[في معنى حديث: "لا يسترقون ولا يتطيَّرون ولا يكتوون" (١)
وحكم التداوي]
أقول: الذي دل هذا الحديث على أن تركه مطلوب من الأسباب ثلاثة:
الأول: ما في تعاطيه مشقَّة شديدة وفائدة محتملة فقط، وهو الكي.
الثاني: ما فيه احتمال مفاسد وفائدته محتملة فقط، وهو الاسترقاء، أي: أن تسأل آخر أن يرقيك. ومن مفاسده: أن الرقية قد يكون شركًا ونحوه، وأنه إذا رقاك بدعاء فأنت تقدر على أن تدعو لنفسك، ولعل دعاءك لنفسك أقرب إلى الإجابة من دعائه لأنك مضطرّ يتأتى منك حسن الخشوع وصدق الالتجاء.
فإن قلت: أنا مذنب خطَّاء لا يُستاجب دعائي.
فهذا أوَّلًا: ضرب من اليأس من رحمة الله. وثانيًا: كالتكذيب لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وثالثًا: ضربٌ من عدم الرضا باختياره. ورابعًا: يكاد يكون ذريعة من ذرائع الشرك؛ فإن المشركين إنما أشركوا لزعمهم أنهم لحقارتهم وجهلهم ومعاصيهم ليسوا بأهلٍ أن يتقبل الله عبادتهم له أو يجيب دعاءهم إيَّاه فاتخذوا من دونه آلهة شفعاء.
فإن كان الاسترقاء بدون أجرة أو نحوها فهو سؤال من مخلوق لنفع
стр. 72
دنيوي، فهو قريب من سؤال المال، وهو حرام شرعًا لغير المضطر.
الثالث: الطيرة، وهي وَهْم مجرَّد مع ما فيها من خطر الشرك.
فالذي يدل هذا الحديث أن تركه مطلوب شرعًا هو هذه الثلاثة وما في معناها. والتداوي ليس في معناها إذ ليس فيه مشقة كمشقة الكي، ولا مفاسد كمفاسد الرقية، ولا هو وَهْم قد يكون شركًا كالتطيُّر. وقد تداوى النبي ﵌ وأمر بالتداوي، ونهى عن تلك الثلاثة. فلو لم نفهم فرقًا بينه وبينها لسقط القياس للنص، فكيف والفرق مثل الصبح ظاهر.
فإن قيل: إن آخر الحديث: "وعلى ربِّهم يتوكَّلون".
قلت: حقيقة التوكل كما يدل عليه الكتاب والسنة وسِيَر الأنبياء ﵈ هو: الثقة بالله ﵎ والاعتماد عليه دون الأسباب. فالمؤمن يتعاطى ما شرعه الله تعالى من الأسباب الواجبة والمندوبة وما يقرب منها مما هو سبب ظاهر ولم يحرِّمه الشارع ولا كرهه، بل ندب إليه في الجملة كالتداوي وطلب الحلال وغيره، ولكنه إنما يتعاطاها امتثالًا لشرع الله ولسنَّته التي أجرى هذا العالَم عليها. وهو مع ذلك عالم أن حصول المطلوب إنما هو بمشيئة الله وفضله. وهو مع ذلك عالم بأن الله ﵎ هو الذي جعل الأسباب والذي يسَّرها له، إلى غير ذلك.
ألا ترى أن النبي ﵌ لم يكن يقصِّر في تعاطي الأسباب حتى ظاهر في بعض حروبه بين درعين، ولكنه مع ذلك غير واثق إلا بربه ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
стр. 73
أَوَلا ترى أنه لما وقع من بعض المسلمين يوم حُنين ما يشعر باعتمادٍ على الأسباب إذ أعجبتهم كثرتهم، وقال بعضهم: "لن نغلب اليوم عن قلة"= ابتلاهم الله بما أزال ذلك الأثر من قلوبهم. فلما زال وخَلُص الاعتماد على الله نصرهم.
فالمحذور المنافي للتوكل إنما هو الاعتماد على الأسباب، فأما تعاطيها فمطلوب والله أعلم.
стр. 74
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المعاريض
في الأثر: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (١) قال ابن الأثير في "النهاية": "المعاريض جمع معراض، وهو خلاف التصريح من القول. يقال: إنما عرفت ذلك في مِعراض كلامه ومِعْرض كلامه".
قال عبد الرحمن: المعاريض هنا كل كلام فيه إيهام مقصود لمعنى لا يحب المتكلم التصريح به؛ إما لكونه كذبًا، وإما لغير ذلك. وهو على أضرب:
أبعدها عن الكذب ما يكون الكلام بحيث إذا تأمله السامع عرف أن المعنى الموهم غيرُ مرادٍ. وإنما يتم الإيهام بمعونة تقصير السامع واستعجاله في فهم الكلام؛ إما لأن تلك عادته، وإما لأنه في حال ضيق وانقباض، وإما لأن في الكلام ما يزعجه، وإما لغير ذلك.
فمن ذلك ما يُروى أن النبي ﵌ جاءه رجل فقال: "أُبدع بي" أي هلكت راحلتي "فاحملني" أي أعطني راحلةً أركبها، فقال ﵌: "لأحملنك على ولد ناقةٍ" فقال الرجل: وما أصنع بولد ناقةٍ؟ فقال النبي ﵌: "وهل تلد الإبلَ إلا النوقُ؟ " (٢).
стр. 75
فـ"ولد الناقة" حقيقة لغوية في الكبير والصغير من الإبل، ولكنه صار حقيقة عرفية في الصغير، إلا أن قوله: "لأحملنك على" قرينة تعيِّن الكبير لأنه هو الذي يُحمل عليه. ولكن الرجل كان في ضيق وانقباض لهلاك راحلته وحاجته إلى أخرى، فاستعجل ولم يتأمَّل.
ومنه ما يُروى أن امرأةً مرَّت تسأل عن زوجها، فقال لها النبي ﵌: "هو ذاك في عينيه بياض" فأسرعت حتى أدركت زوجها وطفقت تنظر في عينيه وأخبرته بما قال لها النبي ﵌، فقال الرجل: "صدق، وسوادٌ" (١).
فالمعروف في العادة أن البياض الأصلي في العين، وهو المحدق بالسواد لا يُخبر عنه بأن يقال: في عينَي فلانٍ بياض؛ إذ لا تخلوا عينا أحدٍ من الناس عنه. فالإخبار به إخبار بما لا يخفى على أحدٍ، فلا تظهر له فائدة. فهذا هو الذي حمل المرأة على حمل البياض على البياض الذي يَحْدُث في بعض العيون لرَمَدٍ أو بثرة أو نحوها فيعيب العين وينقص ضوءها، ولكن مثل هذا البياض إنما يحدث في العين تدريجًا وبعد مقدمات في مدة شهرٍ أو أكثر. وزوج المرأة كان عندها صباح ذلك اليوم وقبله، وليس بعينيه بأس، فهذه قرينة واضحة تردُّ ما توهَّمته المرأة.
ومنه ما يُروى أنه ﵌ قال لعجوز: "لا تدخل الجنَّة عجوز" فانزعجت، فقال ﵌: "ألم تسمعي قول الله : ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ
стр. 76
أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧] " (١). فالمرأة قد كانت قرأت الآية وفهمتها، وبايعت النبي ﵌ على التوحيد وغيره على أن لها الجنَّة، وعرفت ذلك يقينًا، ولكنَّها لمَّا سمعت ما يُوهم أنها لا تدخل الجنَّة انزعجت فغفلت عن ذلك كلِّه.
هذا، ومن الحكمة في هذه الأمثلة ونحوها مع ما فيها من حُسن الخُلق وملاطفة الأمة= تعليمُهم وإرشادهم إلى التؤَدة وتدبُّر الكلام، وترك الاستعجال المُوقِع في الغلط.
ومن هذا الضرب ــ فيما يظهر ــ قوله ﵌ لأزواجه: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا" (٢) لأن طول اليد وإن كان حقيقة لغوية في الطول الحسّي لهذه الجارحة، إلا أن هناك ثلاث قرائن تصرف عنه:
الأولى: أن طول اليد الحقيقي ملازم عادة لطول القامة، وكنَّ يعرفن أن أعضاءهن متناسبةٌ، وعليه فلو أراد الحقيقة لقال: "أطولكن" واقتصر عليه؛ لأن زيادة "يدًا" عبثٌ.
الثانية: أن سرعة اللحاق به فضيلة ثوابية، ومن عادة الشريعة ترتيب الفضائل الثوابية على الفضائل العملية، لا على الصور الخَلْقية.
الثالثة: أن إخبار الشارع عن الغيوب المستقبلة يغلب فيه عدم التصريح.
стр. 77
وقد بان ذلك في هذا الخبر، فإنه لو أراد التصريح لعيَّن المرادة بالإشارة إليها أو الاسم الخاص بها؛ وطول اليد الحسِّي تصريح.
الضرب الثاني: ما يحتمل المعنيين على السواء. ومنه قول أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه: "خير هذه الأمة بعد نبيِّها: أبو بكر ثم عمر، ولو شئتُ لسمَّيتُ الثالث" (١). فيحتمل أنه أراد نفسه ولكنه كره التصريح بذلك لما في ظاهره من تزكية النفس، ويحتمل أنه أراد عثمان ﵁ ولكنه كره التصريح بذلك لأن مخالفيه من بني أميَّة وأهل الشام كانوا يزعمون أنهم يطالبون بدم عثمان، ويدَّعون أن عليًّا سامح في قتله وآوى قَتَلتَه. وكان جماعة ممن نقم على عثمان بعض الأمور انضمُّوا إلى أنصار علي. فتصريح علي بفضل عثمان في تلك الحال يقوِّي فتنة أهل الشام وينفِّر من انضمَّ إلى علي من الناقمين على عثمان.
الضرب الثالث: ما يكون الظاهر منه خلاف الواقع، إلا أن هناك قرائن فيها خفاءٌ ما، لو تأملها المخاطَب لعاد الكلام عنده محتملًا.
فمنه فيما يظهر كلمات إبراهيم خليل الله ﵇. أما قوله لمَّا سئل عن زوجته: "هي أختي" وأراد أخته في الدين، فإنه إنما قال ذلك لقوم يعلمون أن من عادة ملكهم إذا سمع بامرأة جميلة لها زوج بدأ بقتل الزوج. ومن عادة الإنسان إذا وقع في شدة لا يمكنه التخلص منها إلا بالتورية ورَّى. بل كثير من الناس لا يتردَّد في مثل ذلك في الكذب الصريح. فهذه قرينة لو
стр. 78
تأمَّلها القوم لعلموا أنه لا يألو جهدًا في دفع الشرِّ عن نفسه، وذلك مظنة التورية، مع أن الأخوة يكثر استعمالها في غير الحقيقة الأصلية، ولهذا يكثر من الناس أن لا يكتفوا من الرجل بقوله لآخر: هذا أخي، حتى يستفسروه.
وأما نظره في النجوم وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، فإنما فعل ذلك بعد أن سبق منه أن قال لهم: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧]، فقد سبق منه أن بيَّن لهم أنه يريد التخلُّف ليكيد أصنامهم. ولا يخفى أنه لو أعاد لهم هذا القول عند خروجهم وسؤاله أن يخرج معهم لما تركوه. فلو تأمَّلوا ذلك لعلموا أنه لا يتحاشى مغالطتهم بالتورية ونحوها. ومَن عَلِم من حال صاحبه أن لا يتحاشى عن التورية لم يكتفِ منه بظاهر قولٍ، بل يصير الظاهر حينئذ غير ظاهر.
والإيهام في القصة هو إيهامه أنه استدلَّ بأحوال النجوم على أنه سيسقم عن قريب. وكأن نظرته في النجوم كانت نظرةً خفيفةً، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿نَظْرَةً﴾ بالتنكير، أي يسيرة. والنظرة اليسيرة قد تقع ممن يتذكر شيئًا أو يتدبَّره، فليست بظاهرة في نظر الاستدلال بأحوال النجوم، بل هي محتملة. وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي في المستقبل، وقد فهم المخاطبون ذلك ولكنهم لِتوهُّمِهم أن النظرة في النجوم كانت نظرةَ استدلال بأحوالها توهَّموا أن المراد: في المستقبل العاجل. وقوَّى ذلك عندهم أن كلامه ﵇ كان في معرض اعتذار عن الخروج معهم، والسقم المستقبل الذي يصلح أن يكون عذرًا هو الذي في المستقبل القريب.
وأما قوله ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]،
стр. 79
فليس الإيهام ــ والله أعلم ــ في نسبة الفعل إلى كبير الأصنام، فإن مثل ذلك لا يوجب إيهامًا؛ للعلم بأن الصنم جماد لا يتأتى منه الفعل عادةً. وهذه قرينة واضحة على أنه لم يُرِدْ نسبة الفعل إلى الصنم على الحقيقة. ولكن الإيهام فيما أرى ــ والله أعلم ــ في كلمة "بل"، فإنها تقتضي بظاهرها النفي عن نفسه، كأنه قال: "ما أنا فعلته، بل فعله كبيرهم هذا". ولعل المعنى المراد أن التقدير: " [لا] أقول: أنا فعلت (بل) أقول: (فعله كبيرهم) ". فـ (بل) للإضراب عن القول المقدَّر.
هذا، وقد ذكر المفسرون أنه ﵇ حطَّم أصنامهم كلها عدا الصنم الكبير، ثم علَّق الفأس بعنق الكبير أو يده. ومقصوده ﵇ بذلك أن يقيم الحجَّة عليهم من وجهين:
الأول: أن الأصنام لا تفعل ولا تنطق, فلا تنفع ولا تضر، فلا معنى لعبادتها.
الثاني: أنها لو كانت تعقل وتفعل لاحتمل أن الكبير يغضب من عبادة الصغار معه. وفي ذلك إشارة إلى أن رب العالمين سبحانه يغضب من عبادة شيء دونه.
هذا، وقد بيَّنتُ في موضع آخر أنه يظهر أن هذه الثلاث الكلمات كانت من الخليل ﵇ قبل النبوة (١). ومما يدل على ذلك ما وقع في
стр. 80
القصة: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. وبقية الكلام في موضعه.
فأما حكم المعاريض، فما كان من الضرب الأول فلا كلام فيه لظهور بُعده عن الكذب بمراحل، وكذلك الثاني. وإنما الكلام في الثالث. فإن صحَّ ما قدمته أن كلمات الخليل كانت قبل النبوة، فالظاهر أن هذا الضرب إذا كان لدفع شرٍّ أو للتوصل إلى حقٍّ، ولا تترتَّب عليه مفسدة= فهو جائز، ولكنه لا يخلو عن كراهية، فيتنزَّه الأنبياء بعد النبوة عنه. ويؤيد ذلك أن النبي ﵌ سمَّى هذه كذبات، فقال: "لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله" (١). ويعتذر الخليل ﵇ يوم القيامة عن الشفاعة بقوله: "إني كذبت ثلاث كذبات" (٢) كما يعتذر آدم بأكله من الشجرة، وموسى بقتله النفس.
فإذا كان لدفع ضرر خفيف، ولم تترتَّب عليه مفسدة اشتدَّت الكراهة، وتزداد شدَّة إذا لم يكن لدفع ضرر بل لتحصيل نفع أو عبثًا. ويتحقق التحريم إذا أمكن أن تترتَّب عليه مفسدة.
هذا، وأما الكلام الذي ظاهره البيِّن كذبٌ وليس عند السامع قرينة تصرفه عن ذلك الظاهر فهو كذب، وإن تأوَّله المتكلم في نفسه؛ لأن المعتدَّ به في اللغة والعرف والشرع [ل ٣٣] هو الظاهر، ولأن فائدة الكلام هي
стр. 81
الإفهام، وإنما يفهم المخاطَب الظاهر سواءٌ أقصده المتكلم أم قصد غيره. حتى لو فهم مخاطب خلاف الظاهر بغير قرينة لكان ملومًا لأنه خالف الدليل بغير دليل وردَّ الحجَّة بلا حجَّة. ولأن الكذب إنما قَبُح وحَرُم لما يترتَّب عليه من المفاسد، والمفاسدُ التي تترتب على الكذب الصريح يجيء مثلها في الخبر الذي ظاهره البيِّن كذب وقصد به المتكلم معنى صادقًا لا قرينة عليه. فمن المفاسد: استعمال الكلام في عكس الحكمة التي كان لأجلها، وهي تعاون الناس على معرفة ما يحتاجون إلى معرفته؛ فإن المعرفة إنما تحصل للمخاطب بإفهامك إياه الواقع، فإذا أفهمته خلاف الواقع فقد أوقعته في الباطل.
ومنها: ما يترتَّب عليه من المفاسد كأن يُقتل زيد ولا يُعلم قاتله، فيخبر رجلان أو ثلاثة ابنَه بأن بكرًا هو الذي قتل أباك، فيذهب ابنه فيقتل بكرًا ويكون خبرهم كذبًا. فالمفسدة واحدةٌ سواءٌ أرادوا من خبرهم ظاهرَه أم تأوَّلوا، كأن كانت أمُّ زيد في قرية أخرى مريضة فأخبره بكر بذلك ونصحه أن يزورها فخرج ليزورها فقُتل في الطريق، فتأولوا أن بكرًا لمَّا أشار على زيد بما كان سببَ قتلِه كأنه هو الذي قتله، ولكن لم يكن هناك قرينة صارفة يَعرف بها ابنُ زيد مقصودَهم.
ومنها: أن من عُرف بالكذب لم يعتدَّ الناس بخبره، فكأنه خرج من سلسلة التعاون الإنساني على المعرفة. فظَلَم الناس بأنه ينتفع بهم ولا ينفعهم، بل عُرف بالإضرار بهم، وظَلَم نفسَه بسقوط الاعتداد به. ومثله في ذلك من عُرف بكثرة الأخبار التي ظاهرها البيِّن كذب، فإنه لا يُؤمن في كل
стр. 82
خبر يُخبر به أن يكون تأوَّل في نفسه خلافَ ظاهره. بل إذا كثر ذلك منه لم يصدِّقه الناس فيما يزعمه بعد الإخبار من أنه قصد بها معنًى صادقًا خلاف ظاهرها، بل يعدُّون اعتذاره كذبًا آخر يريد به التخلص من كذبه السابق.
واعلم أن كل ما ثبت في كتاب الله أو السنة الصحيحة مما يقول أهل العلم أو بعضهم: إن المراد به خلاف ظاهره= له أوجه:
الأول: نحو قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] مما للكلمة في ذاتها ظاهر إذا أطلقت، ولكنها وقعت في كلامٍ الظاهرُ منها فيه خلاف الظاهر إذا أطلقت. فهذا ليس مما نحن فيه لأننا إنما نريد بالظاهر: الظاهر من الكلام مع اعتبار القرائن.
الثاني: ما يصح ردُّه إلى الضربين الأوَّلين من المعاريض، وهذا مقبول.
الثالث: ما لا يصح ردُّه إلا إلى الثالث أو إلى ما بعده، وهذا لا يوجد في الكتاب والسنة الصحيحة. ومن زعم أن شيئًا منهما منه، فإما أن يكون مخطئًا في زعمه منه، والحق أنه ممَّا تقدم؛ وإما أن يكون مخطئًا في تأويله، وتأويله مردود عليه. وتفصيل ذلك ودفعُ ما يخالفه يحتاج إلى تطويل ليس هذا محلُّه. وكثير من الأمثلة يُتوهم فيه أنه من الضرب الثالث أو مما بعده، وردُّه إلى الأول أو الثاني يحتاج إلى فضل عناية وشفوف نظر.
فمن ذلك: أن العموم والإطلاق ونحوهما من الظواهر ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز إخراجها عن الظاهر إلا بدليل مقارن، لأنه لا يجوز أن يريد الشارع بالنص خلافَ ظاهره ثم لا يقيم على ذلك حجَّة مقترنة
стр. 83
به، أي لأن ذلك عندهم كذب. وذهب آخرون إلى جواز تأخير البيان عن الخطاب، ولكن لا يتأخر عن وقت الحاجة. وذكروا أنه واقع في الشرع.
فإذا قلنا بالمذهب الثاني احتجنا إلى رد ما كان ذلك سبيله إلى الضرب الأول أو الثاني من أضرب المعاريض. وظهر لي أنه يمكن ردُّه إلى الثاني، وبيَّنتُ وجه ذلك لبعض طلبة العلم، ووجدتهم اقتنعوا به. وأما الاعتقاديات، فقد تكلَّمتُ عليها في موضع آخر (١)(٢).
стр. 84
التعليم والحكمة (١)
العلم والحكمة أخوان لا يختلفان، لكن معارف الناس وطباعهم وأهواءهم تختلف، فيؤدّي ذلك إلى اختلاف التعليم والحكمة.
مثال ذلك: أنّ النّصوص الشرعية منها ما يورث سعة الرجاء في رحمة الله تعالى ومغفرته، ومنها ما يورث شدة الخوف منه وخشيته، ولا ريب أنَّها كلها حقّ. وأن معرفة الأمر على حقيقته هو حقيقة العلم، وأن الإنسان لو أحاط بذلك وأعطى كلًّا من الجانبين حقّه لكان قائمًا بين الرجاء والخوف، وذلك هو مقتضى الحكمة.
لكن الإنسان قد يعلم شيئًا مما يورث الرجاء، ويجهل ما يقابله أو يغفل عنه، ويكون طبعه وهواه الميل إلى الرجاء، فيميل إليه حتى يتعدّى الحد، فيُخشى عليه أن يقع في الأمن من مكر الله . وقد يعلم شيئًا مما يورث الخوف والخشية، ويجهل ما يقابله أو يغفل عنه، ويكون طبعه يميل إلى ضعف الرجاء، فيميل إليه حتى يتعدّى الحدّ، فيُخشى عليه أن يقع في اليأس والقنوط من رحمة الله .
وكلا الأمرين ــ أعني الأمن من مكر الله ، واليأس من رحمته ــ
стр. 85
مهلكٌ. وقد يؤديان إلى نتيجة واحدة، وهي الاسترسال في الفجور.
أما الأمن فواضح. وأما اليأس، فيقول اليائس: أما الآخرة فلا حظّ لي فيها إلّا النّار، فلماذا أجمع على نفسي مع ذلك تعذيبها في الدنيا بتحمُّل مشاقِّ الطاعات واتقاء الشهوات؟
فإن لم يؤديا إلى هذا، فلابدّ أن يؤديا إلى الجهل بالله . أما الأمن فجهلٌ بحكم الله وعدله، وأما اليأس فجهلٌ برحمة الله وفضله.
فإذا عمد العالِم إلى أُناس مائلين إلى ما يقرب من الأمن فتلا عليهم النصوص المورثة للرجاء، أو إلى أُناسٍ مائلين إلى ما يقرب من اليأس فتلا عليهم النصوص المورثة للخوف والخشية= فالنصوص حقّ ومعرفتُها عِلم، ولكن التعليم مخالف للحكمة كما لا يخفى، لأن من شأنه أن يزيد الأولين قربًا من الأمن من مكر الله ، ويزيد الآخرين قربًا من اليأس من رحمته.
فمن لم يُراعِ في التعليم إلا بيانَ العلم أوشك أن يقع في مثل هذا مما هو مخالف للحكمة، بل ولحقيقة العلم؛ فإن حقيقة العلم هنا إنما هي ما يُوقِف الإنسان بين الرجاء والخوف.
فمن هنا اقتضت الحكمة أن يُراعَى في التعليم حال المخاطبين، وبذلك نزل القرآن. فمن الآيات ما روعي فيها الجانبان كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
стр. 86
ومنه ما كان ينزل بحسب أحوال الناس، إذا مالوا إلى شدة الرجاء نزلت آية مخوّفة، وإذا مالوا إلى شدة الخوف نزلت آية مبشّرة.
وعلى حسب هذا كان تعليم النبي ﵌، وجرى عليه حكماء العلماء.
فقد ورد حديث في أنّ امرأة دخلت النار في جزاء هرَّة (١)، وجاء حديث في أن بغيًّا من بغايا بني إسرائيل غُفِرَ لها في كلب سقته (٢).
فكان الزهريّ إذا روى أحد هذين الحديثين روى الآخر معه (٣).
وكان أمير المؤمنين علي ﵇ في محاربته لأهل الشام والخوارج يُظهِر مساوئهم، فلما سمع بعضَ أصحابه يظن كفرَهم نفى عنهم الكفر والنفاق، وقال: "إخواننا بغوا علينا" (٤).
ولما خرجت أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى البصرة، كان علي وأصحابه يسكتون عن الثناء عليها، فلما خشي عمار ــ وكان من أصحاب
стр. 87
علي ــ أن يكون في ظاهر حاله أو كلامه ما يوهم انتقاص عائشة قال: "والله إنّا لنعلم أنّها لزوجة نبيّكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها"، ومع هذا ضرَّتْه هذه الكلمة؛ فإن أهل البصرة أجابوا بقولهم: "فنحن مع الذي شهدتَ له بالجنة يا عمّار" (١).
وأمثلة هذه القاعدة لا تحصى، وسيأتي بعضها.
стр. 88
[قانون لتعليم علم النحو]
علم النحو لا شكَّ مفتاح لكلِّ علْم، ومَن عرفه كان لها (١) سِلْم، وهو مصباح الفهْم، وحجاب عن الوهْم، وهيهات أن يهتدي إلى [إتقانه] (٢) مَن لم يعرفه إلا بعسر وشدَّة.
ولما كان هذا العلم صعبَ التعلُّم في ابتدائه لأنه كما كان آلةً لغيره فهو كذلك آلةٌ لفهم عباراته وإدراك إشاراته، فربما حاول تعلُّمَه المتعلم مع عدم بصيرة المعلم فيستصعبه، وقد يتركه ولاسيما إن كان المعلّم مهذارًا يلقي إلى المتعلم فوق ما يحمله ذهنه= فأحببت أن أضع قانونًا لطيفًا ليُقتدى به في التعليم. وأرجو أن يتلقَّى بالقبول والتسليم.
فأقول: أولًا يلزم المعلِّم أن يعرِّف المتعلم مباديَه حتى يتصوَّرها فيفهم حينئذ ما سيُلقى إليه ويكون على بصيرة في التعلُّم، فيفهِّمَه حدَّه وفائدته ونحوها.
ثم يشرع فيه فيبدأ أولًا بأن يعرّفه ما الاسم، وما الفعل، وما الحرف، وأن الكلام ينحصر فيها، ويقرِّبَ له حقيقة كلٍّ منها وبعض علاماته التي يسهل عليه تناولها بعبارة سهلة بتلطُّف وتعطف. وليعرِّفْه بلسان عامته، وأن هذه العلامة هي التي تبدل بلسان العامة كذا، مثل "قد" أبدلت [ ... ] (٣)، والسين
стр. 89
[ ... ].
ثم الفرق بين الأفعال الثلاثة، ثم يبيِّن له الفرق بين الفعل والفاعل والمفعول، وأن الفعل يحتاج إلى فاعل وبعضه يحتاج إلى مفعول.
ثم أن الإعراب يكون بالحركات الثلاث والسكون. وقد تُوقف الكلمة على السكون لا على أنه إعراب، وأنها قد تجيء أشياء [أُخَر] تنوب عن الحركات.
ثم يشرع في الفاعل، فإنه أقرب مأخذًا من غيره، فيمثِّل له بالأسماء المفردة المعربة، ثم المفعول كذلك، ثم نائب الفاعل فيعرفه أيضًا [بعبارة] (١) سهلة.
ثم يشرع في المقصور والمنقوص، ثم في الأفعال الخمسة والأسماء الستة، ثم في التثنية، ثم في الجَمْعين (٢)، ثم في المبتدأ وخبره، ثم في حروف الجر، ثم حروف النصب، ثم حروف الجزم، ثم في النواسخ. ولا يبهته بجميع شروط الناسخ ونحوه، بل بالتدريج لئلَّا يسأم. ولا يغضبُ عليه بل يلين له ويخفف عليه. ولا يذكر له خلافًا ونحوه، فإنه لا يليق به.
ثم يبيّن له المعرفة من النكرة، ثم غير المنصرف، ثم المفاعيل والحال والتمييز وغيرها من الأبواب. ولا يُطِلْ عليه في التفصيل، فقد قيل: كثرة التفصيل تمنع التحصيل.
وهو مع ذلك يعاوده مذاكرة الأبواب الأُوَل، وإلَّا ضيَّعَها كمن يصبُّ
стр. 90
ماء في إناءٍ ضيِّق الفم، فإنه إن صبَّ وعاجل انسدَّ الفم بالماء وخرج الماء، وإن صبَّه في إناء مكسور فإنه كلَّما صبَّ خرج الماء، فلا يحصل على شيء. ومثل المحارب إذا أراد أن يُدوِّخ أرضًا فإنه يبتدئ من أولها فكلَّما دخل قرية شيَّدها وحصَّنها ويعاودها في الانتباه حتَّى يأتي على آخر البلد وقد صارت في قبضته، وإلا ذهب عمله سُدًى.
يُرجع (١) المسائل العويصة التي فيها الحذف والتقدير والمتشابه لوقتها. وكل مسألة تتوقف على درايةِ غيرها فليتركْها إلى انقضاء ذلك الغير.
وبالجملة فالكون مبني على التدريج. والله أعلم (٢).
стр. 91
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة في فن المنطق]
المقدمة:
المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتُها الذهنَ عن الخطأ في الفكر. ومنه بديهي ومنه نظري.
والفكر هو ترتيب أمور معلومة للتأدِّي إلى مجهول، وذلك الترتيب قد يخطئ.
والعلم هو الحضور الذهني مطلقًا، فإن قارنه حكم فالتصديق، وإلا فالتصور. وكلٌّ منهما إما بديهي وإما نظري.
وموضوع المنطلق هو المعلومات التصورية والتصديقية.
والموصل إلى التصور: قول شارح. والموصل إلى التصديق: حجَّة.
المقالة الأولى:
دلالة اللفظ على المعنى بتوسط الوضع له: مطابقة، كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق.
وبتوسطه لما دخل فيه ذلك المعنى: تضمُّن، كدلالته على الحيوان، وعلى الناطق فقط.
وبتوسطه لما خرج عنه: التزامٌ، كدلالته على قابل العلم وصنعة الكتابة.
стр. 92
وشرط الثالثة كون الخارج بحال يلزم من تصوّر المسمَّى في الذهن تصوُّره، لا كونه بحال يلزم من تحقُّق المسمى في الخارج تحقُّقُه فيه.
والمطابقة لا تستلزم التضمُّن كما في البسائط. واستلزامها ــ وكذا التضمُّن ــ الالتزامَ غير متيقَّن. وأما التضمن والالتزام فإنه معًا يستلزمان الوضع المستلزم للمطابقة، فهما يستلزمانها قطعًا.
والدالُّ مطابقةً إن قُصد بجزئه الدلالةُ على جزء معناه فهو المركب كـ"رامي الحجارة"، وإلا فهو المفرد. فلابد في المركب أن يكون لِلَّفظِ جزءٌ (١) له دلالة على معنى (٢) هو جزء المعنى المقصود (٣) من اللفظ دلالةً مقصودةً (٤).
فكل من همزة الاستفهام ولفظ "زيد" ولفظ "عبد الله" ولفظ "الحيوان الناطق" اسمًا لإنسان= كل منها مفرد.
والمفرد إن لم يصلح لأن يُخبر به وحده، فهو الأداة كـ "في" و"لا". وإن صلح لذلك، فإن دل بهيئته على زمان معين من الأزمنة الثلاثة فهو الكلمة (٥)، وإن لم يدل فهو الاسم.
стр. 93
والاسم إما أن يكون معناه واحدًا أو كثيرًا. فإن كان الأول؛ فإنْ تشخَّصَ ذلك المعنى سمِّي "علمًا"، وإلا فـ"متواطئًا" إن استوت أفراده الذهنية والخارجية فيه، كالإنسان والشمس، و"مشكِّكًا" إن كان حصوله في البعض أولى وأقدم وأشدَّ من الآخر، كالوجود بالنسبة إلى الواجب والممكن.
وإن كان الثاني، فإن كان وضعه لتلك المعاني على السوية فهو "المُشترَك"، كالعين. وإن لم يكن كذلك بل وُضع لأحدهما أوَّلًا ثم نُقل إلى الثاني، وحينئذ (١) إن تُرك موضوعه الأوَّل يسمَّى لفظًا منقولًا عُرفيًّا إن كان الناقل هو العرف العام كـ"الدابَّة"؛ وشرعيًّا إن كان الناقل هو الشرع كـ"الصلاة" و"الصوم"؛ واصطلاحيًّا إن كان هو العرف الخاص كاصطلاح النحاة والنظَّار.
وإن لم [يُترك] موضوعه الأول يُسمَّى بالنسبة إلى المنقول عنه: حقيقةً، وبالنسبة إلى المنقول إليه مجازًا، كالأسد بالنسبة إلى الحيوان المفترس وإلى الرجل الشجاع.
وكل لفظ فهو بالنسبة إلى لفظ آخر: مرادف له إن توافقا في المعنى، وإلَّا فمُبايِن.
وأما المركب فهو إما تام ــ وهو الذي يصح السكوت عليه ــ، أو غير تام.
والتام إن احتمل الصدق والكذب فهو الخبر والقضية، وإن لم يحتمل
стр. 94
فهو الإنشاء. فإن دل على طلب الفعل دلالة أولية، أي وضعية، فهو مع الاستعلاء: أمرٌ، ومع الخضوع: سؤالٌ ودعاءٌ، ومع التساوي: إلتماسٌ.
وإن لم يدل، فهو بنيَّته يندرج فيه التمنّي والترجِّي والتعجب والقسم والنداء.
وأما غير التام فهو إما تقييدي كالحيوان الناطق، وإما غير تقييدي كالمركب من اسم وأداة، أو كلمة وأداة.
وقد يقال: الإنشاء إذا دلَّ على طلب الفعل دلالةً وضعية، فإما أن يكون المقصود حصولَ شيء في الذهن من حيث هو حصول شيء فيه فهو الاستفهام. وإما أن يكون المقصود حصول شيء في الخارج أو عدم حصوله فيه؛ فالأول مع الاستعلاء: أمر، والثاني مع الاستعلاء: نهيٌ، وكلاهما مع المساواة: التماس، ومع الخضوع: سؤال.
الفصل الثاني (١)
стр. 95
[تأمّلات في بعض المقادير الشرعية]
شيء ... نصف شيء ... لا شيء
١ - مهر مطلقة بعد الدخول ... مهر مطلقة قبله ... مهر مفسوخة بعيبها قبله
٢ - حدُّ الحر البالغ العاقل ... حد العبد البالغ العاقل ... حدُّ الصبي والمجنون
٣ - ديَّة الحر المسلم ... ديَّة الحرَّة المسلمة ... دية الحربي
٤ - كلٌّ من العصبة الذكور إذا انفرد ... إن كان معه مثله ... إذا تعلق به مانع
٥ - العُشْر في النصاب السقي بلا كلفة ... نصف العشر في سقي بكلفة ... ما لم يبلغ نصابًا
٦ - عِدَّة الحرة المدخول بها ... عِدَّة الأَمة المدخول بها ... عدة كل منهما قبل الدخول
٧ - أجر المتنفل قائمًا ... أجر المتنفل قاعدًا مع القدرة ... أجر المرائي ونحوه
٨ - عقول العلماء ... عقول المتعلمين ... عقول غيرهم
قال رسول الله ﵌: ... ٩ - "كن عالمًا ... أو متعلِّمًا ... ولا تكن الثالث فتهلك" (١)
١٠ - نفقة الموسر للمطيعة ... نفقة المعسر لها ... نفقة الناشزة (٢)
стр. 96
[دفع طعن السيد العلوي في شيخ الإسلام والاعتذار عنه في ردّه لبعض الأحاديث التي يراها غيره أنها صحيحة]
(٤١٦)(١) عن ابن تيمية: "وإنما يصح الاعتذار عنه بذلك لو كان يقول فيما لم يعلمه ولم يستحضره: "لم أطلع عليه ولا علم لي به" أو نحو ذلك. كلَّا إنه لا يرضى لنفسه بذلك ولا يجد من الورع ما يحمله على التحرِّي، بل يدَّعي اتفاق أهل العلم على وضع أحاديث صحيحة مروية في السنن وكتب الحديث ... " إلخ
أقول: ابن تيمية إمام من أئمة المسلمين، وعلمه بالكتاب والسنة أعرف مِن أن يُعرَّف. وكل ما انتُقد عليه، له فيه أعذار مقبولة؛ الأول أن تلك الأحاديث التي يردّها قد يكون اطّلع فيها على علل قادحة، ورأى أن الكلام فيها يطول أو يوهم فاكتفى بردّها (٢)، ومن العلل أن يكون في رواتها بعض أهل الأهواء وهي موافِقَة لأهوائهم، فهم متَّهمون فيها وإن كانوا في أنفسهم ثقات، ولو لم يكن إلا التدليس وإن لم يُعرفوا به، وقد قال السيد نفسه في موضع من كتابه في (ص ٤٢٨): "وقد ألغى الشرع شهادة المتَّهمين" على أن هذا ليس على إطلاقه، بل لا بد معه من قرائن يعرفها أهلها. وقد اعترف السيد في موضع آخر من كتابه أن علم العلل خاص. وقال العلماء: إنه يكاد
стр. 97
يكون ذوقيًّا لا تؤدِّيه العبارة، وإنما يحصل بكثرة الممارسة والمزاولة، وابن تيمية معروف بذلك، ولا بِدْعَ أن تقوم لديه علل (١).
* * * *
[حول شدّة التعصّب المذهبي لدى الحنفية]
حكى الحنفية عن داود الظاهري أنه كان يناظرهم ببغداد في بيع أمِّ الولد، فيقول: أجمعْنا على أنها قبل الحمل يجوز بيعها، فنحن على ذلك حتى يثبت ما يمنعه.
حتى جاء بعض أكابرهم (٢) فقال له: لمَّا كانت حاملًا كنَّا مجمعين على منع بيعها، فنحن على ذلك حتى يثبت ما يجيزه.
هذا معنى ما نقلوه وتبجَّحوا به، وأساءوا الكلام في داود ﵀.
ولا يخفى ما في جواب صاحبهم من الضعف، فإن لداود أن يقول: إنما وافقناكم على منع بيعها حين حملها لمعنًى عارض قد زال قطعًا بالاتفاق، فلا يلزمنا استصحابُ حكمٍ مبنيٍّ على سبب قد زال قطعًا، بخلاف الاستصحاب الذي احتجَّ به داود؛ فإنه مبنيٌّ على سبب لم يثبت زواله أعني الرقِّيَّة. بل أنتم معترفون ببقاء السبب في الجملة.
стр. 98
ويمكن أن يورد الاستدلال بطريق أخرى فيقال في أمِّ الولد التي قد مات سيِّدها: أجمَعْنا أنها كانت أمَةً مملوكة، فنحن على ذلك حتَّى يثبت خلافه.
وأيضًا: بعد الولادة وقبل موت السيِّد كنا مجمعين على أن أحكامها غيرَ البيع ونحوه أحكامُ الأَمَة، فنحن على ذلك بعد موت السيد حتى يثبت خلافه. إلى غير ذلك من الوجوه.
والحنفية ــ غفر الله لنا ولهم ــ يشنِّعون على كل من ضعَّف قولًا من أقوال أبي حنيفة ﵀.
ولا تكاد تجد عالمًا من علمائهم إلا وهو يطعن في غيره من الأئمة لا بتضعيف الأقوال فقط ــ فإن تضعيف قول العالم لا يلزم منه الطعن عليه ولا إساءة الأدب في حقّه ولا انتهاك حُرْمته، وهؤلاء الأئمة أنفسهم وأبو حنيفة نفسه قد ضعَّفوا أقوالًا من أقوال أئمة الصحابة والتابعين، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ــ بل بالطعن والتجهيل والتحقير كما صنع الجصَّاص في "أحكام القرآن" (١) عند قول الله ﵎: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] مع أن من ذبَّ عن أنفه خُنزُوانة
стр. 99
التعصُّب ولو قليلًا يعلم أن الجصاص ــ غفر الله لنا وله ــ هو المخطئ في تفسير الآية.
ولكنه مضطر إلى ذلك الخطأ؛ لأنه لو اعترف بأن النكاح في الآية هو العقد كما هو اصطلاح القرآن المطَّرد، واللائق بالقرآن كما قاله الرضي. والغالب في لغة العرب إذا أرادوا أن يعبِّروا عن المعاني المُستحيَى من ذكرها عبَّروا عنها بألفاظ موضوعة في الأصل لمعنى آخر. وعكس هذا قليل في كلامهم، وإنما يُستعمل في مقام الشتم أو الهزل، كقولهم للقوم إذا نعسوا: تنايكوا، إنما يصلح في مقام الهزل كأن يكون جماعة سامرًا أو سَفْرًا (١) فينعس كثير منهم، فيقول من لم ينعس تلك الكلمة على سبيل العيب لهم لفِعْلهم ما يخالف مقتضى الهمَّة والعزم والجدِّ في الأمر.
فلو اعترف الجصَّاص بذلك لزمه أن لا يقول بحديث العسيلة (٢) لأن أصله (الواهي) أن الزيادة على القرآن نسخ، وليس هذا مذهبه، فرأى أنَّ جرَّ الآية إلى جانبه ــ ولو كانت في نفسها بعيدة عنه ــ يدفع عنه هذا الإلزام، وينفعه في إثبات مذهبه أن الوطء زنًا يحرِّم.
ولا يخفى أن إساءة الأدب من جانب تستدعي الإساءة من الجانب الآخر، وهكذا:
стр. 100
إذا شُقَّ بردٌ شق بالبرد مثلُه ... دوالَيك حتَّى كلُّنا غير لابس (١)
فحبَّذا لو تمسَّك أهل العلم بالإنصاف وعرفوا للعلماء مقاديرهم، وذبَّ كل مقلِّدٍ عن إمامه بما يدفع عنه الباطل لا بما يدفع عنه الحق أو المحتمِل. على أن خطأ المجتهد ليس ذنبًا في حقِّه، فنسبته إليه لا تُشعر بإرادة الناسب نقيصته، وإلا كان أبو حنيفة ــ ﵀ ــ وغيره من الأئمة منتقصين لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وجميع الصحابة والتابعين فمَن بعدهم، فإنه ما من أحد من الصحابة والتابعين إلا وقد خُولف في حكم من الأحكام، ومخالفتُه تخطئة له، بل وكثيرًا ما يُنسب إليهم الخطأ صريحًا. ونحن نقطع ــ أو نكاد ــ أنه ليس أحد من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أهل العلم متطابق (٢) مع أبي حنيفة في كلِّ قليل ودقيق حتَّى يُتصوَّر أن أبا حنيفة ــ ﵀ ــ لم يخطِّئه.
وقال صاحب "الجوهر النقي" (٣) في كتاب الفرائض عند ذكر موافقة الشافعي زيد بن ثابت أنه يبعد أن يتطابق مجتهدان في [كتابٍ من العلم من أوله إلى آخره] (٤).
* * * *
стр. 101
[زعم الصوفية أن العبادة لا تنبغي لقصد الجنة]
ما زعمه بعض المتصوِّفة من أن العبادة لقصد الجنَّة ناقصة وصاحبها عبد سوء= يُردُّ بأن الله غنيٌّ عن العبد وعن خدمته، ولا تعود عليه ــ ــ من الخدمة فائدة.
وإنما أمرَنا بما أمر لننال ثواب ذلك. فلو عبدناه لئلا ننالَ ذلك لكُنَّا كأنَّنا نعتقد أن عبادتنا تفيده ، أو نعتقد أنه أمرَنا بعبادته عَبَثًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وأيضا فهو الذي حثَّنا على طلب الثواب والمسابقة إليه وسؤاله منه، فترْكُنا لذلك معصية ظاهرة.
وأيضًا ... (١).
* * * *
[سبب منع أبي بكر النفقة عن مسطح]
فائدة
المناسب لمقام الصدِّيق أنَّ منعه عن مسطح النفقة لم يكن غضبًا لنفسه وابنته، وإنما هو غضب لله تعالى؛ لأن قوله بالإفك معصية. ويؤيِّده أن ظاهر القصَّة أنه إنما منعه النفقة بعد براءة عائشة. والله أعلم (٢).
* * * *
стр. 102
[مناظرة مع الشيخ الخضر الشنقيطي]
الحمد لله.
لما وصل الشيخ الخضر الشنقيطي حيدرآباد، كنتُ فيمن زاره، فجرى ذكر العلم والعلماء، فتكلَّم الشيخ الخضر بكلام في معنى فقْدِ العلماء الحقيقيِّين، وتلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] احتجاجًا على أن من لا يخشى الله تعالى فليس بعالم. فقال بعض الفضلاء ما معناه: ليس في الآية دليل على هذا، لأنها قصرت الخشية على العلماء، ولا يلزم من ذلك قصر العلماء على أهل الخشية. فسكت الشيخ عن الجواب (١).
* * * *
[خطَّة الشيخ لترتيب أحاديث المسند] (٢)
* الحمد لله.
أحاديث المسند على ضربين: مفردة، وجامعة.
ويعني بالمفردة: ما هو في حكم خاص.
وبالجامعة: ما اشتملت على عدة أحكام.
فأما المفردة؛ فنضع كلًّا منها في بابه.
فإن كان يصلح لبابين، كقوله في أفضل الأعمال: "الصلاة لوقتها" عَدَدْناه في الجامعة.
وأما الجامعة؛ فإن كان الجمع من جهة الراوي، قسمناها على أبوابها؛
стр. 103
إلاّ إن كان نحو قول الصحابي: "نهينا عن كذا، وعن كذا، وعن كذا"، فهذا النوع والذي يكون الجمع فيه في قصة واحدة، أو في كلام واحد من النبي ﵌ نضعه في القسم الجامع.
ثم إن كانت أفراد ذلك الحديث الجامع قد رُوي كلٌّ منها على حدة؛ أثبتنا الأفراد في أبوابها، ولم نثبت الجامع؛ بل رمزنا إليه بجزئه وصفحته عند كل من المفردات، كما في المكررات؛ وإلاّ فإننا نثبت الحديث الجامع في القسم الجامع، ثم نطبعه ــ إن شاء الله ــ مقدَّمًا، ثم نطبع قسم الأفراد.
فإذا جئنا على باب له حظ في حديث جامع قلنا: "انظر جامع ص ... ".
* الحمد لله.
باب الآداب
ينبغي تقسيمه؛ فما ظهر لنا أنه طِبِّيّ جعلناه في "باب الطب"، وما كان في الأطعمة والأشربة ألحقناه ببابها، وما كان في اللِّباس ألحقناه ببابه، وهكذا إن شاء الله.
ما كان من باب التفسير يظهر منه حكم؛ نجعله من الجامعة.
الحمد لله.
ابتداء مراعاة زوائد المسند من (ص ١١٨).
فما كان "عبد الله حدثني أبي" لم نبال بانقطاع سنده.
فما كان من الزوائد حافظنا على رواة السند إن شاء الله تعالى.
باب (١٤٤ - عدد ٨).
"ق": إشارة إلى ــ قرأت على أبي ــ (١).
стр. 104
[منهج وضعه الشيخ لتأليف كتاب في التفسير]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- القراءات: (عن تفسير الآلوسي). أقتصرُ على ما كان له علاقة بالمعنى، فلا أتعرّض للخلاف في الهمزة ونحوه.
- اللغة والتصريف والاشتقاق: (عن الراغب، وابن الأثير، واللسان، والقاموس مع شرحه، ونحوها، مع التفاسير). وأقتصر على ماله [علاقة] بالمعنى.
- النحو: (أعاريب القرآن للسّمين، وغيره، مع التفاسير). أقتصر على ما فيه غموض.
- البلاغة: (الكشاف، وغيره، مع مراجعة كتب البلاغة).
- أسباب النزول: (السيوطي، وغيره، والتفاسير).
- المعنى: وفيه الناسخ والمنسوخ، وذكر الأحاديث المبيّنة للآية، وما جاء من القصص ممّا كان إسناده قويًّا، مع بيان ذلك بالأسانيد. أقتصر على نقل الأقوال التي لها محلّ من النظر (١).
* * * *
стр. 105
[سرّ صيغة الجمع في السلام وجواب التشميت]
في الحديث أن العاطس إذا حمد الله، يقال له: "يرحمك الله"، فيجيب: "يهديكم الله ويصلح بالكم" (١).
وفي حديث تعليم السلام؛ أن يقول: "السلام عليكم"، فيجاب: "وعليكم السلام" (٢).
فما سرّ الإفراد في "يرحمك الله"، والجمع في البواقي؟ مع أن المترحِّم والمسلِّم والمسلَّم عليه قد يكون واحدًا؟
قد كان ظهر لي أن السرّ في جمع "يهديكم الله" الإشارةُ إلى أنه ينبغي أن يَترحمّ على العاطس كلُّ من سمعه، ثم رأيت أن هذا لا يكفي، لأنه على ذلك ينبغي إذا كان المترحِّم واحدًا أن يقال: "يهديك". وكذا في السلام.
ثم تبيَّن لي سحر ليلة الجمعة ٢٩ رمضان سنة ١٣٥٦ أن السرّ هو أن الترحُّم يقع من الإنس وحاضري الملائكة ومؤمني الجنّ، فلذلك ينبغي أن يجاب بالجمع "يهديكم الله ويصلح بالكم"، وإن كان الإنسان المترحِّم واحدًا؛ لأن معه مَنْ ذُكِر.
فأمّا العاطس، فلا يمكن أن (٣) يقال: إذا عطس، عطس معه الحاضرون من الملائكة ومؤمني الجن.
стр. 106
وأمّا السلام، فإن القادم يسلّم على الجالس ومَن معه من الملائكة ومؤمني الجنّ؛ فلذلك ورد بلفظ الجمع.
وكذا جوابه؛ لأن سلامه يكون عنه وعمّن معه من الملائكة ومؤمني الجنّ، فيكون الجواب بالجمع.
ثمّ السلامُ معناه الدعاء بالسلامة، ويلزمه الوعد بسلامة المسلَّم عليه من المسلِّم.
فعلى هذا، إذا سلمتَ على أحدٍ أو رددتَ ﵇ [ثم آذيته] (١)، فقد أخلفت وعدك.
وكأنه إلى هذا يشير حديث الأمر بالسلام عند القيام، وفيه: "فليست الأُولى بأَولى من الثانية" (٢). أي ــ والله أعلم ــ: فإن الإيذاء كما يمكن في الحضور يمكن في الغَيبة، بل لعله في الغَيبة أكثر.
وكأنّ حديث: "أولا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (٣) يشير إلى هذا؛ فإن المحبة إنما تتمّ بوعد كل إنسانٍ من المسلمين
стр. 107
صاحبه أن لا يؤذيه، ثم وفائِه بالوعد، فلا يؤذيه ولا يغتابه ولا ينمّ عليه، ولا إليه. والله أعلم (١).
* * * *
[كشف تحريف لأحد الجهلة في نسخة من "حلية الأولياء "]
[حلية الأولياء: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن مخلد، ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا عبادة بن زياد، ثنا يحيى بن العلاء، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال جاء أعرابي إلى النبي ﵌ فقال: يا محمد اعرض علي الإسلام، فقال: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله"، قال: تسألني عليه أجرا؟ قال: "لا، إلا المودة في القربى" قال: قرباي أو قرباك؟ قال: "قرباي". قال: هات أبايعك، فعلى من لا يحبك ولا يحب قرباك لعنة الله، قال ﵌: "آمين". هذا حديث صحيح (٢) من حديث جعفر بن محمد، لم نكتبه إلا من حديث يحيى بن العلاء.]
قوله: "صحيح"، راجعت الأصل المنقول منه هذه النسخة، فإذا هذه الكلمة مكتوبة على حكٍّ، فظهر أنه في الكتابة الأولى كُتبت مكانها كلمةٌ أخرى ثمَّ حُكَّت وكُتبت هذه الكلمة: "صحيح".
وعند مقابلة الكلمة الموجودة بخط كاتب الأصل يتبيَّن أنَّها بغير خطِّه.
стр. 108
ولا شكَّ أنَّ كلمة "صحيح" غير صحيحة هنا؛ فإنَّ في السند يحيى بن العلاء، وهو البجلي، متَّفق على ضعفه. بل قال الإمام أحمد فيه: كذَّاب يضع الحديث. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" و"الميزان".
وفيه أيضًا عبادة بن زياد، وهو عبَّاد (ويقال: عبادة كما في "التهذيب") بن زياد بن موسى الأسدي الساجي، وفيه نظر. وقد قال ابن عديٍّ فيه: هو من أهل الكوفة الغالين في التشيُّع، له أحاديث منكرة في الفضائل.
وفي السند أيضًا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وفيه مقال.
فإن قيل: يحتمل أنه صحَّ عند المصنف من طريق أخرى.
قلت: هذا باطل لقوله في آخره: "لم نكتبه إلا من حديث يحيى بن العلاء".
فالحاصل أن كلمة "صحيح" لا محلَّ لها؛ والصواب: "غريب".
وكاتب الأمِّ، وإن كان زيديًّا، إلا أنه عالم جليل ليس محلًّا للتهمة. وقد بينَّا فيما تقدَّم براءته، فتعيَّن أن يكون الحكُّ والتغيير من فعل بعض الجهلة من الزيدية؛ لمَّا رأى في الحديث فضلًا لأهل بيت النبي ﵌، ظنَّ أن الحديث لا بد وأن يكون صحيحًا أو نحو ذلك. والله أعلم (١).
* * * *
стр. 109
[بحث في معنى الصلاة على النبي ﵌ وآله]
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
الصلاة في الأصل: الدعاء. ولكنها أُطلقت حقيقةً شرعيةً في ذات الركوع والسجود.
وأطلقت أيضًا حقيقة شرعية ــ وإن كانت أقل من الأولى ــ في ذكر صيغة دعاء تتضمن لفظ الصلاة أو الرحمة.
فقوله في الآية: ﴿يُصَلُّونَ﴾ من هذا الثالث، وهو ذكر صيغة تتضمن لفظ الصلاة أو الرحمة؛ احتمالان.
ولكنّها من الله على سبيل الثناء، ومن الخلق على سبيل الدعاء.
على أنّه لا مانع من إطلاق أنها من الله على سبيل الدعاء من نفسه لنفسه تعالى. والله أعلم.
وقال السّنْدي في حاشيته (١): "قوله "كما صليت" قد اعترض بأنّ الصلاة المطلوبة له ﵌ ينبغي أن تكون على حسب منصبه وجاهه عند الله تعالى. ومنصبه أعلى، فكيف (تطلب) (٢) له الصلاة المشبهة بصلاة إبراهيم،
стр. 110
مع أنّ صلاة إبراهيم على حسب منصبه صلوات الله وسلامه عليهما؟
وأجيب: بأنّ وجه الشبه هاهنا هو كون صلاة كلٍّ أفضل من صلاة من تقدم ...
وقد يُجاب بأن التشبيه في اشتراك الآل معه في الصلاة. أي: صلِّ صلاة مشتركة بينه وبين أهل بيته كما صليت على إبراهيم كذلك. فكأنّه ﵌ نظر إلى أنّ صلاة الله تعالى [عليه] دائمًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ بصيغة المضارع. وقد تقرّر أنّها تفيد الدوام والاستمرار، فالأفيد أنّ المؤمنين يطلبون اشتراك أهل بيته معه في الصلاة، فعلَّمهم هذه الكيفية، ليفيد دعاؤهم فائدة جديدة، وإلا فيصير دعاؤهم كتحصيل الحاصل. والله تعالى أعلم" اهـ سندي.
وأقول: إنّ هذا الرجل ــ أعني السندي ــ ذو ذكاء مفرط كما يظهر من حواشيه، ولكن هذا المقام مزلَّة أقدام، ومضلَّة أفهام.
فأقول: أوّلاً: إنّني لا أقول بتفضيل أحد من الأنبياء على نبينا صلى الله عليهم جميعًا وآلهم وسلم.
ولكن قد أثبتنا في بحث مستقل (١) أنّنا منهيُّون عن التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا الاستشكال ناشئ عنه كما لا يخفى.
والتخيير المنهي عنه هو أن نقول أو نكتب، فأمّا أن يعتقد أحدنا شيئًا من