← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 528

الفوائد الحديثية - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (139 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

معقول، فإن مجرّد إثبات الخيريّة يوهم نقصًا. فإن قيل: إنما فيه أنه لا ينبغي هذا القول لعبدٍ أن يقوله في حق نفسه، وليس فيه أنه [لا ينبغي] (١) أن يقول أحد في حقّ غيره، كأن يقول أحدنا: إبراهيم خير .... ويردّه أنه لو جاز مثل هذا لجاز ذاك، ولا فرق. فأما العُجْب فالأنبياء معصومون عنه، وقد جاء عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كثير من التحدّث بنعم الله عليهم، ومع هذا ففي الرواية الأخرى: «لا ينبغي لعبد أن يكون خيرًا من يونس بن متى» (٢). بل إن هذه الرواية تنفي الأفضلية في نفسها فضلًا [عن] الإخبار بها المنهيّ عنه في قوله ﵌: «لا تفضِّلوا بين أنبياء الله» (٣). والله أعلم. ويمكن الجواب عنها بأنها من تصرّف الرواة، أو محمولة على قيد مخصوص دلّت عليه سائر الأدلة. والمقام حرج والمَخْلص الوقف. والله أعلم (٤).

стр. 37

[تعليق على أحاديث من «صحيح مسلم»] «صحيح مسلم» (١): عن قتادة قال: سمعت أبا السَّوَّار يحدِّث أنه سمع عمران بن حصين يحدث عن النبي ﵌ أنه قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير» . فقال بُشَير بن كعب: إنه مكتوب في الحكمة: أنَّ منه وقارًا ومنه سكينة، فقال عمران: أحدِّثك عن رسول الله ﵌ وتحدِّثني عن صُحُفك؟! وفي رواية (٢): قال رسول الله ﵌: «الحياء خيرٌ كلُّهُ»، أو قال: «الحياء كله خير»، فقال بُشَير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أنَّ منه سكينةً ووقارًا لله، ومنه ضعف. قال: فغضب عمران حتى احمرَّتا عيناه، وقال: ألا أُرَاني (٣) أُحدِّثك عن رسول الله ﵌ وتعارض فيه؟ قال: فأعاد عمران الحديث، قال: فأعاد بُشير، فغضب عمران، قال: فما زِلْنا نقول فيه: إنه منَّا يا أبا نُجيد! إنه لا بأس به. يقول كاتبه ــ وفقه الله ــ: الحياء غريزة من الغرائز تحمل صاحبها على عدم إظهار ما يُعاب، لكنه تارة يوجد تامًّا وتارة يوجد ضربٌ منه. فالحياء الكامل (وهو المراد في الحديث) لا يأتي إلا بخير؛ لأن الحياء الكامل أن يستحيي المرء من ربه الذي خلقه ورزقه، ومن الناس أن يروا فيه عيبًا.

стр. 38

فربما لا يكون هناك معارضة كالاستحياء من الزناء. وربما تكون معارضة، فإذا وُجدت المعارضة فغريزة الحياء تحمل صاحبها على التخلِّص من العيب الأكبر، ولو بارتكاب الأصغر. مثلًا: نساء الأنصار اللاتي كنَّ يسألن النبي ﵌، تَعارضَ عندهنَّ ضربان من الحياء: الأول: الحياء من الله ومن نبيِّه والناس أن يكنَّ جاهلاتٍ بأحكام الله؛ الذي هو مظنّة الوقوع في معصيته. والثاني: الحياء من النبي ﵌ ومن حضره، أن يُظهرن ما يُعدُّ إظهاره عيبًا عند الناس. فحَمَلتهنّ غريزةُ الحياء على التخلص من العيب الأكبر، وهو الجهل ومظِنَّة الوقوع في المعصية، ولو بارتكاب العيب الأصغر. وكذلك ما رُوي عن المأمون ــ ما معناه ــ أنه أمر عَمًّا له شيخًا أن يتعلّم. فقال عمُّه: أليس قبيحًا بالشيخ أن يتعلَّم؟ فأجابه المأمون: إذا كان [ليس] (١) قبيحًا بالشيخ أن يكون جاهلا، فليس قبيحًا به أن يتعلَّم! أو كما قال (٢). فهاهنا عيبان: أحدهما أكبر، وهو كون الشيخ جاهلًا، والآخر كون الشيخ يطلب العلم. فغريزة الحياء تحمل صاحبها على التخلُّص من الأكبر ولو بارتكاب الأصغر. وقد يمكن الجمعُ بين الأمرين، فهو حسن.

стр. 39

ومثاله ما رُوي عن النبي ﵌ مِن أمره مَنْ أحدث وهو في المسجد أن يأخذ بأنفه ويخرج (١). فإن هاهنا عيبين أحدهما أكبر، وهو أن يصلي وهو محدث. والآخر أن يعرف الناس أنه لم يقدر يضبط نفسه عن الحدث. فغريزة الحياء تحمل صاحبها على التخلص من الأكبر، ولو بارتكاب الأصغر، ولكنه أرشده ﵌ إلى التخلص منهما معًا بتلك الحيلة. وهذه الحيلة ليس فيها مَضرَّة على أحد، ولكنها من إيهام خلاف الواقع، وهو ضرب من الكذب، وإنما أُبيح للضرورة دفعًا لسفاهة السفهاء. ونظير ما ذكرنا أن الغريزة نفسها تحمل صاحبها على دفع الأكبر ولو بارتكاب الأصغر = غريزة البخل. فإن البخيل إذا علم أن حاكمًا سيحكم عليه بعشرة آلافٍ، وظنَّ أنه إن رشا الحاكم بألفين مثلًا لا يحكم عليه، فإن غريزة البخل نفسها تحمله على بذل الألفين. ومنه أمرُ عليٍّ للمقداد بسؤال النبي ﵌ عن المذي (٢). وبما قرّرتُه ظهر لك واضحًا أن ما قاله ﵌ هو الواقع المعقول. وأما ما حكاه بُشير عن كتب الحكمة، فإن المراد به ضرب مما يسمَّى

стр. 40

حياء، وإن كان مخالفًا لما تقتضيه غريزة الحياء، كاستحياء الجاهل عن تعلُّم ما يلزمه. فهذا يسمَّى حياءً لكن صاحبه إذا طاوعه فامتنع عن السؤال فإنه بذلك لم يستَحْيِ من الجهل الذي هو عيب ومظنة الوقوع في عيوب كثيرة. وبذلك يصدق عليه أنه ليس عنده غريزة الحياء الكامل؛ إذ لو كانت عنده لحملتْه على أن يراعيَ الحياء الأكبر، أعني التخلُّص من العيب الأكبر، وإن وقع في الأصغر. والله أعلم. * * * * (باب تحريم الكبر) عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: «لا يدخل النارَ أحد في قلبه مثقال حبَّةِ خردلٍ من إيمان، و لا يدخل الجنةَ أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء» (١). ربما يُفهم منه أن المراد بالكبر هاهنا الكبر عن الإيمان. * * * * حديث مسلم (٢) عن حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله ﵌: أرأيت أمورًا كنت أتحنَّث بها في الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله ﵌: «أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير» . خلاصة ما قامت عليه الأدلة أن أعمال الخير مكتوبة للكافر، ولكنه إن

стр. 41

علم الله منه أنه يموت على كفره فإنه يجزيه بها في الدنيا موفَّاةً بلا بخس. فإذا جاء يوم القيامة لم يكن له حسنة. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. وقد تقدّم صريحًا (ص ١٦٠) (١) في حديث مسلم عن أنس. وحينئذ يقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. وإن علم الله أنه يؤمن جزاه بها في الدنيا وفي الآخرة كما في حديث حكيم. فإن قيل: قد تكثر أعمال الخير من الكافر جدًّا ويقلُّ جزاؤه في الدنيا. قلتُ: إن الله يحاسب الكافر بجميع النعم التي أنعمها عليه من الخلق والسمع والبصر والقوة وغير ذلك. فإذا نظر إلى هذا علم أن أقل نعمة من هذه النعم تفي بجميع الأعمال. فأما المؤمن فإن الله فضلًا منه يُسامحه من هذا الحساب. وربما إذا كثرت أعمال الخير من الكافر يوفقّه الله تعالى للإيمان.

стр. 42

فإن قيل: فقضية أبي طالب تدل أن الكافر قد يُجزى في الآخرة ببعض أعماله الخيرية. قلتُ: ليس في قصة أبي طالب أنه جُزي بعمله، وإنما قال النبي ﵌: «و لولا أنا لكان في [الدَّرْك الأسفل من النار]» (١). فيحتمل أن يقال: لم يُخفَّف عنه مما يستحقه، فكل من كان مثله فإنما يستحقُّ مثل ذلك؛ لأنه لم يكن له أعمال سيئة غير التوقُّف عن التلفظ بالشهادة. وقول النبي ﵌: «لولا أنا» أي كنتُ سببًا لمنعه عن ارتكاب الأعمال التي تقتضي زيادة العذاب. ويحتمل أن يقال: إنه خُفِّف عنه بشفاعة النبي ﵌، وهو المتبادر من قوله: «لولا أنا ... ». لكن يُعارض هذا قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، إلا أن تؤوَّل الآية في الشفاعة في الآخرة؛ وشفاعة النبي ﵌ لأبي طالب وقعت في الدنيا. أو يقال بتخصيص الآية، وفيه نظر. ويحتمل أن يقال: قد وقع التقييد في بعض الأدلة القاضية بأن الكافر يوفَّى جزاءه في الدنيا بمن يريد الحياة الدنيا وزينتها. فإذا حُمل المطلق على المقيَّد، احتمل أن مَن كان مِن الكفَّار يريد الآخرة كضُلَّال أهلِ الكتاب ربما يُجزى في الآخرة ببعض أعماله فيخفَّف عنه العذاب، فلعلَّ أبا طالبٍ كذلك.

стр. 43

ويحتمل أن يقال: إن أبا طالب يجازى بأعماله الخيرية خصوصيةً للنبي ﵌، فيكون ذلك مخصِّصًا لعموم الأدلة. وهذا أضعف الوجوه. بقيت قصَّة أبي لهب (١). وقصة أبي لهب رؤيا رآها بعض أهله، فإن صحَّت تعيَّن فيها أن يُقال: خصوصية للنبي ﵌. والله أعلم. [فائدة:] قول المفسرين والبيانيين وغيرهم: إن كلمة «يُطاع» في قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ لا مفهوم له وليس بقَيدٍ = فيه نظر للحديث الصحيح أن إبراهيم ﵇ يلقى أباه يوم القيامة ويشفع له (٢). * * * * الحمد لله. في حديث الأشعث بن قيس عند مسلم (٣): « ... كان بيني وبين رجلٍ أرض باليمن فخاصمتُه إلى النبي ﵌: فقال: «هل لك بيّنة؟» فقلتُ: لا، قال: «فيمينه»، قلتُ: إذن يحلف!». وفي رواية (٤): «فقال: شاهداك أو يمينه». يحتج من لا يقول بحجِّية الشاهد الواحد مع اليمين بقوله: «شاهداك أو

стр. 44

يمينه». ولا يخفى أن هذا اللفظ لم تتفق عليه الروايات، بل في بعضها إطلاق البيِّنة. ولا شك أن الواقعة واحدة، والنبي ﵌ لم يتكلَّم بها جميعًا، وإنما تكلَّم بواحدة منها، أو بما في معنى واحدة منها. فلا يصحُّ الاحتجاج إلا بالمعنى المشترك بينها كلِّها. وقد قال لي قائل في مثل هذا: يُحمل المطلق على المقيد. فأجبته بأن حَمْل المطلق على المقيد إنما يكون في النصَّين الثابتين. وقد قدَّمتُ أن هذا ليس من ذلك، لظهور أن النبي ﵌ لم يتكلَّم بالجميع. فتأمل. ومثل هذا يقال في حديث صُلْح الحديبية، فإن في بعض الروايات لفظ «رجل» (١)، وفي بعضها: «من» (٢)، ولا ندري أيُّ اللفظين وقع في العهد. وقد رجَّح الشافعي (٣) دخول النساء بأن الله أمر بإعطاء ما أنفقوا، ولو لم يدخلْن لما أمرلهم بشيءٍ. وفيه نظر من وجهين: الأول: أن عدم دخولهن في العهد لا يقتضي عدم ردِّهن بل يَبْقَين مسكوتًا عنهنَّ. والمسكوت عنه في المعاهدات إما أن يُلحق بما دخل قياسًا، وإما أن يتفاوض فيه المتعاهدان ليتَّفقا على حلٍّ مرضيٍّ.

стр. 45

والقياس هنا غير واضح، كما يظهر للمتأمل. فلم يبق إلا المفاوضة، فأرشد الله إلى إرجاع النفقة، فرضي الفريقان بذلك. والوجه الثاني: أن إعطاء النفقة للكفار جُعل في مقابله إعطاؤهم للمسلمين نفقة من يرتدُّ من نسائهم. مع أنه ليس في المعاهدة الأولى أن على الكفار إرجاع نساء المؤمنين ولا عدمه، بل هنَّ أيضًا مسكوت عنهن. فتبيَّن من هذا أنه اتفاق آخر. والله أعلم. * * * * باب الإسراء عن ابن عباس قال: سرنا مع رسول الله ﵌ بين مكة والمدينة، فمررنا بواد فقال: «أيُّ واد هذا؟» فقالوا: وادي الأزرق، فقال: «كأني أنظر إلى موسى ﷺ ــ فذكر من لونه وشعره شيئًا لم يحفظه داود (أحد الرواة) ــ واضعًا أصبعيه في أُذُنيه له جُؤَار إلى الله بالتلبية مارًّا بهذا الوادي» (١). يقول كاتبه: يؤخذ منه استحباب وضع السبابتين في الأذنين عند الأذان لزيادة رفع الصوت. فأما ما في «البخاري» أن ابن عمر كان لا يفعله، ويُذكر أن بلالًا كان يفعله (٢)، فالظاهر ــ والله أعلم ــ أن ابن عمر لم يكن يقصد زيادة رفع الصوت كما كان يقصده بلال، أو كان صوته عاليًا بحيث لا يحتاج إلى ذلك،

стр. 46

أو لم يبلغه هذا الحديث. والحاصل أن وضع الأصبعين في الأذنين ليس سنةً مقصودًا لذاته حتى يندب في كلِّ أذان. وإنما المقصود منه الإعانة على رفع الصوت، فإن أراد الإنسان زيادة رفع الصوت فعله. وقد ثبت أن رفع الصوت في الأذان سنة، وما يُستعان به على السنة يكون له حكمها. والله أعلم. ويؤخذ من الحديث أيضًا: استحباب رفع الصوت بالتلبية بأقصى ما يمكن. نعم، رفع الصوت بالأذان مطلوب ولكن لا إلى حدّ أن يشقَّ على صاحبه، فكذا في التلبية. والله أعلم. * * * * في «صحيح مسلم» (١) عن عائشة أن أسماء سألت النبي ﵌ عن غسل المحيض، فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتَطهَّرُ فتحسن الطهورَ، ثم تصبُّ على رأسها فتَدلُكُه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها ... »، وسألته عن غسل الجنابة فقال: «تأخذ ماءً فتطهَّر فتُحسن الطهور ــ أو تُبلِغ الطهور ــ ثم تصب على رأسها فتدلُكُه حتى تبلغ شؤون رأسها ... ». وفيه أيضًا (٢) عن أمِّ سلمة قالت: قلتُ: يا رسول الله إني امرأة أَشُدُّ ضَفْر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيكِ أن تَحْثِي على رأسك ثلاث حَثَيات، ثم تُفيضين عليك الماء فتَطْهرين».

стр. 47

وفيه (١) عن عائشة أنه بلغها أن عبد الله بن عَمْرو يأمر النساء إذا اغتسلْن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: «لقد كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﵌ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أُفرِغ على رأسي ثلاث إفراغات». قد يُتوهَّم بين الأحاديث معارضة. والظاهر أن وصول الماء إلى (٢) بشرة الرأس لا بدَّ منه. وأما باطن الشعر فتكفي فيه ثلاث حثيات. وبهذا تتفق الأحاديث. وفي «مسلم» (٣) أحاديث أنه ﵌ قال: «أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا». وفيه (٤) عن جابر قال: كان رسول الله ﵌ إذا اغتسل من جنابة صبَّ على رأسه ثلاث حفناتٍ من ماء. فقال الحسن بن محمد: إن شعري كثير. قال جابر: فقلت له: يا ابنَ أخي كان شعر رسول الله ﵌ أكثر من شعرك وأطيب. وفيه (٥) عن عائشة: «كان رسول الله ﵌ إذا اغتسل من الجنابة ... ثم يتوضَّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ يأخذ الماء فيُدخل أصابِعَه في أصول الشعر. حتَّى إذا رَأَى أن قد استبرأ، حَفَنَ على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثمَّ غسل رجليه».

стр. 48

فتبيَّن بهذا أن الثلاث الحفنات إنما هي بعد إيصال الماء إلى بشرة الرأس، والثلاث الحفنات إنما هي لأجل بواطن الشعر. فاتفقت الأحاديث على أن وصول الماء إلى بشرة الرأس لا بد منه. وأما الشعر فيكفي له ثلاث حفنات مُطلقًا. والله أعلم. * * * * (باب ما يجمع صفة الصلاة) (١) عن ميمونة زوج النبي ﵌ قالت: «كان رسول الله ﵌ إذا سجد خَوَّى بيديه ــ يعني جَنّح ــ حتى يُرى وَضَحُ إبطيه من ورائه، وإذا قعد اطمأَنَّ على فخذه اليسرى». أقول: ظاهر هذا أنها تريد التورُّك، فيكون الحديث دليلًا عليه. * * * * باب سترة المصلِّي عن الحكم قال: سمعت أبا جحيفة قال: «خرج رسول الله ﵌ بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ فصلَّى الظهر ركعتين ، والعصر ركعتين وبين يديه عَنَزة» (٢). أقول: ظاهره أنه جَمَع تقديمًا (٣).

стр. 49

باب ما يتعلَّق بالقراءات (١) عن [إبراهيم قال: أتى] علقمة الشام، فدخل مسجدًا فصلَّى فيه، ثم قام إلى حلقة فجلس فيها. قال: «فجاء رجل فعرفتُ فيه تَحَوُّشَ القوم وهيئتهم (يعني أبا الدرداء) ... ». قال المُحشِّي (٢): «تحوش القوم وهيئتهم: أي اجتماعهم حوله وانقباضهم عنِّي». يقول كاتبه: بل التحوُّش هنا الاستحياء والانقباض. والمراد بالقوم الصحابة. يقول علقمة: عرفتُ في هذا الرجل استحياءَ الصحابة وانقباضهم وهيئتهم، فعرفت أنَّه صحابي. والله أعلم. * * * * في «صحيح مسلم» في حديث الركعتين بعد العصر (٣): «إنه أتاني ناسٌ من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان». ففيه أن كراهة الصلاة بعد العصر كان قبل قدوم وفد عبد القيس. وفيه

стр. 50

حديث عَمْرو بن عَبَسة (١) وفيه ذِكر أوقات الكراهة. وكان قدومه على ما في «الإصابة» (٢) بعد خيبر قبل الفتح. * * * * في حديث الزكاة (٣): « ... ولا صاحبَ كنزٍ لا يفعل فيه حقَّه، إلا جاء كنزُه يوم القيامة شُجاعًا أقرع يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فرَّ منه فيناديه: خذ كنزك الذي خبَأْته فأنا عنه غني ... ». ذكر في «حواشي صحيح مسلم» عن ابن المَلَك (٤) أن فاعل «يناديه» ضمير يعود على الكنز؛ ومستنده عدم تقدُّم مرجع غيره، وما جاء في بعض الروايات أن الكنز يقول لصاحبه: «أنا مالك، أنا كنزك» (٥). والصواب: أن الفاعل ضمير يعود إلى الله وإن كان غير مذكور فهو معلوم من المقام كما في ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. ويبيِّن ذلك قوله: «فأنا عنه غني». وفي بعض الروايات: «يتبع صاحبه حيثما ذهب، وهو يفرُّ منه، ويقال:

стр. 51

هذا مالُك الذي كنتَ تبخَلُ به» (١). فالكنز نفسه يدعوه: «أنا كنزك أنا مالك»، والباري تعالى يناديه: «خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني». وأما قول: «هذا مالك الذي كنت تبخل به» فلعلّه معنى قوله: «خذ كنزك الذي خبَأْته»؛ رُوي بالمعنى. والله أعلم. * * * * الحمد لله. في حديث الصدقة (٢): «لا يتصدَّق أحدٌ بتمرة من كسبٍ طيِّب إلا أخذها الله بيمينه فيربِّيها كما يُربِّي أحدُكم فلوَّه أو قَلُوصَه حتى تكون مثل الجبل أو أعظم». فسَّروا التربية بمطلق الزيادة، أي أن الله يضاعفها أضعافًا كثيرة. وفي هذا نظر لضعف مطابقته للفظ التربية وللتمثيل بتربية أحدنا الفلوَّ. والصواب: أن الله يأخذها ويضاعفها الأضعاف التي يريدها، ثمَّ كلَّما وقع في الكون خير مسبَّبٌ عنها ضمَّ مثلَ أجره إليها. فإذا تصدَّق أحدُنا بتمرة أخذها الله وضاعفها، ثمَّ إذا اقتدى به آخر فتصدَّق، ضمَّ الله مثلَ أجر هذا الآخر إلى تلك التمرة. وهكذا

стр. 52

في الصدقات المتسلسلة. وإذا استعان المتصدَّق عليه بالتمرة أو أحد المتصدَّق عليهم بالصدقات المتسلسلة عنها على فعل طاعة = ضمَّ الله مثل أجره إلى تلك التمرة. وإذا استعان بها على زواج فكذلك. وكذا من يتولَّد من الناس ولتلك التمرة أو الصدقات المتسلسلة عنها علاقة في تولُّده، فكلَّما عمل خيرًا ضمَّ الله مثل أجره إلى التمرة. وكذا كلُّ من يتولَّد من ذلك المولود إلى يوم القيامة. والله أعلم. * * * * في حديث مسلم (١): «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] , وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعثَ أغبرَ يمدُّ يديه إلى السماء: يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟». أقول: في هذا الحديث دليل على أن المراد بالطيبات في الآيتين الحلال لا اللذائذ. والله أعلم. * * * *

стр. 53

في حديث الصدقة (١): «[قال رجل: لأتصدَّقنَّ اللَّيلةَ بصدقة] فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدَّثون: تُصدِّق الليلة على زانية! قال: اللهم لك الحمد على زانية ... ». قوله: «اللهم لك الحمد» أي على كلِّ حال، ثمَّ استأنف فقال: «على زانية» أي أَعلى زانية؟! من باب الاستفهام الإنكاري، أي أتصدَّقتُ على زانيةٍ؟ وهكذا في الموضعَين الآخرين. * * * * في «صحيح مسلم» (٢) عن أبي أُمامة قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «يا ابن آدم إنك أن تَبذُل الفضلَ خيرٌ لك، وأن تُمسِكَه شرٌّ لك، ولا تُلام على كفاف، وابدأ بمن تعول». وفيه (٣): «أفضل الصدقة ــ أو خير الصدقة ــ عن ظهر غنًى» . نقل المحشِّي عن ابن المَلَك (٤) وغيره: أنه قد يُشكل هذا مع حديث: «أفضل الصدقة جُهد المقلِّ» (٥)، وذكر الجواب عنه بما فيه نظر.

стр. 54

وأقول: إنه لا منافاة؛ فإن المراد بالغنى الكفاف، بمعنى أنَّ أفضل الصدقة ما لم تخلَّ بالكفاف. أي ما تركتْ لصاحبها ما يكفيه. والمقصود أن المتصدِّق له حالان: الأولى: أن يتصدَّق وقد بقي له ما يكفيه. الثانية: أن يتصدَّق بقوته الذي هو محتاج إليه. فالأولى أفضل. وقوله في الحديث الآخر: «جهد المقل» لا ينافي هذا؛ لأن جهد المقلِّ المراد به أقصى ما قدر عليه حيث لم يبق له غير الكفاف. والحاصل أن للمتصدِّق في نفس الأمر ثلاثة أحوال: الأولى: أن يتصدَّق وقد بقي عنده أكثر مما يكفيه. الثانية: أن يتصدَّق وقد بقي عنده ما يكفيه فقط. الثالثة: أن يتصدَّق بقوته ويبقى محتاجًا. فقوله: «عن ظهر غنى» يشمل الحالين الأوليين. وإنما فَضَّلهما بالنسبة إلى الثالثة. وقوله: «جهد المقلِّ» فَضَّل فيه الثانية على الأولى. نعم، إنما يشكل ما جاء في فضل الإيثار لقوله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. والجواب: أن جهد المقل أفضل من الإيثار غالبًا، ولكن قد يكون الإيثار أفضل في بعض المواطن كحال الصحابي وزوجته اللذَين آثرا ضيف

стр. 55

رسول الله ﵌ على أنفسهما وأطفالهما (١). فلمَّا كان الضيفُ ضيفَ رسول الله ﵌، والإيثار هنا لا يؤدِّي إلى هلاك الموثِر أوتضرُّره ضررًا شديدًا = كان محمودًا. فأما لو أن رجلًا ذا بيت آثر سائلًا من المتكفِّفين على الأبواب فهذا غير محمود؛ لأن هذا السائل إذا لم يصبْ شيئًا من هذا البيت فإنه سيصيب من غيره؛ فلا معنى لإيثاره، ولاسيَّما إذا أدَّى الإيثار إلى هلاك المؤثِر أو تضرُّره. والله أعلم. * * * * عند مسلم (٢) في حديث ابن عبَّاس في شأن هلال رمضان أن رسول الله ﵌ قال: «إن الله مدَّه للرؤية» . وفي رواية (٣): «إن الله قد أمدَّه لرؤيته، فإن أُغمي عليكم فأكملوا العدة». وهذا الحديث أصرح من غيره في أن ابتداء الشهر لا يعتبر بمجرَّد مجاوزة الهلال الشمسَ، وكذا بمجرَّد إمكان الرؤية. وإنما يدخل بالرؤية نفسها أو إكمال ثلاثين. والله أعلم. * * * *

стр. 56

في «مسلم» (١) في باب النهي عن الوصال عن أنس قال: كان رسول الله ﵌ يصلِّي في رمضان فجئت فقمت إلى جنبه وجاء رجل آخر فقام أيضًا حتى كنا رهطًا، فلما حسَّ النبي ﵌ أنّا خلفه جعل يتجوَّز في الصلاة ثم دخل رحله فصلى صلاة لا يصلِّيها عندنا. قال: قلنا له حين أصبحنا: أفطِنْتَ لنا الليلة؟ قال: فقال: «نعم، فذلك الذي حملني على الذي صنعت» .... أقول: فيه صلاة النبي ﵌ النافلة في المسجد لغير حاجة. فإن قيل: يحتمل أن يكون معتكفًا. قلتُ: المعتكف تكون حجرته في المسجد بمنزلـ[ـة] بيته، فيصلِّي النفل فيها، لا في باقي المسجد. وصلاته ﵌ في هذا الحديث كانت في غير المعتكَف لقوله: «ثم دخل رحله فصلَّى». فإن لم يكن معتكفًا فالمراد دخل بيته. وإن كان معتكِفًا فالمراد دخل معتكَفه؛ لأن المعتكِف لا يدخل بيته. وعلى التقديرين (٢) فالصلاة كانت في المسجد في غير الحجرة المعتكَف [فيها]. فإن قيل: لعلَّه لبيان الجواز. قلتُ: الذي يُفعل لبيان الجواز إنما يكون في مظنَّة مشاهدة الناس، وظاهر السياق هنا يخالف ذلك.

стр. 57

فإن قيل: لعلَّ هذا خاص بقيام رمضان. قلتُ: يردُّه سبب قوله ﵌: «فإن صلاة المرء في بيته خيرٌ له إلا المكتوبة» (١)؛ فإن السبب في هذا الحديث قيام رمضان، ودخول السبب ضروري. فما بقي إلا أن يدَّعى أن المعتكِف يصلِّي أينما شاء في المسجد، ولو في غير حجرته أو يخصُّ تفضيل الصلاة في البيت على المسجد بما إذا كان هناك من يعلم به. فأما إذا أمكنه أن يصلِّي في المسجد في حين يظن أنه لا يعلم به أحد، فالصلاة في المسجد مساوية للصلاة في البيت أو أفضل، وتكون العلة حينئذ خشية العجب والرئاء وثناء الناس؛ فإن ثناء الناس ينقص من الأجر، وإن لم يكن هناك عجب ولا رئاء. أو يقال: هذا من فعله ﵌ فلا يُخصُّ به عموم قوله، فيكون في حقه ﵌ الصلاة في بيته وفي مسجده سواء. وأما غيره ففي البيت أفضل إلا المكتوبة كما دلَّ عليه عموم الحديث والله أعلم. ولعل هذا الأخير أقرب إلى القواعد. * * * * الحمد لله. في «صحيح مسلم» (٢) عن ابن عبَّاس: «ما علمت أن رسول الله ﵌

стр. 58

صام يومًا يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم (يوم عاشوراء) ولا شهرًا إلا هذا الشهر. يعني رمضان». في هذا دليل على تساوي ما عدا يوم عاشوراء من الأيام في مشروعية التطوّع بالصيام. فلا يُعْدَل عن هذه الكلية إلا بحجَّة صحيحة. والمقصود أنه لا يكفي في معارضة هذا ما جاء من الأحاديث الضعاف، وإن مُشي على رأي النووي ومن تابعه في جواز العمل بالضعيف بشرطه. والله أعلم. * * * * الحمد لله. في حديث تلبية النبي ﵌ أن عمر وابنه عبد الله كانا يزيدان فيها (١). فقد يُستدل به على جواز الزيادة على الأدعية المأثورة. والجواب: أن غاية ما فيه دلالته على أنهما كانا يريان جواز الزيادة في التلبية، وهو لا يدلُّ على أنهما يريان الجواز في غيرها من الأدعية والأذكار. وفي حديث جابر (٢): أن أصحاب النبي ﵌ كانوا يلبُّون بغير تلبيته، فلم ينكر عليهم النبي ﵌، ولزم هو تلبيته. فيحتمل أن منهم من كان يلبِّي مثل تلبيته ﵌ ويزيد عليها ولم ينكر عليه ﵌، فأخذ عمر وابنه بذلك. والمقصود أن جواز الزيادة هنا عُلِم من تقريره ﵌، فلا يدل على جواز

стр. 59

الزيادة في جميع الأدعية والأذكار؛ لأن جواز الزيادة في موضع لا يدل على الجواز في آخر مع عدم العلم باتحاد السبب. ومع ذلك فإقراره ﵌ لهم إنما يدل على الجواز فقط، وإلا فالأفضل ما لزمه هو بأبي وأمّي. وأيضًا ففعل عمر وابنه، وإن كان مما يُستأنس به فليس بحجَّة إذا عارضه ما هو أقوى منه كما هو مقرَّر في محلِّه. والله أعلم. * * * * الحمد لله. في حديث جابر (١) في حجَّة النبي ﵌: «فرماها بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخَذْف» . قال المحشِّي: «فقوله: «مثل» صفة بعد صفة لحصاة، فهو قاعد في محله، ليس بزائد كما ظنَّه النووي» (٢).

стр. 60

أقول: جعْله صفةً لحصاة، وإن صحَّ لفظًا، فلا يخفى بُعده أو بطلانه في المعنى. فالوجه أنه صفة لحصيات. * * * * الحمد لله. لم يُنقل كم حجَّ رسول الله ﵌ قبل أن يهاجر إلا أن حديث جبير بن مطعم (١) أنه رأى النبي ﵌ يوم عرفة بعرفة (والسياق ظاهر في أنه قبل الهجرة) = يثبت به حجَّة واحدة. والله أعلم. * * * * الحمد لله. حديث مسلم (٢) عن ابن مسعود قال: «ما رأيتُ رسول الله ﵌ صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاةَ المغرب والعشاء بجَمْعٍ، وصلَّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها». وفي رواية: «قبل وقتها بغلس». قال المُحشِّي: «وهذا ينادي بأعلى صوته وبمنطوقه لا بمفهومه أن الوقت المعتاد في صلاة الصبح هو المضيئُ المعبَّر عنه بالإسفار ــ كما هو مذهبنا ــ دون التغليس».

стр. 61

أقول: كأنّ الرجل لا يعرف المنطوق من المفهوم! ولا يخفى أنه (١) من طلوع الفجر الصادق إلى الإسفار. * * * * في حديث المدينة (٢): «لا يصبر أحد على لَأْوائها [فيموت]، إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة [إذا كان مسلمًا]». أقول: أراد ــ والله أعلم ــ الشفاعة الخاصة، وهي ما تكون في مغفرة الذنوب. ولهذا قال: «شفيعًا أو شهيدًا»؛ لأن الصابر قد لا يكون له ذنوب تتوقَّف مغفرتها على الشفاعة لكثرة حسناته، فهذا يكون له شهيدًا. والله أعلم. * * * * في «مسلم» (٣) عن معمر بن عبد الله: [إني] كنت أسمع رسول الله ﵌ يقول: «الطعام بالطعام مثلًا بمثل» قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير. هذا الحديث حجَّة في أن الأطعمة كلُّها ربوية، ولكن (٤) يحتمل أن يُحمل على البرِّ والشعير فقط، بدلالة أنه لما فصَّل لم يَذكر غيرَهما، ويعتضد بقول الصحابي: وكان طعامنا يومئذ الشعير.

стр. 62

والظاهر بقاء الطعام على عمومه، والحديث حجَّة على من يخصُّ الربا بالست. وعن أبي سعيد (١) قال: أُتي رسول الله ﵌ بتمر، فقال: «ما هذا التمرُ من تمرنا» فقال الرجل: يا رسول الله، بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا، فقال رسول الله ﵌: «هذا الرِّبا فردوه، ثم بِيعوا تمرَنا واشتروا لنا من هذا». وفيه (٢) عن أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول الله ﵌ بعث أخا بني عدي الأنصاري، فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جَنِيب، فقال له رسول الله ﵌: «أكُلُّ تمر خيبرَ هكذا؟» قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله ﵌: «لا تفعلوا، ولكن مثلًا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان». قوله: «وكذلك الميزان» ظاهره جواز بيع التمر بالتمر وزنا بوزن. * * * * الجهاد ــ باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر (٣) عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵌ قال: «يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة» ، فقالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «يقاتل هذا في سبيل الله فيستشهد، ثم يتوب الله على القاتل فيُسلم،

стр. 63

فيقاتل في سبيل الله فيستشهد». في الحديث دليل قوي أن القاتل عمدًا لا يدخل الجنَّة إلا إن كان كافرًا ثمَّ أسلم. وما في الحديث من اشتراط استشهاد الثاني، تدل أحاديث جَبِّ الإسلام لما قبله على أنه شرطٌ لضحك الله لا لأصل الدخول. والله أعلم. وحديث الذي قتل تسعة وتسعين ثم ذهب يسأل عن التوبة إلخ (١)، لعلَّه يحتمل ــ والله أعلم ــ أنه قتلهم وهو كافر ثمَّ جاء يسأل هل يتوب الله عليه إن أسلم، فلمَّا أخبره المسؤول أنه لا توبة له قتله وهو حينئذ باقٍ على كفره، ثم لمَّا أخبره الثاني أنَّ له توبةً أسلم. والله أعلم. * * * * باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (٢) «لا تبدءوا اليهود و [لا] النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطرُّوه إلى أَضْيَقه». أي ــ والله أعلم ــ اضطروه إلى حيث يواجهكم فيضطرُّ إلى أن يبدأكم بالسلام، فيظهر بذلك مقتضى كونه ذمِّيًّا، ولا تَدَعوه يمرُّ بعيدًا عنكم فلا يضطرُّ إلى بدئكم بالسلام. * * * *

стр. 64

في «صحيح مسلم» (١)، في فضائل سعد، وقول النبي ﵌ له: «ارمِ فداك أبي وأمِّي» . قال المحشِّي: «وفي هذه التفدية إشارة إلى أن أبويه ــ ﵊ ــ معزَّزان عنده، فكيف يقال في حقِّهما ما يقال، عفا الله عنَّا وعمَّن قال». أقول: الذي آذى رسول الله ﵌ إنما هو الذي يخوض في هذا البحث مع عدم الضرورة إليه. فأما من اضطُرَّ، فقال ما أدَّاه إليه الدليل، فهو معذور. ثمَّ إن قولهم: «فداك أبي وأمي» لا يُقصد بها حقيقتها، كيف وأبواه ﵌ كانا قد ماتا؟ وإنما المقصود بهذه العبارة إظهار محبة المفدَّى. فإن قلت: لعلَّ المراد فَدَياك في الآخرة، كان هذا عكس مراد المحشِّي. والتحقيق ما قلنا، على أنَّ أبوي الرجل عزيزان عنده ولو كانا ... (٢). وفي «الصحيح» (٣) زيارته ﵌ قبر أمِّه وما قال حينئذ. وفي «الصحيح» (٤) أيضًا خبر إبراهيم ﵈ وشفاعته لأبيه يوم القيامة. وقد مرَّ في فضائل عمر تفديته النبي ﵌ بأبيه وأمّه (٥) مع أنَّهما ماتا

стр. 65

مشركَين، ولم يُنكر عليه النبي ﵌ ذلك، ولا فهم أحد من ذلك أنه احتقر النبي ﵌ لكونه فداه بمشركَين، ولا أنه كان أبواه عزيزين عليه إلى الحدِّ الذي يأباه عليه الإيمان. وقد جاء مثله عن جماعة من الصحابة. والحاصل أن هذه الصيغة انسلخت من معناها كما انسلخ قوله: «تربت يداك» (١)، فلا دلالة فيها إلا على محبة النبي ﵌ سعدًا وشكرِه له. والله أعلم. * * * * في فضائل خديجة (٢) [عن هشام، عن أبيه، قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول]: سمعت عليًّا بالكوفة يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد». قال أبو كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض. قال المحشِّي عن النووي (٣): « ... وأن المراد به جميع نساء الأرض، أي كل مَن بين السماء والأرض مِن النساء. والأظهر أنَّ معناه أن كلَّ واحدة

стр. 66

منهما خير نساء الأرض. وأمَّا التفضيل بينهما فمسكوت عنه». أقول: بل الظاهر أنه فسَّر الضمير الأول بالسماء والثاني بالأرض. أي خير نساء السماء مريم وخير نساء الأرض خديجة. يعني أن مريم قد توفِّيت ورجعت روحها إلى الجنَّة، والجنَّة في السماء. وأما خديجة فكانت في قيد الحياة. وهذا التفسير من وكيع إنْ كان روايةً فذاك، وإلا فصحَّته تتوقَّف على أن النبي ﵌ قال هذا في حياة خديجة ﵂. * * * * في قصَّة جُريج عند مسلم (١): «ولو دَعَتْ عليه أن يُفتَن لَفُتِن» . * ففي هذا استجابة الدعاء بالفتنة وجوازه. والله أعلم. ولا بدَّ من تقييده، فلينظرْ. ولعله خاص بالمظلوم على ظالمه المتمادي في ظلمه. ومما يُضعف الإشكال أنه ليس المقصود ظاهر الأمر من إرادة أن يعصي الله تعالى، وإنما المقصود غاية ذلك من العقوبة. فكما يجوز الدعاء على الظالم أن يعذِّبه الله تعالى فقط، يجوز الدعاء بأن يجري له ما هو سبب العذاب ليعذَّب أو يعاقَب. وقد دلَّ القرآن بأن العقوبة على الذنب قد يكون بإيقاع المُذنب في ذنب آخر. فكأنَّ الداعي على الظالم إنما دعا عليه بشيء يجوز أن يكون عقوبة ظلمه. والله أعلم. ومنه دعوة سعد على أبي سعدة: «وعرِّضه للفتن» (٢)، ودعوة موسى

стр. 67

وهارون ﵁ على فرعون وقومه: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. ويقاربه الدعاء للمؤمن بالشهادة فإنها تتضمَّن قتل الكافر له. * وفي قصَّة جُريج إثبات الكرامات لغير الأنبياء؛ إذ الظاهر أنه لم يكن نبيًّا. وهي من باب استجابة الدعاء لأن فيها: «فقال: دعوني حتَّى أصلِّي، فصلَّى». * وفيها: «فأَقْبَلوا على جريجٍ يقبِّلونه ويتمسَّحون به» يُستدلُّ به على التبرُّك بغير الأنبياء. * وفي القصَّة ذكر الصبيِّ الذي تكلَّم في المهد لمَّا مرَّ عليه الجبَّار والأَمَة. ففيها أن العادة فد تنخرق للصبيِّ. والله أعلم. * * * * باب تفسير البرِّ والإثم عن نوَّاس بن سمعان (١)، قال: «أقمت مع رسول الله ﵌ بالمدينة سنةً، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله ﵌ عن شيء، قال: فسألته عن البر والإثم ... ». قد يُظنُّ أن قوله: «ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة» مقلوب، والصواب: ما يمنعني من المسألة إلا الهجرة، والسياق يدلُّ عليه.

стр. 68

وليس كذلك؛ لأن النواس لم يهاجر، وإنما وفد إلى المدينة فمكث سنةً ورجع إلى باديته. ومعناه أنه لم يهاجر الهجرة التامّة لئلا تحرم عليه المسألة، بل اختار أن لا يهاجر حتَّى كلَّما عرض له شيء جاء فسأل النبي ﵌ عنه. والله أعلم. * * * * باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها [عن جبير بن مطعم عن النبي ﵌ قال]: «لا يدخل الجنَّة قاطع» (١). في «الحاشية» عن «المرقاة» (٢): « ... أي للرحم أو للطريق، ويدلُّ على الأول إيراده في هذا الباب ... ». أقول: ليس هذا بدليل؛ فإن إيراده في هذا الباب من فعل المصنِّف، وهو يدلُّ أنه فهم ذلك، وفهمه ليس بحجَّة. والصواب أنَّ المراد قاطع الرحم بلا شبهة لِمَا جاء في الرواية الأخرى من التصريح به، ولأن لفظ قاطع إذا أُطلِق فُهم منه قاطع الرحم لا قاطع الطريق. وأيضًا فلفظ القطع في الشريعة جاء غالبًا لقطع الرحم؛ وأما قطع الطريق فجاء بلفظ المحاربة والفساد في الأرض، إلا ما جاء في القرآن في ذِكْر قوم لوط: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]. واختُلف في تأويله.

стр. 69

والمقصود أن مجيء القطع لقطع الرحم أكثر وأشهر. وأيضًا فالوعيد بعدم دخول الجنة قد جاء في الأحاديث في قطع الرحم. والأمر أظهر من هذا. والله أعلم. * * * * باب النهي عن التحاسد (١) [عن أنس أن النبي ﵌ قال]: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا» زاد في رواية: «كما أمركم الله». فيه دليل لتعبير العلماء بقولهم: «خبر بمعنى الأمر» (٢). والله أعلم. * * * * في حديث الهجرة أواخر «صحيح مسلم» (٣) من قول سراقة: «فالله لكما أن أردَّ عنكما الطلب» . قال المحشِّي: «معناه فالله ينفعكم بردِّي عنكما الطلب». هـ. أقول: هذا كما ترى. وإنما المعنى: فالله كفيل لكما بأن أردَّ عنكما الطلب. والله أعلم (٤).

стр. 70

[تعليق على أحاديث من سنن أبي داود] باب في نسخ المراجعة بعد التَّطليقات الثَّلاث * حدثنا بشر بن هلال، أن جعفر بن سليمان حدثهم، عن يزيد الرِّشْك، عن مُطرِّف بن عبد الله، أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: «طلقتَ لغير سنة وراجعتَ لغير سنة، أشهِدْ على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعُدْ» (١). أقول: لم يستفصله عمران أطلَّق واحدة أو أكثر؟ فالظاهر أنه كان لا يرى فرقًا في ذلك، ويشبه أن يكون أبو داود أورده في هذا الباب لهذا المعنى لكن ... (٢). * حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني على بن حسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]» (٣). [قال الشيخ معلِّقًا على قوله: «وإن طلقهما ثلاثًا»]: أي ثلاث مرات كما يدل عليه جعلُه سببا لنزول الآية. والله أعلم (٤).

стр. 71

[تعليق على حديث: «إن الله قد أعطى كلَّ ذي حق حقه»] حديث أبي داود وابن ماجه والترمذي (١): «إن الله قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه فلا وصيةَ لوارثٍ» دليل واضح على أن الناسخ لآية الوصية هي آية المواريث المشار إليها بقوله: «إن الله قد آتى كل ذي حقٍّ حقَّه». والحديث إنما هو بيان لما دل عليه القرآن في هذا، فكأن قوله ﵌: «إن الله قد آتى كل ذي حقٍّ حقَّه» من باب ذكر الملزوم على سبيل الاستدلال، ثم عقَّبه بقوله: «فلا وصية لوارث» بيانًا للازم، أي قد ثبت إيتاء الله كلَّ ذي حق حقه، فلَزِم منه أن لا وصية لوارث، وذلك أن الوصية للوارث إنما شُرعت أولًا لأجل أداء ما لَه من الحق، ثم علم الله تعالى أن ابن آدم لا يمكنه الوفاء بمقتضى الحق لعدم علمه، قال تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]، ففرض المواريث بحكمه كما قال تعالى عقب ذلك: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢]، أي حالَّة محل الوصية التي أُمرتم بها. والآية واضحة في نسخ آية الوصية، وبيَّنَها الحديث، فكأنه ﵌ يقول: إن الوصية للوارث إنما شرعت لأداء ما له من الحق، ثم إن الله تعالى فرض لكل ذي حق حقَّه، فلم يبقَ للوصية معنى لأنها إنْ وقعت بمقدار ميراثه كانت تحصيل حاصل، وإن وقعت بأكثر كان فيها زيادة عن حقه الذي علمه الله له

стр. 72

وفرضه مِن عنده، مع ما في ذلك من ظلم غيرِه بنقصان أنْصِبائهم، وإن وقعت بأقل كان فيها زيادةُ غيره وظلمُه. ولقائل أن يقول: إن الاستدلال بالحديث على بطلان الوصية لوارث مطلقًا فيه نظر؛ لأنه إنما ورد لبيان نسخ وجوب الوصية كما مرَّ تقريره، وذلك على أن المراد «فلا وصية لوارث» أي واجبة، فبقي الجواز. وأما ما مرَّ من قولنا: لأنها إن وقعت بمقدار ميراثه كانت تحصيل حاصل، فهذا مسلَّم، وأما قولنا: وإن وقعت بأكثر ... إلخ، فهذا منقوض بجواز الوصية للأجنبي فإنه يلزم منها إعطاء الأجنبي ما لا يستحقه، ونقصُ حقوق الورثة، ومع ذلك فهي صحيحة قطعًا. والجواب بالفرق بين إعطاء الأجنبي وبين تفضيل بعض الورثة على بعض، كما يدل عليه حديث الصحيحين (١) عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله ﵌ فقال: إني نحلتُ ابني هذا غلامًا، فقال: «أكلَّ ولدك نحلتَ مثله؟ » قال: لا، قال: «فأرجعه». وفي رواية (٢) أنه قال: «أيسرُّك أن يكونوا إليك في البرِّ سواء؟ » قال: بلى. قال: «فلا إذًا». وفي رواية (٣) أنه قال: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشْهِد رسولَ الله ﵌، فأتى رسولَ الله ﵌ فقال: إني أعطيتُ ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أُشهدك يا

стр. 73

رسول الله، قال: «أعطيتَ سائر ولدك مثل هذا؟ » قال: لا، قال: «فاتقوا الله واعْدِلوا بين أولادكم»، قال: فرجع فرد عطيته. وفي رواية (١) أنه قال: «لا أَشهد على جور» هـ. هكذا في «المشكاة» (٢). وفي «صحيح مسلم» (٣) عن جابر نحوه، وفي آخره قال: «فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق» هـ. والذي يظهر في الوصية للوارث أن مَن قال بحرمة تفضيل بعض الورثة على بعض في العطية يقول به في الوصية. ومَن اقتصر على مجرد الكراهة يلزمه الاقتصار عليها، اللهم إلا أن يقولوا: إن ما كان مكروهًا في صحته، يكون موقوفًا في مرضه؛ كما أن هبته للأجنبي في حال صحته صحيحة مطلقًا ولو في جميع ماله، وفي مرضه صحيحة في الثلث فقط، موقوفة في الباقي. فتأمل. فأما حديث: «لا وصية لوارث» فالظاهر حَمْله على نفي الوجوب كما مرّ. نعم، إن صحت رواية: «لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة» (٤)، كانت دليلًا خاصًّا على منع الوصية لوارث، وإن أمكن حمل نفي الجواز

стр. 74

على الكراهة، لأننا نقول: الظاهر من نفي الجواز الحرمة، وهذا بالنسبة إلى حياة الموصي أي فلا يحل له أن يوصي لبعض الورثة إلا إذا استأذن بقيتهم. هكذا ظَهَر لي، ثم فهمت أنَّ «تجوز» ليس من الجواز بمعنى الإباحة ونحوه، بل من الجواز الذي هو النفاذ، أي لا تنفذ إلا إذا شاء الورثة. ثم إن في حديث النعمان بن بشير دليلًا على صحة الوصية للورثة لكلٍّ بمقدار ميراثه، ويكون فائدة الوصية القِسْمة. والله أعلم (١).

стр. 75

[تعليق على مواضع من «الموطأ»] [باب] العمل في غسل يوم الجمعة قال مالك (١) عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﵌ قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» . قال مالك: من اغتسل يوم الجمعة أولَ نهاره وهو يريد بذلك غسل الجمعة (٢)، فإن ذلك الغسل لا يجزئ عنه حتى يغتسل لرواحه، وذلك أن رسول الله ﵌ قال في حديث ابن عمر: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل». أقول: ويشهد له قصة عمر في إنكاره على عثمان؛ فإن فيها أن عثمان قال: انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدتُ على أن توضَّأت، فقال عمر: الوضوء أيضًا؟! وقد علمتَ أن رسول الله ﵌ كان يأمر بالغسل. ففهم عمر من جواب عثمان أنه لم يغتسل الغسل المأمور به؛ مع أنه إنما يُفهم أنه لم يغتسل قُبَيل مجيئه إلى المسجد، وليس فيه ما يُفهم أنه لم يغتسل أول النهار. والله أعلم. * * * *
следующие страницы →