← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

﴿فِي اللهِ﴾ أي: في دين الله وفي توحيده، وكان قومه قد هددوه بأن آلهتهم تهلكه فقال: ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾. وقوله: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ تمييز محول، أي: وسع علمه كل شيء. ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ﴾ أنتم من أنكم أشركتم بالله ما لم تتم به حجة ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أنا أو أنتم، ثم بين الأحق بالأمن بقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ الآية. وهذه المحاجة ﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾. وقرئ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ (١) على أنه ظرف مكان أو أنه المصدر، كقوله ضربته سوطا. قال الفقهاء: لو أوصى لبنيه أو لأولاده لم يدخل أولاد البنات، ولو أوصى لذريته دخل أولاد البنات؛ لقوله - تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى قوله ﴿وَعِيسى﴾ (٢). ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠) وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)﴾ ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ لحبطت أعمالهم؛ كقوله: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ (٣) وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ﴾ (٤) وذلك بشرط الموت

стр. 247

على الكفر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ﴾ (١) ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ فإن الله غني عنهم، فقد وكل ﴿بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ كقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ (٢) قال العلماء: لم يكن النبي ﷺ متعبدا بشريعة أحد من الأنبياء قبل النبوة ولا بعدها؛ لأنه لو كان كذلك لاجتمع بعلماء تلك الشريعة وسألهم عن أوضاعها، وهذا هو الأصح. وقيل: تعبد بشريعة الجميع؛ لقوله بعد عدد من الأنبياء هنا: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وقيل: تعبد بشريعة إبراهيم؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ (٣) وقيل: بشريعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى لقوله - تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ (٤) الآية. الهاء في ﴿اِقْتَدِهْ﴾ للسكت؛ كقوله: ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ﴾ (٥) ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ (٦) هي بهذا الموضع أحق؛ لأنها كالعوض من حرف العلة المحذوف. ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على التبليغ، ويدل عليه السياق. ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ مفرقة حتى تكون بصدد الضياع. وقوله: ﴿قُلِ اللهُ﴾ احتج به قوم على ما يعتمدونه من ذكر الله غير موصوف بصفة من صفاته، فيقولون: الله، الله، الله، ولا حجة فيه؛ لأن قوله: ﴿قُلِ اللهُ﴾ جواب لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ فإن لم يجيبوك فقل أنت: الله، فإعراب اسم الله في قوله: ﴿اللهَ﴾ مبتدأ، التقدير: الله أنزله. يرد على من قال من المتأخرين: إن النكرة إذا وصفت بجمل ومفردات تعينت البداية بالمفردات فتقول: مررت برجل فاضل يكتب، ولا تقول: برجل يكتب فاضل. وقد جاء القرآن بخلافه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ﴾ (٧) وقال هاهنا: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الذي مضى قبله من التوراة والإنجيل

стр. 248

وسائر الكتب المنزلة؛ لتقرأه ولتنذر به، أو لتنذر فعلنا ذلك، أو: فعلنا ذلك لتنذر به ﴿أُمَّ الْقُرى﴾ مكة. ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ جميع العالم. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤) إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ﴾ هذه الآية بجملتها دالة على كيفية تقاضي الملائكة إخراج روح الكفار بالعنف والغلظة، كما يقول صاحب الدين الألد لغريمه: أدّ حقي إليّ وإلا نزعته من أحداقك. ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ فيه منتقلا عنكم، فهو كالمخلف قبل الظّهر. والبين: الوصل، كقوله: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً﴾ (١) أي: وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا. فالمعنى هاهنا: لقد تقطعت أسباب وصلكم. ومن قرأ «بينكم» بالنصب (٢)، فقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ معطوف على تقطّع والفاعل ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقد تنازعه ﴿تَقَطَّعَ﴾ ﴿وَضَلَّ﴾. وإن قيل: لم قال ﴿وَمُخْرِجُ﴾ ولم يقل: (ويخرج)؟ قلت: لأن قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ تفسير ل ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ أي: إن الله فالق الحب والنوى بإخراج الحي من الميت. وأما قوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ فهو معطوف على قوله: ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ وهو عطف اسم فاعل على اسم فاعل، وهو أنسب (٣).

стр. 249

﴿تُؤْفَكُونَ﴾ يقلبون عن الحق إلى الباطل. ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ذوي حسبان. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ في أرحام النساء ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ في أصلاب الرجال والمستودع: أرحام الأمهات.

стр. 250

وقيل: المستقر: ظهر الأرض، والمستودع: القبور؛ كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ (١) وقيل: المستقر ظرف زمان، أي: زمن استقرار. وقيل: ظرف مكان. وقيل: مصدر، أي: ولكم في الأرض استقرار (يخرج منه) أي: من ذلك الخضر ﴿حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ وقوله: ﴿وَجَنّاتٍ﴾ معطوف على قوله: ﴿فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً﴾ ويقال: أينعت الثمرة: إذا طاب أكلها. ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ قدم أحد مفعولي «جعل» ليكون الإنكار متوجها، أي: اتخاذ الشركاء جنّا كانوا أو إنسا، ولو قدم الجن لكان الإنكار على اتخاذ الجن دون غيرهم. ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ﴾ أي: بديعة سماواته. من أن يكون له ولد ولم تكن له صاحبة. ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ ولا تحيط به، ولا يلزم من نفي الإحاطة نفي الرؤية، أو يقال: الأبصار جمع معرف فيقتضي الاستغراق والأمر كذلك. ليس كل الأبصار تدركه. قال في حق الكفار: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢). (دارست) أي: اشتغلت بالدروس مع من يشتغل به. فجاءت المدارسة من اثنين فأكثر. ومن قرأ (درست) لم يكن فيه مفاعلة، ومن قرأ (درست) (٣) أي: أخبار قديمة قد درس أثرها ﴿كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ من خير أو شر؛ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ (٤) قل لهم: إنما الآيات عند الله، وما يدريكم أنها إذا جاءت تؤمنون؛ فإن الله قادر على تقلب القلوب والأبصار، وعلى صرف دواعيهم إلى الشر، كما صرفها عن الإيمان قبل نزول الآية. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ﴾

стр. 251

﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ و «لا» في ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ زائدة، وقرئ إنّها بالكسر وتكون خبرا مستأنفا من جهة الله - تعالى - بذلك. وقيل: «لا» زائدة (١) في قوله «أنها» بالفتح (٢). و «أنّ» بمعنى لعل، تقول العرب: اذهب إلى السوق أنك تشتري لنا لحما، أي: لعلك (٣). ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ﴾ كما قلبناها من قبل، فلم يؤمنوا بها. ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ نتركهم في مجاوزة الحد ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون. والعمه في البصيرة، والعمى: يستعمل في البصر والبصيرة. رد الله سبحانه على الذين أقسموا ﴿لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ فقال: القلوب بيد الله، وما يشعركم أنه يصرفها عن الحق، ولو جاءت الآيات المقترحة، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ كما زعموا في قوله: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ (٤) وقوله: (قبلا) من قرأها بكسر القاف فمعناها معاينة، ومن قرأ بضمها وضم الباء (٥) ففيها وجهان، أحدهما: أنه مأخوذ من القبيل وهو الكفيل. يقال: قبيل وضمين وكفيل وزعيم بمعنى. والوجه الثاني: أن المراد قبيلته قبيله. وقيل: أراد مقابلة لما حصل إيمانكم. ﴿إِلاّ أَنْ﴾

стр. 252

﴿يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ يعني: الكفار. وقيل: بعض ضعفاء المؤمنين. ﴿يَجْهَلُونَ﴾ فيعتقدون أنهم لو جاءت الآيات المقترحة لآمنوا. ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أي: ومثل ما جعلنا لك أعداء جعلنا ذلك لمن قبلك من الأنبياء. والعدو: لفظ يصلح للجمع والمفرد. قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (١) وقال: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (٢) ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ﴾ يوسوس. وفي قوله: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ وجهان: أحدهما: أنه شياطين الجن الذين مع الإنس. والثاني: أنه مردة الجن والإنس مطلقا. و ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ ما زينوه بباطلهم. الهاء في ﴿فَعَلُوهُ﴾ وفي ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: يرجع إلى جعل الأعداء للأنبياء. والثاني: لإيجاد زخرف القول والغرور. ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ﴾ ولتميل إليه قلوب الضعفاء. الحكم: هو المتقن للحكم، ولا يطلق إلا على من يحكم بالحق. والحاكم: على المحق والمبطل فالحكم أمدح، قاله الماوردي (٣). ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ أيها السامع لهذا الكلام من الشّاكّين في ذلك. وقيل: هو كقولك لابنك: إن كنت ابني فأطعني. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ (٤) القرآن. وقيل: جميع الوحي على جميع من

стр. 253

أوحي إليه ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ في تقليد آبائهم. وقيل: في قولهم: ما لكم تأكلون ما قتلتموه وذبحتموه، ولا تأكلون ما قتله الله من الميتة وهذا الذي أوحته الشياطين إلى أوليائهم ليجادلوا به المؤمنين. وقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾ مشكل؛ لأن أفعل التفضيل إذا أضيفت كانت جزءا مما بعدها. وإن نصبت بالتمييز لم تكن جزءا، تقول: هذه النخلة أطيب رطبا، ولا يجوز: أطيب رطب، فإنه يلزم أن تكون النخلة رطبا، فقوله: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى﴾ (١) لا إشكال فيه؛ لأن الله جاء بالهدى، ولا يجوز أن يكون أعلم من يضل. فقيل في تأويله: إنه جاء في لغة إجمال اسم الفاعل في المفعول بإضمار من جنسه قال الشاعر [من الطويل]: ... وأضرب منّا بالسيوف القوانسا (٢) ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ أي: يضرب القوانس كذلك هاهنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾ يعلم من يضل (٣).

стр. 254

وظاهر الإثم: ما أعلن، وباطنه: ما أسر. وقيل: ظاهر الإثم: ما فعل، وباطنه: ما أضمر، نقله الماوردي (١). وقيل: ظاهر الإثم: الزنى بالبغايا. وباطنه: ذوات الأخدان. استحسن الماوردي (٢) أن لا تؤكل الذبائح إلا إذا سمي الله عليها، لما يرى في الآية من التشديد، والمذاهب فيها ثلاثة: أحدها: مذهب الشافعي يجوز أكل متروك التسمية سهوا وعمدا. والثاني: مذهب ابن سيرين (٣) وداود: يحرم متروك التسمية سهوا وعمدا. والثالث: مذهب أبي حنيفة: يحرم متروكا عمدا ويحل سهوا (٤). ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ مشكل؛ فإن الشرط المجرد عن القسم لا يجاب إلا بأحد ثلاثة أمور: إما بالفعل، أو بالفاء، أو بإذا التي للمفاجأة وقد جاء هاهنا عاريا عن الثلاثة، فقيل في تأويله: ولئن أطعتموهم، فقدر لام القسم محذوفة وغلب القسم، فأجاب بجواب القسم. وإن صح باب هذا الاعتذار لم يصح اشتراط أحد الأمور الثلاثة في الجواب، بل مهما فقدت الثلاثة أوّلناها بهذا التأويل. ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤) فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي﴾

стр. 255

﴿أَجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠)﴾ يطلق المثل ويراد به الصفة؛ كقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ﴾ (١) أي: هذه صفتها، كذلك قوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ (٢) ثم قال: ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ (٣) أي: الصفة العليا. الياء في ﴿مُجْرِمِيها﴾ إما علامة الجر بالإضافة، وإما علامة النصب بالمفعولية. أي: جعلنا مجرميها أكابر. والصغار: الذل. ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾ كأنما يحاول أمرا معجوزا عنه، والرّجس ها هنا: العذاب. و ﴿دارُ السَّلامِ﴾ الجنة، سميت بذلك؛ لأنها دار الله، والله هو السلام، أو دار السلام من الآفات، أو دار يحيي بعضهم بعضا بالسلام، وتحييهم الملائكة حين يدخلون عليهم من كل باب. ويحييهم الله بالسلام: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٤). ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ واتخذتموهم أتباعا. وقيل: المراد: استعاذة الإنس بالجن على ما يأتي شرحه في سورة ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ (٥). ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ هو مسافة تحويلهم من الجحيم إلى الزمهرير. وقيل: من الجحيم إلى الحميم ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (٦) ومثل ذلك القول ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً﴾.

стр. 256

﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ احتج به من زعم أن الله بعث رسلا من الجن ولا حجة فيه؛ لأنه قد يقال عن الشيء إنه بعض الأشياء، وإن لم يكن من جميع تلك الأشياء. تقول: فلان من بلاد مصر، وإنه من واحدة منها. احتج القائلون بأن الله لم يبعث رسولا من الجن بقوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١) ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً﴾ (٢). والجن ليسوا رجالا. وأجيبوا بقوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ فسمّى الجن رجالا. وقيل: المراد برسل منكم: رجل من الأنبياء إلى الجن؛ لقوله - تعالى - في قصة الجن: ﴿فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ الآيتين (٣). ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ ببهجتها وزينتها. وقيل: غرتهم: أشبعتهم فبطروا. يقال: غر الطائر فرخه، إذا زقّه (٤) فأشبعه. ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (١٣٢) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (١٣٥) وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾

стр. 257

قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ حال من الفاعل، ويجوز أن يكون من المفعول، والأول أصح. ﴿وَلِكُلٍّ﴾ واحد من فريقي الجن والإنس ﴿دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بفاتنين. ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على تمكنكم، و ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ إذا أطلقت فالمراد بها الخير. كانوا يعينون من زرعهم ومواشيهم شيئا لله، وشيئا لآلهتهم، فإن جاء نصيب آلهتهم زاكيا لا يردوه إلى الله وإن جاء نصيب الله زاكيا ردوه لآلهتهم، فنزلت ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ﴾ (١). ﴿وَكَذلِكَ﴾ ومثل ذلك التزيين في التحليل والتحريم ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ﴾ أن يقتلوا أولادهم، إما تقربا، وإما كراهة للإنفاق عليهم. وفي الشركاء الذين زينوا أقوال: قيل: هم الشياطين. وقيل: سدنة الأوثان وخدمها. وقيل: الغواة من الجن والإنس. ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ ليهلكوهم ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ (٢) اللام في ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ لام كي. وقيل: لام العاقبة؛ لأنهم لم يقصدوا إرداءهم. ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ما كانوا يزعمون أنهم عليه من دين إسماعيل، أو دينهم الذي كان يجب أن يكون لهم وهو الحق، أو يوقعوهم في دين ملتبس. ﴿حِجْرٌ﴾ أي: منع، ومعناه: ذو منع. ﴿لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ﴾ يريدون: البحائر والحوامي. ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يريدون: السوائب (٣) ﴿وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ﴾ بل يذكونها باسم آلهتهم ﴿اِفْتِراءً عَلَيْهِ﴾ أي: دعواهم أن الله حرم هذا أو ذبحهم إياها على اسم الآلهة. ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾ ﴿قَدْ خَسِرَ﴾

стр. 258

﴿الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ أنث ﴿خالِصَةٌ﴾ حملا على المعنى؛ لأن ما في بطون الأنعام أنعام، ثم ذكر ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾ حملا على لفظ ما، ونظيره ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا﴾ قاله الزمخشري (١) وفيه نظر؛ لأن قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ حمل فيه أولا على اللفظ، وثانيا على المعنى، وهو كثير في القرآن لا يحصى. وأما هاهنا فحمل على المعنى أولا ثم على اللفظ، وهو قليل وإنما فضلوا الذكر على الأنثى فجعلوا له ما ليس للأنثى؛ لأنهم يخدمون الآلهة، وهم سدنتها. وقيل: لتفضيل الذكر على الأنثى، وسمي الذكر ذكرا إما من الذكر الذي هو ضد النسيان؛ لأن به يذكر الأب، أو من الذكر بمعنى الشرف ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (٢) ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (٣). ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ أي: مرفوعات، ومنه سمي السرير عريشا وعرشا. في الحق الذي أمر بإيتائه أقوال: أحدها: أنه الزكاة من العشر ونصف العشر، وهو الأشهر. والثاني: أنه حق واجب غير الزكاة، وهو ترك ما تساقط من الثمار، وترك إلقاط الزرع لمن لقطه، وعلل بأن سورة الأنعام مكية، وإنما وجبت الزكاة بالمدينة. وقيل: هذه الآية خاصة من سورة الأنعام مدنية. والثالث: أنه مطلق على الاستحباب. والرابع: كان واجبا قبل الزكاة، ثم نسخ بوجوب الزكاة (٤).

стр. 259

وقوله: ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ هو أن يتكلف رب المال أن يخرج فوق ما يجب عليه زيادة تجحف. والثاني: بأن يأخذ السلطان زيادة عن الزكاة بما يجحف. والثالث: أن يمنع رب المال من إعطاء القدر الواجب. وقيل: الإسراف إخراج نصيب من أموالهم لآلهتهم. ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٤٤) قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ الحمولة: الإبل والبقر. والفرش: الغنم وصغار الإبل، والبقر. وقيل: الحمولة: الكبار. والفرش: الصغار؛ لأنها قريبة من الأرض، فتشبه الفرش. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ في تحريم السوائب والبحائر. إذا اقترن بالشيء ما يماثله في الاسم سمي الاثنان زوجا ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (١) ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (٢) ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ أي: ثمانية أفراد. فأي هذه الأشياء جاء تحريمه إليكم. وقوله: ﴿فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ تلويح بأن التحريم والتحليل إنما يكون بالوحي. الدم إن كان

стр. 260

جامدا كالكبد والطحال كان حلالا بالحديث (١) وإن كان مسفوحا فهو حرام، إلا ما كان في العروق، أو في أثناء اللحم. واليهود يبيعون الدم في العروق، فيستخرجونه ويحرمونه، وفسر الفسق بأنه سمّي على ذبحه اسم غير الله، ولا خلاف أن ما كان كذلك فهو حرام. ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ على مضطر مثله يمنعه مساهمته في الميتة ﴿وَلا عادٍ﴾ متجاوزا قدر. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لو قال: حرمنا عليهم الشحوم لفهم المقصود لكن قوله: ﴿شُحُومَهُما﴾ لزيادة الربط، ونظيره ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ (٢)

стр. 261

أي: اقترب للناس الحساب. تقول: من زيد أخذت ماله. والحوايا: المباعر. هل هي مستثناة، أو مستثنى منها؟ فيه مذهبان؛ وكانوا بنو إسرائيل قد أحدثوا بدعا فحرم عليهم بعض الحلال عقوبة، وهو معنى قوله: ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾. ﴿هَلُمَّ﴾ عند الكوفيين تثنى وتجمع وتؤنث وتذكر؛ فيقال: هلم وهلما وهلموا وهلمي. والحجازيون يجعلونها على صورة واحدة (١)؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ (٢) وقال هاهنا: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾. وفي الحديث الصحيح: «ليذادن أقوام عن حوضي، كما يذاد البعير الضال، فأناديهم: ألا هلم ألا هلم» (٣). (تعال) خاص أريد به العام، وأصله أن يقول المستعلي للمستفل: تعال، ثم اتسع فقيل لمن هو معك في أرض مستوية، ثم اتسع فيه فقيل لمن هو مستعل عليك وأنت في مكان أخفض، تقول له: تعال، وصار معناه: جيء. والمذكور في هذه الآيات الثلاث منه ما هو محرمات، ومنه ما هو واجبات كقوله - تعالى: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا﴾ تحريم للشرك. وقوله: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ تحريم للعقوق، وتحريم قتل الأولاد، وركوب الفواحش، وقتل النفس، وقربان مال اليتيم بغير حق، وبخس الكيل والوزن، وتحريم الإخلال بالقول، ونكث العهد، وسلوك غير سبيل المؤمنين، واتباع السبل المتفرقة، ونصب ﴿إِحْساناً﴾ على المصدر، أي: وأحسنوا للوالدين إحسانا. الإملاق: الفقر. ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦)﴾ ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾

стр. 262

﴿الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ أشار إلى أن الوفاء بمقتضى الوزن يعسر جدّا، فإن بين الحبتين تفاوتا لا ينضبط وكذلك الكيل، فيعفى عما لا يتأتى ضبطه، من ذلك نبه على ذلك بقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ أتى ب «ثم» ليدل على تفاوت الرتب؛ فإن إيتاء موسى الكتاب يتضمن من المصالح والحكم أكثر مما تضمنته هذه الآيات الثلاث ﴿تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ موسى في عبادة ربه. وقيل: على الذي أحسن الله إليه بتوفيقه لها. وفي الشاذ ﴿تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ بضم النون (١) أي: تماما على الذي هو أحسن ﴿وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه. وقوله: ﴿مُبارَكٌ﴾ أي: مبارك فيه، تقول: باركك الله، ويدل عليه قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها﴾ (٢) وقياس: بارك الله فيك أن تقول: بورك فيمن في النار، وفيمن حولها. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: كراهة أن تقولوا. وقيل: لئلا تقولوا، والمراد بالكتاب: التوراة والإنجيل ﴿لَوْ أَنّا﴾ أي: لو ثبت لنا؛ فإن «لو» تطلب الفعل، وأن في موضع رفع بالفاعلية، والفاء في قوله: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ مثلها في قول الشاعر [من البسيط]: قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثمّ القفول فقد جئنا خراسانا (٣)

стр. 263

﴿وَصَدَفَ﴾ أعرض. لما كانوا بصدد وقوع إتيان الملائكة، وما بعده من التهديد، جعلوا منتظرين لهم وإن لم يكونوا منتظرين، التقدير: أو يأتي أمر ربك ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ من طلوع الشمس من مغربها، أو خروج الدابة، لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل إيمانها، ولا نفسا لم تكسب في إيمانها خيرا كسبها. وقوله: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ في موضع نصب صفة ل «نفسا». ﴿شِيَعاً﴾ أضرابا يشايع بعضهم بعضا في الباطل. ﴿لَسْتَ﴾ من عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة ﴿فِي شَيْءٍ﴾ ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ هذا أقل المضاعفة، وإن شاء ضاعفها إلى سبعمائة، كما في قوله: ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ الآية (١) ﴿دِيناً﴾ نصب على القطع. و ﴿حَنِيفاً﴾ حال من المضاف إليه، وهو إبراهيم. والحال من المضاف إليه قليل؛ لأنه لم يأت إلا لتعريف المضاف، وليس أحد جزئي الكلمة (٢). ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾

стр. 264

النسك: العبادة. وقيل: الحج. وقيل: الذبائح ﴿وَمَحْيايَ﴾ أي: حياتي ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي: لا تحمل نفس حاملة ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: فيجازيكم ﴿خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ أي: في الأرض. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليظهر كيف شكركم في الرخاء، وصبركم في البلاء. أكد كونه غفورا رحيما ولم يذكر في العقاب ذلك، إشارة إلى قوله ﷺ حكاية عن ربه : «إن رحمتي غلبت غضبي» (١). ***

стр. 265

سورة الأعراف [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٥) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠)﴾ قوله: ﴿كِتابٌ﴾ خبر عن ﴿المص﴾ إذا قلنا: إنه اسم للسورة أو اسم القرآن، أو (كتاب) خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا كتاب، و ﴿وَذِكْرى﴾ مرفوع المحل عطفها على (كتاب) أو: منصوب مفعولا من أجله معطوف على ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أو مجرور معطوف على موضع ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أي: للإنذار والذكرى. ما في قوله: ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ زائدة ﴿قَلِيلاً﴾ نعت مصدر محذوف، أي: تتذكرون تذكرا قليلا. و ﴿وَكَمْ﴾ مرفوع المحل أو منصوبه، من باب اشتغال الفعل عن المفعول وضميره. فإن قلت: القياس: جاءها بأسنا فأهلكناها. فجوابه: أن قوله: ﴿أَهْلَكْناها﴾ أي: أردنا إهلاكها. ﴿أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ من القيلولة، كقوله: ﴿إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١) قال الزمخشري (٢): يجوز أن يكون ﴿دَعْواهُمْ﴾ مرفوع المحل؛ اسم كان. و ﴿أَنْ قالُوا﴾ في موضع نصب، ويجوز العكس على القاعدة في باب كان. وفيه نظر؛ لأنه إنما جاز في باب كان في المعرفتين تقديم الخبر، لفهم المعنى بالإعراب، وأما ﴿دَعْواهُمْ﴾ و ﴿أَنْ قالُوا﴾ لا يظهر فيهما إعراب (٣) فهو كمسألة: ضرب موسى عيسى.

стр. 266

قال الزمخشري (١): ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ الحق: صفة للوزن؛ أي: الوزن الحق يومئذ. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: ثقلت موزونات حسناته ﴿وَمَنْ خَفَّتْ﴾ موزوناته، والكافر يوزن له ولا مقابل للموزون من الحسنات؛ ليظهر نقص حاله وخسران عاقبته. واختلف في الموزون ما هو؟ فقيل: الأعمال، يجعل الله للحسنات صورة منيرة بثقل يرضاها المكلف، ويجعل للسيئات صورة مظلمة بثقل يرضاها المكلف. وقيل: الموزون الصحف، تجعل صحف الحسنات في كفة، وصحف السيئات في كفة، ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «يؤتى برجل يوم القيامة فيخرج له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مد البصر، مملوء من السيئات، فيوقن بالهلاك، فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، ويؤتى بصحيفة فيها: لا إله إلا الله. فتوضع في كفة الحسنات، فترجح على التسعة والتسعين سجلا» (٢). ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ أي: خلقنا أباكم آدم ثم صورناه ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ تعظيما له، وذلك مما تختلف فيه الشرائع، وقد رفع يوسف ﴿أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾. (لا) في قوله ﴿أَلاّ تَسْجُدَ﴾ زائدة. قوله تعالى: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ احتج به من اعتقد أن الأمر للوجوب، واحتج به من زعم أنه على الفور؛ لقوله ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ وقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ تعليل للجواب وليس هو الجواب؛ بل التقدير: منعني معرفتي بأنه لا يذل الشريف لمن هو دونه، وأنا خير من آدم، فلذلك امتنعت. وزعم أن النار تحكم على الطين وتحرقه، ونسي

стр. 267

أن الطين أصل في التربية والنمو ويحرم التكبر فيها وفي غيرها، لكن السماء محل الطاعة والتسبيحات والأذكار، فلا يدخل فيها متكبر. والصغار: الذل؛ كقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ﴾ (١). وأراد إبليس ألا يموت بقوله: ﴿أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ لأموت بعد البعث، فقيل: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ المؤخرين ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (٢) وهي النفخة الأولى التي يموت بها كل حي. ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ أي: بسبب إغوائك لي ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ نصب بحذف حرف الجر، أي: على صراطك، كقوله: [من الكامل]: ... كما عسل الطّريق التّعلب (٣) ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾

стр. 268

﴿وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ أي: عسل في الطريق، والعسلان: ضرب من السعي. ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ ولقد صدقه الله في ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) والمذؤوم: المعيب، والمدحور: المطرود. ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً﴾ (٢) أي: طردا. اللام في ﴿لِيُبْدِيَ﴾ لام كي، ويجوز أن تكون لام العاقبة؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ (٣). ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونا﴾ إلا كراهة أن تكونا. ﴿وَقاسَمَهُما﴾ حالفهما ﴿إِنِّي﴾ ناصح ﴿لَكُما﴾ من الناصحين ﴿فَدَلاّهُما﴾ توصل إلى إضلالهما كتوصل من يدلي دلوه في البئر ليتوصل به إلى أخذ الماء. ﴿يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يجعلان بعضه على بعض ليستر سوءتهما. ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ آدم وحواء وإبليس. وقيل: والحية. وقيل: ﴿اِهْبِطُوا﴾ خطاب لآدم وحواء خاصة؛ لقوله في مكان آخر: ﴿قالَ اهْبِطا﴾ (٤) وإنما جمعه لأن آدم وحواء أصل لجميع البشر. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ مكان، أو استقرار. ﴿فِيها تَحْيَوْنَ﴾ أي: في الأرض. ﴿وَرِيشاً﴾ شبه لباس الثياب بريش الطائر الذي يستره ويزينه. ومن قرأ (لباس) بالنصب، فهو إخبار عن الله بأن الله جعل لباس التقوى خيرا. ومن قرأ ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ فهو مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ﴾ (٥) وقوله ﴿ذلِكَ﴾ يتنزل منزلة قوله هؤلاء. ﴿يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ هو كقوله: ﴿كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ بأن زين لهما

стр. 269

أكل الشجرة المنهي عنها فكان ذلك سببا في خروجهما، وذلك تسبب في نزع اللباس؛ لأنه لم يباشر خلع ثيابهم؛ بل تسبب إلى ذلك. ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ وكانت الحمس يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف بيت الله بثياب عصينا الله - تعالى - فيها، وكانوا لا يعيرون ثيابهم لمن يجيء حاجّا إلا بشيء كثير يأخذونه منه، فنزلت: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآية (١). ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تقولون: إن الله أمركم؛ فلا يدخل فيه مسائل الفقه المظنونة، فإنها ليست معلومة؛ لأنها مستثناة بعمل الصحابة ﵃ بالقياس وهو ظن. ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ تبعثون غرلا (٢) حتى لو قطع عضو من آدمي في حياته بعث يوم القيامة كامل الأعضاء. ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ قيل: هي اللباس. وقيل: تسريح اللحية، قال بعضهم: وجمع الله طبّ الأولين والآخرين في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية يعني: هي للمؤمنين في الدنيا يشاركهم فيها الكفار، وفي الآخرة تخلص للمؤمنين ﴿وَالْإِثْمَ﴾ هو المعصية؛ لأنه يوجبه. وقيل: الإثم: الخمر؛ قال الشاعر [من الوافر]:

стр. 270

شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي ... كذاك الإثم تذهب بالعقول (١) وهذا ضعيف؛ لأنه غريب في الاستعمال؛ ولأن هذه السورة مكية، ولم تحرم الخمر إلا بعد الهجرة إلى المدينة (٢). ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ أي: ما لم يقم به حجة وبرهانا. ﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٤١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢)﴾ ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي﴾

стр. 271

﴿هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (٤٤)﴾ (ما) في ﴿إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ زائدة، وقوله: ﴿فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ﴾ شرط جوابه ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ وهذا الشرط وجوابه جواب ﴿إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾. ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ﴾ أي: مما كتب لهم من خير وشر. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ أي: يتوفون أزواجهم. ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ غابوا عن أعيننا فلا نراهم، وقد رأوهم في موقف العرض؛ لقوله: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ﴾ الآية (١). ﴿اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أمم، أو في زمرة أمم. ﴿اِدّارَكُوا فِيها﴾ أي: تداركوا ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾ التي دخلت أخيرا ﴿لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا﴾ يعني: الأكابر والسادات من المشركين، كانوا يدعونهم إلى الضلال فيتبعونهم، ولو آمن الرؤساء لآمن هؤلاء الأتباع. ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾ أي: لا تفتح لدعائهم، أو لا تفتح لأعمالهم التي تصعد بها الحفظة و ﴿الْجَمَلُ﴾ هو الحيوان المعروف، وقيل: ﴿سَمِّ الْخِياطِ﴾: ثقب الإبرة، والمراد إبعاد فتح السماء لهم. وقوله: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ خبر عن ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾. وقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، ووجه اعتراضها أنه يقول: لا يظن في قول الذين آمنوا وعملوا الصالحات استغراق جميع الأوقات في العمل، بل المراد في حق كل مكلف ما يليق به. ﴿هَدانا لِهذا﴾ أي: لعمل حصل منه هذا. ﴿أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يريد المنازل المخصوصة، فإنها تترتب على الأعمال؛ لقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ (٢) وأما دخول الجنة فإنه بفضل الله وبرحمته، وقال عن المؤمنين: ﴿قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا﴾ وفي حق الكفار: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ فإن الكفار يتألمون بنعيم المؤمنين، كما يتألمون بألم أنفسهم. ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤٧)﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً﴾

стр. 272

﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)﴾ ﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يعرضون عنها أو يمنعون الناس من سلوكها. ﴿يَعْرِفُونَ كُلاًّ﴾ من أهل السعادة والشقاوة. ﴿بِسِيماهُمْ﴾ أي: بعلامتهم من بياض الوجوه وسوادها أو غير ذلك. ﴿وَنادى﴾ أو وينادى أصحاب الأعراف ﴿أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾. وقوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ أي: المؤمنون المسلم عليهم. وقيل: هم أصحاب الأعراف، إذا قلنا هم أصحاب اليمين، أو هم الشهداء، أو أولاد المؤمنين، أو أولاد الكافرين الذين لم يبلغوا ﴿تِلْقاءَ﴾ أي: جهة. ﴿ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ يجوز أن تكون (ما) نافية، وأن تكون استفهاما بمعنى الإنكار. ﴿أَهؤُلاءِ﴾ أشاروا به إلى فقراء الصحابة، كخبّاب وسلمان وبلال وابن مسعود. ﴿حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ منعهم منها كقوله: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ (١). وجاءت: ﴿وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ﴾ بلفظ الماضي؛ لأن أمور القيامة وغيرها من المستقبلات معلوم عنده علم يقين؛ لأن علم الله ليس فيه ماض ولا استقبال، فاختير لفظ الماضي؛ لأنه أدل على التحقيق في عرف استعمالنا. ﴿اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً﴾ قيل: أراد به أعياد الكفار. وقيل: إن الرجل منهم كان يعبد الصنم فإذا رأى صنما أحسن منه ترك الأول ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ نجازيهم على نسيانهم بما أهملوا العمل للقاء يومهم هذا، وبكونهم بآيات الله يجحدون. ﴿هُدىً وَرَحْمَةً﴾ يجوز أن يكون مصدرا محذوف الفعل، وأن يكون مفعولا من أجله، ويجوز أن يكون حالا من

стр. 273

ضمير جئنا (١) للفاعل أو المفعول. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ إلا عاقبته، يؤمن به الكفار حين لا ينفعهم الإيمان. وقوله: ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ﴾ تمنّ من الكفار، ولا ينفع في حق الكفار شفاعة، كما أن ردهم إلى الدنيا ممتنع. ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾ ثم قهر واستولى (٢)؛ كقوله [من الرجز]:

стр. 274

قد استوى بشر على العراق ... ... (١) يجعل الليل غاشيا للنهار، ومغط له، وكل واحد منهما كالطالب للآخر ﴿يَطْلُبُهُ﴾ طلبا ﴿حَثِيثاً﴾ الطلب هاهنا استعارة. ومن نصب الشمس والقمر والنجوم فقد عطفه على

стр. 275

السماوات والأرض، ومن رفعها (١) فهي مبتدأ، و ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ الخبر ﴿أَلا لَهُ﴾ الإيجاد والتصرف في الموجودات بالأمر والنهي ﴿تَبارَكَ اللهُ﴾ جاء بكل بركة. وقيل: تبارك بمعنى تعالى. ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ قوله: ﴿وَخُفْيَةً﴾ يدل على تفضيل دعاء السر؛ كقوله: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ (٢) ﴿لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ المجاوزين الحد في رفع الصوت. وقيل: هو عام في النهي عن كل اعتداء ومجاوزة حدّ. ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل. وقيل: الفساد في الأرض: إهلاك الحرث والنسل وسائر أنواع الظلم بعد إصلاح الله إياها بالأمر بالعدل. ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ﴾ ذات قرب. من قرأ (نشرا) بضم الشين فهو جمع نشور بفتح النون؛ كصبور وصبر. ومن سكن الشين فهو تخفيف، كعضد في عضد، ومن قرأ ﴿بُشْراً﴾ فإنها تبشر بالمطر (٣)؛ كقوله: ﴿يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ (٤). ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ﴾ حملت ﴿سَحاباً ثِقالاً﴾ كثيرة الماء، دانية من الأرض ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ المنبت ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ الأرض الملح، وهذا مثل ضربه الله للقلوب [يعرض] عليها القرآن فيثمر لبعضها الخضوع والانقياد ومعرفة الله بالوحدانية

стр. 276

والقدرة وعظم الملك، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا. لما قال: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ ببعثة الرسل شرع في قصص الأنبياء وما جاؤوا به من الإصلاح وما قابلهم به قومهم من العناد. ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)﴾ ولقد صرح بهذا في قصة شعيب حيث قال: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ ﴿الْمَلَأُ﴾ الأشراف، وقد ذكر اشتقاقه في سورة البقرة (١) جعلوا نوحا منغمسا في الضلالة قد أحاطت به وصارت ظرفا له، وكما بالغوا في ذلك بالغ نوح في التبري، فأتى بالباء التي للإلصاق، فكأنه يقول: والله ما التصقت بي ضلالة قط ولا مسّتني. وأيضا نسبوه إلى الضلال، المصدر الذي يصلح للقليل والكثير، فبالغ نوح فقال: ما مستنى ضلالة واحدة، ويلزم من نفي المتعدد نفي الواحد، ومثله في قصة عاد، قالوا لهود: ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ أكفرتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر بذكر وموعظة

стр. 277

أو شرف؛ كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (١) أي: شرف ﴿عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ تعرفون صدقه ودينه، فهو أحق بالاتباع من أن يجيئهم رجل غريب لا يعرفون صدقه فيما سبق من عمره. ﴿عَمِينَ﴾ جمع (عم). ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ﴾ نعمه، أنكروا توحيد الإله وأنكروا على من اعتقده وطلب من الناس من يتابعه عليه، وهو كقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ (٢) ﴿قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قرب وقوعه؛ كقوله: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ (٣) والرجس هاهنا: العذاب، كالرجز، بالزاي. ﴿وَغَضَبٌ﴾ هذا يقوى قول من زعم أن غضب الله انتقامه وبطشه، أما من زعم أنه إرادة الانتقام فيبعده هذه الآية؛ لأن الإرادة قديمة لا توصف بالوقوع ﴿أَتُجادِلُونَنِي﴾ في تسمية الأصنام آلهة وهو مما لم ينزل الله به حجة، ومضى ذكر الدابر في الأنعام (٤). ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ (٧٩) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾

стр. 278

﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾ أي: وأرسلنا ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً﴾ فقال: يا قوم اعبدوا الله. ﴿آيَةً﴾ نصب على الحال، والعامل فيه اسم الإشارة. ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ﴾ يريد أن الناقة ناقته، والأرض ملكه أفتمنعون ناقته أن ترعى في ملكه! ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أسكنكم فيها ومكنكم من التصرف، وأصله من باء: إذا رجع، فجعل الأرض مباءة ترجعون إليها في حوائجكم ومنه ﴿بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ (١) ﴿بُيُوتاً﴾ حال؛ لأنها صارت بالنحت بيوتا، وهو كقوله: بريت الأنبوبة قلما. ﴿تَعْثَوْا﴾ من عثي يعثي، وهو كقولك: لا ترضوا، من رضي يرضى. ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ عن الإيمان. ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل بعض من الكل بإعادة العامل وهو اللام؛ كقوله: ﴿لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ (٢) بخلاف قوله: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ﴾ (٣) و ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ (٤) فإنه لم يعد العامل فيهما. العاقر للناقة واحد، ونسب الفعل إلى الجماعة؛ لأنهم كانوا راضين به. ﴿جاثِمِينَ﴾ باركين على الركب. ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ (٨٨)﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ﴾

стр. 279

﴿أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣) وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ غني بالمكان إذا أقام به، وتسمى المنازل المغاني. ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ﴾ مخاطبا لهم وهم موتى متحزنا متأسفا على هلاكهم: ﴿يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي﴾ وقد رتب قوم لوط على الوصف ضد مقتضاه، فإنهم إذا كانوا أناسا يتطهرون من الخبائث وأفعال السفهاء، فكان ينبغي أن يتقرب إلى قلوبهم، وأن يكرموا. قيل في قوله: ﴿وَأَمْطَرْنا﴾ إن أمطر في الشر، ومطر في الخير. ولم يبين بينة شعيب، فقيل: إنه كان أعمى ثم أبصر ثم عمي ثم أبصر، وهذا ضعيف؛ لأن البصر بعد العمى يقع لنفر من المسلمين، ولنفر من الكفار فلا يكون معجزا، وكذلك قالوا في معجزة نوح: إنه عاش ألف سنة وستين سنة، وهذا فاسد؛ لأنه إذا ادعى النبوة بعد أربعين من عمره قالوا له: ما معجزاتك؟ قال: إني أعيش ألف سنة، فيقولون له: حتى تستكملها ونعلم حينئذ صدقك، والصواب ما جاء في الحديث: «إذا استأثر الله بشيء فاله عنه» (١). فإذا لم يذكر الله معجزتهم لم نختلقها. ﴿وَتَصُدُّونَ﴾ وتمنعون، والمفعول ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجاً﴾ وتطلبون بها اعوجاجا. ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ من الأمم الذين قبلكم، فإنهم كذبوا فأهلكناهم. ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ أي: لابد من وقوع أحد أمرين؛ إما إخراجنا إياكم، وإما رجوعكم إلى اعتقادنا. الواو في ﴿أَوَلَوْ﴾ واو الحال، أي: تخرجوننا ولو كنا كارهين، وتحتمل أن تكون واو عطف على محذوف، أي: أتخرجوننا إذا كنا

стр. 280

طائعين، وتخرجوننا إذا كنا كارهين، ويصح الإكراه مع الكراهية والطواعية. وقوله: ﴿إِنْ عُدْنا﴾ يريد به: إن صرنا. وكذلك ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ فإن من آمن معه لم يكونوا في ملتهم حتى يعودوا إليها، وكذلك قوله: ﴿أَنْ نَعُودَ فِيها﴾. ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أي: وسع علمه كل شيء. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ الحاكمين. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً﴾ كرره للنداء عليهم بوصف التكذيب. ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ فكيف أحزن؟ ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ إلا ابتلي أهلها بالبأساء ليظهر كيف صبرهم؟ ثم ابتلوا بالنعماء، فيظهر كيف شكرهم؟ المراد بالحسنة هاهنا: ما يحسن عندهم من صلاح الأحوال وسعة الأرزاق، والمراد بالسيئة ما يسوؤهم، كالأعلال والأمراض والغلاء وغير ذلك. ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ حتى كثروا. قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ توكيد لمعنى بغتة، أي: أجهل أهل القرى فأمنوا أن يأتيهم بأسنا وهو نائمون غافلون، أو وهم ضاحكون لاعبون؟ ثم بين أن الأمن من مكره مطلقا لا يفعله إلا الخاسرون. أو لم بين لمن جاء بعدهم أنا لو شئنا أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا أولئك فطبعنا على قلوبهم فلا يوفقون لصلاح أعمالهم. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٠٦)﴾ ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ و ﴿الْقُرى﴾ صفة. و ﴿نَقُصُّ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون ﴿تِلْكَ﴾ منصوبة بفعل مضمر من باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره، ويجوز أن يكون

стр. 281

﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ و ﴿الْقُرى﴾ خبرا و ﴿نَقُصُّ﴾ حالا، أي: تلك القرى مقصوصا عليك من أنبائها، وإن كان المعنى على الحال؛ كقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً﴾ (١) ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ (٢). لأنه ليس المقصود الإخبار بأن هذه بيوتهم، وأن هذا بعلها، بل الإخبار بخواء البيوت وشيخوخة البعل. ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ أي: من وفاء عهد؛ كقوله: ﴿لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ (٣) أي: لا وفاء بالأيمان؛ كقول الشاعر [من الطويل]: وإن حلفت لا تنقض الدّهر عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين (٤) أي: ليس لها وفاء يمين، وإلا فهي قد حلفت، ومنه: ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ (٥) في فتح همزة «أيمان» فلا وفاء أيمان لهم. «إن» في ﴿وَإِنْ وَجَدْنا﴾ مخففة من الثقيلة، واللام في ﴿لَفاسِقِينَ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد إهلاكهم، وهو توكيد لمعنى ﴿ثُمَّ﴾ فإن «ثم» دلت على المهلة والترتيب، ولم يزدد معنى بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلا قوة. ضمن ﴿فَظَلَمُوا﴾ معنى ﴿كَذَّبُوا﴾ فعداه بالباء؛ كقوله [من الرجز]: قد قتل الله زيادا عني (٦). ضمن قتل معنى صرف، فعداه بعن، يجوز أن تكون ﴿كانَ﴾ تامة، و ﴿عاقِبَةُ﴾ هي الفاعل، ويجوز أن تكون ناقصة، و ﴿كَيْفَ﴾ خبر مقدم؛ لأنه استفهام، و ﴿عاقِبَةُ﴾ اسم كان ﴿حَقِيقٌ عَلى﴾ ضمن حقيقا معنى واجب في قراءة من قرأ ﴿عَلى﴾ بالتشديد، ومن قرأ ﴿عَلى﴾ فمن كان حقيقا بشيء كان ذلك الشيء حقيقا به (٧) وقوله:

стр. 282

﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ﴾ يجوز أن تكون الباء للحال؛ كقوله: خذ هذا الفرس بسرجه ولجامه. ويجوز أن تكون الباء للتعدية، أي: أحضر البينة إن كنت جئت بآية. ﴿فَأْتِ بِها﴾ ليس تكرارا، بل معناه: إن كنت مدعيا مجيئك بالآية فأظهر ما ادعيت مجيئك به، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتَ﴾ من باب دخول الشرط على الشرط؛ كقوله: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (١) وكقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ (٢) وكقول الرجل لزوجته: أنت طالق إن ركبت إن لبست، فإن ركبت ثم لبست لم تطلق، وإن لبست ثم ركبت طلقت على الصحيح من المذهب خلافا للإمام أبي المعالي (٣)، فإنه أوقع الطلاق في الحالتين (٤). ذكر هاهنا أنها ثعبان وفي موضع ﴿فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ﴾ (٥) وفي موضع ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ﴾ (٦) يسأل عن وجه الجميع، وجوابه من وجهين: أحدهما: أنها كانت كبيرة الجثة كالثعبان وخفيفة في الحركة كالجان والحية. والثاني: أن كل موضع ذكر فيه الجان والحية فهو في عود العصا كذلك بين يدي الله في حال مخاطبة موسى لربه في الطور، وكل موضع ذكر فيه الثعبان المراد به بين يدي فرعون حين طلب السحرة بلقف عصاه حيتهم، والجان والحية: الصغير من هذا النوع، والثعبان الكبير منه.

стр. 283

﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾ وقرئ ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ﴾ (١) وهذا يدل على أمرين: أحدهما: أن (إذا) التي للمفاجأة ظرف مكان حتى يصح كونه خبرا عن ﴿هِيَ﴾ فإنها جثة، وظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثث. والثاني: صحة قول الكسائي (٢): كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها (٣). ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: من درعه. وقوله: ﴿بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ وهي بيضاء لمن نظر، ولمن لم ينظر. لكن يريد بذلك أنها خرجت بيضاء بياضا يستوقف الناظرين للتعجب منه، وهو بياض شديد له شعاع، والظاهر أن الملأ عرفوا أن هذا ليس من صنع البشر، وأنه صنع الله الذي أتقن كل شيء، ولهذا قالوا: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ فهل سمعوا قط أن ساحرا أخذ مملكة من صاحبها وأخرج ملك المملكة من مملكته؟

стр. 284

قوله: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ يقوله بعض الملأ لبعض. ﴿أَرْجِهْ﴾ (١) أخره، والحاشر: الجامع، ويوم الحشر: يوم الجمع، و ﴿نَحْنُ﴾ في ﴿نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ فصل أو عماد. ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ يعني: لا أقنع لكم بحصول الأجر، بل تكونون أول داخل عليّ وآخر خارج عني. تأدبوا مع موسى، فجعلوا الخيرة له إدلالا منهم بأنهم غالبون كيف وقع الأمر. ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ خوفوهم. ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يكذبون أي: ما يأفكون فيه. ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: تبين وظهر. ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ﴾ أي: في ذلك الموضع، أو في ذلك الزمان. ﴿صاغِرِينَ﴾ ذليلين. ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ خروا على وجوههم ساجدين كأن ملقيا ألقاهم لسرعة وقوع جبهتهم على الأرض. قيل: كشف لهم في حال تلك السجدة عن جزاء

стр. 285

المؤمنين وجزاء الكافرين فآمنوا عن عيان، وصمموا على الثبوت حتى أجابوا فرعون حين قال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾. ﴿قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ﴾ أي: ما تعيب وتكره منا إلا الإيمان، وهو شيء لا يكره، وهو كقوله: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١) ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢) ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ (٣) وكقول الشاعر [من الطويل]: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب (٤) وفلول السيف من قراع الكتائب ليس عيبا فيهم، وفي قوله: ﴿لَمّا جاءَتْنا﴾ إشارة إلى سرعة انقيادهم، وسجودهم لله عند مجيء الآية لم يبطئوا ولم يتلعثموا. ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾ اصببه علينا حتى يكون كثيرا شاملا لأجسادنا. ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ قيل: كان لفرعون آلهة يأمر الناس بعبادتها ويقول: أنا ربكم الأعلى وإله الآلهة، وقرئ ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ (٥) أي: وعبادتك ﴿قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ شكوا ذلك إلى موسى، فقال لهم موسى: ﴿اِسْتَعِينُوا بِاللهِ﴾ الآية. و ﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ الحسنى ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ ﴿فَأَرْسَلْنا﴾
следующие страницы →