← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الهاء في ﴿سُبْحانَهُ﴾ في موضع خفض بالإضافة ولو ظهر ذلك المضمر مجرورا لكان في موضعه قولان: نصب أو رفع؛ لأن معنى قوله: سبحان الله: نزهت الله، أو: تنزه الله، ويترجح الثاني بقوله: ﴿ ﴾ فيعطف عليه الفعل الماضي. ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ على الحق ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ فبعث الله النبيين. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ بتأخير العذاب لعجل لهم وفرغ منهم. ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ ولولا بمعنى هلا، أي: لو نزلت الآية لآمنا. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ فقال الله - تعالى: لا تحلفوا، فإن إيمانكم بتقدير نزول الآية عبث، فيجوز أن يقلّب الله الأفئدة والأبصار (٧٦ /ب) فلا تؤمنوا. ثم حقق هذا بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ الآية (١) ﴿إِذا لَهُمْ مَكْرٌ﴾ فاجأهم المكر. ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧)﴾ من قرأ ﴿يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٢) فمعناه: يفرقكم. وقوله: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ ليس كونهم في الفلك علة ليسيركم ولا لينشركم، لكن ﴿حَتّى﴾ دخلت على هذه الجملة

стр. 352

إلى آخرها، فكأنه قال: هو الذي يسيركم في البر والبحر، حتى وقعت هذه الجملة، والفلك هاهنا مفرد، وصيغة إفراده وجمعه سواء. ﴿وَجَرَيْنَ﴾ أضمر الفلك جمعا. وجواب إذا: ﴿جاءَتْها رِيحٌ﴾ أو ﴿دَعَوُا اللهَ﴾ ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ﴾ إذا للمفاجأة. وعن بعضهم: ثلاث من كن فيه كن عليه: النكث والمكر والبغي (١) والبغي بقوله: ﴿إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ والمكر بقوله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ (٢)، والنكث بقوله: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ (٣). ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم عليه. مثل الدنيا في سرعة إقبالها وزينتها وبهجتها بهذه الجملة، ولم يشبه الدنيا بالماء وحده كما ظنه بعضهم وقال: الدنيا تشبه الماء من وجهين: أحدهما: لو قبضت بكفك على الماء لم تجد منه شيئا. والثاني: أنك إن أخذت منه أكثر من الحاجة أضر بك. ﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها﴾ كأنها حسنت نفسها بما تريد. ﴿دارِ السَّلامِ﴾ الجنة، والسلام اسم من أسماء الله - تعالى - كأنه قال: دار الله. وقيل: هي دار تحييهم الملائكة فيها بالسلام ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ الآية (٤). وقيل: دار السلامة. والزيادة: النظر إلى وجه الله. وقيل: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٥). المعنى: والذين كسبوا السيئات جزاء. وقيل: التقدير: والذين كسبوا السيئات لهم جزاء سيئة. من قرأ (قطعا) بسكون الطاء ف "مظلم" صفته، ومن قرأ (قطعا) بفتحها (٦)، فهو حال من ﴿اللَّيْلِ﴾.

стр. 353

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾ ﴿مَكانَكُمْ﴾ أي: الزموا مكانكم ﴿فَزَيَّلْنا﴾ فرقنا، وأنكرت الأصنام عبادتهم لها بقوله: ﴿ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ لأنهم كانوا لا يعقلون، وهو معنى قوله: ﴿إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ﴾. من قرأ (تبلو) بالباء بواحدة، فمعناه: تخبر، ومن قرأ بتاء باثنتين (١) من فوق، ففيه وجهان: أحدهما: تتلو كتاب عملها. والثاني: تتلو، أي: تتبع، ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ (٢) أي: تبعها. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ بالمطر، ومن الأرض بالنبات. ﴿يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ يقدر على إبقائهما وأخذهما. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ﴾ ومضى الكلام في توحيد السمع وجمع الأبصار، وفي إخراج الحي (٧٧ /أ) من الميت والميت من الحي (٣). ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ عذاب الله في تشريككم معه في الإلهية من لم يفعل شيئا من هذه الأمور ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ فمن أين صرفتم عن الإقرار بالوحدانية. ﴿كَذلِكَ﴾ أي: حقت كلمة ربك حقّا مثل ذلك، والكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف. من قرأ ﴿أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بفتح الهمزة، فهو: إما بدل وإما منصوب

стр. 354

أو مجرور على حذف حرف الجر. ومن كسر الهمزة (١) فهو كلام مستأنف، وفيه معنى التعليل. وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهم لا يعترفون بأن الله يعيد الخلق؛ لأنهم اعترفوا بأن الله بدأ الخلق، ومن لازم ذلك جواز إعادته. وقد قيل: كل موضع أمر الله نبيه بالسؤال عن أمر، ثم أجاب عنه، فإنه يكون في غاية الظهور. الإفك: القلب. ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦) وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ هدى تتعدى بإلى وباللام وبنفسها، وهاهنا عداها باللام وب "إلى". ﴿يَهْدِي﴾ أصله: يهتدي، أدغمت التاء في الدال؛ لقرب مخرجيهما، ومن كسر الهاء من (يهدي) فقد أتبعها بكسرة الدال، ومن كسر الياء أيضا فقد أتبعها بكسرة الهاء (٢)، ومثل هذه اللغات في يتخطف.

стр. 355

﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ﴾ حال ﴿أَنْ يُهْدى﴾ أو زمن أن يهدى. ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جملتان. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ في العقائد، أما الأحكام الشرعية فأكثر أدلتها ظنون. ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ﴾ افتراء ﴿وَلكِنْ﴾ كان ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لا سبب ريب فيه، بل أتقولون افتراه، تحداهم بالقرآن كله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الآية (١)، ثم تحداهم بعشر سور في سورة هود (٢)، ثم تحداهم بسورة واحدة في هذه السورة وقيل: تحداهم أيضا بقصة أو حديث مستقل أقصر من السورة كقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (٣) ولم يأتهم عاقبته ﴿عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ يجوز أن يكون اسم كان وخبرها الاستفهام المتقدم، ويجوز أن يكون فاعلا وكان تامة، و ﴿كَيْفَ﴾ نصب على الحال. ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ الآية لا وجه لقول من زعم أنها منسوخة، فإن كون عمله له وعملهم لهم أمر ثابت لم يتغير حكمه، ومن تخيل نسخها جعل قوله: ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ يدل على أنه أهملهم ولا يقاتلهم، لكن سورة يونس مكية، ولم يشرع القتال قبل الهجرة، فكيف تكون منسوخة؟! فإن قيل: لم جعل مع فقد السمع عدم العقل، وجعل مع عدم البصر نفسه؟ قلنا: المراد بعدم البصر في البصر عدم البصيرة والمعنى أن (٧٧ /ب) الأصم قد يحدس ويحرز ما يتكلم به من سمع صوته، والأعمى يفعل مثل ذلك إذا كان الأعمى والأصم باقي العقل. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ﴾ إنكار على الفاعل، والتقدير: لا تستطيع أنت أن تحول هذين إلى كمال السمع والبصر، بل القادر على ذلك هو الله وحده؛ لأن الفعل ممكن في نفسه، ولو كان المراد إنكار الفعل لقال: أفتسمع الصم، أفتهدي العمي؟

стр. 356

﴿شَيْئاً﴾ يجوز أن يكون مفعولا به، وأن يكون مصدرا. فإن قيل: كيف يستقصرون مدة لبثهم في القبور؟ وأين عذاب القبر وأيام الشدائد طوال؟ فالجواب: أن في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه روي أن العذاب يرفع فيما بين النفختين، فإذا نفخ في الصور قاموا وفي أعينهم طعم النوم، فيقولون: يا ويلتنا من بعثنا من مرقدنا هذا؟ فأشاروا بقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ إلى ما بين النفختين. الوجه الثاني: أراد: كأن لم يلبثوا في الدنيا. والثالث: كأن لم يلبثوا في القبور، قالوا: ولا دليل على عظم أمر القيامة أدل من هذا؛ لأنه جعل التعذيب في القبور كأيام النعيم التي تستقصر، ولأن عذاب القبر عرض، ومنه قوله: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (١) فجعل دخول النار في يوم القيامة. وفي الحديث: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، ويقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله" (٢). ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ جملة حالية. قوله تعالى: ﴿يَتَعارَفُونَ﴾ ثانية. ويجوز أن يتعلق ب ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ كأن التعارف ينقضي ويعود تناكرا؛ لشدة الأمر عليهم. وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مقدر فيه القول، والتقدير: قائلين: قد خسروا. ﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاّ ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾ ﴿وَما﴾ في قوله: ﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ﴾ زائدة، فالمعنى: إن أريناك فيهم ما يسرك فجيدا، وإن توفيناك قبل ذلك لم يفوتونا ﴿فَإِلَيْنا﴾ يرجعون ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ قوله: ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ﴾ يريد

стр. 357

بالشهادة: العلم، ويريد بالعلم: المجازاة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ﴾ وهي تقتضي الترتيب والمهلة، وعلم الله ليس زمانيّا ولا متأخرا عن شيء ﴿فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: جاء في الدنيا وأظهر المعجزة، فكذبوا وأذن له في الدعاء عليهم ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ في إهلاكهم. والثاني: فإذا جاء رسولهم في موقف القيامة فشهد عليهم بما عاملوه به من التكذيب؛ كقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) قضي بينهم بشهادة نبيهم. ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ دفع ضرر ولا جلب نفع. ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ (٨٧ /أ) أن يملكني. وكان بعض المتأخرين يقف على قوله: ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ ويقول: انتهى جواب إذا، ويستحيل أن يكون قوله: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ جوابا؛ لاستحالة تقدم العذاب عند فرض مجيئه؛ لقوله: ﴿إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ فيقال له: وكذلك يستحيل تأخيره بعد مجيء الأجل المذكور. فإنه لو تأخر لم يكن الذي جاء أجلا (٢). البيات: هو الإغارة على العدو ليلا وهم غافلون. ﴿أَوْ نَهاراً﴾ وهم ينظرون، ومثله قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ من القيلولة. وقوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً﴾ الآيتين (٣). أي شيء يستعجل منه المجرمون؟ ولا شيء من الخير في مجيء العذاب فلا وجه لاستعجاله، وقد أنكر عليهم أنهم يؤمنون عند نزول العذاب الذي استعجلوه بقوله: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ﴾ الآية، و (ثم) مجاز، استعير التباعد في الرتبة للتباعد في الزمان؛ كقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ (٤). ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٥) ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ (٦) وقول الشاعر [من الطويل]: ولا يكشف الغمّاء إلا ابن حرّة ... يرى غمرات الموت ثمّ يزورها (٧)

стр. 358

﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ ﴿ظَلَمُوا﴾ أي: كفروا. ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: لبذلته للفدية، ولكنه لا يقبل لقوله في آية أخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ (١) ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ﴾ أي: أخفوها؛ حذارا من الشماتة. وقيل: أسروا، أي: أظهروا. قوله: ﴿فَبِذلِكَ﴾ توكيد لقوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ وقد استشكلت قراءة حمزة في قوله: (فلتفرحوا) بتاء معجمة (٢)، باثنتين من فوق. وجاء مثلها في الحديث: "لتأخذوا مصافكم" (٣).

стр. 359

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١) أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾ ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً﴾ هو ما جعلوا لله بزعمهم ﴿مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً﴾ (١) وذلك مما لم يقم به البرهان. ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ كقوله: ﴿فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢) ﴿وَما تَتْلُوا مِنْهُ﴾ أي: من الشأن أو من القرآن أو يكون إضمارا له قبل ذكره،

стр. 360

وتفخيما لشأنه، والوقف عند قوله: ﴿وَلا فِي السَّماءِ﴾ (١) وإلا لزم أن يكون الذي يعزب عن علم الله لا يغيب إلا في كتاب مبين، وهو كلام فاسد، فإذا وقفنا على قوله: ﴿وَلا فِي السَّماءِ﴾ ويكون ﴿وَلا أَصْغَرَ﴾ ﴿وَلا أَكْبَرَ﴾ مستأنف، فمن فتحهما فهما مثل قولك: لا رجل في الدار، ومن رفعهما (٢) فهما كقوله: لا رجل في الدار (٧٨ /ب) وكقول الشاعر [من مجزوء الكامل]: من صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح (٣) ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الآخرة ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوه، والبشرى في الدنيا: الرؤية الصالحة يراها المؤمن أو ترى له. الوقف على قوله: ﴿قَوْلُهُمْ﴾ (٤) ولا تكون إن مكسورة بعد القول لفساد المعنى، وإنما" إن "كسرت لابتداء كلام. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في عقائدهم ﴿إِلاَّ الظَّنَّ﴾ والخرص: الكذب، وأصله من خرص النخل والكرم، وهو أن يحرز ما عليه من التمر عند تقدير جفافه، وذلك الحرز لا بد أن يخطئ ولو بقدح. قوله: ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ فيه؛ كقوله: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (٥) أي: مبصرا بها. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ والملك ينافي الولادة، وقد بين ذلك فيما سبق. ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ﴾ ما عندكم من حجة بهذا. ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي﴾

стр. 361

﴿بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾ ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هو متاع. ﴿وَاتْلُ﴾ أي: اقرأ. وقد أتى بالفعل الماضي في جواب كان، وإنما جوز ذلك دخول الشرط على كان (١). ﴿مَقامِي﴾ بمعنى قيامي، والتقدير: إن شق عليكم ذلك مني فاجتهدوا على قتلي، فإنني قد توكلت على الله لا على غيره. ومن قرأ ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بقطع الهمزة، فمعناه: اعزموا. و ﴿أَمْرَكُمْ﴾ منصوب مفعول معه، ومن قرأ (فاجمعوا) بألف الوصل وفتح الميم (٢)، ﴿وَشُرَكاءَكُمْ﴾ مفعول، وجواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ محذوف، تقديره: فإن

стр. 362

توليتم فقد ظلمتم؛ لأنني ما سألتكم من أجر على التبليغ. ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾ جعلناه ومن معه يخلفون الهالكين. ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ هي لام الجحود مؤكدة لنفي إيمانهم. ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى ظاهر ومظهر، يقال: بان الأمر وبين وأبان. ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ﴾ أي: عن الحق وبسببه كقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ (١). وكقوله: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ (٢) أي: عنهم، والتقدير: أتقولون للحق لما جاءكم إنه سحر، والهمزة في (آلسحر) همزة إنكار. ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ أي: لتصرفنا. ﴿الْكِبْرِياءُ﴾ الرياسة. من قرأ (السّحر) مقصورا، ف ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ﴾ مبتدأ و ﴿السِّحْرُ﴾ خبر. ومن قرأ (آلسحر) ممدودا (٣) فهي همزة إنكار دخلت على لام التعريف، فمدت؛ كقوله: ﴿آلْآنَ﴾ (٤) ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (٥) والخبر محذوف، والتقدير: آلسحر هو؟ ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّء الِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾

стр. 363

وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ يدل على أن السحر حق؛ لأنه وعد بإبطاله بسين الاستقبال ولو كان باطلا لاستحال إبطاله؛ لأنه تحصيل الحاصل. (٧٩ /أ) وقد سحر رسول الله ﷺ (١). ومذهب الشافعي أن من قتل بسحر يقتل غالبا يجب عليه القصاص (٢). وقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ (٣) لا يدل على أن السحر كله تخييل بل ذلك الشيء فعلوه بين يدي فرعون تخييل. ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ يدل على أن السحر إفساد ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ويظهر ويعلى. أراد بفرعون: هو ومن بايعه وأعانه، ولهذا قال ﴿وَمَلائِهِمْ﴾ بالجمع. قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾ مثل قولك: إن كنت ابني فأطعني، وهو تهديد لعزم المخاطب، وبعث همته على التوكل على الله لا على غيره؛ لتقديم المجرور على الفعل العامل فيه. ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي: لا تهلكنا بأيديهم فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق لما سلطنا عليهم، فيفتتنوا بذلك. وقوله: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ هذه لام العاقبة؛ كقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ (٤) ويجوز أن تكون لام كي، فإن الله خالق الخير والشر ومسببهما. ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ﴾ امسخها، ويوجد في آخر العمران بظاهر قرافة مصر صورة دراهم ودنانير منقوشة، وهي حجر، وصورة نخل وراء جبلها وهو حجر خفاف يشدونه على قبورهم. ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ الآية، هذه الآية تدل على أن فرعون في النار، لأنه أخبر أنه أجاب دعاءه، ومن دعائه: أنهم لا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فقد قال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ (٥).

стр. 364

حكى الزمخشري (١) أن جبريل ﵇ أتاه بفتيا: ما قول الأمير في عبد لرجل أنعم عليه مولاه بأنواع من النعم، فجعله ملكا، فأنكر ذلك العبد مولاه وادعى الربوبية؟ فأفتى فيها فرعون فقال: يستحق هذا العبد أن يغرق في البحر. فلما أراد الله أن يطبق عليه وعلى قومه البحر وإهلاكهم جاءه جبريل بالورقة، وقال: أنت العبد الذي استفتى فيه. ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨)﴾ ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أي: أتؤمن الآن وقد عصيت قبل. ﴿نُنَجِّيكَ﴾ نلقيك على نجوة مكان مرتفع من الأرض؛ لأن بني إسرائيل قالوا: ما غرق فرعون. لما ثبت في قلوبهم من الرعب منه. فألقاه البحر على مكان مرتفع، وكان عليه درع من ذهب، فرآه بنو إسرائيل وعرفوه، وأيقنوا بموته. وقيل: أراد بالبدن: الدرع. بوّأه: اتخذ له مباءة، وهي مكان يرجع إليه. ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ (٧٩ /ب) أي: مبوأ كريما شريفا. ﴿فَإِنْ كُنْتَ﴾ أيها السامع لهذا الكلام، كقول الخطيب: "يا ابن آدم عندك ما يكفيك، وتطلب ما يطغيك" (٢).لا يريد شخصا معينا، بل كل سامع، وكذلك قوله: ﴿فَلا﴾

стр. 365

﴿تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ الآية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ هم قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ﴾ فهلا، أي: لم تكن قرية آمنت عند نزول العذاب. ﴿فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ روي أنهم لما رأوا العذاب اعتزلهم يونس ومن معه من المؤمنين، ورأوا دخانا قد أحاط بالمدينة التجأوا إلى شيخ لهم، فقال لهم: قولوا بأجمعكم: يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموتى، ويا حي يا قيوم، ويا حي لا إله إلا أنت. فقالوها وكرروها فرفع عنهم العذاب (١). ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)﴾ ﴿أَفَأَنْتَ﴾ دخلت همزة الإنكار على فاعل الفعل، ولو أنكر الفعل نفسه لقال: أفتكره الناس، ولدخلت همزة الإنكار على الفعل. ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بقضائه ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ أي: العذاب.

стр. 366

﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الآيات ﴿وَما تُغْنِي﴾ يجوز أن تكون "ما" نافية وأن تكون استفهاما بمعنى الإنكار. قوله: ﴿ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ أي: لا يملك ذلك، بل هو سبب، والله المسبب المالك. وقيل: ما لا ينفعك إن عبدته، ولا يضرك إن تركته. قوله: ﴿وَاصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ منسوخ بآية السيف. ***

стр. 367

سورة هود [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨)﴾ قوله: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾ أي: من عذابه. ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بثوابه. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى انقضاء الأعمار ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أصله: وإن تتولوا. ﴿إِلَى اللهِ﴾ أي: إلى دار جزائه من جنة أو نار رجوعكم. كانوا إذا رأوا هودا النبي ﷺ تغطوا بثيابهم، وجعلوا أصابعهم في آذانهم ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ (١) ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: المضمرات ذوات الصدور. ويجوز إفراد "ذات" وجمعها كقوله: ﴿فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ (٢) ﴿مُسْتَقَرَّها﴾ مكانها من أصلاب الآباء ﴿وَمُسْتَوْدَعَها﴾ مكانها من أرحام الأمهات. وقيل بالعكس (٨٠ /أ) وقيل: المستقر في الأرض، والمستودع في القبر. وقيل: المستقر: دار الآخرة؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ﴾ (٣) ومثله في الأنعام: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ (٤) يروى أن أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها فذابت ثم سلط عليها

стр. 368

الهواء فاضطربت أمواجها فحصل من الاضطراب زبد ودخان فخلق الأرض من الزبد والسماء من الدخان. قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ ولا يتعلق بكون عرشه على الماء؛ إذ لا مناسبة للتعليل بذلك. والأمة: المدة؛ كقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ (١) ﴿لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ استهزاء. وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ تقدم الظرف على خبر ليس دليل على جواز تقديم خبر ﴿لَيْسَ﴾ عليها؛ لأن العامل متقدم على المعمول (٢). ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣)﴾ ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ الآيتين كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً﴾ (٣). وقوله: ﴿لَفَرِحٌ﴾ فعل أحد أبنية المبالغة وهي: فعول وفعال ومفعال وفعل وفعيل، ويجوز إعمال الثلاثة الأول، وأما الرابع فقد أجاز إعماله سيبويه وأبو عمر الجرمي، ومنعه الأكثرون وأما فعيل فلم ير إعماله إلا سيبويه وحده. وعلة المنع أن فعيلا مستعمل فيما هو

стр. 369

خلقة، كالسمين والهزيل، أو صفة ثابتة، كالشريك والنبيل، فإذا نقلنا راحما إلى رحيم مبالغة فقد جعلنا وصفه بالرحمة كالخلقة. والأوصاف التي بهذه المثابة لا تعمل في المفاعيل، فنقل راحم إلى رحيم يعطي هذه المبالغة، فلو أعملناه لفاتت هذه المبالغة (١). ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ هو الجنة. يقال: ضاق الشيء فهو ضائق، وإذا بالغت قلت ضيق، ولما ذكر الله ضيق صدر الكافر قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ (٢) وقال في نبيه ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا﴾ فأتى بلفظة ﴿وَضائِقٌ﴾ التي هي أخف وقرنها بلعل؛ ليكون الذي هو فيه من الضيق كالمشكوك فيه. ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ لأن تقولوا. ﴿لَوْلا﴾ بمعنى هلا. استدل على فصاحة القرآن وبلاغته وإعجازه بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ثم عجزهم ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ (٣)، ثم عجزهم ﴿بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (٤). قال فخر الدين ابن الخطيب (٥): ثم عجّزهم بقصة من جملة آية؛ كقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (٦) (٨٠ /ب). ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ ﴿أَفَمَنْ﴾

стр. 370

﴿كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾ ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: فإن لم يجيبوكم، استجاب وأجاب بمعنى واحد، قال الشاعر [من الطويل]: وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب (١) أي: فلم يجبه. ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها﴾ أي: جزاء أعمالهم؛ كما جاء في الحديث: "فأما الكافر فيطعم بجزاء ما عمل في الدنيا حتى يأتي إلى الآخرة وليس له حسنة" (٢). ﴿لا يُبْخَسُونَ﴾ لا ينقصون. ﴿وَحَبِطَ﴾ أي: بطل. ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: كمن ليس كذلك؛ لأن السياق يدل عليه؛ كقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ الآية (٣). ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ﴾ يعني: القرآن. ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهادُ﴾ يعني: الملائكة. ﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يعرضون أو يمنعون.

стр. 371

﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ لثقله عليهم، كما تفعل بمن غضبت عليه: ما أستطيع أن أسمع كلامك. ﴿وَضَلَّ﴾ وبطل. ﴿لا جَرَمَ﴾ بمعنى: حقا. الخبت: المكان المنخفض، ثم استعير للرجل المتواضع المتطامن من خشية الله. ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ الأعمى والبصير في شبههما بالكافر والبصير والسميع في شبههما بالمؤمن، فهما مثلان لكل واحد. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨)﴾ ﴿نُوحاً﴾ مصروف، وخرجه الزمخشري (١) على الخلاف في هند؛ لأن كون الوسط عارض إحدى العلتين، وأكثر النحويين جزموا بصرفه. ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ تقديره: قائلا، وهذا الحال المضمر قد عمل في قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ فهو في موضع نصب بالمصدر، أي: قائلا بهذا القول أن يعبدوا غير الله وعلله بقوله: ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ﴾ وصف اليوم بالألم، والمراد ألم من فيه، ومثله: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). قرئ (بادئ) بالهمزة، و ﴿بادِيَ﴾ بغير همزة (٣)، فالمهموز من: بدأت الأمر إذا ابتدأته، وغير المهموز من البدو وهو الظهور، فالتقدير على الأول: اتبعك هؤلاء الأراذل بأول وهلة من غير تأمل ولا تثبت. وعلى الثاني: اتبعوك ظاهرا ولم يفكروا في باطن الأمر وعاقبته.

стр. 372

﴿وَما نَرى لَكُمْ﴾ لك ولمن آمن بك. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني؛ كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ (١) وأمثلته كثيرة، وأتي ب ﴿عَلى﴾ في قوله ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أي: ركبتها واستعليت عليها؛ كقولهم: فلان على البصرة، أي: واليها. وقوله: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ تقديره: فعميتم عن تأملها (٨١ /أ) وفي الحديث: "يأتي فتية عميا بكما صما"، وعكسه ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (٢) ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ (٣) أي: مبصرا بها. ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ إذا تحمل الفعل ضميري مفعول جاز في ثانيها الاتصال والانفصال، ومنه: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ و ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ﴾ (٤) و ﴿زَوَّجْناكَها﴾ (٥) ﴿وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ واو الحال. ﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ (٣٥) وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾

стр. 373

﴿لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على التبليغ وعلل امتناعه من طرد فقراء المؤمنين بأنهم ﴿مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ ولكنهم قوم يجهلون فيجعلون الرفعة والمنزلة لأصحاب الحال. نصره بمعنى منعه، وأكثر ما يأتي معدى ب "من"، ونصره بمعنى قواه، وأكثر ما يعدى ب "على". وقالت الكفار لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك. وقال هاهنا: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ﴾ ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾. وطلبوا منه طرد المؤمنين ازدراء بهم. قال: ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي﴾ إن فعلت شيئا من ذلك ﴿إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾. ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ﴾ الفاء هاهنا عارية عن الترتيب والتعقيب؛ كقوله: ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ (١) ﴿إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: لا يأتيكم بالتعذيب إلا الله، والأمر فيه معلق بمشيئة الله. وقد دخل الشرط على الشرط في قوله: ﴿نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ومثله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ (٢) وإذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق إن ركبت إن لبست، فركبت ثم لبست لم تطلق، وإن عكست طلقت هذا هو الصحيح. وعند إمام الحرمين الطلاق معلق على كلا الأمرين سواء إن فعلت على ترتيب ما ذكر أو عكست (٣) ﴿فَعَلَيَّ﴾ لا على غيري جزاء ﴿إِجْرامِي﴾. ابتأس: افتعل من البأس. ﴿الْفُلْكَ﴾ يجوز أن يراد المركب الذي أمر بصنعته، ويجوز أن يراد الجنس. ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ أي: بمرأى منا وموافقا لما أوحينا إليك، فإنه أوحى إليه أن يصنعها على مثل جؤجؤ، أي: مثل صدر الطائر (٤) ﴿وَلا تُخاطِبْنِي﴾ نجاة ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وعلل ذلك بكونه حكم ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. وكان الملأ من كفار قومه إذا مروا به وهو يصنعها في فلاة من الأرض تضاحكوا من ذلك، فيقول لهم: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ﴾ لكن العاقبة الحسنى لنا. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ يهينه.

стр. 374

﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ (٤٠) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤٤) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧)﴾ واستمر في صنعه (٨١ /ب) الفلك حتى جاء أمر الله، وكان من علامات مجيء العذاب لهم أن يفور الماء من التنور. وروي عن علي: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ طلع الفجر. وهو غريب. ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ فكل واحد من الزوجين قام به الازدواج، ومنه ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (١) ﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي: واحمل أهلك، واحمل من آمن. ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ يجوز أن يتعلق ب ﴿اِرْكَبُوا﴾ أي: اركبوا فيها متبركين باسم الله، ويجوز أن يكون خبرا لقوله: ﴿مَجْراها وَمُرْساها﴾. ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ﴾ زعم الزمخشري (٢) أن السفينة كانت مطبقة، وأنها كانت تجرى بهم في الماء كجري السمكة في البحر، ولم أر هذا لغيره. ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ﴾ يعني: الله ، ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ﴾ ﵀، ويجوز أن يكون مفعولا، أي: لا معصوم، ك ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ (٣) بمعنى مدفوق، و ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ (٤) بمعنى مرضية. مثل الله طاعة المخلوقات التي لا تعقل بمأمور

стр. 375

مطيع بادر إلى الامتثال، فقال: ﴿يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ الآية. غاض الماء: يتعدى، تقول: غضته، بضاد ساقطة، ومنه: ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فرغ من عذابهم. ﴿وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ من قوم نوح، أو: الظالمين مطلقا. ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ يريد: أعظمهم حكمة، أو أعدلهم حكما. ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وكان عليك أن تعلم حين سمعت ﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أن في أهلك من يهلك، فلا تحتج عليّ بقولك: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾. وجعل هذا السؤال كالذنب الذي يستغفر منه؛ لأن مقامات الأنبياء في أدبهم مع الله في كل حركة وسكون ليس كمقام غيرهم. ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾ ﴿اِهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ أي: بسلامة ﴿وَبَرَكاتٍ﴾. وقوله: ﴿وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ وقف تام (١)؛ لأن الذي بعده ليس لهم من السلام والبركات شيء، وهو قوله: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾. ﴿تِلْكَ﴾ القصة ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ لم تكن ﴿تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ﴾ فإتيانك بها على ما يوافق الكتب المنزلة، مع أنك لم تحاضر العلماء دليل على أن ذلك من الله ﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ﴾

стр. 376

الحسنى للمتقين. ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً﴾. ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ قرئ بالرفع والنصب والجر، وقد ذكر في الأعراف (١). ﴿مُفْتَرُونَ﴾ كاذبون على الله. ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: على التبليغ، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ﴿اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ (٨٢ /أ) ثم دوموا على التوبة. ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أي: المطر. ﴿مِدْراراً﴾ من الدر. ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً﴾ في الأجساد والأموال. ولما كان المتولي قد يذهب عنك وهو مستمع لما تقول بعد ذهابه أخبر عن هؤلاء أنهم تولوا وقد ولوا هودا الدبر. قوله: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ كذب منهم وجحود لأن يكون ما يأتي به آية، وصرحوا بالعصيان وأنهم لا يتركون آلهتهم عن قول هود. ﴿إِنْ نَقُولُ﴾ في شأنك ﴿إِلاَّ﴾ أن آلهتنا أصابتك بسوء وخبل في عقلك، لسبّك إياها، فصرح هود بأنه لا يعبأ بتلك الآلهة ولا بمن عبدها، كما قال نوح: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾ (٢) ثم علل كونه بأنه لا يعبأ بهم بقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ﴾ وأن التعليل والأخذ بالناصية كناية عن القدرة عليها. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أصلها: تتولوا. وجواب الشرط محذوف، تقديره: لم يضرني توليتكم فقد قضيت ما عليّ ﴿وَيَسْتَخْلِفُ﴾ كلام مستأنف، وليس معطوفا على جواب الشرط، وكذلك: ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ﴾ للإتيان بهما مرفوعين. ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾

стр. 377

﴿وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ عذابنا. مما أجراه - سبحانه - أنه إذا أراد إهلاك قوم أذن لنبيهم ومن معه من المؤمنين أن يخرجوا عنهم، فبذلك نجوا. والغليظ حقيقة في الأجسام مستعار في المعاني ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ لأن من كذب نبيّا لكونه بشرا، فقد كذب سائر المرسلين، ومثله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١)، ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢) واستفتاح الجملتين بلفظة ﴿أَلا﴾ دليل على أنه أمر يهتم بالإصغاء إليه، والخوف من حلول مثله بمن عصا وقوله: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ يحترز به عن عاد الثانية؛ كقوله: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى﴾ (٣) وفي تسميتهم ثمود وجوه؛ قيل: مأخوذ من الثمد وهو الماء القليل. وقيل: هو اسم أبيهم وأمهم، فإن قلنا بالأول أو الآخر لم ينصرف، وإن قلنا بالثاني انصرف. ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾ أنشأ أباكم. ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ أطال أعماركم. وقيل: جعلكم عمارها، مأخوذ من العمرى، وهي أن يجعل الدار أو الفرس للمعمر مدة عمره، فإذا مات رجعت إلى المعمر أو إلى ورثته إن كان قد مات. ﴿كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ نرجو فيك التقدم والرياسة، فلما ادعيت النبوة أخلفت ما كنا نؤمله. وقيل: مرجو أي: مؤخر والتقدير: إنك لم تكن من ذوي الرياسة والرفعة بل أنت من آحاد الخلق ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني (٨٢ /ب) ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي﴾ فمن يمنعني؟

стр. 378

﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ مني. ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ نصب على الحال، والعامل فيها ﴿هذِهِ﴾ كأنه يقول: الناقة لله، والأرض له، فذروا ناقته تأكل في أرضه. ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ بعقر. ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ فقد وعدناهم بعذاب قريب، والثلاثة في حد القرب. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ﴾ الذي لا يطاق رد ما أراد. ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ (١) ﴿الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبريل. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ من قولهم: غنى بالمكان، إذا أقام به، والمغاني: المنازل، ثم استفتح الجملتين ب ﴿أَلا﴾ التي للتنبيه، كما فعل بقوم هود. ﴿بِالْبُشْرى﴾ بالولد لإبراهيم، وبشارته بإهلاك قوم لوط. ومن آداب الضيافة: الإسراع بالطعام؛ لقوله: ﴿فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ﴾. ومن آدابها: ألا يظهر للضيف أنه يذبح له أو يهتم به؛ لقوله: ﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (٢) ومنها: أنه يتخير أجود ما عنده؛ لقوله: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾. ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾

стр. 379

وكان الضيف ملائكة فلم يمدوا أيديهم إلى الطعام فارتاب بهم إبراهيم وكانوا إذا لم يأكل الرجل من طعامهم خافوا منه الغدر. يقال: أنكرت الشيء ونكرته. ﴿وَأَوْجَسَ﴾ أضمر. وكانت امرأة إبراهيم قائمة على الضيفان تخدمهم بنفسها. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ تعجبا من غفلة قوم لوط والعذاب قد أظلهم. وقيل: ضحكت أي: حاضت ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ وأنه يعيش حتى يأتي منه ولد يسمى يعقوب، وفيه دليل على أن الذبيح إسحاق؛ لأن الذبيح هو المبشّر به؛ لقوله: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (١) ولم تبشر إلا بإسحاق، ومن ذكر أنه إسماعيل قال: لو كان الذبيح إسحاق لما شك إبراهيم في أنه لا ينذبح؛ لأن الله قد بشّره بأن يولد من إسحاق ولد اسمه يعقوب، فكان يعلم أنه لا يموت حتى يرزق الولد (٢).

стр. 380

وقيل: الوراء ولد الولد (١). ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ نصب ﴿شَيْخاً﴾ على الحال، و ﴿بَعْلِي﴾ هو الخبر، وليس بمحط الفائدة لأن العجب إنما هو من ولادتها وهي عجوز وزوجها شيخ، فقالت لها الملائكة: إنما يعجب من خرق العوائد من لم ينشأ في بيوت الأنبياء وأنت من بيت النبوة، فلا تعجبوا من تعلق قدرة الله بذلك. ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أهل إبراهيم. ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى﴾ (٨٣ /أ) شرع ﴿يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ وقال: ﴿إِنَّ فِيها لُوطاً﴾ الآيات (٢) ﴿مِنَ الْغابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ ظهر على وجهه المساءة لما رأى من حسن الأضياف، ولما علم من جرأة قومه على طلب الفاحشة. ﴿هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أي: شديد ﴿هؤُلاءِ بَناتِي﴾ حقيقة، فتزوجوهن أو: بناتي أهل ملتي وشريعتي، وكل نبي فهو أبو أمته. وقرئ " ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ وهو أب لهم" (٣). ﴿مِنْ حَقٍّ﴾ من طلب. ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ لدفعتكم بقوتي أو بركني الشديد، وفي الحديث: "يرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد" (٤). قالوا: فما بعث الله نبيّا بعد ذلك إلا في منعة من عشيرته، كما قال في قصة شعيب: ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ وقال لهم: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾.

стр. 381

قال قوم: من قرأ ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ بالرفع فهو فاعل يلتفت، ومن قرأ ﴿إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ بالنصب (١) فهو مستثنى من قوله: ﴿فَأَسْرِ﴾ ولم يسر بها، وعلى الأول قد سرى بها لكنها التفتت، فلزم اختلاف القراءتين المتواترتين والواقعة واحدة، والصواب أن الاستثناء على كل حال من ﴿وَلا يَلْتَفِتْ﴾ والاستثناء من النهي يجوز فيه الرفع على البدل، والنصب على الاستثناء (٢). ولما همّ الكفار بمدّ أيديهم إلى الملائكة أضياف لوط طمس الله أعينهم حتى صار موضع العينين لحما مساويا لحم الوجه، فقالوا: يا لوط عندك أسحر الناس، لتبصرن غدا ما نصنع بك. فقال لوط للملائكة: متى تهلكون؟ قالوا: الصبح، قال لوط: أريد أعجل من ذلك ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ فرفع جبريل مدائنهم حتى سمعت الملائكة صياح كلابهم، ثم أتبعها الحجارة. وقيل: بل إنما رمى بالحجارة من كان في البلاد من قوم لوط. ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾

стр. 382

﴿سِجِّيلٍ﴾ اسم السماء الأولى. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلّمة بما يدل على أنها ليست من حجارة الدنيا. ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ الكفار. وقيل: بمن فعل مثل قوم لوط. ﴿مَدْيَنَ﴾ ابن إبراهيم كان قد نزل بذلك المكان فسمي به، وبعث شعيب إليهم وإلى أصحاب الأيكة فعذبت مدين بالرجفة، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم أووا إلى ظلّها من شدة الحر، فأمطرت عليهم نارا، ولا تعطوا الكيل والوزن ناقصا، وكان شعيب كثير الصلاة فاستهزءوا به، وقالوا: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا﴾؟! وتهكموا بكونه (٨٣ /ب) حليما رشيدا. ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني. تقول: خالفت زيدا إلى كذا، أي: فعلت مثل فعله بعد تركه له و "ما" في ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾ مصدرية، ولو أظهر المصدر لكان إما مضافا إلى زمن أو حال، أي: مدة استطاعتي، أو حالة استطاعتي. وقيل: التوفيق عزيز، ولم يأت في القرآن إلا هاهنا. فإن قيل: قوله: ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ (١). وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً﴾ (٢) في الآيتين ذكر التوفيق، قلنا: ليس هو التوفيق المشار إليه هاهنا؛ فإن المراد هاهنا هداية القلب إلى الصواب وتيسيره عليه، وفي الآيتين يريد الوفاق بين المتخاصمين، وتقدم المجرورين في "عليه وإليه" دليل الاختصاص. ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم. ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ أي: وما قريتهم بل هي قرية يمرون عليها في أسفارهم. ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ (٣)، ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ (٤). ﴿وَدُودٌ﴾ مبالغة في واد. وقيل: مودود بمعنى محبوب. ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ﴾

стр. 383

﴿رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦)﴾ قولهم: ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ﴾ رد قبيح كما تقول لمن تكلم بما لا يعجبك: لا أدري ما تقول. ﴿وَإِنّا لَنَراكَ فِينا﴾ ضعيف الفهم والعقل. ونبذتم جناب الله وراء ظهوركم، وهو معنى قوله: ﴿ظِهْرِيًّا﴾ وكسر الظاء من تغيرات النسب؛ لقوله في النسب إلى البصرة: بصري ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على قدرتكم وتمكنكم. ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ في الإبلاغ على مكانتي وقدرتي. وقوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ﴾ الآية إنصاف من العارف؛ كقوله: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١). يقال في المكان: بعد يبعد، وفي الهلاك: بعد بكسر العين يبعد بفتحها، ومصدرهما: البعد، بضم الباء، قال الشاعر [من الطويل]: يقولون لا تبعد وهم يدفنونه ... وما البعد إلا ما تجنّ الصفائح (٢) ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾

стр. 384

﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ ما يأمرهم به. ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ﴾ وما شأنه وطريقه. وصفة أمره بنفي الرشاد مجاز؛ لأن الرشيد هو فاعل الرشد لا فعله. ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ يتقدمهم وهم وراءه؛ كقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾ (١) وقوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ﴾ أتى فيه بالفعل الماضي؛ لأن أحوال القيامة جاء أكثرها بلفظ الماضي؛ لأنها عند الله محققة الثبوت (٨٤ /أ) ومنه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ (٢) ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ (٣) ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ﴾ (٤). ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ (٥) وأمثلته كثيرة. وقال عمرو بن معدي كرب [من الوافر]: بأني قد لقيت الغول تسعى ... بشهب كالصّحيفة صحصحان فأضربها فأقتلها فخرّت ... صريعا لليدين وللجران (٦) ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ بئس العطاء المعطى. ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ منصوبا بفعل مضمر يفسره ﴿نَقُصُّهُ﴾ من باب: زيدا ضربته. ﴿فَما أَغْنَتْ﴾ ما نافية، ويجوز أن تكون استفهامية، ومثله ﴿ما﴾

стр. 385

﴿أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾ (١) ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (٢) ﴿تَتْبِيبٍ﴾ تخسير ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ (٣). الكاف في كذلك يجوز أن تكون في موضع رفع على الابتداء، و ﴿أَخْذُ﴾ خبره. ويجوز أن تكون نعت مصدر محذوف، أي: نأخذهم أخذا مثل ذلك. ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾ ﴿وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ أي: ظالم أهلها. ﴿النّاسُ﴾ مفعول لم يسم فاعله ب ﴿مَجْمُوعٌ﴾. جعل الزفير والشهيق صادرين من أهل النار وفي قوله: ﴿سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾ (٤) جعله من فعل جهنم، والأمران ثابتان بالاثنين. ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ كناية عن الدوام. وقيل: المراد: سماوات الجنة وأرضها. وقرئ ﴿سُعِدُوا﴾ بضم السين (٥) مثل قولهم: مسعود، وهو قليل، والأكثر في سعد أنه لا يتعدى. وقوله: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ أي: من وقت طوافهم بين جهنم ومياه الحميم، ومنه قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (٦) وفي الجنة مدة الزيادة. وقيل: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ من تأخير

стр. 386

العذاب بعد النفخة إلى الاستقرار في النار. وفي أهل الجنة من وقت النفخة إلى الاستقرار في الجنة. ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع. ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ﴾ بطلان عبادة ﴿هؤُلاءِ﴾ ولا حجة لهم فيها إلا اتباع الآباء. ﴿وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من الجزاء، ونقص يتعدى ومنه ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾، ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ (١). ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾ ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فمن مصدّق ومن مكذّب كما فعل قومك. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٨٤ /ب) في تأخير العذاب إلى البعث لفرغ من حسابهم. ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ أي: فدم على ما أنت عليه من الاستقامة. ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ثم لا تخلصون من العذاب. ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أوله وآخره. ﴿وَزُلَفاً﴾ وقربا ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ قيل: نزلت في نبهان التمّار، جاءته امرأة تشترى تمرا فقال لها: في البيت أجود من هذا، فذهب بها إلى البيت ونال منها ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع، ثم جاء فشكى إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية (٢). وفي الحديث الصحيح: "مثل الصلوات الخمس، كمثل نهر على

стр. 387

باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، أترون ذلك يبقي من درنه شيئا؟ قالوا: لا، قال: كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا" (١). ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: الصابرين. وقيل: أعم من ذلك والصبر داخل فيه. ﴿فَلَوْلا﴾ فهلا، والمعنى: فلم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية إلا قليلا. ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ ﴿أُتْرِفُوا﴾ نعموا، واللام في ﴿لِيُهْلِكَ﴾ لام الجحود، والواو في ﴿وَأَهْلُها﴾ واو الحال. ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قيل: للرحمة. وقيل: خلقهم لما هم عاملون، فإن كل موجود حادث فهو بقدرة الله. ﴿وَكُلاًّ﴾ مفعول ﴿نَقُصُّ﴾. و ﴿ما نُثَبِّتُ﴾ بدل من ﴿وَكُلاًّ﴾ و ﴿وَجاءَكَ فِي هذِهِ﴾ السورة ﴿الْحَقُّ﴾. ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على تمكنكم.

стр. 388

﴿وَلِلّهِ﴾ علم ما غاب في السماوات والأرض ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ وقرئ ﴿يُرْجَعُ﴾ (١). ويجوز أن يكون خبرا بمعنى الأمر؛ كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٢) ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ (٣). ***

стр. 389

سورة يوسف [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢)﴾ قوله: ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه ﴿الْقَصَصِ﴾ بالفتح: المصدر، وبكسر القاف: جمع قصة. ﴿بِما أَوْحَيْنا﴾ أي: بإيحائنا. ﴿لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ عن معالم الشريعة. اذكر ﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ﴾ فإذ مفعول لا ظرف. ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ نظرية. إذا بعد العهد بالعامل أعيد ذكره؛ كقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (١) وقيل: إنما أعاد ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ لأنه ذكرها أولا مقترنا بالرؤية من غير قيد، وذكرها ثانيا مقيدة بكونها ساجدة ويكون السجود له. الرؤيا: ما يرى في النوم (٨٥ /أ) والرؤية بالعين، وقد قيل في قوله: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾ (٢) أنها رؤية عين، قال الشاعر [من الطويل]: مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في فؤادي من الغمض (٣)

стр. 390

أي: ورؤيتك. ومثل ذلك الاصطفاء بإسجاد النيرين والكواكب ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾. ﴿الْأَحادِيثِ﴾ جمع أحدوثة، كالأضاحيك. ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ينتفع باجتماعنا في مصالحه وكنا أحق بمحبته. ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لفي بعد عن الحق والإنصاف. ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾ ليس فيها قوت ولا أنيس ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ كأن أباهم كانت قصوده منصرفة إلى يوسف وأخيه، فإذا هلك يوسف خلا قلبه من الموانع التي تشغله عنهم. والغيابة: ما يخفي فيه موضع الشيء الغائب. ﴿لا تَأْمَنّا﴾ في موضع نصب على الحال. وأكدوا نصحهم له وحفظهم بأن واللام. «(نرتع)» من رتع البهائم، قرئ «(نرتع)» بغير ياء مجزوم بجواب الأمر، وهو من الرعي. وقرئ ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياء فيهما؛ لأن يوسف كان أصغر سنّا فهو أحق بنسبة الرتع واللعب إليه، وقرئ «(نرتع ويلعب)» (١) لأنهم أقوياء قادرون على الرعي، ويوسف يلعب. ﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤) فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)﴾ ﴿أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ فاعل ﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ والواو في ﴿وَأَنْتُمْ﴾ واو الحال، وكذلك الواو في ﴿وَنَحْنُ﴾ قيل: الواو في ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ زائدة. وقيل: هي أصل، والزائدة في قوله: ﴿وَأَوْحَيْنا﴾ وجواب ﴿لَمّا﴾ محذوف، أي: لما كان ذلك جرى ما لا يقدر قدره من الخطب الذي يعظم شرحه، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (٢) ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾
следующие страницы →