← Язык

Язык · id 532

الفوائد اللغوية - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (151 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الفوائد اللغوية

стр. 2

الحمد لله. أصلُ اللُّغةِ الإشارةُ اختلف الباحثون في أصل اللغة، وظهر لي في ذلك شيء هو في نظري أصحُّ ما يُقال في هذا الباب، ولعلّي أكون أوَّلَ مَنْ تنبَّه له. المعذرةُ أيها القارئ! فلعلّي أكون مخطئًا في اعتقادي هذا. وقد كان يجب عليَّ أن أستوعب ما قيل في هذا الموضوع قبل أن أُبدي ما عندي، ولكن لم يتيسَّر لي ذلك في الحال، وعلمت أنَّ للمخلّفاتِ ــ كما قيل ــ آفاتٍ. وقبل بيان ما ظهر لي، أذكرُ ما وقفتُ عليه من آراء الناس في هذا الباب. الرأي الأول: أنَّ اللغة من وضع الخالق . ثم اختلف أصحاب هذا الرأي. فقال بعضهم: علَّمها الله آدمَ محتجِّين بقوله : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، مع ما في الحديث الصحيح أنَّ الناس يوم القيامة يأتون يقولون لآدم: «وعلَّمك أسماء كلّ شيء» (١)، ثمَّ علَّمها آدمُ بنيه فتوارثوها. وقال آخرون: بل بالوحي إلى الأنبياء. وقال غيرهم: بل بالإلهام. الرأي الثاني: أنَّ الواضع لها هم البشر، ثم اختلف هؤلاء. فقال فريق منهم: إنَّ بين الألفاظ والمعاني مناسَباتٍ طَبْعيَّة تفطَّن لها الواضع. ومنهم مَنْ فسَّر هذا بأن المراد بالمناسبة أنَّ للحروف صفاتٍ

стр. 3

محسوسةً من الجهر والشدة وغيرهما، وكذا للفتح والكسر والضم والسكون، وللمسميات صفاتٌ مشابهة لذلك، فرُوعِيَتِ المناسبة بذلك، وقد ذكر ابن جني في «خصائصه» (١) أمثلة لذلك. وقال فريق آخر: بل بمجرَّد الاصطلاح بمعونة الإشارة، كأن يحضر الشيءُ أمام المُصطَلِحِين فيتَّفِقُون على لفظٍ يضعونه له. وقال آخرون: بل الأصل في هذا حكاية أصوات الحيوانات وغيرها، وقد حكاه ابنُ جنِّي في «الخصائص» (٢) وحسَّنه، ولفظُه: «وذهب بعضُهم إلى أنَّ أصل اللغات كلِّها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوِيِّ الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبْي، ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد. وهذا عندي وَجْهٌ صالح ومذهبٌ مُتَقَبَّلٌ». خصائص (ج ١ ص ٤٤). الرأي الثالث: الوَقْف. أمَّا أنا فإني أرى أنَّ أصل اللغة الإشارةُ على تصرُّفٍ في معنى الإشارة لما ستراه إن شاء الله تعالى. ثم أقول: إمّا أن يكون الخالق وضعها موافقةً لذلك مراعاةً للحكمة وليَسهل تعلُّمُها على الناس، ويكون أظهر في الدلالة على المعاني، كما يدلك على ذلك كثرة استعمال العرب كلمة (البَوْس) بمعنى التقبيل، حتى لا تكاد العامة تعرف له لفظًا غير (البَوْس) مع

стр. 4

أنه من غير لغة العرب، إلَّا أنه ظاهر الموافقة للإشارة بخلاف (التقبيل) ونحوه، كما ستراه إن شاء الله تعالى. وإمَّا أن يكون الخلق هم الذين ولَّدوها من الإشارة. ولا أجزم بأحدهما، ولكنّي سأبني كلامي على الثاني. الدليل الإجمالي أصحُّ أساسٍ نبني عليه البحث في هذا الموضوع أن نعتبر حال الإنسان قبل اللغة بحال الأبكم، وكلّنا يعلم أنَّ الأبكم يعتمد في تفهيم ما يريده على أمورٍ منها: الإشارة ببعض أعضائه الظاهرة، ومنها أصوات طبعية تدل على أغراض معروفة، كالأنين على الألم. وهذا القسم يظهر أنه كان كثيرًا في الإنسان لأننا نرى العجماوات تستفيد من أصواتها الطبعية كثيرًا في تفهيمها، ولا شك أن الإنسان قبل اللغة كان أرقى منها. ومنها حكاية أصوات الأشياء التي يريد [أن] يخبر عنها سواءً من أصوات الإنسان نفسه كالأنين والحنين والنخير والشخير أو أصوات الحيوانات أو غيرها. ومنها حكاية المعاني بأصوات تناسبها، وهذا هو الذي دندن عليه ابن جنّي. أنا أرى أنَّ الأقسام الثلاثة يصحّ أن تكون كلها من باب الإشارة، فالأول إشارة مرئية، والآخران إشارة مسموعة، وإن كان معنى الإشارة في أصل اللغة لا يتحمَّل هذا فلنحمِّلْه إيَّاه على سبيل الاصطلاح. ويرجّح هذا أنَّ الإشارة بالأعضاء أوسع تصرُّفًا من الأصوات الطبعية والحكاية كما لا يخفى.

стр. 5

وقريب من الأبكم: الناطق الذي يحاول تفهيم مَنْ لا يعرف لسانه. بل إن الناطق الذي يريد تفهيم مَنْ يعرف لسانه كثيرًا ما يستغني بالإشارة والأصوات الطبعية والحكاية. وإذن فقد كان الناس قبل الكلام يتفاهمون بذلك. والمنطق يدلّ أنّ أقرب ما يمكن أن تَولَّد منه أداة الشيء هو أداة أخرى لذلك الشيء كانت قبلها. وإذن فاللغة مولَّدة من الإشارة والحكاية. التحليل الإشارة بالأعضاء هي عبارة عن تحريك بعض الأعضاء حركةً مخصوصةً، وقد يكون غير الأعضاء كعُودٍ باليد، ولكن مبنى الإشارة على الأعضاء كما لا يخفى. من الأعضاء: أعضاء الفم من الشفتين واللسان وغيرها. الإشارة بأعضاء الفم قد تكون بالتحريك الظاهر كإبراز اللسان، وقد تكون بتحريك لا يظهر للبصر، وإنّما يُستدلّ عليه بصوتٍ كدلالة «هع» على تحريك بعض أعضاء الحلق حركةً مخصوصةً للدلالة على القيء. قد يقال: الأَولى أن يُجعل نفس الصوت ــ «هع» مثلاً ــ هو الدالّ على المعنى ــ وهو القيء هنا ــ مع قطع النظر عن تحريك أجزاء الحلق، فيكون هذا من الحكاية لا من الإشارة العضوية. وهذا ــ وإن صحّ في المثال ــ لا يصحّ في نحو (بَلَع) كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.

стр. 6

قدَّمنا الإشارة العضوية التي يمكن توليد الكلام منها هي ما كان بأعضاء الفم، والظاهر أن أول ما ولد من الكلام هو ما جرت العادة بأن يشار إليه بشيء من أعضاء الفم. ثم إن الواضعين ألحقوا بذلك ما جرت العادة أن يشار إليه بغير ذلك بأن كلّفوا أنفسهم أولاً الاقتصار في الإشارات على أعضاء الفم ثم فعلوا بها كما فعلوا بالأولى. الكلمات المولدة من الإشارة العضوية والأصوات الطبعية والحكاية هي أصول المواد، وكذا أصول الصِيَغ فيما يظهر، ثم جُعِلت تلك الأصول أمهات، وولدت منها كلمات أخرى بمقتضى المناسبة، وقد تكون المناسبة إشارية وقد تكون غيرها، وقد تكون مركبة. طريق البحث في هذا الموضوع أن ... (١). * من لطائف الإشارة كلمة: «حِرْح» فإنها إشارة إلى شيء فيه دفع وبلع. ثمَّ أسقطوا منه ما يدل على البلع على عادتهم في إضمار ذلك والتحاشي من التصريح به (٢). * * * *

стр. 7

اشتقاق الكلمات ذكروا أنّ اشتقاق الكلمات بحسب الأصل قد يكون من طبائع الحروف، كالشدة والجهر وضديهما. ومثَّل له ابن جني في «الخصائص» بما مثّل. وذكروا أنّه قد يكون من أصوات الحيوانات ونحوها، ومثّلوه بنحو الصّرير، والأزيز. وقال قائل: كيف يحتاج الإنسان إلى أن يَستمدَّ كلامه من أصوات الحيوانات ونحوها، في حين أنّ الحيوانات لا تستمدُّ كلامها الذي تتفاهم به إلا من أصواتها أنفسها، مع أنّ الإنسان أشرف من الحيوان؟! وأقول أنا: إنّ كثيرًا من الكلام ــ ولاسيّما ألفاظ الأصوات الإنسانية ــ مشتق من الأصوات نفسها، كالنخير، والشخير، والتنحنح، والنفخ، والقهقهة، والأنين، والحنين، والرنين. ولكن بعض ذلك مما يُفهم بسهولة، وبعضه يحتاج إلى إمعان نظر واستقراء لأنواع الصوت، كالضحك والبكاء. وأقول أيضًا: إنّ كثيرًا من الكلام مأخوذ من الإشارة، وهذا باب واسع جدًّا؛ فإن الإنسان الذي لا يعلم الكلام كالأبكم يستطيع أن يُفهِم صاحبه كثيرًا من أغراضه بمجرد الإشارة. ولكن الإشارة قد تكون باليدين، وبغيرهما من الأعضاء. واستمدادُ الكلام منها إنّما يمكن من الإشارة بأعضاء الفم، كاللسان والشفتين، فإنّها هي التي يكون بها الكلام.

стр. 8

ومن أمثلة هذا: اسم الإشارة وهو (ذا). فالإنسان إذا أشار إلى حاضر يُبرز عضوًا منه موجِّهًا إلى ذلك الشيء، وقد يصوِّت معه بصوت خالٍ عن معنى ليوجِّه نظر السامع إلى الإشارة فالمشارِ إليه. ومن جملة الأعضاء التي تُبرَز للإشارة: اللسان، وهو الذي يمكن منه استمداد اللفظ. فرأى الواضعُ أنّه ينبغي وضع كلمة الإشارة استمدادًا من إخراج اللسان والنطقِ ببعض الحروف التي يتيسّر النطق بها حينئذ. فوجد ثلاثة أحرف: الذال، والثاء، والظاء. والثاء خفيّة، والظاء لا تخلو من خفاء، فتعيَّن الذال. وزاد معها الألف ليَبِين الصوتُ، ثم تصرّف فيها في أسماء الإشارة، والموصول، وبعض الظروف كإذ، وإذا، ومُذ، ومنذ؛ لوجوهٍ يطول بيانها، والأصل فيها ما تقدم. ومن ذلك: أنّ إشارة الإنسان إلى نفسه تكون بعطف عضوٍ منه إلى جسمه، فتعيَّن هاهنا اللسان. وأنت إذا عطفت لسانك إليك محرِّكًا له كما يفعل المشير، ثم التمست حرفًا تنطق به حينئذٍ، تعيَّنَ النون. فجُعلت النون أصلاً لضمير المتكلم، وتُصرِّف فيها في غيره. ومن ذلك: أنّ إشارة الإنسان إلى الوقت الحاضر تكون بتحريك يديه حركة معترضة، ثم الإشارة إلى نفسه، يريد وقتنا الحاضر، مع تصويتٍ يصحب الإشارة.

стр. 9

فرأوا أنّ الصوت الذي يؤدّي معنى الصوت (١) ويمثِّل الإشارة، هو المَدَّة، والذي يؤدي معنى الإشارة إلى النفس هو النون كما مرّ، فقالوا: «ءان»، ثم تصرّفوا في ءان، ومن جملة تصرّفهم فيه (٢): قلبُهم لبعضه ليدلّ على تغيير في معناه، فقالوا: «أنَى» لساعةٍ غير معيَّنة. ثم تصرفوا في هذه أيضًا، فقالوا: أنَى الشيءُ يأني، أي: حضر إناهُ، أي وقته. ومن ذلك: «أنَى الطعام» أي بلغ وقته، أي المطلوب منه، وهو النضج. ثم قالوا للوعاء: «إناء»؛ لأن الطعام إذا بلغ إناه جُعِل فيه. وقال تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] أي بلغ وقته المطلوب منه، وهو شدة الحرارة. وقالوا: «أنيت الشيءَ» أي أخَّرته إلى إناه، أي إلى وقته المناسب، ومنه «الأناة» و «التأنِّي»، [و] هو تأخير الشيء إلى إناه، أي إلى وقته المناسب. ومن هنا كان التأني ممدوحًا مطلقًا. ولو كان معناه: تأخير الشيء عن إناه، أي عن وقته، كما زعم الراغب (٣) = لكان مذمومًا أو على الأقلّ لا يدلّ على مدح ولا ذمّ. وقد قال النبي ﵌ لأشج عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة» (٤).

стр. 10

ومن ذلك: الابتسام. لمَّا كان آلته الشفتان، وغايته أن تبدو معه الأسنان العليا؛ جعلوا له حرفين شفويّة، وهما: الباء والميم، وحرفًا من الثنايا العليا، وهو السين. وقريب من الابتسام: البَوس. وإن لم يكن بعربي (١). * * * * [بحث في أصل صيغ الفعل واشتقاقها منه، وإتيان بعضها مكان بعض] الحمد لله. «أمالي ابن الشجري» المجلس (٣٨). «قال أبو الفتح عثمان بن جني: قال لي أبوعلي: سألت يومًا أبا بكر ــ يعني ابن السراج ــ عن الأفعال يقع بعضها موقع بعض، فقال: كان ينبغي للأفعال كلها أن تكون مثالاً واحدًا لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها لاختلاف أحوال الزمان، فإذا اقترن بالفعل ما يدل عليه من لفظ أو حال جاز وقوع بعضها في موقع بعض. قال أبو الفتح: وهذا كلامٌ من أبي بكر بحال شديد (٢)». أقول: وقد سبق لي جواب لعله أوضح من هذا وأقعد. وذلك أني سُئلت عن فعلَي التعجب: لِمَ جُعلا فعلين ماضيين أبدًا، مع أنّ التعجب قد يكون ماضيًا وحالاً وآتيًا؟

стр. 11

فأجبتُ بأن الفعل بحسب الأصل صيغة واحدة تدل على وقوع ذلك الفعل، فكأنه في الأصل اختير أن يكون من الضرب: «ضَرَبَ»، بدليل خِفَّتها وعدم الزيادة فيها. ثم رأوا أنّ مجرّد الإخبار بالوقوع لا يكفي؛ لأنّ الوقوع قد يكون في الحال، وقد يكون قبل ساعة فأكثر، إلى ما لا نهاية له، وقد يكون بعد ساعة إلى ما لا نهاية له. ولمّا كان لا يمكن تعدّد الصيغ بتعدد الأزمنة، فلا أقل من اعتبار الجهات، وهي المضي والحال والاستقبال. فنظروا أيّها أَلْيَق بالأصل، فإذا هو الماضي، لأنّه الأصل والغالب فيما يحتاج فيه إلى الإخبار بالوقوع، فجعلوا له الصيغة الأصلية، وهي «ضَرَبَ» مثلًا. ثم رأوا أن يغيّروا الصيغة تغييرًا ما، ويجعلوها للذي يلي الماضي وهو الحال، فزادوا الهمزة التي هي الأصل في الزيادات، فجعلوها للأصل في الإخبار بالوقوع، وهو التكلُّم؛ لأنّ الغالب أنّ الإنسان إنما يخبر عن شيء وقع منه. ثم جعلوا أُختيها: الواو والياء لبقية وجوه الإخبار، إذا الإخبار إما أن يكون عن المتكلم، أو عن مخاطب، أو غائب. ولكنهم قلبوا الواو تاء، لأن التاء أليق بالخطاب؛ لأن الناطق بها كالمشير إلى ما أمامه، ولذلك جعلوا التاء ضمير الخطاب.

стр. 12

وقلبُ الواو تاءً في أوائل الكلمات معروف عندهم، مثل: تترى، وتراث، وتقوى، وتُجاه، وتَبال، وتُكَلة، وتُهَمة. ثم رأوا الاحتياج إلى زيادة صيغةٍ رابعة لأجل المتكلم ومعه غيره، فاختاروا النون، لأنها أشبه الحروف بحروف العلة، كما هو مبيّن في محلِّه. وأمّا المستقبل، فرأوا أن لا يجعلوا له صيغة مستقلة، بل يكتفون بالصيغة التي جعلوها للحال، ويكتفون بدلالة القرائن على أنه لم يُرَد بها الحال وإنما أريد بها الاستقبال. وجعلوا حرفًا خاصًّا لهذا المعنى، حتى يُفْزَع إليه إذا لم يوجد في الكلام قرينة أخرى، وهو (السين)، ثم زادوا مع (السين) حرفين فقالوا: (سوف)، لتكون (السين) وحدها دالةً على المستقبل القريب، و (سوف) دالةً على البعيد. وأما الأمر، فهو مشتق من المضارع، كما عليه الكوفيون، وهو الصحيح. ثم إنهم كثيرًا ما يجدون القرائن مُغْنِية عن الصيغة، فيرجعون إلى الأصل، وهو صيغة (ضَرَب) مثلًا. ومن هنا كان الغالب مع أدوات الشرط مجيء صيغة الماضي؛ وذلك لأن أدوات الشرط تدل على أن الفعل مستقبل، فاستغنوا بها عن الصيغة ورجعوا إلى الأصل. ومن هنا تعلم أن المستقبل إذا جاء بلفظ الماضي لا يجب أن يكون ذلك لنكتة معنوية، وإن كان كثيرًا ما يَرِد كذلك، إلا أنه ليس بلازم.

стр. 13

وهذا في كلِّ شيء يجيء على أصله. قد يكون لمجيئه على أصله نكتة معنوية أو أكثر، ولكن ليس ذلك بلازم، فقد يجيء على الأصل لغير نكتة، بل لمجرد أنه الأصل. فأمّا مجيء المعنى الماضي بصيغة المضارع فلا بدّ له من نكتة. هذا معنى ما أجبت به قبل اطلاعي على ما قاله ابن السراج، وهو بحمد الله تعالى من التحقيق بحيث ترى، بخلاف كلام ابن السراج ففيه إجمال لا يخفى. فأمّا خصوص صيغتَي التعجب، فإنها خُصَّت بصيغة الماضي لما تقدم أنه الأصل، مع أن الغالب في التعجب الواقع أنه إنما يكون من شيء واقع فأما ما لم يقع، فإن التعجب منه إنما يقع عند وقوعه. فإن تُجُوِّز في المجيء بالصيغة للدلالة على تعجبٍ سيقع، فذلك عزيز، فليُجَأْ معه بقرينة دالة على المطلوب. والتزامُ ذلك أخف وأيسر من تعديد صيغ التعجب. والله أعلم (١). * * * *

стр. 14

[المناسبة بين رسم كلمتَي الصدق والكذب وبين معانيهما] الحمد لله. الصدق والكذب إن الصدق والكذب ليترائَيان للأبصار ضئيلين جدًّا بالنسبة إلى مقدارهما الحقيقي، فإذا أُنعِم النظر فيهما أَخذَا في الاتِّساع إلى أن يَلْتَهِما جميع الأخلاق. وقد دعاني هذا من حالهما إلى أن أكتب شيئًا في شأنهما، ما بين رسمهما وتسميتهما من المناسبة الغريبة. [الصدق:] الصاد: حرفٌ مهموس رخو مُستَعْلٍ. فكأنه أشيرَ به إلى أن الصدق أول ما يُفاه به، يهمس به صاحبُه خوفًا، ويكون معناه كالكلام المهموس، أي خفيًّا غير ظاهر، ويكون ضعيفًا لكراهية الناس له وميلهم إلى الكذب. وهو مع ذلك مستعلٍ في جوهره، ولكن أُشيرَ بجعل حركته كسرةً إلى أنه سافل في صورة حاله. والدال والقاف مجهوران شديدان مُقَلْقلان. وكل ذلك إشارة إلى أن الصدق في أوسط أحواله وآخرها يشتهر ويقوى ويظهر. وزادَ القافُ بكونه مستعليًا، وهو بحسب الصورة قابل للفتح والرفع

стр. 15

والخفض. ففيه إشارة إلى أن الصدق في آخره هو مستعلٍ في حقيقته، وقد يكون مستعليًا في الصورة، وربما خُفِض. الكذب: الكاف: مهموس شديد منخفض، كأن ذلك إشارة إلى (١) أن الكذب في أوله يهمس به صاحبُه خوفًا من التكذيب، أو لأن ضميره يلومه إن كان بقي فيه شيء من الحياة. وقد قيل: إن الكاف مجهور. ويظهر من ذلك نكتة أخرى، وهي أن الكاذب يموِّه كذبه بحيث يشبه المجهور. والشّدّة فيه إشارةٌ إلى أن الكذب في أوله شديد التأثير. والانخفاض إشارةٌ إلى انخفاضه في ذاته، ولكنه حُرِّك بالفتح إشارةً إلى أن صاحبه يصوّره بصورة الظاهر المستعلي، وإن كان في نفسه بخلاف ذلك. الذال: مجهورٌ رخوٌ منخفض. فكأن ذلك إشارة إلى أن الكذب في أوسط أحواله يشتهر، ويضعف ويكون سافلاً حقيقة وكذا صورةً؛ لتحريكه بالكسرة. وقد قيل: إن الذال مهموس. وتظهر من ذلك نكتة أخرى، وهي أن صاحبه يجهد حينئذ في أن يغفل عنه الناس وينسوه. الباء: مجهور شديد مُقَلْقَل منخفض.

стр. 16

الجهر إشارة إلى ظهوره واشتهاره، والشدة إشارة إلى أنه كثيرًا ما يشتد الكذب ويقوى بوجود أناسٍ يتعصبون له بجهلٍ أو هوى. وهذا مُشاهَد بكثرة. والانخفاض: إلى أنه منخفض في ذاته، مُهْمَلٌ في صورته؛ فقد يُعْلِيهِ التعصُّب، وقد يخفضه الإنصاف (١). * * * * [تعليقات على مواضع من «مختصر المعاني شرح تلخيص المفتاح» و «حاشيته» للبنَّاني] الحمد لله. * قول «المختصر» (٢): «وتقديم الحمد باعتبار أنه أهم [نظرًا إلى كون المقام مقام الحمد]» إلخ. اعتُرض عليه بأن النكتة إنما تذكر للمُزال عن محله الأصلي لا القارِّ فيه. وحكى المحشِّي جوابين غير واضحين. والجواب الصحيح أنه إنما يعتبر الأصل حيث لا مقتضى لخلافه، فإذا ورد شيء على أصله ولا مقتضى لخلافه لم يُسأل عنه. وأما إذا وجد ما يقتضي خلافه فإنه يُسأل، لأن كونه أصلاً مُعارَض بما هو أرجح منه، وهو ذلك المقتضي.

стр. 17

مثاله في النحو: أن يسأل سائل عن «ذو» بمعنى صاحب، لماذا أُعربَ مع كونه على حرفين؟ فلا يكفي في الجواب أن يقال: الأصل في الاسم الإعراب فلا يُسأل عنه؛ لأنه يقال: هذا إنما هو فيما ليس فيه مقتضٍ لخلافه، وهو هاهنا معارَض بما هو أرجح منه، وهو أن ما كان من الاسم على حرفين ما فيهما حرف علَّة واجبُ البناء. فيتعين في الجواب أن يُقال: إن لفظ «ذو» ليس على حرفين، بل هو على ثلاثة؛ لأن أصله «ذوي»، وقاعدة بناء الاسم إذا كان على حرفين إنما هي فيما كان على حرفين من أصل الوضع، وليس «ذو» كذلك. إذا تقرر ذلك، فكون تقديم الحمد هو الأصل لكونه مبتدأً قد عارضه ما هو أرجح منه، وهو أن تقديم لفظ الجلالة أحق لأنه الأهم، فلا يكفي في الجواب أن يقال: «هو الأصل»، لأن الأصل قد عارضه ما هو أرجح منه. وعليه فلابد من نكتة أخرى للعدول عمّا كان هو الظاهر في البلاغة، وهو تقديم الأهم. والله أعلم. * * * * * قول المختصر (١): «والتعليل بأن البلاغة إنما هي باعتبار المطابقة لمقتضى الحال، وهي لا تتحقق للمفرد= وهمٌ ... » إلخ. أقول: وتعليل السعد بأنه «لم يُسمع: كلمة بليغة» تقصير لأنه قد يقال: ولماذا لم يستعمل العرب ذلك؟ فكان الأولى أن يعلل بأن البلاغة مُشتقة من البلاغ، ففي «القاموس وشرحه»: بَلُغ الرجل بلاغةً إذا كان يبلغ بعبارته كُنْهَ

стр. 18

مراده ... إلخ، وهذا إنما يناسب المتكلم لكونه هو الذي يبلغ، فيقال: بليغ فعيل بمعنى فاعل؛ والكلامَ لأنه به يبلغ صاحبه مراده، فيكون فعيل بمعنى مُفعَل أي مبلَغ. وأما المفرد، فلا مناسبة لذلك فيه، فلذلك لم تطلق العرب: «كلمة بليغة». ولعل المعلل الأول قصد هذا ولكن قصرت عبارته عنه. والله أعلم. * * * * * البنَّاني ([ج ١] ص ٩١) (١): «مع أنه لا يحسن في نظر العقل طلب التصويت عند سماع صوت المحبوب» إلخ. فيه نظر، أولاً: أن هذا إذا كان هو أيضًا بذلك المرأى والمسمع، كالحمامة، ولا دليل عليه، بل ربما كان بينه وبين ذلك المحلّ مراحل. وقد يكون إنما قال ذلك للحمامة غبطةً لها. ومع ذلك، فليس المراد من كونها بمسمع منها كونها تسمع صوتها بالفعل. بل المراد أنها بحيث لو تكلمت لسمعتها. ويظهر لي معنى آخر غير ما تقدم، وهو أنه أراد تنبيه الحمامة على جمال المحبوبة، يُقال لها: ينبغي لكِ إذا كنتِ بحيث ترينها وتسمعين كلامها أن تنشطي وتفرحي وتطربي.

стр. 19

ومعنى آخر: وهو أنه سمع الحمامة تسجع، فأمرُه لها بمعنى: دومي على السجع غير ملومة، فإنك بحيث ترين المحبوبة وتسمعين كلامها، فلا غرو إذا طربْتِ وطرَّبتِ! فيحق لمن كان بذلك المحلّ أن يطرَبَ ويُطرِّبَ. * * * * * «(وبينهما) أي بين الطرفين (مراتب كثيرة) متفاوتة، بعضها أعلى من بعض بحسب تفاوت المقامات ورعاية الاعتبارات، والبُعد من أسباب الإخلال بالفصاحة. هـ مختصر. قوله: «متفاوتة» لمَّا كان يُشكل التفاوت بأنه إن حصلت المطابقة حصلت البلاغة، وإن انتفت انتفت البلاغة = بيّنه بقوله: «بحسب تفاوت المقامات» أي كما في مقام يقتضي تأكيدًا شديدًا، ومقام يقتضي مطلق التأكيد، «ورعاية الاعتبارات» كما لو روعي اعتبار واحد، وروعي أكثر، «والبعد من أسباب ... » إلخ كما لو انتفى الثقل بالكلية في موضع وبقي منه شيء يسير لا يخرجه عن الفصاحة في موضع آخر. اهـ «سم» ببعض تغيير. ولا تغفل عمَّا قدمناه من أنه لا يشترط في أصل البلاغة المطابقة لجميع مقتضيات الحال، بل المطابقة في الجملة». هـ (١). أقول: قوله: «كما في مقام يقتضي تأكيدًا شديدًا ومقام يقتضي مطلق التأكيد»، يعني فالإتيان بالتأكيد الشديد في الأول وبالتأكيد غير الشديد في الثاني أبلغ من العكس، فإن مَن جاء بالتأكيد الشديد في المقام الذي يقتضي

стр. 20

التوكيد الشديد قد وَفَى بتمام المقصود، ومَن جاء بالتأكيد الخفيف في المقام الذي يقتضي التأكيد الشديد قد جاء بأصل المقصود، وهو مطلق التأكيد، ولكنه أخطأ في نوعه. وهكذا مَن جاء بالتأكيد الخفيف في المقام الذي فيه التأكيد الخفيف فقد جاء بتمام المقصود، ومَن جاء بالتأكيد الشديد في المقام الذي يقتضي التأكيد الخفيف قد جاء بأصل المقصود وهو مطلق التوكيد، ولكنه أخطأ في نوعه، وبما ذكر تبين اقتضاء ما ذكر لتفاوت البلاغة. ومن اختلاف المقامات أيضًا أن يكون مقام يقتضي نكتةً مخالفة للأصل، أي زائدة على أصل المراد، ومقام آخر لا يقتضيها، أو مقام يقتضي واحدة فقط، ومقام يقتضي اثنتين، وهكذا. فالكلام الوارد في المقام المقتضي للنكتة الزائدة على أصل المراد مطابقًا لها= أبلغ من الكلام الوارد في المقام الذي لا يقتضي ذلك، والكلام الوارد في المقام الذي يقتضي نِكاتًا متعددة مطابقًا أبلغ من الكلام الوارد في المقام الذي يقتضي أقل منها. والله أعلم. ويدل على ما ذكرنا ما نقله عن الفَنَري (١) في الكلام على قوله: «عطف على قوله: هو» قال: «فإن قلت: لا يمكن إنكار تفاوت الآيات في البلاغة، قلت: التفاوت الحاصل فيها بالنظر إلى أن الأحوال المقتضية للاعتبارات في بعضها أكثر، فالمقتضيات المرعية فيها أوفر من المقتضيات المرعية في الأخرى، وذلك لا يقدح في أن يكون كل منها في الطرف الأعلى، أي في مرتبة من البلاغة لا بلاغة فوقها بالنسبة لتلك الآية لوجوب اشتمال كل آية على جميع مقتضيات الأحوال التي في نفس الأمر بناء على إحاطة علم الله

стр. 21

تعالى بجميعها فتأمل». هـ ثم نقل بعد ذلك بأسطر (١) كلامًا لابن قاسم قال في آخره: «على أنه يمكن أن يُدَّعى تفاوت نفس البلاغة القرآنية بغير النظر إلى ما ذكر، بأن يكون أحد الكلامين أبعد عن أسباب الإخلال بالفصاحة، كأن لا يكون في أحدهما شائبة ثقل ويكون في الآخر شائبة ثقل لا تخلُّ بالفصاحة، نحو ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ [ق: ٤٠]. ولا شك أن انقطاع الشائبة بالكلية أدخل في الفصاحة وموجب للأعلوية في البلاغة». هـ أقول: ومع ذلك، فتلك الآية المحتوية على اللفظ الذي فيه شائبة ثقل= هي في أعلى طبقات الفصاحة في بابها، أي أنه لا يمكن أن يؤدَّى ذلك المعنى بلفظ أفصح من ذلك اللفظ فتأمل. والله أعلم. ونقل (٢) عن يس الكلام على قوله: «وارتفاع شأن الكلام [في الحُسن والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب وانحطاطه] (٣)» كلامًا فيه: «وبحمل الكلام على الكلام الفصيح لا البليغ يندفع ما أورد على كل من المقدمتين في قول المصنف: وارتفاع ... إلخ. أما الأولى فلأن ارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول إنما هو بزيادة المطابقة للاعتبار المناسب وكمالها لا بنفس المطابقة، والثابت بنفس المطابقة إنما هو أصل الحسن .... » إلخ.

стр. 22

ثم قال (١): «وحاصل جواب المحشي الحفيد أنَّ كمال المطابقةِ مطابقةٌ، فصح أن يقال: الارتفاع بالمطابقة، أي بجنس المطابقة، فالإضافة للجنس كما أن أصل الحُسْن أيضًا بذلك الجنس. وكذلك إضافة عدم للجنس، والمعنى الانحطاط بجنس عدم المطابقة الصادقة بالمراد، وهو عدم كمال المطابقة. اهـ. ويمكن الجواب أيضًا بأن الإضافة للكمال أي الارتفاع بالمطابقة الكاملة والانحطاط بعدم تلك المطابقة الكاملة». اهـ (٢). * * * * [بحث في المجاز العقلي] الحمد لله. مدار المجاز على التأول، وهو إرادة المتكلم أن يُفهم عنه أنه أَسنَد الفعل أو معناه إلى غير ما هو له عنده، ولخفاء الإرادة وجب أن تكون هناك قرينةٌ تدل عليها. فمتى وُجدت قرينة كذلك حُكِم بمجازية الإسناد، ومتى لم توجد فإن عُلم أو ظُنَّ عدمها حُكِمَ بحقيقيَّته؛ إذ عدمها يدل على عدم الإرادة. وإن شُكَّ، فقضية قولهم: «الأصل في الكلام الحقيقة» أن يحمل عليها، لكن نُقِلَ عن السيد (٣) أنه يتعين التوقف. والله أعلم. هـ ك (٤).

стр. 23

[حول المثنَّى بالتغليب] من الشواهد على ما ظهر لي في قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦]. قوله ﵌: «اتقوا اللعانين» (١)، وقول الشاعر (٢): أيَّ يوميَّ من الموت أَفِرْ ... يومَ لم يُقدر أم يوم قُدِرْ وقول الآخر (٣): لولا الثريدان لمُتْنا بالضُّمُرْ ... ثريدُ ليلٍ، وثريدٌ بالنُّهُرْ وقول الآخر (٤): عيُّوا بأمرهمُ كما ... عيت ببيضتها الحمامه جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه وقوله : ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] على وجه. وقوله ﵌: «وقاضيان في النار» (٥).

стр. 24

[تنبيهات على أبياتٍ لامرئ القيس] * قوله (١): أرى أم عمرو دمعُها قد تحدَّرا ... بكاءً على عمرٍو وما كان أصبرا جعل بعض شراح الشواهد (٢) «أرى» بَصَرية، وهو مردود بأن البيت لامرئ القيس من قصيدة قالها بعد مجاوزته الدرب هو وصاحبه عمرو بن قميئة يقول فيها: بكى صاحبي لمَّا رأى الدربَ دونه ... وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا فقلت له: لا تبك عينُك إنما ... نحاول ملكًا أو نموتَ فنعذرا وأم عمرو حينئذ في وطنها ترعى إبلها بدليل بكائها على عمرو، وإنما تبكي عليه إذا كان فارقها، فأما إذا كانت معه فلماذا تبكي؟ مع أنه لا يعقل أن امرئ القيس وصاحبه في ذهابهما إلى قيصر يحملان معهما تلك العجوز. إذا تقرر لك هذا علمت أن الرؤية البَصَرية في تلك الحال محال. وامرؤ القيس لا يدعي علم الغيب، فـ «أرى» قلبية قطعًا. أفدته بزنجبار. هـ ك (٣).

стр. 25

* قوله (١): والله لا يذهب شيخي باطلاً ... حتى أُبير مالكًا وكاهلا القاتلين المَلِك الحُلاحِلا ... خير مُعِدٍّ حسبًا ونائلا كان يجري على ألسنتنا ضبط مَعَدّ بفتحتين فتشديد على أنه معد بن عدنان، و «حسبا ونائلا» تمييز، ثم تنَّبهت لأن الشعر لامرئ القيس بن حجر الكندي، والمراد بالمَلِك الحُلاحِل أبوه، وكندة يمانية لا من معد بن عدنان، ولا أعرف مَعَدًّا من آباء اليمن، فعلمت أنه مُعِدٍّ بضمَّةٍ فكسرةٍ فتشديد، اسم فاعل من الإعداد، وأصله: (مُعْدِد) فأدغم الدال في الدال فالتقى ساكنان فكُسِرَ أولها، وهو العين فصار مُعِدٍّ بوزن مُحِبٍّ، وهو اسم فاعل، وفاعله فيه، و «حسبًا ونائلًا» مفعوله، والمراد: خير مَلِكٍ مُعِدٍّ حسبًا ونائلًا، أو نحو ذلك. ثم ذكرت هذا لبعض الفضلاء بأن سألته عن الأبيات فأملاها «خير مَعَدّ» بفتحتين فَشَدّ، فذكرت له الاعتراض وما ظهر لي فوافقني على ذلك، ثم قال: ويمكن أن يكون (خيرَ) بالنصب نعتًا لـ (مالكًا وكاهلا) وهما من معدّ بن عدنان. فقلت له: هذا بعيد، أولًا لأن الرواية أن هذا الشطر: (خير معد حسبًا ونائلا) بعد قوله: (القاتلين الملك الحُلاحِلا)، وهذا يدل أنه من تمام وصف الملك الحلاحل، ويبعد الرجوع به إلى ما قبله.

стр. 26

وثانيًا: أن مدح الموتور لواتره بالشرف خلاف الظاهر. وثالثًا: أن مالكًا وكاهلا لم يكونوا بهذه المنزلة، أي بحيث يُمدحون بكونهم خير معد بن عدنان حسبًا ونائلا. ورابعًا: أن امرئ القيس قد ذكرهم في شعره بخلاف المدح. والله أعلم (١). * * * * [تعليقات على مواضع من «شرح الشافية»] * [«شرح الشافية»] (ص ٦٦) (٢): «مَفْعَلَة، للمكان الذي يكثر فيه الشيء كمسبعة ليس بقياس». وبهذا يعترض على من قال: «مَكْرَثَة». * (ص ٦٥) في الهامش: «مُلمول» (٣). انظر ما وزنه. فإن كان فُعلول فلا وجه لزيادته. (ص ٦٥) هامش (٤). هذا سهو من المصحح، لأن الكلام فيما جاء على

стр. 27

مُفْعول، و «مُلْمُول» ليس كذلك، وإنما وزنه فُعلول. * (ص ١٤٨) (١) قوله: «وأما ظروف ... » إلخ. أقول: لا مانع أن يكون جمعَ «ظرف» الاسم من الظرافة، كما أن «عدل» مصدر «عَدَل» يطلقُ صفةً، ويجمع فيقال: «عُدُول» لكن عدل سُمعَ صفةً، ولم يُسمع ظرف (٢). * * * * الحمد لله. دلائل كون الكلمة أعجمية نُقِلْ (٣) خروج عن الأوزان (٤) كل خما ... سي عن الذّلْق أعني (مر بنفل) خلا كذا الرباعيُّ إلا أن يكون به ... سين كما عسجدٍ فاسمع لما نُقِلا وكُلُّ ما كِلْمةٍ للجيم حاوية ... مع قاف او صاد او كاف كما وصلا أو صدرها النون جاء الراء عاقبه ... أو عجزها الزاي بعد الدال متصلا (٥) * * * *

стр. 28

[تعليق على كلام الجوهري في معنى «التدافن»] «مختار» (د ف ن) (١): «والتدافن التكاتم، يقال (٢): لو تكاشفتم ما تدافنتم» أي لو انكشف عيب بعضكم لبعضٍ». اهـ. أقول: أي لو انكشف عيب بعضكم لبعض ما تكاتمتم، أي ما كَتَم بعضُكم عيبَ بعض. وكان يسبق إلى الفَهم أن المراد ما تدافنتم في القبور، يعني لو انكشف عيب بعضكم لبعض لما قَبَر بعضكم بعضًا، ووجهه واضح. والله أعلم (٣). * * * * [أنواع اسم الجنس والفرق بينها وبين الجمع واسم الجمع] الحمد لله. ما صَدَق على واحدٍ لا بعينه فاسم جنس آحادي كـ «أسد». وما صدق على القليل والكثير كـ «ماء» و «ضرْب» فاسم جنس إفرادي. وما لم يصدق إلا على ثلاثة فأكثر: فإن كان له مفردٌ فُرِّق بينه وبينه بالتاء أو ياء النسب، وغُلِّب في ضميره التذكير، فاسم جنس جمعي.

стр. 29

وإن لم يكن له مفرد من لفظه، أو كان له مفرد من لفظه ولكنه خارج عن أوزان الجموع، أو غير خارج عنها ولكنه أجري عليه أحكام المفرد كتصغيره والنسب إلى لفظه= فاسم جمع، ومنه: (رهط) (١) و (صحب) (٢). و (رِكاب) جُعل اسمَ جمعٍ لركوبة لأنهم نسبوا إلى لفظه. وما لم يصدق إلا على ثلاثة فأكثر، وكان له مفرد من لفظه لم يفرَّق بينه وبينه بغير (٣) ياء النسب، ولم يغلب تذكير ضميره، وهو غير خارج عن أوزان الجموع ولا أُجريت عليه أحكام المفرد= فجمعٌ (٤). * * * * [مجيء «إذا» للماضي في القرآن] من مجيء (إذا) للماضي قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [١١٠] (٥). * * * *

стр. 30

[أمثلة لـ «فعيل» التي تأتي بمعنى «مُفعِل»] قد يجيء فعيل بمعنى مُفعِل كالحكيم والأليم، وكذا السميع في قوله (١): * أَمِن ريحانة الداعي السميع * والأنيق في قوله (٢): * أنيقٌ لِعَين الناظر المتنعِّم * (٣) * * * * [أمثلة لما شذَّ عن القاعدة في صياغة «أفعل» التفضيل وصيغة التعجب] الحمد لله. الشواذ: ما أضوأَه. ما أظلمه. ما أجنَّه. فهو أهيَب. أخوف. أطعم بمعنى أكثر إطعامًا. ما أكرمه لي (٤) (٥).

стр. 31

[حول توالي الإضافات] الحمد لله. مما يدل على أن توالي الإضافات مناف للبلاغة قوله : ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف: ٢٥]. فأما قوله تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١]، فإن «قوم نوح» كالكلمة الواحدة، والألفاظ ثلاثية ساكنة الأوسط، مع كونه في «الدأب» قد يُقلب ألِفًا، وهو في الأخيرين حرف علَة. والله أعلم (١). * * * * [بحث في اشتقاق «أَحبَّ»] الحمد لله. «أَحبَّ»: والأصل فيه أن المحبوب يَحِبُّ المُحِبَّ بمعنى يصيب حبَّةَ قلبِه، كما يقال: فَأَدْته وكَبَدْته ورَأَيْته. ويشهد له قول الأعشى (٢): فأصبتُ حبَّةَ قلبِهـ[ـا] وطِحالَها يريد أنها جعلته يحبها ويهواها، فكأنها استولت على حَبَّة قلبه. ثمَّ أدخلوا على «حبّ» همزةَ التعدية فقالوا: أحبَّ فلانٌ فلانة، أي جعلها تَحِبُّه أي تصيب حبَّة قلبه.

стр. 32

ثمَّ استعملوا حبَّ بمعنى أحبَّ؛ كأنهم أرادوا التفاؤل، ولهذا غلَّبوا استعمال هذه اللغة في اسم المفعول فقالوا للمعشوق: محبوب، مع أن المحبوب بمقتضى الاشتقاق هو العاشق، حتى إنهم لم يستعملوا اسم المفعول من أحبَّ إلا نادرًا. في قول عنترة (١): ولقد نَزَلتِ فلا تَظُنّي غَيرَهُ ... منّي بمنزلة المُحَبِّ المُكرَم وإنما استعمله عنترة هنا لأنه أنسب بغرضه؛ فإن غرضه أن يؤكِّد لها أنه يحبُّها. فلو قال: بمنزلة المحبوب لدلَّ على شدَّة توجِّهه إلى حبِّها له فأوهم أنه إنما يحبُّها لتحبَّه. وهذا منافٍ لغرضه، فإن غرضه أن يؤكد لها أنه يحبُّها على كلِّ حال. وإنما لم يستعملوا حبَّ بمعنى عشق إلا نادرًا لأن العمدة فيه الدلالة على وقوع الفعل من الفاعل، فلم يقْوَ داعي التفاؤل كما قوِيَ في لفظ محبوب؛ لأن العمدة فيه الدلالة على المفعول. ولهذا لم يُسمع «حابٌّ» اسم فاعل لأن كون وقوع الفعل من الفاعل هو العمدة= أقوى فيه من الفعل. فإن قلت: لعله لا يوجد في كلامهم حبَّ بمعناه الأصلي، وهو إصابة حَبَّة القلب، فما وجه ذلك؟ قلتُ: كأنهم استغنَوا عنه بـ «شغف»، فإنه بمعناه أو قريب منه. والله أعلم (٢).

стр. 33

[تعليقات على مواضع من «المثل السائر»] * «المثل السائر» (ص ١٨٩) (١). (عالم وعليم) نقل عن الجمهور أنّ (عليمًا) أبلغ، وزعم أن الذي يظهر له عكس ذلك، ووجّهه بما هو وجه عكسه، قال: «وسبق أنّ (عالمًا) اسم فاعل من «عَلِم» وهو متعدٍّ، وأن (عليمًا) اسم فاعل من «عَلُم» إلا أنه أشبه وزن الفعل القاصر، نحو: شَرُف فهو شريف ... ، فلما أشبهه (عليم) انحط عن رتبة (عالم) الذي هو متعدٍّ ... ، ولربما كان ما ذهبوا إليه لأمر خفي عنِّي ولم أطلع عليه». أقول: بل اطلعتَ عليه، ولكن أسأت فهمَه، فإنه يقال: عَلِم زيد بمجيء الحجام فهو عالم به. ويقال: عَلُمَ زيد، أي صار من المتمكنين في العلم الثابتين فيه بحيث يستحق أن تُشتق له صفة ثابتة منه. ولفظ (عليم) لمَّا أشبه (شريف) ونحوه، صار كأنه مشتق من (عَلُمَ) المجعول لازمًا، وهو أبلغ من المتعدّي، كما مرّ، فتأمّل. * (ص ١٨٣) (٢): «﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ ... ﴾ [مريم: ٢٢ - ٢٣]. وفي هذه الآية دليل على أن حملها به ووضعها [إيَّاه] كانا

стр. 34

متقاربين؛ لأنه عطف الحمل والانتباذ ... والمخاض الذي هو الطلق بالفاء، وهي للفور. ولو كانت كغيرها من النساء لعطف بـ (ثم) التي هي للتراخي والمهلة. ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ١٧ - ٢٠] ... ». أقول: قد ذكر النحاة أن المراد بالفوريّة: الفوريّة بحسب العرف، ومثّلوه بـ «تزوّج زيدٌ فَوُلِدَ له». والصواب عندي ــ والله أعلم ــ أنه في مثل هذا قد يُراعى تارةً الصورة، وتارة العرف. فإذا روعيت الصورة عطف بـ (ثم)، وإلَّا فالفاء. وبهذا يندفع الإشكال الذي أورده في (ص ١٨٤) (١)، وعيَّ بجوابه. وهو في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] مع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ [الحج: ٥] (٢). * * * *

стр. 35

[فائدة في نسبة المطر إلى «النوء»] الظاهر ــ والله أعلم ــ أنّ اسم «النوء» من النوء الذي هو النهوض، وذلك أنّ المنزلة الساقطة في الفجر هي نفسها الناهضة بعد العصر في ذلك اليوم، وبعد العصر هو وقت نزول المطر غالبًا في بلاد العرب. فلمّا رأوا أنّ نزول المطر غالبًا يكون عند طلوع هذه الكواكب سمَّوها «أنواء». وإنّما اعتبروا سقوط الفجر لأنّ الساقط بالفجر يُرى بالنظر حين سقوطه، ولا يُرى في ذلك اليوم عند طلوعه؛ لأنّه يطلع نهارًا كما تقدّم. نَعم، إنّه يُرى بعد المغرب، ولكن في مكان لا ينضبط وهو أثناء السماء، والانضباط إنّما يكون بالطلوع والغروب. وبما تقدم يُجاب عمّا قد يُسأل عنه، من كونهم لماذا لم ينسبوا المطر إلى طالع الفجر الذي هو رقيب الغارب، وهو رقيبه دائمًا، مع أنّ تسبُّب الطالع في المطر أقرب إلى الوهم من تسبب الغارب؟ ونحن قدّمنا ــ بحمد الله تعالى ــ أنّهم لاحظوا هذا، أعني أنّ تسبّب الطالع أقرب، ولكنّهم لاحظوا أنّه ينبغي ذلك في الذي يكون طالعًا في الساعة التي يغلب نزول المطر فيها، وهي بعد العصر في بلادهم. والله أعلم (١). * * * *

стр. 36

[بحث في معنى «أرأيتك»] قولهم: «أرأيتك» أنها بمعنى أخبرني، فيه نظر. والظاهر أنها على أصلها، بمعنى: أعرفت كذا وكذا؟ والمقصود بها حمل المخاطَب على استحضار ذلك الشيء. وقد تستعمل في هذا المعنى مع الكاف وبدونه. فمن الأول: قوله تعالى ــ حكاية عن إبليس ــ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢]. أراد ــ والله أعلم ــ: أعرفته؟ وهو يعلم أن الله يعرفه، وإنّما أراد بذلك شِبه ما تريده من صاحب زيد (١) إذا قلت له: «أرأيتك زيدًا؟ لأقتلنَّه!»؛ تريد من استفهامه التوسل إلى إحضاره في ذهنه أوّلاً حتى تحكم عليه. ومنه قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠]. المعنى ــ والله أعلم ــ: أعرفتم فرض مجيء عذاب الله أو الساعة؟ أراد: أحضروا هذا الفرض في أذهانكم. ثم قال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ أي: حينئذ. ففي الآية حذف وتقدير لا يخفى. ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨]، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ﴾ [الواقعة: ٦٨]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ﴾ [الواقعة: ٧١]. كأنّه قال: أحضروا هذا الشيء في أذهانكم، كما تقدم.

стр. 37

ومنه قوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦]، ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ [يونس: ٥٠]. والتقدير فيها كالتقدير في قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٧]. وبعد هذا رأيت الراغب في «المفردات» (١) قال في هذا التركيب: «كل ذلك فيه معنى التنبيه». وهذا إجمال لما فصلناه. والحمد لله. وانظر ما قال البيانيون في باب المسند إليه، في نِكات المجيء به اسمَ إشارة، ومثّلوه بقول ابن الرومي: هذا أبو الصقر ... البيت (٢). * * * * [بحث في الحرف الزائد] الحمد لله. تعريف بعضهم الزائدَ بأنّه ما كان دخوله وخروجه سواء، غير صحيح؛ لما تقرّر أنّ الزائد ــ ولاسيّما في القرآن ــ لا بدّ له من فائدة. وإطلاق بعضهم في الفائدة: أنها التوكيد، لا يصحّ أيضًا؛ لأنّ التوكيد على قسمين: الأوّل: ما كان موضوعًا للتوكيد من أصل الوضع، كاللام الداخلة في جواب (إنّ) و (لو) وغيرهما. فهذا أصليٌّ، وإن صحّ المعنى مع خروجه ولم يفد إلا التوكيد. ولم يقل أحد بزيادتها؛ لأنها دخلت لتُفيد معناها الذي

стр. 38

وضعت له. الثاني: ما لم يوضع للتوكيد، وإنّما وضع لمعنى آخر، وجاء زائدًا في كلام موافق لمعناه الموضوع له، مثل زيادة (إنْ) النافية بعد (ما) النافية، وزيادة (لا) النافية في معطوف على منفي، فإن الدليل يدلّ على زيادتها، أي أنها لم تدخل لتفيد معناها الأصلي وهو النفي المستقل، ولكن بين معناها الأصلي والمعنى الذي دخلت فيه مناسبة ــ وهو النفي ــ، فكان معقولاً أنها أكدت النفي. فهذا يصح أن يقال فيه: إنّه مزيد للتوكيد. ولكن ليس كل الزوائد هكذا، بل قد يجيء الزائد في كلام منافٍ لمعناه الأصلي، مثل قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ [الحديد: ٢٩]. فقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ المعنى على الإثبات، و (لا) نافية، فكيف يقال: إنها للتوكيد؟ ! وعليه، فلا بدّ من البحث عن فائدة أخرى غير التوكيد، فيقال في هذه الآية: لعلها زيدت إشارة إلى أنهم ليسوا أهلاً لأن يعلموا، أو إلى أنهم سيعاندون ولا يسلِّمون، فيكونون بمنزلة من لم يعلم، أو نحو ذلك. فإن قلت: فما الفرق حينئذ بين الزائد وبين الحروف الموضوعة لمعاني تكميلية، كـ (لام) التوكيد ونُونَيه؟ فإن كلًّا من القسمين يصح أصل المعنى بدونه، ولا يتمّ المعنى بدونه. قلت: الفرق أنّ تلك وضعت للتوكيد من أصلها، فإذا دخلت لتفيدَه، فكيف يقال: إنّها زائدة؟ ! وأمّا نحو (إنْ) و (لا) النافيتين، فإنّما وُضعتا للنفي المستقل، فإذا جاءتا

стр. 39

لغيره تعيّن القول بزيادتها. فإن قلت: فلماذا لا يقال: إنهما موضوعتان لكل من الأمرين؟ أي للنفي المستقل، أو لتوكيد النفي، أو للإشارة إليه، أو نحو ذلك؛ إمّا على الاشتراك، وإمّا على المواطأة، وإمّا على التشكيك. فإن كان لا بدّ من القول بكونها موضوعة للنفي الأصلي فقط، فغاية ما فيها أنها استُعملت في غير ما وضعت له لعلاقة، فهي مجاز، والمجاز لا يقال بزيادته. قلت: أمّا كونها موضوعة للأمرين، فيردّه أنّ الأصل عدم الاشتراك، وأنّ المتبادر منها إنّما هو ذلك المعنى مستقلّاً. وأمّا كونها مجازًا، فهو ظاهر لا يُدفع، ولا أرى مَخْلَصًا إلا أن يقال: إنّ كونها مجازًا على ذلك الوجه لا ينافي القول بزيادتها على المعنى الذي قال المحققون، ولا يلزم من القول بزيادتها القول بزيادة كل مجاز، كما لا يخفى، والله أعلم (١). * * * *

стр. 40

[تعليق الشيخ على مواضع من «المُزْهِر»] المزهر (ج ٢/ص ٢٥١) (١): «وقال ابن دريد في أواخر «الجمهرة» (٢): «باب ما أجروه على الغلط فجاءوا به في أشعارهم»: قال الشاعر: وكلُّ صَمُوتٍ نثلةٍ تُبَّعيَّةٍ ... ونسجُ سُلَيمٍ كلَّ قضاء ذائل أراد: سليمان. وذائل: أي ذات ذيل. وقال آخر: من نسج داود أبي سلَّام يريد سليمان. وقال آخر: جدلاء محكمة من نسج سلَّام يريد سليمان». اهـ. قال: «وقال آخر: وسائلة بثعلبة بن سير يريد ثعلبة بن سيّار. وقال آخر: والشيخ عثمان أبو عفانا يريد عثمان بن عفَّان.
следующие страницы →