلفّها على رأسه ويَرُدُّ طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئاً تحت ذقنه) قلت: لا ينافي هذا ما تقدم عن العلماء من الشرح لـ (الاعتجار) لأن ما قاله ابن الأثير مصرح به في الحديث: " ما يرى منه إلا عينيه" فهو صفة كاشفة لـ (الاعتجار) وليست لازمة له كما لو قال قائل: (جاء مختمراً لا يرى منه إلا عيناه) ولذلك لم يزد الحافظ على قوله: " (معتجر) أي: لافّ عمامته على رأسه من غير تحنيك". وجملة القول: إن الخمار والاعتجار عند الإطلاق إنما يعني: تغطية الرأس فمن ضمَّ إلى ذلك تغطية الوجه فهو مكابر.

стр. 105

ــ:: مناقشة تتمة البحث الرابع:: ــ أولاً: أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت (يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها) (١) وفي رواية (أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها) (٢) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٤٩٠): قوله (فاختمرن) أي غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع قال الفراء كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار والخمار للمرأة كالعمامة للرجل. اهـ قال الشيخ الألباني إن قول الحافظ ابن حجر" أي غطين وجوههن "خطأ من الناسخ أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: " صدورهن" فسبقه القلم! اهـ فيقال إن كان هناك خطأ في قول ابن حجر؛ فهو في فهم ابن حجر أن النساء شرعن في تغطية وجوههن إثر نزول النهي عن إبداء الزينة والأمر بضرب الخمر في سورة النور؛ والصحيح أن النساء إنما شرعن بتغطية وجوههن بالجلابيب إثر نزول الأمر بإدناء الجلابيب في سورة الأحزاب كما بينّاه سابقا، أما آية النور فسيأتي في مناقشة البحث التاسع بيان ما تعنيه وأن الأمر بضرب الخمر أمر

стр. 106

متعلق بفئات أبيح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وعلى ذلك فقول ابن حجر (غطين وجوههن) ليست خطأ من الناسخ ولا سبق قلم بل إنها من قصد المؤلف يدل على ذلك قوله في موضع آخر من الفتح (٩/ ٣٢٤): (وقد قالت عائشة كما تقدم في تفسير سورة النور لما نزلت وليضربن بخمرهن على جيوبهن أخذن أزرهن من قبل الحواشي فشققنهن فاختمرن بها ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب). أما قول الشيخ الألباني: أن (تفسير الحافظ المذكور: " غطين وجوههن" يناقض قوله: " وصفة ذلك ... "" فإن هذا لو طبَّقه في خماره لوجد وجهه مكشوفاً غير مغطى"!!) فليس شرطا؛ فإن ما ذكره ابن حجر من صفة ضرب الخمار بقوله" وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيسر على العاتق الأيمن" يمكن أن يقتضي تغطية الوجه، فإن المرأة سترمي طرف خمارها من الجانب الأيسر على العاتق الأيمن مرورا بالوجه عدا العينين. وهذا ما عناه الحافظ ولذلك قال مؤكدا لهذا المعنى " وهو التقنع ". ثانياً: أنكر الشيخ الألباني أن التقنع يعني تغطية الوجه؛ وقصر معناه على تغطية الرأس دون الوجه؛ مخالفا بذلك معناه عند أهل اللغة والتفسير والفقه والحديث، على أنه ليس له شاهد على ذلك إلا ما نقله من المعجم الوسيط (١) وهو قوله: (تقنعت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة

стр. 107

رأسها) هذا فقط ما احتج به الشيخ الألباني مما في كتب اللغة! وهو لفظ عام، لا ينفي كون الوجه داخلا فيما يغطيه القناع من الرأس! فإطلاق الرأس إما أن يراد به أعلاه وهو موضع العمامة من الرجل والخمار من المرأة، وإما أن يراد به الرأس كله بما فيه الوجه، وهذا المعنى هو الذي أنكره الشيخ الألباني فقصره على المعنى الأول فقط رغم ثبوت المعنى الثاني لغة وشرعا! ومما يشهد أن التقنع يعني تغطية الوجه لغة: - جاء في العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (١/ ١٧٠): والقناع أوسع من المقنعة وتقول ألقى فلان عن وجهه قناع الحياء. - وفي تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (١٢/ ٢٧٩): سمّي المسافر مسافراً لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه. - وفي الأزمنة والأمكنة لأبي علي أحمد المرزوقي الأصفهاني (١/ ٢٠٠): أول من كشف القناع طريف العنبري لما رآهم يطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، رمى بالقناع وحسر عن وجهه. - وفي المحكم والمحيط الأعظم لأبي الحسن علي بن سيده المرسي (١/ ٢٢٨): والقناع أوسع من المقنعة وقد تقنعت به وقنعت رأسها وألقى عن وجهه قناع الحياء. وفي موضع آخر منه (٦/ ٤٥٣): والنقاب: القناع على مارن الأنف.

стр. 108

- وفي مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي (١/ ٢): حسر عن وجهه القناع. - وفي تهذيب الأسماء واللغات لمحيي الدين بن شرف النووي (٣/ ٢٨٣): والقناع والمقنعة ما تغطي به المرأة رأسها ومحاسنها من ثوب. - وفي لسان العرب لابن منظور (٨/ ٣٠٠): والمقنعة ما تغطي به المرأة رأسها ... والقناع والمقنعة: ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطي رأسها ومحاسنها، وألقى عن وجهه قناع الحياء. - وفي مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي (١/ ٢٠): البُرْقُع للدواب ونساء الأعراب وبرقعه فتبرقع أي ألبسه البرقع فلبسه وهو القناع. - وفي تاج العروس (٢٢/ ٩١): والمقنع والمقنعة؛ عن اللحياني: ما تقنع به المرأة رأسها ومحاسنها، أي تغطي. - وفي القاموس المحيط (ص: ١٠٦٠) وتاج العروس (٣٠/ ٤٣٧): "المميلات": يملن المقانع لتظهر وجوههن وشعورهن. - المعجم الوسيط (١/ ٥١): (البرقع) قناع النساء.

стр. 109

*أما ثبوت ذلك شرعا: - ففي مسند أحمد عن أسامة بن زيد ﵁ قال: (استأذنت لأناس من أصحاب النبي ... ﷺ فأذن لهم فإذا هو مقنّع رأسه ببرد له معافري (١) فكشف القناع عن رأسه ثم قال لعن الله اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (٢). وقد ثبت أن عائشة وعبد الله بن عباس ﵃ فسرا هذا التقنع بتغطية الوجه حيث قالا في رواية أخرى: (لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة (٣) له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال؛ لعنة الله على اليهود ... ) (٤). - وفي مسند أحمد عن كعب بن عُجْرة قال: "ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقرَّبها وعظَّمها قال ثم مر رجل متقنع في ملحفة فقال هذا يومئذ على الحق فانطلقت مسرعا فأخذت بضبعيه (٥) فقلت هذا يا رسول الله قال هذا، فإذا هو عثمان بن عفان ﵁". (٦) والشاهد هنا أن كعب بن عُجْرة لم يعرف عثمان ﵁ لما

стр. 110

كان مقنعا رأسه، ولو كان التقنع لا يعني تغطية الوجه لما خفي عليه أنه عثمان حتى قام إليه وأخذ بضبعيه! - وفي أثر عبيدة السلماني الذي أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٦) بإسناد صحيح إليه في تفسير قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أنه لبس رداءه" فتقنع به؛ فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب". * وهو كذلك عند المفسرين: - قال الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠) والنسفي في تفسيره (٣/ ٣١٥): " ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع به. - قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن. * وكذلك عند أهل الحديث: - قال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٧٤) والعيني في عمدة القاري (٢١/ ٣٠٨) والعظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ٩٢) والمناوي في فيض القدير (٥/ ٢٤٠): التقنع: تغطية الرأس وأكثر الوجه.
следующие страницы →