← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 528

الفوائد الحديثية - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (139 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الفوائد الحديثية

стр. 2

[تعليق على أحاديث من صحيح البخاري (١)] * (١ ص ٧٤) (٢): إبراهيم عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن النبي ﵌: «إنما بقاؤكم فيما سَلَفَ قبلَكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهلُ التوراة التوراةَ فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأُعطُوا قيراطًا قيراطًا. ثم أوتي أهلُ الإنجيل الإنجيلَ فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا. ثم أُوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأُعطِينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين: أَيْ ربَّنا أعطيتَ هؤلاء قيراطين قيراطين ... ». * ونحوه (ج ٤ ص ٢٠٣) (٣). * (ج ٢ ص ٢٣) (٤): أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵌ قال: «مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أُجَرَاء فقال: من يعمل لي من غُدوةٍ إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطَين؟ فأنتم هم. فغضبت اليهود والنصارى فقالوا: ما لنا أكثرُ عملًا وأقلُّ عطاءً؟ قال: هل نقصتكم من

стр. 3

حقِّكم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء». * مالك (١) عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﵌ نحوه ... * أبو موسى (٢) عن النبي ﵌: «مَثَلُ المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجلٍ استأجر قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجرٍ معلوم، فعملوا له إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجركَ الذي شرطت لنا وما عَمِلْنا باطل! فقال لهم: لا تفعلوا، أكمِلُوا بقيةَ عملِكم وخذوا أجركم كاملًا، فأَبَوا وتركوا. واستأجر أَجِيرين بعدهم فقال لهما: أكمِلا بقيةَ يومِكما هذا، ولكما الذي شرطتُ لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حينُ صلاة العصر قالا: لك ما عملنا باطلٌ، ولك الأجر الذي جعلتَ لنا فيه، فقال لهما: أكملا بقية عملكما، ما بقي من النهار شيء يسير، فأبيا. واستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما. فذلك مَثَلهم ومَثَلُ ما قَبِلوا من هذا النور». * (ص ١٧١) (٣): ليث عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵌: «إنَّما أجلكم في أجل من خلا [من الأمم] (٤) ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مَثَلُكم ... (نحو رواية أيوب)».

стр. 4

* (ج ٤ ص ١٩٣) (١): شعيب عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﵌ نحو رواية إبراهيم (الأولى). فالظاهر ــ والله أعلم ــ أنهما مثلان، كل منهما مستقل كما بيّنه نافع في رواية الليث. وكذلك أَفرد الثاني في رواية أيوب، وكذا أفرده عبد الله بن دينار (٢) عن ابن عمر، وكذا أفرده أبو موسى عن النبي ﵌. فحاصل المثل الأول أن نسبة بقاء هذه الأمة إلى عمر الدنيا نسبةُ المدّة التي بين صلاة العصر والغروب إلى جميع النهار. وأما المثل الثاني فله مقصدان: أحدهما: أن أجورَ هذه الأمة مضاعفةٌ بالنسبة إلى أجور اليهود والنصارى. والآخر: أن من أدركته بعثة عيسى من اليهود ولم يؤمن به فقد بطل عمله الأول، ومن وُلد بعد ذلك ولم يتبع عيسى ﵇ فلم يعمل شيئًا. ومن أدركته بعثة محمد ﵌ من النصارى ولم يتّبعه فقد بطل عمله الأول، ومن ولد بعد ذلك ولم يتّبع محمدًا ﵌ فلم يعمل شيئًا. ولم يُرد ــ والله أعلم ــ بنصف النهار والعصر والمغرب تحديد المدة،

стр. 5

وإنما أراد أن اليهود عملوا بعضَ النهار، والنصارى بعضَه، وعملنا باقيه. فذَكَر نصف النهار والعصر تمثيلًا لذلك البعض، لا تحديدًا. والله أعلم (١). * * * * حديث «الصحيحين» (٢): «أسرعُكنَّ لحوقًا بي أطولُكُنَّ يدًا» . قال الحافظ في «الفتح» (٣): «وفيه جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة ــ وهو لفظ «أطولكنّ» ــ إذا لم يكن محذور. قال الزين بن المنيِّر: لمّا كان السؤال عن آجالٍ مقدّرة لا تُعْلَم إلا بالوحي، أجابهنّ بلفظ غير صريح، وأحالهنّ على ما لا يتبين إلا بأَخرة، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية. وفيه أن من حَمَل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يُلَم، وإن كان مراد المتكلم مجازه؛ لأنّ نسوة النبي ﵌ حملن «أطولكن يدًا» على الحقيقة فلم ينكر عليهن». (ج ٣ /ص ١٨٥). أقول: يظهر لي أنّ «أطولكنّ يدًا» حقيقة عرفية في كثرة الصدقة. وههنا قرينتان تدلَّان على إرادة كثرة الصدقة: الأولى: تخصيصه اليد، ولو أراد الطول الحسّي لكان الظاهر أن يقول: «أطولكن»؛ إذ قد عُلم أن طول اليد لا يكون إلا مع طول القامة.

стр. 6

الثانية: أنّ سرعة اللحوق به فضيلة. وتعريف النبي ﵌ للفضيلة الجزائية الغالب أن يكون بفضيلة عملية. والطول الحسّي ليس بفضيلة عملية، وإنّما الفضيلة العملية كثرة الصدقة. والله أعلم (١). * * * * في «الجهاد»، في «من لم يخمس الأسلاب» (٢) عن عبد الرحمن بن عوف: « ... ثم انصرفا إلى رسول الله ﵌ فأخبراه فقال: «أيكما قتله؟» قال كل واحد منهما: أنا قتلتُه! فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: «كلاكما قتله، سَلَبُه لمعاذ بن عمرو بن الجموح» وكانا معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح». اهـ. وهذه الرواية أبعد عن الخطأ لتعيين الذي أُعطي له السَّلَب، وحكايةِ لفظ النبي ﵌ بقوله: «سَلَبُه لمعاذ بن عمرو بن الجموح». والله أعلم. نعم، سيأتي في ذكر أهل بدر عن أنس، وفيه: «ابنا عفراء» (٣). وقد جاء في ترجمة الرُّبَيِّع بنت معوِّذ ابن عَفْراء (٤) أنها من المبايعات تحت الشجرة. وهذا قد يدل أنها ولدت قبل الهجرة بمدَّة فيما يظهر. والغالب أن أباها يكون يوم بدرٍ رجلًا، فكيف يستصغره عبد الرحمن بن عوف؟

стр. 7

وأيضًا ففي حديث عبد الرحمن بن عوف أن كلًّا من الغلامين سأله سرًّا عن الآخر، والغالب أنهما لو كانا أخوين لما أسرَّ أحدهما عن أخيه. * * * * «باب تزويج النبي ﵌ خديجة» (١) عن عائشة ﵂ قالت: «استأذنَتْ هالة بنت خُوَيلد ــ أخت خديجة ــ على رسول الله ﵌، فعرف استئذان خديجة، فارتاع لذلك فقال: اللهم هالة!». قوله: «ارتاع»، أقول: كأنّه ﵌ لمّا فجئه استئذانٌ كاستئذان خديجة ارتاع بادئ بدءٍ لعِلْمه بأنّ خديجة ﵍ قد ماتت، فهل أحياها الله تعالى؟! ولكنّه لم يلبث أن عرف الحقيقة. والله أعلم. * * * * مِن أحاديث رفع اليدين في الدعاء حديث البخاري في غزوة أوطاس (٢) عن أبي موسى وفيه: « ... فتوضأ ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعُبَيد أبي عامر». * * * * مما يصلح في باب الانتحار: حديث البخاري في المغازي (٣) في سرية

стр. 8

عبد الله بن حذافة. وفيه: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة» . * * * * حديث البخاري (تفسير الأحزاب) (١) وغيره عن عائشة، قالت: «كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﵌، وأقول: هل تهب المرأةُ نفسَها» إلخ. في «حاشية السندي» (٢): «قال الطِّيبي: أي أعيبُ عليهن؛ لأنّ من غار عاب. ويدلّ عليه (٣) قولُها: أتهب المرأة ... إلخ. وهو هاهنا تقبيح وتنفير، لئلا تهب النساء أنفسهن له ﵌، فتكثر النساء عنده. قال القرطبي: وسبب ذلك القول الغَيرة، وإلا فقد علمتْ ... إلخ». أقول: إنّ نصّ الحديث أنها كانت تغار عليهنّ، لا منهنّ. وغَيرة المرأة على المرأة هي: أن تراها واقعة في شيء ينافي العفَّةَ أو ينافي الحياء، فتكره لها ذلك. وغيرتها منها هي: أن تكره مشاركتها لها في زوجها (٤). ولا شك أن فعل الواهبات أنفسهن لا يخلو من منافاة لكمال الحياء الطبعي ــ لا الديني ــ، فما المانع من أن عائشة ﵂ كانت تغار

стр. 9

عليهنّ حقيقةً، أي تكره لهن ذلك؟ ويحملها على تلك الكراهية كمال حيائها الطبعي، ولاسيما وهي يومئذ جارية صغيرة السنّ في عنفوان الحياء الطبعي. وقد حمل الحياء الطبعي أم سلمة ــ وهي يومئذ امرأة كبيرة ــ أن استحيت من سؤال المرأة للنبي ﵌ هل تحتلم المرأة؟ حتى غطَّت وجهها وقالت ما قالت (١). في «البخاري» (٢) باب عرض المرأة نفسها: عن ثابت قال: كنت عند أنس وعنده ابنة له، قال أنس: جاءت امرأة إلى رسول الله ﵌ تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقلَّ حياءَها! واسوءتاه! واسوءتاه! قال: هي خير منك، رغبتْ في النبي ﵌ فعرضت عليه نفسها. ثم قول عائشة في الحديث: «وأقول: هل تهب المرأة» الخ، يحتمل احتمالًا قويًّا أنها إنما كانت تقوله في نفسها، وإنما ذكرتْه هنا إيضاحًا لسبب غيرتها عليهن. وعلى هذا، فلا وجه لما قاله الطِّيبي، لما فيه من الخروج عن الظاهر، ونِسْبة أم المؤمنين أنها كانت تعيب ذلك الفعل، مع اعتقادها طبعًا وديانة أنه غير معيب. أمّا ما قاله القرطبي، فإن أراد بقوله: «وسبب ذلك القول الغَيرة» إلخ،

стр. 10

الغيرةَ عليهن، كما هو صريح الحديث= فصحيح، وإلا ففيه ما تقدم. نعم، لا يُنكر أن عائشة ﵂ كانت تغار على النبي ﵌ من الواهبات، بل ومن المنكوحات، بل ومن خديجة ﵂ وقد ماتت قبلها. ولكن لا مانع من جمعها بين الغَيرتين: الغيرة على الواهبات، والغيرة منهن. وعليه، فلا مقتضي لإخراج الحديث عن ظاهره. والله أعلم. * * * * تفسير سورة الجمعة (١) * سليمان بن بلال، عن ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة ﵁ قال: كنّا جلوسًا عند النبي ﵌، فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، قال: قلت: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي، وضع رسول الله ﵌ يده على سلمان، ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثُّريَّا لنالَه رجال ــ أو رجل ــ من هؤلاء» . * ... عبد العزيز، أخبرني ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة عن النبي ﵌: «لنالَه رجال من هؤلاء». كأنّه ﵌ استغنى بما هو ظاهر من القرآن، فقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ هم، أي من الأمّيين. وإنّما قال ما قال في سلمان ليستدلّ على أنّ الإسلام ليس خاصًّا بالأميّين، كما قد يُتَوهَّم من الآية. والله أعلم (٢).

стр. 11

* باب تزويج الصغار من الكبار (تزويج عائشة) (١). «فتح الباري» (١١/ ٣٢) (٢): «وقال ابن بطَّال: يجوز تزويج الصغيرة بالكبير إجماعًا، ولو كانت في المهد، لكن لا يُمكَّن منها حتى تصلح للوطء. فرمز بهذا إلى أن لا فائدة للترجمة؛ لأنّه أمرٌ مجمع عليه. قال: ويؤخذ من الحديث أنّ الأب يزوج البكر الصغيرة بغير استئذانها. قلت: كأنّه أخذ ذلك من عدم ذكره , وليس بواضح الدلالة، بل يحتمل أن يكون ذلك قبل ورود الأمر باستئذان البكر، وهو الظاهر، فإنّ القصة وقعت بمكة قبل الهجرة». * (قال البخاري:) باب إنكاح الرجل ولده الصغار لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فجعل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ (٣). حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة: «أنّ النبي ﵌ تزوجها وهي بنت ستِّ سنين، وأدخلت عليه وهي بنتُ تسعٍ ومكثت عنده تسعًا». «فتح الباري» (٩/ص ٧١) (٤): « ... وهو استنباط حسن، لكن ليس في الآية تخصيص ذلك بالوالد ولا بالبكر. ويمكن أن يقال: الأصل في

стр. 12

الأبضاع التحريم إلا ما دلّ عليه الدليل، وقد ورد حديث عائشة في تزويج أبي بكر لها وهي دون البلوغ، فبقي ما عداه على الأصل ... قال المهلب: أجمعوا أنّه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلاّ أنّ الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ (١). وحكى ابن حزم (٢) عن ابن شبرمة مطلقًا أنّ الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم أنّ تزويج النبي ﵌ عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصه». * عن أبي سلمة أن أبا هريرة حدَّثهم أن النبي ﵌ قال: «لا تُنكح الأَيِّم حتى تُستأمر ولا تُنكح البكر حتى تُستأذَن» (٣). «فتح الباري» (٩/ص ٧٢) (٤): « ... ثمّ إنّ الترجمة معقودة لاشتراط رضا المزوَّجة بكرًا كانت أو ثيبًا، صغيرةً كانت أو كبيرة، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث، لكن تُستثنى الصغيرة من حيث المعنى لأنها لا عبارة لها». «فتح الباري» (٩/ص ٧٣) (٥): «قال (لعله ابن شعبان) (٦): وفي هذا الحديث إشارة إلى أنّ البكر التي أُمِرَ باستئذانها هي البالغ، إذ لا معنى

стр. 13

لاستئذان من لا تدري ما الإذن، ومن يستوي سكوتها وسخطها» اهـ. يقول كاتبه: أمّا الآية ففي دلالتها على صحة زواج الصغار نظر؛ وذلك أنّ قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يصدق على اللائي لم يحضن لِعِلّة، مع أنهنَّ بالغات، وعلى اللائي لم يحضن لصغرهنّ، فليست خاصة بالصغار. فإن قيل: نعم، ولكنها تعمُّهنّ. قلت: العموم هنا مقيّد بكونهن أزواجًا؛ لأنّ المعنى: واللائي لم يحضن من نسائكم المطلقات، فلا تعمّ إلا اللائي لم يحضن وهنّ أزواج. فمعنى الآية: أن كل من لم تَحِضْ من أزواجكم عدتها ثلاثة أشهر. ولا يلزم من هذا أنّ كلّ مَنْ لم تحض يصحّ أن تكون زوجة، كما تقول: كل طويل من بني تميم شريف. فلا يلزم منه أنّ كل طويل من الناس يمكن أن يُجعل من بني تميم. فتأمّله، فإنّه دقيق! ثم لو فرض أنّ الآية تدل بعمومها على صحة زواج الصغار، فللمخالف أن يقول: هي مخصصة بقوله ﵌: «ولا تنكح البكر حتى تستأذن». إذ معناه: حتى يطلب منها الإذن فتأذن. والصغيرة إنّما يصدق عليها شرعًا أنها أذنت بعد بلوغها، فيلزم منه: لا تنكح الصغيرة حتى تبلغ، فتُستأذن فتأذن. وقد تقدم في الكلام «الفتح» أنّه لا معنى لاستئذان الصغيرة، وأنّه لا عبارة لها. ولكنهم حاولوا بذلك إخراجها من الحديث، وهو مردود لدخولها في عموم البكر. وعدمُ صحة استئذانها وإذنها في حال الصغر لا يكفي في إخراجها؛ لأنّ استئذانها وإذنها ممكن بعد أن تبلغ.

стр. 14

وفي كلام «الفتح» في باب تزويج الصغار من الكبار ما يتضمن الاعتراف بهذا، كما تقدم. فقد ثبت أن لا دلالة في الآية. وبقي زواجه ﵌ عائشةَ. فأمّا ما نُقِل عن ابن شبرمة أنّه من خصائصه ﵌، فلم يذكروا دليله، فإن كان قاله بلا دليل، فهو مردود عليه لأنّ الخصوصية لا تثبت بمجرد الاحتمال، بل فعله ﵌ حجة ما لم يثبت الاختصاص. وإن كان قاله بدلالة قوله ﵌: «ولا تنكح البكر حتى تستأذن» على ما قدّمنا، ففيه نظر؛ لما ذكره الحافظ من أنّ زواج عائشة كان قبل هذا الحديث. فإذا كان الحديث يدلّ على المنع فيحتمل أن يكون المنع إنّما لزم من حينئذ، ولم يكن المنع سابقًا. وحينئذٍ يكون زواج عائشة جاريًا على الحكم السابق، وهو عدم المنع، فلا خصوصية. وقد يؤيد هذا ما روي عنه ﵌ أنّه قال في بعض بنات عمِّه العباس: «إن أدركَتْ وأنا حيّ تزوَّجتُها» أو كما قال (١). نعم، مقصود ابن شبرمة من ردّ الاستدلال بزواج عائشة حاصل على كلّ حال؛ لأنّه إن لم يكن على وجه الخصوصية فهو منسوخ.

стр. 15

ولا يقال: كان يجب لو كان منسوخًا أن يفارقها النبي ﵌ عند ورود النسخ، لِما هو ظاهر من أنّ النسخ إنّما يتسلط على ما يتجدّد من الأعمال، لا على ما تقدّم قبله. ثم إنّه لم يرد النسخ حتى بلغت عائشة ﵂. ومع هذا، فيحتمل أن يكون معنى قوله ﵌: «لا تنكح البكر حتى تستأذن» أي لا يبتّ نكاحها، فأمّا أن يقع العقد من الوليِّ ويكون البتُّ موقوفًا على رضاها = فلا، كما يقوله بعض الفقهاء في البكر البالغة، بل وفي الثيب، وعلى قياس ما يقولونه في بيع الفضولي. فإن صحّ هذا الاحتمال فلا مانع من أن يكون عقدُ أبي بكر بعائشة من هذا القبيل، ثم حين بلغت تسع سنين، بلغت وأقرَّت العقد. وعليه فلا مخالفة، ولا نسخ، ولا خصوصية. لكن ظاهر قوله ﵌: «ولا تنكح البكر» يأبى ما ذُكر. فتأمّل. وعلى كل حال، فليس بيد الجمهور دليل على صحة زواج الصغيرة إلا الإجماع. ولم يثبت في المسألة إجماع إذا عرَّفنا الإجماع بما كان يعرِّفه به الشافعي وأحمد. بل غايته أنّه قول لم يُعرف له مخالف قبل ابن شبرمة. والشافعي وأحمد لا يعتبران مثل هذا إجماعًا تردُّ به دلالة السنة. فمذهب ابن شبرمة قويٌّ، والله أعلم. * * * *

стр. 16

في البخاري، باب الدعاء للنساء اللاتي يهدين العروس، وللعروس . ثم ذكر الحديث (١). قال السِّنْدي (٢): ليس في الحديث ما يدل على الدعاء لهنّ، وإنّما فيه الدعاء للعروس، وقد تكلّف بعضهم ... إلخ. أقول: أمّا الدعاء الذي في الحديث فهو من النساء للزواج؛ لأنهنَّ قلن: «على الخير والبركة، وعلى خير طائر». فقولهنَّ: «على ... » إلخ، متعلق بمحذوف تقديره: هذا الزواج على الخير ... إلخ. وهذا واضحٌ جدًّا. فالدعاء حينئذٍ (٣) ينال الأمّ؛ لأنّه إذا كان زواج بنتها على الخير كان ذلك خيرًا لها. ومع هذا، فليس بظاهر المطابقة للترجمة. فالغالب أنّ البخاري أشار إلى شيء جاء في رواية أخرى فيه الدعاء للمُهديات. أو يكون وقع تحريف من النساخ؛ والأصل: «بابُ دعاء النساء اللاتي يهدين العروس للعروس». والله أعلم. * * * *

стр. 17

كتاب النفقات، باب ﴿عَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وهل على المرأة من شيء؟ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]. «حاشية السِّنْدي» (١): «قال الكرماني: شبّه منزلة المرأة من الوارث بمنزلة الأبكم ... » إلخ. يقول كاتبه: بل مراد البخاري ــ والله أعلم ــ الاستدلال بالآية على أنّ المرأة قد يجب عليها نفقة قريبها. وذلك من قوله تعالى: ﴿كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، ويفسَّر المولى بالقريب، وهو يعم الرجل والمرأة. وإيضاحه: أنّ في الآية الإخبار أنّ هذا الرجل (كَلٌّ) أي: ثقل، أي تكون نفقته وكسوته وجميع ما يحتاجه (على مولاه) أي: قريبه. وهو صادق بالرجل والمرأة. فتأمّل. ثم أورد تحت الترجمة حديث هند (٢) وقولها (٣): فهل عليَّ جُناح أن آخذ من ماله ما يكفيني وبنيَّ؟ قال: «خذي بالمعروف». فأمرها أن تأخذ نفقة بنيها، فدلّ على أنّه يجب عليها القيام بمصلحتهم. ويوضّحه: أنّها لو استأذنته ﵌ أن تأخذ نفقة ضرَّة لها مثلاً، ممّن هو أجنبيّ عنها= لما أذن لها؛ لأنّه ليس عليها مراعاة مصلحة ضرَّتها مثلاً. فدلّ

стр. 18

الحديث على أنّ عليها مراعاة مصلحة ولدها. فقد يؤخذ من ذلك أنّ عليها نفقتهم إذا لم يكن هناك من هو أولى منها. والله أعلم (١). * * * * الأدب ــ باب ما يجوز من الغضب (٢) عن زيد بن ثابت ﵁ قال: احتجر رسول الله ﵌ حجيرة مخصفة أو حصيرًا، فخرج رسول الله ﵌ يصلي فيها فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته، ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله ﵌ عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم مغضبًا فقال لهم رسول الله ﵌: «ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيُكتب عليكم ، فعليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة». أقول: قد يؤخذ من هذه الرواية ونحوها أن خشيته ﵌ أن يُكتب عليهم ليست لمداومتهم أو لحرصهم كما هو المشهور، وإنما هي لرفعهم أصواتهم وحصبهم الباب، وهذا هو المناسب كما لا يخفى. ولولا أن في بعض الروايات (٣) زيادة: «ولو كتب عليكم ما قمتم به»

стр. 19

لأمكن حمل قوله: «ظننت أنه سيكتب عليكم» [على أنه] يريد به إثم رفعهم أصواتهم وحصبهم الباب. والله أعلم. * * * * «كتاب الأدب» - بابٌ «لا يُلدغ المؤمن من جحر مرَّتين» [عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ أنه قال: «لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرَّتين» (١)]. زعم السِّنْدي (٢) أن هذا في أمور الدين لا في أمور الدنيا لحديث: «المؤمن غرٌّ كريم» (٣). وهذا كلام لا وجه له؛ فإن الغرَّ هو من ليس له تجربة، فكثيرًا ما يغترُّ. وهذا إنما يتحقَّق أول مرَّة. فأما إذا لدغ من جحر مرَّتين فإن العرب لا تسمِّيه غرًّا، ولا تقول: اغترَّ. بل هو أحمق، بل لو قيل: إن قوله: «لا يُلدغ ... » إلخ خاص بأمور الدنيا لكان أقرب؛ لأن أمور الدين يجب أن تُبنى على الحذر فلا يغتر المؤمن فيها أصلًا، كما لو حدّث رجل بحديث عن النبي ﵌ فإن الواجب أن لا يَغترَّ به بل يَبحث عن عدالته وضبطه من أول مرَّة. * * * *

стр. 20

قصة سلمان وأبي الدرداء («صحيح البخاري» (١) ــ كتاب الأدب ــ باب صنع الطعام والتكلُّف للضيف). وفيه تخصيص لمفهوم قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ (٢). * * * * «صحيح البخاري» (٣) في الاستئذان: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﵌: «إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتاب فقولوا: وعليكم» . في «الهامش» (٤): بإثبات الواو ويجوز حذفها كما قاله النووي (٥)، قال: والإثبات أجود، ولا مفسدة فيه أي من جهة التشريك لأن السام الموت، وهو علينا وعليهم. انتهى. أقول: يعكّر عليه قوله ﵌ لعائشة حين ردّ على اليهود بقوله «وعليكم»: «يُستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيَّ» (٦). وقد بوّب عليه البخاري في كتاب الدعوات: باب قول النبي ﵌: يستجاب لنا في اليهود،

стр. 21

ولا يستجاب لهم فينا. فالظاهر أن الواو في قوله: «وعليكم» ليست عاطفة لقولهم: «السام عليك» حتى يكون معناها: السام عليّ وعليكم، فتكون للتشريك. وإنما هي عاطفة لقول محذوف، كأنه قال: قلتم: السام عليك (و) أقول: (عليكم) (١). ويؤيّده أنه ليس المراد بقولهم: «السام عليك» وقوله: «وعليكم» الإخبار حتى يقال: لا ضرر في التشريك، وإنما المراد الدعاء، وقد نُهينا عن الدعاء على النفس بالموت. فتأمل، والله أعلم. * * * * باب طول النجوى (٢) حدثنا [محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عبد العزيز] عن أنس ﵁ قال: «أقيمت الصلاة ورجل يناجي رسول الله ﵌، فما زال يناجيه حتى نام أصحابه ثم قام فصلى». [قال المعلمي]: فيه دليل على أنه لا يضرُّ طول الفصل بين الإقامة والصلاة، ولا تلزم الإعادة. * * * *

стр. 22

باب الختان بعد الكبر وذكر فيه خصال الفطرة (١): [الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار]. والظاهر أنها كلها واجبة، والظاهر أنه يتعيّن في الإبط النتف، وفي الشارب القص. فالله أعلم. وقد تقدّم «أَحفُوا الشَّوارب وأَعفُوا اللِّحى» (٢)، فقد يقال: إن إحفاء الشوارب يحصل بالقص وغيره. لكن يقال: هذا مطلق فليُحمل على المقيّد، وقد جاء عن المغيرة: أن النبي ﵌ أخذ من شاربه على سواك، كأنه بسكّين أو غيره (٣)، فإذا صح جاز مثل ذلك. وقد يقال: إنه قيد آخر، وإذا وجد قيدان تعين البقاء على الإطلاق، كما قالوه في تتريب النجاسة الكلبية، ولكن فيه نظر ذكره الحافظ في «التلخيص» (٤)، وحاصله: أن المطلق يمكن حمله على المقيدين فيتعيّن في التتريب إحدى المقيّدين أي «الأولى» و «الأخرى»، فلا يجوز غير إحداهما.

стр. 23

وكذا يقال هنا يتعيّن في إحفاء الشوارب القصّ أو القطع الذي في حديث المغيرة. وإذا وجب الختان فمحل وجوبه بعد الكبر كما دل عليه حديث ابن عباس في الباب. وأما بقية الخصال فقد جاء فيها أن لا تؤخّر أكثر من أربعين يومًا، وهو في «صحيح مسلم» (١). وإحفاء الشارب يتعين فيه إلى الحد الذي يتيسر بالمقص أو بالقطع على ما في حديث المغيرة. فإذا ... (٢). * * * * باب هل يصلّى على غير النبي ﵌ عن ابن أبي أوفى قال: كان إذا أتى رجل النبي ﵌ بصدقته قال: «اللهم صلِّ عليه»، فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى» (٣). فيه دليل على دخول الشخص في آل المضاف إليه. * * * *

стр. 24

باب الدعاء إذا علا عقبة * عن أبي موسى ﵁ قال: كنا مع النبي ﵌ في سفر فكنَّا إذا علونا كَبَّرنا، فقال النبي ﵌: «أيها الناس ارْبَعُوا على أنفسكم، فإنكم لا تَدعُون أصمَّ ولا غائبًا ولكن تدعون سميعًا بصيرًا» ثم أتى عليٌّ ... (١). باب الدعاء إذا أراد سفرا أو رجع * عن عبد الله بن عمر ــ ﵄ ــ أن رسول الله ﵌ كان إذا قَفَل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شَرَف من الأرض ثلاثَ تكبيرات ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كل شيء قدير. آئبون تائبون عابدون، لربنا حامدون. صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده «(٢). يُجمع بينه وبين قوله: «اربَعُوا على أنفسكم» بأنه ﵌ كان يجهر ليعلّمهم، أو أنه إنما نهاهم عن شدة الجهر، والله أعلم. أو أن الجهر خاص ببعض الأذكار التي كان يجهر بها. * * * * في حديث آخِرِ أهل الجنة دخولا أنه يقول عند وصوله إلى باب الجنة وطلبه دخولها: «يا ربِّ لا تجعلْني أشقى خلقك» (٣).

стр. 25

فيقال: كيف يقول هذا وهو حينئذ أسعد من أهل النار بكثير؟ والجواب بأن المراد بالخلق بعضهم، أي غير أهل النار، لا يخفى بُعده إلا أن يقال: يتعيّن القول به جمعًا بين الأدلة. وعليه، فلا حجّة فيه لمن يذهب إلى أن الخلق جميعًا ينتهي أمرهم إلى دخول الجنة. * * * * باب لا تحلفوا بآبائكم فكنا عند أبي موسى ... فقال: ... إني [أتيت] (١) رسول الله ﵌ في نفر من الأشعريين نستحمله فقال: «والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم» فأُتي رسولُ الله ﵌ بنهب إبل فسأل عنا فقال: «أين النفر الأشعريون؟» فأمر لنا بخمسِ ذَودٍ غُرِّ الذُّرَى، فلما انطلقنا قلنا: ما صنعنا؟ حلف أن لا يحملنا وما عنده ما يحملنا، ثم حَمَلنا، تَغَفَّلْنا رسول الله ﵌ يمينَه، والله لا نفلح أبدًا! فرجعنا إليه فقلنا له: إنا أتيناك لتحملنا فحلفت أن لا تحملنا وما عندك ما تحملنا، فقال: «[إنّي] لستُ أنا حملتكم ولكنَّ الله حملكم، والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحلَّلتُها» (٢). قوله: «والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم»، الظاهر أن الواو عاطفة

стр. 26

جملة على جملة. أراد ﵌ أن يبين لهم أنه لم يمنعهم بخلًا، بل ليس عنده ما يحملهم عليه. واللفظ يحتمل أن تكون الواو حالية، أي: لا أحملكم في حال أن ليس عندي ما أحملكم عليه. فعلى الأول يكون حمله ﵌ لهم ثانيًا نقضًا لليمين بخلاف الثاني. ولم يترجَّح عند أبي موسى وأصحابه أحدُ الوجهين، فكان عندهم محتملًا أنه أراد الأول ولكنه نسي فحملهم، وأن يكون أراد الثاني. فرجوعهم هو للاحتمال الأول، وقولهم: «فحلفتَ أن لا تحملنا وما عندك ما تحملنا» بيان؛ لأن لفظه عندهم محتمل للثاني. وقوله ﵌: «لستُ أنا حملتكم، ولكن الله حملكم» إعلام لهم بأن حمله لهم ثانيًا خير، بيَّنه ﵌ ليبني عليه ما بعده، وإرشاد أنه ينبغي أن ينسب الخير إلى الله تعالى، وإن كان العبد هو المباشر له كما ينبغي أن يقال: أنقذني الله على يديك، وأغاثني الله تعالى على يديك، ونحو ذلك كما جاء في: «ما شاء الله ثم شئت»، و «لا بلاغ لي إلا بالله ثم بك». ولا وجه لما قد يُتوهَّم أن حَمْله لهم ثانيًا لا يُعدُّ نقضًا لليمين من حيث إنه إنما حلف أن لا يحملهم هو، ثم حملهم الله تعالى لا هو؛ فإنه توهّم باطل كما لا يخفى. ثم بين ﵌ لهم أنه وإن كان حلف أن لا يحملهم فليس حَمْله لهم محرّمًا عليه كما توهّموا؛ لأنه رأى أن حملهم خير من منعهم، كما بينه بقوله: «لستُ أنا حملتكم ولكن الله حملكم» كما مرّ، فرأى أن يحملهم ويكفّر عن

стр. 27

يمينه، وعبّر عن هذا بما هو أعمّ منه بيانًا للحكم وتعميمًا للفائدة. بقي مناسبة الحديث للترجمة، والظاهر أنها أخذًا من قوله ﵌: «لا أحلف على يمين ... إلا أتيت الذي هو خير وتحلّلتها»، فإنه إخبار أنه لا يحلف على يمين قط إلا تحلّلها إذا رأى غيرها خيرًا منها، فهو يستلزم أنه لا يحلف يمينًا قط إلا واجبة التحليل. واليمين التي هذا شأنها إنما هي ما كان بالله ، فلزم من ذلك أنه لا يحلف إلا بالله ، وهو المطلوب. وفي حواشي السِّنْدي (١) توجيه للمناسبة غير واضح، ويظهر لي أنه أراد ما ذكرته، والله أعلم. * * * * باب إذا حنث ناسيًا عروة عن عائشة ﵂ قالت: «هزم المشركون يوم أُحُد هزيمةً تُعرف فيهم، فصرخ إبليس: أي عباد الله أخراكم! فرجعتْ أُولاهم فاجتلدت هي وأُخراهم، فنظر حذيفة بن اليمان فإذا هو بأبيه فقال أبي! أبي! قالت: فوالله ما انحجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: غفر الله لكم»، قال عروة: «فوالله ما زالت في حذيفة منها بقية حتى لقي الله» (٢). «حاشية السِّنْدي» (٣): «(منها) أي من قِتْلة أبيه، وقوله: (بقية) أي من

стр. 28

حزن وتحسّر، أي من قتل أبيه بذلك الوجه». أقول: ليس هذا بشيء، وإنما المراد بقوله: «منها» أي من تلك الفعلة الكريمة، وهي عفوه عنهم وقوله: غفر الله لكم. فقد ورد أن النبي ﷺ عرض عليه الدية فأبى أن يقبلها، وعفا عنها. وقوله: «بقية» أي بقية خيرٍ وفضلٍ وصلاح رزقه الله تعالى إياه جزاءً له على عفوه. والله أعلم. * * * * «لعن الله السارق يسرق البيضة، فتُقطع يده، ويسرق الحبل، فتُقطع يده» (١) يحتمل أن المراد الجنس، أي جنس البيضة وجنس الحبل. والله أعلم. وقد يقال: إنه على ظاهره، والبيضة قد يبلغ ثَمَنها ثلاثة دراهم في بعض البلدان وبعض الأوقات. وأما الحبل فظاهر. * * * * باب إذا أقرَّ بالحدِّ ولم يبين [هل للإمام أن يستر عليه؟] عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت عند النبي ﵌ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًّا فأقمْه عليّ، ولم يسأله عنه، وحضرت الصلاة فصلى مع النبي ﵌ فلما قضى النبي ﵌ الصلاة، قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًّا فأقمْ فيَّ كتاب الله، قال: «أليس قد صلَّيتَ

стр. 29

معنا؟» قال: نعم، قال: «فإنَّ الله قد غفر لك ذنبك» أو قال: «حدك» (١). فيه أن الصلاة تكفّر الذنوب مطلقًا وإن كانت كبائر. فإن قيل: إن هذا جاء تائبًا فلعل المغفرة إنما كانت للتوبة. قلتُ: يدفعه أن النبي ﵌ قال: «أليس قد صليت معنا؟» فلما قال: نعم، قال: «فإن الله ... » الخ، فدل أن المغفرة كانت بسبب الصلاة فقط لترتيبها عليها بالفاء. نعم، يمكن أن يقال: إن الصلاة التي تكفر الكبائر هي التي تكون معه ﵌ بدليل قوله: «أ [ليس قد] صليت معنا؟» ولكنه قد يُدفع بأنه إنما يتم ذلك لو قال: أليس قد صليت معي، فأما قوله: «أليس قد صليت معنا؟» فالمراد به ــ والله أعلم ــ معنا معشر المسلمين. نعم، المفهوم منه أن الصلاة التي تكفّر الكبائر هي ما كانت جماعة لأنها هي التي تكون مع المسلمين، فلا تدخل الصلاة منفردًا، والله أعلم. فأما حديث: «الصلوات الخمس، [والجمعة إلى الجمعة] كفّارات لما بينهنَّ ما اجتنبت الكبائر» (٢)، فإنما فيه أن أصل الصلوات الخمس لا يجب أن تكون مكفرة للكبائر، فلا يلزم أنها إذا كانت جماعةً كفَّرْتها، وهو الذي يدل عليه الحديث الأول. بقي أن يقال: لعلّه ﵌ اطلع على أن الذنب صغير، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر.

стр. 30

بل الظاهر أن الذي ارتكبه الرجل حدٌّ، ولا يوجب الحدَّ إلا الكبائر، واحتمال غلطه ضعيف، ولو فرض أن الله أطلع رسولَه أن الذي ارتكبه الرجل ليس حدًّا، لبيَّنَ له ذلك، ولا يجوز أن يقرّه على ما يعلم أنه غلط. فأما احتمال أن يكون بيّن له، فلا شبهة في بطلانه. بقي أن يقال: يحتمل أن يكون هذا الرجل هو الذي جاء في الحديث الآخر أنه فعل ما دون المسّ. ويردّه أن ذاك بيّن وهذا لم يبيّن، وإنما قال: «حدًّا»، وقد قال الصحابي في هذا: «ولم يسأله عنه». * * * * باب كم التعزير والأدب عن أبي بردة (الأنصاري) ﵁ قال: كان النبي ﵌ يقول: «لا يُجلد فوق عشر جلدات إلا في حدٍّ من حدود الله» (١). أقول: وهذا يضعف قول من قال: إن زيادة الصحابة ﵃ حدَّ الشارب إلى ثمانين كان على وجه التعزير. فإن قيل: هذا من جملة حدود الله. قلتُ: هو من حدود الله بالنسبة إلى الأربعين التي حزروا أنها كانت مقررة في عهده ﵌ لا بالنسبة إلى الزائد. فتأمل.

стр. 31

اللهم إلا أن يقال: لعله لم يبلغهم هذا الحديث (١). * * * * «صحيح البخاري» في كتاب الإكراه: «باب إذا أُكره حتى وهب عبدًا أو باعه لم يجز. وقال بعض الناس: فإنْ نذر المشتري فيه نذرًا فهو جائز بزعمه وكذلك إن دَبَّره». في الحاشية (٢): «حاصل كلام الحنفية أن بيع المكرَه منعقد إلا أنه بيع فاسد لتعلُّق حقِّ العبد به، فيجب توقفه إلى إرضائه، إلا إذا تصرَّف فيه المشتري تصرُّفًا لا يقبل الفسخ، فحينئذ قد تعارض فيه حقّان كلٌّ منهما للعبد: حق المشتري وحق البائع، وحقُّ البائع يمكن استدراكه مع لزوم البيع بإلزام القيمة ... فالنزاع معهم في هذا الأصل ومقدماته أو تسليمه، فالفرق مقارب غير بعيد نظرًا إلى القواعد. والله تعالى أعلم». أقول: بل فيه نظر؛ لأن تصرف المشتري هو مبني على الحق الذي له، والحق الذي له غير معتبر، فكذلك ما بُني عليه.

стр. 32

كتاب الاعتصام، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾ عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: «يُجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغتَ؟ فيقول: نعم يا رب ، فتُسأل أمَّتُه: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقال: مَنْ شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم فتشهدون» ثم قرأ رسول الله ﵌: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: «عدلا» ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١). قيل: ما فائدة شهادتنا، وإنما هي مبنية على إعلام الله تعالى لنا؟ فهلَّا اكتفى الله بعلمه؟ وأجيب بأن الفائدة إظهار فضل هذه الأمة. وأقول: يحتمل أن يكون في الحديث دلالة أن الحاكم لا يحكم بعلمه، ولكنه إذا كان قبل المحاكمة، وقد حمّل شهادته شهودًا ثم قامت المحاكمة عنده فجاء المحمَّلون فشهدوا عنده فإنه يقبل تلك الشهادة. وتقام شهادتهم مقام شهادة الأصل، أي أن شهادة محمدٍ وأمته لنوحٍ تقام مقام شهادة الله . فهي حجة وحدها. وأما شهادة المحمَّلين عن القاضي من الخلق، فإنما يقوم مقام شهادة مخلوق واحد. نعم، فلو كان ذلك القاضي هو خزيمة فهي وحدها حجّة، وإلا فلا.

стр. 33

وكأنَّ مِن سرِّ هذا الحكم أن مقام القاضي وقت المحاكمة مقام المساواة، أي أنه يكون نظره إلى الخصمين نظرًا واحدًا لا يميل إلى أحدهما ولو بحقٍّ، حتى تقوم الحجة. ومنه أيضًا ــ والله أعلم ــ أن الحاكم لو أقام علمه مقام شهادته كان مظنّة التهمة. فأما إقامة علم القاضي مقام شاهدين فلا وجه له. نعم، ما وقع في المحاكمة من اعتراف ونحوه، فعلم القاضي كافٍ فيه. ومن الدليل على ذلك قوله ﵌: «واغدُ يا أُنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» (١). ولم يأمره أن يُشهد على اعترافها أحدًا مع أنه يمكن أن يقوم ورثتها يدّعون على أنيس أنه رجمها بغير حقٍّ. * * * * كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]. « ... وقال مجاهد: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨]. بالرسالة والعذاب. ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]. المبلغين المؤدين من الرسل. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. عندنا. ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ القرآن ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]. المؤمن يقول يوم القيامة: هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه».

стр. 34

يقول كاتبه: كأنه يريد ــ والله أعلم ــ أن التقدير (و) الشخص (الذي جاء) أي يجيء يوم القيامة (بالصدق) وهو القرآن، (و) قد (صدق به) في الدنيا. وهذا تفسير واضح والحمد لله. * * * * كتاب التوحيد عن أبي هريرة عن النبي ﵌ يرويه عن ربكم قال: «لكُلِّ عملٍ كفارةٌ، والصوم لي وأنا أجزي به و لخُلُوف فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك» (١). «حاشية السندي» (٢): «نسبة الأطيبية إلى الله تعالى ــ مع أنه منزّه عنها ــ إنما هي على سبيل الغرض (الفرض) (٣)، ومرّ الحديث في الصوم. اهـ شيخ الإسلام (٤)». يريد أن ظاهر قوله: «أطيب عند الله» أن الله يستطيبه أكثر مما يستطيب المسك. وأقول: هذا غير متعيّن، بل المتبادر أنه يُجاء به يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك. * * * *

стр. 35

كتاب التوحيد، باب ذكر النبي ﵌ وروايته عن ربّه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﵌ فيما يرويه عن ربّه قال: «لا ينبغي لعبد أن يقول: إنه خير من يونس بن متَّى» ونسبه إلى أبيه (١). يقول كاتبه: هذه الرواية تدفع كثيرا من التأويلات في الحديث؛ لأن فيها أن هذا اللفظ من كلام الله ﵎ يقول: «لا ينبغي لعبد أن يقول: إنه خير من يونس بن متى». فبطل تأويل الحديث بأن النبي ﵌ قاله تواضعًا، فضلًا عن كون هذا التأويل باطلًا بوجوه أُخَر: منها: أن الكذب لا يحلّ في التواضع، والنبي ﵌ معصوم عن الكذب. ومنها: أنه ﵌ قد أخبر بفضائل لنفسه الشريفة، ولم يُعدَّ في ذلك مخِلًّا بالتواضع. ومنها: أن التواضع إنما يكون بالنسبة إلى نفسه لا بالنسبة إلى بقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والحديث عام. وبهذه الرواية أيضًا بطل التأويل بكونه ﵊ قاله قبل أن يُعلمه الله تعالى، فضلًا عن كون هذا التأويل باطلًا بكونه ﵊ معصومًا عن أن يقفو ما ليس له به علم. وإطلاق الحديث يدفع التقييدات التي تُدّعى، كأن يقال: إن المراد أن يقول مثلًا: أنا خير من يونس بن متى كخيريّة المؤمن على الفاسق، أو نحو ذلك مما يوهم نقصًا في يونس ﵇، فضلًا عن كون هذا الوجه غير

стр. 36

معقول، فإن مجرّد إثبات الخيريّة يوهم نقصًا. فإن قيل: إنما فيه أنه لا ينبغي هذا القول لعبدٍ أن يقوله في حق نفسه، وليس فيه أنه [لا ينبغي] (١) أن يقول أحد في حقّ غيره، كأن يقول أحدنا: إبراهيم خير .... ويردّه أنه لو جاز مثل هذا لجاز ذاك، ولا فرق. فأما العُجْب فالأنبياء معصومون عنه، وقد جاء عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كثير من التحدّث بنعم الله عليهم، ومع هذا ففي الرواية الأخرى: «لا ينبغي لعبد أن يكون خيرًا من يونس بن متى» (٢). بل إن هذه الرواية تنفي الأفضلية في نفسها فضلًا [عن] الإخبار بها المنهيّ عنه في قوله ﵌: «لا تفضِّلوا بين أنبياء الله» (٣). والله أعلم. ويمكن الجواب عنها بأنها من تصرّف الرواة، أو محمولة على قيد مخصوص دلّت عليه سائر الأدلة. والمقام حرج والمَخْلص الوقف. والله أعلم (٤).

стр. 37

[تعليق على أحاديث من «صحيح مسلم»] «صحيح مسلم» (١): عن قتادة قال: سمعت أبا السَّوَّار يحدِّث أنه سمع عمران بن حصين يحدث عن النبي ﵌ أنه قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير» . فقال بُشَير بن كعب: إنه مكتوب في الحكمة: أنَّ منه وقارًا ومنه سكينة، فقال عمران: أحدِّثك عن رسول الله ﵌ وتحدِّثني عن صُحُفك؟! وفي رواية (٢): قال رسول الله ﵌: «الحياء خيرٌ كلُّهُ»، أو قال: «الحياء كله خير»، فقال بُشَير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أنَّ منه سكينةً ووقارًا لله، ومنه ضعف. قال: فغضب عمران حتى احمرَّتا عيناه، وقال: ألا أُرَاني (٣) أُحدِّثك عن رسول الله ﵌ وتعارض فيه؟ قال: فأعاد عمران الحديث، قال: فأعاد بُشير، فغضب عمران، قال: فما زِلْنا نقول فيه: إنه منَّا يا أبا نُجيد! إنه لا بأس به. يقول كاتبه ــ وفقه الله ــ: الحياء غريزة من الغرائز تحمل صاحبها على عدم إظهار ما يُعاب، لكنه تارة يوجد تامًّا وتارة يوجد ضربٌ منه. فالحياء الكامل (وهو المراد في الحديث) لا يأتي إلا بخير؛ لأن الحياء الكامل أن يستحيي المرء من ربه الذي خلقه ورزقه، ومن الناس أن يروا فيه عيبًا.

стр. 38

فربما لا يكون هناك معارضة كالاستحياء من الزناء. وربما تكون معارضة، فإذا وُجدت المعارضة فغريزة الحياء تحمل صاحبها على التخلِّص من العيب الأكبر، ولو بارتكاب الأصغر. مثلًا: نساء الأنصار اللاتي كنَّ يسألن النبي ﵌، تَعارضَ عندهنَّ ضربان من الحياء: الأول: الحياء من الله ومن نبيِّه والناس أن يكنَّ جاهلاتٍ بأحكام الله؛ الذي هو مظنّة الوقوع في معصيته. والثاني: الحياء من النبي ﵌ ومن حضره، أن يُظهرن ما يُعدُّ إظهاره عيبًا عند الناس. فحَمَلتهنّ غريزةُ الحياء على التخلص من العيب الأكبر، وهو الجهل ومظِنَّة الوقوع في المعصية، ولو بارتكاب العيب الأصغر. وكذلك ما رُوي عن المأمون ــ ما معناه ــ أنه أمر عَمًّا له شيخًا أن يتعلّم. فقال عمُّه: أليس قبيحًا بالشيخ أن يتعلَّم؟ فأجابه المأمون: إذا كان [ليس] (١) قبيحًا بالشيخ أن يكون جاهلا، فليس قبيحًا به أن يتعلَّم! أو كما قال (٢). فهاهنا عيبان: أحدهما أكبر، وهو كون الشيخ جاهلًا، والآخر كون الشيخ يطلب العلم. فغريزة الحياء تحمل صاحبها على التخلُّص من الأكبر ولو بارتكاب الأصغر. وقد يمكن الجمعُ بين الأمرين، فهو حسن.

стр. 39

ومثاله ما رُوي عن النبي ﵌ مِن أمره مَنْ أحدث وهو في المسجد أن يأخذ بأنفه ويخرج (١). فإن هاهنا عيبين أحدهما أكبر، وهو أن يصلي وهو محدث. والآخر أن يعرف الناس أنه لم يقدر يضبط نفسه عن الحدث. فغريزة الحياء تحمل صاحبها على التخلص من الأكبر، ولو بارتكاب الأصغر، ولكنه أرشده ﵌ إلى التخلص منهما معًا بتلك الحيلة. وهذه الحيلة ليس فيها مَضرَّة على أحد، ولكنها من إيهام خلاف الواقع، وهو ضرب من الكذب، وإنما أُبيح للضرورة دفعًا لسفاهة السفهاء. ونظير ما ذكرنا أن الغريزة نفسها تحمل صاحبها على دفع الأكبر ولو بارتكاب الأصغر = غريزة البخل. فإن البخيل إذا علم أن حاكمًا سيحكم عليه بعشرة آلافٍ، وظنَّ أنه إن رشا الحاكم بألفين مثلًا لا يحكم عليه، فإن غريزة البخل نفسها تحمله على بذل الألفين. ومنه أمرُ عليٍّ للمقداد بسؤال النبي ﵌ عن المذي (٢). وبما قرّرتُه ظهر لك واضحًا أن ما قاله ﵌ هو الواقع المعقول. وأما ما حكاه بُشير عن كتب الحكمة، فإن المراد به ضرب مما يسمَّى

стр. 40

حياء، وإن كان مخالفًا لما تقتضيه غريزة الحياء، كاستحياء الجاهل عن تعلُّم ما يلزمه. فهذا يسمَّى حياءً لكن صاحبه إذا طاوعه فامتنع عن السؤال فإنه بذلك لم يستَحْيِ من الجهل الذي هو عيب ومظنة الوقوع في عيوب كثيرة. وبذلك يصدق عليه أنه ليس عنده غريزة الحياء الكامل؛ إذ لو كانت عنده لحملتْه على أن يراعيَ الحياء الأكبر، أعني التخلُّص من العيب الأكبر، وإن وقع في الأصغر. والله أعلم. * * * * (باب تحريم الكبر) عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: «لا يدخل النارَ أحد في قلبه مثقال حبَّةِ خردلٍ من إيمان، و لا يدخل الجنةَ أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء» (١). ربما يُفهم منه أن المراد بالكبر هاهنا الكبر عن الإيمان. * * * * حديث مسلم (٢) عن حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله ﵌: أرأيت أمورًا كنت أتحنَّث بها في الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله ﵌: «أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير» . خلاصة ما قامت عليه الأدلة أن أعمال الخير مكتوبة للكافر، ولكنه إن
следующие страницы →