← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

العذاب بعد النفخة إلى الاستقرار في النار. وفي أهل الجنة من وقت النفخة إلى الاستقرار في الجنة. ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ غير مقطوع. ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ﴾ بطلان عبادة ﴿هؤُلاءِ﴾ ولا حجة لهم فيها إلا اتباع الآباء. ﴿وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من الجزاء، ونقص يتعدى ومنه ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾، ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ (١). ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾ ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فمن مصدّق ومن مكذّب كما فعل قومك. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٨٤ /ب) في تأخير العذاب إلى البعث لفرغ من حسابهم. ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ أي: فدم على ما أنت عليه من الاستقامة. ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ثم لا تخلصون من العذاب. ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أوله وآخره. ﴿وَزُلَفاً﴾ وقربا ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ قيل: نزلت في نبهان التمّار، جاءته امرأة تشترى تمرا فقال لها: في البيت أجود من هذا، فذهب بها إلى البيت ونال منها ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع، ثم جاء فشكى إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية (٢). وفي الحديث الصحيح: "مثل الصلوات الخمس، كمثل نهر على

стр. 387

باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، أترون ذلك يبقي من درنه شيئا؟ قالوا: لا، قال: كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا" (١). ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: الصابرين. وقيل: أعم من ذلك والصبر داخل فيه. ﴿فَلَوْلا﴾ فهلا، والمعنى: فلم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية إلا قليلا. ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ ﴿أُتْرِفُوا﴾ نعموا، واللام في ﴿لِيُهْلِكَ﴾ لام الجحود، والواو في ﴿وَأَهْلُها﴾ واو الحال. ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قيل: للرحمة. وقيل: خلقهم لما هم عاملون، فإن كل موجود حادث فهو بقدرة الله. ﴿وَكُلاًّ﴾ مفعول ﴿نَقُصُّ﴾. و ﴿ما نُثَبِّتُ﴾ بدل من ﴿وَكُلاًّ﴾ و ﴿وَجاءَكَ فِي هذِهِ﴾ السورة ﴿الْحَقُّ﴾. ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على تمكنكم.

стр. 388

﴿وَلِلّهِ﴾ علم ما غاب في السماوات والأرض ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ وقرئ ﴿يُرْجَعُ﴾ (١). ويجوز أن يكون خبرا بمعنى الأمر؛ كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٢) ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ (٣). ***

стр. 389

سورة يوسف [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢)﴾ قوله: ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه ﴿الْقَصَصِ﴾ بالفتح: المصدر، وبكسر القاف: جمع قصة. ﴿بِما أَوْحَيْنا﴾ أي: بإيحائنا. ﴿لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ عن معالم الشريعة. اذكر ﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ﴾ فإذ مفعول لا ظرف. ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ نظرية. إذا بعد العهد بالعامل أعيد ذكره؛ كقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (١) وقيل: إنما أعاد ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ لأنه ذكرها أولا مقترنا بالرؤية من غير قيد، وذكرها ثانيا مقيدة بكونها ساجدة ويكون السجود له. الرؤيا: ما يرى في النوم (٨٥ /أ) والرؤية بالعين، وقد قيل في قوله: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾ (٢) أنها رؤية عين، قال الشاعر [من الطويل]: مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في فؤادي من الغمض (٣)

стр. 390

أي: ورؤيتك. ومثل ذلك الاصطفاء بإسجاد النيرين والكواكب ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾. ﴿الْأَحادِيثِ﴾ جمع أحدوثة، كالأضاحيك. ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ينتفع باجتماعنا في مصالحه وكنا أحق بمحبته. ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لفي بعد عن الحق والإنصاف. ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾ ليس فيها قوت ولا أنيس ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ كأن أباهم كانت قصوده منصرفة إلى يوسف وأخيه، فإذا هلك يوسف خلا قلبه من الموانع التي تشغله عنهم. والغيابة: ما يخفي فيه موضع الشيء الغائب. ﴿لا تَأْمَنّا﴾ في موضع نصب على الحال. وأكدوا نصحهم له وحفظهم بأن واللام. «(نرتع)» من رتع البهائم، قرئ «(نرتع)» بغير ياء مجزوم بجواب الأمر، وهو من الرعي. وقرئ ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياء فيهما؛ لأن يوسف كان أصغر سنّا فهو أحق بنسبة الرتع واللعب إليه، وقرئ «(نرتع ويلعب)» (١) لأنهم أقوياء قادرون على الرعي، ويوسف يلعب. ﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤) فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)﴾ ﴿أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ فاعل ﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ والواو في ﴿وَأَنْتُمْ﴾ واو الحال، وكذلك الواو في ﴿وَنَحْنُ﴾ قيل: الواو في ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ زائدة. وقيل: هي أصل، والزائدة في قوله: ﴿وَأَوْحَيْنا﴾ وجواب ﴿لَمّا﴾ محذوف، أي: لما كان ذلك جرى ما لا يقدر قدره من الخطب الذي يعظم شرحه، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (٢) ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾

стр. 391

﴿بِأَمْرِهِمْ﴾ هو قوله لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ (١). ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أنه يوسف. قيل: أوحي إلى يوسف وهو في السجن، وهو صبي بعد [إلقائه في الجب] وإنما جاءوا عشاء؛ لأن التلبس في الظلمة يروج أكثر من رواجه في النهار، ويظهر من صفحات وجه المعتذر صدقه أو كذبه. ويحكى أن رجلا وامرأة تحاكما إلى شريح القاضي (٢) فشكت حالها وبكت، فقال بعض من حضر مجلسه: أظنها كاذبة، أما تراها تبكي؟ فقال: قد جاء إخوة يوسف عشاء يبكون وكانوا ظلمة (٣). ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ بمصدق. ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: مكذوب عليه. ﴿سَوَّلَتْ﴾ سهّلت. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ مبتدأ وصفة، والخبر محذوف، تقديره: أولى بي. وقيل: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خبر، والتقدير: فالواجب صبر جميل. استعان (٨٥ /ب) يتعدى بنفسه ومنه قوله: ﴿الْمُسْتَعانُ﴾ ومنه: "اللهم إنا نستعينك" (٤). ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾

стр. 392

الوارد: الذي يتقدم فيحصل الماء للرفقة. ﴿فَأَدْلى دَلْوَهُ﴾ أرسلها ودلاها. أخرجها فتعلق يوسف بالحبل فانسحب، فلما رأوا حسنه البديع، ووجهه الجميل اغتبطوا به، وخافوا أن يشاركهم الركب فيه، فقالوا: هذه بضاعة أعطاناها بعض أهل الماء لبيعها لهم. ﴿يا بُشْرى﴾ كأنه قال: يا قوم بشراي. وقيل: يا بشرى (١) تعالي فهذا وقتك. ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي: باعوه ﴿بِثَمَنٍ﴾ ذي ﴿بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ قيل: كانت اثنين وعشرين، خص كل واحد من الإخوة درهمان. وقيل: دراهم قليلة؛ لأن القليل يعد والكثير يوزن، عبّر عن قلتها بعددها. ﴿وَكانُوا فِيهِ﴾ المجرور متعلق بمحذوف، التقدير: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين؛ لأن الألف واللام هاهنا موصولة، ولا يعمل ما بعد الصلة فيما قبلها، لا تقول: أنا زيدا الذي ضرب، ومثله: ﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ (٢) ﴿الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ﴾ هو العزيز. ﴿مَثْواهُ﴾ موضع إقامته. ﴿أَنْ يَنْفَعَنا﴾ فاعل ﴿عَسى﴾ وهي هاهنا تامة، بخلاف قوله: ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ﴾ (٣) فهي هناك ناقصة. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ فعلنا ذلك. وقيل: التقدير: وفعلنا ذلك لنعلمه. وقيل: لنكرمه ونعلمه من تأويل الأحاديث. ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى﴾ أمر يوسف، أراد إخوته إهلاكه فسهل له أسباب العزّ والرفعة. وقيل: الهاء في ﴿أَمْرِهِ﴾ تعود إلى الله - تعالى. ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ قويت قواه، وهو جمع شد، وشدّ النهار: وسطه؛ لأن ضوء الشمس فيه أقوى. قال عنترة [من الكامل]: عهدي به شدّ النهار كأنّما ... خضب البنان ورأسه بالعظلم (٤) ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: ومثل ذلك الجزاء نجزي من أحسن عبادة الله ونشأ في

стр. 393

الطهارة والعفة، وكذلك قال الله - تعالى - في حق موسى في سورة القصص (١). ﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٧) فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)﴾ ﴿وَراوَدَتْهُ﴾ مفاعلة من واحد؛ لأنه لم يشاركها في المراودة، وقالت: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ﴾ لما كانت الأبواب جمعا ضعّف الفعل في قوله: ﴿وَغَلَّقَتِ﴾ لا تقول: غلقت الباب، ومثله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ (٢). ﴿هَيْتَ﴾ تعال فأقبل. واللام في ﴿لَكَ﴾ لبيان من (٨٦ /أ) هيئت له، كأنها قالت: تعال، والحديث لك، ومثله: ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ (٣) فإن معنى أف: تضجرت، أي: تضجرت والحديث لكم ﴿مَعاذَ اللهِ﴾ مصدر لا يذكر فعله. ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ يعني: العزيز سيدي ﴿أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ مقامي. وقيل: الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ عائد إلى الله تعالى. ﴿وَهَمَّ بِها﴾ خطر بباله خاطر ثم صرفه عنه الله ولم يزد يوسف على الهمّ، وما حكي أنها راودته حتى قعد منها مقعد الرجل من المرأة فانشق الحائط وخرج منها كفّ مكتوب عليها ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً﴾ (٤) فقام هاربا فلاطفته حتى عاد لما كان عليه، فانشق الحائط وبان منه صورة يعقوب أبيه عاضّا على إبهامه، يقول: تزني وأنت مكتوب في ديوان المخلصين فقام هاربا ثم أدركته فلاطفته،

стр. 394

فقال الله: يا جبريل أدرك يوسف، فنزل جبريل فخفقه بجناحه خفقة ذهبت بها الشهوة من نفسه حتى إن أولاد يعقوب كل منهم رزق اثني عشر ولدا إلا يوسف فإنه لم يرزق إلا أحد عشر لتلك الخفقة - فهذه حكاية نعوذ بالله منها، فإنها لو حكيت عن أفجر الفجار لكان حقيقا بألاّ نسلم عليه بعد أن ظهرت له المعجزات بانشقاق الحائط وتلاوة القرآن ثم يعود. ويرد هذه الحكاية أن الله - تعالى - برّأه بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ﴾ (١) ولو نظر إليها بشهوة لكان حراما عليه، فكيف وهو يرى الآيات ثم يأتي لمواقعتها، ثم يجلس مجلس الرجل من المرأة؟! وبرّأه الشاهد بقوله: ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ أو: من دبر، وبرّأه العزيز بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ وبرّأه النسوة بقولهن: ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ وبرّأ هو نفسه بقوله: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ولو حدّق إليها مستحسنا لها لكان ذلك خيانة بالغيب، وبرأته امرأة العزيز بقولها: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ثم إن الله سبحانه لم يذكر عن نبي معصية إلا وأعقبها بذكر توبته واستغفاره ومغفرته له، ولم يعقب ذكر يوسف بشيء من ذلك. وزعم بعضهم أن قوله: ﴿وَهَمَّ بِها﴾ متعلق بقوله: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ والتقدير: لولا أن رأي برهان ربه لهمّ بها، فما همّ يوسف. وهذا فاسد؛ لأن جواب «لو» لا يتقدم عليها. قرئ ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ و ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ فمن قرأ بالكسر فهو من قوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ (٢) ومن قرأ ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ (٨٦ /ب) بالفتح (٣) فهو من قولهم: ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ (٤) ﴿وَأَلْفَيا﴾ وجدا. استعملت الحياء والحفز بقولها: ﴿ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً﴾ ولم تذكر نفسها ولا يوسف، ولولا تورطها وافتضاحها برؤية

стр. 395

العزيز على تلك الحالة لما احتاجت إلى مثل هذا الكلام، واضطر يوسف إلى أن يدفع عن نفسه ما عرّضت به من قذفه، فقال: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ﴿شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ قيل: هو رجل كان في صحبة العزيز. وقيل: صبي كان في المهد أنطقه الله ببراءته. وهذا فاسد؛ لأنه ورد في الحديث أنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب الأخدود، وصاحب جريج (١)، وهذا ليس واحدا منها. الخاطئ فاعل الخطيئة، وهو العاصي، يقال: منه خطأ يخطأ فهو خاطئ، مثل: ضحك يضحك فهو ضاحك، وأما أخطأ يخطئ فهو المضاد للعمد. ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ ﴿قَدْ شَغَفَها﴾ قد خرق حبّه حجاب قلبها، والشغف: جلدة رقيقة تغشى القلب. ﴿إِنّا لَنَراها﴾ لنعلمها. ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قيل: قلن هذا القول لتريهم إياه، فلذلك سمي مكرا. ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ﴾ ما يتكأ عليه. ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أعظمنه. وقيل: حضن لما هالهن من جماله. وقال الشاعر [من الطويل]: خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق (٢) وهذا بعيد، فإنه لا يقال: حضنه. ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أبنّها. وقيل: جرحنها، وهو

стр. 396

الأصح. وقد احتج بعض من فضل الملك على البشر بأن هؤلاء النسوة لما عظّموا يوسف جعلوه ملكا، فدل على أن الملك أشرف وأفضل، وليس بحجة؛ لأن النسوة إنما رجحن يوسف من حيث الجمال والصورة، ونحن لا ندّعي أن البشر أحسن من الملائكة، بل ندعي أنه أفضل، والنسوة في بعد بعيد عن ذلك. ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ فاستمسك بعصام التقوى. ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ﴾ قدم اللام الموطئة للقسم على الشرط، فجاء الجواب للمتقدّم. ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ الأذلاء. يجوز أن يكون ﴿أَحَبُّ﴾ من باب ما لا مشاركة فيه؛ كقوله - تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ (١) ولا خير لأهل النار في مستقر ولا مقيل! ويجوز أن تكون من باب المشاركة، وتكون الإشارة بالمحبة إلى ما تقتضيه البشرية من الميل (٨٧ /أ) إلى مستحسنات الصور، وإن كانت العصمة الإلهية حافظة للنبي من ذلك. ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ من المقدمين على خلاف أمر الله غافلين عما توعد به من العقاب. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بإخلاصه. ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾

стр. 397

﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ﴾ فاعل "بدا" بداء، وقوله: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ تفسير لذلك البداء. قيل: تفعّل الفتيان المنامين، ولم يكونا رأيا شيئا، فنفذت الكلمة النبوية. وقيل: بل رأيا ما قصه الله . ﴿أَعْصِرُ﴾ عنبا يصير بعد مدة ﴿خَمْراً﴾ من تسمية الشيء بما يؤول إليه. قال المفسرون: وبعض العرب يسمي العنب خمرا. قلت: فيه نظر؛ لأن المنقول عن العرب أنهم أطلقوا على العنب اسم الخمر، ولم يقولوا هو مجاز عن أصل الوضع، ولا هو حقيقة، ونحن قد قلنا: إن تسميته خمرا مجاز عن تسمية الشيء بما يؤول إليه. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قيل: في عبارة الرؤيا، يعبرها على أحسن وجه. وقيل: ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلى أهل السجن، كان يذكرهم بالله ويعظهم ويزور مريضهم. وكان يوسف ﵇ يحدّث أهل السجن بما يبعثه أهلهم إليهم من المأكل والملابس وغيرها، ثم إن يوسف دعاهم إلى الله وأقام الدلالة على وحدانيته قبل أن يشرح لهما ما اقتضته رؤياهما تقديما للدعاء إلى الله وإقامة حجج الوحدانية على ما طلباه من تفسير المنامين. قوله: ﴿ما كانَ لَنا﴾ في معنى ما ينبغي؛ كقوله: ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ (١). ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ وهو الذي رأى نفسه يعصر العنب، والآخر هو الذي حمل الخبز على رأسه وأكلت الطير منه ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فرغ ممّا قصصته عليكم وأنه كائن لا محالة. ﴿وَقالَ﴾ يوسف ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ﴾ وهو الساقي ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ سيدك. ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ﴾ أي: أنسى يوسف ذكر ربه، أي: رب يوسف، ومن قال: أنساه الشيطان يعني: الساقي ذكر ربه، أي: تذكير سيده ﴿فَلَبِثَ﴾ يوسف ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ قيل: البضع من الثلاثة إلى العشرة. وقيل: إلى التسعة، فلما أراد الله تخليص يوسف هيّأ سببه، فأرى الملك في المنام سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف مهازيل، ورأى سبع سنبلات خضر قد التفت عليها سبع سنابل يابسات، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ (٨٧ /ب) يقال: عبر الرؤيا مخففا يعبرها فهو عابر، ومنه الحديث: "الرؤيا لأول عابر" (٢).ودخلت اللام في قوله: ﴿لِلرُّءْيا﴾ لتقدم المفعول؛

стр. 398

كقوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (١). ﴿قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢)﴾ ﴿قالُوا﴾ هذا ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾. ﴿الَّذِي نَجا مِنْهُما﴾ يعني: الساقي ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بعد زمن طويل. ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ فأرسلوه؛ فقال له الرسول: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ الكثير الصدق، أو: الكثير التصديق؛ قال الله تعالى في مريم: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ (٢) وقال في حقها: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ (٣) ﴿إِلَى النّاسِ﴾ الملك وأصحابه ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ صدقك ويقيمون عذرك. ﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً﴾ اجتهادا؛ فأي شيء حصد ﴿فَذَرُوهُ﴾ فاتركوه ﴿فِي سُنْبُلِهِ﴾ ليكون أكثر بقاء. ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ﴾ سنين ذوات قحط ﴿شِدادٌ﴾ على الناس، يؤكل فيهن ما ادخرتم من الزرع في السنبل. ﴿يُغاثُ النّاسُ﴾ من الغوث، أي: يغيثهم الله، أو: من الغيث، يمطرون. ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ من السمسم الشيرج (٤) ومن الزيتون الزيت وغير ذلك. ﴿وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾

стр. 399

بيوسف، ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾ توقف عند الخروج، وقال للرسول: ارجع إلى سيدك، وقل له: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ وأراد بذلك أنه كان قد حبس على تهمة، وكثر القول من النسوة وغيرهن في تهمته مما هو بريء منه؛ فأراد يوسف ألا يخرج إلا بعد أن يكشف الحق وتظهر البراءة؛ فسأل العزيز النسوة فقلن: ﴿حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ فقالت امرأة العزيز: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: ثبت واستقر؛ قال الشاعر يصف بعيرا [من الطويل]: فحصحص في صمّ الصّفا ثفناته (١) ... وإن يوسف ﴿لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ في قوله: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ثم اختلف الناس في قائل ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ فقال قوم: هو من قول يوسف، والتقدير: ذلك التوقف عن الخروج لما طلبني الملك أول مرة ﴿لِيَعْلَمَ﴾ الملك ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ وقال بعض المفسرين تفريعا على هذا: لما قال: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف (٢). وقال قوم: هو من قول امرأة العزيز؛ فإنها لما قالت: ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ قالت: ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ أي: يوسف ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ (٨٨ /أ) في حال غيبته لما ذكر، وعلى هذا يكون الكلام متصلا بعضه ببعض، وعلى القول الأول انقطع كلام امرأة العزيز. ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾

стр. 400

﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ﴾ إلا من رحم ربي. في المثل: "يستدل على الرجل بكلامه وبشعره"، ومن هذا قوله: ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا﴾ جعل العلة في مكانته عنده أنه علم من فصاحة كلامه وحسن إيراده أنه حقيق بالمكانة، فعجل يوسف والتمس النيابة في تدبير أمر الأوقات؛ فيقال: إنه أخر إجابته مدة، والحق أن يوسف علم من نفسه الكفاية والأمانة، وأنه متعين لتدبير ما يطرأ على الناس من الشدة، وعلل ذلك بكونه حفيظا عليما، وإذا تم الوصفان تعين للولاية، ومن علم التعيين للولاية وجب عليه، ويجوز للمسلم قبول الولاية من الكافر لما يترتب عليه من المصلحة (١). ومثل ذلك التمكين ﴿بَوَّأْنا﴾ جعلناها مباءة ينزل منها حيث يشاء. ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنّا لَفاعِلُونَ (٦١) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾

стр. 401

﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ﴾ أكبر وأعظم مما حصل له من الولاية. ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ في طلب الميرة؛ لأن بلادهم أصابها من القحط ما أصاب الناس. ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ ولم يعرفوه؛ لأن يوسف كان يتفحص عنهم ويترقبهم، وكانوا يظنون بيوسف أنه هلك، واستعبده من اشتراه؛ ولأن زيّ المملكة يورث في القلوب أبهة تمنع من استيفاء النظر. والجهاز بفتح الجيم: ما يتجهز به. ﴿بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ وكان بنيامين، وكان شقيق يوسف دون بقية إخوته، روي أنه كان أنزلهم وأضافهم، وإنما مدح نفسه بأنه ﴿خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ليرغبهم في إحضار أخيهم ولعل الله كان قد أوحى إليه بذلك ليضاعف ليعقوب الثواب على البلاء. ﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ﴾ لأتباعه. وفي الحديث: "لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي، بل يقل: فتاي وفتاتي» (١) ومنه ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ (٢) ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ﴾ (٣) وإنما رد البضاعة لعلمه بفاقة أبيه وفاقة العائلة، ولما يعلم من دين أبيه وإخوته إذا رأوا البضاعة قد أعيدت إليهم أن يظنوا ذلك غلطا فيعودوا لإعطائها، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها﴾ و ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ بتقدير: إن لا يحضر الأخ. ﴿ما نَبْغِي﴾ ما نافية، والبغي: تجاوز الحد، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ استفهامية، أي: أيّ شيء نطلب؟ ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ معطوف على مضمر. ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا﴾ يطلق لنا الكيل (٨٨ /ب) ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ لبنيامين، وكان يوسف لا يعطي كل رجل أكثر من حمل بعير. ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ﴾

стр. 402

﴿لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٧٥)﴾ ﴿مَوْثِقاً﴾ عهدا يتوثق به ﴿إِلاّ أَنْ يُحاطَ﴾ إلا أن تهلكوا، ومنه: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ (١) ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قيل: خاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا حسان الصور والملبس ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ لا أتوكل إلا عليه، ولا يتوكل المتوكلون إلا عليه. ﴿إِلاّ حاجَةً﴾ أي: ليس يدفع عنهم تفرقهم في الأبواب من مقدورهم شيئا، لكنه يقضي عنهم ما وجب عليهم من طاعة الأب ﴿لِما عَلَّمْناهُ﴾ لتعليمنا إياه. ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ فلا يلحقك بأس، وكانوا يكرهون بنيامين بعض الكراهة؛ لأنه خصيص بيوسف، ويسمعونه ما يكرهه. ﴿السِّقايَةَ﴾ صاع من فضة كان يكتال به ﴿الْعِيرُ﴾ القافلة وكانوا جمالا. وعن مجاهد: كانوا حميرا (٢). وقد احتج على جواز الجعالة بقوله: ﴿وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ (٣) وكان حمل البعير قدرا معلوما عندهم، فصحّ جعله عوضا في الجعالة ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ﴾ علق العلم ب ﴿ما﴾ النافية، كما علق باللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ (٤) وإنما احتجوا بعلمهم بأنهم لم يجيئوا مفسدين ولا

стр. 403

سارقين؛ لأنهم كانوا أول من جعل الكمام على أفواه الإبل لئلا تأكل من زرع الناس ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ أي: يؤخذ بجريرته ويسترقّ، وقوله: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ أي: لا جزاء له غيره. وقيل: تقديره: جزاؤه مأخوذ من هذه الجملة ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ فبدأ بتفتيش أوعيتهم واحدا واحدا، وجعل رحل بنيامين آخرا، فلما وصل إليه قال: ما أظن هذا سرق شيئا؛ ليبعد الظن عن نفسه، قالوا: لابد من تفتيشه. ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾ ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ هيأنا له سببا يأخذ به أخاه، فإن إخوته أقروا أن جزاء السارق استرقاقه، فلما وجد الصاع في رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء. قوله: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون يوسف، وكان يخبئ شيئا من الخبز يطعمه للمساكين. وقيل: كانت سارة عمته قد أخذت يوسف من يعقوب وربته عندها، فطلبه

стр. 404

يعقوب، فأخذت حياصة كانت لإسحاق جده، فشدتها بين أثوابه وردته إلى يعقوب، ثم قالت: فقدت الحياصة. فوجدها في ثياب يوسف (١) فعدوا ذلك سرقة منه، ثم استعطفوا يوسف وقالوا: ﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ﴾ (٨٩ /أ) ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ﴾ غير السارق، فإن أخذنا غيره إنا لظالمون. ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا﴾ من رد يوسف أخاهم إليهم انفردوا يتشاورون سرّا فيما يصنعون ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ﴾ أرض مصر. ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهلها؛ كقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ الآية (٢) وقيل: اسأل القرية بعينها؛ فسينطقها الله وتخبرك، وليس ذلك ببعيد من الأنبياء. قال يعقوب بناء على غلبة الظن: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ بل سهلت وزينت ﴿عَسَى﴾ هاهنا ناقصة وفي قوله: ﴿عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ﴾ (٣) تامة لا خبر لها. وأعرض يعقوب عن بنيه إعراض المتألم والكاره لما جرى ﴿وَقالَ يا أَسَفى﴾ قيل: نادى الأسف وقال: تعال يا أسف فهذا وقتك. وقيل: المنادى محذوف، والتقدير: يا قوم أسفا على يوسف. ﴿كَظِيمٌ﴾ كاظم غيظه وأصل الكظام: ما تشدّ به القربة فيمنع ما فيها من الخروج والسيلان ﴿تَاللهِ﴾ ما يقسم بالتاء إلا فيما يتعجب منه. ﴿تَفْتَؤُا﴾ أي: لا تزال. البثّ هو الألم؛ لأنه سبب الشكوى والبث. ويقال: إن ملك الموت زار يعقوب فقال له يعقوب هل: قبضت روح يوسف؟ فقال: لا، فهو معنى قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾ اطلبوا بحواسكم كلها. ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ من رحمته وتنفيسه الكربات. ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أي: على يوسف. ﴿مُزْجاةٍ﴾ مسوقة يدفعها قوم إلى قوم أي: ليست بمرغوب فيها. ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ برد أخينا؛ لأن الصدقة كانت محرمة على الأنبياء. ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩)﴾ ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ﴾

стр. 405

﴿يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٩٢) اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ ولطف بإخوته بقوله: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ يعني: حملكم الشباب، وهوى النفس والحسد الذي يحمل على مثل ما فعلتم. قوله: ﴿وَهذا أَخِي﴾ فيه إشارة إلى ما كانوا يعتمدونه معه من الإغلاظ في القول. ﴿مَنْ يَتَّقِ﴾ قرئ بإشباع كسرة القاف (١) فتولدت منها الياء ﴿أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: أجره، وضع الظاهر موضع المضمر. ﴿قالُوا تَاللهِ﴾ تعجبا من انتقال يوسف عما كان عليه من الحال حين باعوه بثمن بخس إلى مملكة مصر. ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ لا لوم، و ﴿الْيَوْمَ﴾ متعلق ب" تثريب "ووقف بعضهم على قوله: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ وابتدأ ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ وهو بعيد (٢) ﴿يَأْتِ بَصِيراً﴾ (٨٩ /ب) وكان القميص من حرير الجنة لا يلبسه

стр. 406

مبتلى إلا عوفي (١). ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ من العريش قال يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ﴾ تنسبوني إلى الفند والهرم. ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ﴾ أي: في بعدك عن الصواب. ﴿فَارْتَدَّ﴾ فعاد ﴿بَصِيراً﴾ قال لهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ وإنما أخر يعقوب الاستغفار إلى وقت السحر. وقيل: إلى ليلة الجمعة، دعا وقال:" اللهم اغفر لي شدة أسفي على يوسف، واغفر لبني ما جنوه عليّ وعليه، فأوحى الله - تعالى - إليه أن قد استجيب دعاؤك " (٢). ﴿آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ ضمهما، وكان يوسف قد خرج للقاء أبيه فتلقاه في الطريق، ودخل يعقوب عليه وأراد بأبويه: أباه وخالته، وقال لهم: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ﴾ فدل على أنه كان خارجا من مصر، وكان السجود للإنسان تحية من كان قبلنا ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية. وجعل الانتقال من البدو إلى الحضر نعمة تشبه الخلاص من السجن. ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (١٠١) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾

стр. 407

﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾ من للتبعيض. ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبتدئهما على غير مثال سبق ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ متولي أمري، وأنا متوليك. ﴿ذلِكَ﴾ يجوز أن يكون في موضع نصب بفعل دل عليه ﴿نُوحِيهِ﴾ من باب: زيدا ضربته. ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ فهم من مغرم مثقلون ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ وكم ﴿وَهُمْ عَنْها﴾ عن الاعتبار بها ﴿مُعْرِضُونَ﴾. ﴿وَما يُؤْمِنُ﴾ وما يصدق ﴿أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ معه غيره. قال الحسن:" ما بعث الله نبيّا من البادية ولا من النساء ولا من الجن " (١)؛لقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ فاعترض عليه بأن الجن يسمون رجالا؛ قال الله : ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٢) أرسلناهم بالبينات والزبر فاستمر قومهم على تكذيبهم ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ وظن الرسل أن قومهم الذين آمنوا قد كذبوهم وشكوا فيما وعدوهم، أو ظن قومهم المؤمنون بالرسل أن الرسل كذبوهم فيما وعدوهم به من النصر. ***

стр. 408

سورة الرعد [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ قوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ﴾ مبتدأ ﴿الْحَقُّ﴾ خبره (٩٠ /أ) ﴿تَرَوْنَها﴾ جملة مستأنفة. وقيل: في موضع الوصف ل ﴿عَمَدٍ﴾ أي: بغير عمد مرئية، وقالوا: تلك العمد هي قدرة الله لأن تمام الأعمال القدرة؛ كما أن تمام ما فوق العمد بالعمد. ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يوم القيامة. ﴿الْأَمْرَ﴾ جنس، وهو أبلغ من صيغة الجمع؛ لأن استرسال اسم الجنس على ما تحته لا يشذ منه شيء، وفي صيغة الجموع اضطراب؛ لأنها تأتي مستغرقة وغير مستغرقة، وإذنه للشافع أن يشفع، أو إذنه للمشفوع فيه أن يشفع فيه. ﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾ دحاها وبسطها ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ ثابتات، ويقال: مثبتات، وهو بعيد من حيث اللفظ حسن من حيث المعنى. والوقف عند قوله: ﴿وَأَنْهاراً﴾ (١) ﴿زَوْجَيْنِ﴾ صنفين من الطعوم والألوان وغيرها. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ ويغشي النهار الليل؛ فاكتفى بأحدهما؛ كقوله: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (٢). قرئ ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ بالجر (٣)، وهو مشكل؛ لأن الجنة لا تكون من الزرع، وعند

стр. 409

الزمخشري والأخفش الجنة لا تكون إلا من النخل (١) وأنشد قول زهير [من البسيط]: ... ... تسقي جنّة سحقا (٢) أي: نخيلا طوالا، ويرد عليه قوله - تعالى: ﴿جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ (٣). وكذلك قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ (٤). الصنوان: هما الفرعان الناتئان من أصل واحد، كنخلتين من نواة. وتثنية الصنو صنوان؛ وكذلك جمعه، إلا أن إعرابه مجموعا بالحركات على النون، وإعرابه مثنى بالألف في الرفع، والياء في النصب والجر، ومثله: قنوان في التثنية والجمع. وإعراب ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ هو مثل ضربه الله - تعالى - للقرآن نزل على قوم قلوبهم مختلفة، فيثمر في قلوب أهل الخير المعارف الإلهية، وينبت في قلوب أهل الزيغ التكذيب والعناد والافتراء؛ كما أن الماء الواحد يسقي رطبا جنّيا وحنظلا مرّا، والأكل: الشيء المأكول. ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥)﴾ ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ من شيء فقولهم: ﴿أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مما ينبغي أن يتعجب منه الناظرون فيه، والتعجب على الله محال؛ لأنه رؤية ما خفي سببه، والله

стр. 410

- تعالى - لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض (١)، وقد جاء نسبته إلى الله مجازا في قراءة حمزة (٢) ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ (٣) بضم التاء (٩٠ /ب) وفي قوله: ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ (٤). ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ (٥) التقدير: حلوا محل من يتعجب؛ كقوله:

стр. 411

﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ (١) أي: حلوا محل من يتحسر عليه. ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا *﴾ يجوز إثبات الاستفهام في الشرط والجزاء، ويجوز حذفه منهما، ويجوز إثباته في الشرط دون الجزاء وفي الجزاء دون الشرط، وجاء في قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ﴾ (٢) ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ (٣) إثباته في الشرط، وقرئ في هذه الآية بالوجوه الأربع (٤). لما كان وعد الآخرة ثابتا محققا أخبر عنه بالشيء الثابت؛ كقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (٥) وقال هاهنا: ﴿وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧) اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠)﴾ ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ بالعقوبة استهزاء بها ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ جمع مثلة، وهي وقائع الله بالأمم الماضية وعلمهم بذلك لمرورهم على بلاد المهلكين ينبغي أن يكون حاملا لهم على طلب الحسنة والاستغفار من السيئة ﴿عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ جملة في موضع الحال، واحتج به ابن الخطيب (٦) على أن الله تعالى يجوز أن يعفو عن أصحاب الكبائر من غير توبة؛

стр. 412

توبة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (١) ومن كان مصرا على الكبيرة فهو ظالم لنفسه، وقد ذكر في هذه الآية أنه يغفر لهم مع أنهم ظالمون، وقد أجرى الله عادته بأن يقرن في كتابه الوعد بالوعيد، وذكر الجنة بذكر النار؛ ليكون العبد على خوف ورجاء. ﴿لَوْلا﴾ بمعنى هلا ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ قيل: هي جملة مستأنفة؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ (٢) وقيل: ﴿هادٍ﴾ خبر ثان لقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أي: وهاد لكل قوم. قيل: ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ﴾ ما تلقيه سقطا. وقيل: الغيض والزيادة راجعان إلى كثرة دم الحيض وقلته. والكبير المتعالى متقاربان في المعنى؛ لأن الكبر والعلو اللذين توصف بهما الأجسام مستحيلان على الله (٣) ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ﴾ تقديره: ومن هو سارب بالنهار. ويجوز إضمار الموصول؛ كما قال حسان بن ثابت [من الوافر]: فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء (٤) لأن المستخفي بالليل لا يكون ساربا بالنهار، والسارب مأخوذ من السرب وهو الطريق. (٩١ /أ)، ومنه قوله ﷺ : "من أصبح معافى في بدنه، آمنا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (٥).

стр. 413

﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ (١٦)﴾ ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ ملائكة يتعاقبون في الليل والنهار وأولئك ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ وهي صفة للمعقبات. ﴿خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ مفعولان من أجلهما، والقياس فيه أن يكون فعل فاعل الفعل المعلل، والخوف والطمع ليسا من فعل الله؛ فقدر بقوله: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ فتخافون وتطمعون. ﴿السَّحابَ﴾ اسم جنس وليس بجمع، وقد وصفه بالجمع؛ فهو كقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ (١) وكذلك قوله تعالى: ﴿عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ﴾ (٢) على قراءة الجر. والرعد ملك، وهو المسبّح لا الصوت، ويسمّى صوته رعدا لأن نسبة الأعراض إلى الأعراض محال. ﴿يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾ أي: في وحدانيته ﴿شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ أي: المماكرة. ﴿إِلاّ كَباسِطِ﴾ إلا كاستجابة باسط ﴿كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ﴾ فلا يصل إليه الماء ببسط كفه، كذلك لا يحصل لداعي الأصنام شيء مما يطلب. سجود الكره: تفيّؤ الظلال كما يسجد الجبل والشجر يتفيأ ظلالهما وإن لم يريدا ذلك. ﴿وَالْآصالِ﴾ جمع أصيل، وهو ما بين المغرب والعشاء.

стр. 414

﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومتى كان الجواب معلوما عند السامع ساغ للمتكلم أن يجيب عن السامع. ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ (٢٢) جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣)﴾ ضرب الله مثلين للإيمان والكفر، أحدهما: إنزاله الماء من السماء، وهو مثل للقرآن والوحي، فحملت أودية منه بقدرها، فمنها ما حمل الكثير لسعته، ومنها ما حمل القليل لضيقه ﴿فَاحْتَمَلَ﴾ ذلك ﴿السَّيْلُ زَبَداً﴾ يعلو الماء، ثم إن الزبد يتعلق بأطراف الوادي وبالأشجار والعيدان فيضمحل. والزبد مثل الشبهات فيصفو الماء عن الزبد ويحصل به النفع. والمثل الثاني: ضرب مثلا بما يسبك من النحاس والرصاص، فإنه يخرج منه زبد يعلو على وجهه ثم يصفو ذلك الجوهر المسبوك ويحصل به النفع، فالجوهر من النحاس والرصاص مثل الوحي الحق، والزبد مثل للباطل، فمزج أحد المثلين بالآخر. ﴿جُفاءً﴾ يقال: أجفأت القدر إذا رمت بخبثها. والوقف عند قوله: ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ (١) و ﴿الْحُسْنى﴾ الجنة. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لسألوا الفدية؛ لقوله في آية أخرى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ (٢) (٩١ /ب) و ﴿سُوءُ الْحِسابِ﴾ المناقشة على الصغيرة والكبيرة ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ بئس ما مهدوا ﴿لِأَنْفُسِهِمْ﴾.

стр. 415

أكثر ما يأتي لفظ الحق بالألف واللام في صفات الله وفي الحديث في دعاء النبي ﷺ : "اللهم أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق" (١) فجعل الجنة والنار والأنبياء بغير ألف ولام، وأدخلها في ذاته سبحانه وقوله؛ لأنهما صفتا ذات. الميثاق: ما وثق بالأيمان المؤكدة ﴿يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يريد: صلة الأرحام. وقيل: هو أن يصدق بجميع الأنبياء، ويصل تصديق هذا بتصديق هذا، ولا يفرق بين أحد من رسله ﴿وَيَخْشَوْنَ﴾ عذاب ﴿رَبَّهُمْ﴾ ﴿سُوءَ الْحِسابِ﴾ هو المناقشة. ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ ولم يكونوا كما قال الشاعر [من الكامل]: وتجلّدي للشامتين أريهم ... أني لصرف الدهر لا أتضعضع (٢) ﴿وَيَدْرَؤُنَ﴾ يدفعون ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾ الحسنة ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من ﴿عُقْبَى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ نكرة؛ لأنها من باب إضافة الشيء إلى صفته، والتقدير: جنات إقامة ﴿مِنْ كُلِّ بابٍ﴾. ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٢٥) اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١)﴾

стр. 416

قائلين: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ في موضع مصدر تقديره: قائلين هذا القول. وقوله: ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أي: هذه المجازاة بالجنة بسبب صبركم. ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي: عليهم ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ فرح بطر وأشر. ﴿إِلاّ مَتاعٌ﴾ يتمتع به ثم يذهب، كأثاث البيت. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ﴾ هلا أنزل ﴿عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ نقترحها لنؤمن فقل لهم: إيمانكم بتقدير ظهور الآية المقترحة غيب، والله تعالى يقلب القلوب كيف يشاء، فإن شاء صرفكم عن الإيمان بعد نزول الآية. وإن شاء هداكم قبل نزولها، ونظيره ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ إلى قوله: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (١). ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بدل ﴿مَنْ أَنابَ﴾ ﴿أَلا بِذِكْرِ﴾ وعد ﴿اللهِ﴾ وثوابه ﴿تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ قيل: هي شجرة في الجنة، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها (٢). وقيل: أصلها طيبى من الطيب. ﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ﴾ (٩٢ /أ) ولم يكن بدعا من الرسل. وكانوا ينكرون اسم الرحمن ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ﴾ (٣). وقيل: ليس المراد إنكار اسم الرحمن، بل المراد أنهم يكفرون بالله، وقدم المجرور في ﴿إِلَيْهِ﴾ و ﴿عَلَيْهِ﴾ للاختصاص. وجواب ﴿وَلَوْ﴾ في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ﴾ محذوف التقدير: لما آمنوا إلا أن يشاء الله، ويدل عليه قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ﴾ والآيات المذكورة في القرآن توضح هذا المعنى. وقيل: تقديره: لكان هذا القرآن.

стр. 417

﴿قارِعَةٌ﴾ عقوبة تقرعهم، كالقتل يوم بدر. ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ﴾ سرايا رسول الله ﷺ . ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨)﴾ ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسلية للنبي ﷺ وتهديد للكفار المستهزئين، وأكثر ما يجيء الأخذ في القرآن للعقوبة ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ (١) ﴿فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ (٢) ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ (٣) و ﴿كانَ﴾ تامة و ﴿عِقابِ﴾ فاعل، ويجوز أن تكون ناقصة دخلت على ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ و ﴿عِقابِ﴾ اسم كان، و ﴿فَكَيْفَ﴾ الخبر، وجب تقديمه لكونه استفهاما. ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ كمن ليس كذلك ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي: عينوهم حتى يتبين أنهم لا يصلحون للإلهية. قرئ (وصدوا، وصدّوا، وصدوا) (٤) ومثله في غافر ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (٥) (وصدّ وصدّ وصدّ).

стр. 418

﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ صفتها العجيبة الشأن ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ هو كقولك: صفة زيد يعطي المائة من الإبل ويكرم الضيف ﴿أُكُلُها﴾ ثمرتها لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ كعبد الله بن سلام وأمثاله وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ﴾ الذين كذبوا رسول الله ﷺ أي: وكما أرسلنا الأنبياء قبلك أنزلنا إليهم الكتب والصحف، كذلك أنزلنا القرآن حكما عربيّا. سمى أديانهم أهواء؛ لأنهم كانوا يعبدون صنما فإذا رأوا غيره أحسن منه عبدوه، وكانوا يقولون: إن النبي ﷺ كثير التزويج، وليس له همّ إلا في النساء، فأنزل الله - تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلا وكانوا يقترحون عليه نزول آيات، فأنزل عليه ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ (١) في اللوح المحفوظ. ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩) وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)﴾ ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ﴾ مما نسخ تلاوته ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما لم ينسخه. وقيل: يمحو السيئات بالحسنات ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ (٢) ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (٣) وقيل: يمحو الصغائر باجتنابها، ويمحو الكبائر بالتوبة، ولا حاجة إلى هذا؛ لقوله - تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (٤) والأمر متعلق بالمشيئة وكذلك في هذه الآية ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ﴾ ولم يعلقه بتوبة ولا باجتناب كبيرة. ﴿أُمُّ الْكِتابِ﴾ اللوح المحفوظ، كتب فيه كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، وهو أم الكتاب ﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ فترى ما يسرّك من عقوبتهم ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل

стр. 419

ذلك فلا يعجزوننا ولا يفوتوننا، وليس عليك إلا البلاغ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. ﴿نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ قيل: هو ما يفتحه الله من بلاد الكفار فتنقص بلادهم ويزداد في بلاد الإسلام، ويدل عليه في سورة الأنبياء بعد مثل هذه الآية ﴿أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (١) وهذا بعيد لأن النبي ﷺ كان عند نزول هذه السورة المكية لم يفتح عليه شيء من بلاد الكفار. وقيل: يموت علماؤها وهو بعيد، فأيّ عالم تنقص الأرض بموته مع حياة رسول الله؟! وقيل: هو نقص الثمرات بسبب الظلم ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ﴾ (٢) ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ يتبعه بالنقض. ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ أي: يأتي وقت حسابه سريعا ﴿وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ (٣) ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ الجنة ﴿كَفى بِاللهِ﴾ كفى الله. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ جبريل. وقيل: مؤمنو أهل الكتاب، وقرئ ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤). ***

стр. 420

سورة إبراهيم [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمره؛ كقوله: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (١). من قرأ اسم "الله" بالجر فهو بدل من ﴿الْعَزِيزِ﴾ ولا يقف دونها، ومن رفع (٢) فهو مبتدأ خبره ما بعده. ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ صفة للكافرين، وعدّي ﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾ ب "على" ضمنها معنى يؤثرون؛ كقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ (٣) ومتى كان موضع الضلال بعيدا كان الظفر بها أبعد ﴿بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ بلغتهم ﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ أي: قائلا ذلك، أو مقولا له؛ فقائلا (٩٣ /أ) لقوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ﴾ ومقولا له لقوله: ﴿أَخْرِجْ﴾ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ لكل مؤمن. وفي الحديث: "الإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر" (٤) وسببه أن العبد لا يخلو من أن يكون في نعمة أو في شدة، والمطلوب منه في النعمة الشكر، وفي الشدة الصبر، وليس

стр. 421

يعني بالنصف نصفا مجردا، بل المراد: انقسام الإيمان إلى هاتين الجملتين، فهو كقوله ﷺ : "تعلموا الفرائض فإنها نصف العلم" (١). ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يكلفونكم ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ بالواو يدل على أنه أمر زائد على سوء العذاب ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ الإشارة فيها إلى الإنجاء إن كان المراد بالبلاء النعمة، وإن كان المراد به النقمة فهو إشارة إلى سوء العذاب والذبح ﴿تَأَذَّنَ﴾ أعلم ﴿فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ﴾ دال على الجزاء المحذوف، وليس بجزاء؛ فإن الله غني حميد سواء كفروا أو شكروا، والتقدير: إن كفرتم لم يعبأ الله بكم ولم تضرّوه شيئا، فإنه غني عنكم محمود في السماء والأرض غني عن حمدكم. قال مالك ﵀: "من عدنان كذب النسّابون"؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ﴾ يعني أن النبي ﷺ مضبوط إلى عدنان. ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾ أي: ردوا أيدي الرسل إلى أفواه الرسل ليسكتوهم، أو ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم يشيرون بالسكوت، أو ردوا أيدي أنفسهم إلى أفواه أنفسهم، كحال من عليه الضحك، يستهزئون بما قالت الرسل، أو ردوا أيدي أنفسهم إلى أفواه الرسل، ولا يجيء الرابع، وهو ردوا أيدي الرسل إلى أفواه الكافرين وفيه قول آخر: أن المراد بالأيدي النعم، أي: فردوا نعم الله، ويبعده قوله: ﴿فِي أَفْواهِهِمْ﴾ أكدوا كفرهم ب "إنّ " وقالوا: ﴿إِنّا﴾

стр. 422

﴿كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ وهم لم يؤمنوا بأنهم مرسلون، ولكنه كقول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (١). وقوله: ﴿مُرِيبٍ﴾ يدل على أن الريب غير الشك، وأن الشك يوقع في الريب، وهو القلق والاضطراب. قوله: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ صفة لله، وقد فصل بين الصفة والموصوف بالمبتدأ، وقوله: ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ يجوز أن يكون اسم كان ضمير شأن مستقر فيها، ولا يجوز أن يكون ﴿يَعْبُدُ﴾ خبرا مقدما و ﴿آباؤُنا﴾ اسمها؛ لأنه يلزم منه أن يكون في الفعل ضمير جمع، ولا يصح أن يقال: عما كان آباؤنا يعبد. ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ السلطان: الحجة. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ فيصطفي من الملائكة رسلا

стр. 423

ومن الناس ﴿وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ﴾ بآية تقترحونها ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾. وقوله: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أبلغ من ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لأنه أمر من دخل في حيز المؤمن أن يدوم على التوكل ويستمر عليه؛ كقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ (١) أقسموا ليكونن أحد أمرين؛ إما الرجوع إلى دين الكفار وإما الإخراج. ﴿ذلِكَ﴾ الوعد بإهلاك الظالمين وإسكان المظلومين الأرض بعدهم ﴿ذلِكَ﴾ الوعد ﴿لِمَنْ خافَ﴾ مقامه بين يدي ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ واستنصروا ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ أي: أمامه؛ كقوله بعدها: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ وكقوله: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (٢) أي: أمامهم، وقول الشاعر [من الوافر]: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب (٣) أي: بعده ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ ريحه. الضمير في ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ يعود على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أي: بسبب إقامة الحق. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أطوع له منكم ﴿وَبَرَزُوا﴾ صاروا في أرض الموقف، وهو براز ليس فيها جبل ولا جدار ولا حائل، فقالت الأتباع لكبرائهم ﴿تَبَعاً﴾ جمع تابع، كخدم في جمع خادم، أو ذوي تبع إن كان مصدرا، والمحيص: موضع الفرار والمهرب. ويروى أن إبليس ينصب له منبر من نار في جهنم فيقول ما قصه الله. ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ لما استقر أهل النار في النار ﴿وَعْدَ الْحَقِّ﴾ من إضافة الشيء إلى صفته ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ استثناء من غير الجنس؛ لأن دعاءه إياهم ليس بسلطان عليهم. قرئ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ بكسر الياء (٤) وهي لغة قليلة.

стр. 424

﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)﴾ ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ مصدر يجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل، أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام ويجوز أن يضاف إلى المفعول، أي: يحيون بالسلام إمّا من بعضهم بعضا، وإما من الملائكة؛ لقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ (١) وإمّا من الله ؛ لقوله: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٢). ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ هي النخلة. وقيل: شجرة في الجنة. وقيل: شجرة مفروضة كذلك. ﴿أُكُلَها﴾ ثمرتها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ كقوله: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ (٣) ﴿اُجْتُثَّتْ﴾ قطعت من أصلها. ﴿بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ بلا إله إلا الله. قيل: تثبيتهم في الحياة الدنيا استمرارهم على التوحيد مدّة العمر. وقيل: في القبر، والحياة القربى مدة البرزخ. (٩٤ /أ) ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ ببعثة الرسل تكذيبا وجحودا. و ﴿الْبَوارِ﴾ الهلاك. قوله: ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ حذفت النون بلام أمر مقدرة، أي: ليقيموا الصلاة؛ كقول الشاعر [من الوافر]: محمّد تفد نفسك كلّ نفس (٤) ...

стр. 425

ولكنه فيما جاء في الكتاب العزيز أبين؛ لأنه لم يأت حذف النون وإرادة لام مقدّرة إلا في ثلاثة مواضع، هذا وقوله في "سبحان": ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ (٢) و ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فلا ينتظم معنى الشرط فيه، فجوابه: أن الأمر في هذه المواضع الثلاثة تعلق بقوم من أهل الخير والصلاح، فإن إضافة العباد إليه يدل على ذلك، وكذلك وصف المقول لهم بأنهم يؤمنون ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فنشتري ما يسر، ونجتنب ما يضر. ولا مخالة تنفع إلا مخالة المتقين، ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣). ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ (٣٤) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ ﴿رِزْقاً﴾ يجوز أن يكون "رزقا" مصدرا، على أن يكون قوله: ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ سدّ مسدّ الخبر، كأنه قال: فأخرج به بعض الثمرات لكي يرزقكم، فيكون على هذا معمولا لقوله: ﴿رِزْقاً﴾. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ﴾ جعل التسخير للفلك، وقال في أخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ (٤) ثم قال: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ (٥) والتسخير شامل لهما. ﴿دائِبَيْنِ﴾ مستمرين. قرئ ﴿مِنْ كُلِّ﴾ بالتنوين (٦) و ﴿ما﴾ على هذا نافية،
следующие страницы →