الآخر ذهب رديء، وهما يريدان التبايع، إما لمصلحة الاحتكار، لأن كلًّا منهما يقول: إذا احتكرت فينبغي أن يكون عندي من النوعين، وإما لغير ذلك، لكن مع مراعاة كلٍّ منهما للاحتكار، لأن أحدهما يقول: إذا لزم لي أن أشتري شيئًا من الذهب وأعطي في قيمته ذهبًا، فلا ينبغي أن أشتريه إلا من رجل آخر محتكر للذهب مثلي؛ لأنه أيضًا يراعي الاحتكار، فلا يخرج الذهب إلا عند غلاء سعره، وبذلك يتمُّ مقصودي في حكر الذهب حتَّى يغلى سعره.
والآخر يقول: إذا بدت لي مصلحة في أن أبيع شيئًا من الذهب، فلا ينبغي لي [أن] أبيعه إلا بذهب حتَّى لا أضيِّع شيئًا من المقدار الذي أريد احتكاره.
فضيَّق الشرع عليهم فألزمهم أن لا يبيعوا الذهب بالذهب حالًّا إلا مثلًا بمثل؛ لأن الغالب أن لا تدعو حاجة لاشتراء الذهب بالذهب إلا لمزيَّة لأحدهما على الآخر. وصاحب الذهب الممتاز لا يرضى أن يخسر تلك المزيَّة، فيضطرَّ أحدُهما إلى بيع ذهبه بفضَّة أو غيرِها ثمَّ يشتري بذلك ذلك الذهب الذي رغب فيه، فينفكُّ الاحتكار أو يبقيان مضيَّقًا عليهما.
وإنما لم يُمنع بيع الذهب بالذهب مطلقًا لأن في ذلك تضييقًا شديدًا على الناس. وقد يكون البائع أو المشتري غيرَ قاصد للاحتكار، وإنما دعتْه ضرورة أخرى.
والعادة أن صاحب الذهب الممتاز لا يرضى بخسارة تلك المزيَّة إلّا لضرورة دعته، فالتضييق عليه مع اضطراره منافٍ للحكمة، فكانت الحكمة أن يُحدَّ لذلك حدٌّ بحيث لا يباع الذهب بالذهب إلا من ضرورة، وهذا الحدُّ هو إيجاب المماثلة.
стр. 37
وأما بيع الذهب بالذهب متماثلًا نسيئة، فلأنه في معنى بيع الذهب بالذهب متفاضلًا نقدًا لأن الأجل في معنى الفضل.
فقد تكون قطعة من الذهب تزن أوقية وقيمتها خمسون درهمًا، وقطعة من ذهب آخر تزن أوقيةً أيضا (١) وقيمتها أربعون درهمًا، ولكن صاحب القطعة الممتازة يرضى ببيعها بالقطعة الأخرى إلى سنة، لِمَا يستفيده من الأجل. وبذلك لا يتحقق أنه كان مضطرًّا إلى البيع.
وفيه أيضًا الدخول في ربا القِران؛ إذ قد يكون إنسان محتاجًا إلى النقد ويعلم أنَّ عند صاحبه ذهبًا، فيقول: لو أَتَيته أستقرضه لم يقرضني، ولو شرطت له أن أزيده في القضاء كان ذلك ربا، فالحيلة أن أشتري منه مائة دينار من ذهبه بمائة دينار من ذهب أجود مع أنَّ الوزن واحد، وأؤجِّله إلى الأجل الذي أحتاج أن أقترض إليه. وهو طبعًا يرضى لزيادة الذهب الذي بعتُه منه في الجودة.
والحاصل أن مقصود هذا الرجل الاقتراض، وإنما جعل الصورة بيعًا ليسلم من الربا في زعمه. فهذا في المعنى اقترض من صاحبه مائة دينار وشَرَط له أن يقضيه مائة دينار أجود منها، وهذا هو الربا.
وأما بيع الذهب بالفضة متفاضلًا حالًّا فكأنه أجيز ــ والله أعلم ــ لأن الضرورة كثيرًا ما تدعو من عنده فضَّة أن يستبدلها بذهب وبالعكس، فتقلُّ تهمة قصد الاحتكار، بخلاف من كان عنده ذهب ويريد استبداله بذهبٍ، أو
стр. 38
فضةٌ ويريد استبدالها بفضَّة؛ فإن الضرورة في ذلك تقلُّ فتَقْوى تهمة قصد الاحتكار.
وأما بيع الذهب بالفضَّة نسيئةً فهو مظنَّة الربا؛ إذ قد يكون إنسان محتاجًا إلى مائة دينار مثلًا، ويريد أن يتحصَّل عليها من صاحبه، ولكنه يعلم أنه إن قال له: أقرِضْني، لم يُقرضه لأنه يطلب الربح. ولو شرط له أن يزيده في القضاء كان ذلك ربا، فيحتال بأن يشتري منه مائة دينار بألف وخمسمائة درهم إلى أجل مع أن صرف الدينار حينئذ ثلاثة عشر درهمًا مثلًا، وإنما زاده ليرضى بذلك.
فالحاصل أن مقصوده الاقتراض، وإنما جعل الصورة بيعًا ليسلم من الربا في زعمه. فهذا في المعنى من اقترض من صاحبه مائة دينار وشَرَط له أن يقضيه مائة دينار ومائتي درهم، وهذا هو الربا.
فالمقصود أنَّ الذهب والفضة متقاربان؛ لأنه تجمعهما النقديَّة، فإذا اقترض الإنسانُ أحدَهما على أن يردَّ الآخر، فكأنه اقترض أحدَهما على أن يردّ من جنسه مع زيادة. وإذا جعل بدل صورة القرض صورة البيع، فالمعنى باق.
ومثل الذهب والفضة: البرُّ والتمر، وبقيَّة المقتاتات، وما لا بدَّ لها منه كالملح.
أما في معنى الاحتكار، فلأن احتكار كلٍّ منها شديد الإضرار بالناس. أما احتكار القوت وما لا بدَّ منه فظاهر. وأمَّا احتكار النقد فلأنَّه الوسيلة إلى نيل الأقوات وغيرها. ويتبيَّن هذا بما إذا فرضنا أن النقد ارتفع من السوق
стр. 39
جملةً فإن الحركة تتوقَّف. فالذي عنده ثياب ويريد القوت، لا يتيسَّر له ذلك؛ لأن بائع الأطعمة قد لا يرغب في الثياب التي عنده، وإنما يريد نوعا آخر، أو لا يرغب في الثياب جملةً، وإنما يريد شيئًا من الآلات، أو يريد أن يستخدم من يعمل له، أو غير ذلك. وصاحب الثياب قد يجد آخر يرغب فيها ولكن يبذل له شيئًا من الجوهر مثلًا، أو غير ذلك مما لا يرغب فيه صاحب الطعام أيضًا.
ويموت صاحب الثياب جوعًا. بخلاف ما إذا كان النقد دائرًا في السوق؛ فإن صاحب الثياب يبيع به، لعلمه بأن صاحب الطعام طبعًا يقبله لأنه جامع الأغراض.
وأمَّا في معنى الربا، فلأن الأقوات جرت العادةُ باقتراضها، كما جرى العادة باقتراض النقد. والبرّ مع الذرة مثلًا كالذهب مع الفضَّة، يجمعهما القوتيَّة كما جمعت ذينك النقدية. فإذا اقترض الإنسانُ أحدَهما على أن يردَّ الآخر فكأنه اقترض صنفًا واحدًا على أن يردَّه بزيادة. وإذا جعل بدل صورة القرض صورة البيع فالمعنى باق.
فأما الثياب مثلًا، فحاجة الناس إليها دون حاجتهم إلى القوت، ولم تجرِ العادة باحتكارها جريانَها باحتكار القوت والنقد، ولا جرت العادة باقتراضها جريانَها فيهما (١).
* * * *
стр. 40
[مناظرة فقهية في بعض صور الرِّبا]
[قلتُ: هل يجوز إذا] (١) باع رجلٌ سلعة بخمس رُبّيات إلى شهر، وعند تمام الشهر اتفقا على مدِّ الأجل شهرًا آخر، في مقابل زيادة ربّيّة، فيكون الدين ستة ربّيات. قال: لا.
قلت: فلو قبض البائع الخمس ربّيات ثم أرجعها للمشتري قرضًا بشرط زيادة ربّية؟ فمال إلى جوازه.
فقلت: ما الفرق بين المسألتين؟
قال: قد فرق بينهما الشرع، فمنع بيع الربّيّات بالربّيات إلا مع المماثلة والحلول، وأجاز القرض مع عدم الحلول، اتفاقًا.
فقلت: هذا خارج عن موضوعنا، لأنه فرق بين البيع والقرض، وأنا إنما حكيت الفرق بين المنفعة المشروطة في مقابل مدّ الأجل في الثمن، والمنفعة المشروطة في مقابل ابتداء أجلٍ في القرض. فلم يفهم.
فقلت: أنا أوضّح لك هذا:
لو باعه عبدًا بثلاثة أثواب إلى شهر، وعند تمامه مدّ في الأجل بشرط زيادة ثوب، فتكون أربعة أثواب؟
قال: لا يجوز؛ لأنه ربا في البيع.
قلت: فلو أقرضه ثلاثة أثواب على أن يرجع له أربعة؟
فمال إلى جوازه.
стр. 41
قلت: فهل فرّق الشارع بينهما كما ذكرت أولاً؟
قال: أما في هذا، فلا.
قلت: فتبيَّن لك أن جوابك الأول خارج عن الموضوع؟
قال: نعم، ولكن عندي جواب آخر.
قلت: ما هو؟
قال: الأول ربا بيع، وليس هذا ربا بيع.
قلت: هذا مسلَّم أن الثاني ليس بربا بيع، ولكنه نظيره، فهل من فرقٍ معنوي بينهما؟
وفوق هذا، فإن الحرمة في المقيس أولى من المقيس عليه عندنا معشر الشافعية، وعندكم معشر الحنفية. وذلك أن (١).
* * * *
[تعليق على «كتاب الأم» حول اشتراط منفعة الرهن]
[من الأم ج ٣] (٢):
«باب ما يفسد الرهن من الشرط:
فإن شرط المرتهن على الراهن أن له سُكْنى الدار، أو خدمة العبد، أو منفعة الرهن، أو شيئًا من منفعة الرهن ما كانت، أو من أي الرهن كانت دارًا أو حيوانًا أو غيره= فالشرط باطل.
стр. 42
وإن كان أسلفه ألفًا على أن يرهنه بها رهنًا، وشرط المرتهن لنفسه منفعة الرهن= فالشرط باطل؛ لأن ذلك زيادة في السلف.
وإن كان باعه بيعًا بألف، وشرط البائع للمشتري أن يرهنه بألفه رهنًا، وأن للمرتهن منفعة الرهن= فالشرط فاسد؛ لأنّ لزيادةِ منفعة الرهن حصةً من الثمن غير معروفة».
أقول: إنما علَّل هذا بما ذكر؛ لأن الزيادة هنا ليست في مقابل المهلة، وإنما هي من جملة الثمن، كأن البائع يقول: إنّ سلعتي تُقَوَّم بأكثر من ألف، ولكني أبيعك إياها بألف ومنفعة المرهون. تأمل.
ثم ذكر بعد فروعًا علَّلها بغير الزيادة في السلف؛ لأنها ليست منها كما يُعلم بالتأمل (١).
* * * *
[أنواع الرخص في العبادات]
الحمد لله.
حديث: «إنّ الله يحبُّ أن تُؤتى رُخَصُه كما يحبّ أن تؤتى عزائمُه» (٢).
يظهر لي أن الرخص على ضربين:
стр. 43
ضرب يَرِد بصورة التخيير، ولا يعارضه شيء، سواء أجاء ما يؤيد التخيير أم لا. فهذا ــ والله أعلم ــ ليس مرادًا بالحديث، ومنه كفارة اليمين.
الثاني: ما ورد بصيغة الأمر ولم يعارضه شيء، فهذا هو المراد بالحديث.
ويبقى التردّد فيما ورد بصيغة نفي الحرج، أو نفي الجُناح ونحوهما.
فالظاهر في هذا أنّه من القسم الأول، إلاّ أن يجيء ما يدخله في القسم الثاني لورود أمر آخر به، أو مواظبة النبي ﵌ عليه، ومنه القَصْر في السفر.
وكان الظاهر في الصوم في السفر أنه من القسم الثاني؛ لأن ظاهر القرآن في معنى الأمر، بل آكد منه، إذ جعل محلّ الصيام هو أيام أُخَر. ولكن السنة خصّصت ظاهر القرآن بما إذا وُجِدت المشقة (١).
* * * *
[مسألة الطلاق الثلاث، والتحليل] (٢)
الحمد لله.
أمّا السبيل الذي أشار إليه السائل (٣)، فإنّ من أهل العلم [مَن] ذهب (٤) إلى أنّ مثل هذا الطلاق المسؤول عنه لا يقع به إلا واحدة. وهذا مذهب الزيدية، يروونه عن أسلافهم من أئمة أهل البيت كابرًا عن كابر، ووافقهم
стр. 44
عليهم المتأخرون من محدّثي أهل اليمن، كالشوكاني وغيره، وحكاه في «نيل الأوطار» (١) عن جماعة من الصحابة والتابعين وهلمّ جرًّا.
واختاره ابن تيمية وابن القيم، وهما من المنتسبين إلى مذهب إمام السنة الإمام أحمد بن حنبل.
ودليلهم حديث ابن عباس الثابت في «صحيح مسلم» (٢) وغيره.
ولكن أئمة المذاهب الأربعة على أنّه يقع ثلاثًا.
وقد أجاب الشافعي ــ رحمه الله تعالى ــ عن هذا الحديث في كتاب «اختلاف الحديث» المطبوع بهامش «الأم». انظر: ج ٧ ص ٣١٠ إلى ص ٣١٥ (٣).
وكلامه ــ رحمه الله تعالى ــ يدلّ على تردّد، فإنّه ذكر هذا الحديث، ثم ذكر أنّ ظاهر القرآن خلافه، ثم عارضه بحديث عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﵌ فقالت: إنّي كنت عند رفاعة فطلقني فبتَّ طلاقي ... ، فتبسّم رسول الله ﵌ وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك ... » (٤).
стр. 45
قال الشافعي: «فإن قيل: فقد يحتمل أن يكون رفاعة بتّ طلاقها في مرّات. قلت: ظاهره في مرة واحدة ... ».
أقول: لكن قد ثبت في «صحيح مسلم» (١) وغيره أن طلاق رفاعة كان في مرات، فسقط الاستدلال بحديث رفاعة.
قال الشافعي: «فلما كان حديث عائشة في رفاعة موافقًا ظاهرَ القرآن، وكان ثابتًا، كان أولى الحديثين أن يؤخذ به، والله أعلم، وإن كان ليس بالبين فيه جدًّا (٢)».
قال الشافعي: «ولو كان الحديث الآخر له مخالفًا كان الحديث الآخر يكون ناسخًا، والله أعلم، وإن كان ذلك ليس بالبين فيه جدًّا». اهـ.
ففي كلامه ــ ﵀ ــ من التردّد ما لا يخفى، مع أنّه كان بيده ظاهر حديث امرأة رفاعة، فكيف لو بلغه ما ثبت في مسلم وغيره أنّ طلاق رفاعة كان في مرّات؟
والكلام في المسألة طويل، والذي يترجّح لنا ــ وهو ظاهر جدًّا من كلام الشافعي ﵀ ــ أنها من المسائل الاجتهادية التي لا يُشنَّع على أحد من المختلفين فيها، ولا مقلِّديه.
وقد نصّ جماعة من الأئمة، منهم السبكي ﵀، أنّه يجوز للمسلم تقليد غير الأئمة الأربعة في حقِّ نفسه.
стр. 46
* وأمّا التحليل، فإنّ مذهب الشافعي ــ رحمه الله تعالى ــ جوازه إذا لم يُشْتَرط في صلب العقد.
وكثيرٌ من الأئمة يحرّمه، ودليلهم الحديث الصحيح أنّ النبي ﵌ قال: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ » قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «هو المحلل»، ثم قال رسول الله ﵌: «لعن الله المحلِّل والمحلَّل له» (١).
والحديث عامٌّ، فقَصْرُه على ما إذا كان بالشرط في صُلب العقد مفتقر إلى دليل، ولم يذكروا دليلاً ظاهرًا في ذلك.
وظاهر الحديث يأباه جدًّا، فإنّه علَّق الحكم بالمحلّل، وقد تقرَّر في أصول الفقه وعلم البيان أنّ تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعِلِّيّة ما منه الاشتقاق، فتكون العلة هنا هي التحليل من حيث هو تحليل.
فأمّا شرط الطلاق في صلب العقد فإنّه حرام، سواء أكان نيّته التحليل أو غيره، كما لو كانت بكرًا.
وقد روى الحاكم في «المستدرك» (٢) ــ وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي ــ عن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن
стр. 47
رجل طلّق امرأته ثلاثًا، فتزوجها أخ له عن غير مؤامرة ليحلّها لأخيه، هل تحل للأوّل؟
قال: لا، إلا بنكاح رغبة؛ كنّا نعدّ هذا سفاحًا على عهد النبي ﵌ (١).
* * * *
الحمد لله.
[حرمة ابنة الرجل من السِّفاح عليه]
الحمد لله.
ندين الله تعالى بحرمة المخلوقة من ماء الرجل عليه، وكذا على أبيه وبنيه وإخوته وغير ذلك.
والحاصلُ أنها بنتُه فيما يتعلق بحرمة النكاح. وهي بنته حقيقة.
وفي حديث جريج أنه قال لولد الزنا: من أبوك؟ قال: أبي راعي الغنم (٢).
وفي حديث عبد الله بن حذافة: من أبي يا رسول الله؟ (٣).
وفي حديث ابن وليدةِ زمعة أن النبي ﵌ قال لسودة: «احتجبي منه، فإنه ليس لك بأخ» (٤).
стр. 48
فنفى أُخوَّته لها، ونفى محرميَّته لها، مع الحكم بأنه ابن أبيها.
فتبين أن إلحاق النسب شرعًا لا يقتضي قطع النظر عن النسب الحقيقي.
فكذا نقول: إن نفي بعض مقتضيات البُنُوَّة كالإرث بين الزاني ومن خُلِق من مائه، لا يقتضي نفي سائرها كالمحرمية. والله أعلم (١).
* * * *
مسألة المحرمات من الحيوانات
ظهر لي ــ والله أعلم ــ أن الحيوانات كلَّها كانت حلالًا في أول الإسلام، عدا ما نُصَّ عليه في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥].
ثم دام الحال على هذا إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ... ﴾ الآية [١٧٣] من سورة البقرة مؤكدًا لذلك.
ثم نزلت قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ... ﴾ [٤] من سورة المائدة.
والمائدة من آخر ما نزل، فتكون ــ والله أعلم ــ ناسخةً للآيتين السابقتين، بأن حَرَّمت جميعَ الخبائث زيادة على المنصوصات.
стр. 49
والوصف بالطيبات والخبائث مُجمل، يعلمه الله ، وأَعْلَمَه رسوله ﵌.
وهو ﵌ بَيَّن ذلك بما ورد في السنة.
فكلّ ما صح في السنة تحريمُه والنهيُ عنه فهو من الخبائث المنصوص على تحريمها بالآية الناسخة للآيتين السابقتين.
فلم يقع النسخ للقرآن إلا بالقرآن، ولم يقع إهمالٌ لما ثبت بالسنة، ولم يقع تحكُّم في تعيين الطيبات من الخبائث، بل وُكِل ذلك إلى بيان المعصوم ﵌.
على أنه لا مانع مع هذا من الاستدلال بالآية على حرمة ما استخبثته النفوس، فيكون ﵌ نصّ على حُرْمة ما قد يخفى خبثُه، وَوَكَل الباقي إلى نظر الأمة. والله أعلم (١).
* * * *
[جواز الشهادة على سماع الصوت]
مِن الحجة على جواز الشهادة على سماع الصوت حديثُ: «إن بلالاً يؤذّن بليل» (٢) إلخ.
فإنه لو لم يكن صوت كلٍّ منهما ممتازًا عن صوت الآخر، أو لم يكن
стр. 50
العمل بمعرفة الصوت جائزًا= لأشكل؛ أنّ مِن الناس من يكون نائمًا أو غافلًا، فينتبه فيسمع الأذان الثاني فيظنه الأول، فيأكل ويشرب مريدًا للصيام.
أو يسمع الأول فيظنه الثاني، فيمتنع عن الأكل والشرب والوتر، وربّما صلى الصبح.
هذا، مع أن تسمية المؤذِّنَين في الحديث تُشْعِر بالأمر باعتماد معرفة صوتيهما، وإلاّ يكفي أن يقول: إن الأذان الأول يقع بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا الأذان الثاني. ويكون هذا اللفظ أولى، لكثرة فائدته. والله أعلم (١).
* * * *
[كراهية ذكر الله حال الحدث]
في حديث أبي الجُهَيم بن الحارث بن الصِّمَّة الثابت في «الصحيحين» (٢) دليل على أنّ ذِكْر الله تعالى حال الحَدَث مكروه أو خلاف السنة. وما ثبت ممّا يُخالف ذلك فهو لبيان الجواز.
نعم، قد يقال: يحتمل في حديث أبي الجُهَيم أنّه ﵌ كان جنبًا، فيكون صريحًا في الحَدَث الأكبر، ويبقى النظر في الأصغر. فليُنظر.
стр. 51
- ودليلٌ على أنّ تأخير ردّ السلام لمثل ذلك جائز أو مندوب.
- ودليلٌ على أنّ التيمّم في الحضر لنحو ردّ السلام جائز (١).
* * * *
[مشروعية الوضوء للجنب إذا أراد ذكر الله]
الحمد لله.
قد ثبت مشروعية الوضوء للجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام.
وفي حديث أبي الجُهَيم في «الصحيحين» (٢) حجة على مشروعية الوضوء للجنب إذا أراد ذكر الله ؛ لأنّه سلّم على النبي ﵌ فلم يردّ عليه حتى تيمّم. فإن قيل: ليس في الحديث أنّه ﵌ كان جنبًا.
قلت: ولا فيه أنّه لم يكن جنبًا. والظاهر أنّه كان جنبًا؛ لحديث ابن عباس عند مسلم (٣)، فإنّه يدلّ أنّه ﵌ أنكر مشروعية الوضوء للأكل، مع أنّ الأكل يلتزم فيه الذكر أوَّلَه وآخرَه.
فإن قيل: لعله إنّما أنكر الوجوب.
قلت: الظاهر من الحديث إنكار المشروعية، فراجعه.
فإن قيل: فإن ظاهره يفيد إنكار الوضوء لغير الصلاة. وقد ثبت مشروعية
стр. 52
الوضوء لغير الصلاة في حقِّ الجُنُب، فوجب حمل حديث ابن عباس على إنكار الوجوب.
قلت: ثبوت مشروعية الوضوء لغير الصلاة في حق الجنب لا يستلزم ثبوت المشروعية مطلقًا في حق غير الجنب.
وهو ﵌ في قصة ابن عباس لم يكن جنبًا، وإنّما جاء من الكنيف. فإنكاره مشروعية الوضوء في حقه حينئذ لغير الصلاة لا ينافي مشروعية الوضوء في حق الجنب لغير الصلاة. فتأمّل. والله أعلم (١).
* * * *
[تعليق على كلام الشوكاني حول الزيادة على العدد الوارد في الأذكار]
«نيل الأوطار» (ج ٢/ ٢٠٣):
«قال العراقي في شرح الترمذي: كان بعض مشايخنا يقول: إن هذه الأعداد الواردة عقب الصلاة أو غيرها من الأذكار الواردة في الصباح والمساء, وغير ذلك، إذا ورد لها عدد مخصوص مع ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها في أعدادها عمدًا= لا يحصل له ذلك الثواب الوارد على الإتيان بالعدد الناقص، فلعل لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوزة تلك الأعداد وتعديها، ولذلك نهى عن الاعتداء في الدعاء ...
وفيما قاله نظر ... [وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يدلّ على ذلك]: «ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك» ... «لم يأت
стр. 53
أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه». وقد يقال ... ».
[وقال] الشوكاني: «وهذا مسلَّم في التعبُّد بالألفاظ؛ لأن العدول إلى لفظ آخر لا يتحقق معه الامتثال, وأما الزيادة في العدد فالامتثال متحقق ... وكون الزيادة عليه مغيرة له غير معقول.
وقيل: إن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد ثم أتى بالزيادة، فقد حصل الامتثال، وإن زاد بغير نية لم يعدّ ممتثلًا».
[علَّق الشيخ على قوله: «غير معقول» بقوله]: «أقول: بل هو معقول كالزيادة على ركعات الصلاة» (١).
* * * *
[عدم جواز الاقتصار على لفظ الجلالة في الذكر]
الاقتصار على ذكر الجلالة أو كلمة «هو» ليس بذكر؛ أوّلًا: لأنه لم يرد، ومن الحكمة في ذلك ــ والله أعلم ــ أنه لا يُفْهِم معنى؛ إذ يحتمل أن يقدَّر التعظيم وأن يقدَّر الكفر ــ والعياذ بالله ــ ولا عبرة بالنية هنا؛ لأن مجرد نية الذِّكْر لا يُعدُّ ذكرًا، فلو نوى بقلبه «الله أكبر» مثلًا لم يُعدَّ ذاكرًا، فكذا إذا قال: «الله» ونوى: «أكبر».
ومما يُستدل به هنا أنه لو قال: «زوجتي» ونوى (٢) «طالق»، أو «عبدي»
стр. 54
ونوى «حُرّ»، أو «أرضي» ونوى «وقف»، أو نحو ذلك= لم يقع شيء من ذلك، فكذا هنا بجامع أن الشارع اعتبر التلفّظ في الجميع، ولم يعتبر مجرّد النية، والله أعلم.
نعم، قد ورد من الذكر الذي دخله الحذف ما جرى الحذف في مثله لغةً مثل: «هو حسبي» بعد قوله: «أشكو إلى الله» ــ مثلًا ــ. وليس هو مثل الذي قبله؛ لأن هذا يفهم السامع المراد منه بخلاف ذاك. والله أعلم. ولهذا يقع في مثل هذا الطلاق والعتاق والصدقة، كما إذا قيل له: من العتيق؟ فقال: فلان. والله أعلم (١).