سورة الفاتحة (١)
[البسملة آية من الفاتحة]
الحمد لله.
كون البسملة آيةً من الفاتحة مما لا ينبغي أن يُشكَّ فيه، لِمَا ثبت في «الصحيح» (٢) عن أبي سعيد [بن] المُعَلّى وعن أبي هريرة: أن النبي ﵌ أخبر بأنها السبع المثاني. وما قيل بأن: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ رأس آية، ممتنع في أسلوب القرآن.
ومما يدل على أنها آية من كلّ سورة كتابتها في المصحف. وما قيل من أنها كُتبت للفصل، مردودٌ باحتياط الصحابة مع علمهم بأنها إذا كُتبت ظنَّ الناسُ أنها آيةٌ من كل سورة.
وتَكْرارها ليس بقرينة؛ فإننا نعلم أن الكتب التي تبدأ بالبسملة، يصدُقُ عليها أن البسملة جزءٌ منها، وفي القرآن: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٢٩ - ٣١]، فجُعِلت البسملة من الكتاب.
ولعلَّ مقصودَ مَن قال مِن السلف: إنها آية أُنزلت للفصل، وإنها ليست جزءًا من كل سورة = أنها ليست جزءًا من السورة متصلًا بها مرتبطًا، وهذا لا ينفي أن تكون جزءًا مستقلًّا، والله أعلم (٣).
стр. 3
سورة البقرة
[قوله تعالى]: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ (١).
يمكن أن يقال: إنه لما قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ أمكن أن يتوهَّم بعض الناس، ولاسيَّما من لم يعرف السبب، أن السعي ليس فيه ثواب لاقتصار الآية على نفي الجناح فيه، فدفع ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ ... ﴾ (٢).
* * * *
قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾.
انظر هل في هذه الآية دليل على عدم جواز لعن المعيَّن؟ لأنه إن كان حيًّا فلعلّه يتوب, وإن كان ميتًا فلعله تاب, وقد استثنى الله تعالى التائب من لعنته ولعنة اللاعنين. والله أعلم.
وقال تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾.
стр. 4
فقيَّد لعنتَه لهم، ولعن الملائكة، ولعن الناس بما إذا ماتوا وهم كفَّار، كما دل استثناؤه في الأول على تقييد لعن الكاتمين بما إذا ماتوا وهم كاتمون. والله أعلم (١).
* * * *
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾.
في الآيات دليل على النهي عن تحريم ما أحلَّ الله تعالى، وعن اجتناب الأكل منه، وعلى انحصار المحرمات، وغير ذلك مما يظهر عند التدبَّر. والله أعلم.
وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ
стр. 5
اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾.
فيها التحذير من الرشوة، وفيها دليل على حُرْمة أخذ شيء مقابل بيان ما أنزل الله، سواء أكان ذلك في حكم أو فتوى أو غيرها. وفيها دليل على أن الله تعالى يُكلِّم المؤمنين المتقين يوم القيامة.
هذا، وقد يُدَّعى أن قوله: «الذين» أراد به قومًا معهودين هم اليهود، والسياق يؤيده.
كما قد يقال: إن قوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ بأن يكتموا حكمَ الله ليأخذوا في مقابل كتمانه ثمنًا، فتكون دلالة الآية خاصةً بالتحذيرِ من أخذِ الرشوة من المبطل ليحكم له بالباطل ويكتمَ الحق، وأخذِ الأجرة من السائل ليفتي بما يوافق هواه في الباطل ويكتمَ الحق, فليتدبر. والله أعلم (١).
* * * *
[قوله تعالى]: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾ .
يريد ــ والله أعلم ــ: فما أصبرهم على الطريقة التي توجب لهم النار.
فإن الإنسان إذا كان على خُطّة يرى أنها تؤدّيه إلى عذاب شديد، فإن نفسه تنازعه إلى تركها وتلحُّ عليه في ذلك، وهواه يمنعه من ذلك ويحملُه على الصبر.
стр. 6
كما حكى الله تعالى عن قومٍ قولَهم في رسولهم: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢] (١).
* * * *
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ... ﴾ [١٩٨ - ١٩٩].
أرى أنَّ المراد: ثمَّ بعد عامكم هذا أفيضوا من حيث أفاض الناس في هذا، والمراد بالناس رسول الله ﵌ ومَنْ حجَّ معه (٢).
* * * *
قال الله ﵎ في سورة البقرة [آية: ٢١٣]:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: على الإيمان، فاختلفوا بأن كَفَر بعضُهم. أو على الكفر، ولا حاجة لتقدير شيء. وعلى كلٍّ، فالمراد به ــ والله أعلم ــ قبل بعثة نوح.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: لتلك الأمة المختلفة، أو المطبقة على الكفر. ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: جنسه، والمراد: الكُتُب، ﴿لِيَحْكُمَ﴾ أي: ليكون حاكمًا به بعد الأنبياء ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: الذين
стр. 7
سيدخلون في الدين ﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا﴾ أي: سيختلفون ﴿فِيهِ﴾ أي: من أمر الدين، بأن يقول بعضهم: هو منه. ويقول غيره: ليس منه.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أي: في الدين المفهوم مما سبق. ولا مانع أن يكون الضمير للكتاب، كأنه سبحانه يقول: فاختلفوا في الكتاب نفسه، وما اختلف فيه ... إلخ. وهذا أولى عندي.
﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي الكتاب ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: حَمَل البغْيُ بعضَهم على تحريفه عن مواضعه، والعدول به عن مقاصده. ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (١).
* * * *
قوله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [٢٢٨].
أقول ــ والله أعلم ــ أنّ المراد: أحقّ بردِّهنّ منهنّ، فهذا يشعر بأنّ لهنّ حقًّا في ذلك بحيث يُنْدَب أن لا يراجع الزوج حتى ينظر رغبة الزوجة، ولكن الزوج أحقّ بحيث لو راجع بدون رضاها؛ رجع النكاح. والله أعلم (٢).
* * * *
стр. 8
[تعليق على آيات الصدقة (٢٦٣ - ٢٦٨)]
[قوله تعالى]: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾.
فيه الإرشاد إلى العفو عن المستعطي إذا ألحَّ في المسألة وآذى المسؤول.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ (١).
المقصود من المَثَل ــ والله أعلم ــ: أنَّ مال المانِّ والمؤذي ومال المُرابي يَتْلَف بالإنفاق بدون عِوَض.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ (٢).
المقصود من المَثَل ــ والله أعلم ــ: أنَّ مال المتصدِّق لوجه الله تعالى ولا يُتبِع صدقتَه بمنٍّ ولا أذى = لا يَنفَدُ، بل يُعوِّضه الله مضاعفًا، وهذه الآية مصداق الحديث: «ما نقصت صدقةٌ من مال» (٣). وعلى هذا
стр. 9
سمّيت الزكاةُ زكاةً.
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ... ﴾.
المقصود بالمَثَل ــ والله أعلم ــ بيان حال الذي يتصدّق لوجه الله تعالى فيستحق الثواب، ثم يفسده بالمنِّ والأذى، فالثواب هو الجنَّة، والمنُّ والأذى هو الإعصار.
وقد يُستدل بقوله: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾ إلى أنَّ عمل الوالد الصالح ينفع ذُرّيته ــ والله أعلم ــ تدبَّرْ.
﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ .. ﴾.
فيه إشارة إلى أنَّ المتصدِّق غير متبرّع، بل هو طالب عِوَض وأجر، وأنَّ المتصدَّق عليه آخذ بحقٍّ، أي إذا كان مستحقًّا للصدقة. والله أعلم.
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ... ﴾.
كأن في الآية احتباكٌ (١)؛ كأنه قال: الشيطان يوسوس لكم بعدم المغفرة من الله تعالى بأن يقنِّطكم، ويعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء؛ والله يعدكم
стр. 10
مغفرة منه وفضلًا، ويأمركم بالعدل والإحسان (١).
* * * *
قوله : ﴿ ... يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [٢٧٣].
دلّ سياق الآية على أنّهم لا يسألون البتة، ومفهوم قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أنّهم يسألون، ولكنّهم لا يُلْحِفون.
أجاب الزمخشري بأنّ النّفي هنا متوجّه إلى المقيَّد، كما في قول الشاعر (٢):
* على لاحبٍ لا يُهتدى بمناره *
أي: ليس له منار فيهتدى به.
وعندي في هذا الجواب والاستشهاد نظر، وهو قول الشاعر: «لا يهتدى بمناره»، وما شابهه في كلام الفصحاء إنّما يجيء إذا كان هناك ملازمة. من اللازم ...
وهذا ... (٣).
стр. 11
ذو الرمّة:
لا تُشتكى رقصة (١) منها وقد رقصت ... بها المفاوزُ حتى ظهرُها حَدِبُ
قول امرئ القيس (٢):
على لاحبٍ لا يُهتدَى بمناره ... إذا سافَهُ العَودُ الدِّيافيُّ جَرْجَرا
الآخر في وصف مفازة (٣):
لا تُفزِعُ الأرنبَ أهوالُها ... ولا ترى الضبَّ بها يَنْجَحِرْ
الأعشى (٤):
لم تَعطَّف على حُوارٍ ولم يَقْـ ... ـطع عُبَيدٌ عروقَها مِن خُمال
الأعشى (٥):
لا يغمزُ الساقَ من أَيْنٍ ومن وصبٍ ... ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفه الصَّفَر
واعترض بأنّ هذا إنّما يحسن إذا كان القيد لازمًا للمقيَّد أو كاللازم حتى يلزم من نفيه نفيُه بطريق برهاني، وههنا ليس كذلك؛ إذ الإلحاف ليس لازمًا للسؤال، ولا كلازمه.
стр. 12
وأجيب بأنّ هذا مسلَّم إن لم يكن في الكلام ما يقتضيه، وهو كذلك هنا؛ لأنّ التعفّف حتى يُظَنُّوا أغنياء يقتضي عدم السؤال رأسًا. وأيضًا ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ مؤيد لذلك.
وقيل: المراد أنّهم لا يسألون، فإن سألوا عن ضرورة لم يلحّوا.
ومن النّاس من يجعل المنصوب مفعولاً مطلقًا للنفي، أي: يتركون السؤال إلحافًا، أي مُلْحفين في الترك. وهو كما ترى (١).
* * * *
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ [٢٨٢] .
يؤخذ منها وجوب الكتابة بدون أجرةٍ في بعض الأحوال. والله أعلم (٢).
стр. 13
سورة آل عمران
[معنى المحكمات والمتشابهات]
الحمد لله.
يظهر لي أن معنى قوله : ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [٧] أي: يُحكِمُهنَّ بعض الخلق، من قولهم: تعلَّم فلان الطبَّ حتى أَحكمه، أي: أحكم علمه. بخلاف قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] فمعناه: أن الله أحكمها (١).
قوله : ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي ــ والله أعلم ــ: كل آية فيها متشابهة، أي متشابهة المعاني، كما تقول: فلان متناسب الخِلقة، أي أنّ أعضاءه متناسبة.
وقال حكايةً عن موسى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] (٢).
* * * *
قوله في سورة آل عمران: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [٩٣].
صحَّ عن ابن عباس أن إسرائيل نذر إن شفاه الله تعالى من عرق النَّسا أن
стр. 14
لا يأكل لحمًا فيه عروق.
وهذا النذر مشكل؛ إذ لا يظهر فيه وجه القربة، والله يقول في اليهود (المائدة) (١): ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٠] (٢).
* * * *
[تعليق على موضع من «روح المعاني»]
آلوسي (ج ١ /ص ٦٧٣)
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [١٣٥].
«وقد ذكر أنّ الحال بعد الفعل المنفي ــ وكذا جميع القيود ــ قد يكون راجعًا إلى النفي، قيدًا له دون المنفي، مثل: ما جئتك مشتغلاً بأمورك، بمعنى: تركت المجيء مشتغلاً بذلك.
وقد يكون [راجعًا إلى ما دخله النفي مثل: ما جئتك راكبًا، ولهذا معنيان: أحدهما ــ وهو الأكثر ــ: أن يكون النفي] (٣) راجعًا إلى القيد فقط، ويثبت أصل الفعل، فيكون المعنى: جئت غير راكب.
وثانيهما: أن يقصد نفي الفعل والقيد معًا، بمعنى انتفاء كلٍّ من الأمرين. فالمعنى في المثال: لا مجيءَ ولا ركوب.
стр. 15
وقد يكون النفي متوجهًا للفعل فقط من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته.
قيل: وهذه الآية لا يصح فيها أن يكون ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قيدًا للنفي، لعدم الفائدة؛ لأنّ ترك الإصرار موجب للأجر والجزاء، سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل، بل مع الجهل أولى. ولا يصحّ».
[قال المعلمي]: «فيه نظر؛ لأنّه قد يقال: إذا تركوه عالمين بقبحه كان الظاهر من ذلك أنهم إنما تركوه خوفًا من الله ، فبذلك يستحقون الثواب. وإذا تركوا شيئًا لا يعلمون بقبحه فالظاهر أنهم إنما تركوه لعارض غير خشية الله، فلا يستحقّون ثوابًا. والله أعلم» (١).
стр. 16
سورة النساء
[الكلام على آية التيمم]
قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [٤٣].
الذي يظهر لي في معنى الآية: أن المراد بالصلاة حقيقتها الشرعية، ويؤيده سبب النزول.
والمراد بـ ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: ظاهره، وهو المسافر. والإذن مطلق قُيِّد في آخر الآية بالتيمم، وإنما تُرِك تقييده أولاً لأنه أُريد أن يؤتى بحكم التيمم مضبوطًا في كلامٍ جامع، وهو ما في بقية الآية، فلو قُيّد به أولاً لزم أحد أمرين: إما إهماله في بقية الكلام، وإما التكرار، وكلاهما منافٍ لكمال البلاغة.
أما التكرار فواضح، وأما الإهمال فللإخلال بضبط الكلام في التيمم في جملة واحدة كما مرَّ.
ثم قال : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ فذكر عذرًا، ثم قال: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فذكر عذرًا آخر، ثم قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فذكر عذرًا ثالثًا، وهو عدم وجود الماء. وإنما قدم
стр. 17
عليه قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ لأنه في معنى العلة لعدم وجود الماء، أي: أنه علة للاحتياج إلى الماء المتوقف عليه اعتبار عدم وجوده. وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] أمر الله باستشهاد المرأتين، وعلَّل ذلك بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ ... ﴾ والعلة الحقيقية هي التذكير لا الضلال، ولكن لما كان الضلال علة للتذكير لأنه عليه يتوقف الاحتياج إليه= قدَّمه قبله وعطف عليه بالفاء.
فإذًا كل من الثلاثة عذر مستقلّ:
١ ــ المرض ٢ ــ السفر ٣ ــ عدم وجود الماء.
فإن قيل: فإن عدم وجود الماء شرط لكون السفر عذرًا.
أقول: نعم، ولكن لمَّا كان الغالب في السفر عدم وجود الماء، أطلق، وبيَّنت السنة المراد (١).
* * * *
الحمد لله.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ... ﴾ [٧٧].
стр. 18
الذي يظهر ــ ولا أراه يجوز غيره ــ أنَّ المراد مَنْ أسلَم مِمَّن حَوْل المدينة من الأعراب.
وقول الله بعد ذلك في آية (٧٨): ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ صريحٌ في بطلان ما زعمه الكلبيُّ أن الآية السابقة نزلت في بعض أجلَّة الصحابة الذين أثنى الله عليهم في آيات لا تُحصى. وحَمْلُ آية (٧٨) على قوم آخرين تفكيكٌ للنظم الشريف بلا داعٍ.
فالحق أنَّ الضمائر فيها لِمَن تقدَّم، أي مَن حَول المدينة مِن الأعراب، وسيأتي ما يوجب القطعَ بذلك.
والمراد بالحسنة والسيئة ما يوافق هواهم أو يخالفه من الأحكام، أي ــ والله أعلم ــ وإن يبلِّغهم الرسول ما يوافق هواهم يقولوا: هذا من عند الله، وإن يبلِّغهم ما يكرهونه كإيجاب القتال يقولوا: هذه مِن عندك، قال تعالى لرسوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: وإنما أنا مبلّغ.
وقوله تعالى في آية (٧٩): ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ الظاهر أن الخطاب للنبي ﵌ كقوله عقب ذلك: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾.
نعم، المقصود ــ والله أعلم ــ العموم مِن حيث المعنى، أي أنه إذا كان هو ﵌ هكذا فغيره كذلك من باب أولى.
والمراد بالحَسَنة والسيئة: النعمة والمصيبة، وجيء بهذه الجملة بعدما
стр. 19
تقدم دفعًا لِما قد يتوهَّمه مَن لم يتدبَّر مِن عموم قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لجميع الحوادث المخالفة للهوى بحيث يدخل في ذلك جميع المصائب والمضار. فنبَّه تعالى على أن المراد بالحسنة والسيئة ــ فيما تقدم ــ الأحكامُ المبلَّغة، فكلّها من عند الله. فأمّا الحسنة والسيئة بمعنى النِّعم والمصائب فلا يُقال فيها: كلّها من عند الله، بل النِّعَم من عند الله، والمصائب من النفس، أي بسبب أعمالها.
وقوله في آية (٨٠): ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ظاهر في أن الكلام مع منافقي الأعراب.
وقوله تعالى في آية (٨١): ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ... ﴾ واضح جدًّا فيما قلناه مِن أنَّ الكلام مع المنافقين، وكذا قوله تعالى في آية (٨٣): ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ (١).
* * * *
قوله في آخر سورة النساء: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)
стр. 20
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾.
كان يظهر لي أن قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ تأكيد لما تقدم على جهة الإجمال، جيء به لطول الفصل. ولكن ظهر لي الآن ما يمنع من ذلك، وهو:
١ - أن الأفعال المفصَّلة قبلُ، كلَّها أو جلَّها وقع منهم بعد التحريم. فكيف يُجعل جزاءً لها؟
٢ - أن الأعمال المذكورة فظيعةٌ، لا تناسب أن يُقْتَصر في بيان جزائها على التحريم.
فإذًا يترجَّح ما قالوا: إن متعلّق ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ محذوف. لكنه يشكل قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ حيث عَبّر بالفاء، وكان الظاهر بناءً على ما ذُكر التعبيرَ بالواو (١).
стр. 21
سورة المائدة
مصحف (١٠٦). مائدة [٣ - ٥].
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ .... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ .... (٣) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ .... (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
يظهر أن المراد: ماذا أُحل لهم من اللحوم؟ والمراد بالطيبات المُذَكَّاة. والله أعلم (١).
* * * *
[ما يستفاد من آية الوضوء]
قال الله ﵎: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ [٦].
فكأنَّ من معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة فتوضأوا، وإن كنتم مُحْدِثين ولم تجدوا ماءً فتيمَّموا. فالشرط الآخر له منطوق ــ وهو ظاهرـ، وله مفهوم، وهو: إن لم تكونوا مُحْدِثين ووجدتم الماء فلا تيمَّموا، وإن كنتم مُحْدِثين ووجدتم الماء فلا تيمَّموا، وإن كنتم ... (٢).
стр. 22
وجود الحَدَث ... وعدم الماء ... التيمُّم
وجود الحَدَث ... ووجود الماء ... الوضوء
عدم الحَدَث ... وعدم الماء ... يصلِّي بالوضوء الأول
عدم الحَدَث ... ووجود الماء ... (١).
* * * *
قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [١٨].
في الآية دليل على أن الأب ينبغي له العفو عن أولاده، وكذا المحبّ مع حبيبه (٢).
* * * *
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [٣٢].
ظاهر الآية، بل صريحها: أنّ الفساد في الأرض بدون قتل النفس مسوِّغ للقتل (٣).
* * * *
стр. 23
[بحث حول «مِن» في قوله تعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾]
الحمد لله.
* قوله : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾.
(مِنْ) في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يجوز أن تكون تبعيضية، إذا جُعِل النفي في قوله: ﴿لَمْ يَنْتَهُوا﴾ من باب سلب العموم، أي: لم يَعُمَّهم الانتهاء، فيصدق بما إذا انتهى بعضهم.
وعليه، فلو قيل: ليمسنَّهم، لاقتضى أن العذاب يمسُّهم جميعًا إن لم ينتهوا جميعًا. أي: أن العذاب يعمُّهم إن لم يعمَّهم الانتهاء، وإن انتهى بعضهم.
وهذا غير مراد، وإنما المراد أن العذاب يمسّ من لم ينته دون من انتهى. فوجب في أداء المعنى المراد أن يؤتى بما في النظم الكريم.
أمَا إذا جُعِل النفي من باب عموم السلب، فلا يصح التبعيض، إذ يكون المعنى حينئذٍ: لئن لم ينته أحد منهم. وإذا لم ينته أحد منهم فكلهم كفار، فلا معنى لأن يُجعل الذين كفروا بعضًا منهم. فيجب على هذا جعل (مِنْ) بيانيَّة.
стр. 24
* قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ ... ﴾ [الفتح: ٢٩].
قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ المرادُ المعيَّة الكاملة، أي بالأبدان والإيمان وتوابعه، لا بالأبدان فقط، وإلاّ لدخل المشركون، ولا بالتظاهر بالإسلام، وإلا لدخل المنافقون، والسياق يأباه؛ لأنّ المنافقين لم يكونوا أشدَّاء على الكفار رحماء بالمؤمنين، بل وصفهم الله في مواضع من كتابه بعكس ذلك، ولم يكونوا ممن يُرَوْن ركَّعًا سُجَّدًا، بل وصفهم الله تعالى بأنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى يراؤون الناس، وأنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً. وأوضح من هذا: أنهم لم يكونوا يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، كما هو واضح.
وحينئذٍ، فتلخيصُ المعنى: محمد رسول الله، والذين آمنوا معه مؤمنون يعملون الصالحات.
فقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ ... ﴾ لا يصحّ أن تكون (مِنْ) فيه تبعيضية.
فإن قيل: لم لا يُجعل معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ آمنوا ﴿مَعَهُ﴾: مؤمنون يعملون الصالحات، أي في الجملة، أي يقع هذا منهم، بدون تعرُّضٍ لدوام
стр. 25
ذلك أو عدمه، فيدخل حينئذٍ مَن آمن وعمل الصالحات ثم ارتدّ على عقبه، ثم يُجعَل معنى قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ أي ثبتوا على ذلك، فحينئذٍ يصحّ التبعيض؟
قلت: لا يخفى ما في هذا من التعجرف:
١ ــ لأنّ الله وصف الذين معه بأنهم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ... ﴾، وأطلق الوصف، وعبَّر بالاسم الدالّ على الثبات والدوام في (أشداء) و (رحماء)، وجاء بقوله: (تراهم) مخاطبًا لكل من يمكن منه الرؤية، فيشمل كل زمان.
٢ ــ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فجاء بلفظ الماضي الذي يدل على وقوع ذلك فقط، فهو مناقض لغرض المعترض من الحمل على الثبات، وفيه حكمة بالغة سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله تعالى.
بل لو جُعِل الخطاب فيه لخاصّة المؤمنين لم يلزم جواز ذلك، كما لا يلزم من قوله لرسوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وأمثالها من الآيات= جوازُ ذلك عليه ﵌. بل إن خطابه لرسوله بذلك وأمثاله هو من جملة العصمة. وهذه نكتة لطيفة ليس هذا محل إيضاحها.
وأمّا ما جاء في الحديث أن ناسًا يُحال بينهم وبين حوضه ﵌، فيقول: «أصيحابي أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (١) = فنقول:
стр. 26
إن المراد بهؤلاء أيضًا جماعة ممن كانوا أسلموا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، وقد وعدهم الله في كتابه بأنه سيدخل الإيمان في قلوبهم، كما تقتضيه كلمة ﴿لمّا﴾، فيتمسك ﵌ بظاهر ذلك، فيقول: «أصيحابي»، فيُخبَر بأنهم أحدثوا بعده أشياء مَنعت دخول الإيمان في قلوبهم. بل، وقد يقال: إن من مات بعد أن أسلم وقبل أن يدخل الإيمان في قلبه = ممّن تناله الرحمة ما لم يُحدِث.
ومع هذا كله، فليس في الحديث أن أولئك المردودين يخلَّدون في النار.
وممّا يرد الاستدلال بالحديث قوله: «أصيحابي» ــ بالتصغير ــ، ممّا يدل أنهم ليسوا من أصحابه المرادين بالآية الكريمة.
فإن قيل: فما النكتة في العدول عن أن يقال: (وعدهم الله)، إلى ما في النظم الكريم؟
قلت: قد علم الله أنه سيكون في هذه الأمة من يطعن في أصحاب رسوله ﵌، فربّما يقول قائل: إن قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ ... ﴾ إلخ يدلُّ على الثبات والدوام ــ كما تقدم ــ، ويزعم أن منهم من لم يثبت، فيستدل بذلك على أنه لم يدخل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾؛ لأن الله وصف الداخلين في ذلك بالثبات، وهذا لم يثبت.
= فدحض الله هذه الشبهة وأرغم أنف صاحبها بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فلم يشترط في الوعد دوامًا ولا ثباتًا، بل
стр. 27
وهبه (١) لكل من وقع منه إيمان وعملٌ للصالحات.
وعُلِمَ بذلك ــ مع ما تقدم ــ أنّ كل من وقع منه إيمان وعمل صالح فهو ممّن علم الله أنه ثابت على ذلك، حتى لو فُرض [أنه] وقع منه شيءٌ من المخالفات، فهو صادر عن تأويل أو سهوٍ أو خطأ، وتَعقُبُه التوبة النصوح. وبالإجمال، قد غفره الله ، فلا يخلّ بالثبات المفهوم ممّا تقدم.
على أنه يمكن أن تكون (مِنْ) تبعيضيّة، ولا يَرِدُ شيء مما تقدم. وذلك بأن يقال: كونها تبعيضية لا يستلزم التبعيض، بل جيء بها لتحقيق انتفاء التبعيض، من باب نفي الشيء بإثباته، وهو باب معروف في العربية، منه ما يسمُّونه: تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقوله:
ولا عيب فيهم ... البيت (٢).
فإن ظاهره إثبات العيب، ولكنّ هذا الإثبات جُعِلَ وسيلة إلى تحقيق النفي.
ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، على جَعْل الكاف أصليَّة. ظاهره إثبات المِثل، والمقصود تحقيق نفيه، كما هو موضَّح في محلِّه.
стр. 28
ومنه التعليق بالمُحال، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. فظاهره إثبات دخولهم، والمقصود تأكيد نفيه وكقوله: ... (١).
فيقال هنا: إنّ (مِنْ) إذا جُعِلت للتبعيض كان ظاهرها أن منهم من لم يؤمن ولم يعمل الصالحات، ولكنّ الثابت بالسياق انتفاء ذلك، فعُلم أن المراد بهذا الإثبات تحقيق النفي، وتبكيت مَن يزعم أنّ مِن أولئك مَن لا يدخل الجنة.
ومثاله: أن يثبت عند السلطان اشتراك جماعة في الجهاد، فيريد الإنعام عليهم، فيقوم بعض بطانة السوء يطعن في بعضهم ليحرمهم الملك، فيقول الملك: سأُنْعِم على من جاهد منهم ــ وقد علم أن جميعهم جاهدوا ــ. وإنما ملخَّص المعنى: أنه لن يحرم منهم أحدًا، اللهم إلا إن كان فيهم من لم يجاهد، وقد عُلِم أنه ليس فيهم من لم يجاهد، فعُلِم أنه لن يحرم منهم أحدًا البتة.
ومثل هذا يمكن أن يقال في الآية الأولى (٢). والله أعلم (٣).
стр. 29
سورة الأنعام
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [٢٨] .
قد يُستبعَد فيمن شاهد أمور الآخرة وقاسى العذاب، أن يكون بحيث لو رُدَّ إلى الدنيا لعاد لِمَا تحقّق عندَه أنه مُوجِب لذلك العذاب الذي شاهده وذاقه.
وخطر لي جوابان:
الأول: أنه لو أُعيد إلى الدنيا لكان كالمولود ابتداء، لا يذكر شيئًا مما عرفه وشاهده بعد الموت، ولكن الخبث الذي كان بنفسه في الحياة الأولى يبقى راسخًا فيها، فيسوقه ذلك لزامًا إلى مثل ما جرى له في الحياة الأولى.
الجواب الثاني: أنه لا ينسى، ولكن ما استقرّ في نفسه من الخبث يجرّه إلى العود إلى الخبائث، ويغالط نفسه ويعلّلها تارة بأنه سيتوب، وتارة بأنه إن مات ثانية على الخبث سأل الإعادة مرّة أخرى، ونحو ذلك من المعاذير.
وشاهد هذا ما تراه في المجرمين الذين استحكم الإجرام في أنفسهم، يُؤْخَذ أحدهم فيُسْجَن ويعذَّب حتى يجزم هو قبل غيره بأنه إذا خُلِّص من ذلك العذاب فلن يعود إلى الإجرام البتة. ثم تجده إذا خُلِّص لا يلبث أن يعود (١).
* * * *
стр. 30
الحمد لله.
قال الله ﵎: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ... ﴾ [٦٨].
وقال في آية أخرى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠].
ففي المقارنة بين هاتين الآيتين دلالة على أن كل ما خوطب به النبي ﵌ فقد خوطب به أمّته. أي إلّا أن يقوم دليل في بعض المخاطبات يدل على الخصوص. والله أعلم.
وفيها ــ أيضًا ــ دلالة على أن حكاية القرآن للأقوال قد تكون بالمعنى، وإن كان المحكيّ بالعربية (١).
* * * *
[المراد بالظلم في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾]
قال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ الآيات إلى أن قال: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ
стр. 31
بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ .. ﴾ [٧٤ - ٨٣].
فبيّنٌ من السياق أن (١) المراد بالظلم ههنا الشرك؛ لأن الكلام مراجعة من إبراهيم ــ ﵊ ــ لقومه المشركين، فقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ [عَلَيْكُمْ] (٢) سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
والفريقان: أحدهما: نفسه والذي آمن بالله تعالى ولم يشرك به شيئًا، والفريق الآخر: قومه الذين كانوا مشركين.
فقوله ــ ﵊ ــ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ يعني نفسَه ومن كان على طريقته.
فإن قال قائل: فإن قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يفيد أنهم لم يكونوا مشركين.
قلتُ: كلا، وإنما يفيد هنا أنهم اعترفوا بألوهية الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. قال البخاري في كتاب التوحيد (٣): باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ
стр. 32
أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]. وقال عكرمة: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ و ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥، الزمر: ٣٨] فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره (١).
* * * *
وقوله : ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [٧٥].
قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ يُضعف التأويل بأن قوله: «هذا ربّي» من باب الاستفهام الإنكاري أو نحوه. ثم قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أراد ــ والله أعلم ــ بالرب هنا المعبود كأنه قال: أمَّا الأحجار هذه فلا تصلح للعبادة، فينبغي أن يُنظر (٢) فيما هو أرقى منها، فلما رأى الكوكب قال: هذا. فلما أَفَلَ قال: وهذا أيضًا لا يصلح للعبادة لأنه إن عُبِد حين طلوعه فكيف بعد أفوله، ثم هكذا القمر والشمس.
ولكن قوله بعد آيات (٣): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١] يحتمل أن يؤيّد التأويل. والله أعلم (٤).
стр. 33
سورة الأعراف
قوله تعالى في أواخر سورة الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا .. ﴾ الآية [١٨٩].
قد يحتمل أن يقال: أراد بالنفس الجنسَ، أي الرجل. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾ أي من جنسها. وبقيَّة الضمائر للرجل والمرأة المُطْلَقَين. والله أعلم (١).
سورة الأنفال
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾.
أما الأولى فظاهر؛ لأن الله ﵎ إذا أراد عذاب أمَّةٍ أخرج عنها نبيَّها ومن معه ثم عذَّبها.
وأما الثانية؛ فقد قيل وقيل. والأقرب ــ والله أعلم ــ أنها على سبيل الفرض، أي: وما كان الله معذِّبَهم لو كانوا يستغفرون. تأمل السياق (٢).
стр. 34
سورة التوبة
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ ... ﴾ [٦٨] يدلُّ على أن الوعد يستعمل في الشرِّ كما يستعمل في الخير، إلا أن يجاب بأنه في الآية من باب التَهَكُّم، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] (١).
سورة هود
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [١١٨ - ١١٩].
الاستثناء متصل أم منقطع؟
والظاهر أنه منقطع، أي: لكن مَن رحم ربك هداهم لِمَا اختلف فيه من الحق بإذنه، بدليل الآية الأخرى. ويمكن أن تجعل «إلَّا» عاطفةً بمعنى الواو. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ يمكن أن يقال: ولأجل أن يكونوا على حالٍ قابلٍ للاختلاف خلقهم. ويؤوّل بما أُوّل به حديث: «لو لم تُذنبوا ... » (٢) إلخ (٣).
стр. 35
سورة الرعد
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ [٣٣].
الباء في قوله: «بما» تحتمل وجهين:
الأول: أن تكون للمصاحَبة. والمُنَبَّأُ به محذوف، على مثال قوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣].
والمعنى: أتنبئون الله بهذا النبأ (أي: أنَّ له شركاء) مع علمٍ عندكم لم يعلمه الله تعالى موجودًا في الأرض عندكم ولا عند غيركم؟ أم مع قولٍ ظاهر، وهو ما سمعتموه من آبائكم؟
والثاني: أن تكون الباء لتَعْدية «نَبَّأ». وعليه، فَـ «ما» في قوله: «بما» ليست كناية عن الشركاء؛ لأنه إنما يقال: نَبَّأتُه بكذا وكذا من الأخبار؛ لأن (نبَّأ) بمعنى (أخبر)، فالمنبَّأ به إنما يكون نبأً، أي خبرًا، كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]، [﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥]] (١)، ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ [التحريم: ٣].
ولا تُعدَّى الباء إلى الذوات، إلا على ضربٍ من المجاز إذا دلَّت عليه القرينة. كما إذا استأذن رجل على أمير فذهب الحاجب فأخبر الأمير ثم
стр. 36
يرجع إلى المستأذِن، فيقول له: قد أنبأتُ الأمير بك، يريد بوقوفك على الباب مستأذنًا.
وعلى كلا القولين، فالشيء الذي دلَّت الآية أن الله تعالى لا يعلمه في الأرض ليس هو ذوات الشركاء، بل هو ــ على الأول ــ: العلمُ بكونه تعالى له شركاء. أي أنّ هذا العلم معدوم في الأرض.
وعلى الثاني: كونه تعالى له شركاء، أي أن هذا الحكم المدَّعى ــ وهو أنه تعالى له شركاء ــ معدومٌ في الأرض.
فعلى كلا القولين، لا دلالة في الآية أن الشركاء المذكورين (١) فيها هم في الأرض. فتدبَّر.
أمَّا المختار، فهو القول الأول في هذه الآية؛ لمكان المعادلة بقوله: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾، فلا يستقيم أن يقال: أتُنبئون الله بوجود شركاء أم بظاهر من القول.
وأما استقامة: أتنبئون الله بعلمٍ أم بظاهر من القول = فواضح.
فالآية من قبيل قوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤].
стр. 37
وإنما عدل ــ والله أعلم ــ إلى الموصول فقال: ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾، ولم يقل: «بعلمٍ»، ليكون السؤال نفسُه مُغنِيًا في إبطال أحد الشِّقَّين عن الإتيان بجملةٍ أخرى لإبطاله. كأنه قال: أتنبئون الله بعلم؟ فالعلمُ لا يعلمه الله تعالى موجودًا في الأرض ....
وأمّا آية يونس (١)، فالوجه الثاني هو الظاهر فيها؛ إذ لا معادلة فيها. فالمعنى: أتنبئون الله بأن لكم شفعاء عنده؟ وهو لا يعلم هذا الحكم موجودًا في السماوات ولا في الأرض. ويحتمل أن يكون هناك حذف، والمعنى: أتنبئون الله بوجود ما لا يعلمه في السماوات ولا في الأرض.
أي: لا يعلم لكم شفعاء كائنين في السماوات ولا في الأرض. وهذا أقرب إلى الظاهر هنا. والله أعلم (٢).
стр. 38
سورة إبراهيم
قول الله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [٣١]. وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ﴾ [النور: ٣١].
جزم الفعل بشرطٍ مقدّر، والتقدير: إنْ تَقُل لهم ذلك يقيموا الصلاة. وكذا في الآخرَين. واستشكل بأنّه يقتضي الإخبار بترتّب إقامة الصلاة على مجرد القول، وهو خلاف المشاهَد. وكذا في الآخرَين.
وأجاب الخُضري في «حواشي ابن عقيل» (١) بأنّ القول ليس شرطًا تامًّا للامتثال، بل لا بدّ معه من التوفيق. فلم يصنع شيئًا! والإشكال بحاله؛ لأنّه إذا لم يكن القول شرطًا تامًّا، فلِمَ جُعل وحده شرطًا؟
وعندي أجوبة:
أحدها: أنّ المراد بالذين آمنوا والمؤمنين= مَن كَمُل إيمانه، أي: أنّ من كَمُل إيمانه لا يقع منه معصية للرسول، بل بمجرّد ما يقول له الرسول: افعل كذا، يبادر بفعله.
فهذا وإن كان أولى من قول الخضري، إلاّ أنّ فيه نظرًا لعموم الآيات جميعَ (٢) المؤمنين، ولأنّ كمال الإيمان لا يلزم أن يبلغ إلى درجة العصمة
стр. 39
في غير الأنبياء، ولاسيما عن الصغائر التي منها عدم غضِّ البصر.
ثانيها: أنّ الجزاء في الآيات وإن كان ظاهره العموم، فيحتمل أنّ المراد الغالب. وفيه نظر ــ أيضًا ــ لأنّ فيه إخراجَ الكلام عن ظاهره، ولأنّه إن صحّ في الآية الأولى، لا أظنه يصح في الآيتين الأخريين.
بل لو قيل: إنّ غالب المؤمنين يتساهلون في عدم غض النظر = لمَا كان بعيدًا.
وجواب ثالث: وهو أنّ الكلام خرج مخرج تحريض المؤمنين وتحضيضهم على طاعة الرسول ﵌.
كما إذا كان عندك رجل له ولدٌ مقصِّر في طاعته، فاحتاج الأب إلى شيء، فتقول له ــ بمسمعٍ من ولده ــ: «مُر ولدك يُطعْك»، تريد بذلك تحريض الولد على طاعة أبيه.
كأنّك تقول له: إنّ طاعتك لأبيك بمثابة الأمر المقطوع بوقوعه، حتى لا يتوهم خلافه. هذا مع أنّك تعتقد في نفسك أنّ الولد قد يطيع، وقد لا يطيع.
وهذا الجواب ــ فيما يظهر لي ــ بغاية الحُسن، ولله الحمد (١).
стр. 40
سورة الحجر
[إشكال حول إعراب آية والجواب عنه]
﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾.
جَزْم (يأكلوا) وما بعده على جواب (ذرهم) يقتضي أنه متسبِّب عنه، أي: إنْ تذرهم يأكلوا ... ومفهوم الشرط: إنْ لا تذرهم لا يأكلوا ولا يتمتّعوا ولا يُلههم الأمل.
وظاهر هذا مشكل؛ إذ كيف يؤمر أن يذرهم مع تيقُّن أنه لو لم يذرهم لم يأكلوا ولم يتمتّعوا ولم يُلههم الأمل، ومعنى هذه الأفعال استمرارهم على الضلال؟ فحاصل المفهوم: إنْ لا تذرْهم لا يستمرّوا على الضلال.
والجواب: أن هذا الإشكال إنما يَرِدُ إذا حملنا الترك المأمور به بـ ﴿ذَرْهُمْ﴾ على الترك من الدعاء، وليس كذلك، وإنما المراد الترك من الإهلاك.
فالمعنى: لا تستعجل هلاكهم، فإنك إنْ لا تستعجل هلاكهم يستمرُّوا على لهوهم وغفلتهم. أي: وإن تستعجل هلاكهم فيهلكوا لا يكن ذلك؛ إذ بعد الهلاك لا أكل ولا تمتّع ولا إلهاء أمل.
فإن قلت: فالآية مكية، وهي قبل شرع القتال وإمكانه، فكيف يؤمر بترك شيء هو غير متمكن منه؟
قلتُ: ليس المراد استعجال هلاكهم بأن يقاتلهم، وإنما المراد استعجال