وأمّا السلام، فإن القادم يسلّم على الجالس ومَن معه من الملائكة ومؤمني الجنّ؛ فلذلك ورد بلفظ الجمع.
وكذا جوابه؛ لأن سلامه يكون عنه وعمّن معه من الملائكة ومؤمني الجنّ، فيكون الجواب بالجمع.
ثمّ السلامُ معناه الدعاء بالسلامة، ويلزمه الوعد بسلامة المسلَّم عليه من المسلِّم.
فعلى هذا، إذا سلمتَ على أحدٍ أو رددتَ ﵇ [ثم آذيته] (١)، فقد أخلفت وعدك.
وكأنه إلى هذا يشير حديث الأمر بالسلام عند القيام، وفيه: "فليست الأُولى بأَولى من الثانية" (٢). أي ــ والله أعلم ــ: فإن الإيذاء كما يمكن في الحضور يمكن في الغَيبة، بل لعله في الغَيبة أكثر.
وكأنّ حديث: "أولا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (٣) يشير إلى هذا؛ فإن المحبة إنما تتمّ بوعد كل إنسانٍ من المسلمين
стр. 107
صاحبه أن لا يؤذيه، ثم وفائِه بالوعد، فلا يؤذيه ولا يغتابه ولا ينمّ عليه، ولا إليه. والله أعلم (١).
* * * *
[كشف تحريف لأحد الجهلة في نسخة من "حلية الأولياء "]
[حلية الأولياء: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن مخلد، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا عبادة بن زياد، ثنا يحيى بن العلاء، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال جاء أعرابي إلى النبي ﵌ فقال: يا محمد اعرض علي الإسلام، فقال: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله"، قال: تسألني عليه أجرا؟ قال: "لا، إلا المودة في القربى" قال: قرباي أو قرباك؟ قال: "قرباي". قال: هات أبايعك، فعلى من لا يحبك ولا يحب قرباك لعنة الله، قال ﵌: "آمين". هذا حديث صحيح (٢) من حديث جعفر بن محمد، لم نكتبه إلا من حديث يحيى بن العلاء.]
قوله: "صحيح"، راجعت الأصل المنقول منه هذه النسخة، فإذا هذه الكلمة مكتوبة على حكٍّ، فظهر أنه في الكتابة الأولى كُتبت مكانها كلمةٌ أخرى ثمَّ حُكَّت وكُتبت هذه الكلمة: "صحيح".
وعند مقابلة الكلمة الموجودة بخط كاتب الأصل يتبيَّن أنَّها بغير خطِّه.
стр. 108
ولا شكَّ أنَّ كلمة "صحيح" غير صحيحة هنا؛ فإنَّ في السند يحيى بن العلاء، وهو البجلي، متَّفق على ضعفه. بل قال الإمام أحمد فيه: كذَّاب يضع الحديث. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" و"الميزان".
وفيه أيضًا عبادة بن زياد، وهو عبَّاد (ويقال: عبادة كما في "التهذيب") بن زياد بن موسى الأسدي الساجي، وفيه نظر. وقد قال ابن عديٍّ فيه: هو من أهل الكوفة الغالين في التشيُّع، له أحاديث منكرة في الفضائل.
وفي السند أيضًا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وفيه مقال.
فإن قيل: يحتمل أنه صحَّ عند المصنف من طريق أخرى.
قلت: هذا باطل لقوله في آخره: "لم نكتبه إلا من حديث يحيى بن العلاء".
فالحاصل أن كلمة "صحيح" لا محلَّ لها؛ والصواب: "غريب".
وكاتب الأمِّ، وإن كان زيديًّا، إلا أنه عالم جليل ليس محلًّا للتهمة. وقد بينَّا فيما تقدَّم براءته، فتعيَّن أن يكون الحكُّ والتغيير من فعل بعض الجهلة من الزيدية؛ لمَّا رأى في الحديث فضلًا لأهل بيت النبي ﵌، ظنَّ أن الحديث لا بد وأن يكون صحيحًا أو نحو ذلك. والله أعلم (١).
* * * *
стр. 109
[بحث في معنى الصلاة على النبي ﵌ وآله]
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
الصلاة في الأصل: الدعاء. ولكنها أُطلقت حقيقةً شرعيةً في ذات الركوع والسجود.
وأطلقت أيضًا حقيقة شرعية ــ وإن كانت أقل من الأولى ــ في ذكر صيغة دعاء تتضمن لفظ الصلاة أو الرحمة.
فقوله في الآية: ﴿يُصَلُّونَ﴾ من هذا الثالث، وهو ذكر صيغة تتضمن لفظ الصلاة أو الرحمة؛ احتمالان.
ولكنّها من الله على سبيل الثناء، ومن الخلق على سبيل الدعاء.
على أنّه لا مانع من إطلاق أنها من الله على سبيل الدعاء من نفسه لنفسه تعالى. والله أعلم.
وقال السّنْدي في حاشيته (١): "قوله "كما صليت" قد اعترض بأنّ الصلاة المطلوبة له ﵌ ينبغي أن تكون على حسب منصبه وجاهه عند الله تعالى. ومنصبه أعلى، فكيف (تطلب) (٢) له الصلاة المشبهة بصلاة إبراهيم،
стр. 110
مع أنّ صلاة إبراهيم على حسب منصبه صلوات الله وسلامه عليهما؟
وأجيب: بأنّ وجه الشبه هاهنا هو كون صلاة كلٍّ أفضل من صلاة من تقدم ...
وقد يُجاب بأن التشبيه في اشتراك الآل معه في الصلاة. أي: صلِّ صلاة مشتركة بينه وبين أهل بيته كما صليت على إبراهيم كذلك. فكأنّه ﵌ نظر إلى أنّ صلاة الله تعالى [عليه] دائمًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ بصيغة المضارع. وقد تقرّر أنّها تفيد الدوام والاستمرار، فالأفيد أنّ المؤمنين يطلبون اشتراك أهل بيته معه في الصلاة، فعلَّمهم هذه الكيفية، ليفيد دعاؤهم فائدة جديدة، وإلا فيصير دعاؤهم كتحصيل الحاصل. والله تعالى أعلم" اهـ سندي.
وأقول: إنّ هذا الرجل ــ أعني السندي ــ ذو ذكاء مفرط كما يظهر من حواشيه، ولكن هذا المقام مزلَّة أقدام، ومضلَّة أفهام.
فأقول: أوّلاً: إنّني لا أقول بتفضيل أحد من الأنبياء على نبينا صلى الله عليهم جميعًا وآلهم وسلم.
ولكن قد أثبتنا في بحث مستقل (١) أنّنا منهيُّون عن التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا الاستشكال ناشئ عنه كما لا يخفى.
والتخيير المنهي عنه هو أن نقول أو نكتب، فأمّا أن يعتقد أحدنا شيئًا من
стр. 111
ذلك بمقتضى ما ثبت له من الأدلة، فلا منع منه.
ولكنّنا مع هذا لا نخلي الآية والصلاة من البحث. فأقول: إنَّ نصَّ الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾. و (يصلون) بصيغة المضارع، وصيغةُ المضارع من حيث هي لا تفيد دوامًا ولا استمرارًا، كما عليه المحققون، وأدلته غنية عن البيان.
ولكن قد تفيد ذلك بمعونة القرائن. والقرائن هاهنا إنّما تفيد نحو ما يفيده قولك: إنّ زيدًا يزورنا. أي أنّ ذلك في حكم العادة له، بحيث لا يقطعها مدة طويلة تُعَدّ في العرف قطعًا للعادة.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ليس المعنى أنّهم لا يفترون عن الإنفاق طرفة عين، كما لا يخفى، وإنّما المعنى أنّ الإنفاق عادة لهم.
ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وقد تقرّر أنّ صلاتنا عليه هي الدعاء له بالصلاة، ولا يلزم من ذلك تحصيل حاصل؛ لِما تقدم أنّ أوّل الآية لا يدل على استمرار الصلاة منه بحيث تستحيل الزيادة.
وأمّا الصلاة الإبراهيمية الواردة في الحديث ففيها مباحث:
الأول: أنّ فيها ذكر الآل، وليس في الآية، فدلّ أنّ ذكر الآل عَلِمه ﵌ من دليلٍ آخر.
الثاني: قوله "كما صليت"؛ الكاف إمّا تعليلية، وإمّا تشبيهية.
стр. 112
فإن كانت تعليلية، فلا محلّ للاستشكال، وكأنّنا نقول: اللهم إنّك قد صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، ولأجل ذلك نطلب منك أن تصلِّي على محمد وعلى آل محمد، لأنّ كلًّا منهما نبيّك وخليلك.
والكاف كثيرًا ما تجيء للتعليل، ولاسيَّما مع (ما) كما حقّقه ابن هشام في "المغني" (١)، فراجعْه إن أردت.
ومنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ (٢) كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].
ومثال هذا قولك للملك: كما ولَّيتَ فلانًا فولِّني، وكما أنعمت عليه فأَنعِمْ عليّ؛ فإن علّة التولية والإنعام، وهي الاستحقاق الموجود فيه، موجود فيَّ أيضًا.
وإن كانت تشبيهية، وهو المشهور، فيحتمل أن يكون المراد التشبيه في مُطلق الصلاة، لا في صفتها ومقدارها، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥]. وقوله : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣].
وفائدة هذا التشبيه ذكر نظير يعتبر به. ومنه قولك للمَلِك: أنفِق الأموال كما كان أبوك يُنفقها. وتقول للحاكم: لا ترتشِ كما كان فلان يرتش.
стр. 113
قال سعيد بن المسيب لغلامه: لا تكذب عليَّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس (١).
ويحتمل أن يكون التشبيه في المقدار. ولا يلزم منه أفضلية ولا مساواة. فلو أنّ ملكًا أمرك أن تسأله حاجة، فقلتَ له: أعطني كما أعطيت فلانًا؛ لم يلزم من هذا أنّك تعتقد مساواته لك، وإنّما أردت بيان المقدار. على أنّه لو فرض إشعار ذلك بالمساواة، فلا بدع؛ فقد قال ﵌: "نحن أحقُّ بالشكّ من إبراهيم" (٢).
وقال له رجل: يا خير البرية. فقال: "ذاك إبراهيم" (٣). إلى غير ذلك مما بينّاه في مبحث التفضيل بين الأنبياء عليهم وآلهم الصلاة والسلام (٤).
وأبلغ من هذا: تأدب النبي ﵌ حين أراد أن يربط الشيطان الذي تفلَّت عليه في الصلاة حتى يراه الناس، ثم ذكر دعوة أخيه سليمان: رب ﴿هَبْ لِي (٥) مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، فترك ذلك تأدبًا مع سليمان ــ ﵇ ــ، مع أنّ ربط الشيطان إنّما هو شيء يسير من ملك سليمان، لا يلزم منه مخالفة لدعوته، كما هو ظاهر، ولكنّه ﵌ رأى أنّ مثل هذا ربما يكون فيه إيهام لذلك (٦).
стр. 114
وقد بينّا في مبحث التفضيل بين الأنبياء أنّه يجب على الأمة التأدب بأدبه ﵌ في حقّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فإذا تأدب ﵌ في حق أحد من الأنبياء لزم الأمة أن لا تخل بذلك التأدّب. كما لو أنّ عالمًا تأدب مع عالم آخر، فلم يقل: إنّه أعلم منه= لزم أولاده وتلامذته أن يتأدبوا مع ذلك العالم، فلا يقولوا: إنّ أباهم أو شيخهم أعلم منه؛ لأنَّ فعلهم منسوب إليه.
فأمّا ما ذكره السنْدي: أنّ وجه الشبه هو كون صلاة كلٍّ أفضلَ من صلاة من تقدم؛ فلا يخفى تكلُّفه وخروجه عن الظاهر.
والناس لا يفهمون من قولك للملك: (أعطني كما أعطيت فلانًا) إلا أحد الأوجه التي قدّمناها. فأمّا أن يُفهم منه أنّك أردت التشبيه بعطاء ذلك الرجل من حيث أن عطيَّته كانت أكثر ممن تقدمه، فيلزم من ذلك أن يكون مطلوبك أكثر من عطية ذلك الرجل= فلا.
وإذا أردت منهم أن يفهموا هذا فقد كلّفتهم الغلط في الفهم! وهذا من الله ورسوله ﵌ محال. فلا يكون من الله أن يكلم العباد بكلامٍ مكلِّفًا لهم أن يفهموه على خلاف ظاهره. وهكذا كلام الرسول ﵌.
وأمّا ما وقع في الكتاب والسنة من المجاز ونحوه فإنّه تُنصب معه قرينة تدلّ على المراد دلالةً بيِّنة. وإذا قالوا فيه: خلاف الظاهر؛ فإنّما المراد أنّه خلاف الظاهر لولا تلك القرينة.
فأمّا ما ذكره السنْدي من عنديَّاته بقوله: "وقد يجاب بأن التشبيه باشتراك الآل"؛ فكلامٌ يُستحيى من ذكره!
стр. 115
أوّلاً: لِما بيّنا في معنى الآية أنها لا تفيد دوام الصلاة من الله واستمرارها، بحيث تستحيل الزيادة.
وثانيًا: لأنَّ الله أمرنا فيها أن نصلِّي عليه ﵌، ولم يذكر آله.
وثالثًا: لو كان الأمر كما ذكر لكان ينبغي أن يُقال: اللهم صل على آل محمد كما صليت على آل إبراهيم. وتُترك الصلاة على النبي ﵌؛ لأنّها كتحصيل الحاصل على زعمه مع ما فيها من الإيهام.
ورابعًا: أنّ الآل من أول الداخلين في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]. و ﴿يُصَلِّي﴾ صيغة مضارع، وحينئذ فتكون الصلاة عليهم أيضًا في زعم السنْدي تحصيلَ حاصلٍ، أو "كتحصيل الحاصل" كما عبّر هو، أعني بكاف المغالطة!
والحاصل أنّ هذا القول من السنْدي ــ ﵀ ــ غفلة محضة. والله أعلم (١).
* * * *
[تعليق الشيخ على كلام الفراهي في كتابه "الرأي الصحيح في مَن هو الذبيح "]
استدلّ العلَّامة الفراهي في كتابه "الرأي الصحيح في مَن هو الذبيح" (٢) على أن الذبيح إسماعيلُ بما في التوراة الموجودة أن الذبح كان عند تَلِّ "مورة"، وفي موضع آخر ما يدل أن "مورة" في أرض المديانيين. وفي
стр. 116
"التكوين" إصحاح ٣٧ جملة ٢٥ وما بعدها:
"ثم جلسوا ليأكلوا طعامًا، وإذا قافلة إسماعيليين .... فقال يهوذا: تعالوا: فنبيعه إلى الإسماعيليين ... واجتاز رجال مديانيون تجار، فسحبوا يوسف وأصعدوه من البئر، وباعوا يوسف للإسماعيليين" اهـ.
ففهم الفراهي أن ضمير "سحبوا" لإخوة يوسف، والمديانيون هم الإسماعيليون، ولكن في هذا نظر ظاهر؛ إذ لو كان المراد بالمديانيين نفس الإسماعيليين لقيل: "واجتاز المديانيون" أو نحو ذلك لتقدُّمِ ذكرهم.
وأوضح من هذا أن في هذا السياق:
"ورجع راوبين إلى البئر، وإذا يوسف ليس في البئر، فمزّق ثيابه ثم رجع إلى إخوته وقال: الولد ليس موجودًا".
وراوبين أحد الإخوة. فظهر مما ذُكر أن الإخوة عَزَموا على أن يُصعدوا يوسف ويبيعوه في الإسماعيليين، ولكن سبقهم المديانيون، فأصعدوا يوسف وباعوه في الإسماعيليين.
ثمَّ رأيت عجبًا، وهو أن بعد ذلك في السياق:
"وأما المديانيون فباعوه في مصر لفوطيفار خصيّ فرعون رئيس الشُرَط".
فهذا يؤيد ما قال الفراهي. وعلى كل حال، فالكلام غير منتظم.
وفي أول الإصحاح ٣٩:
"وأما يوسف فأُنزل إلى مصر، واشتراه فوطيفار خصيّ فرعون رئيس الشُرَط رجل مصري من يد الإسماعيليين الذين أنزلوه إلى هناك".
стр. 117
وفي إصحاح ٤٥:
"فقال: أنا يوسف أخوكم الذي بعتموه إلى مصر والآن لا تتأسفوا ولا تغتاظوا لأنكم بعتموني إلى هنا" (١).
* * * *
[تقييد وفاة يحيى الهمداني]
توفي يحيى بن يحيى الهمداني صباح يوم الأحد لخمس خلون من ذي القعدة سنة ١٣٦٩ هـ، الموافق عشرين أكست سنة ١٩٥٠ م (٢).
* * * *
[معاناة الشيخ مع بعض المصححين بدائرة المعارف]
* في حديث أبي بصرة الغفاري: "فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسُّفْرة، قال: اقتربْ".
رسم في نسخة "دعى"، فقلتُ: أَصلحْه بالألف، فقال: الألف غلط. فبينت له أن القاعدة في مثله: إذا كان أصل الألف واوًا أن تكتب ألفًا، وإن كان أصله ياءً كتب ياءً. وأصله هنا واو (٣)، لقولهم: يدعو، ودعوة، وغير ذلك.
فقال: قد تُقلب الواو ياءً مثل (رضي).
فقلت: نعم، وأزيدك أنه يجيء مثل ذلك في كلمتنا (دعا) إذا بنيت
стр. 118
للمجهول، مثل: (دعي)، ولكن هذا خارج عن البحث.
فالقاعدة تقول: إن الثلاثي الذي آخره لين، إن كانت ألفه منقلبة ... إلخ.
فاستحمق وكتبها بالألف، لا موافقةً ولكن حسمًا للنزاع.
* باب الركنين اللذين يليان الحجر:
عن عائشة أن رسول الله ﵌ قال: "ألم تَري أن قومك ... ".
قلت: "تري" فأنكر، وقال: إنما هو "ترى"، وأخذ يستدل لذلك، مع اعترافه أنه خطابٌ لأنثى.
فذكرت له قوله تعالى: ﴿فإما تَرَينَّ﴾، فأخذ يفرِّق بينهما.
* باب الدليل على أنه (الرَّمَل) بقي هيئة:
أن عمر ... وقال: "مالنا وللرَّمَل؟ إنما راءينا به المشركين، وقد أهلكهم الله".
قال: إنما هو "رأينا" بوزن فعلنا؛ لأنه معدَّى بالباء ... إلخ.
حتى أطلعتُه على "النهاية" وفيها وزنه بكلمة: فاعلْنا.
* باب الرجل يحرم بالحج عن نفسه تطوعًا ولم يكن حج حجة الإسلام.
سقط في نسخةٍ قوله: عن (١) نفسه.
فزعم أن سقوطه هو الصواب! (٢).
* * * *
стр. 119
* "غير أن لا تطوفي بالبيت حتَّى تطهرين" (١).
["لا"]: قال هي ناهية ولذلك حُذف النون!
["تطهرين"]: قال هذا الصواب لأن "حتَّى" وإن كانت تنصب، فلا يُحذف معها النون بخلاف "لن" في نحو: "لن تطهري"، فإنها تنصب وتحذف النون!
ولمَّا رأى في "الصحيح" بحذف النون، قال: لعلَّه معطوف على "تطوفي"!
* ٧٤٣ - "ونحن نغسل ابنته".
وقع في نسخة: "نغتسل". وصوبه الأخ!
٧٤٤ - ما قوله "أشعرنها أَتُؤْزَرُ به"؟
وقع في النسخ: "اتَّزِرْن به". وصوَّبه.
٤٤٣ - "كان ابن سيرين يأمر بالمرأة أن تُشعَرَ لفافةً ولا تُؤزَر".
وقع في موضع في بعض النسخ: "يأمر المرأة". وصوَّبه.
باب المُرْتَثِّ: "وكان اسمُ الأكوعِ سنان".
وقع في نسخة: "سنانًا". وغلَّطه الأخ، محتجًّا بأن سنان علم!
٧٦٨ - "بجوانب السرير الأربعة".
أنكرها، وذكر أن هذا لا يصح، وأنه يجب أن يقال: بجوانب الأربعة للسرير. كذا قال!
стр. 120
٧٧٣ - "مر عليه بجنازة وهي (١) يُسرع بها، وهي تُمْخَض مَخْض الزِّق".
وقع في نسخة: تَمَخُّضَ الزق. وصوَّبها الأخ وغلَّط الأخرى، قائلاً: إن تمخض، إنما يكون مصدره: التمخُّض. كذا قال!
ص ٨١٢ - "قرأ بأم القرآن حتى أسمع من خلفه".
وقع في بعض النسخ: "حتى سمع". وقال الأخ: إنها الصواب؛ لأن قوله: "قرأ" فعل ماض، و"سمع" ماض فيتفقان، بخلاف "أسمع" فإنه مضارع!
٨٣٢ - "فكان رسول الله ﷺ يسأل عنها من حضره من جيرانها".
وقع في نسخة: "حضرها"، فقال: إنها الصواب، وإن الأخرى غلط!
٨٣٨ - "العلاء [هذا هو] ابن زيد. ويقال: ابن زيدل، يحدِّث عن أنس بن مالك بمناكير".
في نسخة: "العلاء بن زيد. ويقال: ابن زيد". فصوَّبها وغلَّط الأولى!
٤٥٤ - في حديث عائشة: " ... فقلت: أَرغم الله أنفَك، لَم تفعل ما أمرك به رسول الله ﷺ ، ولم تترك رسول الله ﷺ من العناء".
وقع في نسخة: "يترك" بالمثناة من تحت. وصوَّبها حتى قال: النسخ الأخرى غلط، ولا معنى لما فيها!
стр. 121
ولم أستطع إقناعه إلا بإراءته الصحيحين، وكلام شراحهما في الحديث.
* "فإذا وجب فلا تبكيَنَّ باكية".
وقع في نسخة: "يبكين" بالمثناة من تحت. فصوَّبها، قال: لأنه للجمع. فبينت له خطأ ذلك، فقال: لعله للواحدة، ولكن للغائبة، وإذا كان للغائبة فيقال بالياء لا بالتاء. فراجعته في ذلك، وكان فضلٌ حاضرًا.
* في باب تحريم أواني الذهب:
"فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم".
وفي رواية أخرى: "فإنما يجرجر في بطنه نارًا من جهنم".
فاستشكل الأخ قوله: "نارًا". وقال: إنما هو "نارٌ" بالضم، بدليل ما تقدم في الرواية الأولى ففهمته .......... (١)(٢).
* * * *
[وصف نسخة من "سنن البيهقي" بخط مؤلفه]
فهرست الكتبخانه الخديوية سنة ١٣١٠. (ج ١ / ص ٣٥١ - ٣٥٤).
تجد عنوان "سنن البيهقي".
مجلد من نسخة أخرى يشمل على عدة أجزاء، أولها الجزء التاسع والثمانون بعد المائة من تجزئة المؤلف. وأول ما فيه: "باب لا يقضي القاضي وهو غضبان".
стр. 122
وينتهي المجلد المذكور إلى آخر الكتاب. وهو بخط المؤلف. مكتوب عليه في مواضع عديدة بخط بعض أفاضل العلماء ما يفيد سماعه على مؤلفه في سنين مختلفة، بعضها في سنة ٤٤٢، وبعضها في سنة ٤٤٥، وسنة ٤٤٧، وغير ذلك. أوراقه ٣٩٢.
نس. ج ١ ن خ ٢٦٧ ن ع ٥٨٩ (١).
* * * *
[وصف نسخة خطية من "الرد على المنطقيين " (٢)]
الحمد لله.
تصفَّحت النسخة المحفوظة بالمكتبة الآصفية من كتاب "الرد على المنطقيين" فوجدتها نسخة صحيحة، قرئ فيها على المؤلف، وكتب عليها بخطه بعض تصحيحات.
والكتاب في نفسه كتاب ممتع، كسائر مؤلفات ابن تيمية الجامعة بين المعقول والمنقول.
وهو مرتب على مقامات وفصول. وبهامش النسخة عناوين للمباحث الفرعية.
فالكتاب حري بالطبع، والنسخة صالحة لأن يكون الطبع عنها.
стр. 123
ولأركان المجلس حسن النظر وفقهم الله تعالى.
٣ شعبان ١٣٤٧
كتبه: عبد الرحمن بن يحيى اليماني (١).
* * * *
[تحضيض الشيخ أركان دائرة المعارف أن يعلِّموا أبناءهم العربية]
ومما ينبغي توجيه النظر إليه أن يلتزم حضرات الأركان وغيرهم من العارفين باللسان العربي أن يلقِّنوا أولادهم وإخوانهم في بيوتهم العربية، ويحرصوا على جعل محاورتهم بها.
ومن كان له ولد أو أخ وأخذ حظًّا من ذلك، فليُحضره إلى النَّدِيِّ في بعض جلساته إن شاء الله تعالى، ليُلقي فيه خطابًا بالعربية، فيكون ذلك أدعى للرغبة والنشاط.
وكذا أساتذة المدارس، إذا كان في المدرسة تلميذ قد تمرن على المحاورة والخطابة= يُحضَر إلى النَّدِيِّ في بعض جلساته، ويلقي خطابه.
وحبذا لو تيسَّر أن يُنعم على ذلك التلميذ بكتاب أو قلم أو نحوه (٢).
* * * *
стр. 124
[قواعد في صيغ الجمع باللغة الأوردية]
الجمع
١ ــ إذا كان الجمع منادى جُمِع بالواو مطلقًا.
٢ ــ وإلَّا فإن كان معه أحد هذه الحروف: (ميں، سى، كو، تك، تلك، پر، نى، والا، كا، كي، كے) جُمِع بالواو والنون.
٣ ــ وإلَّا فالمذكر إذا كان آخره ألف أو هاء (هـ) جُمِع بإبدال الألف أو الهاء بياء مُهوَّاة.
٤ ــ وإلَّا فلا يُجمع، وإنما يُدَلّ على الجمع بالفعل.
٥ ــ والمؤنث: إن كان آخره ياءً جُمِع بزيادة ألف ونون.
٦ ــ وإلَّا فبزيادة ياء ونون (١).
* * * *
[تعليقات على مواضع من "ألف باء" للبلوي]
* [حول الصلاة الإبراهيمية]
" ألف باء " (ج ٢ / ص ٤٥٣)
"وكذلك امتثل ﵌ أمرَ ربه في الصلاة عليه، وذكر الآل كما ذكر "البيت" في الآية، وقال: "إنك حميد مجيد" كما في الآية، مع ما في هاتين اللفظتين من خفيّ الإلطاف في السؤال. وسؤال (؟) (٢) الأدب مع أبيه
стр. 125
إبراهيم، لم يطلب زيادة عليه تصريحًا، لكن أومأ إليه بذكر هاتين اللفظتين؛ لأن المجد في اللغة الزيادة والكثرة، تقول العرب: في كلِّ شجرة نار واستمجد المرخ والعفار".
أقول: لا أرى هذا جيّدًا؛ فإن النبي ﵌ أكرم من أن يدع أمرًا تأدُّبًا ثم يرجع فيه. وما أشبه هذا بقوله ﵌: "ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين" (١).
نعم، قد يقال: ليس طلب الزيادة بمخلٍّ بالأدب في نفس الأمر بالنسبة إلى مقام الأنبياء ﵈، فقد نزَّههم الله عن الحسد، فلا يتأذّى أحدهم بطلب غيره زيادةً عليه، ولاسيّما بعد الموت والخروج من الدنيا، فإن نفوس أفراد المؤمنين تتطهَّر من مثل هذا، فضلاً عن الأنبياء ﵈، ولا سيّما خليل الرحمن مع ولده محمد ﵌. ولكن خشي محمد ﵌ من التصريح بطلب الزيادة أن يفهم بعضُ الناس من ذلك نقصًا في رتبة إبراهيم ﵊.
فَترَكَ التصريح بذلك، وأشار إليه، على ما هو المشروع للإنسان من علوّ الهمة، وأن يوسع رغبته في فضل الله تعالى بقدر الإمكان. وقد قيل: القناعةُ من الله حرمان.
стр. 126
ومع هذا، فالبحث مبنيٌّ على أن التشبيه في قوله: "كما صليت على إبراهيم" يتناول القدر والصفة.
وقد بينت في بحث آخر (١) أن المراد ــ والله أعلم ــ التشبيه في مجرد الصلاة، كما تقول للمَلِك: أعطني كما أعطيت فلانًا. تريد: ليكن منك عطاءٌ لي كما كان منك عطاءٌ لفلان.
لا تريد: ليكن منك عطاءٌ لي كالعطاء الذي كان منك لفلان. يعني في قدره وصفته. فتأمَّل.
* [طَعم ماء زمزم]
"ألف باء" (ج ٢ /ص ٤٦٢ - ٤٦٣)
"وأما طعم الماء (زمزم) ساعةَ يخرج من البئر، فيخيَّل إليك أنه ماءٌ شِيبَ بلبنٍ حار رطبٍ، لبنٍ ليس فيه مرارة. فإذا بَرَد ربَّما وجدت فيه قليل مرارة".
يقول كاتبه: كذا وجدتُه أنا. كنتُ إذا شربتُ من زمزم عند البئر أجد له طعم اللبن، وإذا شربت منه خارجًا عن ذلك المكان لا أجد ذلك، بل أجد فيه ملوحةً ما.
وكان خطر لي أن المدار على المكان، وأتأوَّل ذلك على أن السرَّ في عدم نقل الماء عن محلّه. وأقول: لعلَّ البركة مثل ذلك، أي أنها مختصة بمن شربه عند البئر كما فعل ﵌، فإذا نُقِل قلَّتْ بركته. ثم رأيتُ ما ذكره صاحب
стр. 127
"ألف باء". فالله أعلم.
* [معنى حديث "صوموا الشهر وسِرَّه"]
(ج ٢ ص ٤٧٤): "وتسمِّي العرب الهلال شهرًا، قال الشاعر:
ابدأْنَ من نجدٍ على ثقةٍ ... والشهر مثل قلامةِ الظفر
ذكر هذا الخطابي (١) ــ ﵀ ــ في تفسير قوله ﵊: "صوموا الشهر وسِرَّه" (٢)، أي: مستهلَّ الشهر. وقال: العرب تسمِّي الهلال شهرًا". اهـ.
أقول: فيه بُعد. وقد حمل ابن حزمٍ الشهر على رمضان. يعني وعطفُ سِرِّه عليه مِن عطف الخاص على العام. وفي هذا ضعف؛ فإن عطف الخاص على العام إنما يحسن لنكتة.
وحَمَله غيرُه على شعبان، وهو أقرب؛ لأنه جاء في حديث آخر الإرشاد إلى صوم سَرر شعبان.
ونكتةُ العطف فيه: أن السَّرر ــ على رأي الأكثر ــ هو الأخير، وقد جاء النهي عن صوم آخر شعبان مطلقًا.
فكأنَّ حديث "صوموا الشهر وسره" كان بعد النهي المتقدم.
стр. 128
فلو قال: "صوموا الشهر" وسكت، لَجمعَ العلماء بين الحديثين بالعموم والخصوص، وأبقوا النهي المتقدم على حكمه؛ فزاد قوله: "وسره" نصًّا على نسخ النهي المتقدم.
أو يقال ــ وهو أولى ــ: قد كان سبق النهي عن صوم يوم الشك، وكان يحتمل أن يفهم بعض الناس من النهي الإطلاقَ ويخصِّص به عموم "صوموا الشهر"، فزاد قوله "وسِرَّه" لينبِّه على أن النهي عن صوم يوم الشك مقيَّدٌ بما إذا لم يوافق صيامًا آخر كان يصومه الرجل، كما إذا كان يصوم شعبان كلَّه. والله أعلم.
هذا كلُّه بناءً على صحة الحديث، وفيه مقال. والله أعلم.
* [شرح بيت لبشَّار بن برد]
" ألف باء " (ج ٢ / ص ٥٦٧):
"بشار:
وإذا قلتُ لها جودي لنا ... خرجَتْ بالصمت عن لا ونعمْ
قال مروان بن أبي حفصة: قلت لبشار ــ وقد أنشدني هذا الشعر ــ: هلَّا قلت:
* خرست بالصمت عن لا ونعم *
فقال: لو كنتُ في عقلك لقُلْتهُ، أتطيَّر على من أحبُّ بالخَرسَ؟ ! ".
يقول كاتبه: وفي قوله: "خرجت" لطيفة أخرى أدقُّ من التي ذكرها.
وهي أن في قوله "خرجت" إشارة إلى غرابةٍ في ما ذكره. وذلك أن
стр. 129
الجواب بِـ (لا) والجواب بِـ (نعم) ضدان، ومن شأن الضدين أن لا يجتمعا، ويمكن ارتفاعهما، ولكنهما كثيرًا ما يشتبهان بالنقيضين اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان. وهذا من ذاك؛ فإن المتبادر إلى الأذهان أن المسؤول إما أن يمنع وإمّا أن يسمح.
وعلى هذا جرت عادة الشعراء في بيان حال من يسألونه، إما أن يقولوا "سَمحَ " وإما أن يقولوا " مَنَع "، سواء كان ذلك في العطاء أو الوصل.
وكونُ المسؤول يسكت حالٌ بعيدةٌ عن الأذهان ــ كأنه ــ لأن الغالب عدمُها.
فلو قال: "خرست بالصمت عن لا ونعم" ربّما لا تُفهم تلك الغريبة.
فلما قال: "خرجت" كانت ظاهرة، كأنه يقول: خرجت من مضيقٍ يُظَنُّ أنه لا يمكن الخروج منه. فتأمّل.
ويزيدُ ما ذكرتُ غرابةً أن "لا" و"نعم" كناية عن المنع والمنح، وأصلُ المنع والمنح نقيضان ــ إذا عددنا السكوت منعًا ــ فحينئذ لا يمكن خروج المسؤول عن "لا" و"نعم" بمعنى المنع والمنح؛ لأنه إما أن يسمح وذلك قول "نعم"، وإما أن يمنع صراحة أو باعتلالٍ وسكوت أو غيره، وذلك قول "لا". فجَعَل بشار "لا" كناية عن الإنكار، و"نعم" عن الوعد بالجُود. وهذان يمكن ارتفاعهما. ولكن لما كانت العادة جَعْلَ "لا" و"نعم" كناية عن المنع والمنح ــ مع عدِّ السكوت منعًا كما تقدم ــ نشأت الغرابة. والله أعلم (١).
стр. 130
[تعليق على مواضع من "طبقات ابن سعد "]
* ([ج ٤] ص ٩٥)
"أخبرنا عفان بن مسلم: ثنا حماد بن سلمة: أخبرنا علي بن زيد، قلتُ لسعيد بن المسيب: يزعم قومك أن ما منعك من الحج أنك جعلتَ لله عليك إذا رأيت الكعبة أن تدعو الله على ابن مروان. قال: ما فعلتُ، وما أصلي صلاة إلا دعوتُ الله عليهم، وإني قد حججت واعتمرت بضعًا وعشرين سنة، وإنما كتبت عليَّ حجة واحدة وعمرة، وإني أرى ناسًا من قومك يستدينون فيحجون ويعتمرون، ثم يموتون ولا يُقضى عنهم، ولجمعةٌ أحب إلي من حج أو عمرة تطوعًا. فأخبرت بذلك الحسن فقال: ما قال شيئًا! لو كان كما قال ما حج أصحاب رسول الله ﵌ ولا اعتمروا".
أقول: لم يُرِد سعيد ــ والله أعلم ــ أن الجمعة أفضل من الحج والعمرة تطوُّعًا مطلقًا، بل من الحجِّ والعمرة اللَّذين يُستدان لهما، كما يدلُّ عليه السياق. كاتبه.
* ([ج ٨] ص ٢٥)
" ... عن أسماء بنت عميس قالت: أنا غسلت أم كلثوم بنت رسول الله ﵌[وصفية بنت عبد المطلب]، وجعلت عليها نعشا، أمرت بجرائد رطبة فواريتها".
إن صحَّ هذا، دلَّ على أن النعش الذي جعلتْه أسماء لفاطمة ــ ﵍ ــ كان ممَّا أقرَّه النبي ﵌ في حياته (١).
стр. 131
[نظم في زكاة الحيوان] (١)
في الهاءِ (٢) من إبِلٍ والميم (٣) من غَنَمٍ (٤) ... شاةٌ (٥) وثنتان (٦) في عَشْرٍ (٧) وفي أَكقِ (٨)
ثم الثَّلاث (٩) لِهِيٍّ (١٠) مَعْ أَرٍ (١١) جُعِلتْ ... وأربعٌ (١٢) يَكُ (١٣) ثم التَّاءُ (١٤) فاعتنقِ
стр. 132
وبعد ذا غَنَمٌ في كلِّ مَا مائةٍ ... شاةٌ فَحقِّقهُ يا مَنْ رَامَ واعْتَلقِ
والإبْل في هَكٍّ (١) بِنْتُ المخاضِ فَوَلْ (٢) ... بنتُ اللَّبونِ (٣) وفي وَمْ (٤) فَرْدةُ الحِقَقِ (٥)
وأَسُّ (٦) قُل جَذعةً (٧) بِنْتا اللَّبون لِوَعْ (٨) ... وحِقَّتانِ لأَصٍّ (٩) فادْرِ وانْتَشقِ
ثلاثُ بنتِ لبونٍ في كَقَا (١٠) فَخُذَنْ ... فردًا (١١) لميمٍ (١٢) فنونٍ (١٣) واحدُ الحِقَقِ (١٤)
стр. 133
واللَّامُ (١) مِن بقَرٍ فيها التَّبيعُ وفي ... ميمٍ (٢) مُسِنَّتُها وهكذا فَثِقِ
تمت
عبد الرحمن المعلمي
[من قريض الشيخ]
للحقير:
زارت وقد جنَّ الظلام وغابت الـ ... ـواشون فابتسمت ليَ الأفراحُ
سَفَرت فلم تأْلُ الفَرَاش تهافتا ... يحسبن أن جَبِينَها مصباح
فَشَكت إليَّ فقلت صبرًا إنها ... لَقلوبُ من يهواك والأرواح
* * * *
للحقير:
حِرْتُ في حبِّك (١) يا نور عيني ... رُبَّمَا يَصْلُدُ فكر الحكيم
أنعيمٌ كامن في عذاب ... أم عذابٌ كامن في نعيم
إنَّه جرَّعَنِي كلَّ ذلّ ... وهوان وبلاءٍ عظيم
* * * *
للحقير:
خيرُ بني زمانِنا ... وإنْ بدى مُشاهدا
سرابُ قاعٍ كلَّما ... نَحَوْتَه تَباعَدا (٢)
* * * *
يا راميًا بالبندقيْـ ... ـيَة وهو بالألحاظ أرمى
стр. 136
تُنمي يداه وإنما ... ما يُرمَ بالعينين أصمى
* * * *
ألا قاتل الله المروءة إنها ... لأجنى على نفس الطريق من الدهر
إذا طمحت عيناه قالت له اتئد ... فأنت الفتى يخشى القبيح من الذِكر (١)
* * * *
"أسرار البلاغة" (ص ١٠٩).
[قال] ابن نُباتة:
قد سَمِعْنا بالعِزِّ من آلِ ساسا ... نَ ويُونانَ في العُصور الخوالِي
والملوكِ الأُلَى إذا ضاع ذِكْرٌ ... وُجِدُوا في سوائر الأمثالِ
مَكْرُماتٌ إذا البليغُ تعاطَى ... وَصْفَها لم يجدْهُ في الأقوال
وإذا نحن لم نُضِفْه إلى مد ... حِكَ كانت نهايةً في الكمال
إن جمعنَاهُمَا أضرَّ بها الجمـ ... ـعُ وضاعت فيه ضَياعَ المُحال
فهو كالشمس بُعْدُها يملأ البَدْ ... ر وفي قُرْبها مُحاقُ الهلال
[قال الشيخ]: قد كنت قلت في هذا المعنى قبل أن أقف على هذه الأبيات:
إذا عالم منكم دنا بان نقصُه ... كذلك نقص البدر إن قارب الشمسا (٢)
* * * *
стр. 137
الحمد لله.
في الله ثم المجد يقدس هاشم ... أسباب حتفهم تُقًى ومكارم
........... (١) بهم شرف لهم ... في الدين والدنيا وفخر دائم
جادوا إلى بذل النفوس فكلهم ... كعب بن مامة والمبخَّل حاتم
وحموا إلى أن غالبوا عن جارهم ... طغيان أخضر موجه متلاطم
... (٢) أحمد والرزايا مألف ... لكم فهل هي شيعة بهواكم
ماذا يقول لكم وأنتم معدن ... للصبر والتأساء من عزَّاكم (٣)
* * * *
إذا أَلِف المرء المشقة جاهلًا ... سواها فزالت عنه حنَّ كعادته
ولكن سريعًا ما يقر قراره ... كذاك بكاء الطفل عند ولادته
* * * *
ولو نطق المولود قال مبادرًا ... إذا سِيلَ ما يُبكيه ساعة يوضع
وُكِلتُ إليكم بعد أن كان خالقي ... كفيلي ومهما تحفظوا فمضيَّع (٤)
* * * *
وضَعَ الإبهام بين الإصبعين ... مُعْرِضًا لمَّا رأى حِدّة عيني
لم يُفدْ ذاك فأبدى ذهبًا ... ففهمت النكتتين الحُلوتَيْن
* * * *
стр. 138
رشأٌ أمعنتُ لا عَنْ غرضٍ ... نظرًا فيه بنادي البَيعتينِ
لم يُعِرني نظرةً لكنه ... وضع الإبهام بين الأصبعين
نكتةٌ واضحةٌ لو أنها ... صادفت عندي فهمًا غير ذين
ثم أبدى عابثًا كيسًا له ... فيه كُثْرٌ من بُنيّاتِ اللُّجينِ
فبدت لي عندها تهمته (١) ... وفهمت النكتتين الحلوتَيْنِ
فرماني ظَرفُه بل خوفُه ... في الذي خاف ولكن لا لِشَيْنِ (٢)
* * * *
لكاتبه:
أفحمني من لم يكن عارفًا ... لو لم يكن من ساحلي غارفًا
كالشمس منها نور بدر الدُّجى ... وربَّما يُلفى لها كاسفًا
* * * *
قالوا على البعداء أكثر جوده ... فأجبتهم لا غرو فيه ولا عجب
فالشمس تحبو البدر بالأنوار إذ ... ينأى وينقص كلما منها اقترب
* * * *
كم من عداء في التدا ... ني كان ودًّا في التنائي
كالشمس فصل القيظ تكـ ... ـره وهي تُعشق في الشتاء (٣)
* * * *
стр. 139
في ٤/ ٤ / ١٣٧٢ هـ.
كيف يرجو الكريمُ إنصاف دنيا ... هُ وميزانُ عدلِها الميزانُ
عدلُه أنّ فيه يرتفعُ الدّو ... نُ وينحطُّ ما لَه الرجحانُ (١)
* * * *
[وصف الباخرة] (٢)
طوينا العُباب على باخره ... تبيت لقاموسه ماخره
بناء على الموج ما إنْ له ... أساسٌ سوى اللجّة الزاخره
إذا ما تأملتها من قريبٍ ... تخال بها بلدة عامره
وتحسبها جبل النار إن ... تعالت ................ الثائره
................ إن بدت ... بعيدًا كمدخنة زاهره
تباري وما إن تبالي الرِّياح ... أعادلة هي أم جائره
وليست تُرى لسكون الرّياح ... على الماء راكدة حائره
يهيج الخضمّ ويرتج وَهْي ... به جدّ هازئة ساخره
لها النار قوتٌ متى لم تجِدْهْ ... رأيت قواها له خائره
يصرّفها رجلٌ واحدٌ ... فتنقاد خاضعةً صاغره
يراعي النجومَ لها، والنُّجوم ... لديه ــ لعمرك ــ في دائره (٣)
* * * *
стр. 140
لكاتبه:
هو كالجوِّ فكن راجِيَه ... خائفًا حال احتدادٍ وسكونْ
فلقد يضحك عن صاعقةٍ ... ولقد يعبس عن غيثٍ هَتُون (١)
* * * *
للحقير وأنا في قضاء الحُجَرية لمَّا بنى مفتي القضاء أمين وقف الشيخ عمر الطيار دارَه في مركز القضاء المذكور، فلما أتمَّ طبقتها الثانية أوكر (٢) على عادة الناس اليوم في الولائم من الذبح وتفريق اللحم ثم اجتماع الناس للسمر في بيت المولم. فحضرنا فحصل ازدحام مفرط، فارتجلتُ ولم أفُهْ بها، قلتُ:
بنى المفتي أمين الوقف دارًا ... تفوق متانة القصر المشيد
وأوكر داعيًا للناس ليلًا ... إليها ذي القرابة والبعيد
وكنا في الذين دُعُوا فجِئْنا ... وأظْفرنا محلًّا للقعود
تزاحمْنا كما رُصِفت ورُصَّت ... نُزحزح كالوحوش لدى الورود
فلو من تحتنا الأخشاب زالت ... ثبتنا في الهواء بلا عمود
عسى الرحمن يمنحنا اكتفاءً ... بها الإعفاء عن ضمِّ اللحود (٣)
* * * *
стр. 141
جمعَ الشملُ بعد طول الشَّتات ... وصفا وِرْدُنا برغم الوُشاة
هجرونا حتى إذا ما يئسنا ... أسعفونا بنظرةٍ والتفات
وجفاء الهوى عسيرٌ وأيسر ... لسواه من سائر الحادثات
زارني من أحب بعد ازورارٍ ... فاستحالتْ بقربه حالاتي
ودنَا مُسعِدًا وباتَ نديمي ... فلنعم البياتُ كان بَياتي
ولقد صُلْت بالعتاب عليه ... وتتبعتُ سائر التبِعات
فأتاني بحجة تدفع اللو ... مَ، وعذرٍ مَحا جميع التِّرات
* * * *
رويدًا أمينَ الله فالحبُّ ذمَّة ... لمن حبَّ من محبوبه بأمان
فلا تَجزِينْ أُمنيَّتي بمنيَّتي ... وبعض منايا العاشقين أماني
فإنك إن تفعلْ تكنْ تلك بدعةً ... عليكَ إثْمُها ما أقبلَ الملَوان
وحسبُك فتكًا بي عيونُك إنها ... ستكفيك بي عن حدِّ كلِّ يماني
أعوذ بحسن الوجه منك من الردى ... فحسبيَ ما من مقلتيك أعاني
سمعنا بموتٍ في الهوى غايةً، وما ... سمعنا بضربٍ في الهوى وطعانِ
فإن كنتَ مِن شُحٍّ بوَصْليَ باخلًا ... فدعْ ليَ روحي واتركنَّ وشاني
* * * *
ألا فَصَمتْ أواخيَها نوارُ ... وشَّط عن المشوق بها المزارُ
وأَنْجَدَ أهلُها فهُمُ بنجدٍ ... وأهلي في تهامة قد أغاروا
وعهدي بالنوار وقد أطلَّتْ ... تشيِّعُني إذا ارتفع النهارُ
стр. 142
وأدْمُعُها على الخدَّين تجري ... ودمعي في الخدود له انهمار
لها من نرجِسٍ طَلٌّ لورد ... ولي عَنَم يُطِلُّ له بُهار
على أنَّا اعتنقنا فافترقنا ... وفي الأحشاء نارٌ واسْتِعار
فأضحى الحَبْل مجذومًا وعهدي ... بها والحبل مفتولٌ مُغارُ
وكم من ليلة بتنا جميعًا (١)
* * * *
ألا إن بحري أجل البحار ... فلا أرتضي درًّا الَّا الدراري
ومن كان جار إمام الهدى ... وجلوته للمزايا الكبارِ
إمامَ الهدى يا زكيَّ الخلال ... ذكي الفروع زكي النِّجار
عُبيدُك ذا قاصرٌ همَّه ... على الكتْب لا فضَّةٍ أو نُضارِ
فإن تأذنوا فكدا شأنكم ... فما زال فضلكمُ في انهمار
* * * *
غَزالٌ تُزفُّ إلى خُنفساء ... رأتْ وجه آخرَ يحكي القمرْ
فباتتْ وباتَ جميعُ النساء ... إلى وجهه شاخصاتِ البصرْ
تَعَضُّ على كفِّها حسرةً ... تلوم الزمان وتشكو القدرْ
* * * *
شيئان أشهى من نكاح الخرَّد ... وألذُّ من شرب القَرَاح الأسود
وأجلُّ من رُتب الملوك عليهمُ ... وَشْيُ الحرير مطرَّزًا بالعسجد
стр. 143
سُود الدفاتر أن أكون نديمَها ... أبَدَ الزمان وبردُ ظلِّ المسجد
* * * *
سأجعل فضل مالي في كتابي ... وأرضى بالرثاثة في ثيابي
[وأعرف] (١) أن درسًا في كتاب ... ألذُّ من المطاعم والشراب
ومِن لُبْس الحريرِ ووَشْيِ خَزٍّ ... وأحسنُ من ملامسة الكِعاب (٢)
стр. 144
[رؤى رآها الشيخ]
* الحمد لله.
يوم ... (١) صباحًا بعد أن صلَّيت الصبح في جماعة ــ والحمد لله ــ وقرأ الإمام سورة غافر، وبعد تمام الصلاة رجعتُ إلى محلّي فنمتُ فرأيت كأنني ذاهبٌ أتمشَّى على جبلٍ فأشرفت على رأسه، فإذا بديكٍ وقع هناك ولونه جميل إلى الغاية، لعلّه أجمل من الطاووس، فأعجبني لونه جدًّا، وصاح، فقلت: هذا المكان يصلح للتفرُّج، ثمَّ إذا بديكة أخرى مثل الأول تقع وتطير ثم رأيت الجوَّ كلَّه ممتلئًا طيرًا في مثل ذلك الجمال. ثم انتبهت لنفسي وإذا أنا على شرف الجبل، فانبطحت لأَثبُتَ كيلا أسقط، وإذا أنا أحسّ نفسي أنجرُّ بغير اختياري، فتمسَّكت بيدي فإذا بالصخرة التي أنا عليها انقلعتْ، ففرحتُ لأنه وقع في نفسي أنها إذا سقطت وأنا عليها لا يلحقني ضررٌ، فسقطت ولم أجد مشقَّة لسَقْطتها، بل أحسست كأنها إنما سقطت مقدار ذراعين أو ثلاثة.
ثم إذا أنا بالأرض وإذا فيها بساتين وقصور عالية، فمشيتُ فوصلت إلى وادٍ ضيِّق يجري فيه ماء قليل، فأردتُ أن أمشي فيه، فرأيتُ رجلاً يغتسل في الجهة التي أريد أن أذهب منها والماء متغيِّر فيها فعدلت عن ذلك أتطلب طريقًا أخرى، وإذا أنا برجلٍ كان يَقْصُر ثيابه (٢) فجرتْ بيني
стр. 145
وبينه محاورة سأقصّها بالمعنى.
فقلت له: أيّ وادٍ هذا؟ قال لي: وادي الشيخ، وأحسبني قلت له: في أي بلد؟ قال: في عُتْمة (وطني). قلت: في أي مخلافٍ؟ قال: في السُّمَل (١)، أظنه ثم قال لي: ما اسمك؟ قلت: عبد الرحمن بن يحيى. قال: من أين أنت؟ قلت: من رازح (مخلافنا) من بني المعلّمي (قبيلتنا). قال لي: وأين جنَّتك؟ فوقع في نفسي أنِّي في الآخرة، فقلت له: لم أَمُتْ بعد، ولم أزل من أهل الدنيا وإنما جئتكم زائرًا. فلما قلت هذا كأنه غضب مني وتغيَّرتْ صورته وعظُمَ وصار ينظر إليَّ بحَنَقٍ، فأحسستُ في جسمي بقشعريرة ومبادئ غشيٍ.
ثم إذا أنا بمثل الإنسان طائرًا، وقع في نفسي أنها امرأة، فقالت لي كلامًا لا أحفظه إلا أنه وقع في نفسي أنها تَعرِض عليَّ أن أمسك بيدها لتخلِّصني فمددتُ يدي لأقبض على يدها، فأولاً لم أقدر على القبض لأني كنت كلَّما قبضت لم يقع في يدي شيء ثم انقبضت لي اليد، وأخذ ذلك الشخص يَسبَح في الهواء وأنا أمشي قابضًا بيدها ثم ترددتُ في نفسي: لا أدري، أهذه تريد بي خيرًا أم شرًا؟ فرأيت أن أتعوّذ بشيء من ذكر الله تعالى حتى إذا كانت تريد شرًّا يخلِّصني الله تعالى منها، فتعوَّذت بشيء غالبُ ظني أنه آية الكرسي ولم أكن أقدر على النطق إنما أديرها