← Тафсир

Тафсир · id 525

الفوائد التفسيرية - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (78 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يرجع إلى المستأذِن، فيقول له: قد أنبأتُ الأمير بك، يريد بوقوفك على الباب مستأذنًا. وعلى كلا القولين، فالشيء الذي دلَّت الآية أن الله تعالى لا يعلمه في الأرض ليس هو ذوات الشركاء، بل هو ــ على الأول ــ: العلمُ بكونه تعالى له شركاء. أي أنّ هذا العلم معدوم في الأرض. وعلى الثاني: كونه تعالى له شركاء، أي أن هذا الحكم المدَّعى ــ وهو أنه تعالى له شركاء ــ معدومٌ في الأرض. فعلى كلا القولين، لا دلالة في الآية أن الشركاء المذكورين (١) فيها هم في الأرض. فتدبَّر. أمَّا المختار، فهو القول الأول في هذه الآية؛ لمكان المعادلة بقوله: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾، فلا يستقيم أن يقال: أتُنبئون الله بوجود شركاء أم بظاهر من القول. وأما استقامة: أتنبئون الله بعلمٍ أم بظاهر من القول = فواضح. فالآية من قبيل قوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقوله تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤].

стр. 37

وإنما عدل ــ والله أعلم ــ إلى الموصول فقال: ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾، ولم يقل: «بعلمٍ»، ليكون السؤال نفسُه مُغنِيًا في إبطال أحد الشِّقَّين عن الإتيان بجملةٍ أخرى لإبطاله. كأنه قال: أتنبئون الله بعلم؟ فالعلمُ لا يعلمه الله تعالى موجودًا في الأرض .... وأمّا آية يونس (١)، فالوجه الثاني هو الظاهر فيها؛ إذ لا معادلة فيها. فالمعنى: أتنبئون الله بأن لكم شفعاء عنده؟ وهو لا يعلم هذا الحكم موجودًا في السماوات ولا في الأرض. ويحتمل أن يكون هناك حذف، والمعنى: أتنبئون الله بوجود ما لا يعلمه في السماوات ولا في الأرض. أي: لا يعلم لكم شفعاء كائنين في السماوات ولا في الأرض. وهذا أقرب إلى الظاهر هنا. والله أعلم (٢).

стр. 38

سورة إبراهيم قول الله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [٣١]. وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ﴾ [النور: ٣١]. جزم الفعل بشرطٍ مقدّر، والتقدير: إنْ تَقُل لهم ذلك يقيموا الصلاة. وكذا في الآخرَين. واستشكل بأنّه يقتضي الإخبار بترتّب إقامة الصلاة على مجرد القول، وهو خلاف المشاهَد. وكذا في الآخرَين. وأجاب الخُضري في «حواشي ابن عقيل» (١) بأنّ القول ليس شرطًا تامًّا للامتثال، بل لا بدّ معه من التوفيق. فلم يصنع شيئًا! والإشكال بحاله؛ لأنّه إذا لم يكن القول شرطًا تامًّا، فلِمَ جُعل وحده شرطًا؟ وعندي أجوبة: أحدها: أنّ المراد بالذين آمنوا والمؤمنين= مَن كَمُل إيمانه، أي: أنّ من كَمُل إيمانه لا يقع منه معصية للرسول، بل بمجرّد ما يقول له الرسول: افعل كذا، يبادر بفعله. فهذا وإن كان أولى من قول الخضري، إلاّ أنّ فيه نظرًا لعموم الآيات جميعَ (٢) المؤمنين، ولأنّ كمال الإيمان لا يلزم أن يبلغ إلى درجة العصمة

стр. 39

في غير الأنبياء، ولاسيما عن الصغائر التي منها عدم غضِّ البصر. ثانيها: أنّ الجزاء في الآيات وإن كان ظاهره العموم، فيحتمل أنّ المراد الغالب. وفيه نظر ــ أيضًا ــ لأنّ فيه إخراجَ الكلام عن ظاهره، ولأنّه إن صحّ في الآية الأولى، لا أظنه يصح في الآيتين الأخريين. بل لو قيل: إنّ غالب المؤمنين يتساهلون في عدم غض النظر = لمَا كان بعيدًا. وجواب ثالث: وهو أنّ الكلام خرج مخرج تحريض المؤمنين وتحضيضهم على طاعة الرسول ﵌. كما إذا كان عندك رجل له ولدٌ مقصِّر في طاعته، فاحتاج الأب إلى شيء، فتقول له ــ بمسمعٍ من ولده ــ: «مُر ولدك يُطعْك»، تريد بذلك تحريض الولد على طاعة أبيه. كأنّك تقول له: إنّ طاعتك لأبيك بمثابة الأمر المقطوع بوقوعه، حتى لا يتوهم خلافه. هذا مع أنّك تعتقد في نفسك أنّ الولد قد يطيع، وقد لا يطيع. وهذا الجواب ــ فيما يظهر لي ــ بغاية الحُسن، ولله الحمد (١).

стр. 40

سورة الحجر [إشكال حول إعراب آية والجواب عنه] ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾. جَزْم (يأكلوا) وما بعده على جواب (ذرهم) يقتضي أنه متسبِّب عنه، أي: إنْ تذرهم يأكلوا ... ومفهوم الشرط: إنْ لا تذرهم لا يأكلوا ولا يتمتّعوا ولا يُلههم الأمل. وظاهر هذا مشكل؛ إذ كيف يؤمر أن يذرهم مع تيقُّن أنه لو لم يذرهم لم يأكلوا ولم يتمتّعوا ولم يُلههم الأمل، ومعنى هذه الأفعال استمرارهم على الضلال؟ فحاصل المفهوم: إنْ لا تذرْهم لا يستمرّوا على الضلال. والجواب: أن هذا الإشكال إنما يَرِدُ إذا حملنا الترك المأمور به بـ ﴿ذَرْهُمْ﴾ على الترك من الدعاء، وليس كذلك، وإنما المراد الترك من الإهلاك. فالمعنى: لا تستعجل هلاكهم، فإنك إنْ لا تستعجل هلاكهم يستمرُّوا على لهوهم وغفلتهم. أي: وإن تستعجل هلاكهم فيهلكوا لا يكن ذلك؛ إذ بعد الهلاك لا أكل ولا تمتّع ولا إلهاء أمل. فإن قلت: فالآية مكية، وهي قبل شرع القتال وإمكانه، فكيف يؤمر بترك شيء هو غير متمكن منه؟ قلتُ: ليس المراد استعجال هلاكهم بأن يقاتلهم، وإنما المراد استعجال

стр. 41

هلاكهم بالدعاء عليهم واستحباب أن ينزل عليهم العذاب. ويبيّن هذا المعنى قولُه تعالى بعدُ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾. فالحاصل أن معنى ﴿ذَرْهُمْ﴾: لا تستعجل لهم العذاب. والمراد بالعذاب: المستأصلُ كالصيحة ونحوها مما عُذِّبت به الأمم، كما يدل عليه ما تقدّم. فلا يلزم من النهي عن استعجاله النهي عن القتال. وبهذا تعلم أن الآية محكمة لم تُنسخ بآية السيف كما تُوُهِّم (١).

стр. 42

سورة النحل [تعليقات على عدة آيات] * قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [نحل: ١٢] (١). في قراءة من قرأ برفع «النجوم» و «مسخرات» سرٌّ لطيف، وهو أن النجوم ليست كلها مسخرة لنا معشر البشر؛ فإن منها ما لا نراه. والله أعلم. * قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [نحل: ٢٠ و ٢١]. المتبادر أن قوله: أموات خبر ثان للذين يدعون، أي للمدعوين، أو خبر لمحذوف تقديره: «هم» يعود على المدعوين أيضًا. ولكن المعنى في بادئ النظر يأباه. ويمكن تصحيحه بحمل قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ على الملائكة. ومعنى كونهم أمواتًا غير أحياء كونهم على الصفة المخالفة للحياة الدائمة الخاصة بالله . فتأمل. * [قوله تعالى]: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا

стр. 43

سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [نحل: ٥٨ و ٥٩]. هذه الآية صريحة في أنهم كانوا يئدون بناتهم حياء من الناس وخوفًا من العار. وهو المطابق للمنقول عن العرب [في] الجاهلية. فأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [أنعام: ١٥١]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [إسراء: ٣١] = فلا يلزم منه أن العرب كانوا يفعلون ذلك، وإنما هو نهي مطلق، ولذلك جاء بلفظ الأولاد الشامل للذكور. وهو مظنَّة لأن يفعله بعض الفقراء. وقد ثبت في الصحيح في أكبر الكبائر: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» (١). نعم، لا مانع من أن يكون بعض الفقراء من العرب فعل ذلك. * قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [نحل: ٧٣]. ﴿شَيْئًا﴾ منصوب على المصدرية، أي شيء من الملك. والله أعلم. * قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [نحل: ٧٤]. هذه الآية دامغة لشبه المعارضين للنصوص بالرأي.

стр. 44

ونحوها قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]. وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]. * قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [نحل: ٨٦]. الشركاء هاهنا عقلاء وليسوا بالأصنام. * قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ الآية ردٌّ عليهم في قولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ وقولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ حيث نسبوا الكذب إلى النبي ﵌. فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: أولئك القائلون: إنما أنت مفتر. فكأنه قال تعالى: إنما يفتري الكذب هم، أي القائلون تلك المقالة، أي: لا أنت يا محمد.

стр. 45

وفيه وضع الموصول وهو قوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ... ﴾ موضع المضمر، وهو (هم)، ونكتة ذلك: التقرير أو التوهّم أو الإيماء إلى وجه بناء الخبر؛ فإن عدم إيمانهم بآيات الله مناسب لنسبة الكذب إليهم، كما أن إيمان الرسول بها مناسب لنزاهته عن الكذب. وفي قوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي ... ﴾ قصرُ قلبٍ؛ فإنهم نسبوا الكذب إلى النبي ﵌، فقلب الله ذلك عليهم بأنْ نفاه عن رسوله ﵌ وأثبته لهم. وهو قصر إضافي، أي أن قصر الكذب عليهم إنما هو بالنسبة إلى الرسول ﵌؛ فليس في الكلام تعرُّض لغير الفريقين ــ أعني الرسول ﵌ والذين نسبوا إليه الكذب ــ لا بنفي ولا إثبات. وبهذا تعلم أنه لا دلالة في الآية على أن الكذب لا يصدر إلا عن كافر. والله أعلم. وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] دافع لشبهة من يزعم أن قوله تعالى: ﴿قل يا عباد﴾ يدل على أن الناس عباد للنبي ﵌ (١). * قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ظهر لي فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن المراد الكذب على الله تعالى بقرينة السياق.

стр. 46

الثاني: أن المراد بالذين لا يؤمنون بآيات الله قوم مخصوصون من المشركين، وهم الذين رموا النبيَّ ﵌ بالكذب، كما دل عليه السياق، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي ... ﴾ إلخ من باب الحصر الإضافي؛ لأنهم رموا النبي ﵌ بالكذب فأجاب الله تعالى عليهم بحصر الكذب فيهم، أي بالنسبة إلى رسوله، وهذا من باب حصر القلب، فهُم رموا النبي ﵌ بالكذب ويزعمون أنهم صادقون، فردَّ الله تعالى عليهم بما يقتضي أن نبيه ﵌ صادق وأنهم هم الكاذبون، وجعل المُظْهَر في مقام المُضْمَر في قوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ للتصريح بذمهم، والإشارةِ إلى العلة التي تقتضي افتراءَهم للكذب، فيكون في الكلام إيراد دليل على قلب قولهم. الثالث: أننا نسلِّم بقاء الآية على ظاهر العموم والإطلاق، ولكن هذا لا يقتضي أن كلَّ من افترى الكذب كافر، وإنما يقتضي أن افتراء الكذب هو من الأخلاق التي عُرِفَ بها الكفار، وهذا كما لو قيل لرجل: سمعنا أنك كنت تتخذ خِمارًا، فيجيب بقوله: إنما يتخذ الخمار النساء، أي أن الخِمار من الألبسة التي عرفت بها النساء، فكيف ألبسه وأنا رجل؟ ! ومُحال أن يقال: إن مَن لبس الخِمار صار امرأة. نعم، هذا القول يدل أن من لبس الخمار صار متشبهًا بالنساء. وكذا يقال في الآية: إن من كذب وهو من المسلمين متشبِّهٌ بالكفار. والبحث مفتقر إلى تحقيق، وإنما علقتُ هذا هنا تقييدًا حتى أنظر التفاسير إن شاء الله وأشرح ما يظهر لي. والله الموفق (١).

стр. 47

* في مصحف الحكومة المصريّة قُبَيل سورة النحل أنها مكيّة إلا الآيات الثلاث الآخرة. وقد يَرِدُ عليه الآية (١١٠) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). * * * * [توجيه عدم ذكر ميراث الجد في القرآن] الحمد لله. قال الله : ﴿وَنَزَّلْنَا (٢) عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [٨٩] أي من الأحكام، فأين حكم ميراث الجد فيه؟ الجواب: أن حكم الجد في القرآن يحتمل وجوها: ١ ــ أن يكون قوله : ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ أراد بالأب فيه كلَّ رجل يتصل به سلسلة النسب فيتناول الجدّ. ٢ ــ أن يكون الجد داخلا في قوله ... (٣).

стр. 48

سورة الحج [بحث حول اليوم الذي مقداره ألف سنة] قال الله في سورة الحج: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾. وفي آلم السجدة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾. وفي المعارج: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ﴾ أي العذاب ﴿بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) ... ﴾ يظهر لي أنه ليس المقصود من هذا اليوم يوم القيامة، وإنما المقصود تصويرُ حِلْم ربنا وعدم استعجاله، وأنه ليس كالخلق في الاستعجال واستطالة الزمان، كما يقول الناس في الرجل البعيد الآمال، البطيء الأعمال، القليل الاستعجال: «يومه سنة». وعلى هذا، فلا منافاة بين قوله: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وقوله: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾؛ لأن المقصود تصوير عدم الاستعجال، لا حقيقة المقدار. ولَمّا كان الاستعجال في سورة المعارج من النبي ﵌ كما يدل عليه

стр. 49

قوله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ ومن الكفار أيضًا، بدليل قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ = ناسب تأكيد تصوير الحِلْم، فقيل: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. وفي الموضعين الآخرين، لم يكن الأمر كذلك، فاكتُفي بألف سنة. وعلى كل حال، فخصوص المقدار غير مراد. وقد يلوح للناظر أن المراد بيان مقدار ما تقطعه الملائكة في عروجهم في اليوم من أيامنا. ولكن عند التأمل يتبين ضعف هذا الوجه. والله أعلم. وقد ثبت في «الصحيح» (١) وصف يوم القيامة بأنه ألف سنة، وذلك لا ينافي ما قلناه. والله أعلم (٢). سورة المؤمنون المؤمنون: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾. و ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أي: مِن أَهلِك. والله أعلم (٣).

стр. 50

سورة النور الحمد لله. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾. إن قلنا بما عليه الشافعية وغيرهم أن الاستثناء الواقع بعد جُملٍ يعود إلى الجميع ما لم يمنع منه مانع، لزم هنا أن يعود إلى الجَلْد، ولا أعلم منه مانعًا. وإن قلنا برأي الحنفية وغيرهم أنه يعود إلى الأخيرة، فقد يقال: إن الأخيرة هنا هي قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. فأما قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فإنما هي كالتذييل والتكميل والتعليل للتي قبلها؛ كأنه بيَّن علَّة عدم قبول شهادتهم، وهي (١) كونهم فاسقين. أو يقال: هي استثناء من قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لكن الاستثناء منها دلَّ على الاستثناء من التي قبلها؛ لأن الاستثناء من الاتِّصاف بالعلة يدلُّ على الاستثناء من الحكم المبنيِّ عليها (٢). * * * *

стр. 51

قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [٢٧] . يظهر لي أنّ بين الاستئناس والسلام مغايرةً ما، وقد يتّحدان. فالاستئناس ــ وهو الاستئذان ــ مطلوب، مع قطع النظر عن كونه بالسلام أو بغيره. والسلام مطلوب، مع قطع النظر عن كونه استئذانًا أو غيره. وعلى هذا، فمن استأذن بالسلام، فقد جاء بالأمرين معًا، ومن استأذن بغير السلام لزمه السلام. وحينئذ لا وجه لقول من زعم أنّ السلام قبل الاستئذان؛ لأنّه إذا سلّم فقد استأذن. وكأنّه بناه على أنّ الاستئذان إنّما يكون بنحو: «أيدخل فلان؟». وليس بلازم، بل الاستئذان هو طلب الإذن بأي صورة كان، ولا يخفى أنّ هذا يحصل بالسلام مع معونة القرائن. فإن قلت: فَلِم لم يَقتصر في الآية على بيان الاستئذان، ويُوكل ذِكْرَ السلام إلى الأدلة العامة؟ قلتُ: هذا السؤال غير وارد؛ لأن تكرار الأوامر عند وجود مناسبة لا غرابة فيه. ومع ذلك، فكأنَّه إشارة إلى استحباب أن يكون الاستئذان بلفظ السلام؛ لأنّ المخاطب يقول: إذا شُرع لي الاستئذان، وشُرع لي السلام، فالأولى أن أؤديهما معًا. والله أعلم. ومعنى الاستئناس: طلب الإيناس، كالاستفهام: طلب الإفهام،

стр. 52

والاستخبار: طلب الإخبار، والاستعلام: طلب الإعلام. وفي حديث عمر في قصة إيلاء النبي ﵌ (بخاري (١)، في باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها - كتاب النكاح -): «ثم قلت وأنا قائم أستأنس: يا رسول الله! لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء» إلخ. والإيناس المطلوب: إمّا أن يكون من قولك: «آنسني»، أي جعلني آنس، ضد الوحشة. وإمّا من «آنسني»، أي آنَسَ صوتي، أي سمعه (٢). سورة القصص [بعض الأحكام من قصة موسى مع شعيب ﵉] الاستدلال على جواز أخذ الأب شيئًا في مقابل إنكاح ابنته بقوله تعالى حكايةً عن نبيِّه شعيب في خطابه لنبي الله موسى ﵇: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾. ولا دليل في قوله: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ (٣) عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ وقول موسى ﵇: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ على جواز العقد في الإجارة على إحدى مدتين؛ لأن العقد إنما هو مشروط على الثمان الحجج، ثم قال: ﴿فَإِنْ

стр. 53

أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أي زيادةَ فضلٍ غيرَ داخلٍ في شرط الإجارة، فقال موسى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ أي قبلتُ الإجارة كما ذكرتَ على الثماني حجج بشروطه، ثم إن تيسر لي زيادة حجتين فهو خير، وإلا فلا عدوان علي، فلم يَعِدْه بزيادة الحجتين. والله أعلم (١). سورة العنكبوت ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [١٧]، يريدُ ــ والله أعلم ــ: إن معبوداتكم لا يوجد منها إلا تماثيلها هذه التي اتخذتموها، كقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣]، أي لا يوجد منها إلا هذه الأسماء (٢). * * * * قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾. يظهر أن قوله: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ معناه: أنه يتّقي أذى الناس كما يتقي عذاب الله، أي أنهما سواء عنده، فهو يتذبذب، فتارة يميل

стр. 54

إلى اتقاء هذا، وتارة إلى اتقاء ذاك. أي تارة يُقدِم على معصية الله خوفَ أذى الناس، وتارة يكفّ عنها خوف عذاب الله. فإذا كان هذا هو المعنى، فسياق الآية يقتضي أن من ظهر للمؤمنين أن هذه حالُه كان عندهم على الاحتمال، لا يدرون أمؤمنٌ ضعيف أم منافق؟ فإن قيل: كيف يَحتمِل أنه مؤمن، والمؤمنُ لا يشك أن عذاب الله أشد من أذى الناس، فكيف يستويان عنده؟ قلت: قد يجاب بأن الاستواء إنما هو بمقتضى ظاهر الحال من اتقائه هذا تارة وذاك أخرى، فأما في نفس الأمر فيحتمل أن يكون موقنًا بأن عذاب الله أشد من أذى الناس، ولكنه ضَعُفَ عن تحمُّل الأذى، ورجا عفوَ الله. وقد قال الله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وعلى هذا، فالآية تدل على أن تلك الحال مذمومة لا تنبغي للإنسان، وإن لم تكن قاطعة الدلالة على عدم إيمانه. ويستثنى من ذلك الإقدامُ على ما لا يترتب على فعله مفسدة من المعاصي عند تحقُّق الإكراه. وذلك كإظهار كلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان. وقد يقال: إنما المعنى أنه يتّقي أذى الناس كما يتقي المؤمن عذاب الله. وأقول: هذا مع مخالفته للظاهر، يردُّه سياقُ الآية ولا حاجة إليه مع ما مرّ (١).

стр. 55

سورة الأحزاب [بحث في آية التطهير] الحمد لله. قد أطال السيد (١) في تخريج حديث التطهير وشرحه، وقطع بأن الآية ليست خاصة بأمهات المؤمنين. وأصاب بذلك؛ فإن اللفظ والمعنى في الآية يدفع ذلك. أما اللفظ فلتذكير الضمائر وقولِه: «أهلَ البيت» على الاختصاص. ولو كانت خاصة لهُنَّ لقال: إنما يريد الله ليذهب عنكنَّ الرجس ويطهركنَّ. وأما معنًى، فلأن أهل البيت له استعمالان، أحدهما: أن يُراد به بيت السُّكْنى كما هو الحقيقة، والآخر: بيت النسب على سبيل المجاز. والأصل أن المراد الحقيقة أي أهل بيت السكنى، فإنه يشاركهن في ذلك غيرهن. وإن قيل: إن المراد المجاز أي أهل بيت النسب، فإنهن لسن منه رأسًا باعتبار بيت النسب القريب كبني هاشم؛ إذ هو المفسَّر به أهل بيت نسبه ﷺ في كثير من المواضع. وأيضًا فإن ذلك الحديث الصحيح ظاهر في عدم اختصاص الآية بهنَّ. وقد تردّد السيد بين أن يجزم بأن الآية خاصة في أهل الكساء، وأن يسلِّم بأنها مشتركة ثم مال إلى الثاني أو كاد.

стр. 56

قال في (ص ٣٠٥ ج ٢) بعد نقله كلامًا عن السيوطي: «والفرق بين ما ذكره السيوطي والآية بوجهين» فذكر الأول ثم قال: «الثاني: إن دخول الأزواج الطاهرات هنا تبعي» إلخ. وقد مرَّ أن لفظ أهل البيت يطلق حقيقةً في أهل بيت السكنى ومجازًا في أهل بيت النسب. والمراد بأهل بيت السكنى أهله الذين هم في حال الخطاب معدودون من سُكانه فيخرج الأُجراء و [ ... ] (١). سورةالصافات قول الله تعالى في نوح ﵇: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] دليل على بطلان زعم بعض أمم الأرض أنهم من ذرية غيره وأن الطوفان لم يعمّ المعمورة. والله أعلم (٢). سورة ص [بحث في معنى دعوة سليمان] في حديث «الصحيحين» (٣) في أخذه ﵌ للعفريت الذي أراد أن

стр. 57

يقطع عليه صلاته فأمكنه الله منه فأراد (١) أن يربطه، قال: «فذكرت دعوة أخي سليمان: رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي» (٢). قال في «حواشي المشكاة» (٣) نقلًا عن «اللمعات»: «قال: المراد بدعوته: (رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي)، ومن جملته تسخير الريح والجن والشياطين، وهو مخصوص بسليمان ﵇، فيلزم عدم إجابة دعائه، فتركه ليبقى دعاؤه محفوظًا في حقه، ونبينا ﵌ كان له القدرة على ذلك على وجه (٤) الأتم والأكمل، ولكن التصرف في الجن في الظاهر كان مخصوصًا بسليمان، فلم يظهره ﵌ لذلك (٥)، فافهم. وقيل: يمكن أن يكون عموم دعاء سليمان ﵇ مخصوصًا بغير سيد الأنبياء ﵌ بدليل إقداره على أخذه ليفعل فيه ما يشاء، ومع ذلك تركه على ظاهره رعاية لجانب سليمان». أقول: أما أنا فأرى هذا خبطًا، وأبدأ بتحقيق معنى دعوة سليمان ﵇، فإن أكثر الناس يغلطون فيها فينسبون إليه الشحَّ والبخلَ على عباد الله بمواهب الله. وهذا جهل منهم، وبيانه يستدعي تقديم ضرب مثل، فأقول: ملك يقسم دنانير، فجاءه رجل فقال له: أعطني نصيبًا من هذه الدنانير

стр. 58

ثم لا تعط أحدًا مثل ما أعطيتني، وجاءه آخر فقال له: أعطني نصيبًا لا يصلح أن تعطيه أحدًا من بعدي، هل تستوي الكلمتان؟ كلا، فالأول طلب نصيبًا ما، ومع ذلك سأل الملك أن لا يعطي أحدًا بعده مثله. فظاهر أن مراده الفخر بأن الملك أعطاه أكثر من غيره، وهو لا يبالي مع ذلك أن يعطيه كثيرًا أو قليلاً، وإنما همه أن يكون أكثر من غيره. والثاني طلب نصيبًا جزيلًا بحيث لا يصلح لأحد بعده أن يُعطَى مثله، ومراده أن الملك عالم بما يصلح للناس من الأعطية فطلب أن يكون عطاؤه كثيرًا جدًّا بحيث لا يمكن أن يُعطي أحدًا بعده إلا أقل منه. فهَمُّ هذا إنما هو في كثرة العطاء، ومع ذلك لا يريد من الملك أن ينقص أحدًا من الناس عن مستحقه. وبيانه بوجه آخر: أنه لو فرض أن أعطيات الناس كانت من ألف فأقل، فإن الأول إذا أُعطي عشرةً وأُعطي غيرُه من تسعةٍ فأقل لكان قد حصل مطلوبه، وهو أن يكون أكثر من غيره، فيفتخر بذلك. والثاني بخلافه، فإنه يقول: إن الأعطية التي تنبغي للناس من ألف فنازلًا، فأطلب أن يُعطَوا ذلك، ثم أُعطَى أكثر من نصيب الأكثر منهم. والحاصل أن الأول أراد الافتخار، والثاني أراد الاستكثار. فسليمان ﵇ هو من الباب الثاني، فلم يطلب من الله أن لا يعطي المُلْك أحدًا من الناس أو نحو ذلك، بل عَلِمَ أن الله عالم بمقادير العطايا التي سيعطيها من المُلك إلى يوم القيامة، وما ينبغي لكل أحد منه كما اقتضت حكمته وإرادته، فسأله أن يعطيه ملكًا عظيمًا كثيرًا بحيث لا ينبغي

стр. 59

مثله لأحدٍ من بعده، يريد بحيث يكون أكثرَ مِن أكثر ما علم الله أنه سيعطاه مَلِكٌ إلى يوم القيامة. فلم يسأل من الله أن لا يُعطي أحدًا بعده، وإنما سأله أن يعطيهم ما قد سبق في علمه أن يعطيهم مما علم أنه لا مزيد عليه، وسأله لنفسه أن يعطيه أكثر من أكثرهم، فتأمل هذا موفَّقًا. ثم اعلم أن دعوة سليمان بهذا المُلك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، إنما هو من حيث الإجمال، أي بحيث إذا قيس مُلكُ أكبر مَلِكٍ ممن يجيء بعده بملكه لكان ملكه أكثر، ولم يُرِد التفصيل، فلو سَخَّر الله الريح لغيره دون غيرها لما لزم من ذلك تبيُّن عدم الاستجابة له، ولا يتحقق ذلك إلَّا لو أعْطَى الله أحدًا مِن الخلق مثل ما أَعْطَى سليمان جميعًا، ولكن لما كان من غرائب مُلك سليمان التسليط على الجن، رأى النبيُّ ﵌ أن يدع تلك الواقعة التي كان أرادها من حبس ذلك، لا لأنها تستلزم تبيُّن عدم الإجابة، ولا لأنها تستلزم تبيُّن التخصيص، بل لأن التسليط على الجن من غرائب ما أوتيه سليمان، فظهور تسليط غيره عليهم مما يوهم الناس عدمَ استجابة دعوته، فَترَكَه ﵌ خشية الإيهام. أو يقال: إن النبي ﵌ لمَّا علم أن الله استجاب دعوة سليمان فأعطاه ملكًا كبيرًا لا يمكن أن يعطي أحدًا مثله، رأى أن طريق الأدب مع ربه ومع أخيه سليمان أن لا يتصرف فيما هو من غرائب ذلك المُلك؛ لأنه لما كان من غرائب ذلك المُلك كان كأنه من خصوصياته، وخصوصياتُه كالجزء المهم منه، فإذا أمكنت لغيره كان كأنه لم يُستجب له. والله أعلم. ومما يبين هذا أنه قد وقع إمساك بعض الجن لبعض أفراد الأمة، كما في حديث أبي هريرة في إمساكه للجنِّيِّ الذي جاء يحثو من صدقة الفطر

стр. 60

التي كانت لديه. وهو في «الصحيح» (١) (٢). سورة الشورى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾. اختُلِف في توجيه النصب في قوله: ﴿وَيَعْلَمَ﴾. والصواب أنّ الواو للمعيَّة، و (يعلم) منصوب بـ (أن) مضمرة بعد الواو. والمراد بالإيباق ــ والله أعلم ــ الحبسُ كما فسره به جماعة. وليس المراد ــ والله أعلم ــ مطلق الحبس، فإنَّ ذلك قد مرَّ في قوله: ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾، بل الحبس في الشدَّة من قولهم: وَبَقَت الإبلُ في الطين، إذا وحلت فنَشِبَت. والمعنى: يحبسهنَّ في الموج المضطرب. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي ــ والله أعلم ــ يُنْجِيهنَّ من الغرق. وقوله: ﴿وَيَعْلَمَ﴾ يقع ما ذكر من الحبس والعفو مع علم الذين يجادلون في الآيات ما لهم من محيص، أي من الغرق، كما في قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾.

стр. 61

أو يُقال ــ ولعلَّه الأَولى ــ: إن المجادلين في آيات الله جميعًا يعلمون حينئذٍ، أي حين وقوع السُّفن في الطوفان ما لهم من محيصٍ، أي أنهم هالكون ما دامُوا على جدالهم. نَزَّل علمَ مَن في السفن بِمَنْزِلة علم المجادلين جميعًا؛ لأنه ما مِن أحدٍ من المجادلين إلَّا وقد وقع له مثل هذه الواقعة أو بَلَغَتْه، وهي سبب للعلم بأنهم في جدالهم في آيات الله على غير هدى، لأن أهل السفن وقت الطوفان لا يدعون إلَّا الله تعالى كما قال تعالى: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وفي آية أخرى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: الدعاء (١). * * * * قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾. ممّا يؤيِّد دلالتها على أن الخلافة شورى كونه جاء بذلك بعد الإيمان والصلاة، وقبل الزكاة. تأمَّل (٢). سورة الواقعة * [قوله تعالى]: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ . الطلح معروف، وهو شجر شائك، والمنضود: المصفّف المرتّب. والطلح كغيره من الشجر، إذا كان منضودًا كان فيه جمال لا يخفى،

стр. 62

ولكن سائر الأشياء الأخروية ليست كأشباهها في الدنيا من كل وجه، بل ما كان في الدنيوية من نقص وعيب فهو منتفٍ عن الأخروية، وما كان في الدنيوية من كمال وجمال ونعيم ولذة فهو موجود في الأخروية على وجه أكمل وأتمّ. فالطلح الأخروي لا شوك له، ولا غير ذلك ممّا هو نقص. وللطلح الدنيوي ثمر معروف يأكله الناس إذا كان غضًّا. ولا مانع أن يكون للطلح الأخروي مثل ثمر الطلح الدنيوي في الشكل، مع انتفاء النقص. أعني أن يكون بين الثمرين من التشابه كما بين الشجرين. وسبب النزول يعيّن ما قلناه. فأمّا تفسيره بالموز، فلم يثبت به نقل لازم، ولا وجه له في العربية، ولا في السياق، وسبب النزول يردّه. والله أعلم. * [قوله تعالى]: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ . أي: فيقال له: سلام لك، أنت من أصحاب اليمين. وهكذا (١) كقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] (٢).

стр. 63

سورة الحديد قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [٢٥]. استُشكل التعبير بـ (أنزلنا)، فزعم بعض الناس أن المراد بالحديد القرآن، لأن فيه شدة على الكفار والفسَّاق. وزعم أن قوله تعالى في داود: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] المراد بالحديد فيه الكتاب أيضًا. وربما تَوَلَّدُ شبهته هذه بما ورد في «الصحيح» (١) أن القرآن خفِّف على داود حتى كان يأمر بإسراج خيله ويشرع في القراءة فما تُسرج حتى يتمَّ القرآن. أو كما قال. ويذهب بعضهم في الآية الأولى إلى أن الإنزال على حقيقته، والحديد على حقيقته. وقد ذكر أهل الهيئة أن الأرض في بعض أدوار تكوُّنِها نزلت إليها المعادن من حديد وغيره ذائبةً على صفة المطر وتسرَّبت في شقوقها. والحقُّ أن الإنزال في هذه الآية مثله في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦]. فالحديد واللباس والأنعام إنما تكوَّنت بأمر الله . وأمر الله ينزل من فوق سبع سماوات حقيقةً.

стр. 64

ويدفع شبهة من قال إن المراد بالحديد القرآن، أن القرآن قد ذُكر قبل هذه الآية. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾. وفي التعبير بالإنزال هنا إشارة إلى أن خلْق الله الحديدَ من جنس إنزال القرآن، أي أنه أُريدَ به إقامة الدين، وسياق الآية يوضِّح ذلك، أي أنَّ مَنْ لم تُفِد فيه بَيّناتُ الرسل والكتاب، أفاد فيه الحديد، ولذلك قال : ﴿ ... وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾. وهذا ظاهر بحمد الله. فأما آية داود فالأمر فيها أظهر، لقوله عقبها: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. وجاء في الأحاديث ما يؤيِّد ذلك، وهو معروف أيضًا من التاريخ. وقد يقال: إنه متواتر. وأشعار العرب في الجاهلية مستفيضة في نسبة الدروع إلى داود ﵇. وما صحَّ من تخفيف القرآن عليه، شيء آخر. والله أعلم (١).

стр. 65

سورة الحشر الفيء في سورة الحشر ظاهر السياق وعدم الوصل بين الجملتين أنّ قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية مبيّن لما قبله، فالآيتان كلاهما (١) في الفيء. ولكن في حديث البخاري (٢) عن عمر أنّ النبي ﵌ كان يجعل الفيء في المصالح العامة بعد أن يأخذ منه نفقة سنته. فظاهره أنّه كان مختصًّا به. وعلى هذا، فالذي يظهر: العملُ بالحديث وحمل قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية، أنّها في الغنائم، ويُترك ظاهر السياق؛ لأنّ ظاهر الحديث أظهر في الدلالة. نعم، إن صحّ ما ذكره الشافعي (٣) ــ ﵀ ــ أنّ النبي ﵌ كان يعطي كلًّا من الأربعة الأصناف خُمسَ الخُمسِ من الفيء (٤)، كان مبيّنًا للآية ولحديث عمر، وبه تتفق الأدلة. والله أعلم (٥). * * * *

стр. 66

[تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [٧]] حديث ابن مسعود في لعن الواصلة وغيرها. وفيه أن الإيتاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ عام لا خاص بالفيء، ويُبعده أن الإيتاء حقيقة في الإعطاء، وهو أنسب بالفيء ولاسيما مع دلالة السياق، وقولِه: ﴿فَخُذُوهُ﴾ (١)؛ إذ هو حقيقة في الأخذ المحسوس. ويجاب عنه بأن مقابلته بالنهي قرينة صارفةٌ عن الحقيقة مُعيِّنَةٌ أن يكون ﴿آتَاكُمُ﴾ بمعنى: أمركم، وخذوه بمعنى: فامتثلوا، وفيه نظر (٢). عن عبد الله بن مسعود قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمِّصات، والمتفلِّجات للحُسْن المغيراتِ خلقَ الله». فجاءتْه امرأةٌ فقالت: إنه بلغني أنك لعنتَ كيتَ وكيت، فقال: ما لي لا ألعن مَن لعن رسولُ الله ﷺ ، ومن هو في كتاب الله؟ فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدتُ فيه ما تقول! قال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه، أَمَا قرأتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه. متفق عليه. اهـ. «مشكاة» في الترجّل (٣).

стр. 67

وهو صريح في أن ابن مسعود يرى أن قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ عام في كلِّ شيء، مع أن السياق يقتضي أنه خاص بالفيء، ولاسيما والإيتاء والأخذ يناسبان ذلك، لأنَّ حقيقة الإيتاء: الإعطاء الحسِّي، والأخذِ: الأخذُ الحسِّي. ومما يدل على العموم مقابلة الإيتاء والأخذ بالنهي والانتهاء. فيقال: لو أراد الإيتاء والأخذ الحسِّيَّين لقابلهما بالمنع والامتناع بأن يقول: وما منعكموه فامتنعوا. وقد يقال: إن المراد: وما نهاكم عن أخذه بغير إذن أو عن سؤاله إياه. ولا يصح أن يقال: لعل ابن مسعود لا يرى العموم في الآية وإنما استدلاله بها على سبيل القياس، أي إذا ثبت وجوب طاعته في خصوص الفيء بأخذ ما آتى والانتهاء عما نهى عنه فيقاس على ذلك بقية الأشياء؛ وذلك أن هذا القياس ضعيف، ولا حاجة للتمسك به مع وجود نصوص القرآن الصريحة. والمقصود فهم الآية على حقيقتها، فأما الأمر باتباع الرسول وطاعته والانتهاء عما نهى عنه في كل شيء، فهو أمر ثابت مقرر، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال جل ذكره: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (١).

стр. 68

سورة التغابن [وجه تسمية يوم القيامة يوم التغابن] قوله: ﴿يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [٩]. كأنّه ــ والله أعلم ــ لأنّ القصاص يوم القيامة يكون بالحسنات، فالذي ظَلم في الدنيا درهمًا يؤخذ منه بدله يوم القيامة جانبٌ من حسناته. لو وَجَدَ سبيلًا إلى شرائه لاشتراه بما طلعت عليه الشمس. فأيُّ غبن أعظم من هذا؟ والله أعلم (١). سورة الملك * [قوله تعالى]: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ... ﴾ [١٥] . المَنْكِب: مكان النكوب. وجوانب الأرض كلها مناكب، أي يُنكب إليها، أو ينكب منها. ومَنْكِب الإنسان إمّا مستعار من ذلك؛ شُبّه بموضعٍ عن يمين الطريق أو يسارها، ينكب إليه عنها، أو لأنه ينكب به لشيء عالٍ، كالمقعد (٢)، ومضرِب السيف. ويجوز أن تكون مناكب الأرض مستعارة منه. والله أعلم.

стр. 69

* [قوله تعالى]: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدْعُونَ (١)﴾ أي: تَدْعُون بوقوعه، كقوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ (٢) بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٤]. تَدَّعون: إمّا بمعنى الأول إن ثبت لغةً. وإمّا من الدعوى، أي تدَّعون أنّه لا يقع، أي تزعمون. وضُمِّن معنى (تكذّبون)، فعدّي بالباء كما في السجدة: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾. والله أعلم (٣). سورة المزمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفِهِ وثُلُثِهِ﴾ (٤) [٢٠]. في مطابقة هذه القراءة لقراءة ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ إشكالٌ. أجيب عنه بأن التفاوت بحسب اختلاف الأوقات. وإشكال آخر، وهو أنه يلزم على قراءة الجرّ مخالفة النبي ﵌ للأمر المتقدم أول السورة.

стр. 70

قال الآلوسي (١): «وأجيب بالتزام أن الأمر وارد بالأقل، لكنهم زادوا [حذرًا من الوقوع في المخالفة، وكان يشقّ عليهم، وعلم الله سبحانه أنهم لو لم يأخذوا بالأشقّ وقعوا في المخالفة فنسخ سبحانه الأمر]، كذا قيل، فتأمّلْ، فالمقام بعدُ محتاج إليه». قلت: وجه التأمّل أن الأقل ــ على ما في أول السورة ــ هو أن ينقص قليلاً من النصف، وعلى قراءة الجرّ ــ آخر السورة ــ يكون النبي ﵌ قد صلى أدنى من الثلث، وهذا ــ فيما يظهر ــ أقل من نصفٍ ينقص منه قليل. وقد ظهر لي جواب، وهو أن (أدنى) في الآية وصفٌ لم يُرَدْ به التفضيل، وإنما معناه: دانيًا، أي: أنك تقوم وقتًا دانيًا من ثلثي الليل، كأن يكون نصفًا وثلثي سدس ــ مثلاً ــ، ودانيًا من نصفه، كأن يكون نصفًا وثلثَ سدس، ودانيًا من ثلثه، كأن يكون نصفًا إلاّ ثلثي سدس. فتأمّل. وهذا ــ والله أعلم ــ هو معنى الجواب الذي لم يرتضه الآلوسي؛ لأنه فَهِم منه معنًى آخر، والله أعلم (٢).

стр. 71

سورة المدثر قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾. التحقيق أنَّ حاصل معنى هذه الجملة: تنزّه عن الرذائل. وتوجيه ذلك: أنه استعيرت الطهارة لاجتناب الرذائل، استعير بجامع اجتناب ما يكره في كلٍّ، ثم اشتقَّ منه «طهِّر» على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، والقرينةُ السياقُ، وذِكْر الثياب ترشيحٌ. ثمَّ إمَّا أن تكون الثياب على حقيقتها، وكأنه قيل: نزِّهْ ثيابك عن أن يُلابسها شيء من الرذائل، ولا شك أنه يلزم منه الأمر بتنزيه النفس؛ لأن الإنسان إذا فعلَ رذيلةً فقد ألبست الرذيلةُ ثيابَه؛ لأن ثيابَه ملابسةٌ لبدنه، وبدنه ملابس لنفسه، فيكون الأمر بتنزيه الثياب كناية عن الأمر بتنزيه النفس. وإمَّا أن تكون الثياب مجازًا مرسلاً عن النفس بعلاقة الظرفية، فكأنه قال: طهِّر نفسك (١).

стр. 72

سورة القيامة * قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ . يظهر لي أنَّ (لا) نافية، كما هو المتبادر. والمعنى على الاستفهام الإنكاري التعجُّبيّ. كأنه يقول: مِن المنكر العجيب أن لا أقسم بيوم القيامة، ولا بالنفس اللوامة. وإنكارُ عدم القسم كناية عن إنكار عدم إيمان المشركين بيوم القيامة وبالنفس اللوامة. والمراد بالنفس اللوامة: النفوس يوم القيامة، كما جاء في الأثر أن الصالحة تلوم نفسها في عدم الاستكثار، والطالحة تلوم نفسها في الكفر والعصيان. وإنما منع عن القسم بهما عدم تصديق الكفار بهما؛ لأن أقسام القرآن كلها استدلالية، ولا يحسن الاستدلال بما يجحده الخصم. ومثال هذا أن ينازعك إنسان في مسألة يكون في القرآن دليل عليها، ولكن الخصم لا يخضع لدلالة القرآن فتقول: لا أحتجُّ بالقرآن؟ * قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ . كأنّ فيها ــ والله أعلم ــ إشارة إلى ما عُرِف الآن من أنّ أسِرَّة البنان ــ أعني خطوطها ــ متمايزةٌ، لها في كل شخصٍ هيئة خاصة لا يشبهه فيها أحد من الناس، ولذلك يعتمدون الطبع بها بدلاً عن الإمضاء، ويتوصلون بها إلى معرفة أصحابها من اللصوص والمجرمين الذين لا تُعْلَم أشخاصهم ولكن يوجد أثر أصابعهم في موضع الجريمة.

стр. 73

أي: فإن الله قادر على أن يسوّي بنان الفاني، أي: يعيدها سويّةً كما كانت، بخطوطها الدقيقة الكثيرة الممتازة عن كل موجودٍ سواها. وهذا أعظم من جمع العظام. فالتسوية في الآية كَهِي في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢] ونحوها، والله أعلم (١). سورة الليل انظر ما العامل في (إذا) من نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، ومن قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ [التكوير]. فإن قولهم: إن العامل فيها القسم، يشكل عليه أنه يلزم منه كون الظرف قيدًا للقسم. أي: إنما يكون القسم بالليل حال عسعسته (٢).

стр. 74

سورة المسد قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ المشهور أنّ هذا دعاء، والظاهر أنه خبر، وأنّ قوله (تبّ) بمعنى: أهلك؛ لأنّ (تبّ) يجيء لازمًا ومتعديًّا بمعنى هلك، وأهلك. فالمعنى أنه هلك وأهلك غيره، أي زوجه؛ لأنه السبب في إصرارها على الشرك، وعداوتها لله تعالى ولرسوله. والله أعلم (١). * * * * قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ ﴿سَيَصْلَى﴾ هو، أي: أبو لهب ﴿نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾. ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ الواو للاستئناف أو الحال. ﴿حمَّالةُ﴾ بالضمّ خبر المتبدأ. ﴿الْحَطَبِ﴾ أي: الذي توقد به تلك النار عليه، فـ (ال) في ﴿الْحَطَبِ﴾ عهديةٌ، لتقدُّم ذِكْر الحطب بالكناية، لأنّ النار تحتاج إلى حطب؛ أو بدلٌ عن ضمير النار، أي: حمالة حطبها، أي حطب النار المذكورة. وقد مثَّلوا لتقدُّم الذِكْر بالكناية بآية: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]؛ لتقدم قولها: ﴿مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] وهو كناية عن الذَّكَر.

стр. 75

وعلى قراءة ﴿حَمَّالَةَ﴾ بالفتح، فقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ معطوف على الضمير في ﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾ أي: سيصلاها هو وامرأته ﴿حَمَّالَةَ﴾ أي: حال كونها حمالة ﴿الْحَطَبِ﴾، أي: الذي تُوقَد به تلك النار عليه وعليها. وعوقبت بحمل وقود النار لعذاب زوجها وإيّاها جزاءَ حملِها في الدنيا وقودَ الفتنة في هواه وهواها، وهو الأخبار على سبيل النميمة. أو لحملها الشوك ووضعه في طريق النبي ﵌ إن صحّ. ولا يتجّه تفسير الحطب في الآية بالشوك، وإن صحَّ أنها كانت تحمله وتضعه: أوّلاً: لأنّ الحطب إنّما هو ما يجمع من العيدان لغرض الإيقاد، وليس منه ما جُمع من الشوك لقصد الإيذاء. وثانيًا: لأنّ فيه تفكيكًا للارتباط الذي بينتُه، وتضييعًا للَّطائف التي شرحتُ بعضها. ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ حال من الضمير في ﴿حَمَّالَةَ﴾ أي ــ والله أعلم ــ أنّها تحمل الحطب الذي يوقد به على زوجها وعليها حال كونها تختنق به؛ لأنه يُعلَّق بحبل إلى رقبتها. والله أعلم (١).
следующие страницы →