باب [من قال]: لا يقطع الصلاة شيء (١)
«وقد اختلف العلماء في العمل بهذه الأحاديث، فمال الطحاوي وغيره إلى أن حديث أبي ذر (٢) وما وافقه منسوخ بحديث عائشة (٣) وغيرها، وتُعقِّب بأن النسخ لا يُصار إليه إلا إذا عُلم التاريخ وتعذَّر الجمع، والتاريخ هنا لم يتحقق والجمع لم يتعذر. ومال الشافعي وغيره إلى تأويل القطع في حديث أبي ذر بأن المراد به نقص الخشوع لا الخروج من الصلاة، ويؤيد ذلك أن الصحابي راوي الحديث سأل عن الحكمة في التقييد بالأسود فأجيب بأنه شيطان. وقد علم أن الشيطان لو مر بين يدي المصلي لم تفسد صلاته كما سيأتي في «الصحيح» (٤): «إذا ثوِّب بالصلاة أدبر الشيطان، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه» الحديث، وسيأتي في باب العمل في الصلاة حديث: «إن الشيطان عرض لي فشد عليَّ» (٥) الحديث.
стр. 107
وللنسائي (١) من حديث عائشة: «فأخذته فصرعته فخنقته». ولا يقال قد ذكر في هذا الحديث أنه جاء ليقطع صلاته؛ لأنا نقول: قد بيَّن في رواية مسلم (٢) سبب القطع، وهو أنه جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهه، وأما مجرد المرور فقد حصل ولم تفسد به الصلاة.
وقال بعضهم: حديث أبي ذر مقدم؛ لأن حديث عائشة على أصل الإباحة. انتهى. وهو مبني على أنهما متعارضان، ومع إمكان الجمع المذكور لا تعارض. وقال أحمد: يقطع الصلاة الكلب الأسود، وفي النفس من المرأة والحمار شيء. ووجَّهه ابنُ دقيق العيد وغيره بأنه لم يجد في الكلب الأسود ما يعارضه، ووجد في الحمار حديث ابن عباس (٣) ... ووجد في المرأة حديث عائشة ... ».
يقول كاتبه: أما النسخ فلا وجه له لإمكان الجمع كما سيأتي. وأما تأويل القطع بنقص الخشوع فضعفه بيِّن؛ أولا: لمخالفته الظاهر.
وثانيًا: أنه لا اختصاص لنقص الخشوع بهذه الأشياء، بل ربما ينقص الخشوع بغيرها أكثر مما ينقص ببعضها.
وثالثًا (٤): تقييد الكلب بالأسود وتعليله بأنه شيطان.
ورابعًا: قد ثبت أن السُّترة تمنع القطع مع أنها لا تمنع نقص الخشوع إذا
стр. 108
كانت حَرْبة مثلًا، فكيف إذا كانت خطًّا ــ لو صحَّ حديثه (١) ــ؟
وأما كون الشيطان لا يقطع الصلاة مطلقًا فلا دليل عليه؛ فإنه من الجائز أن يقول الشارع: يقطعها إذا مرَّ وكان يمكن المصلِّي منعُه بلا مشقَّة، ولا يقطعها فيما عدا ذلك. فالذي يجيء بعد التثويب بالصلاة لا يقدر المصلِّي على منعه، وكذا الذين يدخلون من الفُرَج كأنهم الخذف، فإنه تكثر المشقة في دوام إلصاق المصلِّي رجليه برجلَي رفيقه، مع احتمال أن يجاب عن هذا بأن سترة الإمام سترة من خلفه كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
وأما الشيطان الذي عرض للنبي ﵌، فكان بغير تقصير من النبي ﵌ في الاحتراز، بل دفعه حتَّى ردَّه خاسئًا كما في الحديث. ومجيء الشيطان بالشهاب من النار يحتمل أنه أراد أن يخوِّف النبي ﵌ به لعلَّه يشتغل عن دفعه. والظاهر أن ذلك الشهاب تخييل، لا أنَّ هناك شهاب (٢) حقيقة بحيث لو أصاب لأحرق. والله أعلم.
وقد يقال: إن القاطع هو المرور، ولم يجئ في الحديث أن الشيطان مرَّ من جانب إلى آخر، وإنما فيه أنَّه وُجِد أمام النبي ﵌ فردَّه خاسئًا.
وأما حديث ابن عبَّاس في قصَّة الأتان فواقعة حال تحتمل عدَّة وجوه:
стр. 109
فيحتمل أنه تركها بين يدي بعض الصف بعيدًا عنهم بحيث يكون أبعد من سترتهم ــ أعني النبي ﵌ ــ أو سترته، على الخلاف في ذلك.
ويحتمل ما مال إليه البخاري أنَّ سترة الإمام سترة من خلفه (١)، أو أنَّ الإمام نفسه سترة من خلفه.
وليس فيها أنها مرَّت قاطعة أوسط الصف بحيث تعدُّ قاطعة للسترة، بل الحديث ظاهر في عدم ذلك.
وأما المرأة فحديث عائشة، قد ذكر في «الفتح» بعد هذا احتمالات فيه، فقال (٢): «وجه الدلالة من حديث عائشة الذي احتجَّ به ابن شهاب أن حديث «يقطع الصلاة المرأة» إلخ يشمل ما إذا كانت مارَّة أو قائمة أو قاعدة أو مضطجعة، فلما ثبت أنه ﵌ صلَّى وهي مضطجعة أمامه دل ذلك على نسخ الحكم في المضطجع، وفي الباقي بالقياس عليه. وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور المذكورة، وقد تقدم ما فيه (٣). فلو ثبت أن حديثها متأخر عن حديث أبي ذر لم يدل إلا على نسخ الاضطجاع فقط. وقد
стр. 110
نازع بعضهم في الاستدلال به مع ذلك من أوجه أخرى: أحدها: أن العلة في قطع الصلاة فيها (بها) (١) ما يحصل من التشويش، وقد قالت: إن البيوت يومئذ لم يكن فيها مصابيح، فانتفى المعلول بانتفاء العلة. ثانيها: أن المرأة في حديث أبي ذر مطلقة وفي حديث عائشة مقيدة بكونها زوجته، فقد يُحمل المطلق على المقيد، ويقال: بتقييد القطع بالأجنبية لخشية الافتتان بها بخلاف الزوجة فإنها حاصلة. ثالثها: أن حديث عائشة واقعةُ حالٍ يتطرق إليها الاحتمال، بخلاف حديث أبي ذر فإنه مسوق مساق التشريع العام، وقد أشار ابن بطال إلى أن ذلك كان من خصائصه ﵌؛ لأنه كان يقدر مِن مَلْك إربه على ما لا يقدر عليه غيره.
وقد قال بعض الحنابلة: يعارض حديث أبي ذر وما وافقه أحاديث صحيحة غير صريحة وصريحة غير صحيحة، فلا يُترك العمل بحديث أبي ذر الصريح بالمحتمل، يعني حديث عائشة وما وافقه. والفرق بين المار وبين النائم في القبلة أن المرور حرام بخلاف الاستقرار نائمًا كان أم غيره، فهكذا المرأة يقطع مرورها دون لُبثها».
يقول كاتبه: الذي يظهر لي أنَّ القاطع إنما هو مرور الشيطان؛ وعلى ذلك أدلَّة:
١. قد عُلِّل تخصيص الكلب بالأسود بأنه شيطان. وسواءٌ قلنا: إن المراد أنه شيطان حقيقةً أو غير ذلك= فالدلالة ظاهرة. ولعلَّ الأظهر أن بين الكلب الأسود وبين الشيطان مناسبة، ومروره بين يدي المصلِّي ظاهر في أن الشيطان معه وأنَّه هو الذي حمله على ذلك.
стр. 111
٢. قد صحَّ في الحمار أنه إذا صاح فإنه رأى شيطانًا (١)، فالكلام فيه كالكلام في الكلب.
٣. المرأة قد جاء أنها تُقبل بصورة شيطان (٢). فالكلام عليها كما مرَّ.
نعم، كونها تقبل بصورة شيطان إنما هو بالنظر إلى الأجنبيَّة. وعلى هذا، فلا تدخل الزوجة؛ لأن الشيطان لا فائدة له من صحبتها للفتنة.
وهذا هو بعض الاحتمالات في حديث عائشة. وعليه فقد يقاس عليها المحارم والصغار. فأما الصغار فإنه يساعده أحاديث أُخر. وأما المحارم ففيه نظر.
وتُستثنى الزوجة الحائض، لأن للشيطان فائدةً بفتنة زوجها بها.
والأقرب عدم استثناء الزوجة غير الحائض لأن العلة ليست خوف الفتنة، وإنما هي مرور الشيطان. فقد دلَّ حديثُ «إن المرأة تُقبل بصورة شيطان» على مناسبة بين المرأة والشيطان.
فلا يدل الأمن من افتتان زوجها بها على مفارقة الشيطان لها؛ فإنَّ غرضه هنا المرور أمام المصلِّي ليقطع صلاته، وهذا حاصل وإن كانت زوجه طاهرًا.
٤. جاء في تعليل الأمر بدفع المارِّ: «فإنه شيطان» (٣). وفي رواية (٤):
стр. 112
«فإن معه القرين».
فإن قيل: فقضية هذا أن الرجل يقطع الصلاة أيضًا.
فالجواب: أن لفظ الحديث: «فإنْ أبى فلْيقاتله؛ فإنه شيطان» - «فإن معه القرين». فالمقصود ــ والله أعلم ــ الآبي، أي أنَّ إباءه إلا أن يمرَّ يجعل حكمه حكم الشيطان، ويدلُّ أن القرين معه، وأنه الحامل له على الإصرار على هذا الفعل المحرَّم، بخلاف من مرَّ بدون شعور منه أو من المصلِّي؛ فليس كذلك.
والفرق بينه وبين المرأة أن مرورها يقطع مطلقًا، ومروره يقطع بشرط أن يُدفع فيأبى إلا أن يمرَّ.
وقد يفرق بين الشيطان الملازم للإنسان غالبًا ــ وهو القرين ــ وغيره من الشياطين، فلا يقطع مرور الرجل إذ لم يقم الدليل إلا على أن معه القرين. وأما المرأة، فإنه يصحبها مع القرين غيرُه. والله أعلم (١).
* * * *
كتاب البيع، باب: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ (٢)
« ... وهذا (٣) يؤيد ما تقدم من النقل عن أبي ذر الهروي أن أصل
стр. 113
البخاري كان عند الفربري وكانت فيه إلحاقات في الهوامش وغيرها، وكان من ينسخ الكتاب يضع الملحق في الموضع الذي يظنه لائقًا به. فمِن ثَمَّ وقع الاختلاف في التقديم والتأخير، ويزاد هنا أن بعضهم احتاط فكتب الملحق في الموضعين فنشأ عنه التكرار» اهـ.
أقول: أو وقع التكرار ممن نسخ مِن أحد الفروع، وقابل بفرعٍ آخر. والله أعلم (١).
* * * *
باب من جوّز طلاق الثلاث (٢)
« ... ويمكن أن يتمسك له بحديث «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» (٣) ... وأخرج سعيد بن منصور (٤) عن أنس «أن عمر كان إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع ظهره» وسنده صحيح. ويحتمل أن يكون مراده بعدم الجواز من قال: لا يقع الطلاق إذا أوقعها مجموعة للنهي عنه، وهو قول للشيعة وبعض أهل الظاهر، وطرد بعضُهم ذلك في كل طلاق منهيّ كطلاق
стр. 114
الحائض، وهو شذوذ، وذهب كثير منهم إلى وقوعه مع منع جوازه، واحتج له بعضهم بحديث محمود بن لبيد قال: «أُخبر النبي ﵌ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ » الحديث. أخرجه النسائي (١) ورجاله ثقات، لكن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي ﵌ ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في «مسنده» (٢) وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع، وقد قال النسائي بعد تخريجه: لا أعلم أحدًا رواه غير مخرمة بن بكير يعني ابن الأشج عن أبيه. اهـ. ورواية مخرمة عن أبيه عند مسلم في عدة أحاديث، وقد قيل: إنه لم يسمع من أبيه، وعلى تقدير صحة حديث محمود فليس فيه بيان أنه هل أمضى عليه الثلاث مع إنكاره عليه إيقاعَها مجموعة أو لا؟ فأقل أحواله أن يدل على تحريم ذلك وإن لزم. وقد تقدم في الكلام على حديث ابن عمر في طلاق الحائض أنه قال لمن طلق ثلاثًا مجموعة: «عصيت ربك، وبانت منك امرأتك». وله ألفاظ أخرى نحو هذه عند عبد الرزاق (٣) وغيره. وأخرج أبو داود (٤) بسند صحيح من طريق مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه سيردُّها إليه فقال: «ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس [يا ابن عباس]، إن الله قال: ﴿وَمَنْ
стр. 115
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجًا، عصيتَ ربك وبانتْ منك امرأتك».
وأخرج أبو داود له متابعات عن ابن عباس نحوه.
ومن القائلين بالتحريم واللزوم من قال: إذا طلق ثلاثًا مجموعة وقعت واحدة، وهو قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي، واحتج بما رواه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله النبي ﵌: «كيف طلقتها؟ » قال: ثلاثًا في مجلس واحد، فقال النبي ﵌: «إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت»، فارتجعها. وأخرجه أحمد وأبو يعلى (١) وصححه من طريق محمد بن إسحاق. وهذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات الآتي ذكرها. وقد أجابوا عنه بأربعة أشياء:
أحدها: أن محمد بن إسحاق وشيخه مختلف فيهما، وأجيب بأنهم احتجوا في عدة من الأحكام بمثل هذا الإسناد كحديث أن النبي ﵌ ردّ على أبي العاص بن الربيع زينبَ ابنتَه بالنكاح الأول. وليس كل مختلف فيه مردودًا.
الثاني: معارضته بفتوى ابن عباس بوقوع الثلاث كما تقدم من رواية مجاهد وغيره؛ فلا يُظنُّ بابن عباس أنه كان عنده هذا الحكم عن النبي ﵌ ثم يفتي بخلافه إلا بمرجِّح ظهر له، وراوي الخبر أَخبرُ مِن غيره بما روى. وأجيب أن الاعتبار برواية الراوي لا برأيه لما يطرق رأيه من احتمال النسيان وغير ذلك،
стр. 116
وأما كونه تمسك بمرجح فلم ينحصر في المرفوع لاحتمال التمسك بتخصيص أو تقييد أو تأويل، وليس قول مجتهد حجة على مجتهد آخر.
الثالث: أن أبا داود رجح (١) أن ركانة إنما طلق امرأته البتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي (٢) لجواز أن يكون بعض رواته حمل «البتة» على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثًا، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس.
الرابع: أنه مذهب شاذ فلا يعمل به، وأجيب بأنه نُقل عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير مثله، نقل ذلك ابن مغيث في «كتاب الوثائق» له وعزاه لمحمد بن وضَّاح، ونقل الغنوي ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن بقي بن مخلد (٣) ومحمد بن عبد السلام الخشني
стр. 117
وغيرهما، ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاوس وعمرو بن دينار ... » (١).
* * * *
لحوم الحمر [الإنسية] (٢)
«وتقدَّم في المغازي في حديث ابن أَبِي أَوفى (٣): فتحدَّثنا أنه إنّما نهى عنها لأنها لم تُخَمَّس، وقال بعضهم: نهى عنها لأنَّها كانت تأكل العَذِرَة. قلتُ: وقد أزال هذه الاحتمالات من كونها لم (٤) تُخَمَّس أَو كانت جَلَّالَة أو كانت انْتُهبت، حديثُ أَنَس (٥) المذكور قبل هذا حيث جاء فيه «فإنها رِجْس» وكذا الأَمر بغَسل الإناء في حديث سَلَمَة».
أقول: غفل ــ ﵀ ــ عمّا قدمه في باب التسمية على الذبيحة في الكلام على حديث رافع بن خديج (٦): «كُنَّا مع النبيِّ ﵌ بذي الحُلَيفة فأصاب النَّاسَ جوعٌ فأَصبنا إبلًا وغنمًا وكان النَّبي ﵌ في أُخْرَيات النَّاس فَعَجِلُوا فَنَصَبُوا القدورَ فدفع النبيُّ ﵌ إليهم فَأَمَرَ بالقدور فَأُكْفِئَتْ ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ ... ».
стр. 118
حكى الحافظ هناك (١) عن عياض قال: «كانوا انتهَوا إلى دار الإسلام والمحَلّ الذي لا يجوز فيه الأَكل من الغنيمة المشتَرَكة إلَّا بعد القسمة، وأَنَّ محل جواز ذلك قبل القسمة إنَّما هو ما داموا في دار الحرب، قال: ويحتمل أنَّ سبب ذلك كونهم انتَهَبُوا، ولم يأخذوا [باعتدال و] على قدر الحاجة. قال: وقد وقع في حديث آخر ما يدل لذلك، يشير إلى ما أخرجه أبو دَاود (٢) من طريق عاصم بن كُلَيب عن أَبيه ــ وله صحبة ــ عن رَجُل من الْأَنصار قال: «أصاب النَّاسَ مجاعةٌ شديدة وجَهْد فأصابوا غنمًا فانتهبُوها، فإنَّ قُدُورنَا لتَغْلِي بها إذ جاء رسول الله ﵌ على فرسه فَأَكْفأ قدورنا بقوسه، ثمَّ جعل يُرَمِّل اللَّحم بالتراب، ثُمَّ قال: إنَّ النُّهْبَة ليست بِأَحلَّ من الَميتة» اهـ ... وأمَّا الثَّاني فَقَالَ النووي (٣): المأْمور به من إراقة القدور إنَّما هو إتْلَاف المَرَق عقوبةً لهم، وأمَّا اللَّحم فلم يُتلِفُوه بل يُحمَل على أنه جُمع ورُدَّ إلى المَغنم، ولا يُظَنّ أنه أَمَرَ بإتلافه مع أنه ﵌ نهى عن إضاعة المال ... فإن قيل: لم يُنقل أنهم حملوا اللَّحم إلى المغنم، قُلنا: ولم يُنقل أَنهم أَحرقوه أو أَتلفوه، فيجب تأويلُه على وفق القواعد اهـ. ويرُدُّ عليه حديث أبي داود فإنَّه جيِّد الإسناد، وتَرْك تسمية الصَّحَابي لا يَضُرّ، ورجال الإسناد على شرط مسلم ... ».
أقول: رحم الله النووي، استبعد إتلاف اللحم لكونه مالًا مع اعترافه
стр. 119
بإتلاف المرق، وهو مال، ثم قال: «فإن قيل: لم يُنقل أنهم حملوا اللَّحم إلى المغنم، قيل: ولم يُنقل أَنهم أَحرقوه أو أَتلفوه».
ولا يخفى ما في هذا من الركاكة؛ لأن الحديث نص في أنه كفأه إلى الأرض، ولم يُنقل ما صنع به بعد ذلك، فكان الظاهر أنه تُرك لتأكله الطير والسباع؛ لأن ذلك هو المعقول من حيث العادة، فلذلك تُرك نقله. ولا يلزم من الحكم بالإتلاف الحكمُ بإحراقه لأن تركه للسباع والطير يحصل به الإتلاف على الناس مع مصلحة إطعام الوحش والطير.
وقد جاء أمره بإكفاء القدور التي فيها لحوم الحمر، ولم يجئ أنه أُحرق وأُتلف.
وأما قوله: «فيجب تأْويله على وفق القواعد»، فإنه ليس هنا قاعدة شرعية يجب التأويل لأجلها، والقواعد المذهبية تابعة لا متبوعة. على أن حديث أبي داود قد نص على حرمة النهبة كحرمة الميتة.
ثم قال الحافظ بعد كلام (١): «وقال الإسماعيليُّ: أَمْره ﵌ بإكفاء القدور يجوز أن يكون مِن أجل أَنَّ ذَبْح من لا يملك الشَّيء كُلَّه لا يكون مُذَكِّيًا، ويجوز أن يكون من أَجْل أنهم تَعَجَّلُوا ... ثم رَجَّح الثَّاني وزَيَّف الأَوَّل بأنه لو كان لذلك لم يَحِلَّ أَكل البعير النَّادّ .... وقد جَنَحَ البخاريّ إلى المعنى الأَوَّل وترجمَ عليه كما سيأْتي في أواخر أبواب الأضاحِيّ، ويمكن الجواب ... بأَن يكون الرَّامي رمى بحضرة النَّبيّ ﵌ والجماعة، فأقرُّوه، فَدَلَّ سكوتهم على رضاهم ... ».
стр. 120
أقول: بل ترجم البخاري عليه في آخر هذا الكتاب ــ كتاب الذبائح ــ بقوله (ص ٣٢١) (١): «باب إذا أصاب قومٌ غنيمة [فذبح بعضهم غنمًا أو إبلًا بغير أمر أصحابهم لم تُؤكل لحديث رافعٍ عن النَّبيِّ ﵌]».
ثمّ ترجم للجواب عن قضية البعير بما هو أحسن من جواب الحافظ فقال (ص ٣٢٢) (٢): «باب إذا ندَّ بعيرٌ لقوم فرماه بعضهم بسهم فقتله وأراد إصلاحهم فهو جائز».
وقال الحافظ في «باب ذبيحة الأَمَة والمرأة» (٣) في قصة حديث أن جاريةً لكعب بن مالك كانت ترعى غنمًا بسَلْعٍ فأُصيبت شاة منها، فأدركتها فذبحتْها بحجرٍ، فسئل النبي ﵌ فقال: «كلوها»:
«وفيه جواز أكل ما ذبح بغير إذن مالكه ولو ضمن الذابح، وخالف في ذلك طاوس وعكرمة كما سيأتي في أواخر كتاب الذبائح، وهو قول إسحاق وأهل الظاهر، وإليه جنح البخاري [لأنه أورد في الباب المذكور حديث رافع بن خديج في الأمر بإكفاء القدور، وقد سبق ما فيه.] وعورض بحديث الباب، وبما أخرجه أحمد وأبو داود (٤) بسند قوي من طريق عاصم بن كليب عن أبيه في قصة الشاة التي ذبحتها المرأة بغير إذن صاحبها فامتنع
стр. 121
النبي ﵌ من أكلها لكنه قال: «أطعموها الأسارى»، فلو لم تكن ذكية ما أمر بإطعامها الأسارى». هـ.
أقول: جواب البخاري عن قضية البعير النادِّ هو عينه جواب عن ذبيحة الجارية كما لا يخفى. وأما حديث أحمد (١) وأبي داود الذي فيه الأمر بإطعام الأسارى ففيه وجهان:
الأول: أن يقال أن الأسارى كفار، وهم غير مخاطبين بالفروع في قول.
والثاني: أن يفرق بين ما ذُبح بغير إذن أهله مع اعتقاد رضاهم، فهذا مكروه فقط. وما ذبح بغير إذنهم ولا اعتقاد رضاهم فهذا حرام. والله أعلم.
نعم، في «صحيح مسلم» (٢) في فضائل نبيّنا ﵌ قصة عن المقداد أنه كان يبيت عند النبي ﵌ هو ورجلان آخران، وفي القصة أنه أراد أن يذبح شاةً من شياه النبي ﵌ فيما يظهر بغير إذن صريح منه، وأَخبر النبيَّ ﵌ بذلك، ولم يذكر أنه أنكر عليه ذلك العزم وبيّن له أن ذلك لا يجوز. فانظر القصّة وتأمّلْها. والله أعلم (٣).
* * * *
стр. 122
[تعليق على كلام الحافظ في «التلخيص»]
[قال الحافظ (١)]: «تنبيه: ادَّعى ابن بطال في «شرح البخاري» وتبعه القاضي عياض تفرُّد أبي هريرة بهذا، وليس بجيِّد. وقد قال به جماعة من السلف ومن أصحاب الشافعي.
قال ابن أبي شيبة (٢): حدثنا وكيع عن العمري عن نافع أن ابن عمر كان ربما بلغ بالوضوء إبطيه في الصيف.
ورواه أبو عبيد (٣) بإسناد أصح من هذا فقال: ثنا عبد الله بن صالح: ثنا الليث عن محمد بن عجلان عن نافع.
وأعجب من هذا أن أبا هريرة رفعه إلى النبي ﷺ في رواية مسلم (٤).
وصرح باستحبابه القاضي حسين وغيره .. ».
[علَّق الشيخ على قوله: «في الصيف»]: «أقول: التقييد بالصيف يضعف الاستدلال بهذا الأثر لإشارته إلى أنه كان يفعله تبرُّدًا لا أنه يراه من السنَّة».
[علَّق الشيخ على قوله: «رفعه إلى النبي ﷺ »]: «ليس الرفع بالصريح» (٥).
* * * *
стр. 123
[تعليق على مواضع من «نيل الأوطار»]
في «نيل الأوطار» (١)، في باب الجماعة: «واعلم أن الاستدلال بحديثي الأعمى وحديث أبي هريرة الذي في أول الباب على وجوب مطلق الجماعة فيه نظر؛ لأن الدليل أخص من الدعوى، إذ غاية ما في ذلك وجوب حضور جماعة النبي ﵌ في مسجده لسامع النداء، ولو كان الواجب مطلق الجماعة لقال في المتخلفين: إنهم لا يحضرون جماعته ولا يجمعون في منازلهم، ولقال لعتبان بن مالك: انظر من يصلّي معك، ولجاز الترخيص للأعمى بشرط أن يصلي في منزله جماعة». اهـ.
أقول: فإن قيل: إن عتبان والأعمى لا يمكن أن يجد كل منهما من يصلي معه؛ إذ كل إنسانٍ مدعوّ للجماعة يحضر المسجد.
فالجواب: أن المفروض أن الواجب مطلق الجماعة، فإذًا يسوغ لغير عتبان أن يتخلَّف معه فيصلِّي جماعة، وكذا حال الأعمى، مع أن كلًّا منهما قد يجد غيره ممّن لا يلزمه حضور المسجد، من النساء والمعذورين (٢).
* * * *
стр. 124
«النيل» (١) ساعة الجمعة
[ ... حديث أبي سعيد الذي أخرجه أحمد وابن خزيمة والحاكم بلفظ: سألت رسول الله ﵌ عنها فقال:] «قد علمتها ثم أُنسيتها كما أُنسيت ليلةَ القدر» . [ ... ويجاب عنه بأن نسيانه ﵌ لها لا يقدح في الأحاديث الصحيحة الواردة بتعيينها] لاحتمال أنه سُمع منه ﵌ التعيين قبل النسيان كما قال البيهقي ... إلخ.
أقول: هذه غفلة؛ فإنه إذا نسيها ﵌ كما نسي ليلة القدر، وجب أن ينساها غيره ممن سمعها منه؛ لأن الحديث صريح في أن التنسية لمصلحة، ليس من النسيان العارض.
فالوجه أن يقال: إنه علمها أولًا ثمَّ نسيها ثمَّ علمها ثانيًا، وبقي كذلك. فإمّا أن يكون عيَّنها لبعض أصحابه قبل أن ينساها، فلمَّا نسيها نسوها أيضًا، ثمَّ لمَّا علمها ثانيًا ذكروا ما حدَّثهم أولًا.
وإمّا أن يكونوا نسوها ثمَّ لمَّا عَلِمها ﵌ ثانيًا أعلمهم.
وإمَّا أن يكون إنما أعْلَمهم عندما عَلِمها ثانيًا. والله أعلم (٢).
* * * *
стр. 125
«إحكام الأحكام شرح العمدة» (١)
حديث البراء: كان رسول الله ﵌ إذا قال: «سمع الله لمن حمده» لم يَحْنِ أحدٌ منا ظهره حتى يقع رسول الله ﵌ ساجدًا ثم نقع سجودًا بعده.
« ... والحديث يدل على تأخُّر الصحابة في الاقتداء عن فعل رسول الله ﵌ حتى يتلبس بالركن الذي ينتقل إليه، لا حين يشرع في الهويِّ إليه ... ولفظ الحديث الآخر يدل على ذلك، أعني قوله: «فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا»؛ فانه يقتضي تقدم ما يسمى ركوعًا وسجودًا».
أقول: قد كان ظهر لي قبل أن أرى هذا مثل ما ذكره، ولكن تبيَّن لي أن دلالة قوله: «وإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا» على ما ذكر فيها نظر؛ لأن لقائل أن يقول: إذا لاحظتم ذلك في قوله: «إذا ركع - إذا سجد» فلاحظوه في قوله: «فاركعوا - اسجدوا»؛ فالمأمور به هو أن لا يستوي المأموم راكعًا أو ساجدًا حتى يستوي الإمام كذلك. وليس فيه أن لا يهوي المأموم حتَّى يستوي الإمام راكعًا أو ساجدًا. فالعمدة في الاستدلال حديث البراء. والله أعلم (٢).
* * * *
стр. 126
أحاديث زيارة قبر النبي ﵌ عن «تلخيص الحبير» مع تصرُّف وزيادة من «التهذيب» و «اللسان» .
١. هارون بن أبي قزعة، عن رجل من آل حاطب، عن حاطب مرفوعًا: «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين يُبعث من الآمنين يوم القيامة» (١).
وفي «اللسان» (٢): «هارون بن أبي قَزَعة [المدني] عن رجل في زيارة قبر النبي ﵌. قال البخاري: لا يتابع عليه.
عبد الملك بن إبراهيم الجُدِّي (٣)، ثنا شعبة، عن سوار بن ميمون، عن هارون بن قزعة، عن رجل من آل الخطاب عن النبي ﵌ قال: «من زارني متعمدًا كان في جواري يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله يوم القيامة من الآمنين».
والمحاملي (٤) والساجي قالا: حدثنا محمد بن الوليد البسري، ثنا وكيع، ثنا ابن عون وخالد بن أبي خالد، عن الشعبي والأسود (؟) (٥) بن ميمون، عن هارون بن أبي قزعة (؟) (٦) رجل من آل حاطب، عن حاطب
стр. 127
قال: قال رسول الله ﵌: .... (كما في التلخيص) انتهى.
قال الأزدي: هارون أبو قزعة يروي عن رجل من آل حاطب المراسيل. قلت: فتعين أنه الذي أراد الأزدي، وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود في الضعفاء».
أقول: فالرجل متفق على ضعفه، وقال البخاري في حديثه هذا: «لا يتابع عليه». ثمَّ [في] رواية شعبة ــ على ما في «اللسان» ــ: سوار بن ميمون. وفي رواية ابن عون: الأسود بن ميمون.
وفي رواية شعبة: هارون بن قزعة. وفي رواية ابن عون: ابن أبي قزعة.
وفي رواية شعبة: عن رجل من آل الخطاب عن النبي ﵌. وفي رواية ابن عون: من آل حاطب، عن حاطب قال: قال رسول الله ﵌.
ويَحتمِل أن تكون هذه الاختلافات من خطأ النسخة.
وفي رواية شعبة: «من زارني متعمِّدًا كان في جواري يوم القيامة». وفي رواية ابن عون: «من زارني بعد موتي فكأنَّما زارني في حياتي».
ومع ذلك فالرجل الذي من آل حاطب مجهول، وحاطب لا يُدرى أهو ابن أبي بلتعة الصحابي أم غيره؟
وفي قوله: «من زارني بعد موتي فكأنَّما زارني في حياتي (١)» نكارةٌ لمخالفته النصوص الصحيحة والإجماع.
وللحديث طريق ثالث:
стр. 128
قال الطيالسي (١): حدثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي، قال: حدثني رجل من آل عمر، عن عمر قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «من زار قبري ــ أو قال: من زارني ــ كنت له شفيعًا أو شهيدًا، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة».
وهذا يوافق رواية شعبة، ويخالفها في الوصل والإرسال. والشك الذي في رواية الطيالسي يُحمل على رواية شعبة، فيكون الراجح عن سوار: «من زارني» لا: «من زار قبري». ورواه البيهقي (٢) من طريق الطيالسي ثم قال: «إسناده مجهول».
وفي هذا كلِّه (٣)، فالحديث ساقط لا يصلح للمتابعة. والله أعلم.
٢. الدارقطني (٤) من حديث حفص بن أبي داود، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا: «من حجَّ فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي».
والطبراني في «الأوسط» (٥) من طريق الليث ابن بنت الليث بن أبي سليم، عن عائشة بنت يونس امرأة الليث، عن ليث.
стр. 129
قال ابن حجر (١): وهذان الطريقان ضعيفان.
أقول: حفص بن أبي داود، هو حفص القارئ (٢). اتَّفقوا على تركه، وجاء عن الإمام أحمد فيه ثلاث عبارات؛ مرَّة: «صالح»، ومرَّة: «ما به بأس»، ومرَّة: «متروك الحديث».
والجمع بينها: أنَّه في دينه صالح ما به بأس، وفي حديثه متروك، أي لغلبة خطائه وغفلته وغلطه. فإن شككت في هذا الجمع فأسقِط العبارات كلَّها لتعارضها.
بل قال أبو حاتم الرازي: «لا يصدق». وقال ابن خراش: «كذَّاب».
وقال الساجي عن أحمد بن محمد البغدادي عن ابن معين: «كان كذَّابًا».
نعم، قال أبو عمرو الداني: قال وكيع: «كان ثقةً»، ولم يبيِّن سنده إلى وكيع. ولو صحَّ فهو محمول على أنه كان ثقةً في القراءة. أو يسقط ذلك لمعارضته الجرح المفسَّر من نحو خمسة عشر إمامًا. ومع هذا، فحديثه هذا أورده البخاري في ترجمته في الضعفاء إنكارًا له.
ثمَّ شيخه ليث بن أبي سليم، وخلاصة ترجمته قول الحافظ في «التقريب»: «اختلط أخيرًا ولم يتميَّز حديثه فتُرك».
ثم إن الرواة عن ليث كثيرون فانفراد حفصٍ مما يزيده وهنًا على وهن.
стр. 130
وأما الليث ابن بنت الليث عن عائشة بنت يونس (١) امرأة الليث، فبغاية الجهالة.
ولا حاجة لذكر مجاهد ــ ﵀ ــ وتدليسه، فهو أجلُّ من أن يُذكر هنا.
ومع ذلك ففي الحديث النكارةُ المتقدِّم ذكرها. فالحديث من الضعف بحيث لا يصلح للمتابعة.
٣. ورواه العقيلي (٢) من حديث ابن عبَّاس، وفي إسناده فضالة بن سعيد المأربي، وهو ضعيف.
أقول: لفظه كما في «اللسان» (٣): «حدثنا سعيد بن محمد الحضرمي، ثنا فضالة، حدثنا محمد بن يحيى، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ــ ﵄ ــ مرفوعًا: «من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي». ولا يُعرف إلا به.
قال الذهبي: هذا موضوع على ابن جريج. اهـ. وفضالة، قال أبو نعيم: روى المناكير لا شيء».
أقول: ومحمد بن يحيى المأربي (٤)، قال ابن حزم: مجهول، ووثَّقه
стр. 131
الدارقطني وابن حبَّان، إلا أنهما يوثِّقان المجهول بشروط عندهما، منها: أن لا يكون حديثه منكرًا.
وقد قال ابن عديٍّ (١) في محمد بن يحيى هذا: «أحاديثه مظلمة منكرة».
فلو سَلِم الحديث من فَضالة لم يسلم من محمد بن يحيى. وقد أَجَلَّ الله ابنَ جريج وعطاءً أن يُحتاج إلى ذكر تدليسهما هنا.
فالحديث موضوع، أو بغاية الضعف، لا يصلح للمتابعة (٢).
* * * *
[تعليق على «تهذيب التهذيب»]
«د ت ق. عطية بن عروة، ويقال: ابن سعد، ويقال: ابن عمرو ... صحابي نزل الشام ... قلتُ (٣): صحّح ابن حبّان أنه عطية بن عروة بن سعد، ووقع في «الكبير» (٤) وفي «المستدرك» (٥): عطية بن سعد، كأنه نسبه إلى جده ... ».
قلتُ: فكان ينبغي أن ينبّه على ترجمته في (عطية بن سعد) و (عطية بن
стр. 132
عمرو)؛ لأن الناظر إذا رأى في كتاب (عطية بن سعد) وينظر في «التهذيب»، فإما أن يظنّه العوفي التابعي الضعيف، وإما أن يجهله، وكذا إذا نظر (عطية بن عمرو). والله أعلم (١).
* * * *
[فائدة حول «أىى» في «الكفاية» للخطيب]
الحمد لله.
وقد وقعت هذه الصيغة ــ أىى ــ في «كفاية الخطيب» في النسخة الموجودة في المطبعة، وهي منقولة كما يظهر في آخرها من نسخة كتبت سنة ٨٤٨.
وكاتب هذه النسخة التي في المطبعة يضبط الصيغة: «أنبأ» حتّى في المواضع التي يدل السياق أنها: أخبرنا.
فمن ذلك في ص ١٣١ في باب ما جاء في عبارة الرواية عمّا سمع من المحدّث.
قال الخطيب: «ثم قول: أخبرنا، وهو كثير في الاستعمال حتى إن جماعة من أهل العلم لم يكونوا يخبرون عمّا سمعوه إلا بهذه العبارة منهم ... و ... اىى محمد بن أحمد ... سمعت نعيم بن حماد يقول: ما رأيت ابن المبارك يقول قط: حدثنا، كأنه يرى «أىى» أوسع ... » (٢).
стр. 133
[كشف خطأ في مطبوعة «تهذيب التهذيب»]
«تهذيب التهذيب» (١): ترجمة (عمرو بن أبي سفيان بن أسيد): «وقد بين المصنف الاختلاف في تسميته على الزهري في ترجمته عن أبي هريرة في «الأطراف»، وحاصله أن البخاري وقع عنده من طريق شعيب ومعمر: «عمرو»، ومن طريق إبراهيم بن سعد: عن أبي (٢) أسيد».
أقول: ولعلّ الصواب بدل قوله «عن أبي»: «عمر بن».
وانظر «البخاري» (٣)، كتاب المغازي، عقب ذكر غزوة بدر (٤).
* * * *
[كشف سقط في مطبوعة «الإصابة»]
في «تهذيب التهذيب» (٥): «الربيع بنت معوذ [ابن عفراء، وعفراء أم معوَّذ، وأبوه: الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار]».
وفي «الإصابة» (طبع مصر، وطبع كلكته) (٦):
«الربيع بنت معوذ بن عقبة بن حزام بن جندب الأنصارية النجارية، من
стр. 134
بني عدي بن النجار ... » (فذكر ترجمتها).
ثم نظرت «ثقات ابن حبان» (١)، فنسبها كما في «التهذيب»، ثم راجعت «طبقات ابن سعد» (٢) فإذا فيه: «الربيع بنت معوذ بن الحارث [بن رفاعة بن الحارث] بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار.
وأمها: أم يزيد بنت قيس بن زعوراء بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار».
فظهر من هذا أنّه وقع في «الإصابة» سقطٌ أَدمَجَ نسبَها في نسب أمّها. والله أعلم (٣).
* * * *
[معنى إطلاق وصف «الخوارج» على بعض الرواة]
الحمد لله.
المحدثون قد يطلقون «الخوارج» على مطلق الخارجين على السلطان، وإن كانوا بريئين عن سائر أقوال الخوارج الشاذة.
وقد يغفل بعض الأئمة عن هذا، فيقول في أحد هؤلاء: إنّه من الحرورية؛ يَبْنِيه على ما فهمه من قول غيره: «من الخوارج».
انظر ترجمة عمران بن داور من «التهذيب» (٤)(٥).
стр. 135
[دفاعًا عن إمام المغازي ابن إسحاق]
«الفهرست» (ص ١٣٦) أخبار ابن إسحاق
« ... يحكى أن أمير المدينة رقي إليه أن محمدًا يغازل النساء ... ».
قلتُ: لم أر هذه الحكاية لغير هذا الرجل. وهي معضَلَة بلا سند، فلا يُلتفت إليها. وعلى فرض أن لها أصلًا فقد يحتمل أن بعض أعداء ابن إسحاق وشى به كذبًا فعوقب بغير حقٍّ.
وعلى فرض صحَّة ذلك، فالظاهر أن ذلك في الصِّغر وأوائل الشباب.
ثمَّ ذكر إنكار هشام بن عروة على ابن إسحاق روايته عن فاطمة بنت المنذر زوج هشام. وقد أجاب أئمة الحديث عن ذلك.
ثم قال النديم: «ويقال كان يُعمل له الأشعار ويؤتى بها ويُسأل أن يُدخلها في كتابه في السيرة [فيفعل]» إلخ.
قلتُ: أمَّا هذا فمحتمل؛ وذلك أن ابن إسحاق كان يأخذ عن كلِّ أحد، فلعلَّ بعض الناس كان يصنع بعض الأشعار ثم يجيء إلى ابن إسحاق فيذكر له ذلك الشعر ويزعم أنه سمعه من الرواة. ولا يعلم ابن إسحاق كَذِب ذلك فيثبته في السيرة لاحتمال صحته عنده.
وليس في هذا ما يبطل روايته إذا أسند عن الثقات وصرَّح بالسماع. والله أعلم.
فأما نقله عن اليهود والنصارى وتسميته إيَّاهم أهلَ العلم الأوَّل، فلا عيب فيه (١).
стр. 136
[كلام على بعض الرواة]
* [في «اللسان» (١)]: «زيد بن عبد الرحمن ... «أخوك البكري لا تأمنه». قال العقيلي: لا يُتابع عليه، ولا يعرف إلا به».
أقول: أما المتن فقد روي من وجهٍ آخر. انظره في «مسند أحمد» (٢) في حديث ... أن النبي ﵌ بعثه بمالٍ لأبي سفيان بعد الفتح، فأراد عمرو بن أمية الضمري أن يصحبه، فاستأذن النبي ﵌ في أن يستصحب عمرًا، فأذن له، وقال له: « .... أخوك البكري ولا تأمنه».
* قيس بن الربيع: فيه كلام طويل (٣)، حاصله: أنه صدوق سيء الحفظ، وكان له ابن سوء يدسُّ في كتبه ما ليس من حديثه.
ومثل هذا يصلح للمتابعة، ولا سيما مع إمامة الراوي عنه وتيقّظه.
* [في «التهذيب» (٤)]: المسعودي. وقال ابن نمير: كان ثقة، واختلط بأخرة. سمع منه ابن مهدي ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة.
عبد الله بن أحمد عن أبيه: سماع وكيع من المسعودي قديم، وأبو نعيم أيضًا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالكوفة والبصرة فسماعه جيد.
стр. 137
قلت: ويزيد بن هارون بصري؛ ففي ترجمته (١): «وقال عمرو بن عون عن هشيم: ما بالبصريين مثل يزيد».
* «لسان الميزان (٢)»: شعبة بن زافر، أبو رافع الأصبهاني، قال أبو الشيخ في «الطبقات»: كان يرى الإرجاء.
أقول: ذكر الذهبي في «الميزان» (٣) في ترجمة [هشام بن حسَّان القردوسي] (٤) أن هُدْبة بن خالد قال في شعبة بن الحجاج الإمام: إنه مرجئ! فلينظر، لعل هدبة إنما قال ذلك في شعبة هذا (٥).
* * * *
[تعليق على كلام «السيد علوي» حول توثيق الوليد بن مسلم]
«السيد علوي»: «الوليد بن مسلم ثقة غير مدافع، وقد صرَّح فيه بالتحديث، فانتفى توهم التدليس، وأيضًا فقد رواه عن الأوزاعي غيره كشعيب بن إسحاق، وأبي المغيرة، ومحمد بن مصعب، ويزيد بن يوسف، وقد زعم أيضًا أن تمَّامًا الرازي قال في الوليد بن مسلم: إنه منكر الحديث، وهذا خطأ فإن الذي قال فيه تمام ذلك هو الوليد بن سلمة لا الوليد بن مسلم».
стр. 138
[قال الشيخ معلقًا على قوله: «وقد صرّح بالتحديث»]: «هذا خطأ، فإن الوليد إنما صرَّح بالتحديث عن شيخه، وهذا لا يدفع تدليس التسوية الذي عُرف به، بل لا يكفي في دفعها إلا التصريح بالتحديث في جميع السند».
(ج ٢/ص ٨٧):
«الثاني: أن الأئمة قد اتفقوا على توثيق الوليد بن مسلم، ولم ينكر عليه بعضهم إلا التدليس ... وقد روى الوليد هذا الحديث بصيغة التحديث، ورواه غيره عن الأوزاعي أيضًا فانتفى توهم التدليس ... » إلخ
(ج ٢/ص ٨٩):
«ألا ترى أن الوليد قال لهيثم: «أنبأنا الأوزاعي أنه يروي عن مثل هؤلاء» يعني أنهم مقبولون عنده، فلمّا شغب عليه الهيثم وضعَّفهم سكت عنه، والسكوت خير جواب؛ لأن الوليد بن مسلم يعلم التفاوت العظيم في العلم والمعرفة بين الإمام الأوزاعي والهيثم. فلا يُقدَّم قوله على قول الأوزاعي ولا جرحه لهؤلاء الرواة على اعتماد الأوزاعي بهم، وما كان ينبغي له أن يترك حافظ الشام للهيثم وأشباهه». اهـ.
أقول: هذا غلط كما يُعلم بمراجعة المحاورة (١).
(ص ٨٨):
«السابع أن الذي رأيناه في مقدمة «شرح صحيح مسلم» للإمام النووي
стр. 139
موافق لِمَا قاله غيره من الأئمة، فإنه قال بعد ذِكْر الخلاف في الجرح بتدليس التسوية: والصحيح ما قاله الجماهير من الطوائف ... » إلخ.
أقول: ظاهر هذا السياق أن كلام النووي ينصبّ على تدليس التسوية، وهو غير ظاهر، فليراجع، ولاسيما وقد قال السيد بعد ذلك: وأما قول النووي في مقدمة شرح الصحيح في تدليس التسوية أن تحريمه ظاهر ... إلخ (١).