← История

История · id 534

وأد الفتنة دراسة نقدية لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفين على منهج المحدثين

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (305 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

وأد الفتنة دراسة نقدية لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفّين على منهج المحدّثين حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م المملكة الأردنية الهاشمية رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية (٩٤٠/ ٣/٢٠٠٩)

стр. 2

الشوابكة، أحمد محمود وأد الفتنة: دراسة نقدية لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفين على منهج المحدثين/ أحمد محمود الشوابكة ـ عمان: المؤلف، ٢٠٠٩. ( ... ) ص. ر. أ.: (٩٤٠/ ٣/٢٠٠٩). الواصفات: / التاريخ الإسلامي// الإسلام / * أعدت دائرة المكتبة الوطنية بيانات الفهرسة والتصنيف الأولية * يتحمل المؤلف كامل المسؤولية القانونية عن محتوى مصنفه ولا يعبّر هذا المصنف عن رأي دائرة المكتبة الوطنية أو أي جهة حكومية أخرى. دار عمار للنشر والتوزيع عمان ـ ساحة الجامع الحسيني ـ سوق البتراءـ عمارة الحجيري تلفاكس ٤٦٥٢٤٣٧ ـ ص. ب ٩٢١٦٩١ عمان ١١١٩٢ الأردن E - mail : dar_ammar @ Hotmail.com

стр. 3

وأد الفتنة دراسة نقدية لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفّين على منهج المحدّثين أحمد الشوابكة تقديم ومراجعة أ. د محمود السرطاوي ... أ. د أحمد نوفل ... أ. د محمد العمري أستاذ الفقه المقارن في ... أستاذ التفسير والدراسات القرآنية ... أستاذ الحديث وعلومه الجامعة الأردنية ... في جامعتي اليرموك والأردنية ... عميد كلية الشريعة في جامعة اليرموك

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الإهداء إلى من أوصاني ربّي بهما خيراً، فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء]. إلى من أسأل ربّي لهما خيراً، فأقول: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء]. أهدي هذا الكتاب المتواضع، والمؤلَّف الوادع. ابنكما البارّ الغَنيّ بالفقر إلى الله أحمد محمود خليل الشّوابكة أبو عبيدة

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم أ. د محمود السّرطاوي الحمدُ لله حمداً يكافئُ نعمه ويوافي مزيده وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأصلِّي وأسلِّم على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه والتَّابعين بإحسان إلى يوم الدِّين وبعد: فقد رَغِبَ إليَّ الأخُ العزيز أحمد الشوابكة أن أقدِّم لكتابه (وأد الفتنة) فعشتُ مع الكتاب أقلّبُ صفحاته وأقرأ ما بين سطوره فترةً من الزمن، وكلَّما قرأتُ موضوعاً راودتني نفسي بالرُّجوع مرةً أخرى إلى ما قرأت للوقوفِ على مصادرِ البحث؛ فقد قرأتُ في كتابه ما لم تألف الأذنُ سماعه من مصادرَ كثيرة وفي مجالس علمٍ عديدة، الأمر الذي رأيته يستحق الوقوفَ عنده والتأكدَ من ثبتِ مراجعه، فألفيتُ المؤلّف ـ جزاه الله خيراً ـ غوَّاصاً في بحرٍ لجيّ من الرّوايات التَّاريخيَّة، لا يغترف منها إلا بقدر ما صحّ من أسانيدها، ولا يقبل منها إلا أعلاها سنداً؛ ينفي بها كلَّ خَبثٍ أُلصِقَ بتاريخ الصَّدر الأوَّل من هذه الأمَّة، ينافحُ بالأدلّة الدَّامغة من القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة والحجج القويَّة، لا يتعصبُ لرأيٍ ولا ينحازُ لفئة إلا لرسول الله ـ ﷺ ـ وصحبه الكرام ﵃ وأرضاهم ـ. ولم يكن مبتدعاً لهذا المنهج، وإنما كان متَّبعاً لمنهج أهل الحديث ينفي بكورهم كلَّ خَبَثٍ أوردته كتب التَّاريخ التي تسردُ الرّوايات والقصصَ من غير تمحيص ولا تدقيق، فاستغلَّ هذه الرِّوايات مَنْ في قلوبهم مرض، فاتَّبعوا الشُّبهات وحاولوا النَّيل من المرضيين والمرضيَّات، والطّيبين والطيّبات من أمَّهات المؤمنين وصحابة الرّسول الكريم ـ ﷺ ـ. وايم الله إنَّ هذا من وسائل حفظ الدِّين أنْ قيَّضَ الله رجالاً يواصلون الليل مع النَّهار

стр. 6

في البحث والدّراسة والتَّنقيب؛ بياناً للحق وكشفاً للزيغ والبطلان، وأيُّ عمل أشرف وأنبل مقصداً من ردِّ الشُّبهات، الّتي ظنَّ قائلوها بأنَّهم قد ظفروا بما يحقّق مبتغاهم ممّا أوحت به إليهم شياطينهم؟! لقد جاء هذا الكتاب بسهام مسدَّدة فأصابتهم في مقتل، وأغنت الكثيرين من عناء البحث والتنقيب عن الإجابات الشَّافية الوافية عن تلكم الشُّبهات وردّ الرّوايات المكذوبة والضَّعيفة بأسلوبٍ علميّ لا يختلفُ عليه اثنان من أهل العلم الّذين يبحثون عن الحقيقة. لقد ناقش الباحث الفتنة التي ثارت زمن الصَّحابة بما عُرف بمعركة الجمل ومعركة صفين، كما ذكر طرفاً من سير الصَّحابة الّذين أُثيرت حولهم بعض الشّبهات، وبيَّن فضلهم وما ورد فيهم من أحاديث صحيحة توجبُ على كلِّ مسلمٍ أن يكفَّ لسانه عن الولوغ في أعراضهم أو التَّشكيك في عدالتهم. ولم يكتفِ الباحثُ بهذا وإنما تناولَ في كتابه طرفاً من سيرة المصطفى ـ ﷺ ـ ووجوب محبَّته وآل بيته ومحبَّة أصحابه من المهاجرينَ والأنصار وجعلها في أول كتابه تيمناً وبركة، كما تناول في كتابه حُكْمَ من آذى رسول الله ـ ﷺ ـ أو استهزأ به أو سبَّه، أو استهزأ بصحابته الكرام، ثم ذكر طرفاً ممَّا نال النَّبيَّ ـ ﷺ ـ من أذى المشركين والمنافقين تمهيداً للحديث عمّا تعرض إليه النبيُّ ـ ﷺ ـ من الأذى والاستهزاء في زماننا من الكفَّار والمنافقين، وكلُّ هذا لا يُنقص من قدره ـ ﷺ ـ، وإنَّما يزيده تشريفاً وتكريماً، وعرَّج الباحث على ما ينبغي للأنبياء من العصمة وأجاب عن كثيرٍ من الشُّبهات التي أثارها المستشرقون ممَّا أوقعهم في وهْمٍ ينافي عصمة الأنبياء عامَّة وسيِّدنا محمّد ـ ﷺ ـ خاصَّة. لقد طوَّف بنا الباحثُ في ميادينَ كثيرة جمعها في سلكٍ واحد سمَّاه " وأد الفتنة: دراسة نقدية لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفّين على منهج المحدِّثين " في ثوب قشيبٍ من اللغة العذبة وحسن البيان وعدم وعورة الألفاظ. وجاءت هذه الدِّراسة في زمن أحوج ما يكون القارئ والشَّباب المسلم إليه؛ حرصاً على جمعِ الكلمة ونبذ الفرقة والتَّعصب وتمسُّكاً بالكتابِ الكريم والسُّنَّة المطهَّرة، فجزى

стр. 7

الله المؤلّف خيرَ الجزاء وأثابه على صنيعه خيراً ونفعَ به من قرأه آمين. أ. د محمود علي السرطاوي أستاذ الفقه المقارن في كليَّة الشَّريعة الجامعة الأردنية عمان ٢٤/ صفر / ١٤٣٠ هـ الموافق ٢٠/ ٢ / ٢٠٠٩ م

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم أ. د أحمد نوفل أكتبُ هذه الكلمات في اليوم التّالي لمولد النَّبيِّ ـ ﷺ ـ أي في الثّالث عشر من ربيع الثّاني لعام ألف وأربعمائة وثلاثين للهجرة، لأقدّم لكتاب الأخ الباحث أحمد الشّوابكة، بعنوان (وأد الفتنة) تعرّض فيه لسيرة النّبيّ ـ ﷺ ـ كجزءٍ من بحثه في نقد شُبهات المُرجفين. وقد كنتُ قدّمت للأخ الباحثِ كتاباً من قبل بعنوان (قصّة يوسف ﵇ في القرآن الكريم) وتنبّأتُ له بمستقبل طيّب في البحث العلميّ وثمر طيّب في غد قريب، وهاهو الثّمر يزداد نضجاً، واللغة تزداد إشراقاً وتألّقاً، والفكر يزداد عمقاً، فضلاً عن التّوثيق العلميّ الأصيل، والبحث الدؤوب عن الحقيقة، كلّ ذلك مع الغيرة على الدّين والحرص على نصرة سيّد المرسلين وأمّته وتاريخ هذه الأمّة، والذَّبِّ عن حياض المسلمين ورموزهم. لقد رَجَعَ الأخُ الباحثُ إلى أزيد من مائتي مرجع في بحثه العلميّ النّاضج هذا، ومع البحث المتقن والتّوثيق المُحْكم فهمٌ سديدٌ، فما كلُّ من قرأ أدرك المعنى، وفهم المقصدَ والمرمى، واستوعبَ الغاية والمغزى، لكنّ كاتبنا متمرّس ضابط متقن مُجدّ مُجيد، وله في طريقة المحدّثين باع وذراع، وما كلّ أحد يطيق هذا الدّرس المتأنّي الممحّص الدّارس للأسانيد، النّاقد للمتون. وتاريخنا عظيم مجيد، لكنّه لا يخلو من أخطاء تَعْتَوِرُه، فنحنُ أمّة من البشر، والخطأ منّا متوقّع، وهو ردٌّ علينا، لا يحمل وزره دينُنا، ولا نحمّل خطايانا لسوانا، أضف إليه أنّ تاريخنا تعرّض لتشويه متقصّد متعمّد، وهنا يأتي جهدُ الباحثين الغيورين، وأحسب أنّ الأخ أحمد في

стр. 9

بحثه هذا قد أوفى على الغاية، وبلغ المطلوب في التّسلّح بالعلم، والتّمكن من أدواته، فجاء دفاعاً متوازناً، ليس فيه شطط، ولا إفراط ولا تفريط، بل اتّزان وهدوء العلماء، وحجّة المتمكّن، كما هو شأن المسلم المؤهّل المُعَدّ المُعِدّ العُدّة. بارك الله جهدَ الأخ الباحث، ووفّقه لخدمة دينه وسيرة نبيّه وأصحابه وتاريخ أمّته ضد هجمات المغرضين والمتعصّبين والحاقدين أجمعين. ونَصْرُ الدّين بالحجّة من أعظم أوجه النّصر، أما قرأتَ قول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام]. سخّرنا الله جميعاً لخدمة هذا الدّين ودعوته، والحمد لله ربّ العالمين وسلام على المرسلين. أ. د أحمد نوفل أستاذ التفسير والدّراسات القرآنية في جامعتي اليرموك والأردنية ١٣ / ربيع الثّاني / ١٤٣٠ هـ الموافق ١٠/ ٣ / ٢٠٠٩ م

стр. 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم أ. د محمّد العمري بسم الله والحَمْدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: فقد دفع إليَّ الأستاذ أحمد الشوابكة بهذا الكتاب الموسوم بوأد الفتنة بهدف الاطِّلاع على ما فيه، وإني إذ أقدِّر له هذا أقولُ وبالله التوفيق: إنَّ هذا الكتابَ قد تناولَ موضوعاً هامّاً ربَّما كانَ البحثُ فيه وبهذا القدر من الجدّة في هذه الأيام أكثرَ حاجة وإلحاحاً، وأعني بذلك دراسة واقع الفتنة التي حَصَلتْ في صدر الإسلام زمن سيدنا عثمان ﵁ وأرضاه ـ. وإنْ كانت مثل هذه الدِّراسات هي أشبه ما تكون بمعالجة لجملة من القضايا التَّاريخيَّة من حيث كونها تمثِّلُ جملةً من المغالطات التَّاريخيَّة مضموناً وتناولاً من حيث المنهج، فشكَّلت بذلك جملة من الشُّبهات التي تركت أبْعدَ الأثر في نفوس كثيرين ممَّن لا يعرفون حقيقة واقع المسلمين في الصدر الأول من حيث: طبيعة الصَّحابة الكرام، وصلابة الإيمان آنذاك، وحجم الهجمة الشرسة على دولة الإسلام، والحرص الشديد على الكيد لها. فما كان من مثل هؤلاء إلا الاستجابة والقبول، بل وتمكن الرِّيبة من نفوسهم؛ فباتوا أبوابَ شَكٍّ ومفاتيحَ فتنة في كلِّ زمان ومكان، في وقت ما ازداد المؤمنون إلا إيماناً مع ما رافق ذلك من حسن الظنّ بأصحاب النَّبيِّ ـ ﷺ ـ دون تمييز وإن تمايز الصَّحابة في مجال البذل والعطاء، وأنَّ ما تمَّ بينهم من وجوه الخلاف إنَّما كان منشؤه الاجتهاد بحثاً عن الحقِّ، فهم على كلِّ أحوالهم مأجورون بحسن

стр. 11

نواياهم. لقد عالج الأخُ الباحثُ موضوع الفتنة من خلال دراسة منهجيَّة لواقع الرِّوايات التَّاريخيَّة، ومعلوم أن كثيراً ممَّن كتبوا التَّاريخ أو نقلوه هم محلُّ نظر، ولذلك فقد اتّفق علماءُ الإسلام على أنَّ كاتبَ التَّاريخ ينبغي أنْ يتمتعَ بأكبر قدْر من الصَّلاح والتُّقى، وحسن الفهم والبصر في الأمور، والقدرة النافذة على التَّحليل، والمعرفة التامة بالعربية وأساليبها حال تناول الكتابة في التَّاريخ حتّى لا يكون الكلامُ حمَّالَ أوجه، وخاصة فيما يتعلَّق بذكر الحقائق وتناول عظائم الأمور. وكلُّ المشتغلين بالتَّاريخ يشعرونَ بالحاجة إلى ضرورة كتابة التَّاريخ، ولكن كيف؟! هذا ما حاولَ الأخُ الباحثُ أنْ يَجْتهدَ فيه ـ وليس هو الأوَّل في ذلك ـ حيث حاولَ أنْ يُعيْدَ النَّظر في الرِّوايات التَّاريخيَّة وفق منهج المحدِّثين باعتبارهم أوَّل من وضع القواعدَ والضَّوابطَ في مجال توثيق النُّصوص، وهي قواعد غاية في الدِّقَّة والإتقان، وتكفل الوصول إلى السَّلامة أو أقرب ما يكون. وإن كان لا بُدَّ من التَّعامل وفق تلكَ القواعد بقدر من المرونة إذ يَصْعُبُ التعاملُ مع الرِّواية التَّاريخية بذات القدر من الصَّرامة مع النّصوص التّاريخيّة. إن ممَّا يُشْكرُ عليه الأخ الباحث أنّ هذه الدّراسة كشفتْ عن أن جُلَّ الرِّوايات في الفتنة وما قيل في شأن كثير من الصَّحابة لا سبيل إلى القبول به؛ إذ لم يتوفَّرْ في الرُّواة أدنى درجات الرِّضا والقبول، فضعَّف بذلك تلك الرِّوايات التي تشكّك في مواقف الصَّحابة الكرام، وأنَّ ما بدا من بعضهم من رأيٍ أو فِعْلٍ إنما كانَ باعثه إحقاقَ الحقِّ وإبطالَ الباطل وإن اختلفتْ وجهات النَّظر فيه. لقد أحسن الباحث كثيراً فقد كان النص القرآني ماثلاً بين يديه، فاعتمده اعتماداً كبيراً وزيَّن به صفحاتِ هذا الكتاب، إضافة إلى لغَة سليمة دالّة معبّرة تتناسبُ تماماً مع موضوع البحث، مع قراءة واعية للنّص بكل أنواعه تدلُّ على سلامة فهم وتحليل، وعناية واضحة بالسِّياق وأسباب النُّزول والورود للأحاديث. وكذلك كانت محاولاتُه لتفسير النُّصوص وربط بعضها ببعض والاستفادة من ضوابط

стр. 12

فهم النُّصوص واضحةً، مكنته من طرح قضايا الكتاب بشكل يَنْسجمُ انسجاماً موافقاً للمنطق وبناء المقدِّمات ثم النَّتائج. كما وكان من اللافت للنَّظر أيضاً تلك الغيرة على الإسلام وتوكيد فضل الصَّحابة الكرام بعيداً عن العاطفة ودون غلو أو تجاوز، مع سعة اطّلاع وعودة أمينة للمصادر والمراجع الأمر الذي يؤكِّدُ جودةَ هذا الكتاب وما فيه، راجياً للأخ الباحث المزيد من التَّوفيق في مستقبل أعماله. أ. د محمّد العمري أستاذ الحديث وعلومه عميد كلية الشريعة قي جامعة اليرموك ١٢/ صفر/ ١٤٣٠ هـ الموافق ٨/ ٢/٢٠٠٩ م

стр. 13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على سيِّدنا محمَّد خاتم النَّبيِّين وآخر المرسلين، وعلى أصحابه الأكرمين، وأزواجه أمّهات المؤمنين، وأتباعه الفاضلين الطَّيبين، وبعد: قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ [التوبة]. لا يَحْزُنْكَ تشنيع جاهل، أو نقص مُتَهوِّكٍ، أو شنآن قوم لشخص النَّبيِّ محمَّد ـ ﷺ ـ؛ فهؤلاء إنما اشتغلوا بدعاوى باطلة تَمجُّها القلوبُ السَّليمةُ، وظواهر من العلم موضوعة، طلباً لعرض الدنيا، أو علو الصّيت، أو رغبة في الثّناء، أو مغالبة الأقران والنُّظراء، أو حسداً من عند أنفسهم ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ... (١٥٦)﴾ [آل عمران]، ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ... (١٦٧)﴾ [البقرة]. رسولَ الله، سلامٌ عليك ما سَجَى ليلٌ وتجلَّى نهار! وسلام على أصحابك الأبرار المهاجرين والأنصار، الّذين أيدهم الله تعالى بما نصروا الله، ونافحوا عن رسوله بأيديهم وألسنتهم. لَهفَ نفسي على هؤلاء الرّجال المقتدى بفعالهم! لَهْفَ نفسي على المنكرين لكلّ أمر مُنْكر! أما بعد، فقد ظنَّ أقوام أنهم حين يتجرَّؤون على رسول الله ـ ﷺ ـ يطفئون نور الله بأفواههم ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا

стр. 14

ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة] بلى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة]. ولعمري لو علموا حقيقة رسالته ما وسعهم إلا اتّباعه، لكنّهم ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم]. ولا ريب أنَّ هؤلاء الأدعياء، أهل الأراجيف والباطل، الذين بغوا على رسول الله ـ ﷺ ـ وَلجُّوا في الغواية على أصحابه وأمعنوا في الضَّلال ليسوا بشيء، وكلامهم الذي يعبِّرون به عن سويداء القلوب، العاقل لا يعيره الطّرف، ولكن ما يدعو للأسى أنَّ من بين هؤلاء قومٌ من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا! جنحوا لرواياتٍ موضوعة وآثار مصنوعة في كتب التّراث الإسلاميّ ... وأنا أعلم أنّ الله تعالى أغنى نبيَّه ـ ﷺ ـ عن نصرة الخلق، لكن والذي نفسي بيده، إنَّ بطن الأرض أولى بنا من ظهرها إن عجزنا عن نصرة نبينا ـ ﷺ ـ ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ... (٤)﴾ [محمد]، ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ... (٢٥)﴾ [الحديد]، ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ... (٨)﴾ [الأنفال]. والله يشهد أنني وأنا أكتب هذا البحث لا يغيب عن خاطري قوله تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف]، ولذلك يا قوم: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ... (٢٩)﴾ [هود] و ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان]، فأنا لم أضعه لأجل هذا أو ذاك، وإنّما: أرَدْتُ به نَصْرَ الإله تبتُّلاً ... وأضمرتُه حتّى أوسَّدَ في قبري

стр. 15

و ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود]، ووضعته لأردّ به غائلةَ المبطلين، ووساوسَ الشّياطين، وشبهاتِ المشكّكين، وأفانين المتقوِّلين الخرَّاصين، الذين ما قدروا الرَّسول ـ ﷺ ـ حقّ قدره، وما عرفوا فضل الصّحابة ﵃ ليخزهم الله ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾ [التوبة]. ووضعته تصيّداً للعبر والدّروس، فالتّاريخ يعيد نفسه، فهناك أحداث تتشابه أقوالاً وأفعالاً بين الليلة والبارحة؛ لتشابه القلوب، وقد أشار القرآنُ الكريم لذلك، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ... (١١٨)﴾ [البقرة]، فهناك تشابه بين قلوب الأولّين والآخرين، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات]. والعاقل من يعتبر بالسَّلف قبل أن يصيرَ عبرةً للخلف، أو كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: " والسّعيد مَنْ وُعِظ بغيره " (١). أمّا منهجنا في الكتاب: فقد أَصَّلْنا إلى أنّ الطبري لم يلتزم بإيراد الصّحيح في كتابه؛ لأنّ هناك قاعدة عند المحدِّثين والإخباريين مفادها: أنّ من أحال فقد برئ. وبالتَّالي فإنّ الرِّوايات التَّاريخيّة لا تُقبل ما لم تُعرف بالسّند الصَّحيح، والمتن الصَّحيح، مثلها مثل الحديث الشّريف؛ وإلا لقال كُلُّ مَنْ شاء ما شاء كيف شاء. فهناك علامات للوضع في السّند، وعلامات للوضع في المتن يعرفها أهل العلم، ولا ينبغي لمسلم أن يجهلها؛ ولذلك تعرَّضتُ لبعض الروايات التَّاريخيّة التي أخرجها الطبري

стр. 16

بالنَّقد لأسانيدها، وبالدِّراسة لمتونها، بعد أن رأيت إمعانَ أهل الأهواء في نقل هذه الأخبار، وإهمال النّاس إلى أسانيد هذه الآثار، وذلك ليتعرَّفَ القارئُ المنهج الصَّحيح الذي ننفي فيه عن التّاريخ تحريف الغالين، وتحامل القالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين. والله يشهد، أنّه لا يبغض أهل الحديث إلاّ الوضّاعون وأشياعهم، كما قال أحمد بن سنان القطان: " ليس في الدّنيا مبتدع إلاّ وهو يبغض أهل الحديث " (١)، أو كما قال أحمد بن سلام الفقيه: " ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته بإسناد " (٢) لأنّ أهل الحديث ميَّزوا الطَّيِّب من الخبيث، ودمغوا أهل الباطل بسنن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ وبما صحَّ من الأخبار، وما ثبت من الآثار. وقد اعترض كتابَ الله تعالى مَنْ في قلوبهم زيغ، ولغوا فيه، واتّبعوا ﴿مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ... (٧)﴾ [آل عمران]، فحرّفوا كلام الله تعالى عن مواضعه، وحكموا عليه بالتّناقض، ونسوا أنّ الله تعالى أعجز بهذا القرآن كبراءَهم من الإنس والجنّ من قبل، وإنّما حرّفوه من بعد ما عقلوه لئلا يُحْتَجَّ عليهم به بما يخالف أهواءهم. كما حملوا على سيرة النَّبيِّ ـ ﷺ ـ، وقضوا على أحاديثه الشّريفة بالتّناقض والاختلاف والضّعف، ولم يتوقّفوا عند ذلك، وإنّما ألبسوا الحقّ بالباطل في شأن الصّحابة ﵃ وسلقوهم بألسنة حداد، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحقّ، ولم يحملْهم على ذلك كلّه إلاّ قلَّة الدِّين، والجهل المتين، والغباء المكين. وهذا كلّه لو وقعت الغفلةُ عنه خِيفَ ضرره، واستطار شرُّه؛ فجعلت كتابَ الله أمَامي وإمامي، وسنّة الحبيب محمّد ـ ﷺ ـ لساني وبياني؛ لأقذف بالحق على الباطل، بأوجز لفظ وأبينه، فظهر لذي عينين ولسان وشفتين بطلان شبهاتهم الكليلة، وحججهم العليلة، كما ظهرت سيرة الصّحابة ﵃ وسريرتهم خالصة من كلّ شبهة وريبة وقادح.

стр. 17

وكان ابتداؤنا باسم الله الملك الحقّ المبين بترجمة للنَّبيِّ الصّادق الوعد الأمين، ثمّ بصور من نصرته ونصرة أصحابه لهذا الدِّين، وتحمّلهم لأذى المشركين والمنافقين، وبعد ذلك رددت على أبرز شبهات المشكّكين، ولم أتفرّد بالرّدِّ عليها، وإنّما تناولها السّلفُ بما أصابها بالتَّلف، غير أنّ هذه الشّبهات النَّائمة هناك مَنْ يُوقظها ويؤجّجها ويجدّدها، مع أنّها شبهات فارغة فرغت منها الأمّة منذ قرون، ومع هذا جاء من يتعاهدها، ولكن هيهات أيّها السّادرون في الغيّ، أين تذهبون؟! وقد كان لزاماً أن نردّ خشية أن يقع في النّفس أنّ المبطل محقّ؛ فالسّكوت إقرار! وقد جاء ردُّنا على وجه يرفع الحيرة عن إخواننا المؤمنين ويهديهم إلى الحقّ المبين، والصراط المستقيم، والفضل كلّه لله ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ [الحج]. وقد أثبتّ كثيراً من الكتب التي أفدت منها في دفع هذه الشّبهات وغيرها في آخر هذا البحث لتصرّفي في العبارة، وأدّعي أنّني كثيراً ما زِدْتُ عليها في استقصاء الأدلّة والبراهين فيما أنشد وأبتغي، فجاء الجوابُ واقعاً ما له من دافع. وقد تحرَّيتُ الحقَّ بالأدلّة والبيّنات، ووثّقت نصوص السُّنَنِ وخرّجت الآيات؛ قياماً بحقّ كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ـ ﷺ ـ وتصديقاً لقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح]. وأتبعت ذلك بالذَّبِّ عن الصحابة، بعد أن نَقَمَ عليهم مَنْ نَقَمَ، ووقع في عرضهم من وقع! والصّحابة إذا لم يرض عنهم هؤلاء وأولئك الّذين أجلبوا عليهم بِخَيْلِ أدلَّتهم الواهنة ورَجِلها، فقد ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة]، فظهر أنّ الصّحابة كلّهم عدول رغم ما جرى بينهم؛ فقد نصّ الله تعالى على عدالتهم في آيات صريحة يكثر إيرادُها، وصرَّحَ بذلك النَّبيُّ ـ ﷺ ـ في أحاديث صحيحة يطول تعدادها. وقد حاولت جهدي أنْ أضمّن هذا الكتاب من فنون اللغة وأفنانها، وعلوم الشَّريعة

стр. 18

وأنوارها، ما يجد فيه المسلم بُغْيته وغُنْيته؛ فالقرآن الكريم مشحون بفنون البلاغة وعيون الفصاحة وأسرار البراعة، وتكاد لا تخلو سورة من إحكام أحكام، وإعجاز إيجاز، وحسن تركيب، وبديع ترتيب، وبدائع بديع، وأجناس جناس، وسحر بيان يأسر الجَنَان! وكيف لا وهو الفصل ليس بالهزل! أنزله الله على نبيّه ـ ﷺ ـ ليخرج النّاس من الظّلمات إلى النّور، وليقيم عليهم الحُجّة، ويوضّح لهم المَحَجَّة، فسبحان من أنزله بالحقّ بأبدع أسلوب، وسلكه ينابيع في القلوب! وختاماً: لو أنّ الدّهر عيني تنظر في عيون علوم القرآن، وسيرة سيّد الأنام ـ ﷺ ـ وصحبه الكرام لَفَنِيَ العمرُ وولّى الزّمان وعيني لم تشبع من النّظر! فَنَضَّرَ اللهُ وجوه أموات تحيا القلوب بذكرهم، وجمعنا بهم على حوض حبيبنا وحبيبهم ـ ﷺ ـ! المؤلّف أحمد الشوابكة

стр. 19

القسم الأول المبحث الأول النَّبيُّ ـ ﷺ ـ في سطور من المولد إلى النّشور ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ... (١٦٤)﴾ [آل عمران]. مولده ـ ﷺ - ـ قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران]. وُلِد ـ ﷺ ـ في مكّة يوم الاثنين من شهر ربيع الأوّل عام الفيل عام خمسمائة وواحد وسبعين للميلاد (٥٧١ م) أبوه عبد الله، وأمّه آمنة بنت وهب. نسبه الشّريف ـ ﷺ ـ ومعدنه المنيف هو محمّد بن عبد الله، بن عبد المطّلب، بن هاشم، بن عبد مَناف، بن قُصَيّ، بن كلاب، ابن مُرّة، بن كعْبِ، بن لؤيّ، بن غالب، بن فِهْر، بن مالك، بن النّضر، بن كِنَانة، بن خُزيْمةَ، ابن مُدْرِكةَ، بن إلياس، بن مُضَرَ، بنِ نِزَارِ، بن مَعَدّ، بن عدنانَ " (١). وهو من ولد إسماعيل، وجميعُ قبائلِ عربِ الحجاز ينتمون إلى هذا النّسب، ولهذا لمّا سئل ابن عبّاس ﵄ عن قوله تعالى ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ... (٢٣)﴾

стр. 20

[الشورى]، قال: " إنّ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ لم يَكُن بطنٌ من قريشٍ إلاّ كان له فيهم قرابةٌ " (١)، ومقتضى كلامه أنّ جميع قريش أقارب النّبيّ ـ ﷺ ـ وأنّ عليهم أن يُوادُّوا النّبيَّ ـ ﷺ ـ لحق القرابة الّتي بينهم وبينه ـ ﷺ ـ. ونسبه ـ ﷺ ـ لا يدانيه نسب، فقد اختاره الله تعالى من أزكى القبائل، وأنضر الفروع، وأفضل البطون، وأطهر الأصلاب، ففي الحديث الصّحيح الّذي أخرجه مسلم عن واثلة بن الأسقع، يقول: سمعت رسول الله ـ ﷺ ـ يقول: " إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم " (٢). والحديث فيه بيان فضل العرب على سائر النّاس، وفضل قبيلة قريش على سائر العرب، وفضل بني هاشم على كافّة الفروع. والرّسول ـ ﷺ ـ من بني المطّلب، وبنو المطّلب وبنو هاشم واحد؛ فنسبه ـ ﷺ ـ أشرفُ نَسَبٍ. البشارة بالرّسول ـ ﷺ ـ في التّوراة والإنجيل القرآن الكريم مذكور في الكتب السّماوية السّابقة، مثل التّوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ [الشعراء]. وقد أوجب الله تعالى على نبيّنا محمّد ـ ﷺ ـ الإيمان بالكتب السّماويّة كلّها، قال تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ (١٥)﴾ [الشورى]. وأوجب علينا الإيمان بها، قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ... (١٣٦)﴾ [النساء]. ولذلك فنحن المسلمين نؤمن بكلّ نبيّ مُرْسَل وكُلِّ كتابٍ مُنْزَل، إلاّ أنّ الله تعالى لم

стр. 21

يتكفّل بحفظ هذه الكتب كما تكفّل بحفظ القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر]. ولذلك لم تبقَ لنبيٍّ معجزة خالدة إلاّ لخاتم النَّبيِّين محمّد ـ ﷺ ـ، وهي القرآن الكريم، ومعلوم أن الله تعالى تحدّى الثّقلين أن يأتوا بمثله، وما زال هذا التّحدي قائماً! وكما أخبرت الكتبُ بكتابنا، كذلك أخبر كتابُنا عن بعض ما ورد في هذه الكتب، فممّا ورد في صحف إبراهيم وموسى ﵉ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم]. وممّا جاء في الصّحف، قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى]. أمّا التّوراة، فمن جملة ما جاء فيها، قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ... (٤٥)﴾ [المائدة]. وممّا جاء في الزّبور الّذي أُنْزِل على داود ﵇ من بعد التّوراة، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء]. وممّا اشتركتِ التّوراة والإنجيل في بيانه البشارةُ بالنَّبيِّ محمّد ـ ﷺ ـ، والشّهادة له بأنّه رسول الله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ

стр. 22

عَلَيْهِمْ ... (١٥٧)﴾ [الأعراف]. ومن جملة ما تضمّنته التّوراةُ والإنجيلُ الإشارة إلى أصحاب النّبيّ ـ ﷺ ـ وبيان طائفة من صفاتهم، فقد جاء مَثلُهم في التّوراة، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ... (٢٩)﴾ [الفتح]. وجاء مثلهم في الإنجيل، قال تعالى ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ... (٢٩)﴾ [الفتح]. مبعثه ـ ﷺ - ـ قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... (١٢٤)﴾ [الأنعام]، قال ابن عبّاس ﵄: " أُنْزِلَ على رسول الله ـ ﷺ ـ وهو ابن أربعين، فمكث ثلاث عشرة سنةً، ثمّ أُمِرَ بالهجرة؛ فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثمّ توفيّ ـ ﷺ ـ " (١). وقد بُعِثَ النّبيُّ ـ ﷺ ـ من خير قرون بني آدم، روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ـ ﷺ ـ، قال: " بُعثْتُ من خير قُرون بني آدم قَرْناً فَقَرناً، حتّى كنتُ من القرن الّذي كنتُ فيه " (٢). وصحّ عن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ أنّه قال: " خير النّاس قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم " (٣). وكانت رسالته للنّاس كافّة: عربهم وعجمهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ]، فرسالته ـ

стр. 23

- ﷺ ـ عامّة في المكان شاملة في الزّمان. كنيته ـ ﷺ - ـ أخرج البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النّبيّ ـ ﷺ ـ في السّوق، فقال رجلٌ: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النّبيُّ ـ ﷺ ـ، فقال: إنّما دعوتُ هذا، فقال النّبيّ ـ ﷺ ـ: سمّوا باسمي، ولا تَكْتَنُوا بِكُنيتي " (١). وقد أمر النّبيّ ـ ﷺ ـ التّسمّي باسمه الشّريف لأنّه مأمون التَّبِعَة، فلا يحلّ أن يُنَادى باسمه ـ ﷺ ـ، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ... (٦٣)﴾ [النور] بخلاف الكنية، فقد نهى عنها لأنّ المشاركة فيها قد تؤذي النّبيّ ـ ﷺ ـ. وقد اخْتُلف في التّكنّي بأبي القاسم على مذاهب، فقد ثبت عن الشّافعي المنع مطلقاً، ومنهم من أجاز مطلقاً وأنّ النّهي يختصُّ بحياته ـ ﷺ ـ وفهموا ذلك من السّبب المذكور في الحديث من أنّ النّبيّ ـ ﷺ ـ التفت إلى الرّجل ولم يكن يَعْنيه، وقد زال بعده ـ ﷺ ـ، ومنهم من قال: لا يجوز لمن اسمه محمّد ويجوز لغيره، وهناك أقوال أُخَر تستحقّ أن تُطلبَ من مظانّها (٢). صفته وصورته ـ ﷺ ـ كأنّك تراه وصف أنس بن مالك ﵁ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ فقال: " كان ربْعَةً من القوم، ليس بالطّويل ولا بالقصير، أزهرَ الّلون ليس بأبيض أمهق ولا آدم، ليس بجعد قَططٍ ولا

стр. 24

سَبْطٍ رَجِلٍ " (١). ومعنى كلام أنس ﵁ أنّ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ كان لا بالطّويل الذّاهب ولا بالقصير، لكنّه إلى الطّول أقرب، وكان أبيض مُشْرباً بياضُه بِحُمرة، وكان شعره وسطاً بين الجعد والمتسرّح. كذلك كان ـ ﷺ ـ أحسن النّاس وجهاً وأنورهم، لو رأيته رأيت الشّمس طالعة، أو القمر بازغاً، لم يصفه واصف إلاّ شبهه بهما في الاستدارة والجمال سُئل البَراءُ: " أكان وجْهُ النَّبيِّ ـ ﷺ ـ مثل السّيف؟ قال: لا، بل مثلَ القمر " (٢). وقال رجل لجابر بن سَمُرَة: " وجْهُهُ مثْلُ السّيف؟ قال: لا، بل كان مثلَ الشّمس والقمر، وكان مستديراً، ورأيتُ الخاتم عند كتفه مثلَ بيْضَة الحمامة يُشْبِهُ جَسَدَهُ " (٣). وقال كعب بن مالك: " وكان رسول الله ـ ﷺ ـ إذا سُرّ اسْتَنَار وَجْهُهُ كأنّه قِطْعَةُ قمر وكنّا نعرف ذلك منه " (٤). وجاء في مشيته أنّه ـ ﷺ ـ كان إذا مشى أسرع وتمايل إلى قدّام كأنّما يمشي في الطّريق صاعداً، أخرج أحمد بإسناد حسن، قال: " ما رأيتُ شيئاً أحْسَنَ من رسول الله ـ ﷺ ـ كأنّ الشّمس تجري في وجهه (٥)، وما رأيتُ أحداً أسرع في مشيه من رسول الله ـ ﷺ ـ كأنّما الأرض تُطوى له إنّا لنُجهِدُ أنفسَنا، وإنّه لغيرُ مكترث " (٦) وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن محمّد بن

стр. 25

عليّ عن أبيه قال: " إذا مَشَى تكفّأ كأنّما يمشي في صُعُد " (١). وكان النَّبيُّ ـ ﷺ ـ واسع العينين، طويل شعر الأهداب، وكان إذا التفت التفت بكُلِّيَّته، وكان غليظ أصابع الكفّين والقدمين، فقد أخرج أحمد بإسناد صحيح عن محمّد بن عليّ عن أبيه قال: " كان رسُولُ الله ـ ﷺ ـ ضخمَ الرّأس، عظيمَ العَيْنَين، هَدِبَ الأشْفَار (٢)، مُشْرَبِ العين بحُمْرةٍ، كثّ اللحية، أزهرَ اللون، إذا مَشَى تكفّأ (٣) كأنّما يمشي في صُعُد (٤)، وإذا التَفَتَ التَفَتَ جميعاً (٥)، شَثْنَ (٦) الكفّين والقدمين " (٧). وكان ـ ﷺ ـ دقيق شعر الصّدر، فقد أخرج التّرمذيّ بسند صحيح عن عليّ بن أبي طالب، قال: لم يكن النَّبيُّ ـ ﷺ ـ بالطّويل ولا بالقصير، شَثْنُ الكفّين والقدمين، ضخم الرّأس، ضخم الكراديس (٨)، طويل المَسْربة (٩)، إذا مشى تكفّأ تكفّؤاً كأنّما ينحطُّ من صَبَب (١٠)، لم أر قبله ولا بعده مثله ـ ﷺ ـ " (١١). فيا مَنْ ترسمون صوراً للنَّبيِّ ـ ﷺ ـ هذه هي صورة خَلْقِه ـ ﷺ ـ رسمناها نحن

стр. 26

المسلمين في شغاف قلوبنا، صورة مشرقة خالدة، تتوارثها الأجيال، ويعرفها من كلّ خَلَفٍ عُدُوله. شيبه ـ ﷺ - ـ كان ـ ﷺ ـ قليل شيب الرّأس والّلحية، فقد قُبِضَ ـ ﷺ ـ ولم يبلغ ما في رأسه ولحيته من الشّيب عشرين شعرة، قال أنس ﵁: " ... فتوفّاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شَعْرَةً بيضاءَ " (١). وروى مسلم عن أنس أنّه سُئل عن شيب النّبيّ ـ ﷺ ـ فقال: " ما شانه الله ببيضاء " (٢) يريد أن أنّ تلك الشعرات البيض لم تغيّر حُ سْنه ـ ﷺ - ـ. وأخرج التّرمذي عن ابن عبّاس، قال: " قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، قد شِبْتَ، قال: شيّبتْني هودٌ، والواقعة، والمرسلات، و (عمّ يتساءلون) و (إذا الشّمس كوّرت) " (٣). سِنُّه ـ ﷺ ـ أخرج البخاري عن ابن عبّاس ﵄، قال: " بُعِثَ رسول الله ـ ﷺ ـ لأربعين سنة، فمكثَ بمكّة ثلاثَ عشرةَ سنة يُوحى إليه، ثمّ أُمِر بالهجرة فهاجرَ عشر سنينَ، ومات وهو ابنُ ثلاثٍ وستين " (٤).

стр. 27

واكرباه! (وفاته ـ ﷺ - ـ) أخرج البخاريّ عن أنس ﵁ قال: " لما ثَقُلَ النّبيّ ـ ﷺ ـ جعل يتغشّاه، فقالت فاطمة ﵍: واكربَ أباه، فقال لها: ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم، فلمّا مات، قالت: يا أبتاه، أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه، مَنْ جنّة الفردوسِ مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، فلمّا دُفِنَ، قالت فاطمة ﵍: يا أنس، أطابت أنفُسُكم أن تَحثُوا على رسول الله ـ ﷺ ـ التّراب! " (١). " الموافاة يوم القيامة " قال الله تعالى خطاباً لنبيّه ـ ﷺ ـ ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء]. فالمرجع إلى الله تعالى، والملاقاة لا بدّ كائنة وحاصلة يوم القيامة، أخرج التّرمذيّ بسند صحيح عن أنس بن مالك أنّ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ قال لفاطمة لمّا وَجَدَ من كربِ الموت ما وجد: " لا كَرْبَ على أبيك بعد اليوم، إنّه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحداً، الموافاة يوم القيامة" (٢). * * *

стр. 28

المبحث الثّاني أحبُّ من آلي ومالي ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ... (٢٩)﴾ [الفتح]. وجوب محبّته ـ ﷺ ـ ونصرته امتحن الله تعالى عباده الّذين يحبّون الله ورسوله بهذه الآية، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ... (٣١)﴾ [آل عمران]. فقد اشترط الله على عباده لينالوا محبّته اتّباعَ رسوله ـ ﷺ ـ، ولذلك فإنّ دعوى محبّة الله والرّسول دون اتّباعٍ دعوى باطلة وخاسرة؛ لأنّ من علامات محبّة الله اتّباع رسوله ـ ﷺ ـ، ونصرة دينه، والذّب عن شريعته، والتّخلّق بأخلاقه، وإحياء سنّته، وتوقيره، ومن توقيره توقير أصحابه ﵃ والإمساك عمّا شَجَرَ بينهم. وقد أثبت الله الحبّ له، فقال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ... (٥٤)﴾ [المائدة] وكلّما كان العبد لله أعْرَفَ كان حبُّه أشدَّ وطاعته أعظم، كما أثبت الله تعالى هذا التفاوت في الحبّ، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ... (١٦٥)﴾ [البقرة]، ويزاد في محبّة النَّبيِّ ـ ﷺ ـ على محبّة الله التخلّق بخلقه ـ ﷺ ـ، وقد عرفنا أنّ خلقه القرآن الكريم، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان. وقد جعل الرَّسول ـ ﷺ ـ محبة الله ورسوله من شروط الإيمان في غير حديث، قال ـ ﷺ ـ: " لا يؤمن أحدكم حتَّى أكون أحب إليه من والده وولده والنَّاس أجمعين " (١). واسم التفضيل (أحبّ) هو أفعل بمعنى المفعول، أي حتى يكون الرَّسولُ محبوباً

стр. 29

عنده أكثر من والده وولده والنَّاس أجمعين؛ فمحبّة الرّسول ـ ﷺ ـ آكد عليه من محبّة من في الأرض جميعاً؛ لأنّ معرفةَ الحقّ بعد الضّلال والنّجاة من المهلكات والنّار إنّما كان بتوفيق من الله تعالى على لسان الرّسول ـ ﷺ ـ. ثمّ انظر كيف قَدَّم ـ ﷺ ـ الوالد على الولد للأكثرية، فكلّ واحد له والد، ولا يلزم أن يكون له ولد، ثمّ عطف النَّبيُّ ـ ﷺ ـ الناس بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص للأهميّة، فسبحان مَنْ بعثه بجوامع الكَلِم! وقد بين ـ ﷺ ـ أن من ثمرات الإيمان محبة الله ورسوله، أخرج البخاري عن أنس عن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ قال: " ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكونَ الله ورسولُه أحبَّ إليه ممّا سواهما ... " (١). والإيمان بالله تعالى يستوجب محبة النَّبيِّ ـ ﷺ ـ وإعلاء قدره على كلّ والد وولد ونفس، أخرج البخاري عن عبد الله بن هشام قال: " كنَّا مع النَّبيِّ ـ ﷺ ـ وهو آخذ بيد عمر ابن الخطَّاب، فقال له عُمَرُ: يا رسول الله، لأنتَ أحبُّ إليَّ من كلِّ شيء إلاّ من نفسي، فقال النّبيُّ ـ ﷺ ـ له: لا والّذي نفسي بيده حتَّى أكونَ أحبَّ إليك من نفْسك، فقال له عُمَر: فإنَّه الآن والله لأنتَ أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال النَّبيُّ ـ ﷺ ـ: الآن يا عُمَر " (٢). ومن ثمرات محبّة الرّسول ـ ﷺ ـ أنّ من أحبّه كان معه يوم القيامة أخرج البخاري عن أنس: " أنّ رجلاً من أهل البادية أتى النَّبيَّ ـ ﷺ ـ، فقال: يا رسول الله، متى السّاعةُ قائمة؟ قال: ويلك، وما أعددتَ لها؟ قال: ما أعددتُ لها، إلاّ أنّي أحبُّ الله ورسوله، قال: إنّك مع من أحببت، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم؛ ففرحنا يومئذ فرحاً شديداً " (٣).

стр. 30

توعّد الله من قدم محبّةً على محبّة الله والرَّسول ـ ﷺ - ـ! والأحاديث في محبّة الله والرَّسول ـ ﷺ ـ كثيرة ومشهورة، ويلخصها قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة]. ولا يخفى ما في هذه الآية من تهديد ووعيد؛ فالله تعالى يتوعّد من يحبُّ هذه الأشياء الثَّمانية، أو أَحَدَها على الله والرّسول ـ ﷺ ـ وجهاد في سبيله، وينبّه إلى أنّ من فعل ذلك؛ فهو من الفاسقين! من مناقب الأنصار: محبّة المهاجرين، ونصرة سيّد المرسلين ﷺ - ضرب لنا الأنصارُ المثلَ الأعلى في الأخوّة في الله، فمن صفاتهم أنّهم يحبّون المهاجرين ويؤثرونهم على أنفسهم بشهادة الله ربّ العالمين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ... (٩)﴾ [الحشر]. ولذلك قال ـ ﷺ ـ: " لو أنّ الأنصار سلكوا وادياً أو شِعْباً لسلكتُ في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنتُ امرأ من الأنصار " (١). ولمّا سمع أبو هريرة ﵁ ثناء النَّبيِّ ـ ﷺ ـ على الأنصار، قال: " ما ظلم بأبي وأمّي؛ آووْهُ ونصروه، أو كلمة أخرى " (٢). أي أنّه ـ ﷺ ـ ما وضع هذا القول في غير موضعه، فإنّ الأنصار آووه وواسوه ونصروه، وهذا شرف عظيم ذهب به الأنصار لا يدانيه شرف، فأيّ شرف أعظم من نصرة

стр. 31

الله ورسوله ـ ﷺ ـ؟! لكنّهم لم يتفرّدوا به، وإنّما شاركهم به المهاجرون، كما أنّ للتابعين حظاً منه. " المحيا محياكم والمماتُ مماتكم " ولمّا فتح النَّبيُّ ـ ﷺ ـ مكّة ورأى الأنصار رأفة النَّبيِّ ـ ﷺ ـ بأهلها وكفّ القتال عنهم، ظنّوا أنّه يرجع إلى سكنى مكّة والمقام فيها ويهجر المدينة وأهلها، فشقّ ذلك عليهم، فأوحى الله تعالى إلى رسوله ـ ﷺ ـ، فأعلمهم النَّبيُّ ـ ﷺ ـ بقولهم، ثمّ أخبرهم بأنّه ملازم لهم لا يحيا إلاّ عندهم ولا يموت إلاّ عندهم، ففاضت أعينهم من الدمع فرحا بما سمعوا من الرّسول ـ ﷺ ـ، روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ـ ﷺ ـ: " يا مَعْشَرَ الأنصار، قالوا: لبّيك يا رسول الله، قال: قُلْتُم أمّا الرَّجل فأدركتْه رغْبَة في قَرْيَته، قالوا: قد كان ذاك، قال كلاّ إنّي عبدُ اللهِ ورسُوله، هاجرتُ إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والمماتُ مماتُكم، فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الّذي قلنا إلاّ الضّنّ بالله وبرسوله، فقال رسول الله ـ ﷺ ـ: إنّ الله ورسوله يصدّقانكم ويعذرانكم " (١). ولمّا أفاءَ الله على رسوله ـ ﷺ ـ يوم حُنَيْن بعد أيّام من فتح مكّة، قسم في النّاس ولم يعطِ الأنصارَ شيئاً، فكأنّ ناسا منهم حديثة أسنانُهُم (٢) وَجَدُوا؛ إذ لم يُصِبْهم ما أصاب الطّلقاء، وكان النَّبيُّ ـ ﷺ ـ قد أعطى رجالا من قريش حديث عهد بجاهليّة يتألّفهم، فلّما حُدِّث رسولُ الله ـ ﷺ ـ بمقالتهم من أنّه أعطى قريشاً وتركهم، أرسل ـ ﷺ ـ إلى الأنصار، فجمعهم في قبّة، وخطبهم، فلمّا علموا ما خفي عليهم من الحكمة رضوا بأن تكون غنيمتهم الكبرى مجاورة النَّبيِّ ـ ﷺ ـ حيّاً وميّتاً، قال ـ ﷺ ـ: " يا معشرَ الأنصارِ، ألمْ أجدْكُم ضُلاّلاً فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرّقين فألّفكم الله بي؟ وعالةً فأغناكُمُ اللهُ بي؟ كُلّما قال شيئا قالوا: اللهُ ورسوله أمَنُّ، قال: ما يَمْنَعُكم أن تجيبوا

стр. 32

رسول الله ـ ﷺ ـ؟ قال: كُلّما قال شيئا قالوا: اللهُ ورسوله أمَنُّ، قال: لو شئتم قلتُم: جِئتَنا كذا وكذا، ألا تَرضَونَ أن يذهبَ النّاسُ بالشّاةِ والبعير، وتذهبون بالنَّبيِّ ـ ﷺ ـ إلى رِحَالكم، لولا الهجرةُ لكنتُ امرأ من الأنصار، ولو سلك النّاس وادياً وشِعْباً لسلكتُ وادي الأنصار وشعبها، الأنصارُ شِعَارٌ والنّاسُ دثارُ (١) إنّكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض " (٢). قتال جبريل وميكائيل عنه ـ ﷺ - ـ رأى سعد بن أبي وقّاص ﵁ الملائكة يوم أحد تقاتل مع النَّبيِّ ـ ﷺ ـ وتدافع عنه، وهذه واحدة من مناقبه ﵁ الثّابتة، فقد رأى رجلين عليهما ثيابٌ بِيْضٌ يقاتلان عن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ كأشدّ القتال، روى مسلم عن سعد ﵁ قال: " رأيتُ عن يمين رسول الله ـ ﷺ ـ وعن شماله يومَ أُحُدٍ رجلين عليهما ثيابُ بَيَاض، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ، يعني جبريل وميكائيل ﵉ " (٣). نصرة أبي طالب للنَّبيِّ ـ ﷺ ـ مع أنه لم يكن على دينه كان عمّه أبو طالب عضداً له وناصراً، فقد كَفِله من يوم مات فيه جدُّه عبد المطَّلب، واستمر على نصرته بعد أن بُعث إلى أن أدركه الموت. ولم تنل قريش من رسول الله ـ ﷺ ـ من الأذى في حياة أبي طالب ما كانت تطمع به! فقد كان يردُّ عنه الأذى، ويمنعهم من الوصول إليه، وهو مقيم على دين قومه! روى الحاكم بإسناد جيّد عن عائشة ﵂ عن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ قال: " ما زالت

стр. 33

قريش كاعّة (١) حتّى توفّي أبو طالب " (٢). وسيرته في حياطته النَّبيِّ ـ ﷺ ـ والدِّفاع عنه ذائعة، ومن مشهور شعره في ذلك، قوله: والله لنْ يَصِلوا إليك بجمعهم ... حتّى أوسَّد في التُّراب دفينا فلقد علمت بأنّ دينَ محمَّدٍ ... مِنْ خير أديان البرية دينا وكان أبو طالب يعرف أنَّه رسول الله، لكنه لم يقرّ له بذلك، ولذلك تجده يقول: وَدَعوْتني وعلمتُ أنّك صادقٌ ... ولقد صدقت وكنت قَبْل أمينا وظل أبو طالبٍ مُقيماً على نصرة الرَّسول حياته كلّها، ويأمر بنصرته، ولمّا حضرت أبا طالب الوفاةُ، أراد النَّبيُّ ـ ﷺ ـ سيِّد الأوفياء أنّ يردَّ الجميلَ والمعروفَ لعمّه، فدخل عليه قبل أن يدخل في الغرغرة، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أميّة، فقال: " أي عمّ قل لا إله إلا الله، كلمة أُحاجّ لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة: يا أبا طالب، ترغب عن ملّة عبد المطّلب؟ فلم يزالا يكلّمانه حتى قال آخرَ شيءٍ كلّمهم به: على ملّة عبد المطّلب، فقال النَّبيُّ ـ ﷺ ـ: لأستغفرنّ لك ما لم أُنْهَ عنه، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة]، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ... (٥٦)﴾ [القصص] " (٣). أمّا من قال: لم يُغْنِ النّبيُّ ـ ﷺ ـ عن عمّه شيئاً، مع أنّه كان ينصره! فقد أجاب عن هذه المسألة النَّبيُّ ـ ﷺ ـ نفسه، فقد أخرج البخاري في صحيحه أنّ العبّاس بن عبد المطّلب

стр. 34

قال للنَّبيِّ ـ ﷺ ـ: " ما أغنيت عن عمّك، فوالله كان يحوطك ويغضب لك؟! قال: هو في ضحضاح من النّار، ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النّار " (١). ونزل في حرص النَّبيِّ ـ ﷺ ـ على إيمان عمّه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايته ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص]. والهداية المنفيّة في الآية الكريمة هي هداية التّوفيق، فلا أحد يملكها إلاّ الله؛ وإلاّ لهدى نوح ﵇ ابنه، وهدى إبراهيم ﵇ أباه ... ولا تعارض بين الآية وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى]، إذ أنّ الهداية المثبتة هداية التّفسير والدّلالة والبيان ... وتعجب حينَ تقِفُ على حقيقة أنَّ عمَّه الذي كانَ يَذُبُّ عنه وينصره كان مقيماً على دين قومه، ومع هذا ظلّ فوق أربعين عاماً يدافع عنه، ويعزّ جانبه، ويغضب له، ويردّ عنه القول والفعل! أليس من باب أولى أن نَنْصُرَه ونعزِّرَه نحن أتباعه الذين آمنَّا بالله ورسوله ـ ﷺ ـ ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف]. وما نصر أحد النَّبيَّ ـ ﷺ ـ على أعدائه بكبيرة أو صغيرة إلاّ كُتِبَ له ثَوابُ ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ [التوبة]. لا عذر لنا عند الله إن خُلِصَ إلى رسول الله ـ ﷺ - ـ! يوم أحد بعث رسول الله ـ ﷺ ـ زيد بن ثابت ﵁ يطلب سعد بن الرّبيع

стр. 35

(أحد نقباء الأنصار)، فطاف ﵁ بين القتلى حتَّى وجده في آخر رمق وقد أصيب بطعنات، فقال له: " يا سعد، إنّ رسول الله يقرأ عليك السَّلام، ويقول لك: خبّرني كيف تجدُك؟ قال: على رسول الله ـ ﷺ ـ وعليك السّلام، قل له: أجد ريح الجنّة، وَقُلْ لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن يُخْلص إلى رسول الله ـ ﷺ ـ وفيكم عينٌ تَطْرِفُ، قال: وفاضت نفسه " (١). فأين نحن من وصيَّة الصحابيّ سعد بن الرّبيع ﵁ وقد خُلِصَ إلى رسول الله ـ ﷺ ـ؟! هل يُقال ضاع الحقُّ على ألسنة أتباعه؟! ألا نكون أنصاراً لله ورسوله؟! أليس من نصر في الله دين محمَّد ـ ﷺ ـ على من بغى في الدّين فقد رعى إلّا؟! دفاع حسّان بن ثابت عن النَّبيِّ ـ ﷺ - ـ حسَّان بن ثابت الأنصاري، شاعر الرّسول ـ ﷺ ـ في أيّام النُّبوَّة، وشاعر اليمن كلّها في الإسلام، وفي الصّحيحين من طريق سعيد بن المُسيَّب، قال: " مرَّ عُمَرُ في المسجد وحسّانُ يُنْشدُ، فقال: كنْتُ أنْشدُ فيه وفيه من هو خيْرٌ منْكَ، ثمَّ التفَتَ إلى أبي هُريْرة، فقال: أنْشُدُكَ بالله، أسمِعْتَ رسول الله يقول: أجبْ عنِّي، اللهمّ أيّده بروح القُدُس، قال: نعم " (٢). وفي الصّحيحين من طريق البَرَاء بن عازب، قال: قال النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ لحسّان: " اهْجُهُم أو هاجِهِم وجبريل معك " (٣). وهذا واجب كل مسلم يَسْمَعُ أذى موجهاً للنَّبيِّ ـ ﷺ ـ أن يُجِيبَ عنه ـ ﷺ ـ وأن ينافح عنه لطلب النّبيّ ـ ﷺ ـ من أصحابه ذلك بعد أن آذاه من آذاه، فقد ندب ـ ﷺ ـ المسلمين أن

стр. 36

يدافعوا عنه لما للكلمة من تأثير ووقع، فأرسل إلى عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، لكنّه لم يَرْضَ إلاّ عن أسد الشّعراء حسَّان، ففي الصّحيح عن عائشة أنّ رسول الله ـ ﷺ ـ، قال: " اهْجوا قُريْشاً، فإنّه أشدُّ عليها من رَشْق بالنَّبْل، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهْجُهُم، فلم يُرْض، فأرسل إلى كعْب بن مالك، ثمَّ أرسل إلى حسّان بن ثابت، فلمّا دخل عليه، قال حسّان: قدْ آنَ لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضَّارب بذَنَبِه (١)، ثمّ أدْلعَ (أخرج) لسانه فجعل يُحرّكه، فقال: والّذي بعثَكَ بالحقّ لأفرينّهم بلساني فرْيَ الأديم، فقال رسول الله: لا تعجل فإنّ أبا بكر أعلمُ قريش بأنسابها، وإنّ لي فيهم نسباً حتّى يُلخّصَ لك نسبي، فأتاه حسّان، ثمّ رجع، فقال: يا رسول الله قدْ لخّصَ لي نسبك والّذي بعثك بالحقّ لأسلّنّك منهم كما تسلُّ الشّعرة من العجين، قالت عائشة: فسمعتُ رسول الله ـ ﷺ ـ يقول لحسّان: إنّ روح القدس لا يزال يؤيّدك ما نافحْتَ عن الله ورسوله، وقالتْ: سمعتُ رسول الله ـ ﷺ ـ يقول: هَجَاهم حسّان فشفى واشْتَفى، قال حسّان: هجَوْتَ محمّداً فأجبتُ عنْهُ ... وعنْد الله في ذاكَ الجزاءُ هجوْتَ محمّدا بَرّاً حنيفا ... رسول الله شيْمتُه الوفاءُ فإنّ أبي ووالدُهُ وعِرْضي ... لعِرْض محمّدٍ منكم وقاءُ" (٢) وهذه الأبيات قالها حسّان قُبَيْلَ فتح مكّة، قالها في مدح النَّبيِّ ـ ﷺ ـ وهجاء قريش، فوقعت كلماته في نفوسهم موقع السِّهام في شغاف القلوب فآلمهم وأبكمهم، والقصيدة بطولها في ديوانه، ومنها قوله ﵁: وقال الله قد أرْسلتُ عَبْداً ... يقول الحقّ ليس به خفاءُ وقال الله قد يسّرتُ جنْداً ... هم الأنصار عرْضَتُها اللقاءُ

стр. 37

يلاقي كلّ يوم من معدّ ... سبابٌ أو قتالٌ أو هِجَاءُ فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحُهُ وينْصُرُهُ سواء لساني صارمٌ لا عيْبَ فيه ... وبحري لا تكدِّرهُ الدِّلاءُ وقال يمدح النَّبيَّ ـ ﷺ ـ: وأحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني ... وأجملَ منكَ لم تلدِ النّساءُ خُلقتَ مبرّأً من كلّ عيْب ... كأنك قد خُلقْتَ كما تشاءُ (١) وما من شكّ في أنّ دفاع حسان بن ثابت ﵁ بلسانه عن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ كان له تأثير أبلغ من السّيف، فالشّعر له وقع في النّفس، ويتناقله النّاس ويظلّ قرونا، وقد أصاب وأحسن يعقوب الحمدونيّ حين قال: وقدْ يُرْجى لجرح السّيف بُرْءٌ ... ولا بُرْء لما جَرَحَ اللِّسانُ كما أحسن من قال: وجرحُ السَّيف تَدْمِلُه فيبرا ... ويبقى الدّهرُ ما جَرَحَ اللسانُ * * *

стр. 38

القسم الثّاني المبحث الأوّل من آذى النَّبيَّ ـ ﷺ ـ فقد أغضب ربّه ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران]. ألا تعجبون كيف يصرف الله عن نبيّه الأذى ؟! كان كُفّارُ قريش من شدّة بغضهم للنَّبيِّ ـ ﷺ ـ وكراهتهم له لا يسمُّونه باسمه الدّال على المدح (محمّد) لأنه اسم مفعول مشتقّ من الفعل الرُّباعي (حمّد) المضاف للمبالغة أي كثير الخصال المحمودة على المفعول، أو كثير الحمد على الفاعل؛ فيعدلون عن هذا الاسم المشرّف المشرق إلى ضده، فيسمونه مذمّما. ولذلك روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ـ ﷺ ـ: " ألا تعجبون كيف يَصْرِف الله عنّي شتم قريش ولعنهم! يشتمون مُذمّما، ويلعنون مُذمّما، وأنا محمّد " (١) فاعجب كيف يَصْرِفُ الله عن اسمه ـ ﷺ ـ وصفته أذى قريش! وقد كان الذي يذكرونه بحقّه ـ ﷺ ـ مصروفاً إلى غيره، لأنّ مذمّما ليس اسم النَّبيِّ ـ ﷺ ـ فلا يُفسّر مذمّمٌ بمحمّدٍ بوجه من الوجوه، ولذلك فإنّ شتم الشَّانئين مصروف إليهم، وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ... (٧)﴾ [الإسراء] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ... (٤٦)﴾ [فصلت] فمن أساء إنّما أساء إلى نفسه في الدّنيا والآخرة! ولن يضرَّ الرَّسولَ ـ ﷺ ـ كلامُ شانئ أبداً:

стр. 39

ما يضرّ البحر أمسى زاخراً ... أن رمى فيه غلامٌ بحجر وسيبقى البحرُ الزّاخر زاخراً، وسيبقى ذكر من رفع الله ذكره كائناً: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ... (١٧)﴾ [الرعد]. وإذا كان المقصود النّيل من الإسلام فمعاذ الله أن يقدر أحد على ذلك، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ... (٣)﴾ [المائدة]. الّذين يتناجون بالإثم والعدوان روى البخاري عن أنس بن مالك قال: " مرّ يهوديّ برسول الله ـ ﷺ ـ، فقال: السَّامُ عليك. فقال رسول الله ـ ﷺ ـ: وعليك، فقال رسول الله ـ ﷺ ـ: أتدرون ما يقول؟ قال: السَّام عليك. قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: لا، إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم " (١). وروى عن عائشة ﵂ قالت: " استأذن رَهْطٌ من اليهود على النَّبيّ ـ ﷺ ـ فقالوا: السَّام عليك، فقلت: بل عليكم السَّام واللعنة، فقال: يا عائشة، إن الله رفيقٌ يحبُّ الرّفقَ في الأمر كلّه. قُلتُ: أولم تسمعْ ما قالوا؟ قال: قلتُ: وعليكم " (٢). وقد ترك النَّبيُّ ـ ﷺ ـ قتلهم، وصبر على أذاهم لمصلحة التأليف، ولأنهم لم يعلنوا ولم يصرِّحوا، وإنما لَوَّوْا بألسنتهم. وقد أشار القرآن الكريم إلى هؤلاء الّذين كانوا يحيّون النَّبيَّ ـ ﷺ ـ بهذه التّحيّة الظَّالمة، الّذين كانوا يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية النَّبيِّ ـ ﷺ ـ ويقولون فيما بينهم: لو كان نبيّاً حقّاً لعذّبنا الله على هذا الكلام، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ

стр. 40

وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾ [المجادلة]. وعلى ذلك فإنّ الّذين يؤذون النَّبيَّ ـ ﷺ ـ في زماننا، ولسان حالهم يقول: لو كان نبيّاً ما أمهلنا الله بسبّه والاستخفاف به، يجهلون أنّ الله حليم لا يعجّل العقوبة لمن سبّه، فكيف من سبّ نبيّه! فلا أحد أصبر على الأذى من الله تعالى، روى البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ قال: " قال الله: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إيّاي فزعم أنّي لا أقدر أن أعيده كما كان، وأمّا شتمه إيّاي، فقوله: لي ولدٌ، فسبحاني أَنْ أتّخذ صاحبة أو ولداً " (١). وكثير هي الآيات الّتي أشارت إلى ما بيّنته الأحاديث الشّريفة من أنّ الله لا يعجل كعجلة أحدنا، وإنّما يملي للظّالم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾ [النحل]، وقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر]. ولكن لمن تقول هذا الكلام: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال]، ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ [الأنفال]. ونحن المسلمين نُؤْمنُ بجميع الأنبياء والمرسلين، ولا نستثني منهم أحداً، ولا أدري كيف يجترئ عَبْدٌ على مُعَاداة نبيّ، والله تعالى يقول في الحديث القدسيّ: " من عادى لي وليّا
следующие страницы →