← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ و ﴿الْقُرى﴾ خبرا و ﴿نَقُصُّ﴾ حالا، أي: تلك القرى مقصوصا عليك من أنبائها، وإن كان المعنى على الحال؛ كقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً﴾ (١) ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ (٢). لأنه ليس المقصود الإخبار بأن هذه بيوتهم، وأن هذا بعلها، بل الإخبار بخواء البيوت وشيخوخة البعل. ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ أي: من وفاء عهد؛ كقوله: ﴿لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ (٣) أي: لا وفاء بالأيمان؛ كقول الشاعر [من الطويل]: وإن حلفت لا تنقض الدّهر عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين (٤) أي: ليس لها وفاء يمين، وإلا فهي قد حلفت، ومنه: ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ (٥) في فتح همزة «أيمان» فلا وفاء أيمان لهم. «إن» في ﴿وَإِنْ وَجَدْنا﴾ مخففة من الثقيلة، واللام في ﴿لَفاسِقِينَ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد إهلاكهم، وهو توكيد لمعنى ﴿ثُمَّ﴾ فإن «ثم» دلت على المهلة والترتيب، ولم يزدد معنى بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلا قوة. ضمن ﴿فَظَلَمُوا﴾ معنى ﴿كَذَّبُوا﴾ فعداه بالباء؛ كقوله [من الرجز]: قد قتل الله زيادا عني (٦). ضمن قتل معنى صرف، فعداه بعن، يجوز أن تكون ﴿كانَ﴾ تامة، و ﴿عاقِبَةُ﴾ هي الفاعل، ويجوز أن تكون ناقصة، و ﴿كَيْفَ﴾ خبر مقدم؛ لأنه استفهام، و ﴿عاقِبَةُ﴾ اسم كان ﴿حَقِيقٌ عَلى﴾ ضمن حقيقا معنى واجب في قراءة من قرأ ﴿عَلى﴾ بالتشديد، ومن قرأ ﴿عَلى﴾ فمن كان حقيقا بشيء كان ذلك الشيء حقيقا به (٧) وقوله:

стр. 282

﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ﴾ يجوز أن تكون الباء للحال؛ كقوله: خذ هذا الفرس بسرجه ولجامه. ويجوز أن تكون الباء للتعدية، أي: أحضر البينة إن كنت جئت بآية. ﴿فَأْتِ بِها﴾ ليس تكرارا، بل معناه: إن كنت مدعيا مجيئك بالآية فأظهر ما ادعيت مجيئك به، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتَ﴾ من باب دخول الشرط على الشرط؛ كقوله: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (١) وكقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ (٢) وكقول الرجل لزوجته: أنت طالق إن ركبت إن لبست، فإن ركبت ثم لبست لم تطلق، وإن لبست ثم ركبت طلقت على الصحيح من المذهب خلافا للإمام أبي المعالي (٣)، فإنه أوقع الطلاق في الحالتين (٤). ذكر هاهنا أنها ثعبان وفي موضع ﴿فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ﴾ (٥) وفي موضع ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ﴾ (٦) يسأل عن وجه الجميع، وجوابه من وجهين: أحدهما: أنها كانت كبيرة الجثة كالثعبان وخفيفة في الحركة كالجان والحية. والثاني: أن كل موضع ذكر فيه الجان والحية فهو في عود العصا كذلك بين يدي الله في حال مخاطبة موسى لربه في الطور، وكل موضع ذكر فيه الثعبان المراد به بين يدي فرعون حين طلب السحرة بلقف عصاه حيتهم، والجان والحية: الصغير من هذا النوع، والثعبان الكبير منه.

стр. 283

﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾ وقرئ ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ﴾ (١) وهذا يدل على أمرين: أحدهما: أن (إذا) التي للمفاجأة ظرف مكان حتى يصح كونه خبرا عن ﴿هِيَ﴾ فإنها جثة، وظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثث. والثاني: صحة قول الكسائي (٢): كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها (٣). ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: من درعه. وقوله: ﴿بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ وهي بيضاء لمن نظر، ولمن لم ينظر. لكن يريد بذلك أنها خرجت بيضاء بياضا يستوقف الناظرين للتعجب منه، وهو بياض شديد له شعاع، والظاهر أن الملأ عرفوا أن هذا ليس من صنع البشر، وأنه صنع الله الذي أتقن كل شيء، ولهذا قالوا: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ فهل سمعوا قط أن ساحرا أخذ مملكة من صاحبها وأخرج ملك المملكة من مملكته؟

стр. 284

قوله: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ يقوله بعض الملأ لبعض. ﴿أَرْجِهْ﴾ (١) أخره، والحاشر: الجامع، ويوم الحشر: يوم الجمع، و ﴿نَحْنُ﴾ في ﴿نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ فصل أو عماد. ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ يعني: لا أقنع لكم بحصول الأجر، بل تكونون أول داخل عليّ وآخر خارج عني. تأدبوا مع موسى، فجعلوا الخيرة له إدلالا منهم بأنهم غالبون كيف وقع الأمر. ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ خوفوهم. ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يكذبون أي: ما يأفكون فيه. ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: تبين وظهر. ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ﴾ أي: في ذلك الموضع، أو في ذلك الزمان. ﴿صاغِرِينَ﴾ ذليلين. ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ خروا على وجوههم ساجدين كأن ملقيا ألقاهم لسرعة وقوع جبهتهم على الأرض. قيل: كشف لهم في حال تلك السجدة عن جزاء

стр. 285

المؤمنين وجزاء الكافرين فآمنوا عن عيان، وصمموا على الثبوت حتى أجابوا فرعون حين قال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾. ﴿قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ﴾ أي: ما تعيب وتكره منا إلا الإيمان، وهو شيء لا يكره، وهو كقوله: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١) ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ (٣) وكقول الشاعر [من الطويل]: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب (٤) وفلول السيف من قراع الكتائب ليس عيبا فيهم، وفي قوله: ﴿لَمّا جاءَتْنا﴾ إشارة إلى سرعة انقيادهم، وسجودهم لله عند مجيء الآية لم يبطئوا ولم يتلعثموا. ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾ اصببه علينا حتى يكون كثيرا شاملا لأجسادنا. ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ قيل: كان لفرعون آلهة يأمر الناس بعبادتها ويقول: أنا ربكم الأعلى وإله الآلهة، وقرئ ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ (٥) أي: وعبادتك ﴿قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ شكوا ذلك إلى موسى، فقال لهم موسى: ﴿اِسْتَعِينُوا بِاللهِ﴾ الآية. و ﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ الحسنى ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ ﴿فَأَرْسَلْنا﴾

стр. 286

﴿عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦)﴾ ﴿قالُوا أُوذِينا﴾ بقتل الأبناء واستحياء النساء ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ﴾ بعثتك رسولا وهو كقوله: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ (١) ﴿فَيَنْظُرَ﴾ أي: فنرى. ﴿بِالسِّنِينَ﴾ أي: بالقحط ويقال لمن أصابهم القحط: أصابتهم السنة. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى﴾ فيقولوا: ما جاءنا هذا البلاء إلا من حيث رأيناك وهو كقول قوم صالح: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ (٢) وقول أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون: ﴿إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ (٣). ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي: يصيبهم ذلك عند الله فعليهم عقوبة على تكذيب الرسل. ﴿الطُّوفانَ﴾ قيل: عذاب أطاف بهم وقيل: أراد النيل حتى عم البقاع، وصار الماء يأخذهم إلى حلوقهم، وابتلوا بضفادع فملأت أوانيهم وأوعيتهم حتى كان الضفدع يلقي نفسه في القدر وهي تغلي. ﴿وَالدَّمَ﴾ صار الماء لآل فرعون دما، ولبني إسرائيل ماء، كان القبطي يقول للإسرائيلي: ضع الماء في فيك ومجّه في فيّ، فإذا مجّه فيه صار في فم القبطي دما، والرجز: العذاب. ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ﴾ هذه الفاء للتفسير؛ لأنه لم يتأخر الإغراق عن الانتقام بل هو نفس الانتقام، ويقرب منه: قال فلان فأحسن، وخطب فأوجز. ﴿وَكانُوا عَنْها﴾ أي: عن تدبرها ﴿غافِلِينَ﴾. ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾

стр. 287

﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ ﴿مَشارِقَ﴾ أرض مصر ومغاربها. وقيل: مصر والشام. وقوله: ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ يحتمل أن يكون ﴿فِرْعَوْنَ﴾ فاعل يصنع وأن يكون ﴿كانَ﴾ فيها ضمير الشأن، وأن يكون ﴿يَصْنَعُ﴾ خبرا مقدما، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ اسم كان، وأن يكون كان زائدة، ومثله ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ (١) ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ (٢) ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ (٣) ﴿بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (٤) لكن لا يجيء الوجه الثاني في قوله: ﴿يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ لأنه لو كان خبرا مقدما لقال: عما كان يعبدون. والعكوف على الشيء: ملازمته طاعة كان أو معصية، ولهذا قال: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ﴾ و ﴿ما﴾ في ﴿كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ كافة كفت الكاف عن الجر؛ كما في قوله: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ﴾ (٥) وهيأتها لدخولها على الجمل والأفعال. ﴿قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ عظمة الله. ﴿مُتَبَّرٌ﴾ مهلك مكسر، ومنه التبر؛ لأنه قطع مكسرة. ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ الإنجاء ﴿بَلاءٌ﴾ أي: أو وفي ذلك السوم، وقتل الأبناء واستحياء النساء بلاء، أي: نعمة، وتقول: سمته خسفا، أي: كلفته إياه، قال عمرو بن كلثوم [من الوافر]:

стр. 288

إذا ما الملك سام الناس خسفا ... أبينا أن نقرّ الخسف فينا (١) والخسف: الظلم. ﴿وَواعَدْنا مُوسى﴾ وضربنا لموسى ميقاتا لكلامه عند انقضاء الميقات فصام ثلاثين يوما، فوجد من فيه رائحة كريهة من الخلوف (٢)؛ قيل: فمضغ عشبا، ليذهب الخلوف. وقيل: تسوّك فأوحى الله إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك، صم عشرا أخر ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (٣) الميقات يجوز نسبته إلى الله وإلى موسى، لكن لما قال: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ﴾ قال: ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ وقياسه أن يقول: وكلمناه، لكن فيه التفات. لما سمع موسى الكلام هاج به الشوق وطلب الرؤية من غير استئذان على طلبها، فقيل له: سنتجلّى لما هو أقوى منك فإذا لم يستقر فأنت أضعف من ذلك، وقرئ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٤) والدكاء: الناقة التي لا سنام لها، أي: جعل مكانه مستويا بالأرض. ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً﴾ مغشّيا عليه من غير موت، ولهذا قال: ﴿فَلَمّا أَفاقَ﴾ وقال في حق السبعين: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (٥) فكانت صعقة أولئك موتا ﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ لا ينبغي لأحد أن يطلب ما لم يؤذن له فيه، وكذلك قال لنوح: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقال نوح: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ (٦). ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ﴾ باجتماع أمرين: بالرسالة والكلام، وغيره من الأنبياء السابقين وإن أرسل فلم يكلم من غير واسطة ﴿وَكَتَبْنا﴾ تقديره وكنا قد كتبنا؛ لأن كان قد استصحبها مكتوبة، والواو لا تقتضي الترتيب (٧). ﴿وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه في أمر المعاش والمعاد. ﴿فَخُذْها﴾

стр. 289

﴿بِقُوَّةٍ﴾ واعمل بما فيها بجد واجتهاد. قوله: ﴿بِأَحْسَنِها﴾ قيل: هي المأمورات كلها. وقيل: إذا جاز العفو والقصاص يؤخذ بأحسن الأمرين. ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨)﴾ ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ وقرئ (سأورثكم) (١) لقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ الآية (٢) وقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ (٣). ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ (٤) ﴿دارَ الْفاسِقِينَ﴾ قيل: المراد مصر والشام. واعلم أن ذلك لا يفيد نقصا لا في مصر ولا في الشام. وقيل: دار الفاسقين جهنم. ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ﴾ تدبر ﴿آياتِيَ﴾. والتكبر قد يكون [مباحا] كالتكبر على الذمي وأن يلجأ إلى أضيق الطرق، ولا يبدأ بالسلام، ترفعا عليه بحق. ﴿وَلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ أي: ولقائهم للآخرة، والآخرة صفة لموصوف محذوف وهي الدار؛ لقوله: ﴿وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ (٥) وقيل: النشأة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ (٦) ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد

стр. 290

انطلاقه إلى الجبل، قيل: كان عجلا ذا لحم ودم. وقيل: بقي على لونه ذهبا أو فضة من حلي القبط، ولما ألقى فيه السامري من تراب حافر فرس جبريل صار له خوار. وقرئ (جؤار) بالجيم وهمزة الواو (١)، أي: رفع صوت، ومنه: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ (٢). ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)﴾ يقال لمن ندم على أمر فاته استدراكه: سقط في يده. وقيل: إن أصله أن من جرى له ذلك يكبّ على يديه يعضهما ندما. ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ لأنه كان خليفته على القوم؛ لقوله: ﴿اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ قيل: أخذ بأذنيه، احتج به من زعم أن الأذنين من الرأس، وهو ضعيف؛ لأنه يتوقف على ثبوت النقل، وهو منقطع، وبيننا وبينه أكثر من ألفي عام. ترقق له بالنسب إلى الأم، وكان هارون أخاه شقيقه ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ إلها ﴿سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ﴾ ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ على الله. ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ قيل: سكت بمعنى سكن. وقيل: إن الغضب جعل كآمر يقول له: ألق الألواح، خذ برأس أخيك. فلما سكنت فورة الغضب سكت

стр. 291

ذلك الآمر. دخلت اللام في ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ لضعف عمل الفعل بتقدم معموله، ومثله ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ (١) كما يدخل في معمول اسم الفاعل والمصدر لضعف عملهما. ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ ﴿فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ حين سألوا رؤية الله تعالى. ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ يعني الذين طلبوا الرؤية هم بعضنا لا كلنا، وأنت أهلكت الجميع. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ أي: امتحانك واختبارك. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ أنت متولينا أو متولانا. هاد يهود إذا رجع. ﴿مَنْ أَشاءُ﴾ وقرئ (من أساء) (٢) والمشهود لمذهب أهل السنة؛ لأنهم يعتقدون أن الله - تعالى - له تعذيب البريء، وموافق لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (٣). ﴿وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ﴾

стр. 292

﴿السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ قيل: لما نزلت ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ طمع فيها كل أحد حتى إبليس، فلما نزلت ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيس منها إبليس ومردة الشياطين، وطمع فيها اليهود والنصارى فلما نزلت ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ علم أنها لأمة محمد ﷺ (١) وأميته ﷺ من تمام معجزته؛ لأنه لو كان يقرأ ويكتب لكان يقال: إنه طالع القصص والأخبار من الكتب ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٢) الذين يجدون نعته مكتوبا. قوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ هذه قاعدة الشافعي في باب الأطعمة؛ فإنه جعل كل ما استخبثته العرب حراما (٣). والإصر: الثقل ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً﴾ (٤) وسمي العهد إصرا لثقل الوفاء به، ومنه: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾ (٥) أي: عهدي، ومضى الكلام على عزر في المائدة في قوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ (٦). قوله: ﴿إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ جملة فصل بها بين الصفة والموصوف. والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب وكالشعوب في العجم. (انبجس الماء) خرج بكثرة. وسلهم سؤال تقريع وتوبيخ ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ وهي أيلة. ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾ يتجاوزون ما أمروا به في السبت، نسب الحيتان إليهم بقوله: ﴿حِيتانُهُمْ﴾ لأنهم ابتلوا بها. ﴿شُرَّعاً﴾ ظاهرة. ﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾

стр. 293

﴿خاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢)﴾ انقسم أهل القرية ثلاث فرق: فرقة تعدت وأكلت، وفرقة نهت، وفرقة سكتت؛ فنجت الناهية، وهلكت المخالفة، واختلف في الساكتة. وحكى عكرمة (١) مباحثة له مع ابن عباس في الفرقة الساكتة ظهر بها لابن عباس أنها نجت فأعجبه البحث، وكساه ثوبين (٢). (قالوا معذرة) وقرأ حفص (٣) ﴿مَعْذِرَةً﴾ بالنصب (٤) على المفعول من أجله. و ﴿تَأَذَّنَ﴾ أعلم. وقوله: ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ وضع الظاهر في موضع المضمر

стр. 294

تقديره: إنا لا نضيع أجرهم، لكن أفاد هذا الوضع أنهم مصلحون ومثله ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). أي: لا يضيع أجرهم، وأفاد دخولهم في حيز المحسنين. ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أي: سحابة، وقلنا: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ واجتهاد، وليكن منكم على ذكر. جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «إن الله - تعالى - لما خلق آدم استخرج من ظهره فرقتين: فرقة من الجانب الأيمن وهم المؤمنون، وفرقة من الجانب الأيسر وهم الكفار، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم لا إله غيره، فشهدوا كلهم بذلك وأقروا به» (٢). فاختلف المفسرون فقال بعضهم: هو المراد بهذه الآية، وقال المحققون: الحديث صحيح، ولكن ليس المراد بهذه الآية؛ لأن في الحديث أنه استخرج من ظهر آدم، والذي في الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولأن بقية الآية وهو قوله: ﴿إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ لا يجوز أن يكون مرادا بالخبر؛ لأن أحدا لا يتذكر ذلك الميثاق حتى يتوجه عليه اللوم، بل المراد بالآية: واذكروا إذ استخرج الله ذرية آدم بطنا بعد بطن، وقرنا بعد قرن، وركز في عقولهم أدلة الوحدانية كما قال [من المتقارب]: وفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنّه واحد (٣) ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥)﴾ ﴿فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ قيل إنه رجل أعطاه الله اسمه الأعظم، فقصده جماعة أن يدعو على

стр. 295

موسى وقومه، وأعطوه رشوة جزيلة، فركب دابته وجاء إلى جبل الحسبان يشرف على الغور، وكان موسى وبنو إسرائيل في غور الحسبان، فجاء ذلك الرجل وقال لأصحابه في الطريق: إني أرى الملائكة تضرب وجه دابتي تصرفها عن هذا القصد حتى أشرف على موسى وقومه فدعا عليهم بالاسم الأعظم فوقع موسى وقومه في التيه، وتدلى لسان ذلك الداعي وسلب ما كان معه من اسم الله الأعظم (١). وقيل: هو رجل أعطاه الله ثلاث دعوات مستجابات، وكانت له زوجة قد صارت عجوزة، فسألته أن يهبها دعوة من الثلاث؛ سألته أن تعود شابة جميلة الصورة فدعا لها بذلك، فترفعت عليه على عادة النساء الشباب في كراهة الأزواج الشيوخ فتضجر منها، ودعا عليها الدعوة الثانية أن تصير كلبة نباحة، فصارت كذلك، فبكى بنوها وقالوا: نعير بأن أمنا صارت كذا وكذا، وسألوه وبكوا بين يديه، فدعا لها بأن صارت عجوزا كما كانت فذهبت الدعوات الثلاث، وبقي كما كان (٢). ويجوز ألا يكون المراد شخصا معينا بل كل من أوتي فهما في آيات الأنبياء ولم يعمل بما فهمه منها؛ فهو مراد بهذه الآية (٣). ومعنى انسلخ: خرج منها؛ كما تخرج الحية من جلدها.

стр. 296

﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: مال إلى الدنيا ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ في استواء حاليه في الحمل عليه وترك الحمل، فإنه يلهث في الحالين جميعا، كذلك هذا، سواء عليه أفهم أم لم يفهم، فهو لا يعمل بمقتضى الآيات. واعلم أن الأمثال يقصد بها إيضاح المعنى، وقد يقصد بها الإهانة مع ذلك؛ فيضرب له المثل بأحسن الأشياء، قال الله - تعالى: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ (١) ولم يقل كأنهم غزلان، فإن الغزال في النفور كحمار الوحش، لكن قصد إهانتهم بتشبيههم بحيوان يضرب به المثل في البلادة، وقال - تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ (٢). وقال هاهنا بعد تشبيههم بالكلب: ﴿ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ﴿ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾. ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ خلقهم ليدخلوا النار. قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأنهم أوتوا ما يفهمون به فضيعوه، والأنعام لم يؤتها الله ما يحصل به الفهم، فكانوا أضل من الأنعام، وقال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ بغير واو؛ وقال في البقرة:

стр. 297

﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) بالواو؛ لأن كونهم على هدى من ربهم وصف حالهم في الدنيا، ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وصف حالهم في الآخرة، فالوصفان متغايران، وأما هاهنا فتشبيه بالأنعام ووصف بالغفلة. وقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ تقوية لذلك المعنى الأول فلا معنى للعطف. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ فيسمون اللات من تأنيث اسم الله والعزى من العزيز، ومناة من المنان، فيميلونها عن معانيها. واللحد في اللغة: الميل، ومنه لحد القبر، لكن لا يستعمل إلا في الشر، وكذلك الزيغ بخلاف الحنف، فإن أصله الميل، ولا يستعمل إلا في الخير. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سننقلهم درجة بعد درجة بكثرة المال والأولاد والخصب. ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أمهلهم زمانا، والملاوة ومنه الملوان في الليل والنهار. ﴿ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: جنون ﴿وَأَنْ عَسى﴾ أي: وفي أن عسى. ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ قرئ ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ بالجزم عطفا على موضع الفاء في قوله: ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾ وبالرفع (٢) عطفا على ما بعد الفاء؛ كقوله: ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ﴾ (٣) ومثله قوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ﴾ ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ (٤) ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ متى ثبوتها واستقرارها؟ ثقل علمها على أهل السماوات والأرض، فلا يعلمها أحد منهم. ﴿كَأَنَّكَ﴾

стр. 298

﴿حَفِيٌّ عَنْها﴾ كأنك قد أكثرت السؤال وأحفيت في المسألة عنها. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ واجتنبت الشر. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ آدم ﴿وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ حواء ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ وطئها. ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾ في أول الحمل ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ فذهبت وجاءت ولم يثقلها الحمل. ﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ﴾ دعا آدم وحواء ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا﴾ ولدا ﴿صالِحاً﴾ وقيل: إن إبليس جاء إلى حواء، وكانت قد مات لها أولاد، فقال لها: أنتم تسمون أولادكم بعبد الله، وعبد الرحمن وإذا كان عبد الله أخذه سيده، فسموا أولادكم: عبد الحارث، وكان إبليس اسمه الحارث فسموا فعتبوا بهذه الآية، وهذا بعيد؛ لأن مجرد التسمية من غير اعتقاد لا ينبغي أن يقال لمن فعله ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقيل: هو الذي خلقكم يا معشر العرب من نفس واحدة، وهي قصي، وجعل من جنسها زوجها إلى أن قال: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ فسموا أولادهم عبد مناف وعبد شمس وعبد الدار، وهذا مال إليه الزمخشري (١)، وهذا لا يبقى عليه سؤال إلا بعد اللفظ عن إرادة قصي بن كلاب بن مرة. قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ولم يقل: أم صمتم؛ كقوله: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ (٢) فإن ذكر اسم الفاعل يدل على استقرار الأمر وثبوته بخلاف الفعل الماضي، فإنه يصدق بمرة واحدة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ تدعونهم ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ آلهة ﴿عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ في كونهم عبيدا. وقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ استهزاء، فإنهم لو كانت لهم أرجل يمشون بها وأيد يبطشون بها، وأعين يبصرون بها، وآذان يسمعون بها - ما استحقوا العبادة، ولم يقتصر على هذه الأعضاء، بل قال ينتفعون بها، لأن الصنم تصور له هذه الأعضاء ولكن لا ينتفع بها. قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ﴾ إن متولي أمري هو الله، ولا يجيء: إنني أتولى الله؛ كقوله أولا: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ إن الله يتولى أمري، وكقوله بعد ذلك: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾.

стр. 299

﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ النظر بقلب الحدقة إلى المرئي سواء حصل رؤيتهم أم لم تحصل، تقول: نظرت إلى الهلال فلم أره، ولا تقول: أبصرته فلم أره. ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: ما صفا من أخلاق الناس. قال الشاعر [من الطويل]: خذي العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب (١) النزغ: النخس ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ وجه الصواب ﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾ من الشياطين، قرئ «يمدّونهم» و «يمدّونهم» (٢) وهو رد لقول من زعم أن الإمداد في الخير والمد في الشر لقوله في الخير: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ﴾ (٣) ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ﴾ (٤) وقال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٥) فقراءة ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ هاهنا ترد على هذا القول.

стр. 300

﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ ﴿اِجْتَبَيْتَها﴾ اختلقتها، والآصال: جمع أصيل، وهو ما بين المغرب والعشاء. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ هو كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (١). ***

стр. 301

سورة الأنفال [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١)﴾ قوله: ﴿الْأَنْفالِ﴾ جمع نفل، وهو العطاء، قال الشاعر [من الرمل]: إنّ تقوى ربّنا خير نفل (١) ... وكانت غنائم بدر لرسول الله ﷺ يفعل فيها ما يشاء. قال بعض الصحابة: نزلت فينا أهل بدر حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا، وجعله للنبي ﷺ فقسم بيننا على بواء (٢)، أي: على سواء. وعن سعد بن أبي وقاص قال: قتل أخي يوم بدر فقتلت قاتله وأخذت سيفه، وجئت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله شفيت غليلي، قتلت قاتل أخي وهذا سيفه، فنفلني

стр. 302

إياه. فقال: اذهب فاطرحه في القبض - والقبض - بفتح الباء -: هو الشيء المقبوض، كالنقص والحسد: الشيء المنقوص والمحسود - فقلت: يا رسول الله: نفلني السيف. فأعاد عليّ القول بصوت أغلظ من الأول: اطرحه في القبض. فذهبت لأطرحه وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي ومنعي السيف، فقبل أن أصل ردني رسول الله ﷺ فقال: إنك (٦٥ /أ) سألتني السيف وليس إليّ، والآن فقد جعل الله غنائم بدر لي أتصرف فيها، اذهب فخذ السيف (١)». ولما حصل لقاء يوم بدر جلس النبي ﷺ في العرش هو وأبو بكر واجتمع إليه الشيوخ وأرباب الرايات وتقدم الشباب فقاتلوا وقتلوا وغنموا، فلما انقضت الحرب قال الشباب: نحن حزنا الغنيمة بأسيافنا فهي لنا، وقال الشيوخ: نحن كنا ردءا لكم وفئة تنحازون إليها، وتنازعوا في ذلك فنزلت ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾. ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ﴾ بالعظمة وسرعة الانتقام. ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ﴾ آيات الرحمة والمغفرة قويت آمالهم واطمأنت قلوبهم، وازداد أثر إيمانهم، ولا يتوكلون إلا على الله، وجاء الحصر من جهة تقديم المعمول. ﴿حَقًّا﴾ مصدر أي: يحق ذلك حقا، الكاف في قوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ﴾ للتشبيه، ومعناه: كما جعل الأنفال والرسول يفعل فيها ما يراه، وإن كرهوا ذلك - أخرجك ربك لقتال أهل بدر وهم كارهون. وقيل ترجع إليّ ﴿حَقًّا﴾ أي: يحق ويثبت أيها الرسول وإن كرهوا، كما حق خروجك من بيتك إليهم وإن كرهوا. ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ في موضع الحال. لما بلغ رسول الله ﷺ أن عير قريش قد قرب مرورها عليهم ذاهبة إلى مكة وفيها أربعون راكبا منهم أبو سفيان بن حرب فندب النبي ﷺ أصحابه ليخرجوا لطلب العير، فسمعت قريش بمكة بذلك، فأسرعوا يطلبون حماية العير، وقالوا: إن أخذها محمد استغنى واستعان بها على قتالنا، وألزموا كل أحد بالخروج أو أن يقيم بدلا مكانه وهم النفير، فوعد الله نبيه إحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير، وكان عرض أكثر الصحابة أن ينالوا العير؛ لأنه مال يوجد من غير قتال، ولأنهم لم يخرجوا يوم بدر للقتال، وإنما خرجوا لطلب العير، وأما

стр. 303

النفير فإنهم جاءوا بسلاحهم وشوكتهم ليقابلوا ويمنعوا العير (١). وقد مضى في الأنعام (٢) شرح الدابر. الخائف لا ينام وكان أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا ليلة على كثيب أعفر (٣) ينهال رملا وترابا لا تثبت عليه أقدامهم للقاء، وليس هناك ماء وأجنب كثير منهم تلك الليلة، فوسوس إليهم الشيطان قوة الخوف، وأنكم تلقون ربكم وأنتم على جنابة (٦٥ /ب) ولستم على طهارة، وأن هذه الكثيب لا تثبت فيه الأرجل، فأرسل الله عليهم نعاسا يدل على حصول الأمن في القلوب، وأمطرت السماء حتى سال الوادي، واجتمع ماء كثير فاغتسلوا، وتجلدت الأرض، فثبتت عليها الأقدام (٤). ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ (١٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل: بما تلقون في قلوبهم من الثبات والنصر. وقيل: كان الملك يتصور في صورة رجل ويمر بطوائف المسلمين فيقول: يا عباد الله اثبتوا، إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (٥)، فقوله على هذا القول حقيقة. ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ أي: أعاليها. وقيل: اضربوا الرؤوس، كقول الشاعر [من الوافر]:

стр. 304

وأضرب هامة البطل المشيح (١) ... وقيل: ﴿فَوْقَ﴾ زائدة، وهو بعيد؛ لأن الأسماء لا تزاد غالبا (٢). وقوله: ﴿ذلِكُمْ﴾ يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلكم، أو مبتدأ وخبره ما دلت عليه الجملة، وأن يكون منصوبا بقوله: «فذوقوا» مضمر دل عليه «فذوقوه» وهو من باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره وهو الأحسن هاهنا؛ لأن الأمر لا يصلح أن يكون خبرا إنما الخبر ما يدخله التصديق والتكذيب. ﴿زَحْفاً﴾ حال من الفاعل والمفعول معا، أي: متزاحمين. ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ﴾ فلا تجعلوهم ولاة على ظهوركم بالانهزام، ويدل عليه قول بعض المنهزمين من الكفار يوم بدر وقد سئلوا عن كيفية قتالهم فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلون ويأسرون، ويجوز أن يكون من الولي. ﴿فَقَدْ باءَ﴾ فقد رجع. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ﴾

стр. 305

﴿أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥)﴾ ﴿وَما﴾ أوصلت المرمى ﴿إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ﴾ أوصله، وكان النبي ﷺ قد أخذها من حصى وتراب، فرمى بها إلى ناحية القوم، فامتلأت أعين جميع المشركين ترابا ورملا، وأعان ذلك على انهزامهم. البلاء يكون في الخير؛ لقوله: ﴿بَلاءً حَسَناً﴾ ﴿وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ﴾ (١) أي: مضعف. روي أن أبا جهل قال يوم بدر: «اللهم انصر أهدى الحزبين، وأعلى الفئتين» فدعا على نفسه وجماعته (٢). وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ إن تستنصروا، أي: فقد جاءكم النصر عليكم لا لكم. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ شر ما دبّ على الأرض حتى يدخل الكافر، فهو بالنظر إلى أصل الوضع حقيقة في الكافر، ولكن في عرف الاستعمال بما يحمل (٦٦ /أ) على بعض ذوات الأربع، كما لو حلف لا يركب دابة فركب كافرا لم يحنث، وكما لو حلف لا يجلس في ضوء سراج لم يحنث بالجلوس في الشمس، وقال الله - تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً﴾ (٣) ولا يقعد على

стр. 306

بساط فقعد على الأرض لم يحنث مع قوله - تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً﴾ (١) ولا يمس وتدا فمس جبلا، لم يحنث مع قوله - تعالى: ﴿وَالْجِبالَ أَوْتاداً﴾ (٢) أو لا يأكل ميتة فأكل سمكا أو جرادا لم يحنث مع قوله ﷺ : «أحل لنا ميتتان» الحديث (٣) وإنما الأيمان على عرف الاستعمال. ثقفت القوم: أخذتهم بقوة. إني فاعل بهم من النكال ما يوجب هرب من خلفهم لما يخشون من حلول مثل ذلك بهم. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾ سماع قبول ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ سماع قبول لارتدوا. دعاء الله يصل إلينا على لسان رسوله، ودعاء رسوله يخبر عن الله، فلذلك قال: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ﴾ ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قيل: المراد القرب، كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٤). وقيل: يمنعه فهم القرآن وتدبر الآيات. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ مقولا فيها: ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ بل تعم. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ ﴿وَتَخُونُوا﴾ يجوز أن يكون مجزوما، معطوفا على ﴿لا تَخُونُوا﴾ وتكون نهيا عن الجمع

стр. 307

بين الأمرين. المراد بالفرقان هاهنا نور يقذفه الله في القلوب. ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليحبسوك. وقولهم: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ﴾ دليل على مبالغتهم في التكذيب، وليس المراد تعليق إمطار السماء على كونه حقا، بل إبعاد ذلك؛ كقوله: والله لا أكلمك حتى يشيب الغراب وحتى يلج الجمل في سم الخياط. وقوله: ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني به: لو كانوا مستغفرين لما عذبوا، وليس المراد باستغفارهم. ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ ثم قال: ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ أي: يعرضون أو يمنعون. المكاء: الصفير، والتصدية: رفع الصوت، وكانوا إذا قرأ رسول الله ﷺ القرآن جاءوا وصفقوا حوله وصفروا حتى يخلطوا عليه قراءته. وقيل: كانوا يجعلون ذلك في طوافهم عوضا عن الأذكار في طوافنا (١). وقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ إشارة إلى فاعل الخبيث؛ لدلالة الفعل على الفاعل. ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ عذّبوا (٦٦ /ب). ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بذلك. ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا توجد فتنة ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ﴾ تقديره: وإن تولوا

стр. 308

عن الطاعة ولم ينتهوا لم يضروكم شيئا. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (٤٦)﴾ قوله - تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ﴾ الآية، قسم الغنائم على ستة أنواع؛ فقال أبو العالية الرياحي (١) بظاهر الآية، وقال: تقسم الغنائم على ستة: سهم لله - تعالى - يقسم في مصالح الكعبة وعمارتها. وسهم لرسول الله ﷺ كان يأخذه ويدخر منه قوت سنة ثم يصرف الباقي في الكراع (٢) والسلاح، ثم بعد وفاته صار هذا السهم لمصالح المسلمين، وسهم لذوي قرابة رسول الله ﷺ من بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل، فإن عبد مناف كان له أربعة أولاد: أحدهم هاشم، وهو جد النبي ﷺ . والثاني المطلب وهو أخو هاشم شقيقه. والثالث والرابع عبد شمس ونوفل (٣).

стр. 309

وكانت قريش لما حصروا رسول الله ﷺ في شعب، وكتبوا كتابا ألا يعاملوا ولا يخالطوا - دخلت بنو المطلب مع بني هاشم في الشّعب الذي حصروا فيه، فلما جاءت الغنائم بعد ذلك أعطى رسول الله ﷺ بني هاشم وبني المطلب ولم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل شيئا، فجاء عثمان بن عفان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وجبير بن مطعم من بني نوفل ابن عبد مناف، فقالا: يا رسول الله، أرأيت إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك الله فيه منهم، ولكن إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة. فقال النبي ﷺ : «إن بني هاشم وبني المطلب ما افترقوا في جاهلية ولا إسلام، وشبك بين أصابعه» (١). وسهم ليتامى المسلمين، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وقال بقية العلماء: إنما تقسّم الغنائم على خمسة أسهم، وأسقطوا السهم المختص بالكعبة، وأبقوا الخمسة الباقية (٢). ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ يوم بدر، وصور حالهم، كأنك تشاهده، وقال: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ و (العدوة) جانب الوادي. والدنيا: القريبة، ﴿وَهُمْ﴾ يعني: الكفار ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى﴾ أي: البعيدة ﴿وَالرَّكْبُ﴾ يعني: العير. ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ فإن كفار قريش جاءوا بين رسول الله ﷺ وبين العير، وحموا بذلك أموالهم. يعني: ليهلك من هلك عن بينة، فقتل صناديد قريش، وأعلى كلمة الله. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ﴾ (٦٧ /أ) قال الأكثرون بظاهرها، وأن رسول الله ﷺ رأى في المنام أنهم قليلون (٣). وعن الحسن: أن المنام للعين؛ لأنها موضع النوم، فرآهم بعينه في اليقظة قليلين في ظنه، حتى تقدم عليهم المؤمنون، وقلل المؤمنين في أعين الكفار في أول الأمر، حتى هجموا وقاتلوا، فلما اختلطوا كثر الله المؤمنين في أعين الكفار، حتى جبن الكفار، وهو معنى قوله: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ (٤) ومستحب ذكر

стр. 310

الله - تعالى - عند لقاء العدو، وأن نطلب منه النصر والعون، وأن نقلل من التنازع والاختلاف. ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: دولتكم، قال الشاعر [من الوافر]: إذا هبّت رياحك فاغتنمها ... فإنّ لكلّ خافقة سكون (١) ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾ ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ مثل كفار قريش ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً﴾. روي أن قريشا لما اجتمعت للنفير ذكروا ما بينهم وبين بني بكر من العداوة، وهم على طريقهم فتمثل لهم الشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم (٢) كبير بني بكر، وقال لهم: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ﴾

стр. 311

﴿الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ فخرجوا، فلما لاقوا المسلمين رأى إبليس جبريل قد نزل من السماء لينصر المؤمنين فخاف على نفسه أن يقتله جبريل، ففر فقيل له: أين تذهب يا سراقة؟ فقال: ﴿إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ فاشتهر بين كفار قريش أنه لم يهزم الناس إلا سراقة بن مالك فلما رجعوا اجتمعوا بسراقة وعتبوه، فقال: والله ما كنت هناك حتى أنهزم (١). ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ وقت اللقاء ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ إذا أقبلوا. ﴿وَأَدْبارَهُمْ﴾ إذا ولوا، ولم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وكانوا ينزلون في غيرها، مددا ولطمأنينة القلوب. ﴿كَدَأْبِ﴾ كعادة، أي: عادة هؤلاء منازعة الأنبياء كعادة ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ الله وأخذه ونقمته. ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ أي: فإن تثقفهم، والثقف: الأخذ بشدة. ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ أي: فافعل بهم فعلا يوجب فرار من حولهم. وقوله: ﴿فَشَرِّدْ﴾ مأخوذ من شرد البعير إذا فر. ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً﴾ بأمارات تدل على ذلك، فانقض عهدهم وعرفهم بذلك كي لا يكون عذرا. من قرأ ﴿إِنَّهُمْ﴾ بكسر، فهو استئناف كلام، ومن قرأ (أنّهم) بالفتح (٢) أي: لا تحسبهم لأجل أنهم لا يعجزون. وفي الحديث الصحيح (٦٧ /ب) أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ قال: «ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي، ألا إنّ القوة الرمي» (٣). قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ قيل: فارس والروم. وقيل: كفار الجن، إلا أن قوله: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ يرد على القائلين. ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ جزاؤه.

стр. 312

﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (٦٦) ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾ وإن مالوا للصلح، والسلم يذكر ويؤنث. ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ فإن كافيك الله. قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوف على اسم الله، أي: يكفيك الله، ويكفيك المؤمنون. وقيل: معطوف على الكاف، أي: حسبك الله وحسب المؤمنين الله، إلا أنه لا يلزم منه العطف على المضمر المجرور بغير إعادة الجار (١). وكان قد وجب في ابتداء الإسلام أن يصبر المؤمن في القتال لعشرة من الكفار، ثم نسخ ذلك ووجبت مصابرة الواحد لاثنين خاصة. قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ما عند الله من ثواب الشهداء، فلا يهون عليهم بذل نفوسهم، وأما أنتم فترجون من الله ما لا يرجون. لما جيء بالأسرى يوم بدر استشار الصحابة في أمرهم فأشار أبو بكر بأن يؤخذ منهم الفداء يستعين به المؤمنون، ولعل الله أن يهدي من هؤلاء الأسرى قوما، وقال عمر بن الخطاب: هؤلاء رأس الضلالة وحزب الكفر، قدمهم فاضرب أعناقهم، فأحب رسول الله ﷺ ما قاله أبو بكر، وأخذ منهم الفداء، فعتب على ذلك، وأنزل الله - تعالى: ﴿ما كانَ﴾

стр. 313

﴿لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (١). أي: يكثر القتل، والله يريد أن تريدوا الآخرة ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ﴾ من الرأي ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ قال عمر: دخلت على رسول الله ﷺ وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت: ما يبكيكما؟ خبروني، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال النبي ﷺ : «أبكي لما عرض عليّ من عذاب قومك، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة، وأشار إلى شجرة قريبة من المسجد» (٢). وقال ﷺ : «لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر» (٣). وكان العباس عم النبي ﷺ يظهر الكفر ويبطن الإسلام، وكان من المطعمين يوم بدر، والمطعمون عشرة، كل واحد يطعم يوما فينحر عشرة جزائر، فأسر العباس، فلما جاء الفداء، قال النبي ﷺ للعباس: افد نفسك وافد عقيلا فقال: يا رسول الله، ما لي شيء، فقال ﵇: فأين الذهبية التي أعطيتها لأم الفضل في ظلام الليل، وقلت: إني ذاهب، فإن هلكت فلفلان كذا (٦٨ /أ) ولفلان كذا، ولفلان كذا، فقال: يا رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد من خلق الله، وأظهر الإسلام. وفي رواية: أنه لما قال له: (افد نفسك) قال: كنت مسلما في الباطن، فقال النبي ﷺ : «أما في الظاهر فقد كنت علينا»، وأنزل الله - تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى﴾ يعني العباس ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ محبة الإسلام ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ قال العباس بعد ذلك بسنتين: «والله لقد آتاني الله خيرا مما أخذ مني، فإن لي اليوم عشرين عبدا مضاربا مع كل عبد عشرون ألفا، وإني لأرجو المغفرة من ربي» (٤). وروي أنه جاء مال من البحرين فنثر في المسجد فجاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا، فقال: خذ. فأخذ ثوبا فملأه دراهم، وطلب أن يحمله

стр. 314

فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، مر بعضهم يحمله معي، قال: لا، قال: فاحمله أنت معي، قال: لا، فنثر منه ما عجز أن يحمله، فلم يقدر، فقال: مر بعضهم أن يحمله معي، قال: لا، قال: أو احمله أنت عليّ، قال: لا، فنثر منه شيئا نثرا حتى استطاع حمل الباقي، وحمله على كتفه فأتبعه النبي ﷺ ببصره تعجبا منه ومن حرصه (١). ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ يمكنك الله منهم. ﴿فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ وكان في أول الإسلام لا ولاء بين المهاجر ومن لم يهاجر، وهو قوله: ﴿وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ فلا تولوهم. ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ﴾ ما أمرتكم به ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ من المهاجرين والأنصار. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ ثم ذكر من

стр. 315

سيهاجر فيما بعد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ﴾، فجعلهم بالصدر الأول، وأنهم مشاركون لهم فيما حصل من نصر. ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾ النسب بالإناث وهذه الآية عام مخصوص، فإن بعض ذوي الأرحام يرث كالأم والجدة والأخت، ولا يرث الخال ولا الخالة، وكلهم من ذوي الأرحام. ***

стр. 316

سورة التوبة [مدنية] ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِيفََ (٤)﴾ تسمى الفاضحة؛ أنها فضحت المنافقين (١)، وعن بعض الصحابة: ما زال يقول ﴿وَمِنْهُمْ *﴾ حتى خشينا ألا يبقى منا أحد، أراد قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ (٢)، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ (٣) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾ (٤) ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ (٥) وأمثالها. ﴿مِنَ اللهِ﴾ متعلق بمحذوف أي: كائنة، أو واصلة، ولا يجوز (٦٨ /ب) أن يتعلق ببراءة فيفضي إلى الكفر والتبرّي من الله. وكان رسول الله ﷺ قد صالح كفار قريش في نوبة الحديبية على أن من أحب أن يدخل في حلف رسول الله ﷺ دخل، ومن أحب أن يدخل في حلف الكفار دخل، وألا يعين فريقا على حلف صاحبه، وكانت خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ وبنو بكر حلفاء الكفار، وكان بين بني بكر وخزاعة اختلاف فاقتتلوا وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، فانتقض عهدهم، وجاء قوم من خزاعة [من الرجز]:

стр. 317

إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا هم بيّتونا بالوتير هجّدا ... وقتلونا ركّعا وسجدا والوتير: ماء من مياههم. فقال النبي ﷺ حين سمع شعرهم: "لا نصرت إن لم أنصركم" ثم جاء أبو سفيان بن حرب، فأراد أن يجدد العهد والعقد، وهو إذ ذاك مشرك فلم يجد إلى ذلك سبيلا، فبعث رسول الله ﷺ عليّا ومعه أبو هريرة وجماعة من الصحابة يقرءون على الكفار سورة براءة، ويعرفونهم أن العهد بينهم قد انتقض، وأنه لم يأخذهم بغتة، بل أمهلهم أربعة أشهر ليرجع من كان غائبا في البادية؛ ليستعدوا للحرب بوجوه الاستعداد (١). ﴿مُخْزِي﴾ مهين ومذل. ﴿وَأَذانٌ﴾ وإعلام. ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ يوم النحر؛ لأن فيه طواف الزيارة، ورمي جمرة العقبة، ونحر الهدي أو ذبحه، وحلق الرأس. وقيل: يوم الحج الأكبر: يوم عرفة؛ لأن الحج يفوت بفواته، بخلاف بقية الأركان. قرئ ﴿وَرَسُولِهِ﴾ بالعطف على اسم الله، وقرئ بالجر (٢) على القسم بالرسول، كقوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٧٢) ثم استثنى الله - تعالى - من ثبت على العهد ولم ينقضه

стр. 318

بقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا﴾ ولم يعاونوا كقوله: ﴿الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ (١) أي: عاونوهم. ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨)﴾ ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ يريد بها أشهر الحج، ولا يراد بها الأشهر التي يحرم القتال فيها؛ لأن هذه الأربعة متوالية، والأشهر الحرم ثلاثة سرد وواحد فرد ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ يعني: استأسروهم، ويقال للأسير: أخيذ. ﴿وَإِنْ﴾ استجارك ﴿أَحَدٌ﴾ ليسمع قراءة القرآن منك أو من الصحابة ﴿فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ﴾ (٦٩ /أ). فإن لم يسلم فلا تقتله حتى ترده إلى مكان يأمن فيه على نفسه. ﴿قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ فلذلك أمهلوا حتى يسمعوا كلام الله، فيعلموا صدق الرسول ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا يصلح ولا ينبغي ﴿إِلاَّ﴾ في حق ﴿الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ فما داموا مستقيمين لكم على الوفاء ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ بمثله، ثم قرر أنه لا ينبغي أن يبقى العهد مع المنافقين، ومن شأنهم أنهم لو ظفروا بكم لم يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة. قيل: الإل: هو الله. ولما سمع أبو بكر ما زعم مسيلمة أنه قرآن أنزل عليه تبسّم، وقال: ما خرج هذا من إل (٢). وقيل: الإل: العهد. الفسق هو الخروج؛ يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وكل الناقضين كفار فاسقون، وإنما قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ لأنه أراد بالفسق الطغيان ومجاوزة الحد في الطغيان

стр. 319

﴿اِشْتَرَوْا﴾ استبدلوا ﴿بِآياتِ اللهِ ثَمَناً﴾ فيه رد على من زعم أن الثمن ما دخلت عليه باء الثمنية، فإذا قلت: اشتريت عبدا بجارية، فالجارية الثمن، والعبد مثمن، وإن قلت: اشتريت جارية بعبد، فبالعكس، وهاهنا دخلت الباء على المثمن (١). ﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾ ﴿فَصَدُّوا﴾ يجوز أن يكون لازما ومتعديا كما سبق. ﴿فَإِخْوانُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم. ﴿لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ أي: لا وفاء أيمان، كقول الشاعر [من الطويل]:

стр. 320

وإن حلفت لا تنقض الدهر عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين (١) أي: وفاء يمين. ومن قرأ (لا إيمان) بكسر الهمزة (٢) فهي شهادة عليهم بالكفر، وأنهم ليسوا من الإيمان في شيء. ثم حرّض المؤمنين على قتال الناقضين، فقال: ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً﴾ وما لكم لا تقاتلونهم؟ ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾؟ ثم بين فوائد قتالهم بقوله: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾. هاهنا انتهت الوعود على قتال الناكثين، ثم أخبر الله خبرا مستأنفا: أنه يتوب على من يشاء، وليس ذلك متعلقا بالشرط، كما في الأفعال الخمسة السابقة المجزومة بجواب الأمر ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بمن أخلص في التوبة ﴿حَكِيمٌ﴾ قبل التوبة ليتهيأ الرجوع إلى الله في كل وقت. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٣)﴾
следующие страницы →