والحرام؟! فالقرآن حمّال للمعاني وله ظاهر وباطن، ولا يعرف بالعقل كما يعرف بالنّقل، وعلم الحديث يُجلِّي الآيات.
إذاً فهي دعوى يرمي أصحابها إلى تحريف الكلم عن مواضعه، وتأويل القرآن بما تهوى العقول وتشتهي الأنفس!
وهذه الدّعوى أيضاً تحمل بين طياتها اعتراضاً على الله ورسوله؛ فقد بين الله تعالى حاجة النّاس إلى بيان النَّبيِّ ﷺ للقرآن وتوضيحه لهم، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النّحل].
فالنَّبيُّ ﷺ مُبيِّن ومفسِّر وموضّح لما أجمله القرآن الكريم، فالله تعالى أمرنا في كتابه بإقامة الصّلاة، وإيتاء الزّكاة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ... (١١٠)﴾ [البقرة]، وأمرنا بحجّ البيت، فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ... (٩٧)﴾ [آل عمران] لكنَّ القرآن لم يبين لنا عَدَدَ فرائض الصَّلاة، وكيفيتها، ومواقيتها، وشروطها، وفروضها، وسننها، كذلك لم يبين مقادير الزّكاة، ولا أحكام الحجّ، وأعماله، وإنّما بين ذلك كلّه النَّبيُّ ﷺ .
ولذلك أثنى الله تعالى على نبيّه ﷺ ، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... (٥٣)﴾ [الشّورى] والهداية المثبتة ـ كما هو معلوم ـ هداية الدّلالة، والبيان، والتّفصيل، والتّفسير. فإذا لم نقبل هدي النَّبيِّ ﷺ وبيانه، وسنّته، وسنّة أصحابه، نقبلُ هَدْيَ مَنْ؟!
كذلك السّنّة جاءت مبيّنة لما هو مُشْكِلٌ في القرآن الكريم، وجاءت مخصّصة لما ورد عاماً، ومقيّدة لما ورد مطلقاً، فضلاً عن أنّها أسّست أحكاماً جديدة لم ترد في كتاب الله تعالى، وليس الكتاب موضوعاً لبحث ذلك، وهذا كلّه مبسوط في كتب علم أصول الفقه وغيره من العلوم.
стр. 72
والخلاصة، ما جاء به النَّبيُّ ﷺ قرآناً كان أو حديثاً وحيٌ من الله تعالى، ومَنْ رَدَّ حديث رسول الله ﷺ بعد أن ثبتت صحّته فقد أوقع نفسه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النّساء].
فمن سمع مخلوقاً يردّ سنّة النَّبيِّ ﷺ ويشكّك فيها، أو يستهزئ بها، بعد أن أمرنا الله بالأخذ بها، فلا يقعد معه، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النّساء].
فإن قال قائلهم: لكنّ السّنّة لم تُحْفظ كما حُفِظ القرآن؟
فالجواب، أنّها دعوى باطلة، فطالما أنّ القرآن محفوظ فالسُّنَّة محفوظة بالتّبعيّة، لأنّ مِنْ حِفْظِ الله للقرآن حِفْظَ سنّة سيّد الأنام، فحفظ القرآن يقتضي حفظ السّنّة فهما مصدرا التّشريع. وهؤلاء إنّما يريدون أن يَبْخسوا جهودَ عُلمائنا، وما دوّنوا من كتب في أصول الحديث: علومه ومصطلحه، تلك العلوم الّتي أرسى قواعدها الصّحابة، وتابعهم التّابعون وأتباعهم فنقلوها من الصّدور إلى السّطور، وتشمل هذه العلوم: تَحمُّلَ الحديث وأداءه، وعلمَ تاريخ الرّواة، وعلم الجرح والتّعديل، وعلم غريب الحديث، وعلم مختلف الحديث ومشكله، وعلم ناسخ الحديث ومنسوخه، وعلم علل الحديث ...
أمّا مَنْ يحتجُّ بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ... (٣٨)﴾ [الأنعام] وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء] وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النّحل] ويدّعي أنّ الأخذ بالقرآن وحده يغني؛ فالقرآن كامل وما فرّط الله فيه من شيء! ويتوهّم أنّ ما لم يأت
стр. 73
به القرآن ليس ديناً! فإذا كان ذلك كذلك؛ فلماذا لا يأخذ بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر] فهو في الحقيقة يخالف القرآن مُخالفتَهُ للسُّنَّة!
ولذلك يقول النَّبيُّ ﷺ : " لا أُلفيَنّ أحدَكم متّكئاً على أريكته (١)، يأتيه أمرٌ ممّا أمَرتُ به، أو نهيتُ عنه، فيقول: لا أدري؛ ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه " (٢). ويقول النَّبيُّ ـ ﷺ ـ: "ألا إني أُوتيتُ الكتاب ومثله معه، ألا إنّي أُوتيتُ القرآن ومثله معه، ألا يوشِكُ رجل يَنْثَني شبعاناً على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموه ... " (٣) ويقول النَّبيُّ ﷺ أيضاً: " فمن رغب عن سنّتي فليس منّي " (٤) أي من أعرض عن طريقتي وهي الحنيفيّة السّمحة غير معتقد لها، وأخذ بطريقة غيري فليس منّي.
وليس في الحياة شيء تنازع النّاس فيه إلاّ وفي الكتاب والسُّنَّة هَدْيٌ له، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمه، وجَهِله من جَهِله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النّساء] والرَّدُّ إلى الله هو النّظر في كتابه، والرَّدُّ إلى الرّسول هو سؤاله في حياته، والنّظر في سنّته بعد وفاته.
والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... (٢١)﴾ [الأحزاب].
ونحن نسأل: كيف يكون لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة إذا لم نتّبع سُنَّته؟!
стр. 74
بل نحن مأمورون باتّباع الرّسول والصّحابة أيضاً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النّساء] فالله تعالى لمّا توعّد من يخالف الرّسول ﷺ لم يقتصر وإنّما عطف عليه الصّحابة، وتوعّد من يخالف سبيلهم؛ فهم على هدى من ربّهم، قال تعالى في حقّهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ... (٩٠)﴾ [الأنعام].
ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... (٨٣)﴾ [النّساء] وأولو الأمر في الآية ذوو الرأي من كبار الصّحابة ﵃.
ولذلك يقول النَّبيُّ ﷺ : " ... فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديين عضّوا عليها بالنّواجذ " (١).
وإذا كان القرآن كالشّمس في ضحاها، فإنَّ سُنَّة النَّبيِّ ﷺ كالقمر إذا تلاها، وسنّة أصحابه ﵃ كالنّهار إذا جلاّها! وذلك أنّ الصّحابة رأوا النَّبيَّ ﷺ وسمعوا منه، وليس من رأى وسمع كمن لم ير ولم يسمع، فللصّحابة من الفهم عن رسول الله ﷺ ما ليس لأحدٍ ممّن جاء بعدهم، ولهم من العلم مكانة لا يستطيع أحد من الخلف مساواتهم فيها وهذا يوجب علينا الرّجوع إليهم قبل غيرهم في بيان القرآن والسّنّة.
ومن هنا نفهمُ قوله ﷺ في تعيين الفرقة النّاجية " ما أنا عليه وأصحابي " (٢) ذلك أنّ الصّحابة كانوا على ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ من الهدى، فلم يكن للصّحابة من كتاب يتفقّهون به غير القرآن، ولا من كلام يتدارسونه غير كلام الله ورسوله ﷺ .
стр. 75
فالصّحابة ﵃ علّمهم أعْظَمُ معلِّم، وقرؤوا على يديه أعظم كتاب، وسمعوا منه أحسن الحديث. وكان ﷺ حريصاً على تعليمهم وهدايتهم كما قال تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التّوبة] بل كان حريصاً على هداية الكفّار، قال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ... (٣٧)﴾ [النّحل].
دعوى عدم الأخذ بالسُّنَّة لأنّ جلّها بالرأي لا بالوحي
هذه دعوى باطلة يرمي أصحابها إلى تعطيل العمل بالسُّنَّة، ويبرّرون دعواهم بأحاديث أشهرها ما رواه مسلم عن أنس: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْم يُلقِّحون، فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ. قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قلت: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلمُ بأَمْر دُنْيَاكُمْ " (١).
والجواب عن هذه المسألة يسير؛ فنصوص القرآن تشهد على حُجِّيَّة السُّنَّة، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ... (٨٠)﴾ [النّساء] وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر] وهذه النّصوص وغيرها تدلّ دلالة قطعية على حُجِّيَّة السُّنَّة.
والسّنّة عندنا بمرتبة القرآن من حيث أنّها وحي، أمّا إذا كانت باجتهاد منه ﷺ فإنَّ الله لا يُقِرُّه على اجتهاد خطأ، فيأتيه الوحي بالإقرار أو بالتّصحيح، وعلى ذلك فالسّنّة مردّها إلى الوحي.
وقد تقدّم قول النَّبيِّ ﷺ : " والذي نفسي بيده ما يخرج ممّا بينهما إلاّ حقّ " (٢) وما دام
стр. 76
أنّ النَّبيَّ ﷺ لا يخرج من فمه إلاّ الحقّ، فهذا دليل على أنّه معصوم، وما خرج من فمه من القرآن فهو وحي متلوّ، وما خرج من فمه سوى ذلك فهو وحي مَرْويٌّ. وقد دلّت الآيات أيضاً على أنّ السّنّة وحي، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ... (١١٣)﴾ [النّساء] والحكمة يحمل معناها على السّنّة المبيّنة لأحكام الله تعالى.
والّذين يبغضون سنّة النَّبيِّ ﷺ الدّالّة على عوارهم لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر] والّذين يُعرِضون عنها لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿و إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إلى الكتاب والسّنّة ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾ [النّور] وليعلم هؤلاء أنّهم قد خانوا الله بتعطيل أمره، وخانوا الرّسول بتعطيل سنّته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال].
بل كان الواجب عليهم أن يصغوا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النّور] وأن يسمعوا قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي طاعة معروفة للنَّبيِّ ﷺ خير من قَسَمِكُم الّذي لا تصدقون به ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النّور].
وعلى هذا يخطئ مَنْ يظنّ أنّ السّنّة ليست وحياً كلّها، وأنّه غير ملزم بها؛ فإجماع المسلمين على أنَّ كلّ ما ورد عن النَّبيِّ ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وكان المقصود به التّشريع والاقتداء، ونُقِل إلينا بسند صحيح؛ فهو حجّة على كلّ من يقول لا إله إلاّ الله وأنّ
стр. 77
محمّداً رسول الله!
أمّا الحديث الّذي رواه مسلم، فالنَّبيُّ ﷺ يتحدّث عن أمر مباح من أمور الدّنيا ومعايشها وهو أبار (تلقيح) النّخل، وهو نصّ على وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره من معايش الدّنيا على سبيل الرأي. أمّا ما قاله ﷺ باجتهاده، ودلّ دليل على أنّ المقصود من فعله الاقتداء به كان تشريعاً يجبُ الأخذ به.
وهناك منْ يحمل على الإمام مسلم، وينكر هذا الحديثَ الصّحيح الّذي رواه، ويقول: إنّ تلقيح النّخل لا يجهله النَّبيُّ ﷺ ...
وغرضه من ذلك التّعريض بالشّيخين، والنّيل من أصحّ الكتب بعد كتاب الله تعالى!
هذا، وخير من تلقّى السّنّة عن النَّبيِّ ﷺ أصحابه ﵃ واجباً كان أو مندوباً، قال حذيفة ﵁: " حدّثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيتُ أحدَهُما، وأنا أنتظر الآخر، حدّثنا: أنّ الأمانة نزلت في جذور قُلُوب الرّجال، ثمّ عَلِموا من القرآن، ثمّ علموا من السّنّة ... " (١).
مثل الّذين حمّلوا هدي النَّبيِّ ﷺ ثمّ لم يحملوه كمثل قيعان !
ضَرَبَ النّبيُّ ﷺ لما بُعِثَ به من الهدى والعلم مثلاً بالغيث أصاب أرضاً في حال حاجتها، وكذا كان حال النّاس قبل مبعثه، وأنّ هذه الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك النّاس، قال ﷺ :
" إنّ مَثَلَ ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها: طائفةٌ طيّبةٌ قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله بها النّاس، فشربوا منها، ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنّما هي قيعان، لا تمسك ماءً، ولا تُنْبتُ كلأ، فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دين الله، ونَفَعَهُ بما بعثني الله
стр. 78
به فعَلِمَ وعلّمَ، ومثل من لم يرفعْ بذلك رأساً، ولم يقبلْ هُدى الله الّذي أرسلت به " (١).
فَمنَ النَّاس من انتفع بهدي النَّبيِّ ﷺ فَعَلِمَ وعَمِلَ وعلّمَ، فهو بمنزلة الأرض الطّيّبة الّتي قبلت الماء فانتفعت به، وأنبتت فنفعت غيرها.
ومنهم من جمع هديه ﷺ لكنّه لم ينتفع به لنفسه، وإنّما أدَّاه لغيره، فهو بمنزلة الأرض الّتي يستقرّ فيها الماء ولا تنتفع به، وإنّما ينتفع النّاس به.
ومنهم من سمع بهديه ﷺ لكنّه لم يحفظه، ولم يعمل به، ولم ينقله لغيره، فمثله كمثل أرض أصابها غيث، لكنها قيعان صمّاء لا تمسك ماء ولا تنبتُ كلأ، وهذه الطّائفة مذمومة.
دعوى أنّ الأنبياء ارتكبوا ما يخالف عصمتهم !
حفظ الله تعالى رُسُلَه من مخالفة أوامره، كما حفظهم من الوقوع في نواهيه، ولذلك أمر بالاقتداء بهم، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... (٦)﴾ [الممتحنة] وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ... (٩٠)﴾ [الأنعام].
ولذلك فإنَّ أمرَ الله تعالى باتِّباع رسله في اعتقاداتهم، وأفعالهم، وأقوالهم، وأخلاقهم، يُثْبتُ أنّهم منزَّهون عن السيِّئات، معصومون من الصغائر كعصمتهم من الكبائر ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ... (١٦١)﴾ [آل عمران]، ويستوجب أنهم لا يتَّصفون إلا بالأخلاق العظيمة التي تجعل منهم أسوة حسنة، وقدوة طيبة.
فالله تعالى هو الذي علّمهم فأحسن تعليمهم، وأدّبهم فأحسن تأديبهم؛ وجعلهم مثلاً أعلى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء] نعم كانوا أئمة في التقوى يأتمّون بمن
стр. 79
كان قبلهم، ويأتمّ بهم من بعدهم. كما شهد الله تعالى لخاتم النَّبيِّين بالعصمة، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... ... (٢١)﴾ [الأحزاب].
وقد ورد في كتاب الله ما يوهم ظاهره بأن للأنبياء ذنوباً وأخطاء تتنافى مع عصمتهم، وعُذْرُ مَنْ توهّم ذلك أخْذُه بظاهر القرآن.
ومن أمثلة ما ورد، قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه] فظاهر الآية الكريمة أنّ آدم ﵇ عصى الله وغوى، وظاهر الآية غير مراد.
فمعصية آدم ﵇ التي أشار إليها القرآن كانت نسياناً، فقد نسيَ عَهْدَ الله، فأكل من الشجرة ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه] فعُذْرُ آدم النّسيان وعدم العزم، والله تعالى لا يؤاخذ على الخطأ والنسيان وإنَّما على ما تعمّدت القلوب، ويشهد لذلك قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ... (٢٨٦)﴾ [البقرة] وقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ... (٥)﴾ [الأحزاب] وإنما اعتبر الله ﵎ نسيان آدم ﵇ عصياناً بالنَّظر لمقام آدم الرفيع المحمود، فحسنات الأبرار سيئات المقربين كما يقولون.
وزيادة على ذلك فهذا النِّسيان وقع منه قبل النُّبوَّة؛ فالله تعالى ذكر أنّ الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه].
ثمّ انظر إلى قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ فتوبة الله تعالى على عبده تجعل ما ارتكبه له لا عليه، فالله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ ... (٢٧٥)﴾ [البقرة] (١)، وقوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي السّالف من ذنبه لا يكون عليه إنّما هو له، ومن درس (علم
стр. 80
المعاني) لا يخفى عليه هذا المعنى الدّقيق، فالآية الكريمة كأنّ ألفاظَها قَوالبٌ لمعانيها، وهو ما يعرف في علم المعاني بالمساواة.
وهناك من يتوهّم أنّ آدم ﵇ غير معصوم بدليل أنّ الله تعالى نسب الشّرك إليه وإلى حواء على السّواء في قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف].
ولو أنّ هذا المتوهّم درس علوم القرآن لانحلَّ عنده هذا الإشكال، وانْجَلتْ له هذه المعضلة؛ فهذا من الموصول لفظاً المفصول معنى، قال تعالى في آدم وحوّاء: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف].
والنَّاظرُ في الآيتين يعرف أنّ آخر ما ورد عن خبر آدم وحواء وما آتاهما الله من ولد صالح قوله تعالى: ﴿فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ويوضّح ذلك عودة ضمير التّثنية إليهما، وتغيّر الضّمير إلى الجمع بعد ذلك؛ فلم يقل الله: عمّا يشركان! فالكلام قد يتّصل بما قبله حتّى يكون كأنّه قَوْلٌ واحدٌ وهو قولان.
ولذلك فإنّ قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ [الأعراف] من الموصول المفصول، فقد جاء موصولاً في اللفظ لكنّه مفصول في المعنى، فالآية عن أهل مكّة، والمعنى فتعالى الله عمّا يشرك به أهل مكّة من الأصنام، والجملة مسببة، عطفٌ على قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وما بينهما اعتراض.
ومن أمثلة ما ورد قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ
стр. 81
فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ [الأنعام] فظاهر الآيات يوهم بأنّ إبراهيم ﵇ عبد كوكباً حتّى غاب، وعبد القمر حتّى غاب، وعبد الشّمس حتّى غابت، وإلى هذا المعنى ذهب بعض المفسّرين.
ومنهم من قال: " وإبراهيم تبدأ قصّته فتى ينظر في السّماء فيرى نجماً، فيظنّه إلهه، فإذا أفلَ قال: لا أحبّ الآفلين. ثمّ ينظر مرّة أخرى فيرى القمر، فيظنّه ربّه؛ ولكنّه يأفل كذلك، فيتركه ويمضي. ثمّ ينظر إلى الشّمس فيعجبه كبرها، ويظنّها ـ ولا شكّ ـ إلهاً! " (١).
وهذا الكلام في حقّ إبراهيم ﵇ لا يُرْتَضَى، ولعلّ عذر القائل ﵀ أنّه نقل هذا المعنى عن بعض المفسِّرين الّذين أخذوا قول إبراهيم ﵇ على ظاهره، وذهبوا إلى أنّ إبراهيم إنّما قال ذلك في طفولته، وأنّه كان حيران، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ... (٧٧)﴾ [الأنعام] قالوا: وهذا يدلّ على نوع من الحيرة. قلت: وهذا كلّه يؤكّد الحاجة إلى تحقيق كتب التّراث وتخليصها ممّا علق بها من الأقوال المغلوطة، والآراء المرجوحة.
ويدلك على شذوذ هذا التّفسير أنّ الله قال في حقّ إبراهيم ﵇ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)﴾ [الأنبياء] فالأنبياء معصومون عن الذّنوب قبل النُّبوَّة وبعدها، وقد بيّنا ذلك فيما تقدّم بما يغني عن إعادته.
وأيّ ذنب أعظم من قول إبراهيم إنْ أُخِذَ على ظاهره! والصّحيح ما عليه الجمهور من أنّ هذا القول كان في مقام المناظرة لقومه استدراجاً لهم ليقيم عليهم الحجّة، ومن باب مجاراة الخصم ليلزمه الحقّ، ويؤيّد هذا قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ... (٨٠)﴾ [الأنعام] وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ... (٨٣)﴾ [الأنعام].
والآيات في صدر القصّة تدلّ على أنّ إبراهيم لم يقل ذلك أيّام طفولته، وأنّه كان يوقن
стр. 82
بوحدانيّة الله، لكنّه استدرجهم ليظْهَرَ عليهم بالحجّة؛ فيحملهم على التَّبرُّؤ من الأصنام والأجرام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ... (٧٦)﴾ [الأنعام].
أمّا قول إبراهيم ﵇: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾ [الأنعام] فإنّما قاله لغرض بلاغيّ، وهو التّعريض بضلال قومه، وأنّهم ليسوا على الهدى، وليس الأمر كما قالوا من أنّه كان حيران.
ومن تدبّر الآيات التي يوهم ظاهرها أنّ الأنبياء ارتكبوا ما يخالف عصمتهم عرف الحقّ كما عرف السّواد من البياض. فمنصِبُ النُّبوَّة يجلُّ عن الوقوع في الذّنب، وعن مخالفة الله عامداً متعمداً، ولو جاز ذلك منهم لم يلزمنا الاقتداء بهم!
ولذلك فإنّ الله تعالى يقول لنبيّه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف] ولا يخفى أنّ الآية الكريمة زاد معناها على لفظها، وهو ما يعرف بإيجاز القِصَر، وهو أعلى طبقات الإيجاز مكاناً، وأصعبها على البلاغيين إمكاناً؛ فقد جمعت الآية الكريمة تحت ألفاظها القليلة من المعاني الغزيرة ومكارم الأخلاق ما أعجز البلغاء، فالآية جمعت مكارم الأخلاق كلّها؛ لأنَّ في العفو صِلَةَ من قطعه، والعفو عمّن ظلمه، وإعطاء من منعه. وفي الأمر بالمعروف تقوى الله وصلة الرّحم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطّرف عن الحرمات والتَّبرُّؤ من كلّ قبيح، لأنّه لا يجوز أن يأمر بالمعروف وهو يلابس شيئاً من المنكر، وفي الإعراض عن الجاهلين الصّبر والحلم والأناة وتنزيه النّفس عن مقابلة السّفيه بما يفسد الدّين، وهذا كلُّه يؤكّدُ عِصْمَةَ الرَّسولِ ﷺ .
وسنقتصر الحديث على الآثار التي وردت في حقّ خاتم الأنبياء والمرسلين محمَّد ﷺ فقد أمر الله باتّباعه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ... ... (٣١)﴾ [آل عمران] فإذا تقررّ أنّ الله تعالى أمر بالاقتداء به ﷺ استحال أن يرتكب ما يخالف عصمته.
стр. 83
بل هو معصوم قبل البعثة، وفي الحديث عن عليّ ﵁ قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ... فوالله ما هَمَمْتُ بعدها أبداً بسوء ممّا يعمل أهل الجاهليّة حتّى أكرمني الله تعالى بنبوّته " (١).
قولهم: إذا لم يكن للنَّبيِّ ﷺ ذنب، فماذا غفر الله له؟!
أعطى الله تعالى لنبيّه محمّد ﷺ أمَاناً فعاش ﷺ آمناً مطْمَئنّ النّفس، قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ [الشّرح] وهذه الآية الكريمة الّتي تبيّن مقام النَّبيِّ ﷺ المحمود عند الله تعالى، أشكل فهمها على البعض وظنّ أنّ للنَّبيِّ ﷺ أوزاراً وذنوباً حطّها الله عنه.
ومن الآيات التي يوهم ظاهرها أنّ للرسول ذنوباً وأشكل فهمها عليهم واحتجّوا بها، قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ... (٢)﴾ [الفتح].
وقد رأيت من يخوض في هذه الآية الكريمة ونظائرها بغير سلطان، فتذكرت قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ... (٦٨)﴾ [الأنعام] وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ [الأنعام] وخلاصة احتجاجهم قولهم: إذا لم يكن للنَّبيِّ ﷺ ذنب، فماذا غفر الله تعالى له؟ وبأيّ شيء امتنّ عليه في ذلك؟
والجواب، أنّ قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ... (٢)﴾ [الفتح] يُسْتَدَلُّ به على عصمة النَّبيِّ ﷺ عن المعاصي، أمّا من أشكل عليه فهم الآية، وتوهّم أن الغفران يستوجب وقوع الذّنب منه ﷺ ، فالجواب أنّ غفران ما تقدّم هو العفْوُ
стр. 84
عنه لما كان قبل النُّبوَّة، وغفران ما تأخّر عصمته وحمايته من الوقوع بالذّنب بعد النُّبوَّة. والآية فيها تنزيه للرسول ﷺ من الذّنوب، وَوَعْدٌ له من الله أنّه مغفور له غير مؤاخذ بذنب لو كان، ولا يلزم من ذلك وقوع الرسول ﷺ في ذَنْب.
وهذه الآية نزلت على النَّبيِّ ﷺ مرجعه من الحديبية، وكانت أحَبَّ إلى قلبه من الدّنيا وما فيها، أخرج أحمد بسند صحيح عن أنس، قال:
" نزلت على النَّبيِّ ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ... (٢)﴾ [الفتح] مَرْجِعهُ من الحديبية، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة، فقال: نزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها جميعاً، قال: فلمّا تلاها نبيّ الله ﷺ ، قال رجل من القوم: هنيئاً مريئاً قد بيّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله الآية الّتي بعدها ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ [الفتح] " (١).
وللآية الكريمة نظائر في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ... (٥٥)﴾ [غافر].
قلت: وليحذر من يجادل في آيات الله بلا برهان أتاه؛ فالله تعالى قال في الآية بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر] وقال بعد الآية الثالثة من السُّورة نفسها بصيغة الحصر: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ [غافر].
стр. 85
والآية ونظائرها، مثل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ... (١٩)﴾ [محمّد]، لها تأويل يعرفه الرّاسخون في العلم، فأَمْرُ الله لنبيّه بطلب المغفرة المراد منه تعليم الأمة ذلك؛ لحضّها على التّوبة، وطلب الاستغفار، والاستكثار منه. ولذلك قال النَّبيُّ ﷺ : " يا أيّها النّاس، توبوا إلى الله فإنّي أتوب في اليوم مائة مرّة " (١).
كما أنّ أَمرَ النَّبيِّ ﷺ الناس بالتَّوبة، موافق لقوله تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ... (٣١)﴾ [النّور] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ... (٨)﴾ [التّحريم].
وفي صحيح الإمام مسلم حديث فيه إشارة لسبب استغفار النَّبيّ ﷺ فقد روى عن الأغرّ المُزنيّ ـ وكان له صحبة ـ أنّ رسول الله ﷺ قال: " إنّه ليُغَانُ على قلبي، وإنّي لأستغفر الله في اليوم مائة مرّة " (٢).
وقد بيّن العلماء سبب استغفاره ـ ﷺ ، وخلاصة أقوالهم: أنّه كان يُغَان على قلبه ﷺ بمعنى يغطّى عليه، والمراد ما كان يتغشّى قلبه ﷺ من غفلات الذّكر من غير عمد، وهَمٌّ يعتريه رحمةً بأمّته لما أُطلع عليه من أحوالها بعده، فيستغفر الله افتقاراً إليه، وإعظاماً له، وإظهاراً لشكره.
واستغفاره ﷺ موافق لقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النّصر] وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ [النساء] فالنَّبيُّ ﷺ مأمور بالتَّوبة، والاستغفار، والتَّسبيح، والدّعاء ... ؛ لنقتديَ به، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
стр. 86
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب].
كذلك النَّبيُّ ﷺ يعلّمنا الاعتراف بالتّقصير، ولو كانت صالحُ أعمالنا كالجبال، فهذا أبو بكر الصّدّيق ﵁ يأتي ذات يوم النَّبيَّ ﷺ ويطلب منه أن يعلّمه دعاء يدعو به في صلاته، فيعلّمه النَّبيُّ ﷺ دعاء يظهر فيه الافتقار إلى الله!
أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو أنّ أبا بكر الصّديق ﵁ قال للنَّبيِّ ﷺ : " يا رسول الله علّمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللّهمّ إنّي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذّنوب إلاّ أنت، فاغفر لي من عندك مغفرة إنّك أنت الغفور الرّحيم " (١) والمسألة فيها أقوال أُخَر يضيق المقام عن ذكرها، وحسبنا ما اقتصرنا عليه منها.
ومنهم من يتعلّق بدعاء النَّبيِّ ﷺ الّذي رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري: " اللّهمّ اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منّي، اللّهمّ اغفر لي جِدّي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكلّ ذلك عندي. اللّهمّ اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسْرَرْتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منّي، أنت المقدّمُ، وأنت المؤخّر، وأنت على كلّ شيء قدير " (٢).
ويظنّ هذا المتعلّق أنّ هذا الحديث قاصمة الظّهر؛ فالحديث صحيح، والنّص صريح، فالنَّبيُّ ﷺ يقول: " وكلّ ذلك عندي "؟! أي أنّه متَّصِفٌ بهذه الأشياء، ويطلب غفرانها.
ولا يخفى أنّ النَّبيَّ ﷺ قال هذا الدُّعاء وغيره تواضعاً واستجابة لأمر الله وتعليماً لأمّته؛ لأنّ الله تعالى أمِر بالدّعاء، وعدَّ الأخذَ به عبادة، وتركَهُ استكباراً، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
стр. 87
(٦٠)﴾ [غافر] وكلّ من له عِلْمٌ بفضل التّهليل والتّسبيح والدّعاء يقول مثل هذا الدّعاء وأكثر منه.
وكان النَّبيُّ ﷺ يعدّ فوات الكمال في الأعمال ذنباً، وهذا أيضاً دأب الصّالحين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون] أي يخافون ألاّ يتقبّل الله منهم؛ يشعرون أنّهم لم يؤدُّوا العبادة على الوجه الّذي ينبغي، وأنّهم مقصّرون في حقّ الله، وهذا الشّعور يحملهم على الزّيادة في الطّاعات، والإنابة إلى الله والتّضرع إليه، وإظهار شكره، فالمؤمن يدين نفسه ويتّهمها، ولا يغترّ بعبادته.
وهذه عائشة ﵂ تذكر: " أنّ نبيّ الله ﷺ كان يقوم من اللّيل حتّى تتفطّر قدماه، فقالت عائشة: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً " (١) فدلّ ذلك على أنّ غفران ما تقدّم وما تأخّر نعمة من الله، وأن شكر الله على نعمه يكون بالعمل كفعل النَّبيِّ ﷺ ، وقد دلّ القرآن على ما دلّت عليه السّنّة، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ... (١٣)﴾ [سبأ] وقال بعد ذلك: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ].
قولهم: صلاة الله وملائكته والمؤمنين على النَّبيِّ ﷺ دليل حاجة
قال الجهلاء: صلاة الله وملائكته والمؤمنين على النَّبيّ ﷺ ، وطلبه من أمَّته الدّعاء له وأن يسألوا له الوسيلةَ دليلُ حاجته إلى الشَّفاعة؟! وهذا كلّه يؤكّد وقوعه في ذنوب تنافي عصمته؟!
والجواب، أنّ الصَّلاة والسّلام على رسول الله ﷺ انقياد لأمر الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب] فالله تعالى هو الّذي أمرنا أنّ نصلِّي عليه ﷺ ؛ توقيراً له، وإظهاراً لشرفه، وإعلاء
стр. 88
لقدره، وعرفاناً بفضله، وتعبيراً عن محبَّتنا له، وذلك من علامات صدق الإيمان.
وقد جاءت الآية مؤكّدة للصّلاة بمؤكِّدات سبعة: إنَّ والجملة الاسميَّة، وصلاة الله، وصلاة ملائكته، وصلاة الّذين آمنوا، والإخبار، والنِّداء، والأمر. كما أَكَّدَتْ السَّلامَ بالمصدر، وهذا فيه دلالة واضحة على وجوب امتثال أمر الله بالصَّلاة والسَّلام على نبيِّه محمَّد ﷺ الّذي بَلَغَ العلى بعصمته وكمال رسالته، فلم تعد البشريَّة بحاجة إلى الرُّسل والرِّسالات من بعده!
وليس صلاتنا عليه ﷺ شفاعة له، ومن أين لمثلنا أن يشفع لمثله ﷺ ! وإنّما المراد بالصّلاة على النَّبيِّ ﷺ من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن المؤمنين دعاء.
والمؤمن إذا صلّى على نبيّه ﷺ عاد ذلك عليه بالرّحمة، فإذا سأل لنبيّه ﷺ الوسيلة حلَّت له الشَّفاعة، روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّه سمع النَّبيّ ﷺ يقول: " إذا سمعتم المؤذّن، فقولوا مثل ما يقول، ثمَّ صلّوا عليَّ؛ فإنَّه من صلَّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه بها عشراً، ثمَّ سَلُوا الله لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنَّة لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشَّفاعة " (١).
فالنَّبيُّ ﷺ خير شافع، وأوّل شافع، وأوّل مشفّع، وقد أغناه الله تعالى بفضله عمَّن سواه، أخرج مسلم عن أبي هريرة، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : " أنا سيّدُ ولد آدم يوم القيامة، وأوّل من ينشقُّ عنه القبرُ، وأوّل شافع، وأوَّل مشفّع " (٢).
قولهم: هل شَكَّ النَّبيُّ ﷺ في حقيقة ما قصّ الله عليه ؟
قالوا: وهل شكَّ النّبيُّ ﷺ في حقيقة ما قصّ الله عليه في هذا الكتاب، حتّى ينهاه الله تعالى عن أن يكون من الممترين؟! فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ
стр. 89
الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ [يونس].
والجواب أنّ النّبيَّ ﷺ لم يشكّ ولم يسأل، والخطاب وإن كان موجهاً للنَّبيِّ ﷺ فإنّ المراد به غيره، وهو أسلوب معروف من أساليب الخطاب وله شواهد، ومَنْ دَرَسَ علوم القرآن عرف ذلك.
قولهم: تَرَكَ النَّبيُّ ﷺ الأولى والأفضل فعاتبه ربُّه ـ
وخلاصة احتجاجهم أنّ النَّبيَّ ﷺ عاتبه الله تعالى على قبوله الفداء من أسرى بدر، وعاتبه على قبوله أعذار المتخلّفين عن غزوة تبوك، كما عاتبه على إخفاء أمر زواجه من زينب ﵂، وعلى انشغاله عن ابن أمّ مكتوم الأعمى بدعوة كبار المشركين؟!
وهذه المسائل الّتي يثيرونها للاستدلال على عدم عصمة النَّبيِّ ﷺ ليست شيئاً؛ فما نُسِب للنَّبيِّ ﷺ من ترك الأولى والأفضل، ليس فيه شيء من إثبات الذّنب والمعصية، فالنَّبيُّ ﷺ معصوم من الذّنوب جميعاً قبل النُّبوَّة وبعدها على التّحقيق.
وما وقع به النَّبيُّ ﷺ عن سهو أو تأويل، لا يتعدّى كونه أُمُورٌ هَيِّنات لتؤكِّد بشَريَّته أمام الخلائق، فبعض المسائل كان أمرها متروكاً لاجتهاد الرّسول ﷺ بالرّأي؛ لأنه لم يُوحَ إليه فيها بشيء، فكان اجتهاده ـ المأذون به شرعاً ـ يؤدّي به إلى الحسن متعدّياً الأحسن، وإلى الفاضل تاركاً الأفضل، فيرشده الله بعد ذلك إلى ما هو أولى وأتمّ وأكمل. وهذه المسائل في حقّ غيره ليست بذنب، وإنما عُوتِبَ عليها النَّبيُّ ﷺ كما أجاب علماؤنا بالنَّظر لقدر منزلته ﷺ من معرفة الله تعالى.
أمّا اجتهاده في أسرى بدر، فبعد أن استشار أصحابه، مَالَ إلى رأي أبي بكر ﵁ وقبل الفداء منهم، فنزل قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال] وهذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ... (٤)﴾ [محمّد].
стр. 90
أي لولا حُكْمٌ من الله سبق بإحلال ذلك لكم، لأصابكم في أخذ الفداء من الأسرى قبل أن تؤمروا عذابٌ عظيم، والآيات فيها عتاب للنَّبيِّ ﷺ على أخذ الفداء قبل أن يكثر القتل والقهر في العدو، ويبالغ فيه.
ولم يوجّه الله ﵎ العتاب للنَّبيِّ ﷺ مباشرة، وإنّما عرّضَ به تلطّفاً به ﷺ ألم ترَ أن الله تعالى قال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ والمراد نبيُّنا ﷺ وقال: ﴿تُرِيدُونَ﴾ ولم يقل: تريد. وإنّما عتب عليه لعلو مكانته عند الله؛ وإلَّا فقد استقرّ حكم الله في النِّهاية على رأيه، فقد وافقه الله تعالى آخراً، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾ [الأنفال] والمعنى: أنَّ الله قد أحلّ لكم الفداء، وأنّه ﵎ غفور لما أخذتم من الغنيمة قبل حِلِّها، رحيم بكم إذ أحلَّها لكم.
وفي صحيح مسلم عن عمر ﵁ قال: " ... فلما أسروا الأسارى، قال رسول الله ﷺ : لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبيّ الله هم بنو العمّ والعشيرة، أرى أن تأخذَ منهم فدية، فتكون لنا قوَّةٌ على الكفّار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا بن الخطّاب؟ قلتُ: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكنّي أرى أن تمكّنا فنضرب أعناقهم، فتمكّن عليّاً من عقيل، فيضرب عُنُقَه، وتمكّني من فُلان ـ نسيباً لعمرَ ـ فأضرب عُنُقه، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلت، فلمّا كان من الغد جئت، فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله، أخبرني من أيّ شيء تبكي أنت وصاحبُك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت، لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ : أبكي للذي عرض عليّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليّ عذابُهم أدنى من هذه الشّجرة ـ شجرة قريبة من نبيّ الله ﷺ وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فأحلّ الله الغنيمة لهم " (١).
стр. 91
أمّا قبول النَّبيّ ﷺ أعذار المتخلّفين عن غزوة تبوك، قبل أن يعرف ذوي العذر في التخلف ممّن لا عذر له، فهذا من اختيار النَّبيّ ﷺ للمفضول من أمرين مباحين، ثمّ يوجّه الله نبيّه إلى الأفضل منهما، قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة].
ومن توهّم أنّ العفو لا يكون إلا عن ذنب أذنبه ﷺ وأنّ العفو إثبات للمعصية أو المخالفة، فالجواب، أنّ معنى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ أي لم يُلْزِمكَ ذنْباً.
ثمّ انظر إلى الآية كيف ابتدأت بالعفو تَوْقيراً لرسول الله ﷺ ورَفْعَاً من شأنه، لأنه كريم على الله، ألم تر أنّ الله قدم العفو على العتاب، وإنما عاتب الله نبيّه لقصور الاجتهاد عن بلوغ درجة الكمال، فالله تعالى يعلّمه الكمال في الاجتهاد، فهو عفو خاص يليق بمقام النُّبوَّة، كذلك فإنّ الله أكرم من أن يعود في عفوه.
أمّا ما قيل في عتاب الله تعالى له في إخفائه أمر زواجه ﷺ من زينب ﵂، وكانت تحت زيد بن حارثة ﵁! وما قيل في خشيته ﷺ قَالَةَ النّاس ولائِمَتَهُم، والله أحقّ أن يخشاه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ... ... (٣٧)﴾ [الأحزاب].
فالجواب، أنّ الّذي حمله ﷺ على إخفاء ذلك خشية أن يرجف المنافقون فيقولون: تزوج امرأة ابنه، فقد كان مُتَبنَّاه قبل نزول تحريم التبنّي، وكان يدعى زيد بن محمّد، فاستشعر النَّبيُّ ﷺ أنّه لو أظهر ذلك لَعَابَهُ مَنْ في قلبه مرض من النّاس، وهذا قد يُحدِثُ تأثيراً في إيمان العامّة، وهذا دليل على أنّ خشية النّاس المشار إليها في الآية لم تكن خشية على نفسه، وإنّما خشية في الله، ولعلّ ما يؤيّد ذلك أنّ الله تعالى أثنى بعد ذلك على الأنبياء الماضين، فقال: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب]، فإذا كان هذا شأن الماضين، فما بالك بشأن خاتم النَّبيِّين، وسيِّد
стр. 92
المرسلين!
وقد أراد الله تعالى أن يُبْطِلَ تَقْليداً كان عليه أهل الجاهليّة، وهو تحريم تزوّج امرأة الّذي يدعى ابناً، ولهذا قال الله في آية التحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ... (٢٣)﴾ [النّساء] وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ... (٤)﴾ [الأحزاب] (١) وقال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ... (٤٠)﴾ [الأحزاب].
فما وقع للنَّبيِّ ﷺ كان بأمر من الله تعالى ليكون أدعى لقبولهم، ولذلك نزلت الآية الكريمة: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب].
والآيات فيها من الفوائد، مثل: التّسليم لأمر الله ورسوله ﷺ ، وشدّة حياء النّبيّ ﷺ ، وجواز عتاب الله تعالى لأنبيائه، وإكرام الله تعالى لزيد ﵁، فهو الوحيد الّذي ورد اسمه في القرآن من الصّحابة ﵃ وسيظلّ اسمه يقرأ آناء الليل وأطراف النّهار على ألسنة المؤمنين والمؤمنات، ومن الفوائد أنّ الله تعالى جعل زوجات النّبيّ ﷺ أمّهات المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... (٦)﴾ [الأحزاب] ولم يجعلِ النَّبيَّ ﷺ أبا أحدٍ من المؤمنين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ... (٤٠)﴾ [الأحزاب] وذلك لإبطال التَّبنِّي، وهناك فوائد أخرى يضيق المقام بها.
أمّا قول من قال: إنّ النَّبيَّ ﷺ أتى منزل زيد، فرأى زينب، فقال: " سبحان الله مقلّب القلوب! " فسمعت ذلك زينب، فذكرته لزيد، فعلم أنّها وقعت في قلبه، وأنَّهُ ذاكَرَهُ في ذلك؛ فنزلت الآية، واحتجّ بأنّ الحديث مبسوط في كتب أهل السّنّة، ومنها " الجواب
стр. 93
الكافي " (١) لابن قيم الجوزيّة.
فقد كان الواجب على من يتعلّل بهذا الحديث، وهو يدري أنّه لا يدري إن كان الحديث صحيحاً أم موضوعاً، أن يسأل أهل الذّكر؛ فلا يكون له أن يجهل على رسول الله ﷺ فوق جهله بكلام الله وأسباب نزوله، ولا يكون له تحميل كلام الله ما لا يحتمله، وتقويله النّبيّ ﷺ ما لم يَقُلْهُ! وهذا الحديث باطل، والخبر لا يصحّ، وقد نبّه على بطلانه غيرُ محققّ.
فالحديث أخرجه ابن سعد في " الطبقات الكبرى " (٢) والطبري في " تاريخ الأمم والملوك " (٣)، والحاكم في " المستدرك " (٤) كلّهم عن محمّد بن عمر، عن عبد الله بن عامر الأسلمي، عن محمّد بن يحيى بن حبّان.
ومحمّد بن عمر (٥) هو الواقدي ضعيف باتّفاق، وقد تداولته كتب الجرح والتّعديل بالتّضعيف، كذلك عبد الله الأسلمي (٦)، أمّا محمّد بن يحيى بن حبّان، ابن مُنْقذ الأنصاريّ فهو تابعيّ، وعلى ذلك فالحديث مرسل، وقد أورده الألباني في " سلسلة الأحاديث الضّعيفة والموضوعة " بلفظ: " تبارك مُصرّف القلوب " وقال: " إسناده ضعيف؛ فإنّه مرسل " (٧).
وعصمةُ النَّبيِّ ﷺ تقتضي سلامة سيرته وسريرته؛ فهو الذي أنزل عليه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر] وهو الّذي يقول في حديثه الشّريف: " إنّه
стр. 94
لا ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين " (١).
أمّا قِصَّة انشغاله عن ابن أمّ مكتوم الأعمى بدعوة كبار المشركين إلى الإسلام والإقبال عليهم أملاً في إسلامهم إعزازاً للدِّين، وعتاب الله تعالى له في ذلك بقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس] وصورة العتاب هذه ليس فيها شيء من إثبات المعصية، لأنّ في العتاب دَفْعَ همّة النَّبيِّ ﷺ لزيادة التأمّل والتّبصر واختيار الأهمّ والأولى.
والقصّة أخرجها الحاكم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: " أُنزلت (عبس وتولّى) في ابن أمّ مكتوم الأعمى، قالت: أتى النَّبيَّ ﷺ فجعل يقول: أرشدني. وعند رسول الله ﷺ من عظماء المشركين، فجعل رسول الله ﷺ يُعرِضُ عنه، ويُقْبِلُ على الآخر، ويقول: أترى بما أقول بأساً؟ فيقول: لا " (٢).
وفي قصّة عبد الله بن أمّ مكتوم فوائدُ بيِّنة: فالله تعالى يعلِّمنا التّلطُّفَ والتَّرفُّقَ بالأعمى. وسبحان الله! ما قرأ عبد هذه الآيات إلاّ اسْتشْعر هذا المعنى، وما رأى عبدٌ أعمى إلاّ تذكر هذه الآيات، فتحمله على الإحسان إليه.
ومن الفوائد أنّ هذه السّورة المؤلّفة من ستَّ عشرة آية ستظلّ تُتْلى ما كرّ الجديدان؛ لتدلَّ على صفتي: الصّدق والتبليغ، فلو كتم النّبيُّ ﷺ شيئاً ممّا أمره الله بتبليغه، لكتم ألوان العتاب هذه!
стр. 95
قولهم: علم النَّبيُّ ﷺ كفرهم ثمّ استغفر لهم !
قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾ [التوبة].
وهناك من قال: كيف يستغفر الرَّسُولُ ﷺ للذين يلمزون المُطَّوّعين في الصّدقات ويسخرون منهم، وقد تَهدَّدهم الله تعالى بعذاب أليم؟! وأخبر: ﴿بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... (٨٠)﴾ [التوبة].
فالجواب، لمّا نزل وعيد اللامزين للمطَّوِّعين في الصّدقات طلبوا من الرّسول ﷺ أن يستغفر لهم، فنزلت الآية الكريمة، وأجود ما يقال أنّه ﷺ إنما استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم، ولو علم ﷺ بكفرهم ما استغفر لهم! والآية الكريمة منسوخة بقول الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ... ... (٦)﴾ [المنافقون].
دعوى أنّ الشّيطان ألقى على لسان النَّبيِّ ﷺ جملة (تلك الغرانيق ... )
ورد في بعض كتب السّيرة والتّفسير والحديث فِرْيةٌ لا مِرْيةَ فيها، خلاصتها أنّ سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحجّ] أنّ النَّبيَّ ﷺ تمنّى لو أنزل الله عليه آية يستميل بها قلوب المشركين، حتّى أنزل الله عليه سورة النّجم، فلمّا بلغ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النّجم] ألقى الشّيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى).
وقد اختلفت طرائق وألفاظ هذه الرّواية لكنّها اتفقت في خلاصتها، مع أنّ الآية الكريمة ليس فيها تصريح أو تلميح لهذه القصّة المردودة عقلاً ونقلاً، وليس في الآية إسناد شيء إلى النَّبيِّ ﷺ ، وإنّما تضمّنت حالة من كان قبله من الرّسل إذا تمنّوا.
стр. 96
ومعتقد كلّ مسلم يؤمن بالله ورسوله ويتّبع سبيل المؤمنين أنّ ما جاء به ﷺ وحي، بشهادة الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النّجم] وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ... (١٧٠)﴾ [النّساء] وأنّ النَّبيَّ ﷺ لا تَنْفَكُّ عنه صِفَةُ العِصْمة عن المعاصي الاعتقاديّة والقوليّة، والفعليّة، فضلاً عن عصمته عن الكتمان والتّحريف، والخطأ والغلط والنّسيان فيما أمره الله بتبليغه، وأنّ الله تعالى لا يقرّه على كذب أو باطل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ [الحاقّة] وأنّ الوحي معصوم، وأنه نزل به بالحقّ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ... (١٠٢)﴾ [النّحل] وأنّ الشّياطين لا يكون لها أن تتنزَّلَ به: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ [الشّعراء].
فقد عصم الله تعالى نبيّه من الشّيطان في جسمه وخاطره ولسانه، ولذلك تقول عائشة ﵂ لمّا خرج رسول الله ﷺ من عندها ليلاً: " فَغِرتُ عليه، فجاءَ فرأى ما أصنعُ، فقال: ما لك يا عائشةُ، أغرتِ؟ فقُلتُ: ومالي لا يَغارُ مثلي على مثلكَ، فقال رسول الله ﷺ : أقَد جاءك شيطَانُك؟ قالت: يا رسول الله، أومعيَ شيْطانٌ؟! قال: نعم، قُلْتُ: ومعَ كلّ إنسان؟! قال: نعمْ، قُلتُ: ومعَكَ يا رَسُولَ الله؟! قال: نعم، ولكنّ ربّي أعانني عليه حتّى أسلم " (١).
وفي عقيدتنا أنّ الله حَفِظَ القرآنَ للنَّبيِّ ﷺ في حالتي النّوم واليقظة، يقرأه في يُسْر وسهولة، قال النَّبيُّ ﷺ فيما يرويه عن ربّه إنّ الله تعالى، قال: " إنّما بعثْتُك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسِلُهُ الماءُ، تقرَؤهُ نائماً ويقظان " (٢) فالقرآن محفوظ.
стр. 97
ولمّا طلب المشركون من النَّبيِّ ﷺ أن يأتي بقرآن غيره أو يبدّله، قال الله له: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس].
ولذلك وصف الله تعالى القرآن الكريم بأنّه كتاب عزيز: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصّلت] وكيف لا يكون كذلك، وهو من لدن عزيز حكيم؟! ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزّمر] وقد وردت هذه الآية باللفظ نفسه في غير سورة، فقد وردت في الزّمر، والجاثية، والأحقاف؛ ليؤكّد الله تعالى أنّ هذا القرآن منيعُ الجَنَابِ عزيز لا تقوى شياطينُ الإنس والجنّ على محاكاته، حتّى بعد وفاة النَّبيِّ ﷺ !
ومن انخدع بهذه القصّة فقد ظلم نفسه، فقد بيّن الله تعالى أنّ الّذين ورثوا الكتاب من عباده أقسام ثلاثة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر].
وهذه الرّوايات الّتي تتحدّث عن هذه القصّة أخرج جُلَّها الطّبريُّ في تفسيره (١)، وقد اختلفت هذه الرّوايات في أسانيدها، وألفاظ متونها، فضلاً عن المناسبة الّتي قيلت فيها، لكنّها اتّفقت في معناها، وهي روايات كلّها مُرْسَلة، أو ضعيفة، أو كلاهما معاً.
فقد أخرج الطّبريّ رواية من طريق أبي معشر، عن محمّد بن كعب القرظي، ومحمّد بن قيس المدني، وهذه الرّواية فيها علّتان: الأولى: الإرسال، محمّد بن كعب، ومحمّد بن قيس تابعيّان، والثّانية: الضّعف؛ فإنّ الرّواي عنهما أبومعشر، واسمه نجيح بن عبد الرّحمن
стр. 98
السّندي، قال عنه الحافظ: " ضعيف، أَسَنَّ واخْتَلط " (١).
وليس الكتاب موضوعاً لبحث هذه الرّوايات، وقد نبّه إلى بطلانها غير عالم، ومنهم القاضي عياض في كتابه (الشّفا) (٢) وابن حزم في كتابه (الفِصَل) قال ابن حزم: " وأمّا الحديث الذي فيه: وإنّهنّ الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى. فكَذِبٌ بحت موضوع؛ لأنّه لا يصحّ قطّ من طريق النّقل، فلا معنى للاشتغال به، إذ وَضْع الكذب لا يعجز عنه أحد " (٣) ومن العلماء من أفْرَدَ لها كتاباً، ومنهم الألباني في كتابه (نصب المجانيق لنسف رواية الغرانيق).
وقد وردت هذه الرّواية عند الطّبراني في (المعجم الكبير) (٤) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، وهي مرسلة؛ لأنّ عروة بن الزّبير بن العوّام، تابعيّ.
وقد يقول قائل: إنّ الآية تؤكّد هذه القصّة، فالله تعالى يقول ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ... (٥٢)﴾ [الحجّ] والجواب أنّ هذه الآية ليس فيها إسناد شيء إلى النَّبيِّ ﷺ ، وإنّما تتحدّث عن حالة مَنْ كان قبله من الأنبياء والمرسلين كما تقدّم. والنَّبيُّ ﷺ ـ كسائر الأنبياء ـ معصوم عن الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه لا سَهْواً ولا عَمْداً.
وقد يقول آخر: أخبر الله تعالى أنّه ﷻ ينسخ ما يلقي الشيطان في أمنيّة النَّبيِّ أو الرّسول، فلماذا لم يمنع الله تعالى الشّيطان من أوّل الأمر أن يلقي شيئاً؟!
وقد أجاب القرآن عن ذلك، قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا
стр. 99
الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ [الحجّ].
وبعد ذلك بيّن الله تعالى أنّ الكفّار سيظلّون إلى يوم القيامة يشكّكون ويضلّلون، ولن تضرّنا شبهاتهم في شيء، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هكذا بصيغة المضارع لإفادة التجدّد والاستمرار ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ أي في شكٍّ من القرآن وتشكيكٍ فيه ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾ [الحجّ].
أقلّوا الّلوم على العلماء، أو سدّوا المكان الّذي سدّوا !
ورواية الغرانيق ابتلاء قديم، وقد أمضى الله علينا الابتلاء قدراً، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت] وأكّد الله ذلك في السّورة نفسها، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ [العنكبوت].
قلت: ولكنّنا مأمورون بدفعه شرعاً؛ ولذلك تعرّض لهذه الرّواية بالنّقد غَيْرُ عالم من العلماء القدماء والمُحْدَثِين الرّاسخين في معرفة علوم الحديث رواية ودراية؛ لكنّهم لم يسلموا من الّلوم ممّن جاء بعدهم، فهذ ا ينتقد القاضي عياض على مأخذه الثّاني في هذه المسألة، لأنّ القاضي كان له في الكلام على مشكل هذا الحديث في كتابه (الشّفا) مأخذان: أحدهما في توهين أصله وأنه حديث لم يخرّجه أحد من أهل الصّحة ولا رواه ثقة بسند سليم، وساق الأدلة على ذلك، والثّاني على تسليمه، أي التّسليم بصحَّة الحديث افتراضاً، واستعاذ بالله من صحَّته، وجَمَعَ الأدلَّةَ على بطلانه عقلاً ونقلاً، وذلك على افتراض صحّته.
ونحن لا ننكر على عالم أن يتعقّب القاضي على هذا التّسليم، لكن أن يوصف رأيه بأنّه ردّة في الفكر، ونكوص عن الحقّ، وأنّ القاضي قد نكص على عقبيه (١)، فإنّ مثل هذا التّعبير
стр. 100
بحقّ عَالِمٍ لا نرضاه من عالم؛ فالعالم يصحِّحُ ولا يجرِّحُ!
فلا يخفى عُنْفُ هذه العبارة؛ فهي مقتبسة من قول الله تعالى في حقّ الشّيطان: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ ... (٤٨)﴾ [الأنفال] أو من قوله تعالى في حقّ المشركين: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)﴾ [المؤمنون] ولا تخفى الاستعارة التمثيليّة في هاتين الآيتين، فقد شبّه الله تعالى الإعراض عن الحقّ بالرّاجع القهقرى إلى الخلف!
وهذا الكلام في حقّ العلماء لا ينبغي أن يقال، ولا أن يُنْقَلَ عنهم؛ فحين يقرأ سواد النّاس هذا الكلام، يظنّون بهم؛ فيتركون ميراثهم! وما ذكرناه إلاّ ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق] فالحذرَ الحذرَ من بيان مسألة صغرى بطريقة تُضيِّعُ مصْلحةً كبرى.
والتّسليم: أن يُفْرض المُحال ويسلّم وقوعه تسليماً جدلياً للدلالة على عدم فائدة ذلك على تقدير وقوعه. والتّسليم الّذي أخذوه عليه ليس عيباً، وإن كان نوعاً من الأنواع المصطلح عليها في علم الجدل؛ فقد ورد التّسليم في كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ [المؤمنون].
فقوله تعالى: ﴿إِذًا﴾ جواب لمحذوف تقديره: لو كان معه إله، والمعنى: لو سُلّم أنّ مع الله إله لزم من ذلك التّسليم ذهاب كلّ إله بخلقه، وألاّ يرضى إلهٌ أن يُضافَ خَلْقُه إلى غيره، ولتنازعوا في الملك ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وغلب بعضهم بعضاً وقهره، فلا يتمّ في الكون أمر ولا تنتظم أحواله، فإذا تقرّر نفي المشاركة لأنّ الواقع خلاف ذلك دلّ على نفي
стр. 101
الولد أيضاً؛ لأنّ الولد ينازع في الملك. وقد جاءت ﴿مِنْ﴾ في الموضعين زائدة: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ وإنّما زيدت لتوكيد النّفي. فهذا الأسلوب متّبع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا﴾ فرضاً ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ... (١٤)﴾ [فاطر] وله شواهد حسبنا منها ما ذكرناه.
وكثير هم الّذين انتقدوا القاضي عياض وابن حجر وغيرهما من العلماء الأجلاّء الّذين لا نعلم أنّ الله أعطى أحداً منهم موثقاً من الخطأ أو الوهم أو النّسيان، ولا يسعنا إلاّ أن نتمثّل قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ... (١٩٩)﴾ [الأعراف].
وقد أخذوا على ابن حجر مأخذين: الأوّل: أنّه بعد أن ساق طرق القصّة وبيّن أنّها كلّها سوى طريق سعيد بن جبير ضعيف وإمّا منقطع، قال ﵀: " لكن كثرة الطّرق تدلّ على أنّ للقصة أصلاً " (١) ولم يغفروا زلّته، ولم يكفهم أنّ غير عالم، ومنهم الألبانيّ ﵀ قد نبّه إلى ذلك من عُقُود! فحتّى يومنا هذا وهم يناقشون ما ذهب إليه، قلت: والحمد لله أنّ ابن حجر لم يقل: للقصة أَصْلٌ ثابت أو صحيح، وإلاّ لو صَارت الأشجارُ أقلاماً، والبحار مداداً ما استطاعوا أن يُشْبِعوا الموضوع حقّه!
والثّاني: أنّ ابن حجر ارتضى في تأويل الآية قول القائل: كان ﷺ يرتل القرآن فارتصده الشّيطان في سَكْتةٍ من السكتات ونطق بتلك الكلمة محاكياً نغمته بحيث سمعه من دنا، فظنّها من قوله وأشاعها، قال ابن حجر: " وهذا أحسن الوجوه " (٢).
قلت: وهذا الّذي اختاره ابن حجر على التّسليم بأنّ هناك من يحتجّ بالمرسل، أو يحتج بتعدد طرق الحديث واعتضاد بعضها ببعض. وقصّة الغرانيق معلوم أنّها باطلة مناسبة وسنداً ومتناً، ونصّها مخالف لأصل من أصول العقيدة، وهو عصمة النَّبيِّ ﷺ من أن يدسّ عليه
стр. 102
الشّيطان شيئاً أو يحاكيه فيما يبلّغه عن ربّه، والمنعم النّظر في كلام ابن حجر يعلم أنّه لا يخفى عليه ذلك، وأنّه إنّما ساق الرّوايات ليوهنها، وساق القصّة ليظهر عوارها! أمّا اختياره وترجيحه فقد قدّمنا أنّ العالم ليس معصوماً عن الزّلل ولا منزّهاً عن الخطل.
هذا وينبغي على من يقرأ الكتاب والسُّنَّة وسيرة السّلف الصّالح أن يجد ما يغرس في قلبه حسن الظنّ بالعلماء الأحياء منهم والأموات، فإذا رأت عينه عيباً حمله على أكمل نيّة لهم، وأوَّلَهُ إلى أقرب معنى للخير، والتمس أحسن التّأويلات، وبرّر لهم واعتذر، إذ هم أَهْلٌ لذلك، والله تعالى أعلم بما في الصّدور! ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [العنكبوت].
فقد أمرنا الله تعالى أن نقدّم حسن الظنّ دائماً بإخواننا المؤمنين، قال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ... (١٢)﴾ [النّور] فابن حجر لا يتعمّد مخالفة الرّسول ﷺ أو أن يكذبَ عليه متعمّداً، وغزارة علمه وفضله يشهدان بذلك، لكنّه مجتهد، فإن أخطأ فقد عفا الله عن المخطئ في اجتهاد، بل أعدّ له أجراً حسناً، فلا يلام من أصاب أجراً! والله نسأل أن يُؤْتيَ علماءنا أفضل ما آتاه مَنْ رجاه بخير نيّة!
فما أعظم أنْ يجلَّ العلماءُ بعضهم بعضاً! فالعلماء يتوادّون ويتراحمون كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ... (٩)﴾ [الحشر]، وكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ... (١٠)﴾ [الحشر].
والعالم من عُدَّتْ هفواتُه، وأحصيت سقطاته، ويكفي العالم شرفاً وفخراً أنْ تُعَدَّ معايبُهُ، كما قال يزيد المهلّبي:
ومن ذا الّذي تُرضى سجاياه كلّها ... كفى المرء نبلاً أن تُعَدّ معايبه
وابن حجر من جبال الحفظ الرّواسي الذي نذعن له بالفضل؛ فقد سَلَخَ من عمره قرابة الأربعين عاماً في الاشتغال بكتابه " الإصابة " وقد أشار إلى ذلك في نهاية الجزء
стр. 103
السّادس (١)، وقرابة الثلاثين عاماً في كتابه " فتح الباري " (٢) فكم من الوقت استغرقت بقية كتبه! فقد أنفق ﵀ نفائس أيامه بالاشتغال بالعلوم الشّرعيّة المتلقّاة عن سيّد البريّة والّتي مدارها على كتاب الله المقتفى وسنّة نبيّه المصطفى. والقاضي من جبال العلم الشّامخة الذي يستصغرُ الإنسانُ نفسه بين يديه! وهذا أو ذاك عنده من خشية الله تعالى ما يرفعه إلى درجة العلماء المغفور لهم إن شاء الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر].
ورحم الله أبا عمرو زرعة السّيباني إذ قال: " ما نحن فيما مضى إلاّ كَبَقْلٍ في أُصُولِ نخلٍ طوال " فإذا كان أبو عمرو كبقلٍ أفلا نكون على الأقلّ كشوكٍ نذودُ به عن جنى هؤلاء العلماء؟!
دعوى أنّ القرآن فيه آيات متناقضة متعارضة !
من الدّعاوى الّتي ملأ الجهلاء بها ما بين الخافقين ضجيجاً وعجيجاً، زعمهم أنّ القرآن الكريم فيه آيات ينقض بعضها بعضاً، ويردّ بعضُها الآخر، ولا أعدو الحقيقة إن قلت: ما من مخلوق نظر في كتاب الخالق يلتمس عيباً ليطعن فيه إلاّ رجع إليه بصره خاسئاً ذليلاً! فكيف يكون في القرآن تناقض واختلاف، وهو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصّلت] وإنّما هي دعوى مَنْ لا دراية له بمبادئ علوم القرآن فضلاً عن غوامضها، ولذلك فإنّ أيّ قصور في الجمع بين الآيات والتّوفيق بينها، فهو قصور تتّهم فيه العقول!
ومن ذلك قولهم: كيف نوفّق بين قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى
стр. 104
وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ... (٣)﴾ [النّساء] وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ... (١٢٩)﴾ [لنّساء] قالوا: آية تشترط العدل لتعدّد الزّوجات وتثبت إمكان وقوعه، وآية تنفي العدل وإمكان تحقّقه! وقالوا: ولماذا لم يُقتصر على الواحدة طالما أنّ العدل بين النّساء مَنْفِيٌّ بصريح الآية؟! وكيف يُكَلَّفُ الرِّجالُ العَدْلَ بين النّساء ويخبر أنّهم لا يستطيعونه؟!
وقد أجاب سَلَفُنا عن ذلك ما خلاصته أنّ العدل المنفيّ غير العدل الأوّل، فالعدل في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ... (٣)﴾ [النّساء] المراد منه العدل الظّاهر في القسمة والنّفقة بين الزّوجات، والتّسوية في حقوق النّكاح، ومعاشرتهنّ بالمعروف، وهو أمر مستطاع، والقيام به فرض، والعدل المنفيّ في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ... (١٢٩)﴾ [النّساء] المراد منه العدل في المحبّة، وهو أمر باطن أخبر أنّهم لا يستطيعونه، ولم يكلِّفهم به، فلا إشكال بين الآيتين.
فالمراد أنّ الله كلَّفَ الرِّجالَ بالعدل الظّاهر المستطاع، وهو الإنفاق، والّذي أخبر عنهم أنّهم لا يستطيعونه لم يكلّفهم إيّاه، وهو مَيْلُ النّفس والمحبّة، فالعدل بين النّساء من كلّ جهة هو المنفيّ.
فإذا أدّى الرّجل لكلّ واحدة منهنّ كسوتها، ونفقتها، والإيواء إليها، لا يضرّه ميلُ قلبه إلى واحدة منهنّ دون سواها؛ ولهذا كان النَّبيُّ ﷺ يعدل بين أزواجه في الإنفاق، وقد أخرج الحاكم وغيره عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدلُ، فيقول: " اللهمّ هذا قَسْمِي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (١) قال إسماعيل القاضي: يعني القلب وهذا في العدل بين نسائه. وصدق الله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي
стр. 105
الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... (٨٣)﴾ [النّساء].
قال الجهلاء: وكيف الجمع بين قوله تعالى في حقّ أمّة محمّد ﷺ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... (١١٠)﴾ [آل عمران] وقوله تعالى في حقّ بني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ [البقرة] وعضدوا جهالتهم بقولهم: كيف يستقيم هذا، وقد أكّد الله تعالى تفضيل بني إسرائيل على العالمين بأنْ ذكر الآية مرتين في السّورة نفسها، فقد قال الله في الآية الثَّانية والعشرين بعد المائة: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾ [البقرة] قالوا: وهذا التّكرير للتوكيد!
والجواب، أنّ تفضيل الله تعالى لبني إسرائيل لا يخفى أنّه كان على عالمي زمانهم، وهو من باب العام الّذي أُريْدَ به الخاص، والفعل (كان) في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ لا يراد به المضيّ والانقطاع، وإنّما يراد به الاستقبال والحال، وهذا الحكم جاء مُعَلَّلاً، فعلّة الخيريّة فسّر سببها قوله تعالى بعد ذلك ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... (١١٠)﴾ [آل عمران] والآية وإن كانت خطاباً لأصحاب النَّبيِّ، فهي عامة في أمّة النَّبيِّ ﷺ الّتي لا يخلو عصر ممّن يأمر منها بالمعروف وينهى عن المنكر.
ومن باب العام الّذي يُرادُ به الخاص قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران] فالله تعالى لم يصطفهم على سيّدنا محمّد ﷺ ، وإنّما أراد عالمي أزمنتهم. ولابن قتيبة في كتابه " تأويل مشكل القرآن " (١) بحثٌ ثَرٌّ في ذلك.
قال الجهلاء: كيف عمّ الله تعالى الآيات بالإحكام في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ... (١)﴾ [هود] وخصّ بعضها بالإحكام في سورة آل عمران فقال: ﴿هُوَ الَّذِي
стр. 106
أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... (٧)﴾ [آل عمران].
قالوا: وكيف يمكن التّوفيق بين آية ذكرت أنّ القرآن كلّه محكم: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ... (١)﴾ [هود] وآية ذكرت أنّ القرآن كلّه متشابه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ... (٢٣)﴾ [الزّمر] وزعموا أنّ بين الآيتين تعارضاً!
وخلاصة القول: القرآن الكريم منه آيات محكمات هنّ معظم الكتاب، ومنه آيات متشابهات. وقد جعله الله كلّه محكماً في قوله ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ... (١)﴾ [هود] بمعنى ليس فيه عيب، وجعله متشابهاً في قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا ... (٢٣)﴾ [الزّمر] بمعنى أنّه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والصّدق وغير ذلك.
وعلى ذلك، فالإحكام الّذي عَمَّ به في سورة هود غير الذي خَصَّ به في سورة ... آل عمران، وما قيل في الإحكام يُقال في المتشابه. وهكذا يتّضح أنّ الإحكام لا يأتي على معنى واحد كما يتوهّمون، وقد ذكر ابن القيّم في (شفاء العليل) ثلاثة معان للإحكام (١).
والجواب من وجه ثانٍ أنّ الله أوقع العموم على معنى الخصوص، أي ذكر أنّ الكتاب كلّه محكم وأراد الخصوص أو الجزء، ثمّ ذكر أن الكتاب كلّه متشابه وأراد الخصوص، وهو باب يُعرفُ في البلاغة بالمجاز المرسل وعلاقته هنا الكلّيّة.
قالوا: هناك تعارض بَيِّنٌ بيْنَ قوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] وقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾ [الطّور] فآية تنفي التّساؤل بينهم، وآية تثبته.
هذا، ولا تَشَابه بين الآيتين، فحين لا يتساءلون، فذلك حين ينفخ في الصّور النّفخة الأولى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون]
стр. 107
وكيف يتساءلون ولا يبقى حَيٌّ حينها في السّماء ولا في الأرض إلاّ ما شاء ربّك؟! قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزّمر] وعلى ذلك، فهم يتساءلون في النّفخة الأخرى الّتي يُبْعثون بها، فالآية توضّح الآية.
قالوا: وما قولكم في آية تنفي أن يكتم المشركون ربّهم حديثاً عمّا عملوه، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النّساء]، وآية تثبت أنهم يكتمون ويقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام].
وقد أجاب أهل التّأويل ما حاصله أنّ جوارحهم لا تكتم الله حديثاً، وإن جحدت بذلك أفواههم، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس] وذلك أنّهم لمّا رأوا أنه لا يدخل الجنّة إلاّ المسلمون، يجحدون بأفواههم أنّهم كانوا مشركين، فيختم الله على أفواههم وتنطق جوارحهم؛ فيعلمون أنّ اللهَ لا يُكْتَمُ حديثاً.
قالوا: فقد ذكر الله تعالى في سورة النّازعات خَلْقَ السّماء قبل خلق الأرض، فقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النّازعات].
وفي سورة فصّلت ذكر خلق الأرض قبل خلق السّماء، فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصّلت] فآيةٌ تُشعِرُ بأنَّ خلقَ السّماء مُتَقدِّمٌ على خلق الأرض، وآية تشعر بأنّ خلق السّماء متأخّر عن خلق الأرض؟!
قلت: المعنى الظّاهر أنّ الله تعالى خلق الأرض في يومين أَوَّلاً غير مدحوّة، ثمّ خلق
стр. 108
السّماء في يومين، ثمّ دحا الأرض وبسطها ومدّها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي مع اليومين الّلذين تقدّما قوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾؛ وعلى ذلك، فالأرض متقدّمة على السّماء خلقاً، متأخّرة عنها دحواً، وهكذا يندفع الإشكال.
قالوا: لكنّ الله تعالى يقول في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ... (٢٩)﴾ [البقرة] قالوا: وخَلْقُ ما في الأرض جميعاً لا يكون إلاّ بعد دحوها، والآية دلّت على أنّه تعالى خلق ما في الأرض جميعاً ـ أي أنّه دحاها ـ قبل خلق السّماء، وهذا يُبقي الإشكال قائماً، ولا يندفع الإشكال بمثل هذا الجمع.
قلت: لعلّ هذه الآية أجملت ما فُصّل في سورة فصّلت من ترتيب خلق الأرض والجبال من فوقها، والمباركة فيها، وتقدير أقواتها، وخلق السّماء بعد ذلك، ثم دحو الأرض؛ فالقرآن يفسّر بالقرآن أوّلاً، فإن تعذّر فبالسُّنَّة، والله أعلم؛ فإنْ خَفِيَتْ حِكْمَةٌ فهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ [النّحل].
قالوا: ولِمَ خصّ الله تعالى الكفّار دون المؤمنين في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ... (٢٠)﴾ [الحديد] قالوا: فهذا ممّا يستوي فيه الكفّار والمؤمنون، فلو أعجب نباتُ الغيث المؤمنين ما نقص إيمانهم شيئاً؛ فأيّ حكمة في إعجاب الكفّار دون المؤمنين؟
ولا يخفى أنّ الكفّار في الآية بمعنى الزُّرّاع، فالعرب تقول للزَّرَّاع: كافر؛ لأنّه يَكْفُر البَذر المبذور بتراب الأرض إذا أمَرّ عليها مالَقَه، فيستره، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ... (٢٩)﴾ [الفتح].
قالوا: وكيف تكون القوارير وهي زجاج من فضّة؟ كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ ... (١٦)﴾ [الإنسان] قالوا: وكيف تكون الحجارة من طين؟ كما جاء في قوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ [الذّاريات] قالوا: وأيّ شيء أكثر من هذا
стр. 109
الاختلاف تريدون؟!
أمّا قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ ... (١٦)﴾ [الإنسان] فهذا على التّشبيه، أراد أنّها قوارير (أكواب) لها بياض الفضّة وصفاء الزّجاج يرى باطنها من ظاهرها. أمّا قوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ [الذّاريات] ... فذكر ابن عبّاس أنّها: الآجُرّ. والآجُرّ: طبيخ الطّين، أو حجارة الطّين؛ لأنّه في قسوة الحجارة ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية].
قالوا: فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النّساء] وكان: فعل معناه المضيّ والانقطاع؛ فكأنّه كان ثمّ مضى؟!
ولا يخفى أنّ فعل الكينونة جاء هنا بمعنى الدّوام والاستمرار والأزل والأبد، أَي أنَّ الله كان ولم يَزَلْ كذلك، وعلى هذا المعنى تُحْمَلُ جميع الصّفات الذّاتية المقترنة بالفعل كان، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾ [الأنبياء].
والفعل كان يأتي بمعان أخرى، فهو يأتي بمعنى الحال، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النّساء] وبمعنى الاستقبال: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان] وبمعنى صار: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [لبقرة] وغير ذلك.
قالوا: وكيف الجمع بين آية تصف الأولاد أنّهم زينة الحياة الدّنيا كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... (٤٦)﴾ [الكهف]، وآية تحذّر من الأولاد وأنّ منهم عدواً يجب الحذر منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ... (١٤)﴾ [التّغابن].
ومن قرأ أسباب النّزول زال عنه هذا الإشكال، فقد أخرج التّرمذي عن ابن عبّاس
стр. 110
وسأله رجل عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ... (١٤)﴾ [التّغابن]، قال: " هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكّة وأرادوا أن يأتوا النَّبيَّ ﷺ فأبى أزواجُهم وأولادُهم أن يَدَعُوهم أن يأتوا رسول الله ﷺ ، فلمّا أتوا رسول الله ﷺ رأوا النّاس قد فقهوا في الدّين هَمُّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله : ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التّغابن] " (١).
وبعض هذه المسائل المتقدّمة قديمة مُتَجَدِّدة، فقد روى البخاري عن سعيد، قال رجل لابن عبّاس: " إنّي أجد في القرآن أشياءَ تَخْتلفُ عليّ، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾ [الطّور].
﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النّساء] ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام] فقد كتموا في هذه الآية.
وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ [النّازعات] إلى قوله ﴿دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النّازعات] فذكر خلق السّماء قبل خلق الأرض، ثمّ قال ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... (٩)﴾ [فصّلت] إلى ﴿طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصّلت] فذكر في هذه خلق الأرض قبل السّماء.
وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النّساء] ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النّساء] ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [النّساء] فكأنّه كان ثمّ مضى!
فقال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النّفخة الأولى، ثمّ ينفخ ﴿فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي