← История

История · id 534

وأد الفتنة دراسة نقدية لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفين على منهج المحدثين

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (305 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يدافعوا عنه لما للكلمة من تأثير ووقع، فأرسل إلى عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، لكنّه لم يَرْضَ إلاّ عن أسد الشّعراء حسَّان، ففي الصّحيح عن عائشة أنّ رسول الله ـ ﷺ ـ، قال: " اهْجوا قُريْشاً، فإنّه أشدُّ عليها من رَشْق بالنَّبْل، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهْجُهُم، فلم يُرْض، فأرسل إلى كعْب بن مالك، ثمَّ أرسل إلى حسّان بن ثابت، فلمّا دخل عليه، قال حسّان: قدْ آنَ لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضَّارب بذَنَبِه (١)، ثمّ أدْلعَ (أخرج) لسانه فجعل يُحرّكه، فقال: والّذي بعثَكَ بالحقّ لأفرينّهم بلساني فرْيَ الأديم، فقال رسول الله: لا تعجل فإنّ أبا بكر أعلمُ قريش بأنسابها، وإنّ لي فيهم نسباً حتّى يُلخّصَ لك نسبي، فأتاه حسّان، ثمّ رجع، فقال: يا رسول الله قدْ لخّصَ لي نسبك والّذي بعثك بالحقّ لأسلّنّك منهم كما تسلُّ الشّعرة من العجين، قالت عائشة: فسمعتُ رسول الله ـ ﷺ ـ يقول لحسّان: إنّ روح القدس لا يزال يؤيّدك ما نافحْتَ عن الله ورسوله، وقالتْ: سمعتُ رسول الله ـ ﷺ ـ يقول: هَجَاهم حسّان فشفى واشْتَفى، قال حسّان: هجَوْتَ محمّداً فأجبتُ عنْهُ ... وعنْد الله في ذاكَ الجزاءُ هجوْتَ محمّدا بَرّاً حنيفا ... رسول الله شيْمتُه الوفاءُ فإنّ أبي ووالدُهُ وعِرْضي ... لعِرْض محمّدٍ منكم وقاءُ" (٢) وهذه الأبيات قالها حسّان قُبَيْلَ فتح مكّة، قالها في مدح النَّبيِّ ـ ﷺ ـ وهجاء قريش، فوقعت كلماته في نفوسهم موقع السِّهام في شغاف القلوب فآلمهم وأبكمهم، والقصيدة بطولها في ديوانه، ومنها قوله ﵁: وقال الله قد أرْسلتُ عَبْداً ... يقول الحقّ ليس به خفاءُ وقال الله قد يسّرتُ جنْداً ... هم الأنصار عرْضَتُها اللقاءُ

стр. 37

يلاقي كلّ يوم من معدّ ... سبابٌ أو قتالٌ أو هِجَاءُ فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحُهُ وينْصُرُهُ سواء لساني صارمٌ لا عيْبَ فيه ... وبحري لا تكدِّرهُ الدِّلاءُ وقال يمدح النَّبيَّ ـ ﷺ ـ: وأحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني ... وأجملَ منكَ لم تلدِ النّساءُ خُلقتَ مبرّأً من كلّ عيْب ... كأنك قد خُلقْتَ كما تشاءُ (١) وما من شكّ في أنّ دفاع حسان بن ثابت ﵁ بلسانه عن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ كان له تأثير أبلغ من السّيف، فالشّعر له وقع في النّفس، ويتناقله النّاس ويظلّ قرونا، وقد أصاب وأحسن يعقوب الحمدونيّ حين قال: وقدْ يُرْجى لجرح السّيف بُرْءٌ ... ولا بُرْء لما جَرَحَ اللِّسانُ كما أحسن من قال: وجرحُ السَّيف تَدْمِلُه فيبرا ... ويبقى الدّهرُ ما جَرَحَ اللسانُ * * *

стр. 38

القسم الثّاني المبحث الأوّل من آذى النَّبيَّ ـ ﷺ ـ فقد أغضب ربّه ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران]. ألا تعجبون كيف يصرف الله عن نبيّه الأذى ؟! كان كُفّارُ قريش من شدّة بغضهم للنَّبيِّ ـ ﷺ ـ وكراهتهم له لا يسمُّونه باسمه الدّال على المدح (محمّد) لأنه اسم مفعول مشتقّ من الفعل الرُّباعي (حمّد) المضاف للمبالغة أي كثير الخصال المحمودة على المفعول، أو كثير الحمد على الفاعل؛ فيعدلون عن هذا الاسم المشرّف المشرق إلى ضده، فيسمونه مذمّما. ولذلك روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ـ ﷺ ـ: " ألا تعجبون كيف يَصْرِف الله عنّي شتم قريش ولعنهم! يشتمون مُذمّما، ويلعنون مُذمّما، وأنا محمّد " (١) فاعجب كيف يَصْرِفُ الله عن اسمه ـ ﷺ ـ وصفته أذى قريش! وقد كان الذي يذكرونه بحقّه ـ ﷺ ـ مصروفاً إلى غيره، لأنّ مذمّما ليس اسم النَّبيِّ ـ ﷺ ـ فلا يُفسّر مذمّمٌ بمحمّدٍ بوجه من الوجوه، ولذلك فإنّ شتم الشَّانئين مصروف إليهم، وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ... (٧)﴾ [الإسراء] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ... (٤٦)﴾ [فصلت] فمن أساء إنّما أساء إلى نفسه في الدّنيا والآخرة! ولن يضرَّ الرَّسولَ ـ ﷺ ـ كلامُ شانئ أبداً:

стр. 39

ما يضرّ البحر أمسى زاخراً ... أن رمى فيه غلامٌ بحجر وسيبقى البحرُ الزّاخر زاخراً، وسيبقى ذكر من رفع الله ذكره كائناً: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ... (١٧)﴾ [الرعد]. وإذا كان المقصود النّيل من الإسلام فمعاذ الله أن يقدر أحد على ذلك، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ... (٣)﴾ [المائدة]. الّذين يتناجون بالإثم والعدوان روى البخاري عن أنس بن مالك قال: " مرّ يهوديّ برسول الله ـ ﷺ ـ، فقال: السَّامُ عليك. فقال رسول الله ـ ﷺ ـ: وعليك، فقال رسول الله ـ ﷺ ـ: أتدرون ما يقول؟ قال: السَّام عليك. قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: لا، إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم " (١). وروى عن عائشة ﵂ قالت: " استأذن رَهْطٌ من اليهود على النَّبيّ ـ ﷺ ـ فقالوا: السَّام عليك، فقلت: بل عليكم السَّام واللعنة، فقال: يا عائشة، إن الله رفيقٌ يحبُّ الرّفقَ في الأمر كلّه. قُلتُ: أولم تسمعْ ما قالوا؟ قال: قلتُ: وعليكم " (٢). وقد ترك النَّبيُّ ـ ﷺ ـ قتلهم، وصبر على أذاهم لمصلحة التأليف، ولأنهم لم يعلنوا ولم يصرِّحوا، وإنما لَوَّوْا بألسنتهم. وقد أشار القرآن الكريم إلى هؤلاء الّذين كانوا يحيّون النَّبيَّ ـ ﷺ ـ بهذه التّحيّة الظَّالمة، الّذين كانوا يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية النَّبيِّ ـ ﷺ ـ ويقولون فيما بينهم: لو كان نبيّاً حقّاً لعذّبنا الله على هذا الكلام، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ

стр. 40

وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾ [المجادلة]. وعلى ذلك فإنّ الّذين يؤذون النَّبيَّ ـ ﷺ ـ في زماننا، ولسان حالهم يقول: لو كان نبيّاً ما أمهلنا الله بسبّه والاستخفاف به، يجهلون أنّ الله حليم لا يعجّل العقوبة لمن سبّه، فكيف من سبّ نبيّه! فلا أحد أصبر على الأذى من الله تعالى، روى البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ قال: " قال الله: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إيّاي فزعم أنّي لا أقدر أن أعيده كما كان، وأمّا شتمه إيّاي، فقوله: لي ولدٌ، فسبحاني أَنْ أتّخذ صاحبة أو ولداً " (١). وكثير هي الآيات الّتي أشارت إلى ما بيّنته الأحاديث الشّريفة من أنّ الله لا يعجل كعجلة أحدنا، وإنّما يملي للظّالم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾ [النحل]، وقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر]. ولكن لمن تقول هذا الكلام: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال]، ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ [الأنفال]. ونحن المسلمين نُؤْمنُ بجميع الأنبياء والمرسلين، ولا نستثني منهم أحداً، ولا أدري كيف يجترئ عَبْدٌ على مُعَاداة نبيّ، والله تعالى يقول في الحديث القدسيّ: " من عادى لي وليّا

стр. 41

فقد آذنته بالحرب " (١) فما بالك بمن عادى نبيّاً! ولكن كما قال القائل: لا يُصْلِحُ الواعظُ قَلْبَ امرئ ... لم يَعْزِم اللهُ على رُشْده! من آذى النَّبيَّ ـ ﷺ ـ فقد أغضب ربّه ! لمّا اختلف أبو بكر وربيعة ﵄ في عِذْقِ نخلة، يقول ربيعة فقلتُ: " هي في حَدِّي، وقال أبو بكر: هي في حَدِّي، فكان بيني وبين أبي بكرٍ كلامٌ، فقال أبو بكر كلمةً كرِهَهَا وَنَدِمَ، فقال لي: يا ربيعةُ، رُدَّ عليَّ مِثْلَها حتّى تكون قصاصاً، قال: قلتُ: لا أفعلُ، فقال أبو بكر ﵁: لتَقُولَنَّ أو لأستعديَنَّ عليكَ رسول الله ـ ﷺ ـ، فقلتُ: ما أنا بفاعلٍ، قال: ورفضَ الأرضَ. وانطلقَ أبو بكر ﵁ إلى النَّبيِّ ـ ﷺ ـ وانطَلقْتُ أتلوهُ، فجاء ناسٌ مِنْ أسْلمَ، فقالوا لي: رحم اللهُ أبا بكرٍ، في أيِّ شيء يسْتَعْدي عليكَ رسول الله ـ ﷺ ـ، وهو قال لك ما قال؟! فقُلتُ: أتدرونَ ما هذا؟ هذا أبو بكر الصِّدِّيق، هذا ثانيَ اثنين، وهذا ذُو شَيْبَة المسلمين، إيَّاكم لا يلتَفتُ فيراكم تنصروني عليه فيغْضبَ، فيأتي رسول الله ـ ﷺ ـ فيغضبَ لغضبِهِ، فيغْضبَ اللهُ لغضبهما، فيهلكَ ربيعةَ! قالوا: ما تأمرنا؟ قال: ارجعوا. قال: فانطلقَ أبو بكرٍ ﵁ إلى رسول الله ـ ﷺ ـ فتبعتُهُ وحدي حتّى أتى النَّبيَّ ـ ﷺ ـ فحدّثه الحديث كما كان، فرفع إليَّ رأسَهُ، فقال: يا ربيعةُ، مالكَ وللصِّدِّيق؟! قلتُ: يا رسول الله، كان كذا كان كذا، قال لي كلمةً كرهها، فقال لي: قلْ لي كما قلتُ حتّى يكونَ قصاصاً، فأبيتُ، فقال رسول الله ـ ﷺ ـ: أجلْ فلا تَرُدَّ عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر، فقلتُ: غفر الله لك يا أبا بكر، قال الحسن: فولّى أبو بكر ﵁ وهو يبكي! " (٢).

стр. 42

وانظر إلى ما يُسْتَفادُ من تحذير ربيعة بن كعب لقومه من أن يسمعَهم أبو بكر ينصرونه عليه، فقد خَشِي أن يسمعهم أبو بكر فيغضب، فيخبر رسول الله ـ ﷺ ـ فيغضب، فيغضب الله لغضبهما، فيهلك ربيعة! فالتّعدّي على النَّبيِّ ـ ﷺ ـ يغضب له الله ، فليحذر الّذين يؤذون النَّبيَّ ـ ﷺ ـ أن يحلل عليهم غضب الله تعالى، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ [طه]. وقد جعلت الآياتُ شِقاقَ الله ورسوله، ومحادّة الله ورسوله، ومعصية الله ورسوله، وأذى الله ورسوله أمراً واحداً، فقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾ [الأنفال]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .. (٥)﴾ [المجادلة]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (١٤)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب]. وإذا كان أذى النَّبيِّ ـ ﷺ ـ يترتَّبُ عليه غَضَبُ الله تعالى، فإنّ أذى الصّحابة باب خطر أيضاً؛ أتى أبو سفيان نفراً من الصَّحابة فيهم سلمان، وبلال، وصهيب ﵃، وكان أبو سفيان يومها على الكفر في الهدنة بعد صلح الحديبية، فقالوا له قولا كرهه أبو بكر ﵁، فقال لهم أبو بكر: " أتقولون هذا لشيخ قريش وسيّدهم! " فجاء أبو بكر النَّبيَّ ـ ﷺ ـ فأخبره بالّذي كان منهم، فخشي النَّبيُّ ـ ﷺ ـ أن يكون أبو بكر قد أغضب أصحابه، لما ينتج عن ذلك من غضب الله تعالى! أخرج مسلم عن عائذ بن عمرو: " أنّ أبا سفيان أتى على سلّمانَ وصُهَيْبٍ وبلالٍ في نَفَر، فقالوا: واللهِ ما أخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ من عُنُقِ عَدُوّ الله مأخذَها! قال: فقال أبو بكرٍ: أتقولونَ هذا لشيْخِ قُرَيْشٍ وسَيّدهم! فأتى النَّبيَّ ـ ﷺ ـ فأخبرَهُ.

стр. 43

فقال: يا أبا بكرٍ، لعلّك أغضَبْتَهُم؟ لئن كُنْتَ أغضبْتَهُم لقدْ أغْضَبْتَ رَبَّكَ، فأتاهُم أبو بكر، فقال: يا أخوتاه، أغْضَبْتُكم؟! قالوا: لا. يغْفرُ اللهُ لكَ يا أَخي " (١). وانظر كيف يخبر النَّبيُّ ـ ﷺ ـ أنّ أبا بكر الصّديق ـ خير من طلعت عليه الشّمسُ من الرّجال بعد النّبيّين ـ إن كان أغضب أحداً من الصّحابة فقد أغضب ربَّه! فما بالك بمن يَسُبُّ الصّحابة وهو ليس واحداً منهم! المغايرة في الجزاء بين أذى الرّسول ـ ﷺ ـ وأذى غيره قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب]. انظر كيف غاير الله تعالى وخالف في الجزاء بين أذى الرّسول وأذى غيره من المؤمنين والمؤمنات! فرتبة المؤمنين والمؤمنات دون رتبة النَّبيِّ ـ ﷺ ـ وأذى النَّبيِّ ـ ﷺ ـ ليس كأذى أَحَدٍ من النّاس، فتدبّر حكم الاستهزاء بالنَّبيِّ ـ ﷺ - ـ لمّا توجّه النَّبيُّ ـ ﷺ ـ إلى تبوك وكان معه ثلاثون ألفاً من أصحابه ﵃، وإذ بجماعة من المنافقين ومرضى القلوب يهزؤون بالنَّبيِّ ـ ﷺ ـ ويسخرون منه، فذهب النَّبيُّ ـ ﷺ ـ إليهم يسألهم عن ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يا أيّها الرّسول عن استهزائهم وهم سائرون إلى تبوك ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ معتذرين ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ في الحديث لنقطع به الطّريق ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ... (٦٦)﴾ [التوبة].

стр. 44

هذا نصّ صريح في أنّ الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، وأنّ كلّ من تَنَقَّصَ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ جادّاً أو هازلاً فقد كفر! ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس]. فحلفوا بالله كاذبين أنّهم ما استهزؤوا بالنَّبيِّ ـ ﷺ ـ، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ ما بلغك عنهم ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ والآية تشعر أنّ الكلمة الواحدة في هجاء النَّبيِّ ـ ﷺ ـ موجبة للكفر! ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ... (٧٤)﴾ [التوبة] من الفتك بالنَّبيِّ ـ ﷺ ـ ليلة العقبة عند عودته من تبوك ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾ [التوبة]. وقد ترك النَّبيُّ ـ ﷺ ـ هؤلاء المنافقين ولم يجازهم ولم يُقِمْ عليهم الحَدُّ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ ... ... (٤٨)﴾ [الأحزاب]، فلم يكن أُمِر بجهاد المنافقين بعد. قلت: وليحذر المستهزئون في كلّ زمان ومكان ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور]، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر]. الحكم فيمن سَبَّ النَّبيَّ ـ ﷺ - ـ هذه حكاية أمّ ولد لرجل كان أعمى، كانت تَشْتُم النَّبيَّ ـ ﷺ ـ، فكان يزْجُرُها فلا تَنْزَجِر، وينهاها فلا تنتهي، فقتلها، فذهب دمها هدراً، أخرج النّسائي بإسناد صحيح عن عثمان الشَّحَّام، قال: كنْتُ أقودُ رجلاً أعمى، فانتهيتُ إلى عكرمة فأنشأ يحدّثُنا، قال: حدّثني ابنُ عبّاس: " أنّ أعمى كان على عهد رسول الله ـ ﷺ ـ، وكانت له أمّ ولدٍ، وكان له منها ابنان، وكانت تُكثرُ الوقيعة برسول الله ـ ﷺ ـ وتسُبُّه، فيزْجُرُها فلا تنْزَجر، وينهاها فلا تنتهي، فلمّا

стр. 45

كانَ ذاتَ ليلة، ذكرْتُ النّبيَّ ـ ﷺ ـ فوقعَتْ فيه فلم أصبر أن قمْتُ إلى المغْوَل فوضعتُه في بطنها فاتّكأتُ عليه فقَتلتُها، فأصبحتْ قتيلا، فَذُكِرَ ذلك للنّبيّ ـ ﷺ ـ فجمع النّاس، وقال: أَنْشُدُ الله! رَجُلاً لي عليه حقٌّ فَعَلَ ما فَعَلَ إلاّ قامَ، فأقبل الأعمى يَتدلْدَل (١)، فقال: يا رسولَ الله أنا صاحبُها، كانت أمَّ ولدي، وكانت بي لطيفةً رفيقةً، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، ولكنّها كانت تكثرُ الوقيعة فيك وتشتمك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزْجُرها فلا تَنْزَجِرُ. فلمَّا كانت البارحة ذَكرْتُكَ فوقعتْ فيك، قمتُ إلى المغول فوضعتُه في بطنها، فاتّكأتُ عليها حتّى قتلتها، فقال رسول الله: ألا اشْهَدُوا أنَّ دَمَهَا هَدَرٌ " (٢). وأخرج الحاكم عن أبي برزة، قال: " تغيّظ أبو بكر على رجل، فقلتُ: من هو يا خليفةَ رسول الله ـ ﷺ ـ؟ قال: لِمَ؟ قلتُ: لأضربَ عنقَه إن أمرتني بذلك، قال: فقال أبو بكر ﵁: أوكنتَ فاعلاً؟ قلتُ: نعم. قال: فوالله لا ذهب عظمُ كلمتي الّتي قلتُ غضبه، ثمّ قال: ما كان لأحد بعد محمّد ـ ﷺ ـ " (٣). حكم الاستهزاء بالصّحابة ﵃ وبالمؤمنين لمّا فتحَ النّبيُّ ـ ﷺ ـ باب التّطوّع للجيش الإسلاميّ الخارج إلى تبوك وحثّ على الصّدقة، يقول أبو مسعود: " فجاء أبو عقيل بنصف صاعٍ، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إنّ الله لغنيٌّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخرُ إلاّ رياء، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا

стр. 46

يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ... (٧٩)﴾ [التوبة] " (١). هذه الآية فضحت المنافقين، ولذلك سمّيت سورة التّوبة الفاضحة، وانظر إلى غيرة الله تعالى على أوليائه حيث سخر الله ممّن سخر من المؤمنين وتوعّدهم بعذاب أليم، قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾ [التوبة]، فهذه العلّة كافية في عدم المغفرة لهم! فإذا كان هذا حال من يَسْخَرُ من بعض المؤمنين الطّائعين، فما بالك بمَنْ يسبُّ أصحاب النَّبيِّ الكريم، وقد قال ـ ﷺ ـ: "مَن سَبَّ أصحابي فَعَليْهِ لعنةُ الله والملائكةِ والنَّاس أجمعين" (٢)! من مِنَح المِحْنَة كم من نعمةٍ في طيِّ المكارِه كامنة! فمن الفوائد الكامنة في هذه المحنة التّي تعرّض لها المسلمون أنّ هذا الأذى الكبير الّذي نسمعه في حقّ النّبيِّ ـ ﷺ ـ وأصحابه دليلٌ على صدق القرآن الكريم، فقد نطق القرآن به وأخبر عنه، قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ... (١٨٦)﴾ [آل عمران]، وها نحن نسمع هذا الأذى كما أخبرنا الله فإلى الله المشتكى من ظلم العباد. * * *

стр. 47

المبحث الثّاني صور ممّا لقي النَّبيُّ ﷺ من الأذى وهو صابر وما نزل من القرآن ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّ ا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ... (٣١)﴾ [الفرقان]. لكلّ نبيّ عدوّ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ... (١١٢)﴾ [الأنعام]، فمن حكمة الله تعالى أنّه لم يَبْعَثْ نبيّاً إلاّ وجعل له أعداء يشكّكون بما جاء به ويعتدون عليه، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في غير موضع، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان]، فانظر إلى آدم وإبليس، وإبراهيم والنّمرود، وموسى وفرعون، والنَّبيَّ محمّد ـ ﷺ ـ وأبي جهل وأبي لهب ... لكن من نعمة الله تعالى عليهم أن جعل مُقابِل ذلك الهدايةَ والنُّصْرةَ لهم حقّاً عليه، قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان]. وهذا الاعتداء على النَّبيِّ ـ ﷺ ـ قديم، قال تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ... (٤٨)﴾ [التوبة]، فكم هم الّذين أجالوا الفِكْرَ في كيد النّبيِّ ـ ﷺ ـ وإبطال دينه من المشركين والمنافقين، ولكن من كان الله معه فمن عليه؟! كما أنّ أعداء النَّبيِّ ـ ﷺ ـ (شياطين الإنس والجنّ) باقون حتّى يومنا هذا، ولا أدري ماذا يريدون من رسول الله ـ ﷺ ـ؟! آذوه بعد مماته، كما آذاه أَسْلافُهم من قبل في حياته؟! فقد لَقِيَ النّبيُّ ـ ﷺ ـ من ألوان الأذى شأنه شأن سائر الأنبياء والمرسلين، اختبأ في دار الخيزران (١)، وهم يتربصون به؛ فجعل يَفِرُّ بدينه من مكان إلى مكان، وهم يدمون قدميه

стр. 48

الشّريفتين، ويشقون سلا الجزور على ظهره. ولبث عشر سنين يتبع النّاس في منازلهم في الموسم ومَجَنَّة وعُكَاظ ومنازلهم من منى، وهو يقول: " من يؤويني، من ينصرني، حتّى أبلّغ رسالات ربّي؛ فله الجنَّة؟ فلا يجد أحداً ينصره ولا يؤويه حتّى أنّ الرّجل ليرْحَل من مِصْر أو من اليمن إلى ذي رحمه، فيأتي قومه، فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتنك " (١). وتُكْسَر رباعيَّتُه يوم أُحُد، ويشجّ في رأسه وليس له من الأمر شيء! ويموت ابنه، وتقذف زوجته، ويظهر الله على يديه المعجزات، وهم يتظاهرون عليه، ويقولون ما أخبر الله تعالى عنه: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر]، فيكذبهم الله ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ [التكوير]. ويصفونه بأنَّه شاعر أو كاهن: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ [الصافات]، فيهدم الله وصفهم، فيقول: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الحاقة]. ويصفونه بأنَّه ساحر كذّاب: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾ [ص]، فيقول الله: ... ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ [الذاريات]. ويواجهونه دون استحياء بأنَّه مُفْتر متقوِّل على الله بما لم يقُل: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ... (١٠١)﴾ [النحل]، فيردّ الله بما يدفع جهلهم: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [النحل]، ثمّ يردّ مؤكّداً: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 49

الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ [النحل]. ويصفونه بأنه ضَلَّ، فيهدم الله ما قالوا: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ... (٢)﴾ [النجم]. ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ... (٦١)﴾ [التوبة] أي يسمع كلّ قِيْلٍ ويقبله، فيردّ الله عليهم: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ... (٦١)﴾ [التوبة]. ويقولون: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص]، فقال الله: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ [ص]. فيا شياطين الإنس والجنّ في كلّ زمان ومكان، يا مَنْ تؤذون الله ورسولَه ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ... (٧٠)﴾ [آل عمران]؟ ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ... (٧١)﴾ [آل عمران]؟ ألم يصلكم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب]؟ لعمري ما صبر على ذلك نَبيٌّ قبله؛ فهذا نبيّ الله نوح يضيق ذرعاً بقومه، فيقول: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح]، وخاتم النبيين لمّا قدم طُفَيْل بن عمرو الدّوسيّ وأصحابه عليه ـ ﷺ ـ فقالوا: يا رسول الله، إنّ دَوْساً عصت وأبت، فادع الله عليها ـ فَقِيل: هلكت دوس ـ قال: "اللهمّ اهد دَوْساً وأت بهم " (١).

стр. 50

وهذا نبيُّ الله سليمان ﵇ يقول: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ [ص] ونبيّ الرّحمة يقول: " اللهمّ ارزق آل محمّد قوتاً " (١). حدّثت عائشة ﵂ قالت: " كان فراش رسول الله ـ ﷺ ـ من أَدَمٍ (جِلْد مَدْبُوغ) وحَشْوُه من ليف " (٢) وقالت: " ما شَبِع آلُ محمّد ـ ﷺ ـ منذ قدم المدينة من طعام برّ ثلاث ليال تباعا حتّى قُبض " (٣). فمن يداني رسول الله ـ ﷺ ـ بأخلاقه وصبره وزهده وإشفاقه على أمّته ... ! من يباري رسول الله ـ ﷺ ـ الّذي أَمَره الله تعالى أن يصبر الصّبر الجميل، وأن يصفح الصّفح الجميل، وأن يهجر الهجر الجميل، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [المعارج]، وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر]، وقال تعالى: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ [المزمل]. أشدّ ما صنع المشركون بالنَّبيِّ ـ ﷺ ـ ودفاع أبي بكر عنه ! سأل عروة بن الزّبير ﵄ عبد الله بن عمرو عن أشدّ ما صنع المشركون برسول الله ـ ﷺ ـ، فقال: " رأيتُ عُقْبةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ جاء إلى النَّبيِّ ـ ﷺ ـ وهو يصلّي فوضع رداءهُ في عُنُقِهِ، فَخَنَقهُ به خنْقا شديداً، فجاء أبو بكر حتّى دَفَعَهُ عنه ـ ﷺ ـ فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ... ... (٢٨)﴾ [غافر] " (٤). مقالة العاصي بن وائل وما أُنْزِل فيه من القرآن كان خَبَّابُ بن الأرت ﵁ رجلاً حدّاداً، وكان له على العاصي بن وائل

стр. 51

السّهميّ دَيْن، فجاءه يتقاضاه حقّه، فرفض العاصي أن يقضي له دينه حتى يكفر بالنَّبيِّ ـ ﷺ ـ، فقال له خبّاب: " لا أكفر حتّى يُمِيتَكَ الله ثمّ تُبْعَث " أي حتّى تموت وتبعث أمامي، وهذا من باب التيئيس والاستحالة، فقال العاص منكراً: " وإنّي لميّت ثمّ مبعوث؟! قال: نعم. قال: فإنه سيكون لي، ثمّ مالٌ وولد، فأقضيك " فأنزل الله تعالى في ذلك قرآناً يتلى على مرّ الزّمان. أخرج البخاري عن خبّاب، قال: " كنتُ قَيْناً (حدّاداً) في الجاهلية، وكان لي على العاصي بن وائل ديْنٌ، فأتيتُه أتقاضاه. قال: لا أعطيك حتّى تكفر بمحمّد ـ ﷺ ـ. فقلت: لا أكفر حتّى يُميتَك الله ثمّ تُبْعَث. قال: دعني حتّى أموتَ، وأُبْعَثَ، فسأُوتى مالاً وولداً؛ فأقْضيَك. فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾ [مريم] " (١). وأخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن عبّاس ﵁ قال: " جاء العاص بن وائل إلى رسول الله ـ ﷺ ـ بعظم حائل (٢) فَفَتَّهُ، فقال: يا محمّد، أيبعثُ الله هذا بعدما أرم؟! قال: نعم، يبعثُ اللهُ هذا، يميتُكَ، ثمّ يحييكَ، ثمّ يدخلك نار جهنّم، قال فنزلت الآيات: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس] " (٣).

стр. 52

مقالة عبد الله بن سلول ـ رأس المنافقين ـ وما أنزل فيه من القرآن في غزوة (بني المصطلق) ضرب رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار برجله، فنادى الأنصاريّ: يا للأنصار! ونادى المهاجريُّ: يا للمهاجرين! وكانت الأنصار يومها أكثر من المهاجرين، فنهاهم رسول الله ـ ﷺ ـ عن دعوى الجاهلية، فسمع بذلك عبد الله بن أبيّ بن سلول، فقال: " فَعَلُوها؟ " وهو استفهام ولكن حذفت الأداة، وقد خرج الاستفهام إلى معنى الأمر، فالمراد: افْعَلوها، أي الأَثَرَة، وعدم الإنفاق على من عند رسول الله ـ ﷺ ـ، ثمّ أقسم إذا رجع من هذه الغزوة وعاد إلى المدينة أن يخرج الأعزّ منها الأذلَّ، وعنى بالأعز نفسه وأتباعه، وبالأذلّ رسول الله ـ ﷺ ـ ومن معه، فسمعه زيد بن أرقم ﵁ فأخبر بذلك رسول الله ـ ﷺ ـ وبلغ ذلك ابنَ سلول فحلف أنّه ما قال وكذّب زيداً، فنزل قول الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون]. أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: " كنّا في غَزاة، فَكسَعَ رجلٌ من المهاجرين، رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاريّ: يا للأنصارُ! وقال المهاجريّ: يا للمُهاجرين! فسمع ذاك رسول الله ـ ﷺ ـ فقال: ما بالُ دعوى جاهليّةٍ؟! قالوا: يا رسول الله، كَسَعَ رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: دعوها فإنها مُنْتنةٌ. فسمع بذلك عبد الله بن أبيّ، فقال: فَعَلُوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، فبلغ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ فقام عُمَرُ، فقال: يا رسولَ الله، دعني أضرب عُنُقَ هذا المنافق، فقال النَّبيُّ ـ ﷺ ـ: دعْهُ لا يتحدّثُ النّاسُ أنّ محمّدا يقتُلُ أصحابه " (١). وأخرج عن زيد بن أرقم ﵁، قال: " لما قال عبد الله بن أبيّ: لا تنفقوا

стр. 53

على من عند رسول الله، وقال أيضاً: لئن رجعنا إلى المدينة، أخبرت به النَّبيَّ ـ ﷺ ـ، فلامني الأنصار، وحلف عبدُ الله بن أبيّ ما قال ذلك، فرجعتُ إلى المنزل فنمتُ، فدعاني رسول الله ـ ﷺ ـ فأتيته، فقال: إنّ الله قد صدّقك ونزل: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا ... ... (٧)﴾ [المنافقون] " (١). مقالة أبي جهل، وما نزل فيه من القرآن كان أبو جهل ينهى رسول الله ـ ﷺ ـ عن الصَّلاة، فكان كمن باع السَّلامةَ بالهلاك والعَطَب، وبلغ به الأمر أن توعَّدَ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ أن يطأ على رأسه الشّريف إذا رآه يصلِّي عند الكعبة، حتّى نزل فيه قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ [العلق]. أخرج البخاري في تفسير (سورة العلق) باب قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق]، قال: " قال أبو جهل: لئن رأيت محمّداً يصلّي عند الكعبة لأطأنّ على عنقه، فبلغ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ، فقال: لو فعله لأخذته الملائكةُ " (٢). مقالة أبي لهب وما نزل فيه من القرآن قال ابن عبّاس ﵄: " صَعِدَ النَّبيُّ ـ ﷺ ـ الصّفا ذات يوم، فقال: يا صَبَاحاه، فاجتمعتْ إليه قُريشٌ، قالوا: مالكَ؟! قال: أرأيتُمْ لو أخبرتُكُمْ أنّ العَدوّ يُصبِّحُكم أو يُمسِّيكم، أما كنتُم تُصدِّقوني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّي نذيرٌ لكم بين يديْ عَذابٍ شديدٍ، فقال أبو لهب: تبّاً لكَ ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ [المسد] " (٣).

стр. 54

مقالة أمّ جميل العوراء (حمّالة الحطب) وما نزل من القرآن حين سمعت أمُّ جميل بنت حرب، ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن، أَتَتْ رسول الله وهو جالس في المسجد، عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصّدّيق، وفي يدها حجر ملء الكَفّ، تريد أن تضرب به الرَّسولَ ـ ﷺ ـ، فكفّها الله عنه. فقد أخرج الحاكم عن سفيان، عن الوليد بن كثير، عن ابن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: " لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ... (١)﴾ [المسد]، أقبلت العوراء (أمّ جميل) بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فِهْر، وهي تقول: مذمّماً أبينا ... ودينه قَلَيْنَا وأمره عصينا والنَّبيُّ ـ ﷺ ـ جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلمّا رآها أبو بكر، قال: يا رسول الله، قد أقبلت، وأنا أخاف أن تراك! فقال رسول الله ـ ﷺ ـ: إنّها لن تراني. وقرأ قرآناً، فاعتصم به كما قال، وقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء]، فوقفتْ على أبي بكر، ولم تَرَ رسول الله ـ ﷺ ـ فقالت: يا أبا بكر، إنّي أُخْبِرْت أن صاحبك هجاني، فقال: لا وربّ هذا البيت ما هجاك، فولّت، وهي تقو ل: قد علمت قريش أنّي بنت سيدها " (١). وأخرج البخاري عن جُنْدُب بن عبد الله ﵁ قال: " احتبَسَ جبريلُ ـ ﷺ ـ على النَّبيِّ ـ ﷺ ـ، فقالت امرأةٌ من قُريش: أبطأ عليه شيطانُه، فنزلتْ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى] " (٢).

стр. 55

وهذه المرأة هي أمّ جميل بنت حرب أخت أبي سفيان امرأة أبي لهب حمَّالة الحطب، كما روى الحاكم في " المستدرك " (١) عن زيد بن الأرقم. مقالة عبد الله بن أبيّ وما نزل من القرآن روى مسلم عن أنس بن مالك، قال: " قيل للنَّبيِّ ـ ﷺ ـ لو أتيْتَ عبْدَ الله بن أبيّ، قال: فانْطلقَ إليه ورَكبَ حماراً، وانْطلقَ المسلمون، وهي أرضٌ سَبِخَةٌ، فلمّا أتاه النَّبيُّ ـ ﷺ ـ، قال: إليك عنّي، فوالله لقدْ آذاني نتْنُ حِمَاركَ، قال: فقال رجلٌ من الأنصار: والله لحمارُ رسول الله ـ ﷺ ـ أطيَبُ ريحاً منك! قال: فغضب لعبد الله رجلٌ من قومه، قال: فغضب لكلِّ واحد منهما أصْحابُه، قال: فكان بينهم ضَرْبٌ بالجريد وبالأيدي وبالنّعال، قال: فبلغنا أنّها نزلت: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... (٩)﴾ [الحجرات] " (٢). مقالة لَبِيْد وإسلامه سمع ـ ﷺ ـ الشّعر واستنشده، وقد ثبت أنّه قال: " أشْعَرُ كلمة تكلّمت بها العرب كلمة لبيد: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل " (٣). ولهذا البيت حكاية ملخّصها أنّ عثمان بن مظعون ﵁ كان في نادٍ من قريش وفيهم لبيد العامري فأنشد قصيدته حتّى وصل: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل فقال له عثمان: صدقت، فلمّا أنشد عجزه، وهو: وكلّ نعيم لا محالة زائل

стр. 56

قال له: كذبتَ، نعيمُ الجنّة لا يزول، فقال لبيد: والله يا معشر قريش ما كانت مجالسكم هكذا، فقام سَفِيهٌ من قريش، فلطم عَيْنَ عثمان، فاخضرت، وكان قبل ذلك في جوار الوليد بن المغيرة فردّه عليه، فقال له من حضر من قريش: والله لقد كنت في ذمّة منيعة وكانت عينك غنيّة عمّا لقيت، فقال: جوارُ الله آمنُ وأعزّ، وعيني الصّحيحة فقيرة إلى ما لقيت أختها، ولي برسول الله ـ ﷺ ـ ومن آمن معه أسوة وكان ذلك قبل إسلام لبيد (١). ولبيد بن ربيعة ﵁ صحابيّ جليل، قال الشّعر في الجّاهليّة دهراً، ثمّ أسلم وحسن إسلامه، وقد عمّر طويلاً، وهو من أصحاب المعلّقات (٢). وكانت عائشة ﵂ تحبّ أن تتمثّل بعض أبياته؛ فقد أخرج البخاري عن الزبيدي، عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: " يا وَيْحَ لبيد حيث يقول: ذهب الّذين يُعَاشُ في أكنافهم ... وبقيت في خَلفٍ كجِلْدِ الأجْرَب فكيف لو أدرك زماننا؟ قال عروة: رحم الله عائشة، كيف لو أدركت زماننا؟! قال الزّهري: رحم الله عروة، كيف لو أدرك زماننا؟! قال الزبيدي: رحم الله الزهري، كيف لو أدرك زماننا؟! " (٣). ومن الشّعراء الّذين كانت لهم مقالة، ثمّ أسلموا وحسن إسلامهم الصّحابيّ الجليل كعب بن زهير، أسلم ﵁ حين علم من أخيه بجير أنّ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ يَهمُّ بقتل كلّ من يؤذيه من شعراء المشركين، وأنّه ـ ﷺ ـ لا يَقتُلُ أحداً جاء تائباً، فقدم كعب المدينة، ثمّ أتى رسول الله ـ ﷺ ـ، فقال يمدح النّبيَّ ـ ﷺ ـ ويعتذر:

стр. 57

يسعى الوشاةُ بجَنْبيها وقولُهُم ... إنّكَ يا بنَ أبي سُلْمى لمقتولُ وقال كلُّ خليلٍ كنتُ آمُلُه ... لا ألفينَّكَ إنّي عنك مشغولُ فقلتُ خَلُّوا طريقي لا أبا لَكُمُ ... فكلُّ ما قدّر الرّحمنُ مفعولُ كلُّ ابن أنثى وإن طالت سلامتُهُ ... يوماً على آلةٍ حَدْباءَ محمولُ أُنبِئتُ أنّ رسول اللهِ أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمولُ مَهْلاً هَدَاكَ الّذي أعطاكَ نافلةَ الـ ... ـقرآنِ فيها مواعيظٌ وتفصيلُ (١) أشدُّ ما لقي النّبيُّ ـ ﷺ ـ من قومه وعفوه أخرج الشّيخان عن عُروة بن الزّبير أنّ عائشة ـ زوج النَّبيِّ ـ ﷺ ـ قالتْ لرسول الله ـ ﷺ ـ: " يا رسول الله، هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد، فقال: لقدْ لقيتُ من قومِك، وكان أشدّ ما لقيْتُ منهم يوم العقَبَة، إذ عَرَضْتُ نفسي على ابن عَبْد يَالِيلَ بن عبْد كلال، فلم يُجِبْني إلى ما أردتُ، فانْطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أسْتَفقْ إلاّ بقَرْن الثّعالب (٢)، فرفعتُ رأسي فإذا أنا بسحابة قدْ أظلّتني، فَنَظرتُ، فإذا فيها جبْريلُ فناداني، فقال: إنّ الله قدْ سمِعَ قوْل قوْمك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك مَلَكَ الجبال لتأمرَه بما شئتَ فيهم، قال: فناداني مَلكُ الجبال وسلّم عليّ، ثمّ قال: يا محمّد، إنّ الله قدْ سمع قوْل قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربُّك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئتَ إنْ شئتَ أنْ أطبقَ عليهم الأخشبين (٣)، فقال له رسول الله: بلْ أرجو أن يُخرجَ اللهُ من أصلابهم من يعبدُ الله وحده لا يشرك به شيْئاً " (٤).

стр. 58

دعاء النَّبيِّ ﷺ على نفر من قريش آذوه في صلاته ومصيرهم أخرج مسلم عن ابن مسعود، قال: بينما رسول الله ـ ﷺ ـ يصلّي عنْدَ البيت، وأبو جهل وأصحابٌ له جُلوسٌ، وقد نُحرتْ جَزُورٌ (١) بالأمس، فقال أبو جهل: أيُّكم يقوم إلى سَلا (٢) جَزورِ بني فُلان، فيأخُذُهُ فَيَضعُه في كتفَي محمِّد إذ سَجَدَ، فانْبَعثَ أشْقى (٣) القوم، فأخَذه فلمّا سجد النّبيّ ـ ﷺ ـ وضعه بين كتفيه، قال: فاسْتَضحكوا وجَعَلَ بعْضُهم يميلُ على بعضٍ (٤)، وأنا قائم أنْظرُ لو كانت لي منَعةٌ طرَحْتُه عن ظهر رسول الله ـ ﷺ ـ والنَّبيُّ ـ ﷺ ـ ساجد ما يرفعُ رَأسَه، حتّى انْطلق إنسانٌ فأخبر فاطمة (٥)، فجاءت ـ وهي جُوَيْريَةٌ (٦) ـ فَطرَحتْه عنه، ثمّ أقبلت عليهم تشْتِمُهُم (٧)، فلمّا قضى النَّبيُّ ـ ﷺ ـ صلاتَه رفع صوْتَه، ثمّ دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً، ثمَّ قال: اللهمَّ عليك بقريش (٨) ثلاث مرّات، فلمَّا سمعوا صوْتَه ذهبَ عنْهُمُ الضّحك، وخافوا دعْوَتَه (٩)، ثمّ قال: اللهمَّ عليك بأبي جهل بن هشام (١٠)، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأميّة بن خلف، وعقبة بن أبي معيط ـ وذكر السّابع ولم أحْفظه ـ فوالّذي بعث محمّداً بالحقّ لقد رأيتُهم صرْعى يوم بدر، ثمّ سُحبوا إلى القليب قليب بدر " (١١).

стр. 59

وقد يسأل سائل: كيف دعا عليهم النَّبيُّ ـ ﷺ ـ وقد أُمِرَ بالصَّبر على الأذى، ثمّ إنّه قد آذاه غيرهم بأكثر من هذا فصبر، وحلمه ـ ﷺ ـ عمّن آذاه قد ذاع واشتهر؟! والجواب، أنّ الحديث يؤخذ منه حلمه ـ ﷺ ـ عمّن آذاه، فلم يَدْعُ النَّبيُّ ـ ﷺ ـ قبل ذلك على أحد منهم، وإنّما صبر وغفر. والظّاهر أنّ هؤلاء النّفر كانوا ممّن لم تُرجَ إجابتهم وقبولهم للإسلام وتوبتهم ممّا هم عليه، فقد يكون النَّبيُّ ـ ﷺ ـ قد اطّلع على أنّهم لا يؤمنون، وقد آذوه واستهزؤوا به حال صلاته وسجوده بين يدي ربّه، فاستحقّوا دعاءه عليهم، ولم يزد على ذلك ـ ﷺ ـ.

стр. 60

القسم الثّالث المبحث الأوّل شبهات المرجفين: دوافعها ودفعها ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ... (٧)﴾ [آل عمران] لِمَ يؤذون النّبيّ ﷺ -؟! قد يسأل سائل: لمَ يؤذون النَّبيَّ ﷺ ؟! ولماذا هذه الشُّبهات حول الإسلام واتِّساعها في هذا العصر؟! والجواب جليّ وواضح، فهم يؤذون النَّبيَّ ﷺ كرهاً لهذا الدّين القويم، ولهم في ذلك سلفٌ: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص]. فهم ينقمون لأنّهم دعوا مع الله شركاء، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ... (٥٩)﴾ [المائدة]. كذلك هم يحسدوننا على هذا الدّين الحقّ، ولهم في ذلك سلف وخلف، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ... (١٠٩)﴾ [البقرة] وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ... (٨٩)﴾ [النّساء]. أمّا أهل الشّهوات فينقمون لأنّ هذا الدّين يحول بينهم وبين ما يشتهون، فالقرآن يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء] ويقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)

стр. 61

وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ... (٣١)﴾ [النّور]. ويقول: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف] ويقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ... (٢٧٥)﴾ [البقرة] ويقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ... (٣٨)﴾ [المائدة] ويقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ... (١١٠)﴾ [البقرة]. فضلاً عن أنّهم يريدون أن يكون النّاسُ كلُّهم مثلهم في ميلهم إلى الباطل، قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ [النّساء]. وبالجملة فإنّ منشأ هذا الأذى ينبعُ من كرههم للحقّ الّذي جاء به ﷺ ، وقد قال ورقة للنَّبيِّ ﷺ يوماً: " لم يأْتِ رجل بما جئت به إلا أوذي " (١). أمّا سبب إثارة الشُّبهات وتفشِّيها في هذا العصر، فذلك لسرعة انتشار الإسلام شرقاً وغرباً، وعَجْز أعداء الإسلام عن منعه من فتح القلوب والعقول ... وسنعرض في هذا القسم أبرز الشّبهات السّقيمة والدّعاوى العليلة الّتي يحتجّون بها، وسنردّ عليها بإجمال وإيجاز، فلعلمائنا الأوائل في هذا الميدان عطاء ثَرٌّ يستحق أن يُطْلَب من مظانّه. وأنا والله، لا أدافع عن الإسلام؛ إذ ليس للإسلام سَوْءَةٌ أدافع عنها! ولكنّ الله شرع لنا الرَّد على الشّبهات، فالقرآن الكريم لم يُخْفِ هذه الشّبهات، وإنّما حدَّثنا عنها وكذّبها، يقول تعالى مخبراً عن قِيْل بعض المشركين: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... (١٠٣)﴾ [النّحل] فردّ الله

стр. 62

عليهم: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النّحل] والشَّواهد كثيرة وتقدّمت الإشارة إلى بعض منها، فقد أخبر القرآن عن قولهم عنه ﷺ أنّه كاهن، ساحر، شاعر ... وكيف ردّ الله عليهم. دعوى انتشار الإسلام بالسّيف ما انفكّ أقوام عن إثارة الشّبهات حول الإسلام، ليَسْتعْدُوا أعداءَ الله على دين الله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصّف]، ومن هذه الشّبهات دعوى انتشار الإسلام بالسّيف. ومن تدبّر القرآن الكريم علم أنّ الله تعالى قد أمر بالقتال لأغراض، منها: القتال لدفع الظّلم، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ أي للمؤمنين أن يُقَاتِلوا، وهذه أول آية نزلت في الجهاد ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي بسبب أنَّهم ﴿ظُلِمُوا﴾ لظلم الكافرين لهم والّذي دام قرابة ثلاثة عشر عاماً ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ وهم ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ... (٤٠)﴾ [الحج]. فهاتان الآيتان نزلتا بعد أن مكث النّبيُّ ﷺ وأصحابه ﵃ في مكّة ثلاث عشرة سنة ممنوعين من القتال مأمورين بالصّبر على أذى الكفّار، حتّى أذن لهم بالقتال بعد الهجرة لدفع الظّلم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ... (٧٧)﴾ [النّساء]. فالقرآن المكيّ خلا تماماً من الحضّ على القتال رغم الأذى الّذي لحق بالنَّبيِّ ﷺ وأصحابه ﵃، فكيف يُقال: الإسلام انتشر بالسّيف؟! هذه والله شبهة هالكة. ومن أغراض القتال: قتالُ مَنْ يقاتلُ المسلمين، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة].

стр. 63

ومنها: القتال لنصرة المستضعفين، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ... (٧٥)﴾ [النّساء]. ولا أعلم آية في كتاب الله تعالى تدعو المسلمين إلى قتال مَنْ خالَفَنا وإكراههم على الدّخول في ديننا، فالنَّبيُّ ﷺ لمّا دخل المدينة وفيها يهود بني قينقاع، ويهود بني النّضير، ويهود بني قريظة صالحهم على ما هم عليه وهادنهم ووادعهم وأقرّهم وأمّنهم على أموالهم، واشترط عليهم واشترط لهم. وعمر بن الخطّاب ﵁ لمّا تسلّم مفاتيح بيت المقدس كتب لأهلها كتاب أمان ومصالحة، عُرِفَ فيما بعد بالعهدة العمريَّة، وضرب عليهم الجزية، وأعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وكذلك فعل صلاح الدّين الأيّوبيّ. ولو أراد النّبيُّ ﷺ أن يُكْرِهَ أحداً على الدّخول في الإسلام لأكره أسرى بدر مثلاً، أو أكره كفّار قريش لمّا فتح مكّة، ومعلوم أنّه عفا عنهم ولم يُرِقْ دماً؛ ولذلك جاء العرب بعد فتح مكّة من أقطار الأرض ودخلوا طائعين في دين الله أفواجاً، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النّصر] وانظر إلى قوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ فالفاعل هنا وهو الضمير المتّصل العائد على النّاس قد أُسْنِد إلى الدّخول، أي أنّهم دخلوا طوعاً من أنفسهم، ولم يقُل الله تعالى: يُدْخَلون بصيغة المبني للمجهول الّذي لم يُسَمَّ فاعله. ثمّ كيف يُقال: الإسلام انتشر بالسّيف؛ وغزوة بدر، وأحد، والخندق ـ كبرى الغزوات في الإسلام ـ كلّها حدثت في المدينة المنورة؟! أليس هذا دليل على أنَّ المسلمين لم يخرجوا لقتال أحد وإنّما كانوا يدافعون عن أنفسهم! وقد وضّح الله ﵎ أنّ الإسلام لا يكره أحداً على الدّخول فيه، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ... (٢٥٦)﴾ [البقرة] وقال على لسان نبيّه: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ

стр. 64

وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون]. أمّا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ... (٢٩)﴾ [الكهف] فلا يُفْهَمُ منه أنّ الإسلام يبيح الرِّدَّة كما روّج البعض؛ فهذا الأسلوب ليس أسلوب اختيار، وإنّما هو أسلوب تهديد (١)، فقد خرج الأمْرُ عن معناه الأصليِّ للدلالة على معنى الوعيد والتّهديد، فالله تعالى جاء بصيغة الأمر في مقام عدم الرّضا منه بقيام المخاطب بفعل ما أمره به تخويفاً وتحذيراً له. وبلغ من حكمته ﷺ لمّا أراد تبليغ الرّسالة وأداء الأمانة للنَّاس كافّة أن بَعَثَ البْعوثَ ولم يبعث الجيوش، فأرسل الرّسل هنا وهناك يدعوهم إلى الإسلام. أخرج مسلم عن ابن عباس أنّ معاذاً قال: " بعثني رسول الله ﷺ قال: إنّك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أنْ لا إله إلا الله وأنّي رسول الله، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم، فإنْ هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتّقِ دعوة المظلوم؛ فإنّه ليس بينها وبين الله حجاب " (٢). كما كتب إلى الملوك داخل وخارج جزيرة العرب كتباً يدعوهم فيها إلى الإسلام دون أن يستلّ سيفاً، فكتب إلى هرقل ملك الرّوم، وكسرى ملك الفرس، والنجاشي ملك الحبشة، والمقوقس حاكم مصر، لكنّ حياة النّبيِّ ﷺ لم تطل بعد ذلك، فأصبح من واجب

стр. 65

الخلفاء تبليغ الرّسالة وليس فرضها على النّاس. لكنّ هؤلاء الأقوام أوصدوا الأبواب دونهم، وصَدُّوهم عن أداء الأمانة، وتبليغ الرّسالة كما فعل المشركون أوّل الأمر؛ فجاءت الفتوحات الإسلاميّة لدفع هؤلاء الّذين وقفوا في وجه الإسلام عملاً بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾ [الأنفال]. وهذه الآية الكريمة نزلت بأبي سفيان وأصحابه وقد سبقتها آيتان تتحدثان عن صدّ المشركين النّاس عن الدّخول في دين الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... (٣٤)﴾ [الأنفال] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ... (٣٦)﴾ [الأنفال] ثمّ جاءت الآية الكريمة والأمر بقتال هؤلاء الذين وقفوا في وجه الدّعوة. وقد يُحْمَل معنى الأمر في قوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ... (٣٩)﴾ [الأنفال] أنّ هذا الأمر جاء لمّا كان الإسلام قليلاً، ففي الصّحيح عن نافع أنّ رجلاً أتى ابن عمر، فقال: " يا أبا عبد الرّحمن، ما حملك على أن تحجّ عاماً وتعتمرَ عاماً وتتركَ الجهادَ في سبيل الله وقد علمتَ ما رغّبَ اللهُ فيه؟! قال: يا ابن أخي، بُنِيَ الإسلامُ على خمس (١): إيمانٍ بالله ورسوله، والصّلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزّكاة، وحجّ البيت. قال: يا أبا عبد الرّحمن، ألا تسمعُ ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ... (٩)﴾ [الحجرات] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ... (٣٩)﴾ [الأنفال] قال: فعلْنا على عهد

стр. 66

رسول الله وكان الإسلام قليلاً، فكان الرّجل يُفْتنُ في دينه، إمّا قتلوه، وإمّا يُعذّبوه حتّى كثُرَ الإسلام فلم تكنْ فتنةٌ " (١). وقد مكّن الله للمسلمين في الأرض لمّا علم صدق نيّاتهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج]. هذه هي الغاية من الفتوحات كما جاء في الآية: تبليغ الرّسالة، وأداء الأمانة، وإقامة الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وليس العُلوّ في الأرض، ولا أنّ الدّخول في دين الله واجب فرض. أمّا من يحتجّ بحديث النَّبيِّ ﷺ : " أُمِرْتُ أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزّكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّ الإسلام، وحسابهم على الله " (٢). فالمراد بالنَّاس في قوله ﷺ : " أمرت أن أقاتل النَّاس " أي المشركين؛ فهو من باب العام الذي أريد به الخاص، فهو خاص بكفَّار قريش من غير أهل الكتاب؛ ويؤيد هذا رواية النسائي بلفظ: " أُمِرْتُ أن أقاتل المشركين" فقد أخرج النّسائي بسند صحيح عن أنس بن مالك، عن النَّبيِّ ﷺ قال: " أُمِرْتُ أن أقاتل المشركين حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله ... " (٣). ثمّ إنّ النَّبيَّ ﷺ قال: " أُمِرتُ " ولم يقل: أمرْتُكم، أو أمرَكُم اللهُ! فإذا قال قائل: الحديث يحتمل غير هذا المعنى؟ قلنا: نعم، الحديث يحتمل غير هذا المعنى، ولكن هذا معنى

стр. 67

معتبر، فالأصل أنّ دم الآدميّ معصوم لا يُقْتل إلاّ بالحقّ، وليس القتلُ للكفر من الأمور الّتي اتَّفقت عليها الشّرائع. ونحن إذ نقول هذا الكلام لا نقوله لنسخ الجهاد، فنحن ندين بأن الجهاد فريضة، وأوجبه الله بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة] وآية القتال محكمة لا نسخ فيها، قال تعالى فيمن سقمت سريرتهم: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ... (٢٠)﴾ [محمّد] ولكن الجهاد له أحكامه، وأغراضه، وضوابطه، وأصوله المبيّنة في الشَّرع. أمّا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة] فإنّ الآية الكريمة تتحدَّثُ عن الجزية (١) الّتي فرضها الله تعالى على الذّميين وهي تقابل فرض الزّكاة على المسلمين، وعلى ذلك فالآية أصْلٌ في مشروعيّة الجزية، وتأمر المسلمين بمقاتلة مَنْ ينقضُ عهد الذّمة بالامتناع عن الجزيّة، لا بمقاتلة النّاس لإكراههم على الدّخول في دين الله. وقد يعترض علينا معترض فيقول: ولكنَّ النَّبيَّ ﷺ قاتل الرُّوم في مؤتة؟! فعلى أيّ شيء قاتلهم؟ والجواب أنّ النَّبيَّ ﷺ لم يقاتلهم ليحملهم على الدُّخول في الإسلام، وإنَّما قاتلهم لأنّهم قَتَلوا رسوله، فقد كان ﷺ قد بعث الصَّحابيّ الجليل الحارث بن عمير الأزدي اللهبي بكتابه

стр. 68

إلى عظيم بصرى، فلمَّا نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه، ثمَّ قدَّمه، فضرب عنقه ... ولو سلّمنا أنّ الإسلام انتشر في عهد النَّبيِّ ﷺ بالسّيف ـ والأمر ليس كذلك ـ فلماذا ينتشر الآن في أصقاع الأرض دون سيف؟! ولكن الحقيقة كما قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ... (٣٠)﴾ [الرّوم]. فالله خلق الإنسان قابلاً للإقرار بالله ومعرفته والإيمان به وتوحيده، قال تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ... (٣٠)﴾ [الرّوم] واللَّفظ ظاهِرُه النّفي والمراد النّهي، أي لا تبدّلوا خلْقَ الله، فالآية وإن كانت خبريّة لفظاً، فهي إنشائيّة معنى، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة] والمعنى: انتهوا. ثمّ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الرّوم]. ثمَّ إنَّ الإسلام لا يعتدُّ بإيمان من آمن كرهاً ولم يؤمن طوعاً، يقول تعالى مخبراً عن قيل فرعون حين أشفى على الهلاك وأيقن بالموت غرقاً: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس] فلم يقبل الله تعالى إيمانه، وقال: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس]. فمثل هذا الإيمان لا يقبله الله تعالى، ولذلك أخبر الله تعالى عن قوْمٍ مكذّبين آمنوا بعد نزول العذاب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾ [غافر] فلم يعتبر الله إيمانهم، وقال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ... (٨٥)﴾ [غافر]. دعوى النّهي عن كتابة الحديث، وأن لا كتاب مع كتاب الله ! قال رسول الله ﷺ : " لا تكتبوا عنّي ومن كتب عنّي غير القرآن فَلْيَمْحُهُ وحدِّثوا

стр. 69

عنّي ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النّار " (١). هذا من أشهر الأحاديث الّتي يعتلُّ بها أقوام في ردِّهم للحديث الشّريف، فالنَّبيُّ ﷺ ينهى أصحابه ﵃ عن كتابة الحديث، ويأمرهم بمحو ما كتبوه خشية أن يختلط بالقرآن. ونحن نعلم أنّ هذا الحديث صحيح وصريح، ولكن الّذين ذهبوا إلى أنّ ما كان عليه السّلف من عدم الكتابة أسلم، وأنّ ما هم عليه من عدم قبولهم للحديث أحكم؛ بنصّ حديث رسول الله ﷺ ، فهذا تأويلٌ غير سائغ، وقولٌ جمعَ به قائلُه بين الجهل بحديث النَّبيِّ ﷺ وبطريقة السّلف، والدّعوى بطريق الخلف. وأحاديث النّهي عن الكتابة منسوخة، فهناك أحاديث صريحة بجواز كتابة العلم غير القرآن، منها ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: " ... فقام رجلٌ من أهل اليمن يُقال له: أبو شاه، فقال: اكْتُبْ لي يا رسولَ الله، فقال رسول الله ﷺ : اكتبوا لأبي شاهٍ، ثمّ قام رجل من قريش، فقال: يا رسول الله، إلا الإذخِر (٢)، فإنّما نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله ﷺ : إلاّ الإذْخِر " (٣). ومثله حديث عليّ ﵁ قال: " والله ما عندنا من كتاب يُقرأ إلاّ كتابُ الله وما في هذه الصّحيفة ... " (٤). ومثله ما أخرجه البخاري عن وهب بن منبّه عن أخيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: " ما من أصحاب النَّبيِّ ﷺ أحدٌ أكثر حديثاً عنه منّي إلاّ ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنّه

стр. 70

كان يكتب ولا أكتب " (١). ومثله ما رواه الحاكم عن عبد الله بن عمرو، قال: " قالت لي قريش: تكتب عن رسول الله ﷺ ، وإنّما هو بشر يغضب كما يغضب البشر؟! فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إنّ قريشاً قالوا: كذا. فقال: والذي نفسي بيده ـ وأومى إلى شفتيه ـ ما يخرج ممّا بينهما إلّا حقّ؛ فاكتب " (٢). وقد ثبت أنّ النَّبيَّ ﷺ كتب إلى أهل الكتاب يعلّمهم الكتاب، ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنّ عبد الله بن مسعود ﵄ أخبره: " أنّ رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر، وقال: فإن تولَّيتَ فإنّ عليك إثم الأريسيّين " (٣). فالنّهي عن كتابة غير القرآن كان أوّل الأمر قبل اشتهار القرآن خَشْيَة اختلاطه واشتباهه، فلمّا اشتهر القرآن وأمنت تلك المفسدة، وزالت علّة الكراهة أذن الرّسول ﷺ في الكتابة. ولا ريب أنّ الكتاب قيد العلم، ومن لا كتابَ له يُخشى عليه الزّلل، فقد صحّت الرّواية عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه قال: " قيّدوا العلم بالكتاب" (٤) فالعلم صيد والكتابة قيده. وكيف يعيبون علينا الكتاب، وقد قال الله تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ... (٥٢)﴾ [طه]. ثمّ كيف يتأوّل القرآنَ ويتدبّره من كان جاهلاً بالسّنّة المبيِّنة للقرآن، الموضِّحة للحلال

стр. 71

والحرام؟! فالقرآن حمّال للمعاني وله ظاهر وباطن، ولا يعرف بالعقل كما يعرف بالنّقل، وعلم الحديث يُجلِّي الآيات. إذاً فهي دعوى يرمي أصحابها إلى تحريف الكلم عن مواضعه، وتأويل القرآن بما تهوى العقول وتشتهي الأنفس! وهذه الدّعوى أيضاً تحمل بين طياتها اعتراضاً على الله ورسوله؛ فقد بين الله تعالى حاجة النّاس إلى بيان النَّبيِّ ﷺ للقرآن وتوضيحه لهم، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النّحل]. فالنَّبيُّ ﷺ مُبيِّن ومفسِّر وموضّح لما أجمله القرآن الكريم، فالله تعالى أمرنا في كتابه بإقامة الصّلاة، وإيتاء الزّكاة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ... (١١٠)﴾ [البقرة]، وأمرنا بحجّ البيت، فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ... (٩٧)﴾ [آل عمران] لكنَّ القرآن لم يبين لنا عَدَدَ فرائض الصَّلاة، وكيفيتها، ومواقيتها، وشروطها، وفروضها، وسننها، كذلك لم يبين مقادير الزّكاة، ولا أحكام الحجّ، وأعماله، وإنّما بين ذلك كلّه النَّبيُّ ﷺ . ولذلك أثنى الله تعالى على نبيّه ﷺ ، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... (٥٣)﴾ [الشّورى] والهداية المثبتة ـ كما هو معلوم ـ هداية الدّلالة، والبيان، والتّفصيل، والتّفسير. فإذا لم نقبل هدي النَّبيِّ ﷺ وبيانه، وسنّته، وسنّة أصحابه، نقبلُ هَدْيَ مَنْ؟! كذلك السّنّة جاءت مبيّنة لما هو مُشْكِلٌ في القرآن الكريم، وجاءت مخصّصة لما ورد عاماً، ومقيّدة لما ورد مطلقاً، فضلاً عن أنّها أسّست أحكاماً جديدة لم ترد في كتاب الله تعالى، وليس الكتاب موضوعاً لبحث ذلك، وهذا كلّه مبسوط في كتب علم أصول الفقه وغيره من العلوم.

стр. 72

والخلاصة، ما جاء به النَّبيُّ ﷺ قرآناً كان أو حديثاً وحيٌ من الله تعالى، ومَنْ رَدَّ حديث رسول الله ﷺ بعد أن ثبتت صحّته فقد أوقع نفسه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النّساء]. فمن سمع مخلوقاً يردّ سنّة النَّبيِّ ﷺ ويشكّك فيها، أو يستهزئ بها، بعد أن أمرنا الله بالأخذ بها، فلا يقعد معه، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النّساء]. فإن قال قائلهم: لكنّ السّنّة لم تُحْفظ كما حُفِظ القرآن؟ فالجواب، أنّها دعوى باطلة، فطالما أنّ القرآن محفوظ فالسُّنَّة محفوظة بالتّبعيّة، لأنّ مِنْ حِفْظِ الله للقرآن حِفْظَ سنّة سيّد الأنام، فحفظ القرآن يقتضي حفظ السّنّة فهما مصدرا التّشريع. وهؤلاء إنّما يريدون أن يَبْخسوا جهودَ عُلمائنا، وما دوّنوا من كتب في أصول الحديث: علومه ومصطلحه، تلك العلوم الّتي أرسى قواعدها الصّحابة، وتابعهم التّابعون وأتباعهم فنقلوها من الصّدور إلى السّطور، وتشمل هذه العلوم: تَحمُّلَ الحديث وأداءه، وعلمَ تاريخ الرّواة، وعلم الجرح والتّعديل، وعلم غريب الحديث، وعلم مختلف الحديث ومشكله، وعلم ناسخ الحديث ومنسوخه، وعلم علل الحديث ... أمّا مَنْ يحتجُّ بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ... (٣٨)﴾ [الأنعام] وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء] وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النّحل] ويدّعي أنّ الأخذ بالقرآن وحده يغني؛ فالقرآن كامل وما فرّط الله فيه من شيء! ويتوهّم أنّ ما لم يأت

стр. 73

به القرآن ليس ديناً! فإذا كان ذلك كذلك؛ فلماذا لا يأخذ بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر] فهو في الحقيقة يخالف القرآن مُخالفتَهُ للسُّنَّة! ولذلك يقول النَّبيُّ ﷺ : " لا أُلفيَنّ أحدَكم متّكئاً على أريكته (١)، يأتيه أمرٌ ممّا أمَرتُ به، أو نهيتُ عنه، فيقول: لا أدري؛ ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه " (٢). ويقول النَّبيُّ ـ ﷺ ـ: "ألا إني أُوتيتُ الكتاب ومثله معه، ألا إنّي أُوتيتُ القرآن ومثله معه، ألا يوشِكُ رجل يَنْثَني شبعاناً على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه ... " (٣) ويقول النَّبيُّ ﷺ أيضاً: " فمن رغب عن سنّتي فليس منّي " (٤) أي من أعرض عن طريقتي وهي الحنيفيّة السّمحة غير معتقد لها، وأخذ بطريقة غيري فليس منّي. وليس في الحياة شيء تنازع النّاس فيه إلاّ وفي الكتاب والسُّنَّة هَدْيٌ له، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمه، وجَهِله من جَهِله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النّساء] والرَّدُّ إلى الله هو النّظر في كتابه، والرَّدُّ إلى الرّسول هو سؤاله في حياته، والنّظر في سنّته بعد وفاته. والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... (٢١)﴾ [الأحزاب]. ونحن نسأل: كيف يكون لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة إذا لم نتّبع سُنَّته؟!

стр. 74

بل نحن مأمورون باتّباع الرّسول والصّحابة أيضاً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النّساء] فالله تعالى لمّا توعّد من يخالف الرّسول ﷺ لم يقتصر وإنّما عطف عليه الصّحابة، وتوعّد من يخالف سبيلهم؛ فهم على هدى من ربّهم، قال تعالى في حقّهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ... (٩٠)﴾ [الأنعام]. ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... (٨٣)﴾ [النّساء] وأولو الأمر في الآية ذوو الرأي من كبار الصّحابة ﵃. ولذلك يقول النَّبيُّ ﷺ : " ... فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديين عضّوا عليها بالنّواجذ " (١). وإذا كان القرآن كالشّمس في ضحاها، فإنَّ سُنَّة النَّبيِّ ﷺ كالقمر إذا تلاها، وسنّة أصحابه ﵃ كالنّهار إذا جلاّها! وذلك أنّ الصّحابة رأوا النَّبيَّ ﷺ وسمعوا منه، وليس من رأى وسمع كمن لم ير ولم يسمع، فللصّحابة من الفهم عن رسول الله ﷺ ما ليس لأحدٍ ممّن جاء بعدهم، ولهم من العلم مكانة لا يستطيع أحد من الخلف مساواتهم فيها وهذا يوجب علينا الرّجوع إليهم قبل غيرهم في بيان القرآن والسّنّة. ومن هنا نفهمُ قوله ﷺ في تعيين الفرقة النّاجية " ما أنا عليه وأصحابي " (٢) ذلك أنّ الصّحابة كانوا على ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ من الهدى، فلم يكن للصّحابة من كتاب يتفقّهون به غير القرآن، ولا من كلام يتدارسونه غير كلام الله ورسوله ﷺ .

стр. 75

فالصّحابة ﵃ علّمهم أعْظَمُ معلِّم، وقرؤوا على يديه أعظم كتاب، وسمعوا منه أحسن الحديث. وكان ﷺ حريصاً على تعليمهم وهدايتهم كما قال تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التّوبة] بل كان حريصاً على هداية الكفّار، قال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ... (٣٧)﴾ [النّحل]. دعوى عدم الأخذ بالسُّنَّة لأنّ جلّها بالرأي لا بالوحي هذه دعوى باطلة يرمي أصحابها إلى تعطيل العمل بالسُّنَّة، ويبرّرون دعواهم بأحاديث أشهرها ما رواه مسلم عن أنس: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْم يُلقِّحون، فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ. قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قلت: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلمُ بأَمْر دُنْيَاكُمْ " (١). والجواب عن هذه المسألة يسير؛ فنصوص القرآن تشهد على حُجِّيَّة السُّنَّة، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ... (٨٠)﴾ [النّساء] وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر] وهذه النّصوص وغيرها تدلّ دلالة قطعية على حُجِّيَّة السُّنَّة. والسّنّة عندنا بمرتبة القرآن من حيث أنّها وحي، أمّا إذا كانت باجتهاد منه ﷺ فإنَّ الله لا يُقِرُّه على اجتهاد خطأ، فيأتيه الوحي بالإقرار أو بالتّصحيح، وعلى ذلك فالسّنّة مردّها إلى الوحي. وقد تقدّم قول النَّبيِّ ﷺ : " والذي نفسي بيده ما يخرج ممّا بينهما إلاّ حقّ " (٢) وما دام
следующие страницы →