[بحث في معنى «أرأيتك»]
قولهم: «أرأيتك» أنها بمعنى أخبرني، فيه نظر. والظاهر أنها على أصلها، بمعنى: أعرفت كذا وكذا؟ والمقصود بها حمل المخاطَب على استحضار ذلك الشيء.
وقد تستعمل في هذا المعنى مع الكاف وبدونه.
فمن الأول: قوله تعالى ــ حكاية عن إبليس ــ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢].
أراد ــ والله أعلم ــ: أعرفته؟ وهو يعلم أن الله يعرفه، وإنّما أراد بذلك شِبه ما تريده من صاحب زيد (١) إذا قلت له: «أرأيتك زيدًا؟ لأقتلنَّه!»؛ تريد من استفهامه التوسل إلى إحضاره في ذهنه أوّلاً حتى تحكم عليه.
ومنه قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠]. المعنى ــ والله أعلم ــ: أعرفتم فرض مجيء عذاب الله أو الساعة؟ أراد: أحضروا هذا الفرض في أذهانكم. ثم قال: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ أي: حينئذ. ففي الآية حذف وتقدير لا يخفى.
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨]، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ﴾ [الواقعة: ٦٨]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ﴾ [الواقعة: ٧١]. كأنّه قال: أحضروا هذا الشيء في أذهانكم، كما تقدم.
стр. 37
ومنه قوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦]، ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ [يونس: ٥٠]. والتقدير فيها كالتقدير في قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٧].
وبعد هذا رأيت الراغب في «المفردات» (١) قال في هذا التركيب: «كل ذلك فيه معنى التنبيه». وهذا إجمال لما فصلناه. والحمد لله.
وانظر ما قال البيانيون في باب المسند إليه، في نِكات المجيء به اسمَ إشارة، ومثّلوه بقول ابن الرومي: هذا أبو الصقر ... البيت (٢).
* * * *
[بحث في الحرف الزائد]
الحمد لله.
تعريف بعضهم الزائدَ بأنّه ما كان دخوله وخروجه سواء، غير صحيح؛ لما تقرّر أنّ الزائد ــ ولاسيّما في القرآن ــ لا بدّ له من فائدة. وإطلاق بعضهم في الفائدة: أنها التوكيد، لا يصحّ أيضًا؛ لأنّ التوكيد على قسمين:
الأوّل: ما كان موضوعًا للتوكيد من أصل الوضع، كاللام الداخلة في جواب (إنّ) و (لو) وغيرهما. فهذا أصليٌّ، وإن صحّ المعنى مع خروجه ولم يفد إلا التوكيد. ولم يقل أحد بزيادتها؛ لأنها دخلت لتُفيد معناها الذي
стр. 38
وضعت له.
الثاني: ما لم يوضع للتوكيد، وإنّما وضع لمعنى آخر، وجاء زائدًا في كلام موافق لمعناه الموضوع له، مثل زيادة (إنْ) النافية بعد (ما) النافية، وزيادة (لا) النافية في معطوف على منفي، فإن الدليل يدلّ على زيادتها، أي أنها لم تدخل لتفيد معناها الأصلي وهو النفي المستقل، ولكن بين معناها الأصلي والمعنى الذي دخلت فيه مناسبة ــ وهو النفي ــ، فكان معقولاً أنها أكدت النفي. فهذا يصح أن يقال فيه: إنّه مزيد للتوكيد. ولكن ليس كل الزوائد هكذا، بل قد يجيء الزائد في كلام منافٍ لمعناه الأصلي، مثل قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ [الحديد: ٢٩]. فقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ المعنى على الإثبات، و (لا) نافية، فكيف يقال: إنها للتوكيد؟ !
وعليه، فلا بدّ من البحث عن فائدة أخرى غير التوكيد، فيقال في هذه الآية: لعلها زيدت إشارة إلى أنهم ليسوا أهلاً لأن يعلموا، أو إلى أنهم سيعاندون ولا يسلِّمون، فيكونون بمنزلة من لم يعلم، أو نحو ذلك.
فإن قلت: فما الفرق حينئذ بين الزائد وبين الحروف الموضوعة لمعاني تكميلية، كـ (لام) التوكيد ونُونَيه؟ فإن كلًّا من القسمين يصح أصل المعنى بدونه، ولا يتمّ المعنى بدونه.
قلت: الفرق أنّ تلك وضعت للتوكيد من أصلها، فإذا دخلت لتفيدَه، فكيف يقال: إنّها زائدة؟ !
وأمّا نحو (إنْ) و (لا) النافيتين، فإنّما وُضعتا للنفي المستقل، فإذا جاءتا
стр. 39
لغيره تعيّن القول بزيادتها.
فإن قلت: فلماذا لا يقال: إنهما موضوعتان لكل من الأمرين؟ أي للنفي المستقل، أو لتوكيد النفي، أو للإشارة إليه، أو نحو ذلك؛ إمّا على الاشتراك، وإمّا على المواطأة، وإمّا على التشكيك.
فإن كان لا بدّ من القول بكونها موضوعة للنفي الأصلي فقط، فغاية ما فيها أنها استُعملت في غير ما وضعت له لعلاقة، فهي مجاز، والمجاز لا يقال بزيادته.
قلت: أمّا كونها موضوعة للأمرين، فيردّه أنّ الأصل عدم الاشتراك، وأنّ المتبادر منها إنّما هو ذلك المعنى مستقلّاً.
وأمّا كونها مجازًا، فهو ظاهر لا يُدفع، ولا أرى مَخْلَصًا إلا أن يقال: إنّ كونها مجازًا على ذلك الوجه لا ينافي القول بزيادتها على المعنى الذي قال المحققون، ولا يلزم من القول بزيادتها القول بزيادة كل مجاز، كما لا يخفى، والله أعلم (١).
* * * *
стр. 40
[تعليق الشيخ على مواضع من «المُزْهِر»]
المزهر (ج ٢/ص ٢٥١) (١):
«وقال ابن دريد في أواخر «الجمهرة» (٢): «باب ما أجروه على الغلط فجاءوا به في أشعارهم»:
قال الشاعر:
وكلُّ صَمُوتٍ نثلةٍ تُبَّعيَّةٍ ... ونسجُ سُلَيمٍ كلَّ قضاء ذائل
أراد: سليمان. وذائل: أي ذات ذيل.
وقال آخر:
من نسج داود أبي سلَّام
يريد سليمان. وقال آخر:
جدلاء محكمة من نسج سلَّام
يريد سليمان». اهـ.
قال: «وقال آخر:
وسائلة بثعلبة بن سير
يريد ثعلبة بن سيّار. وقال آخر:
والشيخ عثمان أبو عفانا
يريد عثمان بن عفَّان.
стр. 41
وقال آخر:
فإن تنسنا الأيام والعصر تعلمي ... بني قارب أنا غضاب لمعبد
أراد عبد الله لتصريحه به في بيت آخر من القصيدة.
وقال آخر:
هوى بين أطراف الأسنة هَوْبَر
يريد ابن هوبَر. وقال آخر:
صبحن من كاظمة الحصن (١) الخرب ... يحمِلْن عباس بن عبد المطلب
يريد: عبد الله بن عباس ... ».
(ص ٢٥٢):
«وقال آخر:
فهل لكمو فيها إليَّ فإنني ... طبيب بما أعيا النِّطَاسيَّ حِذْيَمَا
يريد ابن حِذْيم».
أقول: وقال آخر:
من نسج داود أبي سلْم
فهذه ثلاثة تصرفات في اسم واحد، على أن مَن قال: نسج سلم، ونسج سلّام، فيه شيء آخر، وهو أن المعروف في الدروع نسج داود، فإثبات هذين
стр. 42
النسجَ لسليمان لعلَّه على توهّم أن سليمان كان يصنعها أيضًا؛ لأن الابن يتبع أباه في الصنعة غالبًا.
* * * *
«المزهر» ([٢] /١٨٩) (١) عن «الخصائص» (٢):
وأنشد رجل من أهل المدينة أبا عمرو بن العلاء قول ابن قيس:
إن الحوادث بالمدينة قد ... أوجعنني وقَرَعْنَ مروتيَه
فانتهره أبو عمرو وقال: ما لنا ولهذا الشعر الرخو؟ إن هذه الهاء لم تدخل في شيء من الكلام إلا أَرْخَتْه. فقال له المديني: قاتلك الله! ما أجهلك بكلام العرب! قال الله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨ - ٢٩].
وقال: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٢٦].
فانكسر أبو عمرو انكسارًا شديدًا». هـ.
أقول: في ذوقي الفرق بين ما إذا كان قبلَ قبلِ الياء ألِفٌ، وما لم يكن.
ففي الأول تكون الكلمة جيدةً لا رخاوة فيها، وهو الذي في القرآن، وفي الشعر المستجاد بخلاف غيره كما في البيت، وفي الأبيات التي أولها:
* يا جواري الحيّ عُدنَنِيَه *
стр. 43
فإنه يحسّ لها رخاوة ولين ظاهر، كما قال أبو عمرو. والله أعلم.
* * * *
([٢] /١٦٨) (١) [نقلًا عن] «الجمهرة»:
«زعم قوم من أهل اللغة أن اللات التي كانت تُعبد في الجاهلية صخرةٌ كان عندها رجل يَلُتُّ السَّوِيق للحاج، فلما مات عُبدت، ولا أدري ما صحة ذلك؛ ولو كان كذلك، لقالوا: «اللاتّ يا هذا» (٢)، وقد قُرئ: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] بالتخفيف والتشديد. والله أعلم، ولم يجئ في الشعر إلا بالتخفيف. قال زيد بن عمرو بن نُفيل:
تركتُ اللات والعزى جميعًا ... كذلك يفعل الجلد الصَّبُور
وقد سَمَّوا في الجاهلية: زيد اللات، بالتخفيف لا غير. فإن حملت هذه الكلمة على الاشتقاق لم أحبَّ أن أتكلم فيها». انتهى.
أقول: أما قوله: «ولم يجئ في الشعر إلا بالتخفيف» فلا حجَّة فيه؛ لأن في المشدَّد اجتماعَ ساكنين، ولا يجيء ذلك في الشعر.
نعم، يمكن في المتقارب، ولكن بشرط أن يكون قبلهما متحركان كما تقدّم (٣) في قوله:
стр. 44
فقالوا القصاص، وكان التَّقا ... صُّ فرضًا وحقًّا على المسلمينا
ولا يجيء هذا في اللات لأن قبل الساكنين متحركًا واحدًا. فإن قيل: يمكن أن يجيء إذا نزعت «ال» فبقي «لات»، وكان قبلها كلمة محرّكة الآخر. قلتُ: يَقِلُّ (١) مجيء اللات بنزع الألف واللام كقوله (٢):
فإني وتركي حبَّ [كأسٍ لـ]ـكالذي ... تبرأ من لات وكان يدنِّيها
وكذلك نُقِل في الشعر حذف الساكن الأول، كقوله (٣):
نعم، على اجتماع الساكنين في غير المتقارب، ولكن في الضرب بحيث إذا كان ثانيهما مُدغمًا، كما في «اللات»، لم يظهر التشديد، بل يُحذف الحرف الأخير فتصير الكلمة مخفَّفة، فلا يتبيَّن التشديد (٤).
* * * *
стр. 45
[تعليقات على مواضع من «أمالي القالي»]
* ([ج ٢] ص ١٣٠ - ١٣١)، في قصيدة المُهلهِل: «أليلتَنا بذي حُسُمٍ أنيري»:
كواكبُها زواحفُ لاغباتٌ ... كأنَّ سماءها بيدي مدير
قال في تفسيره: « ... يريد أن سماءها أثقل من أن يُديرها مدير، فهو إذا تكلَّف إدارتها لم يقدر عليها».
أقول: هذا كما ترى! والعجبُ من البكريّ إذ لم يتنبّه له في «تنبيهه»!
والأقربُ أنه أراد: كأن السماء بيدي مديرٍ يديرها إلى جهة الشرق، فكلما قطعت الكواكب جزءًا من السماء إلى جهة الغرب أظهر المدير مقابله من السماء بإدارته. وإذا كان الحال هكذا لم تغب الكواكب أبدًا. وهو مقصوده. والله أعلم.
* * * *
* ([ج ٢] ص ١٥٤):
«كان المُجشَّر في الشرف من العطاء، وكان دميمًا [فقال له عبيد الله ذات يوم: كم عيالك؟ فقال: ثمانُ بنات، فقال: وأين هنَّ منك؟ فقال: أنا أحسن منهنَّ] وهنَّ أكمل مني ... ».
صوابه: وهن آكل منّي. وقد ذكر غيرُه القصة بما يوضِّح صحة هذه الكلمة، وهو أن الرجل كان دميمًا كثير الأكل (١).
стр. 46
* ([ج ٢] ص ١٥٧) في كلمةٍ لعامر بن الظَّرِب: «إن الخير أَلوفٌ عروف».
صوابه: «عزوف» (١).
* * * *
* ([٢] ص ١٨٠) قال: «وأنشدنا أيضًا أبو العباس:
وجاءت للقتال بنو هُلَيكٍ ... فسِحِّي يا سماءُ بغير قَطْر
قال أبو العباس: هؤلاء قوم استعظم الشاعر مجيئهم للقتال، وصَغُر شأنهم عنده، فقال: فسحّي يا سماء بغير قطر. يعني بدمٍ لا بقطر» اهـ.
يقول كاتبه: أو يكون ضَرَبَهُ مثلًا، يريد أن السماء لا يمكن أن تسحَّ بغير قطر، فكذلك هؤلاء القوم لا نَجْدة لهم، فبماذا يقاتلون؟ ! (٢).
* * * *
* [«ذيل الأمالي والنوادر»] (ص ٦٨):
حكاية عن بعض الفصحاء أنه قال: «وهل لي به طُوقة». يريد: طاقة.
стр. 47
قال المحشّي: «في هامش الأصل أنه بضمِّ الطاء وسكون الواو، ولم نجده فيما بيدنا من كتب اللغة».
يقول كاتبه: أحسبه من التفخيم، ولا تكون الواو محقَّقة، بل مهوَّاة. كما يقول بعضهم في «لَوْح»: لُوح. بضمّ اللام وتهوية الواو.
* [«ذيل الأمالي والنوادر»] (ص ٢٠٠):
«حدثنا أبو بكر بن دريد عن أبي حاتم قال: لما قتل عبدُ الله بن علي بني أميَّة بنهر أبي فُطرُس بعث إليَّ ... » (١).
يقول كاتبه: سقط هنا آخر السند بين أبي حاتم وصاحب القصة؛ فإن قصة نهر أبي فطرس كانت سنة ١٣٢، كما في «تاريخ الطبري» (٢). وأبو حاتم وُلِد بعد ذلك بنحو ثلاثين سنة، لأن وفاته ــ كما في «بغية الوعاة» (٣) ــ كانت سنة مائتين وخمسين، أو وخمس وخمسين، أو وأربع وخمسين، أو وثمانية وأربعين (٤).
* * * *
стр. 48
[تعليق على «التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه» للبكري]
* ص ٨٥:
الكلامُ على بيت الفرزدق:
يُفلِّقْنَ هامًا لم تنله سيوفُنا ... بأسيافنا هام الملوك القَماقم (١)
أنكر البكري على القالي قوله: «إن الهام مؤنثة، لم يؤثر عن العرب فيها تذكير».
واحتج البكري بأن القالي نفسه يروي للنابغة (٢):
بضربٍ يُزيل الهام عن سَكناته ... وطعنٍ كإيزاغ المخاضِ الضوارب
ويروي لعنترة (٣):
والهامُ يَنْدُر في الصعيد كأنما ... تلقى السيوفُ به رُؤوس الحنظل
ويروي لطُفيل (٤):
بضربٍ يزيل الهام عن سكناته ... ويَنقَع من هام الرجال بمَشْرَب
أقول: أما البيت الأول فقد يقال: إن الهام فيه عبارة عن جمع هامة، وهي الطائر الذي كانت العرب تزعم أنه يخرج من رأس المقتول.
стр. 49
وكلامُ القالي في الهام التي هي الرؤوس نفسها.
وكذا الهام الأول في بيت طفيل، وهو محل الحجة.
وأما بيت عنترة، ففي الحاشية عن الديوان أن البيت: والهامُ تندر ... بها ...
* * * *
* ص ٨٦: أنكر البكري على القالي روايته:
ليست إذا سَمِنَت بجابِئةٍ ... عنها العيونُ كريهةَ المسِّ (١)
وزعم أن الرواية: «ليست إذا رُمِقَتْ ... »
قال: «وكيف تَجبَأ العيون عن الناعمة السمينة؟ ! »
وفي الحاشية نقلاً عن هامش الأصل كلام يردّ به على البكري.
نعم، عبارة البكري ظاهرها خطأ، ولكن روايته هي الصواب.
وكأنه لحظ هذا فقال:
«وبعد البيت:
وكأنما كُسِيَتْ قلائِدُها ... وحشيَّة نظرتْ إلى الإنس»
ووجهُ الخطأ في رواية القالي (٢): أن مفهوم قوله:
стр. 50
«ليست إذا سمنت بجابئةٍ .... » أنها إذا لم تسمن تجبأ عنها العين، فكأنها لا تُسْتَحسن إلا للسِّمَن فقط. وهذا عيب لا يناسب البيت بعده؛ فإن المناسب أن يجعلها مستحسنة على كل حال، سمِنَتْ أم لم تسمن.
* * * *
* «تنبيه» (ص ١١٢):
نبَّه على وهم أبي عليّ في إدخاله في أبيات عروة بن الورد بيتًا لخصمه قيس بن زهير.
وقد وقع البكري في هذا السياق في مثل هذا الوهم، فنسب إلى قيس قوله:
«أتهزأ مِنِّي أن سمنتَ وقد ترى ... بجسمي مسَّ الحق والحقُّ جاهد»
وقد نبّه في الحاشية أن صاحبي الحماسة، والأغاني، نسبا البيت لعروة. وهو الذي يُعيِّنه المعنى؛ فإن معناه: أتهزأُ منّي أن سمنتَ. أي لأنك سمنتَ، وقد ترى بجسمي مسَّ الحق، أي النَّحافة وعدم السِّمَن؛ لأن الحق يحملني على الجود بمالي، فلا يبقى لي مالٌ، فيقلُّ لذلك طعامي، فيضعف (١) جسمي فينحف.
يريد: أتهزأُ مني لأنك سمينٌ وأني غير سمين؟ !
وقد قدَّم البكري أن قيسًا كان أكولًا مِبطانًا، فكان عروة يعرض له بذلك في أشعاره.
стр. 51
وقد ضُبط في المطبوع قوله: «سمنتُ» بضم التاء، وهو قضية نسبة البيت إلى قيس، مع كونه هو المعيب بالسِّمَن. ولكن آخر البيت ينقض ذلك؛ فأوّله اعتراف بالسِّمَن وآخره نفيٌ له.
فإن قيل: يحتمل أن لا يكون أول البيت اعترافًا، وإنما معناه: إنك تهزأ مني زاعمًا أني سمين.
قلتُ: هذا معنىً لا تحتمله العبارة.
وأيضًا: فمقابلة البيت بأبيات عروة يشهد بأنه له لاتحاد المعنى (١).
* * * *
[تعليق على «الطارقية» لابن خالويه]
آخر صفحة (١٠) من إعراب القرآن (٢).
قوله: «أُمَّهَتِي خِنْدِف والْياسُ أبي».
هذا البيت منسوب إلى قصي بن كلاب الجدِّ الرابع للنبي ﵌، وقبله:
إنِّي لدى الحرب رَخِيُّ اللَّبب ... عند تناديهم بهَالٍ وهَب
وقافية هذا الرَّجز بائية؛ بالباء الموحَّدة. وأما قوله: «حيدةُ ... » إلخ البيتين، فالقافية يائيَّة؛ بالياء المثنَّاة من تحت.
стр. 52
فهو من رجز آخر، ويشهد لذلك أن قُصيًّا قبل حاتم الطائي بأكثر من مائة سنة.
ثم رأيت البغدادي في «الخزانة» (ج ٣/ ص ٣٠٤) (١) ذكر قوله:
* وحاتم الطائي وهَّاب المئي *
وقال: «هذا البيت من رجز أورده أبو زيد في «نوادره» في موضعين: الموضع الأول قال: هو لامرأة من بني عامر. والموضع الثاني قال: هو لامرأة من بني عقيل تفخر بأخوالها من اليمن وهو:
حيدة خالي ولقيطٌ وعلي ... وحاتم الطائي وهاب المئي
ولم يكن كخالك العبد الدعي ... يأكل أزمان الهزال والسني
هنات عيرٍ ميت غير ذكي».
ثم قال (ص ٣٠٦) (٢): «تتمَّة: زعم العيني أن البيت الشاهد من هذا الرجز: إن لدى الحرب رخيُّ اللبب ... وهذا لا أصل له ... » فذكر نحو ما ذكرناه.
وفي روايته: «وعلي» بدل: «وعديّ». وفيه: «حيدة» كما وقع هنا، وهو الصواب؛ فإن الوزن يستقيم به ولا يستقيم بـ «حيدرة» (٣).
* * * *
стр. 53
[بحث في أدوات الاستفهام]
الحمد لله.
إذا تردَّد الإنسانُ في شيء من الأشياء وطلب من غيره التعيين ببعض أدوات الاستفهام، فهذا الطلب هو الاستفهام.
فإن كان التردّد بين وقوعٍ وعدمه، فهذا موضع (هل)، تقول: هل جاء زيدٌ؟ إذا كنت متردّدًا بين وقوع المجيء وعدمه.
وإن كان بين شيئين أو أكثر لا تدري أيُّهما المتعيّن، فهذا موضع بقية الأدوات غير الهمزة.
مثال ذلك: أن تكون عالمًا بوقوع مُسنَدٍ معيَّنٍ كالمجيء مثلاً، ولكن تردَّدتَ في تعيين المسند إليه بين زيد وعمرو، أو بين زيدٍ وعمرو وخالد، فتقول مثلاً: مَنْ قام من هذين الرجلَين زيدٍ وعمرو؟ أو مِن هؤلاء الثلاثة زيدٍ وعمرو وخالد؟
أو تكون عالمًا بمسندٍ إليه معين كزيدٍ مثلاً، ولكن تردَّدْتَ في عين المسند إليه، أهو القتال أم الفرار أم الاستسلام ــ مثلاً ــ فتقول: ما فعلَ زيدٌ من هذه الثلاثة الأمور؟
و (متى) للأزمنة و (أين وأيَّان) للأمكنة، و (كيف) للهيئات، و (كم) للمقادير، و (أيّ) تجيء لذلك كلّه بحسب ما تضاف إليه.
فأمّا الهمزة فقد تجيء كـ (هل)، فتقول: أجاء زيدٌ؟
وتجيء كبقية الأدوات، فتقول: أزيدٌ جاء أم عمروٌ أم خالدٌ؟، وتقول: أقاتلَ زيدٌ أم فَرَّ أم استسلم؟
стр. 54
وإذا وقعت (أم) بعد الهمزة، فإن كانت الهمزة هي التي كـ (هل) فـ (أم) منقطعة، أي أنها داخلةٌ على استفهام آخر تقديرًا.
وإن كانت الهمزة هي التي كبقية الأدوات فتُسمَّى (أم) متصلةً أي لأنها مع ما قبلها استفهامٌ واحد. والله أعلم.
* الاستفهام ضربان:
الأول: ما يطلب به تعيين وقوعِ أو عدمِ وقوعِ حكمٍ معيَّن، فيُجاب بنَعَم أو لا.
الثاني: ما يُطلب به تعيين الحكم الواقع من حكمين فأكثر، أو تعيين الواقع عليه الحكمُ من اثنين أو أكثر، أو تعيين مقداره، أو تعيين ما يتعلق بالحكم من زمانٍ أو مكان أو هيئة.
فالضرب الأول يستعمل فيه من الأدوات (هل) والهمزة.
والثاني يُستعمل فيه الهمزة وبقية الأدوات بحسب مناسباتها، فـ (مَنْ) لذوات العقلاء، و (ما) لذوات غيرهم وللمعاني، وربما تجيء إحداهما في موضع الأخرى.
و(متى) للزمان، و (أين) و (أيّان) للمكان. و (كيف) للهيئة.
وتُستعمل (أيّ) في هذه كلِّها بشرط إضافتها لما يناسب، كقولك: أي رجلٍ، وأي دابةٍ، وأي فعلٍ، وأي زمانٍ، وأي مكانٍ، وأي هيئة (١).
стр. 55
[تعليق على موضع من «عروس الأفراح»]
في «عروس الأفراح» (ص ٣٦) من مجموعة شروح التلخيص: « ... كقول تلك المرأة بالحديبية:
أيها المائح (١) دلْوي دونكا ... إنِّي رأيت الناس يحمدونكا
وهذا البيت ذكره ابن إسحاق في «السيرة» (٢)، وظاهر كلامه أنه من شعر هذه المرأة. لكن قال ابن الشجري في «أماليه» (٣) أنه لرؤبة، وأنه في مالٍ لا في ماءٍ. فذِكْر الدلْو حينئذ استعارة، وعلى هذا فيُحمل كلام ابن إسحاق على أن المرأة في الحديبية أنشدتْه من كلام غيرها». اهـ.
قلتُ: هذا كلام من يجوِّز أنَّ رؤبة كان شاعرًا قبل وقعة الحديبية، فيكون له صحبة أو إدراك، ولم يذكر أحدٌ ذلك. وأرَّخوا وفاته سنة ١٤٥. وإنما ذكروا أباه في المخضرمين.
فإن قيل: يحتمل أن يكون رؤبة آخر.
قلتُ: إذا أُطلق رؤبة ــ ولاسيَّما في الرجز ــ لم يُعنَ به إلا رؤبة بن العجَّاج المشهور.
стр. 56
وبالجملة، فلا شكَّ أن البهاء غفل، رحمنا الله وإياه (١).
* * * *
[بحث في منع «أبي هريرة» ونحوه من الصرف]
الحمد لله.
فائدة
قالوا: إنّ «هريرة» و «بكرة» و «حمزة» مِنْ «أبي هريرة» و «أبي بكرة» و «أبي حمزة» ــ كنية لأنس بن مالك (٢) ــ تُمنعُ عن الصرف للتأنيث في المضاف إليه، والعَلَميَّة في مجموع المضاف والمضاف إليه.
وحاصله: أنه يكفي للمنع من الصرف علَّةٌ وجزءُ علَّة.
فيقع السؤال عن «أم هانئ» و «أم محمد» ونحوهما. فيقال: هاهنا في المضاف إليه علة تامة وهي العَلَمية، وجزء علة وهي التأنيث، فهل يُمْنع؟ بل هو أولى؛ لأن العلة التامة التي في المضاف إليه، كهانئ ومحمد ــ وهي
стр. 57
العلمية ــ تأكدت هنا بكونها موجودة في مجموع المضاف والمضاف إليه؛ فهانئ ومحمد عَلَمان، وأم هانئ وأم محمد عَلَمان، بخلاف أبي هريرة ونحوه؛ فإن التأنيث الذي في «هريرة» ليس موجودًا في «أبي هريرة».
وانظر قول الشاعر (١):
* ألا يا أمَّ فارعَ لا تلومي *
فأمّا صرفُ مثل هذا فكثير في الشعر القديم، كقوله (٢):
* يُبْلِغْنَ أمَّ قاسمٍ وقاسما *
وقول امرئ القيس:
أجدك ..... ولا أمّ هاشمٍ (٣) ... قريبٌ ولا البسباسة ابنةُ يشكرا
وقول الآخر: .... (٤)
стр. 58
والجاري على الألسنة في «أم هانئ» ونحوها: الصرف.
ويمكن أن يقال: لم يُمنع في «أبي هريرة» ونحوه إلا بعلَّتين تامَّتين فيه، مع قطع النظر عن مجموع الكنية. كأنه قُدِّر أن «هريرة» بنتٌ له، فيكون فيه العَلَمية التامة والتأنيث. ونحو هذا قُل في غيره.
وأمّا «أم هانئ» فلا يأتي فيها هذا التقدير.
وكذا ما قاله الخبيصي في «معدي كرب» و «بعلبك»: إن من اختار الإضافة وقدَّر «كرب» و «بك» اسمين للكُرْبة والبقعة مَنَع. يحتمل أن يكون مرادُه بتقدير «كرب» اسمًا للكربة: أي عَلَم جنسٍ لها، كـ «برة» للمبرَّة. وبتقدير «بك» اسمًا للبقعة: أي علمًا لها.
فعلى هذا يكون في «كرب» و «بك» عند الإضافة وتقديرهما اسمين للكربة والبقعة = علتان تامَّتان هما: التأنيث والعلمية، بدون النظر إلى مجموع المركَّب. والله أعلم (١).
стр. 59
فوائد متفرقة
стр. 60
فروق ملخصة من "كتاب الروح" (١) لابن القيم
١ - خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم والإجلال مع شهود نِعَم الله ومساوي النفس.
أما خشوع النفاق فيبدو على الجوارح تكلُّفًا، والقلب غير خاشع.
٢ - شَرَف النفس: صيانتها عن الرذائل والمطامع.
التِّيه: نتيجة إعجابه بنفسه وازدرائه بغيره.
٣ - الحميَّة: فطام النفس عن رضاع اللؤم.
الجفاء: غلظة في النفس، وقساوة في القلب، وكثافة في الطبع.
٤ - التواضع: انكسار القلب لله، وخفض جناح الذلِّ والرحمةِ لعباده.
المهانة: الدناءة والخسّة وابتذال النفس في نيل حظوظها.
٥ - القوة في أمر الله: تعظيمه وتعظيم أوامره وحقوقِه حتى يقيمها لله.
العلو في الأرض: تعظيم النفس وطلب تفرُّدها بالرياسة.
٦ - الجود: وضع العطاء مواضعه.
السَرَف: وضعه حيثما اتفق.
٧ - المهابة: أثر من آثار امتلاء القلب بعظمة الله.
الكِبْر: أثر من آثار العُجْب والبغي.
стр. 61
٨ - الصيانة: اجتناب المعاصي ومظانِّها خوفًا من الله.
التكبّر والعلو: اجتناب ما يُعَدُّ نقصًا في العرف ليتمّ له الرياسة والفخر.
٩ - الشجاعة: ثبات القلب الناشئُ عن الصبر وحسن الظن.
الجراءة: قلة المبالاة وعدم النظر في العاقبة.
١٠ - الحزم: جمع الهمّ والإرادة والعقل، والاستعداد التام، ومعرفة خير الخيرَين وشر الشرَّين.
الجبن: فَشَل الهمِّ والإرادة والعقل.
١١ - الاقتصاد: خُلُق ناشئ من العدل والحكمة.
الشحّ: خلق متولِّد من سوء الظن وضعف النفس.
١٢ - الاحتراز: الاستعداد لكلّ ما يمكن أن يقع.
سوء الظن: اتِّهام الناس الذي يؤدي إلى الإضرار بهم بغيبةٍ وغيرها.
١٣ - الفراسة: لا تكون إلا مع نور القلب وطهارته.
الظن: يكون مع النور والظلمة، والطهارة والنجاسة.
١٤ - النصيحة: يكون القصد منها تحذير المسلم من مُبتدع أو فتّان أو غاشٍ أو مفسد.
الغيبة: يكون القصد منها مجرَّد الطعن في الغير وتنقيصه.
١٥ - الرشوة: ما قُصِدَ به إحقاق باطلٍ أو إبطال حقٍّ أو دفع مضرّة.
стр. 62
والهدية بخلاف ذلك؛ فإنْ قُصِدَ بها المحبّة في الله فهدية شريفة، وإن قُصِدَ بها المحبة في غير الله فبحَسَبِها، وإن قُصد بها المكافأة فهي معاوضة ومتاجرة.
١٦ - الصبر: حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكّي، فيحبس النفس عن التسخُّط، واللسانَ عن الشكوى عما لا ينبغي فعله. أو هو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية.
القسوة: يُبس في القلب يمنعه من الانفعال، وغلظةٌ تمنعه عن التأثر.
القلوب ثلاثة: قاسٍ، ومائع، ورقيق.
فالأول: لا ينفعل بمنزلة الحجر، والثاني: بمنزلة الماء، والثالث: كما في بعض الآثار: "القلوب آنية الله في أرضه، فأحبّها إليه أرقّها وأصلبها وأصفاها". قال: فهذا القلب الزجاجي.
١٧ - العفو: إسقاط الحق فضلًا وكرمًا مع القدرة وأمن العاقبة.
الذل: ترك الحق عجزًا أو لخوف العاقبة.
١٨ - سلامة القلب: عدم إرادة الشر مع معرفته.
البَلَه والغفلة: جهلٌ وقلة معرفة.
١٩ - الثقة: سكون يستند إلى أدلة قوية توازيها قوةً وضعفًا.
الغِرَّة: سكون لغير دليل أو أشد ممّا يقتضيه الدليل.
٢٠ - الرجاء: الأمل الذي يصحبه بذل الجهد في السعي.
стр. 63
التمنِّي: الأمل مع تعطيل الأسباب و (هاهنا كلام نفيس) (١).
٢١ - التحدث بنعمة الله: ما قُصد به الثناء عليه سبحانه .
الفخر: ما قُصد به الاستطالة على الغير.
٢٢ - فرح القلب: ما يكون بالله ومعرفته ومحبته.
فرح النفس: ما يكون بغيره.
٢٣ - الجزع: ضعف في النفس وخوف في القلب، يمدّه شدّة الطمع والحرص، ويتولد من ضعف الإيمان بالقدر.
رقة القلب: ... (٢).
أقول: لم يوضّح الفرق، والذي يظهر أن الفرق الصحيح إنما هو اتباع رضوان الله. ورضوان الله هو في الرقّة والرحمة دائمًا، إلا أن تؤدي إلى ترك ما أمر به أو فعل ما نهى عنه.
٢٤ - الموجدة: الإحساس بالمؤلم والعلم به وتحرّك النفس في دفعه.
الحقد: إضمار الشر وتوقعه كل وقت ... إلخ.
أقول: الموجدة ما يمكن أن يزيله العتاب والاعتذار والصلح.
والحقد بخلاف ذلك ولاسيّما إذا كان مع إظهار عدم التأثر. وأشدّ منه إذا كان بعد إظهار العفو والرضا. وأشد منه إذا كان أشد مما تقتضيه الإساءة بحيث يحمل صاحبه على عقوبةٍ أعظمَ من الفعل.
стр. 64
٢٥ - المنافسة: المباراة في الكمال بحيث تحب لنفسك بلوغ رُتبة أخيك بدون أن يحملك ذلك على حبك نقصانه، بل يجب أن تحب له زيادة الرقي في الكمال إلى ما لا نهاية له، وتحب لنفسك كذلك.
حبّ الرياسة: ما قُصد به المال والجاه والشهرة والعلو.
الدعوة إلى الله: ما قُصد به إقامة أوامر الله .
٢٦ - الحب في الله: ما كان مداره على طاعة الله.
الحب مع الله: ما كان مداره على حظّ النفس.
٢٧ - التوكُّل: عمل القلب وعبوديته اعتمادًا على الله وثقةً به مع القيام بالأسباب المأمور بها والاجتهاد في تحصيلها.
والعجز: ترك الأمرين أو أحدهما. (ههنا كلام نفيس) (١).
٢٨ - الاحتياط: الاستقصاء في متابعة السنة بلا غلو ولا تقصير.
الوسوسة: ما يحمل على مخالفة السنة كغَسل الأعضاء في الوضوء فوق ثلاثٍ، وغسل الأعضاء أو الثياب مما لا تتيقن نجاسته.
٢٩ - إلهام المَلَك: ما يوافق الشرع (٢)، يثمر إقبالًا على الله تعالى وانشراحًا في الصدر وسكينة وطمأنينةً.
ووسوسة الشيطان بخلاف ذلك.
стр. 65
٣٠ - الاقتصاد: التوسط.
والتقصير: التفريط.
والمجاوزة: الإفراط.
٣١ - النصيحة: ما كان مع اللطف والرفق. وحَمَلَ عليه الشفقةُ، فيعامله معاملة الطبيب العالم المُشفق للمريض المُدنَف، فهو يحتمل سوء خلقه وشراسته، ويتلطّف في وصول الدواء إليه بكل ممكن.
التأنيب: ما كان بخلاف ذلك، بل قُصِدَ به التعيير والإهانة. وعلامة هذا أنه لو رأى من يحبّه على مثل ذلك العمل لم ينهه بل يلتمس له المعاذير.
الناصح لا يُعادي من لم يقبل منه ولا يذكر عيبه للناس، بل فوق ذلك هو يدعو له.
٣٢ - المبادرة: انتهاز الفرصة حال إمكانها.
العجلة: الهجوم على الشيء بدون ترقّب فرصة.
٣٣ - الإخبار بالحال: ما قُصد به قصدٌ صحيح كالإعلام بسبب أذاته (١) أو الاعتذار أو التحذير من الوقوع في مثل ذلك.
والشكوى بخلاف ذلك.
أقول: وكذا (٢) الاستعانة المشروعة كالشكوى إلى الطبيب.
стр. 66
[بعده نقلٌ طويل يبدأ من ذكر الفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد المعطلين إلى آخر كتاب الروح (١)] (٢).
* * * *
[الفرق بين العشق والرقَّة والفسق]
الفرقُ بين العشق، والرِّقَّة، والفسق: أن الأول: التعلّق بشخصٍ معيَّن.
والثاني: الميلُ إلى الجمال أينما كان، مع غلبة العِفَّة.
والثالث: الميلُ إلى الجمال حيث كان، بلا عفَّة.
فالمجنون وجميل: عاشقان.
وابن أبي ربيعة والحارث بن خالد: رقيقان.
ولا أحبُّ أن أسمّي أحدًا فاسقاً (٣).
والغالب على الأدباء مدحُ العشق وتفضيلُه، وعندي أن الرِّقَّة أدلُّ على سلاسة الطبع ولطف الحِسّ وصفاء النفس.
إلا أن العشق يمتاز بالثباتِ وإمكان المحافظة معه على الدين والشرف. والله أعلم (٤).
стр. 67
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[اليُمْن والشؤم]
اعلم أن اليُمْن والشؤم عند الناس معنيان يكونان في الأشياء، ينشأ عن الأول كثرة الخير، وعن الثاني كثرة الشر. فإذا كان رجلٌ قليلَ المال سيئ الحال نكد العيش فولد له ولدٌ فتوفَّر ماله وحسُنت حاله وصفا عيشه، قال الناس: إن ذلك الولد ميمون. فإذا كبر الولد وكان أبوه يُرسله في حوائجه فينجح في الغالب تأكَّد يمنه. وهكذا كلَّما ازداد نجاحه فيما يحاوله أو يوكل إليه.
وعكس هذا يقال في الشؤم. والناس لا يقصرون هذا على الأناسي، بل يقولون مثله في سائر الحيوانات، بل والجمادات. فترى منهم من يتيمَّن أو يتشائم بالخاتم والعصا والنعل. وإذا سئلوا عن سبب اليُمن والشؤم فأكثرهم يحيله على النجوم. وقد أبطل أهل العلم ذلك. ومنهم مَن يحيله على قدر الله . ومنهم من يجحده البتة، ويفسِّر كلَّ ما يراه الناس يُمنًا أو شؤمًا بالأسباب العادية تارةً، وبالاتفاق والمصادفة أخرى.
والحق إثبات اليُمْن والشؤم في الأناسي، وأنه بقدر الله لحِكَمٍ، منها ما يظهر لنا ومنها ما يخفى. ولكنه إذا قدَّر شيئًا هيَّأ أسبابه على ما جرت به سنته. فلذلك يمكن تأويل أكثر ما تراه يُمْنًا أو شؤمًا بحسب الأسباب العادية، إلا أن العاقل المنصف إذا نظر في أسباب الأسباب وأسبابها بان له الحق. وقد عُرف مذهب أهل السنة في تقدير السعادة
стр. 68
والشقاء والرزق والعمر وغير ذلك، فكذلك نقول في اليُمْن والشؤم.
هذا، واليُمن والشؤم عند الناس إنما هو بحسب الخير والشر في الدنيا. والحق أنهما بحسب الخير والشر في الدين. فإذا انضاف إلى الخير في الدين الخيرُ في الدنيا، وإلى الشر في الدين الشرُّ في الدنيا فتلك الغاية.
هذا، واليُمْن والشؤم بالنظر إلى الدنيا لا يمكن الحكم بأحدهما على الشخص جزمًا، لأن التقدير غيب، وليس بيدنا إلا تكرُّر الخير والشر، وليس ذلك بواضحٍ لاحتمال أسباب أخرى، ولاحتمال الاختصاص. فقد تكون المرأة بحيث تُظن أنها مشؤومة على أبيها، فإذا تزوَّجت تحسَّنت حال زوجها فتظن أنها ميمونة عليه. بل قد تتغيَّر الحال في شيء واحد. فقد يتزوَّج الرجل المرأة فتَحسُن حاله مدَّةً، ثم تتغيَّر أو تسوءُ حاله مدَّةً، ثم تحسن. وذلك أنه قد يكون تقدير اليُمْن إنما هو في حال دون أخرى، وكذلك الشؤم.
فالذي ينبغي البناء عليه هو الصفات الظاهرة والمقاصد الدينية. فإذا كانت امرأة جميلة صحيحة ديِّنة أديبة حسنة التدبير، ولكن اشتهر أنه بعد ولادتها افتقر أبوها ولازَمَه المرض، وأن رجلًا تزوَّجها فأصابه مثل ذلك ثم فارقها فحسنت حاله= فلا ينبغي للمؤمن إذا تزوَّجها بعدُ ثم سمع بحال أبيها وزوجها الأوَّل أن يطلِّقها. بل إذا امتنع من تطليقها طاعةً لله لأن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، وتوكُّلًا على الله ، ورحمةً لها خشيةَ أن لا يتزوَّجها بعدَه أحدٌ= فلسنا نشك أنها تكون ميمونة عليه في دينه، وكذا في دنياه إن شاء الله.
وهكذا من سمع بقصة أبيها وزوجها السابق قبل أن يتزوَّجها فاستخار
стр. 69
الله وعَزَم على نكاحها لصفات الخير التي فيها، ولظنّه أن الناس يرغبون عنها لقصَّة أبيها وزوجها السابق وتوكُّلًا على الله ﵎.
وإنما يتفق استمرار الشؤم إذا كانت في المرأة بعض أوصاف النقص وأهمُّها ضعف الدين، وتزوَّجها رجل لجمالها أو ليعتزَّ في الدنيا بمصاهرة أهلها أو نحو ذلك، ثم آخر كذلك وهكذا.
والحاصل أنه لا يستقر شؤم المرأة على زوجها إلا إذا لم يُراعِ في نكاحها ما يقتضيه الدين والأخلاق الظاهرة كالعقل والأدب وحسن التدبير. فإن كان قد كُتب عليها الشؤم البتة، فإنه لا يكون في التقدير أن يتزوَّجها أحد إلا على هذا الوجه. والله أعلم.
[ل ٣٥] وكذلك الدار لا مانع أن يُقدَّر لها اليُمْن والشؤم. وقد تكون بُنيت في أرض كانت مسجدًا أو وقفًا، أو أُخذت غصْبًا، أو كان البناء بآلةٍ كذلك، إلى غير هذا.
والذي ينبغي اعتماده في هذا هو النظر في الصفات الظاهرة والدينية. فمن الصفات الظاهرة: النظر في موقع الدار ومحلتها وصفة بنائها بحسب ما يعرفه أهل الخبرة من الموافقة للصحة والمخالفة لها.
ومن الدينية: النظر بحسب ما يتيسَّر في أصل بنائها، أَعَلى وجهِ الحلال أم على خلافه؟ وفي نزولها أعلى وجه الطاعة أم على وجه المعصية أم على الإباحة؟ ويختلف ذلك من وجوه، فإن كانت ملكَه، فمن جهة حلٍّ أم حُرمة أو شبهة؟ وإلا، فنزوله إياها على حلٍّ أو حُرمةٍ أو شُبهةٍ؟
وكذلك غرضه من نزولها، فقد يكون فيه القرب من المسجد أو من
стр. 70
بيتِ أمِّه ليخدمها، أو من بيت فسقٍ ليتيسَّر عليه، أو الاطلاع على العورات، أو الفخر والمباهاة، أو استأجرها بأجرة زائدة على ما يليق به فيحتاج إلى التقصير في الواجبات، وغير ذلك.
وعلى نحو هذا يقال في الفرس.
وبالجملة فمن راعى بحسب ما يتيسَّر الصفاتِ الطبيعيةَ والأحكام والآداب الدينية، ومن جملتها الاستخارة والتعُّوذ والتسمية وذكر الله والتوكل عليه وغير ذلك= فإنه لا يناله أثر الشؤم البتة. ومن قصَّر في ذلك فإلى مشيئة الله ، فإن أصابه شر فبتقصيره، وشؤمُ التقصير محقَّق. فمن الجهل أن يغفل عن هذا الشؤم المحقَّق ويحيل ما يصيبه إلى شؤم محتمل، مع أن الشؤم المحتمل لا يصيبه إلا إذا قصَّر (١).
стр. 71
[في معنى حديث: "لا يسترقون ولا يتطيَّرون ولا يكتوون" (١)
وحكم التداوي]
أقول: الذي دل هذا الحديث على أن تركه مطلوب من الأسباب ثلاثة:
الأول: ما في تعاطيه مشقَّة شديدة وفائدة محتملة فقط، وهو الكي.
الثاني: ما فيه احتمال مفاسد وفائدته محتملة فقط، وهو الاسترقاء، أي: أن تسأل آخر أن يرقيك. ومن مفاسده: أن الرقية قد يكون شركًا ونحوه، وأنه إذا رقاك بدعاء فأنت تقدر على أن تدعو لنفسك، ولعل دعاءك لنفسك أقرب إلى الإجابة من دعائه لأنك مضطرّ يتأتى منك حسن الخشوع وصدق الالتجاء.
فإن قلت: أنا مذنب خطَّاء لا يُستاجب دعائي.
فهذا أوَّلًا: ضرب من اليأس من رحمة الله. وثانيًا: كالتكذيب لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وثالثًا: ضربٌ من عدم الرضا باختياره. ورابعًا: يكاد يكون ذريعة من ذرائع الشرك؛ فإن المشركين إنما أشركوا لزعمهم أنهم لحقارتهم وجهلهم ومعاصيهم ليسوا بأهلٍ أن يتقبل الله عبادتهم له أو يجيب دعاءهم إيَّاه فاتخذوا من دونه آلهة شفعاء.
فإن كان الاسترقاء بدون أجرة أو نحوها فهو سؤال من مخلوق لنفع
стр. 72
دنيوي، فهو قريب من سؤال المال، وهو حرام شرعًا لغير المضطر.
الثالث: الطيرة، وهي وَهْم مجرَّد مع ما فيها من خطر الشرك.
فالذي يدل هذا الحديث أن تركه مطلوب شرعًا هو هذه الثلاثة وما في معناها. والتداوي ليس في معناها إذ ليس فيه مشقة كمشقة الكي، ولا مفاسد كمفاسد الرقية، ولا هو وَهْم قد يكون شركًا كالتطيُّر. وقد تداوى النبي ﵌ وأمر بالتداوي، ونهى عن تلك الثلاثة. فلو لم نفهم فرقًا بينه وبينها لسقط القياس للنص، فكيف والفرق مثل الصبح ظاهر.
فإن قيل: إن آخر الحديث: "وعلى ربِّهم يتوكَّلون".
قلت: حقيقة التوكل كما يدل عليه الكتاب والسنة وسِيَر الأنبياء ﵈ هو: الثقة بالله ﵎ والاعتماد عليه دون الأسباب. فالمؤمن يتعاطى ما شرعه الله تعالى من الأسباب الواجبة والمندوبة وما يقرب منها مما هو سبب ظاهر ولم يحرِّمه الشارع ولا كرهه، بل ندب إليه في الجملة كالتداوي وطلب الحلال وغيره، ولكنه إنما يتعاطاها امتثالًا لشرع الله ولسنَّته التي أجرى هذا العالَم عليها. وهو مع ذلك عالم أن حصول المطلوب إنما هو بمشيئة الله وفضله. وهو مع ذلك عالم بأن الله ﵎ هو الذي جعل الأسباب والذي يسَّرها له، إلى غير ذلك.
ألا ترى أن النبي ﵌ لم يكن يقصِّر في تعاطي الأسباب حتى ظاهر في بعض حروبه بين درعين، ولكنه مع ذلك غير واثق إلا بربه ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
стр. 73
أَوَلا ترى أنه لما وقع من بعض المسلمين يوم حُنين ما يشعر باعتمادٍ على الأسباب إذ أعجبتهم كثرتهم، وقال بعضهم: "لن نغلب اليوم عن قلة"= ابتلاهم الله بما أزال ذلك الأثر من قلوبهم. فلما زال وخَلُص الاعتماد على الله نصرهم.
فالمحذور المنافي للتوكل إنما هو الاعتماد على الأسباب، فأما تعاطيها فمطلوب والله أعلم.
стр. 74
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المعاريض
في الأثر: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (١) قال ابن الأثير في "النهاية": "المعاريض جمع معراض، وهو خلاف التصريح من القول. يقال: إنما عرفت ذلك في مِعراض كلامه ومِعْرض كلامه".
قال عبد الرحمن: المعاريض هنا كل كلام فيه إيهام مقصود لمعنى لا يحب المتكلم التصريح به؛ إما لكونه كذبًا، وإما لغير ذلك. وهو على أضرب:
أبعدها عن الكذب ما يكون الكلام بحيث إذا تأمله السامع عرف أن المعنى الموهم غيرُ مرادٍ. وإنما يتم الإيهام بمعونة تقصير السامع واستعجاله في فهم الكلام؛ إما لأن تلك عادته، وإما لأنه في حال ضيق وانقباض، وإما لأن في الكلام ما يزعجه، وإما لغير ذلك.
فمن ذلك ما يُروى أن النبي ﵌ جاءه رجل فقال: "أُبدع بي" أي هلكت راحلتي "فاحملني" أي أعطني راحلةً أركبها، فقال ﵌: "لأحملنك على ولد ناقةٍ" فقال الرجل: وما أصنع بولد ناقةٍ؟ فقال النبي ﵌: "وهل تلد الإبلَ إلا النوقُ؟ " (٢).
стр. 75
فـ"ولد الناقة" حقيقة لغوية في الكبير والصغير من الإبل، ولكنه صار حقيقة عرفية في الصغير، إلا أن قوله: "لأحملنك على" قرينة تعيِّن الكبير لأنه هو الذي يُحمل عليه. ولكن الرجل كان في ضيق وانقباض لهلاك راحلته وحاجته إلى أخرى، فاستعجل ولم يتأمَّل.
ومنه ما يُروى أن امرأةً مرَّت تسأل عن زوجها، فقال لها النبي ﵌: "هو ذاك في عينيه بياض" فأسرعت حتى أدركت زوجها وطفقت تنظر في عينيه وأخبرته بما قال لها النبي ﵌، فقال الرجل: "صدق، وسوادٌ" (١).
فالمعروف في العادة أن البياض الأصلي في العين، وهو المحدق بالسواد لا يُخبر عنه بأن يقال: في عينَي فلانٍ بياض؛ إذ لا تخلوا عينا أحدٍ من الناس عنه. فالإخبار به إخبار بما لا يخفى على أحدٍ، فلا تظهر له فائدة. فهذا هو الذي حمل المرأة على حمل البياض على البياض الذي يَحْدُث في بعض العيون لرَمَدٍ أو بثرة أو نحوها فيعيب العين وينقص ضوءها، ولكن مثل هذا البياض إنما يحدث في العين تدريجًا وبعد مقدمات في مدة شهرٍ أو أكثر. وزوج المرأة كان عندها صباح ذلك اليوم وقبله، وليس بعينيه بأس، فهذه قرينة واضحة تردُّ ما توهَّمته المرأة.
ومنه ما يُروى أنه ﵌ قال لعجوز: "لا تدخل الجنَّة عجوز" فانزعجت، فقال ﵌: "ألم تسمعي قول الله : ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ