[شرح آية الوضوء] (١)
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ مُحْدِثين كنتم أو غير مُحدثين ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ] وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي ــ والله أعلم ــ سواءٌ أكنتم محدثين أم لا ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ﴾ أصحَّاء حاضرين ولكن محدثين ﴿جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
فالحاصل أن الله تعالى أمر بالوضوء عند القيام إلى الصلاة مطلقًا، ثم رخَّص للمريض أن يتيمَّم مطلقًا أيضًا، ورخَّص للمسافر أن يتيمَّم مطلقًا بشرط عدم الماء، ورخَّص للصحيح الحاضر المحدث بشرط عدم الماء.
وفُهمَ من هذا الأخير أن الصحيح الحاضر غير المحدث العادم للماء يتيمَّم من باب أَوْلى، فبقي الصحيح الحاضر غير المحدث إذا وجد الماء، فيجب عليه الوضوء.
فإن قيل: فلو قيل في غير القرآن: «أو مرضى أو لم تجدوا ماء فتيمموا» يوفي بهذا المعنى الذي زعمته مع إيجازه ووضوحه، فلماذا عدل عنه إلى الإطناب مع ما فيه من الغموض؟ (٢).
* * * *
стр. 3
[هيئات الصلاة والأصل في وضعها]
أعمال الصلاة أو أكثرها مستعمل بين الأمم تحيَّةً وتعظيمًا.
أما السجود والركوع والقيام فظاهر.
وهكذا التطبيق المنسوخ مستعمل عند أهل الهند تعظيمًا؛ يُطبِّق أحدهم كفَّيه مشيرًا بهما إلى من يعظِّمه، وأغلب ما يُستعمل عند الاسترحام.
ورفع اليدين مستعمل عند .... (١)؛ يرفع أحدُهم يديه إذا دخل على مخدومه أو أراد الخروج من عنده، إلّا أنه يرفعهما مادًّا لهما إلى قدَّام منحنيًا.
والجلوس مفترشًا هو قريب من جلوس الإنسان بين يدي مَنْ يحترمه كالتلميذ بين يدي شيخه.
ووضع اليد على اليد أيضًا معروف يستعمله الناس أمام من يحترمونه.
وقبض الأصابع غير المسبِّحة يحتمل أن يكون له حظٌّ من هذا.
والظاهر أن الأصل في هذه الأعمال مِنْ وَضْع الباري ليُعبد بها، ثمَّ تناهبها الملوك والرؤساء وغيَّروا فيها وبدَّلوا.
ويحتمل أن يكون بعضها اخترعه الناس لتعظيم رؤسائهم، ثم أمر الله أن يُعبد به؛ لأن التعظيم لا يستحقّه سواه (٢).
стр. 4
[مشروعية جهر الإمام بآمين]
النِّيموي (١) (ص ٩٤):
«لا تبادروا الإمام، إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد». رواه مسلم (٢).
قال النيموي: «يُستفاد منه أن الإمام لا يجهر بآمين؛ لأن تأمين الإمام لو كان مشروعًا بالجهر لما علَّق النبيُّ ﵌ تأمينهم بقوله: ولا الضالين. بل السياق يقتضي أنه لم يقل إلا هكذا: وإذا قال آمين فقولوا آمين». اهـ.
أقول: إنما لم يقل: «وإذا قال آمين فقولوا آمين»؛ لأن السنة موافقة الإمام، بأن يقولها معه لا بعده. وهذا المعنى إنما يؤديه قوله: «وإذا قال ولا الضالين فقولوا آمين».
وأما قوله في الحديث: «إذا كبر فكبروا» فالمشروع أن يكون تكبير المأموم بعد تكبير الإمام، وهكذا الركوع، وقول سمع الله لمن حمده (٣).
* * * *
стр. 5
[مناقشة الشافعية في قولهم بركنيَّة الصلاة على النبي ﵌ في التشهد]
الحمد لله.
احتجَّ الشافعية على أن الصلاة على النبي ﵌ في التشهُّد ركن بحديث فَضالة بن عُبيد قال: «بينما رسول الله ﵌ قاعد إذ دخل رجل فصلَّى فقال: اللَّهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول الله ﵌: «عجلتَ أيها المصلِّي! إذا صلَّيتَ فقعدت فاحْمد الله بما هو أهله وصلِّ عليَّ ثم ادْعُه». قال: ثم صلَّى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله وصلَّى على النبي ﵌، فقال له النبى ﵌: «أيها المصلِّي ادعُ تُجَبْ» (١).
ورُدَّ بأنه دليل عليكم؛ إذ لو كانت ركنًا لأَمَره بالإعادة كما أمر المسيء صلاته. فأما كونه لم يأمر الذي تكلَّم في صلاته جاهلًا، فلأن مثل ذلك الكلام يُعذر به الناسي والجاهل بخلاف ترك الركن فإنه لا يُعذر ناسيه ولا جاهله؛ وهذا مذهبكم.
ومع هذا فلا ندري هل كان دعاء الرجل ودعاؤه (٢) بعد الفراغ من الصلاة أم فيها، فإن كان الأول فلا علاقة له بالمسألة، إلا أن الأشبه الثاني.
واحتجُّوا بحديث الحاكم على شرط مسلم عن ابن مسعود قال: «أقبل
стр. 6
رجل حتى جلس بين يدي رسول الله ﵌ ونحن عنده فقال: يا رسول الله أما السَّلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلِّي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا ــ صلى الله عليك ــ؟ قال: فصَمَت حتى أحببْنا أن الرجل لم يسأله، ثم قال: إذا صليتم عليَّ فقولوا ... ».
وحملوا قوله «في صلاتنا» على ذات الركوع والسجود، وهو محتمل كما أنه يحتمل أن يكون المراد: في صلاتنا عليك؛ كأنه قال: كيف نقول في صلاتنا عليك؟ وربَّما يؤيِّده جوابه ﵌ بقوله: «إذا صليتم عليَّ فقولوا»، ولم يقل: إذا صلَّيتم عليَّ في صلاتكم ...
وعلى كلِّ حال، فلا دلالة فيه على الوجوب فضلًا عن الركنيّة؛ فإن قوله: «إذا صلَّيتم عليَّ» معناه: إذا أردتم الصلاة عليَّ، فقوله: «فقولوا» أمر إرشاد وتعليم لتعليقه على إرادتهم. وأيضًا فكونه تعليمًا لسائل التعليم ظاهر في كونه إرشادًا فقط.
واستدلُّوا أيضًا بالآية، والأمر للوجوب.
وأجيب بتسليم الوجوب، ولكن لا تتعيَّن الصلاة. كما أن الله أمرنا بالاستغفار، ولم يقل أحدٌ: إنه ركن من أركان الصلاة.
ويظهر لي وجهٌ آخر وهو أن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] معناه: ادعوا له، وفي التشهُّد الدعاء له: «السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته».
وإن ادُّعي أن قوله: ﴿صلُّوا﴾ أراد به: انطقوا بلفظ الصلاة.
стр. 7
قلنا: أفلا يحتمل أن يكون المراد الصلاةَ أو ما يرادفها، وهو الرحمة؛ فإنَّ في الصلاة الإبراهيمية: «كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد [مجيد] ... كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد». وهو مأخوذ من قوله تعالى حاكيًا عن الملائكة في خطابهم لآل إبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ (١) ... حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]. فأنت ترى كيف أبْدَلَ الرحمةَ بلفظ الصلاة، وهو يدلُّ على ترادفهما.
ثم إن العبارة التي في التشهُّد: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» مطابقة للآيتين.
أما آية: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فلأنّ قولنا: «السلام عليك» يقابل قوله: ﴿وَسَلِّمُوا﴾. وقولنا: «ورحمة الله» يقابل قوله: ﴿صَلُّوا﴾ كما مرَّ.
وأما آية: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ فظاهر. والله أعلم (٢).
* * * *
стр. 8
[بحث في فرضية التشهُّد الأول، وما الذي شُرِع له سجود السهو ؟]
الحمد لله.
الحق ــ إن شاء الله ــ أن التشهُّد الأول فرض، بمعنى أن تركَه عمدًا مبطلٌ للصلاة، وتركَه سهوًا موجبٌ سجودَ السهو. والدليل على فرضيته هو الدليل على فرضيَّة التشهد الثاني.
وأما كون النبي ﵌ تَرَكَه مرَّة وسجد للسهو، فذلك لا ينفي فرضيته بالمعنى الذي قلنا، كما أن كونه سلَّم مرَّة قبل التمام ثم رجع فأتمَّ وسجد للسهو لا ينفي كون السلام قبل التمام مُبطل (١) لو وقع عمدًا، وهكذا زيادة ركعة. بل فعله ﵌ ذلك دليل على الفرضيَّة إذ لم يثبت أنه سجد للسهو إلا لفعلِ ما يبطل عمدُه.
وقد قال إسحاق بن راهويه في الصلاة على النبي ﵌ في التشهُّد الثاني: إنها فرض بهذا المعنى، أي أنَّ تركها عمدًا مبطل للصلاة بخلاف تركها سهوًا.
وقول أصحابنا: إنه سنَّة، دعوى لا دليل عليها، بل قد أبطلناها. ونزيد فنقول: إن كانت سنَّة فلماذا سجد النبي ﵌ لِتَرْكها؟ وما الفرق بينها وبين دعاء الافتتاح والتعوُّذ والتكبيرات وأذكار الركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين؟
ولم يأتوا بفرق إلا أنه نُقل عن الغزالي أن التشهد الأول من الشعائر
стр. 9
الظاهرة المخصوصة بالصلاة وليس ما تقدَّم مثل ذلك.
فيقال له: إنْ أردتَ بالشعائر الظاهرة ما لها صورة فهذا خاص بالجلوس لا بالتشهُّد، فلو جلس (١) ولم يتشهَّد لا يسجد للسهو، وأنتم لا تقولون به.
وأيضًا فإنّ جلسة الاستراحة كذلك، وأيضًا فـ «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» كذلك لأنه يُجهر بها. وإن أردتَ غير ذلك، فما هو؟
فإن قلتَ: «الظاهرة» لغو، والمقصود الشعائر الخاصة بالصلاة، فـ «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» كذلك، وجلسة الاستراحة كذلك.
وإن أردتَ أن الخاص بالصلاة هو لفظ التشهُّد، فإن «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» مثل [ذلك]؛ لأن كلًّا منهما ذِكرٌ لم يُشْرَع إلا في الصلاة، ومع ذلك لو قاله إنسان في غير الصلاة لم يُمنع.
وقول غيره: الفرق بين التشهُّد وبين غيره ممّا مرَّ أنه بعضٌ، فلذلك ألحقت به الأبعاض في السجود للسهو عند تركها.
فيقال له: وما البعض؟
قالوا: السنن التي تُجْبَر بسجود السهو.
فيقال لهم: هذا دور! إذا سألناكم الدليل على أن هذه الأشياء تُجبر بسجود السهو، قلتم: لأنها أبعاض، فإذا سألناكم الدليل على أنها أبعاض دون غيرها، قلتم: لأنها تُجبر بسجود السهو. والحاصل أنهم لم يأتوا بشيء!
فأما القنوت في الصبح فهو غير مشروع أصلًا، كما بيَّن أهل العلم أدلَّة ذلك.
стр. 10
وأما الصلاة على النبي ﵌ في التشهُّد الأول، فالصواب ــ إن شاء الله تعالى ــ أنها غير مشروعة أصلًا لما جاء في حديث ابن مسعود، و [ ... ] (١).
وهم إنما يثبتونها بالقياس، ولا قياس مع النصِّ، على أن القياس في العبادات ضعيف جدًّا.
ثم إن الحديث الذي يستدلون به على الأمر بالصلاة على النبي ﵌ في التشهُّد الأخير= يدلُّ أنها إنما شُرعت لتكون مقدِّمة للدعاء، ولا دعاء في التشهُّد الأول. وأيضًا فذلك الحديث يدل على عدم ركنيَّتها في التشهُّد الثاني؛ فإن النبي ﵌ لم يأمر المصلِّي الذي لم يأت بها بالإعادة.
فإن قلتم: كان جاهلًا. قلنا: الجاهل لا يُعذر في ترك ركن من الأركان.
فإن قلتم: لعلَّه كان في نفل. قلنا: كان الظاهر أن يبيِّن له النبي ﵌ ركنيَّتها حتَّى لا يتركها مرَّة أخرى في الفرض أو في نفل فيأتيَ بصلاة غير صحيحة، وهي حرام، ولو نفلًا. على أن ذلك الرجل يحتمل أنه ترك أصل التشهُّد؛ فإن قوله ﵌: «إذا قعدت فاحمد الله بما هو أهله، وصلِّ عليَّ ثم ادعه»، فأول التشهد: «التحيَّات لله والصلوات والطيبات»، وهذا حَمدُ الله (٢).
ثم: «السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته»، وهذه صلاة عليه ﵌؛ لأن الرحمة هي الصلاة كما ترجمها هو ﵌ بذلك فقال: «اللهم صلِّ
стр. 11
على محمد، وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك ... »، أراد ﵌ قولَ الملائكة لأهل بيت إبراهيم [في] قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ (١) ... حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
ثم: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، وهذا الدعاء.
وغاية ما في الأمر أن يثبت به أن الصلاة على النبي ﵌ بلفظ الصلاة مأمور به في التشهُّد الثاني. وهذا ــ مع عدم بيانه ﵌ الركنية ــ يصدق بالفرضية على ما قال إسحاق.
فوُجد فرق بين التشهُّد والصلاة على النبي ﵌، فلا يجوز مع ذلك قياسها عليه لإثبات مشروعيتها في الجلوس الأول.
ثمَّ إنهم أثبتوها في القنوت بغير نصٍّ من الإمام، بل قياسًا على ثبوتها في التشهُّد، وهذا قياس على مقيس، وهو ضعيف جدًّا.
على أنه لا مشابهة بين القنوت والتشهُّد، هذا فضلًا عن كون القنوت لم يثبت من أصله.
نعم، احتجُّوا بما رواه النسائي (٢) عن الحسن بن علي في قنوت الوتر،
стр. 12
وفيه: «وصلَّى الله على النبي». فعلى العين والرأس ما ثبت عن رسول الله ﵌، ولكن هذا الحديث فيه اضطراب معروف.
وهبْه صحَّ، فإن أصل القنوت في الصبح لم يصحَّ. وهبه صحَّ، فمن أين زدتم الصلاة على الآل؟
قالوا: قياسًا على الصلاة عليه ﵌. قلنا: قياس مسلسل، ومع ذلك لِمَ لم تفعلوه في التشهُّد الأول؟
قالوا: التشهُّد الأول مبني عل التخفيف. قلنا: والاعتدال عندكم ركن قصير يبطل تطويله.
قالوا: قياسًا على التشهُّد الثاني. قلنا لهم: تارة تقيسونه على الأول وتارة على الثاني؟ ! فاختاروا أحدهما! إما أن تقيسوه على الثاني وتقولوا: هو ركن، فلا تجبروه بسجود السهو، أو على الأول فلا تزيدوا فيه الصلاة على الآل.
ثم بالغوا فقالوا: «وصحبه» مع أن الصلاة على الصحب ليست مشروعة في الأول ولا في الثاني!
قالوا: قياسًا على الآل. قلنا: ما جعل هذا القياس المسلسل أولى من القياس المباشر؟ أعني إثباتها في الثاني.
ثم إن هذه الزيادات التي جلبتموها جعلتموها كلها تُجبَر بسجود السهو، مع أن سجود السهو إذا وقع لغير سببٍ مبطلٌ، فكيف تجرؤون على شرع المبطل لمثل تلك التمحُّلات؟
стр. 13
والحاصل أن القنوت من أصله لم يثبت، فكفى الله المؤمنين شرَّ القتال.
وسجود السهو ليس له إلا سبب واحد، وهو فعل ما يُبطل عَمْده ولا يُبطل سهوه، ولو احتمالًا، أعني بأن لم يتيقَّن فعل المبطل ولكنه شكَّ في فعله.
ثمَّ قالوا: إذا قرأ الفاتحة أو السورة أو التشهد أو الصلاة على النبي ﵌ في غير محلها، سجد للسهو على تفريعٍ في ذلك. ولا دليل لهم على هذا.
قالوا: لأنه يدل على عدم الاعتناء بالصلاة بحيث شبَّه ترك التشهد الأول. قلنا: أما التشهُّد الأول فقد ثبت أن تركه عمدًا مبطل، ونَقْل تلك الأشياء غير مبطل. ثم لِمَ لم تقولوا في أذكار الركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين مثل ذلك؟
والظاهر أنَّ أول من طرق ذلك إنما قاسها على السلام قبل التمام؛ فإنه ركن وقع في غير محلِّه، فقاس عليه الفاتحة والتشهُّد والصلاة على النبي ﵌. ولكن المتأخرين لم يوجِّهوه بذلك، لعلمهم أن السلام قبل التمام إنما سُجد له لكون فِعْله عمدًا مبطلًا، لا لإيقاعه في غير محلِّه، فوجهوه بما وجهَّوا، وألحقوا بعض ما يناسب توجيههم، ولم يجرؤوا على إلحاق الجميع خوف الشناعة.
فالحق ــ إن شاء الله تعالى ــ في سجود السهو أنه إنما شُرع لترك التشهُّد الأول، وللسلام قبل التمام، وللزيادة، أو الشك فيها. ومن يقول بالقياس فيُلحق بها كلَّ شيء أبطل عمدُه لا سَهْوُه، سواء أكان فعلًا أم تركًا.
стр. 14
وإذًا فلا معنى للسجود لعمد تلك الأشياء؛ إذ قد تبيَّن أن عمدها مُبطل، فأما الشكُّ فإنه لا يتصوَّر عمده.
ثمَّ الحق في سجود السهو أنَّه فرض لأنه تداركٌ لفعل مبطل، إلا أن البطلان سقط لأجل السهو.
والظاهر ــ والله أعلم ــ أن تارك الشيء منها جهلًا لا يُؤمر بسجود السهو لحديث الرجل الذي علَّمه النبي ﵌ الصلاة عليه؛ فإننا نختار أن الصلاة عليه ﵌ في التشهد الثاني فرض لا ركن، وهذا هو مذهب إسحاق.
وأيضًا في حديث معاوية بن الحكم أنه تكلَّم في الصلاة، ولم يأمره النبي ﵌ بالسجود للسهو مع أنَّ عمد الكلام مبطلٌ. قالوا: إنما لم يأمره لأنه كان مأمومًا، والمأموم يتحمَّل عنه إمامه. قلنا: وما دليلُ أنَّ المأموم يتحمَّل عنه إمامه؟ لم نجد لهم دليلًا في ذلك (١).
* * * *
[فائدة حول التشهد وعطف اسم النبي ﵌ على لفظ الجلالة]
جاء في بعض روايات التشهد: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله».
وفي بعضها: «وأن محمدًا عبده ورسوله».
وفي أخرى: «وأشهد أن محمدًا رسول الله».
стр. 15
فقال بعضهم: يُفهم منه جواز: «وأن محمدًا رسول الله» بناءً على أن كلمة «أشهد» أُسقطت في روايةٍ، وكلمة «عبده» أُسقطت في أخرى، فيجوز حذفهما معًا.
وهو عندي خطأ، فإسقاط كلّ منهما وحدها لا يدلّ على جواز إسقاطهما معًا.
ثم من الحكمة في ذلك ــ والله أعلم ــ أنه إذا أسقط كلمة «أشهد» صار قوله: «وأن محمدًا» إلخ داخلًا تحت «أشهد» الأولى، فوجب حينئذ أن يُؤتى بكلمة: «عبده» حفظًا لمقام الربوبية ودفعًا لما يُوهمه إدخال الجملتين تحت «أشهد» واحدة من التسوية.
وأما إذا جاء بـ «أشهد» أخرى فهذا الإيهام مندفع، فجاز حينئذ إسقاط كلمة «عبده». ومما يرشد إلى هذا إنكاره ﵌ على من قال: «ومن يعصهما فقد غوى» (١) وعلى قائل: «ما شاء الله وشئت» (٢)(٣).
* * * *
стр. 16
[جمع الصلوات في الحضر]
الحمد لله.
في «الصحيح» (١) عن ابن عباس وأبي هريرة: «أن النبي ﵌ جمع بأصحابه في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء لغير عذر ولا سفر». وفي رواية: «ولا مطر».
فأخذ بهذا بعض التابعين وغيرهم. وتأوَّله الجمهور؛ فمنهم من تأوَّله بأنه كان لعذر. ورُدَّ بأن الصحابي قد قال: «بغير عُذرٍ»، وفعله ابن عبَّاس لغير عذر.
ثم ما هو العذر؟ فقيل: مرض، ورُدَّ بما تقدَّم، وبأن ابن عبَّاسٍ فعله وهو يخطب في الجامع، وبأن المرض تُحِيل العادة أن يعمَّ، ولو كان خاصًّا بالنبي ﵌ لم يكن عذرًا في حقِّ غيره.
وقيل: مطر، ورُدَّ بما تقدَّم من إطلاق الصحابي أنه لغير عذر، وأن ابن عبَّاس فعله وهو يخطب في الجامع، وبأنه ثبت في بعض الروايات: «ولا مطر». وأيضًا فابن عبَّاس جمع تأخيرًا، وجمع المطر في الحديث من مذهب الشافعي خاصٌّ بالتقديم، وهو الذي يقتضيه النظر. على أن الجمع للمطر لم تقم عليه حجَّة، وإنما يحتجُّون عليه بهذا الحديث، وهو كما ترى.
وقيل ــ وهو أقرب ما قيل ــ: لعلَّه جمعٌ صوري، ورُدَّ بأن ابن عبَّاس لمَّا سُئل عن سبب ذلك قال: «أراد أن لا يُحرج أمَّته».
стр. 17
والجمع الصوري أحرج من التوقيت. وهذا الرد محتمل ولكن ظهر لي ردٌّ أوضح منه وأبْيَن، وهو أن الصحابي أطلق الجمع، والمفهوم عند الإطلاق: الجمع الحقيقي. ولو أراد الجمع الصوري لقال: أخَّر الصلاة إلى آخر وقتها.
وأيضًا ــ وهو أظهر ــ أنه قال: «جمع ... من غير عذر ولا سفر» فظهر من فحواه أنه أراد الجمع الذي يكون للسفر، وهو الحقيقي. كما لو قال قائل: قصَّر فلان الصلاة، لاحتمل إرادة القصر المعروف في السفر ــ وهو أن يصلِّي الرباعية ثنتين ــ، وإرادةَ القصر المقابل للتطويل. فإذا قال: قصَّر فلانٌ الصلاةَ من غير سفر= تعيَّن الأول، وهو صلاة الرباعية اثنتين.
وقيل: إن هذا الحديث منسوخ بأحاديث التوقيت، وفيها النص على تحديد وقت الظهر ووقت العصر ووقت المغرب ووقت العشاء. وهذا جيِّد لو ثبت تأخُّر أحاديث التوقيت عن هذا الفعل، ولا يثبت.
ثم في هذا الحديث أن ابن عبَّاس حضره، وهو إنما حضر المدينة أخيرًا. وكذا أبو هريرة. والظاهر أن أحاديث التوقيت متقدِّمة. ثمَّ فِعل ابن عبَّاس له واحتجاجه بهذا الحديث وتصديق أبي هريرة له يُبعد النسخ.
فأقوى ما بيد الجمهور أن عمل النبي ﵌ الغالبَ التوقيتُ، وعمل الأئمة مستمرٌّ عليه. ولكن غايته أن يكون الجمع مكروهًا فقط. وفَعَله ﵌ لبيان الجواز، وتَرَكه الأئمةُ لكونه مكروهًا، فلا يلزم من هذا عدم الجواز. والله أعلم (١).
стр. 18
[مسألة قضاء الصلوات المتروكة عمدًا]
احتجاج من يرى قضاء الصلاة المتروكة عمدًا بقوله ﵌: «فدَين الله أحق أن يُقضى» (١) = فيه نظر؛ لأن لفظ الدَّيْن موضوع لما في الذمَّة مما يلزم أداؤه، فالحجُّ كان دَينًا في ذمّة أبي الخثعمية يلزمه أداؤه بحيث لو تُكلِّف حمله إلى مكة لصحَّ حجُّه اتفاقًا.
وإنما خفي عليها هل يصحُّ أن تحجَّ هي عنه؟ فبيَّن لها النبي ﵌ المثل (٢) أن ذلك في معنى الدين؛ لأنه شيء ثبت في الذمة يلزم أداؤه.
فإذا كان الشيء الثابت في الذمَّة كذلك للبشر ينبغي للوارث أداؤه ــ ويراه صحيحًاـ (٣)، فأولى منه الثابت لله كذلك.
وبهذا يتبيَّن أنه يلزم القائلين بقضاء الصلاة المتروكة عمدًا أن يجيزوا للوارث قضاء الصلاة عن مورّثه؛ لأنها عندهم دين، ودين الله أحق بالقضاء.
فإذ لم يقولوا بهذا، تبيَّن أنها ليست بدَين، فكيف يصحُّ قضاؤها؟
وقولهم: إن الحديث متروك الظاهر بالنسبة إلى الصلاة= كلام غير مقبول، بل نقول: هو على ظاهره، والصلاة لا تكون دَينًا، وإنما منزلتها في وقتها الأدائي (٤).
стр. 19
[المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام فأكثر ، هل يتم؟]
الحمد لله.
احتجاج المالكية والشافعية وغيرهم على أن المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام أتمَّ بما رُوي من إذن النبي ﵌ للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثًا فقط. وَجْهُه كما قيل: إنه دلّ على أن المسافر إذا أقام ثلاثًا لم يرتفع عنه اسم السفر؛ بخلاف ما إذا زاد.
فيُردُّ عليهم بأن النبي ﵌ مكث خمسة عشر يومًا أو أكثر يقصر.
وقولهم: إنه كان يتوقَّع السفر، بحيث لم ينو إقامة أربعة أيام سواء= يردُّه أن ارتفاع السفر ليس من شرطه النية، بل إذا حصلت الإقامة بالفعل، ارتفع. وهذا محل نظر، والله أعلم (١).
* * * *
وجوه الأفضلية في قيام الليل
يحصل أصل السُّنَّة بالصلاة أوله وأوسطه وآخره، والأفضل بعد نصف الليل.
يحصل أصل السُّنَّة بأي مقدار كان من الليل يكون فيه صلاة،
стр. 20
والأفضل قيام داود من نصف الليل إلى أن يبقى سدسه، وذلك سدساه الرابع والخامس، والمراد بالليل الليل الشرعي.
يحصل أصل السُّنَّة بالصلاة قبل النوم أو بعده، والأفضل قيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه (أي السدسان الرابع والخامس كما مرَّ) وينام سدسه، وقد صحَّ هذا مِن فِعْل النبي ﷺ في حديث عائشة في «الصحيح» (١).
يحصل أصل السُّنَّة بأي عدد كان، والأفضل أن لا يزيد على إحدى عشرة، ولا ينقص عن سبع كما صَّح مِنْ فعل النبي ﷺ .
يحصل أصل السُّنَّة بأن تكون الصلاة مثنى مثنى، وبغير ذلك كأربع وغيرها، والأفضل ما أمر به النبي ﷺ سائله بقوله: «صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل» (٢). وقد صحّ مِنْ فعله ﷺ غير ذلك، ولكن الفعل إذا عارض القول فالمتعين على الأمة العمل بالقول.
يحصل أصل السُّنَّة بأن يكرر المصلِّي سورة واحدة مثلاً، والأفضل خلاف ذلك.
يحصل أصل السُّنَّة بالصلاة في المسجد، والبيت أفضل.
يحصل أصل السُّنَّة بالصلاة في جماعة، والمنفرد أفضل (٣).
стр. 21
[بحث في التراويح والوتر]
الحمد لله.
ما زلتُ أتعجَّب من قول أصحابنا: إن الثلاثة وعشرين (١) ركعةً التي تُصلَّى في رمضان، منها عشرون ركعة تراويح وثلاث وتر؛ كيف لَم يقولوا: إن اثنتي عشرة تراويح، وإحدى عشرة وتر؟ حتَّى يكون الوتر تامًّا على مذهبهم، وهو أفضل من التراويح.
ثمَّ تبيَّن لي أنهم تواتر عندهم عن الصحابة في زمن عمر ثم بعدُ أنهم كانوا لا يعدُّون الوتر إلا الثلاث الأخيرة، ولكن فِعْل الصحابة مبنيٌّ على ما يخالف رأيَ أصحابنا؛ وذلك أنهم كانوا يرون أن الوتر يفصل بينه بتسليم سواءٌ أكان واحدةً مستقلَّة، أو ثلاث (٢) مجموعة، أو خمس أو سبع أو تسع، ولكن اختاروا الثلاث لقوله ﵌: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيتَ الصبح فصلِّ ركعةً» أو كما قال؛ كأنهم كانوا يرون أن المراد وصلها بالركعتين اللتين قبلها. وفي هذا نظر، بل لأنهم ــ والله أعلم ــ لمَّا كانوا يصلُّون إحدى عشرة ركعة كانوا يوترون بركعة، فلمَّا ثَنَّوا الركعات، أرادوا أن يثنُّوا الوتر، ولكن تثنيته يخرجه عن الوتريَّة، فزادوه ركعة ــ والله أعلم ــ، ووصلوها لأنهم لو فصلوها لم تكن الثلاث وترًا شرعيًّا. والله أعلم (٣).
* * * *
стр. 22
[تعليق على كلام الشافعي في استحبابه الانفراد في قيام رمضان]
«مختصر المزني» (ج ١ ص ١٠٧) (١).
قال الشافعي: «فأما قيام شهر رمضان فصلاة المنفرد أحبُّ إليَّ منه».
هذا نصٌّ ظاهر في استحباب عدم الجماعة، وفي حواشي الأم (ج ١ ص ١٢٥) أنَّ ابن سُريج يؤوِّله بأن مراد الإمام أن الصلاة التي تُشرع انفرادًا، وهي الوتر وركعتا الفجر، ثمَّ نقل عن البويطي ما يردُّ هذا التأويل.
ولا يخفى أنه ليس بتأويل بل تحريف. ونصُّ البويطي الذي نقله البلقيني؛ قال البلقيني: «وفي مختصر البويطي في ترجمة طهارة الأرض: والوتر سنة، وركعتا الفجر سنة، والعيدان سنة، والكسوف والاستسقاء سنة مؤكَّدة. وقد روي أن النبي ﵌ كان يصلِّي ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد الفجر قبل أن يصلِّي الصبح. والكسوف والعيدان والاستسقاء أوكد، وقيام رمضان في معناها في التوكيد» (٢).
* * * *
[بعض ما وقع من المخالفات في المساجد]
١ - النقش في بناء جدار المسجد.
٢ - فرشه بالفرش الملوَّنة.
٣ - تعليق الأوراق المكتوبة بقبلته.
стр. 23
٤ - وضع المصاحف لسورة الكهف وغيرها فيه.
٥ - وضع المصاحف بالقبلة.
٦ - وضع النعال أمام المصلّين وعن أيمانهم.
٧ - إحراق البخور فيه.
٨ - المحراب.
٩ - وضع المراوح الملوَّنة فيه.
١٠ - كون المصاحف الموضوعة بالقبلة ملوَّنة الدفَّات.
١١ - مجيء الخطيب قبل وقت الخطبة.
١٢ - الصلاة على النبي ﵌ في الخطبة بما يخالف المأثور.
١٣ - التزام «بارك الله لي ولكم ... » آخر الخطبة الأولى.
١٤ - التزام دعاء معين بين الخطبتين.
١٥ - وجود من يتكلم في وقت الخطبة بالذكر.
١٦ - التزام تحميدٍ معين في الخطبة الثانية.
١٧ - التزام الدعاء للصحابة ﵃.
١٨ - تمطيط التكبير في الصلاة. وكذلك السلام.
١٩ - عدم التراصّ في الصف.
٢٠ - التزام «سبحان ربي الأعلى» عند قراءته ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
٢١ - التزام الدعاء عقب ختم الإمام سورة الغاشية.
٢٢ - رفع الصبيان أصواتهم بـ «ربنا ولك الحمد».
стр. 24
٢٣ - التزام المكث بعد الصلاة.
٢٤ - التزام الدعاء بعد الصلاة مشتركَا، بحيث يدوم رفع المأمومين أيديهم ما دام الإمام رافعًا يديه.
٢٥ - جعل الإمام يساره إلى المصلين (١).
* * * *
[حكمة النهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصوم]
الحمد لله.
ثبت في «الصحيح» (٢) عن أبي هريرة: قال رسول الله ﵌: «لا يصوم أحدكم يومَ الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده».
ولمسلم (٣) عنه: قال رسول الله ﵌: «لا تختصّوا ليلةَ الجمعة بقيامٍ مِن بين الليالي، ولا تختصّوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صومٍ يصومه أحدكم».
وفي «حواشي المشكاة» (٤) عن «اللمعات»: «قد ذكروا للنهي عن تخصيص يوم الجمعة بصوم وجوهًا:
الأول: أنه نهى عن صومه لئلّا يحصل به ضعفٌ يمنعه عن إقامة وظائف
стр. 25
الجمعة وأورادها.
والثاني: خوف المبالغة في تعظيمه، فيفتتن كما افتتن اليهود بالسبت والنصارى بالأحد.
والثالث: أن سبب النهي خوف اعتقاد وجوبه.
والرابع: أن يوم الجمعة يوم عيد فلا يصام فيه، وقد ورد: «يوم الجمعة يوم عيدكم فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم» (١). وهذا الوجه أحسن الوجوه لأنه منطوق الحديث». اهـ اللمعات مختصر.
يقول كاتبه: كلٌّ من هذه الوجوه فيه نظر:
أما الأول: فلأنه إنما يحتمل لو كان النهي عن صوم يوم الجمعة وقيام ليلتها مطلقًا، وليس الأمر كذلك. وإنما النهي عن التخصيص؛ فلو صام يوم الخميس جاز أن يصوم يوم الجمعة، وكذا يجوز أن يصوم يوم الجمعة إذا كان يريد أن يصوم يوم السبت، كما هو منطوق الحديث، وخوف الضعف حاصل فيه.
وأما الثاني، فلأن مجرد التخصيص بالصيام والقيام لا يؤدي إلى الفتنة. ونحن مأمورون بتخصيص يوم عاشوراء بالصيام، وبتخصيص شهر رمضان
стр. 26
بالصيام، وغير ممنوعين عن تخصيصه بالقيام بدليل زيادة الترغيب فيه.
وأما الثالث، [فـ]ـإنه كان يكفي في دفع ظن الوجوب أن ينصّ نصًّا قاطعًا على عدم وجوبه. وقد رُغِّبنا في صيام يوم عاشوراء، ولم يُخش من ذلك أن يُظَنَّ الوجوب، ورُغِّبنا في صيام أيام مخصوصة كالاثنين والخميس وثلاث من كلّ شهر وستٍّ من شوال وغير ذلك، ورغبنا في قيام رمضان أكثر من قيام غيره، وذلك يدل على عدم المنع من تخصيصه، ولم يُخش في شيء من ذلك ظن الوجوب.
وأما الرابع، فالحديث الذي ذكره لا أظنّه يصح، فلا حجّة فيه. والمعنى ضعيف لِما أوردناه على الوجه الأول بأن المنهي عنه إنما هو التخصيص، وصومُ يوم قبله أو بعده لا يخرجه عن كونه عيدًا، كما أن صوم يوم الأضحى ويوم الفطر حرامٌ مطلقًا لا تخصيصهما فقط.
وأيضا فالعيدية، وإن كان فيها مناسبة لعدم الصيام، فلا مناسبة فيها لعدم القيام، بدليل أننا لم نُنه عن تخصيص ليلة الأضحى وليلة الفطر بالقيام.
وإذا تقرّر هذا فالصحيح ــ والله أعلم ــ أن حكمة النهي إنما هي لأن تخصيص يوم من الأيام بالعبادة إنما يجوز إذا كان قد خصّه الشارع بذلك وإلا كان تخصيصه بدعةً، كما تقرّر في مباحث البدع، فخشي ﵌ أن يقع الناس في هذه البدعة في صيام يوم الجمعة أو قيام ليلته استنادًا منهم إلى أنه يوم فاضل، فنهاهم عن ذلك تنبيهًا منه ــ والله أعلم ــ إلى أنَّ مجرّدَ كون الوقت فاضلًا لا يقتضي كون العبادة فيه فاضلةً مطلقًا. وإنما العبادة الفاضلة
стр. 27
فيه ما نصّ عليها الشارع بخصوصها، كالصيام في عاشوراء وغيره مما تقدّم، وكالقيام في رمضان.
فإن قيل: فعلى هذا لا يمتنع صوم يوم الجمعة وحده إذا وافق يوم نذرٍ مثلًا أو نحو ذلك، فيما إذا لم يكن تخصيصه بالصيام تحرّيًا لفضله، وإنما وقع اتّفاقًا.
فالجواب: أن هذا محتمِل إلا أن الأظهر أنه يمتنع أيضًا سدًّا للذريعة؛ لأن الجهّال إذا رأوا عالمًا خصَّ يوم الجمعة بصيام توهّموا أنه إنما خصّه لفضله، فيتتابعون في تخصيصه، بخلاف ما إذا رأوا عالمًا خصّ يوم الثلاثاء مثلًا، فإنه ليس ليوم الثلاثاء فضيلة تُوقع في أنفسهم أنه إنما خصّه لأجلها. فأما صيام يوم الخميس وحده، فإنما لم يُمنع لأنه مرغَّب فيه شرعًا.
والحاصل أن يوم الجمعة يوم فاضل في الشرع، ولكن لا بالنسبة إلى صيامه وقيام ليلته، بل بالنسبة إلى غير ذلك من العبادات المشروعة فيه. فنهى النبي ﵌ عن تخصيصه بالصيام والقيام؛ لأن تخصيصه إن كان عن اعتقاد أفضليّتهما فيه فهو خطأ، وإن كان اتفاقًا خشي أن تتوهّم العامة أفضليّتهما فيه. والله أعلم.
وبهذا يُعلم أن ما يفعله كثير من الناس من تخصيص يوم الجمعة بالصدقة بدعة؛ لأنه لم يثبت ذلك. وأيضا فإن تخصيصه بالصدقة مناقض للمصلحة الشرعية؛ لأن حاجة الفقراء لا تختص بوقت دون وقت، فلتكن الصدقة كذلك.
وأيضًا إذا علم الفقراء من رجلٍ أنه يخصِّص يوم الجمعة أدّى ذلك إلى
стр. 28
مفاسد.
منها: أن بعضهم قد يجهل ذلك، أو يكون له مانع عن الحضور فيفوز بالصدقة المبادرون.
ومنها: أن بعضهم قد يكون محلّه بعيدًا فيحمله الحرص على تحصيل الصدقة على أن يترك التهيّؤ للجمعة، بل قد يترك الجمعة!
فإن قيل: فقد كان رسول الله ﵌ يخصِّص شهر رمضان بزيادة العطاء.
فالجواب أن ما ثبت عنه ﵌ فهو مشروع قطعًا، ولا منافاة فيه للمصلحة المذكورة؛ لأنه ﵌ لم يكن يخص رمضان بالصدقة، بل كان يخصُّه بكثرتها، فكان في سائر السنة كلَّ ما رأى محتاجًا للصدقة أعطاه. ثمّ يُكثر البذل في رمضان لإغناء الفقراء عن التكسّب أو كثرة الدوران فيه ليتفرّغوا للعبادة.
وشهر رمضان شهرٌ لا يؤدِّي إلى ما تقدّم من المفاسد.
والحاصل أن السعادة في الاتِّباع والشقاوة في الابتداع. وفقنا الله تعالى لرضاه بفضله وكرمه (١).
* * * *
стр. 29
[هل يكتفى في النسك بالنية دون النطق به ؟]
البيهقي (١) في «باب من قال لا يسمِّي في إهلاله حجًّا ولا عمرة»: « ... وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنا يحيى بن أبي طالب، أنا عبد الوهاب بن عطاء، أبنا ابن جريج، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن نافع:
أن ابن عمر سمع رجلاً يقول: لبيك بحجة (٢)، فضرب في صدره وقال: أَتُعْلِم الله ما في نفسك؟».
وفي الباب أحاديث أخرى في أن الصحابة ﵃ اكتفوا بالنية ولم ينطقوا بالتعيين.
أقول: فأما نطقه ﵌، فهو لإعلام الناس بنيته؛ لما يتوقف على معرفتهم إياها من الأحكام.
وأما ما جاء من أن الصحابة كانوا يصرخون بالحج صراخًا، وفي رواية: بالحج والعمرة (٣)(٤).
* * * *
стр. 30
[بحث في ما يستثنى من قاعدة: «الأجر على قدر النصب»]
الحمد لله.
مما يستثنى من قاعدة الأجر على قدر النصب قتلُ الوزغ؛ لما رواه مسلم (١) عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: «من قتل وزغًا في أول ضربة كُتبتْ له مائةُ حسنةٍ، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك».
وكأنَّ ذلك ــ والله أعلم ــ لأن القاتل بأول ضربة أحْسَنَ القِتْلة بخلاف غيره، وقد ثبت الأمر بإحسان القِتْلة بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠].
ويفسره حديث مسلم (٢) عن شدَّاد بن أوس عن رسول الله ﵌ قال: «إن الله ﵎ كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحَة ... » الحديث. وفيه دليل على عموم الصيغة في مثل الإحسان في الآية. والقِتْلةُ والذِّبْحةُ في الحديث عامة، كما أن «قَتَلَ» كذلك لأنه فعل في سياق النفي (٣)، وحَذْف المعمول مؤذن بالعموم، أي لأن حذفه بغير دليل إنما يكون لعمومه كما هو مقرر في علم النحو. والله أعلم. كاتبه (٤).
* * * *
стр. 31
[فائدة في ذوي القربى]
مما يحتج به على عدم دخول أولاد ذوات القربى في ذوي القربى: أن النبي ﵌ لم يقسم لأولاد الهاشميات في خمس الخمس.
وفي ترجمة عثمان ﵁ من «التهذيب» أن جدّته - أمَّ أمه- أم حكيم بنت عبد المطلب (١).
* * * *
[بعض صور النذر، وهل هي طاعة ؟]
كثيرًا ما يُظنُّ أن من الطاعة: نذر الطاعة في حقّ من يريد فعلها ولكنه يخشى أن لا تُطاوعه نفسه على فعلها، فيقصد بالنذر الاستظهار على نفسه؛ لأنها أن تخضع لفعل المنذور لكونه واجبًا يخشى من تركه العذاب= أقرب من أن تخضع لفعل المندوب.
وعندي في هذا نظر؛ لأن العذاب ليس لترك ذلك الواجب بعينه، وإنما هو لزيادة السيئات على الحسنات. فمن كان عليه ذنب ولكن له حسنات عظيمة تزيد عن مقدار الذنب فإنه لا يعذّب، والله أعلم.
وعلى هذا، فإنَّ ترك المندوب يُخشى منه العذاب، لا من حيث تركُه بخصوصه، بل من حيث إنَّ تركه موجب لقلّة الحسنات، وقلَّةُ الحسنات يُخشى أن يلزم منها زيادة السيئات، وزيادة السيئات موجبة للعذاب، والعياذ بالله.
стр. 32
فإن قيل: هذا صحيح، ولكن ترك الواجب أظهر في خشية العذاب من ترك المندوب؛ فإنَّ ترك الواجب ارتكاب سيئة وترك حسنات كثيرة، بخلاف ترك المندوب فإنما فيه تركُ حسناتٍ دون حسناتِ [الواجب] (١).
قلت: هذا يَرِد لو قلنا: إنه ينبغي أن تمتنع النفس من ترك المندوب من حيث هو مندوب كما تمتنع من ترك الواجب الأصلي. فأما ما أوجبه المرء بالنذر فلا، ونضرب لذلك مثلًا يتضح منه المراد.
فنقول: النفس أقرب إجابة إلى فعل صلاة الظهر منها إلى فعل أربع ركعات قبلها، ولها في هذا عذر؛ لأنه لو فُرِض أن لها قبل ذلك مائة حسنة، ومائة سيئة، فإن ترك الظهر يستلزم زيادة السيئات فيجب العذاب، بخلاف ترك سنة الظهر.
ولو فُرِض أن لها سبعمائة سيئة وعشر حسنات، فإنّ فِعْل الظهر يخلصها من العذاب؛ لأن أجر الفرض سبعمائة حسنة على ما قيل بخلاف فعل سنة الظهر فقط. ولكن نفس المؤمن لا تكون إلا خائفة أبدًا، فهي دائما تعتقد أن سيئاتها أكثر من حسناتها، فلا تكِلُّ ولا تملُّ من السعي في تكثير عدد الحسنات.
مثال آخر: إذا أردتَ أن تنذر عمل حسنة فإننا نفرض عند النذر أنَّ لك مائة حسنة ومائة سيئة، فأنت إذا عملت تلك الحسنة زادت حسناتك فتسلم من العذاب، وإن لم تفعلها بقي الحال على ما كان عليه. وإذا نذرت فعملتَها زادت حسناتك، وإن لم تفعلها زادت سيئاتك.
فينبغي لك أن تقول: يا نفسُ طاوعيني على عملها ابتداءً؛ فإن الثواب
стр. 33
الذي تطمعين فيه بعد النذر هو الذي تطمعين فيه الآن؛ لأن النذر لا يزيد في الأجر، والله أعلم. والفرض الذي يزيد أجره هو ما فرضه الله ابتداءً.
و ... (١).
* * * *
[طهارة جرَّة الأنعام]
الحمد لله.
ما يدلُّ على طهارة الجِرَّة (٢)، كراهية لحم الجلّالة دون غيرها، ولو كانت الجِرَّة نجسة لكانت الإبل والبقر والغنم كلُّها جلَّالة. والله أعلم (٣).
* * * *
[تعليق على «مختصر المزني»]
المزني (ج ٢ ص ١٥٧) (٤).
«قال الشافعي: أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن ابن المسيب أن رسول الله ﵌ نهى عن بيع اللحم بالحيوان. وعن ابن عباس أن جزورًا نُحِرت على عهد أبي بكر ﵁ فجاء رجل بعَنَاق فقال: أعطوني جزءًا بهذه العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا.
стр. 34
وكان القاسم بن محمد، وابن [ص ١٥٨] المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلًا وآجلًا يعظمون ذلك ولا يرخِّصون فيه.
قال: وبهذا نأخذ، كان اللحم مختلفًا أو غير مختلف، ولا نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﵌ خالف في ذلك أبا بكر. وإرسال ابن المسيب عندنا حسن.
قال المزني: إذا لم يثبت الحديث عن رسول الله ﵌، فالقياس عندي أنه جائز، وذلك أنه كان فصيل بجزور قائمين جائزًا، ولا يجوزان مذبوحين لأنهما طعامان لا يحل إلا مثلًا بمثل، فهذا لحم وهذا حيوان وهما مختلفان، فلا بأس به في القياس إن كان فيه قول متقدِّم ممن يكون بقوله اختلاف، إلا أن يكون الحديث عن رسول الله ﵌ ثابتًا فيكون ما قال رسول الله ﵌».
أقول في هذا الباب فوائد:
١. قول الشافعي: «وإرسال ابن المسيب عندنا حسن» فيه بحث مشهور، وقد اشتهر أن الحسن إذا جاء في كلام المتقدمين لا يُراد به الحسن في اصطلاح المتأخرين، بل يُراد به الحسن اللغوي، فيكون المراد هنا أن إرسال ابن المسيب قويٌّ بالنسبة إلى إرسال غيره. وهذا لا يستلزم الاحتجاج به. وإنما احتجَّ به هنا لما عضده من قول الصدِّيق وغيره، وكونه لم يعلم مخالفًا لذلك.
ويحتمل أن يكون الشافعي أراد بقوله: «وإرسال ابن المسيب عندنا حسن» = إرساله هذا الذي ذكره في الباب، أي أنه حسن لاعتضاده بما ذكر. والأول أولى.
стр. 35
٢. أن الشافعي وصاحبه المزني يجيزان ورود الشرع بخلاف القياس، ويوجبان اتِّباع الدليل الشرعي في ذلك، وإن لم يخلُ من ضعفٍ.
٣. أن الشافعي يحتجُّ بقول بعض الصحابة لم يعلم له مخالفًا. ولكن هذا حيث لم يقم دليل على خلافه، كما حقَّقناه في غير هذا الموضع.
وهل يستجيز مخالفته للقياس؟ محل نظر. وليس في هذا الباب دلالة على عدم المخالفة لأنه قد يقال: إنه إنما لم يخالفه لاعتضاده بمرسل ابن المسيب، فالله أعلم.
٤. أن المزني لا يستجيز مخالفة قول من سبق، ولو كان بيده قياس إلّا إذا ثبت خلافٌ عنهم.
٥. [ ... ] (١).
* * * *
الحمد لله.
بيع الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، والمقتات بالمقتات
على الوجه المحرَّم، وحكمة تحريمه (٢).
أما بيع أحدها بشيء من صنفه متفاضلًا حالًّا، فمِنْ حكمة النهي عنه ــ والله أعلم ــ التضييق على المحتكرين؛ لأن من الناس من يحتكر الذهب مثلًا، فإذا اجتمع اثنان محتكران للذهب وعند أحدهما ذهب جيِّد وعند
стр. 36
الآخر ذهب رديء، وهما يريدان التبايع، إما لمصلحة الاحتكار، لأن كلًّا منهما يقول: إذا احتكرت فينبغي أن يكون عندي من النوعين، وإما لغير ذلك، لكن مع مراعاة كلٍّ منهما للاحتكار، لأن أحدهما يقول: إذا لزم لي أن أشتري شيئًا من الذهب وأعطي في قيمته ذهبًا، فلا ينبغي أن أشتريه إلا من رجل آخر محتكر للذهب مثلي؛ لأنه أيضًا يراعي الاحتكار، فلا يخرج الذهب إلا عند غلاء سعره، وبذلك يتمُّ مقصودي في حكر الذهب حتَّى يغلى سعره.
والآخر يقول: إذا بدت لي مصلحة في أن أبيع شيئًا من الذهب، فلا ينبغي لي [أن] أبيعه إلا بذهب حتَّى لا أضيِّع شيئًا من المقدار الذي أريد احتكاره.
فضيَّق الشرع عليهم فألزمهم أن لا يبيعوا الذهب بالذهب حالًّا إلا مثلًا بمثل؛ لأن الغالب أن لا تدعو حاجة لاشتراء الذهب بالذهب إلا لمزيَّة لأحدهما على الآخر. وصاحب الذهب الممتاز لا يرضى أن يخسر تلك المزيَّة، فيضطرَّ أحدُهما إلى بيع ذهبه بفضَّة أو غيرِها ثمَّ يشتري بذلك ذلك الذهب الذي رغب فيه، فينفكُّ الاحتكار أو يبقيان مضيَّقًا عليهما.
وإنما لم يُمنع بيع الذهب بالذهب مطلقًا لأن في ذلك تضييقًا شديدًا على الناس. وقد يكون البائع أو المشتري غيرَ قاصد للاحتكار، وإنما دعتْه ضرورة أخرى.
والعادة أن صاحب الذهب الممتاز لا يرضى بخسارة تلك المزيَّة إلّا لضرورة دعته، فالتضييق عليه مع اضطراره منافٍ للحكمة، فكانت الحكمة أن يُحدَّ لذلك حدٌّ بحيث لا يباع الذهب بالذهب إلا من ضرورة، وهذا الحدُّ هو إيجاب المماثلة.
стр. 37
وأما بيع الذهب بالذهب متماثلًا نسيئة، فلأنه في معنى بيع الذهب بالذهب متفاضلًا نقدًا لأن الأجل في معنى الفضل.
فقد تكون قطعة من الذهب تزن أوقية وقيمتها خمسون درهمًا، وقطعة من ذهب آخر تزن أوقيةً أيضا (١) وقيمتها أربعون درهمًا، ولكن صاحب القطعة الممتازة يرضى ببيعها بالقطعة الأخرى إلى سنة، لِمَا يستفيده من الأجل. وبذلك لا يتحقق أنه كان مضطرًّا إلى البيع.
وفيه أيضًا الدخول في ربا القِران؛ إذ قد يكون إنسان محتاجًا إلى النقد ويعلم أنَّ عند صاحبه ذهبًا، فيقول: لو أَتَيته أستقرضه لم يقرضني، ولو شرطت له أن أزيده في القضاء كان ذلك ربا، فالحيلة أن أشتري منه مائة دينار من ذهبه بمائة دينار من ذهب أجود مع أنَّ الوزن واحد، وأؤجِّله إلى الأجل الذي أحتاج أن أقترض إليه. وهو طبعًا يرضى لزيادة الذهب الذي بعتُه منه في الجودة.
والحاصل أن مقصود هذا الرجل الاقتراض، وإنما جعل الصورة بيعًا ليسلم من الربا في زعمه. فهذا في المعنى اقترض من صاحبه مائة دينار وشَرَط له أن يقضيه مائة دينار أجود منها، وهذا هو الربا.
وأما بيع الذهب بالفضة متفاضلًا حالًّا فكأنه أجيز ــ والله أعلم ــ لأن الضرورة كثيرًا ما تدعو من عنده فضَّة أن يستبدلها بذهب وبالعكس، فتقلُّ تهمة قصد الاحتكار، بخلاف من كان عنده ذهب ويريد استبداله بذهبٍ، أو
стр. 38
فضةٌ ويريد استبدالها بفضَّة؛ فإن الضرورة في ذلك تقلُّ فتَقْوى تهمة قصد الاحتكار.
وأما بيع الذهب بالفضَّة نسيئةً فهو مظنَّة الربا؛ إذ قد يكون إنسان محتاجًا إلى مائة دينار مثلًا، ويريد أن يتحصَّل عليها من صاحبه، ولكنه يعلم أنه إن قال له: أقرِضْني، لم يُقرضه لأنه يطلب الربح. ولو شرط له أن يزيده في القضاء كان ذلك ربا، فيحتال بأن يشتري منه مائة دينار بألف وخمسمائة درهم إلى أجل مع أن صرف الدينار حينئذ ثلاثة عشر درهمًا مثلًا، وإنما زاده ليرضى بذلك.
فالحاصل أن مقصوده الاقتراض، وإنما جعل الصورة بيعًا ليسلم من الربا في زعمه. فهذا في المعنى من اقترض من صاحبه مائة دينار وشَرَط له أن يقضيه مائة دينار ومائتي درهم، وهذا هو الربا.
فالمقصود أنَّ الذهب والفضة متقاربان؛ لأنه تجمعهما النقديَّة، فإذا اقترض الإنسانُ أحدَهما على أن يردَّ الآخر، فكأنه اقترض أحدَهما على أن يردّ من جنسه مع زيادة. وإذا جعل بدل صورة القرض صورة البيع، فالمعنى باق.
ومثل الذهب والفضة: البرُّ والتمر، وبقيَّة المقتاتات، وما لا بدَّ لها منه كالملح.
أما في معنى الاحتكار، فلأن احتكار كلٍّ منها شديد الإضرار بالناس. أما احتكار القوت وما لا بدَّ منه فظاهر. وأمَّا احتكار النقد فلأنَّه الوسيلة إلى نيل الأقوات وغيرها. ويتبيَّن هذا بما إذا فرضنا أن النقد ارتفع من السوق
стр. 39
جملةً فإن الحركة تتوقَّف. فالذي عنده ثياب ويريد القوت، لا يتيسَّر له ذلك؛ لأن بائع الأطعمة قد لا يرغب في الثياب التي عنده، وإنما يريد نوعا آخر، أو لا يرغب في الثياب جملةً، وإنما يريد شيئًا من الآلات، أو يريد أن يستخدم من يعمل له، أو غير ذلك. وصاحب الثياب قد يجد آخر يرغب فيها ولكن يبذل له شيئًا من الجوهر مثلًا، أو غير ذلك مما لا يرغب فيه صاحب الطعام أيضًا.
ويموت صاحب الثياب جوعًا. بخلاف ما إذا كان النقد دائرًا في السوق؛ فإن صاحب الثياب يبيع به، لعلمه بأن صاحب الطعام طبعًا يقبله لأنه جامع الأغراض.
وأمَّا في معنى الربا، فلأن الأقوات جرت العادةُ باقتراضها، كما جرى العادة باقتراض النقد. والبرّ مع الذرة مثلًا كالذهب مع الفضَّة، يجمعهما القوتيَّة كما جمعت ذينك النقدية. فإذا اقترض الإنسانُ أحدَهما على أن يردَّ الآخر فكأنه اقترض صنفًا واحدًا على أن يردَّه بزيادة. وإذا جعل بدل صورة القرض صورة البيع فالمعنى باق.
فأما الثياب مثلًا، فحاجة الناس إليها دون حاجتهم إلى القوت، ولم تجرِ العادة باحتكارها جريانَها باحتكار القوت والنقد، ولا جرت العادة باقتراضها جريانَها فيهما (١).
* * * *
стр. 40
[مناظرة فقهية في بعض صور الرِّبا]
[قلتُ: هل يجوز إذا] (١) باع رجلٌ سلعة بخمس رُبّيات إلى شهر، وعند تمام الشهر اتفقا على مدِّ الأجل شهرًا آخر، في مقابل زيادة ربّيّة، فيكون الدين ستة ربّيات. قال: لا.
قلت: فلو قبض البائع الخمس ربّيات ثم أرجعها للمشتري قرضًا بشرط زيادة ربّية؟ فمال إلى جوازه.
فقلت: ما الفرق بين المسألتين؟
قال: قد فرق بينهما الشرع، فمنع بيع الربّيّات بالربّيات إلا مع المماثلة والحلول، وأجاز القرض مع عدم الحلول، اتفاقًا.
فقلت: هذا خارج عن موضوعنا، لأنه فرق بين البيع والقرض، وأنا إنما حكيت الفرق بين المنفعة المشروطة في مقابل مدّ الأجل في الثمن، والمنفعة المشروطة في مقابل ابتداء أجلٍ في القرض. فلم يفهم.
فقلت: أنا أوضّح لك هذا:
لو باعه عبدًا بثلاثة أثواب إلى شهر، وعند تمامه مدّ في الأجل بشرط زيادة ثوب، فتكون أربعة أثواب؟
قال: لا يجوز؛ لأنه ربا في البيع.
قلت: فلو أقرضه ثلاثة أثواب على أن يرجع له أربعة؟
فمال إلى جوازه.